آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
د - وها هو الشيخ عبد القادر ﵀، يجلى لنا روعة البيان القرآني في تشبيهاته، بأسلوب جذاب فيه الحركة والحيوية موشيًا ذلك بأقوال العرب في أشعارها، نستمع إليه عند تفسير قول الله ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ من سورة المرسلات يقول: فهم المخاطب من أوصاف الظل في الآية السابقة أنه ظل جهنمي، وأن المراد به الدخان المنعقد في سماء جهنم، فلم يتردد في كون ضمير (إنها ترمي المؤنث) -عائدًا إلى جهنم أو دار العذاب، على أنه يصح أن يرجع الضمير المذكور إلى قوله (ثلاث شعب)، التي قلنا إن المراد بها ذوائب اليحموم المتكاثف، في سماء تلك الدار، فهو دخان لا كالدواخن المعقودة، وله صفات غريبة غير معهودة، من ذلك (أنها) أي شعب اليحموم وذوائبه (ترمي) على المستظلين بها من آونة إلى أخرى.
(بشرر) جمع شررة، وهي ما يتطاير من النار أثناء تلظيها، وكل واحدة من هذا الشرر (كالقصر) أي كالبيت المبني، وقد يستعظم السامع هذا الوصف، ويستغرب تشبيه الشرر بالقصر، لأنه إنما يفهم من القصر حسب المشهور في معناه -البناء العظيم المشرف، فيقول: كيف تكون الشررة الواحدة المتساقطة من ذلك الدخان، أو من تلك النيران كالقصر؟ بل ربما ذهب خياله إلى قصور الملوك الباذخة ذات الشرف والقمم والأبراج الشامخة، فيستغرب الوصف ويستبعد الأمر، ولكن القصر إن كان يطلق في لغة العرب على هذا الضرب من المساكن الشامخة، فإنه يطلق على كل بيت من حجر ولو كان صغيرًا لائطًا. بل قال ابن عباس ﵄: (إن تشبيه الشرر بالقصور وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك -أي قليلة الارتفاع- جارية في هيئاتها وشكلها مجرى الخيام) وقد لمح أبو العلاء المعري
стр. 912
قول ابن عباس هذا، فقال يصف نارًا عظيمة، ويشبه شررها بالخيام:
حمراء ساطعة الذوائب في الدجى. . . ترمي بكل شرارةٍ كطرافِ (١)
وقد فسر بعضهم (القَصْر) الذي شبهت به الشرارة بجزل الحطب، أي الغليظ من أعواده، وكأن هذا القائل استبعد أن يكون المراد بالقصر البيت الحجري لما ذكرنا آنفًا، مع أن تفسيره به من أحسن التشابيه وأشدها انطباقًا على ما كان مألوفًا للعرب في ذلك العهد، وكثيرًا ما شبه شعراؤهم النياق بالقصور.
قال عنترة:
فوقفتُ فيها ناقتي فكأنها. . . فَدَنٌ (٢) لأقضي حاجةَ المتلَوِّمِ
وقال امرؤ القيس:
ولما أن جرى سمن عليها. . . كما طينت بالفدن السِّيَاعا (٣)
يريد أن ناقته لما سمنت، كان اللحم متراكبًا عليها، تراكب الطين على جدران القصر.
وقال الأخطل:
كأنها برج رومي يشيده. . . لُزَّ بِجِصِّ وآجرٍّ وأحجار
وقالوا في وصف نياق أو أفراس: (إن وقفن فمَجَادل، أو مررن فأجادل والمجادل القصور والأجادل الصقور).
ثم ذكر الكتاب لشرر جهنم تشبيهًا آخر، غير تشبيهها بالقصر، قال: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]، أي كأن شرر جهنم المتطاير عنها (جمالات)
стр. 913
جمع جمل وهو الحيوان المعروف، كما قالوا رجل رجال ثم رجالات، ومن جموع جمل أيضًا جمالة، وقرئ به أيضًا، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، شبه الشرارات بالجمالات في عظمها ولونها، ثم في كثرتها وانتشارها هنا وهناك، في المراعي وفي تتابع بعضها إثر بعض، وهي سائرة في قطارها، وهكذا الشرارات، تنبعث الشرارة إثر الشرارة، أثناء تلظي نارها.
و(الصفر) ذات اللون الأصفر المعروف، أو المراد بالصفرة هنا: السواد الضارب إلى الصفرة، فإن هذا اللون هو اللون الغالب في ألوان الإبل عند العرب، والعرب يستعملون وصف (الأصفر) فيما كان لونه كالذهب والزعفران، وفيما كان لونه أسود كالغراب والدخان، فهو من أسماء أو صفات الأضداد، حتى فسر بعضهم قوله تعالى في وصف بقرة بني إسرائيل ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ بأنها سوداء خالصة اللون، وكما جعل بعض المفسِّرين (القَصْر) في الآية بمعنى جذوع الحطب الضخم، لا البيوت المعروفة، كذلك جعل بعضهم (الجِمَالات) جمع الجمل بمعنى القلس، لا الحيوان المعروف، والقلس حبل السفينة الضخم).
وقال: إن الكتاب يشبِّه الشرر في تتابعه وتلاحقه، واتصال كل شرارة بأختها بحبال السفن الضخمة البالغة الغاية في الثخانة والطول، فشرارات نار دار العذاب في ضخامتها وتماسكها ولونها الأصفر الضارب إلى السواد -كالقلوس أي حبال السفن التي هذه صفتها، والحاصل أن الوحي الإلهي شبه شرار جهنم في كبرها ولونها بالقصور والجمال، أو بجذوع الحطب والحبال، ولا تعجب من قرن الجمال الصفر بالقصور الحمر في الذكر، ولا من الجمع بينها في التشبيه، فإنك إذا نظرت إلى قرية من قرى العرب وقصورها، أي أبياتها الصغيرة اللائطة، المحمرة والمصفرة بلون طينها أو ترابها أو حجارتها، وهي منتشرة هنا وهناك في جنبات السهل الأفيح، ويتخللها أو يسرح في كل جانب
стр. 914
من جوانبها، نياق وجمال مصفرة اللون أو مسودته، ترعى وتتناول بمشافرها أوراق الشيح والقيصوم، تارة هنا وطورًا هناك -إذا وقع نظرك على ذلك، لمحت من بعد في آن واحد أجسامًا صغيرة حمراء أو صفراء أو سوداء، تتراءى لك من خلال الكلأ والعشب الأخضر، هذه البيوت هنا وهذه الجمال هناك، في مشهد واحد، وإذ ذاك لا تعود تستبعد تشبيهه الشرارات الجهنمية، بتلك الأبيات والجمالات، ولا تستغرب قرنهما حقًّا في الذكر، بل تستحلي ذلك وتعجب به، وأمر هذه التشابيه ووقعها في النفوس، وقربها أو بعدها من الأذواق، مرجعه الألفة والاعتياد، ومقدار تأثر الحواس والمشاعر بها، وهذه منشأ خطأ الكثيرين، لا سيما الذين يجهلون أحوال العرب، وأطوار معايشها وأساليب حياتها، في حكمهم على القرآن وبلاغته ... يرونه يصفُ وصفًا، أو يطلق قولًا، أو يورد تشبيهًا أو يحكي قصة غير مألوفة لنا اليوم، ولا مما جرينا عليه في أساليب كلامنا، ولا مما اعتدنا أن نشعر به في حياتنا وأطوار اجتماعنا، ويكون السبب في قصور حكمهم مخالفة ما نحن عليه لما عند أولئك العرب المخاطبين بالقرآن الذي روعي في آياته وأساليب خطابه، ما اعتادوه وألفوه هم، كما قال ابن عباس في تشبيهه شرر الناس بالقصور: (إنه وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك، جارية في هيئتها وشكلها مجرى الخيام)، ولعل ابن عباس إنما قال هذا، بعد أن رأى قصور الشام والعراق، التي يستحلي شعراؤهم أن يشبهوها -منذ يرونها مبثوثة بين المروج- بالدرّ بين الزبرجد.
قال شاعرهم:
لاحت قراها بين خضرة مرجها. . . كالدرّ بين زبرجدٍ مكنون (١)
هذا هو الشيخ عبد القادر في أسلوبه، وهو يصدر المعاني كأنما قلمه ريشة فنان، ولكن هذا لا يُكتفى به، ليعطي صورة صحيحة عن مفسر القرآن. وإذا
стр. 915
كانت النماذج السابقة جعلتنا نقف على أسلوب الرجل وطريقته، فإن من الضروري أن نتعرف إلى آرائه وأفكاره، بصفته من أبرز رجال مدرسة لها أثرها وخطرها في تفسير القرآن الكريم.
بروز خصائص المدرسة العقلية في تفسيره:
لقد عشنا مع المغربي الأديب فلا بد أن نعيش كذلك مع المغربي العالم.
والناظر في تركة الشيخ من تراث قرآني يدرك لأول وهلة أنه كان أكثر تأثرًا بالشيخ محمد عبده، حتى من الشيخ رشيد، وبخاصة في توسيع دائرة العقل، ويتصل هذا التأثر بمدرسة الاعتزال، ومن خلال هذا التفسير سنلمح كذلك عدم عناية الشيخ بالسنّة، وتأويله كثيرًا من الآيات بالتمثيل، لتنسجم مع معطيات العلم الحديث.
أولًا: نزعته العقلية وتأثره بالاعتزال: يقص علينا الشيخ في مقدمته، أن اللجنة التي شكلتها مشيخة الأزهر لدراسة تفسيره قبل أن يطبع، كان من ملاحظاتها أنها وجدت عدة نقاط قررها بما يتفق مع مذهب المعتزلة، وقد اضطر إلى حذفها من تفسيره إلا أن آثار الاعتزال بقيت فيه وقد ظهر بعضها في النماذج السابقة.
أ- فهو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] يبين مذهب أهل السنّة، ومذهب المعتزلة في رؤية الله، ثم يقول بعد ذلك: (ويا ليت المسلمين أضربوا في صدرهم الأول، عن الاختلاف في أمثال هذه المسألة، مما كان الخلاف فيه لفظيًا أو فلسفيًا، أو لا تكون له نتيجة عملية، أو لا ينقض أصلًا من أصول الدين) وكان الأحرى بالشيخ أن يسير مع أهل السنّة لا على سبيل التعصب، ولكن لأن الآثار ترجح ما ذهبوا إليه، وأن ينحي باللائمة على المعتزلة، لأنهم هم الذين أثاروا مثل هذا الخلاف، ولم يظهر هذا الخلاف في الصدر الأول كما يدّعي.
ب- وإذا كان الشيخ قد تأثر بالمعتزلة بعامة، فإنه كشيخه الإمام تأثر بأبي مسلم
стр. 916
بخاصة، فهو ينقل مستحسنًا كلما سنحت فرصة رأي أبي مسلم. من ذلك مثلًا قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦] وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرب لما كانوا يقرون بوجود الله تعالى، ويزعمون أنه في السماء خوطبوا في الوحي على حسب اعتقادهم، فقيل لهم: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي أأمنتم أيها القوم ذاك الإله العظيم الذي تعتقدون أنه موجود في السماء، أن يهلككم! هذا ما قاله أبو مسلم، وهو دقيق جدًّا).
وعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي يوم هو، أفي الآخرة أو الدنيا؟ يقول: (وذهب أبو مسلم الأصفهاني مذهبًا في تفسير هذه الآيات لا أراه بالبعيد، فقد قال: إن ذلك اليوم في الدنيا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ ويوم القيامة لا يدعى فيه إلى عبادة) ومع بعد هذا عن المتبادر من الآيات، إلا أن الأستاذ يستحسنه ولا يرى فيه بعدًا ولا به بأسًا.
جـ - ومن هذا القبيل ميله إلى التمثيل في كثير من الآيات، والتمثيل شائع كثيرًا عند المعتزلة. فمثلًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، إن هذا من باب التمثيل).
ويبسط هذا حينما يتحدث عن نعيم الجنة في رسالته (الحجج الظاهرة في ما هي ملذات الآخرة) فهو يذكر أن للناس في نعيم الآخرة ثلاثة مذاهب:
أولًا: مذهب الجمهور ويحملون الآيات على حقيقتها، مستندين إلى قدرة الله والإمكان العقلي.
ثانيًا: مذهب المتصوفة ويفسرونه تفسيرًا روحانيًا.
ثالثًا: مذهب اللغوين الذين يدركون أسرار اللغة ومزاياها.
وأما المذهب الأول فهو مذهب المقلدين الجامدين (هكذا يقول الشيخ وبكل
стр. 917
جرأة! ومن هم هؤلاء المقلدون الجامدون؟ إنهم ليسوا متأخري الفقهاء، ولا صغار العلماء، وإنما هم الجمهور كما قال هو! ... الجمهور إذن هم المقلدون الجامدون! ، سبحان الله إنه ليس أسهل على رجال هذه المدرسة، من أن يصفوا غيرهم بالجمود والتقليد، ولو كان هؤلاء كبار الأئمة المجتهدين! ! ويخلص الشيخ إلى القول بأن أصحاب المذهب الثالث، هم الذين أصابوا عين الحقيقة، ويستدل لذلك بأمثلة كثيرة منها: (إن التمثيل معروف في لغة العرب، ويستشهد بأقوال من الشعر العربي لا تنهض له دليلًا، ولست بصدد مناقشتها في هذا المجال، فنحن لا ننكر التمثيل والصور المنتزعة من المحسوسات، لكننا لا نرى أن مجال التمثيل ينبغي أن تتسع له دوائر الألفاظ كلها، ولا بأس من أن أنقل بعض عبارات الشيخ (ولا يتوهمن أحد ما قلناه هو بعينه قول المتصوفة السابق، لأن المتصوفة إنما يجعلون مدلولات هذه الألفاظ الدالة على الملذات، أمورًا ذوقية تحسّ بها طائفة خاصة، بينما نحن نقول بأن لتلك الألفاظ مدلولات علوية تلائم الحياة: الحياة الأخروية، لا نستطيع اكتناهها في حياتنا الدنيا، وإنما فعل الشرع ذلك تفاديًا من وضع كلمات جديدة، لهذه المسرات الأخروية، ليست من لغة العرب المخاطبين ولا يفهمونها. والحكمة تقضي أن لا يخاطبهم إلا بما يفهمون، لتنهض الحجة عليهم، وما فعله الشرع من نقل هذه الكلمات من معنى إلى معنى، لم يكن بدعًا من عادة العرب) (١).
ثم يقول: (ومحصل القرآن حمل آيات النعيم، ووصف اللذائذ الأخروية على المعنى الكنائي، والأسلوب التمثيلي -كما وقع في قول الخنساء وأقوال الكثيرين غيرها، من فحول فصحاء العرب وبلغائهم- لا يضر تلك الآيات، ولا يحط من قدر بلاغتها وقيمة إعجازها، بل هو على العكس يزيدها رونقًا وبلاغة وحسنًا، ويرفعها درجات في معارج الإبداع والإعجاز) (٢).
стр. 918
ونتساءل هنا إذا كانت الآخرة وما فيها غيبًا من الغيوب، التي ليس لها طريق إلا خبر المعصوم، وإذا كان لا يعدل عن الحقيقة بغيرها إلا بسبب، فما هو الداعي الذي دعانا إلى حمل هذه الآيات على الكناية والتمثيل؟ يجيب الشيخ عن هذا التساؤل:
أولًا: إن دار الآخرة دار الكمال المطلق، وهي مغايرة بطبيعتها وسننها وجميع نواميسها لدار الدنيا.
ثانيًا: ذكر الوحي مشتهيات ومسرات وأسباب لذة وصنوف نعيم يتنافس بها العرب المخاطبون لذاك العهد، ويعدونها من أكرم الملذات.
ثالثًا: إن الوصائف والمطاعم والمشارب والملابس والأواني، وضروب الزينة، هي مما يزهد فيه كثيرون من أهل الدنيا لا نمثل لك بالأنبياء والصديقين والربانيين، بل ببعض ذوي النفوس الكبيرة والعقول الثاقبة والحكمة الرائعة من أبناء الدنيا) (١).
وما ذكره الشيخ من هذه الأسباب ليس مسوغًا للخروج عن الحقيقة، بل إن كل ما ذكره يمكن أن يناقش ويرد، ويقيني أنه ليس هذا هو السبب الحقيقي، بل إن السبب الحقيقي وراء هذا كله شعور داخلي يطارد كثيرًا من الناس، الذين يظنون أن ما يشيعه خصوم الإسلام من تهم وافتراءات وتقولات، يحتم علينا أن نقف موقفًا دفاعيًا، فنتأول الآيات ونخرجها عن حقيقتها. من أجل ما يقول أولئك، إنه انهزام مع كل أسف، ولعلي لا أتجنى على الحقيقة كما تجنى عليها هؤلاء، وإذا رجعنا إلى بعض عبارات الشيخ ندرك السبب الحقيقي الذي من أجله يعدل عن الحقيقة إلى غيرها، يقول الشيخ: (ولا سيما أن الزنادقة مبغضي الإسلام، قاموا في هذه الأزمنة المتأخرة، فأكثروا من تعيير المسلمين، والقدح فيهم وفي دينهم، وأكبر تكأة يتكئون عليها في ذلك عقيدة (ملذات الجنة) مُذْ يسمعوننا -معشر المسلمين- نأخذ
стр. 919
بظاهرها الحرفي، ولا يحسن بنا أن نتغافل عما يقوله كتاب أوروبا، وقصصيُّوهم وشعراؤهم فينا، وفي ديننا وتقاليدنا، فقد كان لقولهم تأثير عميق في نفوس أقوامهم وبني جلدتهم، فاقتنعوا فضل اقتناع بأن المسلمين منحطون في دينهم وآدابهم وأخلاقهم) (١).
ولكن لا ندري، ترى، إذا أوّل الشيخ هذه الآيات، أيقتنع هؤلاء المبغضون بهذا التأويل، أم أن هذه الآيات ستبقى في القرآن الذي حفظه الله، وستبقى مثار شبهة عند هؤلاء ابتغاء الفتنة؟ وهل اقتصر أعداء الإسلام في طعنهم وشبهاتهم على نعيم الجنة وحلاوتها فحسب؟ لقد حاولوا النيل من كل جانب من جوانب عظمة الإسلام، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] لقد ألقى هؤلاء شبهات عن الإرث والطلاق والجهاد وتعدد الزوجات، وكلها شبهات باطلة داحضة أفتتأول هذه كلها من أجل أن نأمن شرهم؟ والله يقول وهو يحذرنا منهم ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].
ثانيًا: عدم التثبت في نقل الأحاديث: من أهم الأمور بالنسبة للمسلم بعامة وللعالم بخاصة، التثبت مما ينقل، ولا سيما إذا كان هذا المنقول أحاديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، إن الواحد من هؤلاء لو نقل له خبر عن شيخه مثلًا، ما كان ليقبله إلا بعد روية وطمأنينة، فما بالهم لا يتثبتون وهم يقولون قال رسول الله! إن إسناد القول إلى رسول الله ﷺ ، دون التأكد من هذا الإسناد، من أعظم المآخذ والهفوات التي يلام عليها العالم، فليتق الله أقوام ليس أسهل عليهم من نسبة القول إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام دون حيطة وتأكد.
والأستاذ المغربي ﵀ على الرغم من علمه وفضله قد وقع في هذا الخطأ عفا الله عنه، ففي أثناء حديثه عن تفسير آيات نعيم الجنة تفسيرًا لغويًا يعتمد على
стр. 920
أسرار لغة العرب -كما يقول- ويذكر دليلًا على رأيه هذا، قولين ينسبهما إلى الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام:
أما الأول فيقول: إن عمرو بن قميئة قال للنبي إنك تزعم أن عيسى نبي، فكيف تقول (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون؟ ) فيجيبه الرسول ويحك ما أجهلك بلغة قومك إن (ما) لما لا يعقل وإن (من) لمن يعقل.
أما الثاني فيقول: قال رسول الله ﷺ (أعربوا الكلام كي تعربوا القرآن).
وأقول والألم يحز في نفسي: أما القول الأول فمع أنه باطل من ناحية المعنى والدراية فإنه كذلك مردود من ناحية الرواية، ولهذا قال الحافظ: إنه موضوع وإنه يعجب ممن ينقله (١). وأما الثاني فقد أورده ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن أبي جعفر الأنصاري وهو ضعيف معضل (٢).
وهكذا نجد بعض العلماء ممن يتصدون لأخطر مهمة، وهي تفسير كتاب الله لا يكلفون أنفسهم التحري في رواية حديث، مع أن ذلك ليس فيه جهد ومشقة، فقد كفانا الأئمة، جزاهم الله خيرًا، مؤونة العناء بما بحثوه ودونوه.
ثالثًا: الشيخ والنظريات العلمية: القرآن كتاب الإنسانية الخالد، جاء يصحح لها معتقداتها وآراءها، ويبين لها طريقة البحث كي لا تضل الطريق، وكتاب هذا شأنه، لا يتصور أبدًا، أن يجاري الناس فيما ألفوه وعرفوه، وإن كان بعيدًا عن الواقع، مجافيًا للحقيقة، ولكن بعض علمائنا سامحهم الله، وعفا عنهم لا يجدون حرجًا من أن يُعلنوا مجاهرين بأن القرآن قرر بعض الأمور، مجاراة لأفهام الناس ومعلوماتهم، بقطع النظر عن حقيقة هذه الأمور في الواقع ونفس الأمر، وما يقررونه مع مجافاته للصواب، فإنما يحمل معه نتائجه الخطيرة في آثارها، والسيئة في عواقبها.
стр. 921
أ- ومن هذا القبيل، ما يقولونه من أن السماوات السبع إنما هي مدارات الكواكب السيارة، وكان الأقدمون يعرفون منها سبعًا، فقرر القرآن هذا، تبعًا لمعارفهم، قالوا: (ولم تكن قد عرفت كواكب غير هذه السبع، وإنما اكتفى القرآن بذكر السبعة، لأنه لا يريد أن يخبرهم عن أشياء غير معلومة لهم) وهذا قول مردود لأول وهلة، لأن القرآن هو الكتاب الخالد على مدار الأيام، وهو الذي جاء يفتح عيون الناس وعقولهم، ويفتح لهم أبواب الآفاق كلها، ثم ألم يخبر القرآن بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله؟ أكان هذا يا ترى، مما علمه الناس في ذلك الوقت؟ ألم يقل القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] أفكان هذا مما عرفه الناس في ذلك الوقت؟ ! .
وكنا نود من الأديب المفسر الأستاذ المغربي، أن لا يتورط في مثل هذا، ولكنه مع كل أسف أرخى العنان لقلمه ليقرر ما يلي:
(والسماوات السبع هنّ طرائق السيارات ومداراتها، ولا ريب أن هذه المدارات طبقات: طبقة أدنى من طبقة، وفلك فوق فلك، وإنما اقتصر الوحي من ذكر السماوات على سبعة -مع أن العلم أثبت أنها أكثر من ذلك- لأنه تعالى يخاطب القوم وقت البعثة، بما عرفوا من أمر الأفلاك وكواكبها، . وقد أحالهم على النظر والتأمل في تكوينها وأوضاعها، ليتنبهوا إلى كمال إحكامها، وليحدث الخطاب في نفوسهم عبرة، وإذعانًا وفضل تأثر، وليكون ذلك آية لهم على وجود الله وكريم صفاته، وهذا هو جل القصد من ذكر السماوات في القرآن، وليس القصد من ذكرها تقرير حقائق علم الهيئة، وسكوت الوحي من ذكر ما زاد على سبع سماوات لا ينفي وجود الزيادة. والحكمة في هذا السكوت أن المخاطبين في ذلك العهد، ما كانوا مقتدرين على النظر والتفكير في غير السماوات السبع، أو السيارات السبع التي عرفها الأوائل، واشتهر
стр. 922
أمرها عند عامة الناس يومئذ، أما النجوم الثوابت الأخر، فلم يكن يتيسر لهم أو ينتظر منهم، أن يرجعوا البصر فيها ليروا ما فيها من تفاوت أو إحكام، وذلك لبعدها الشاسع عن متناول الحس، وعدم معرفة الأوائل ما عرفه المتأخرون من طبائعها وأحوالها وأما فلكا (أورانس) و (نبتون) فلم يكونا اكتشفا بعد في ذلك العهد، فلو أحال الله البشر في قرآنه على ما لم يمكنهم النظر فيه، والإحاطة علمًا بأمره من النجوم الثوابت، والفَلَكَيْن المذكورين -لكانت إحالته عبثًا، وتكليفه محالًا، وقد أبى الله لنا ذلك في منزل وحيه، ومحكم شرعه، تفضلًا منه ورحمة) (١).
وفي سورة نوح عليه وعلى نبينا صلاة الله وسلامه، وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح: ١٥] يقرر هذا المعنى، ويقول: (إن قوم نوح قد عرفوا هذا، لأنهم كانوا ذوي خبرة في الكواكب). هذا ما يقرره الشيخ عبد القادر ﵀، ومن تتبع آي القرآن يجد أن تحديد السماوات بسبع، قد قرر كثيرًا في القرآن بأساليب مختلفة. مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ومثل قوله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الملك: ٣]، ومثل قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وفي كل هذا وضوح دلالة على أن تقرير القرآن، لم يكن القصد منه، مجاراة معارف الناس في ذلك الحين، وإنما هي حقائق قرآنية دونها حقائق العلوم على اختلافها.
ويقيني أن تحديد السماوات بسبع، ليس تحديدًا بشريًا، أي ليس البشر هم الذين وصلوا إليه بمعارفهم كما يقول الأستاذ، وإنما أصل المسألة الوحي الإلهي، وأنا أشك كل الشك في أن قوم نوح استطاعوا أن تصل معارفهم إلى اكتشاف الكواكب السيارة وغيرها، فخبر السماوات إذن وأصلها وعددها، إنما
стр. 923
هو من الوحي، وإنما حصل اللبس فيما بعد، حينما عرفت الكواكب السبع فظن أن هذه هي عين تلك، فكان الخطأ في التطبيق والتفسير.
ويحضرني مثال شبيه لهذا وإن كان بعيدًا من حيث الموضوع، يخبرنا رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وبعد أكثر من قرنين اصطلح على سبعة أئمة للقراءات عرفت قراءاتهم بالقراءات السبع، فاشتهر عند العامة وعند كثير من الخاصة حتى من المفسرين، (كالخازن) مثلًا، إن الأحرف السبعة هي القراءات السبع، وهذا خطأ في التطبيق والتفسير، ولكن ليس معنى هذا أنه ليس هناك أحرف سبعة أو قراءات سبع، وهكذا يقال بالنسبة للسماوات السبع والكواكب السبع التي عرفها الأقدمون.
وإذا كان القرآن حصر السماوات بسبع مجاراة لعلوم السابقين ومعارفهم، أفلا يمكن أن يقاس على هذا أمور كثيرة؟ فلو أن مؤرخًا مأفونًا، أو عالمًا معتوهًا، جاء يدعي أنه ليست هناك قرى تعرف بالأيكة أو مدين، أو ليس هناك في التاريخ من يسمى (لُوطا)، أفلا يمكن أن يقال له إذن إن القرآن ذكر هذا، مجاراة لمعارف الناس وتصوراتهم؟ الحق أن فتح هذا الباب على مصراعيه، سيكون سببًا لسهام غدر توجه إلى كبد الحقيقة: (حقيقة هذا الدين) وتقرير القرآن بأن السماوات سبعٌ لفتة علمية رائعة، ينبغي على العلماء أن يحاولوا جادين بحثها، بحثًا علميًّا يكون القرآن فيه هو الأساس.
ب - يقول الشيخ عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] بعد بيانه لرأي الجمهور، ويا ليته اكتفى به: (ولبعضهم في تأويل جعل النجوم رجومًا للشياطين كلام جدير بالقبول وهو: أن الرجوم واحدها الرجم، مصدر رجم، وهو أن يتكلم المرء بالظن والتخمين، ومنه قوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] فإن الرجوم هنا يسمى الظنون، أما الشياطين فهم شياطين الإنس، أعني المنجمين الذين اتخذوا من النظر في نجوم السماء، والتكهن عن أمور المستقبل، بما يبدو لهم من طوالعها وقراناتها -صناعة لحمتها
стр. 924
الرجم، وسداها الوهم، فالله تعالى يقول: إنه خلق النجوم فكانت زينة السماء، أما الشياطين من الكهان فقد اتخذوها وسائل للتنجيم وإضلال الناس، فلا بدع إذا أعدت لهم النار يصلون سعيرها) (١) ولسنا مع الشيخ فيما ذهب إليه، لأنه غير جدير بأن يقبل، إذ لا يستقيم مع آيات أخرى، وردت في الموضوع ذاته.
نعم: نحن لا ننفي ما يقوله العلماء، ولكننا لا نخضع له القرآن كذلك، فالقرآن لم يصرح بأن كل ما نراه من الشهب إنما هو من هذا القبيل.
جـ - ويطلعنا الشيخ على ميله، وجريه وراء النظريات، في التوفيق بينها وبين القرآن، فهو يقول عند تفسير قول الة تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]: (وأرى أن اكتشاف ناموس الجاذبية العام، الذي بموجبه تجذب الأرض إليها ما على ظهرها من البشر والدواب وسائر الأشياء، والذي لولاه لطاروا وتبددوا شذر مذر في الفضاء، بسبب حركة الأرض اليومية على نفسها، وحركتها السنوية حول الشمس بسرعة فائقة الحد - هذا الاكتشاف يفسر لنا معنى ما قرره الكتاب الإلهي، من أن الأرض كفات للأحياء منذ يكونون على ظهرها، فإنها تجذبهم إليها، وتضمهم إلى صدرها كما تفعل الأم الحنون، فلا تدعهم يتفلتون وهم بذلك لا يشعرون) (٢).
وأما أنا فأرى أن هذا تأويل بعيد، وأنه الآية لا تمت إلى ناموس الجاذبية وقانونها، من قريب أو بعيد، وإنما جاءت الآية، تقرر بعض نعم الله على الإنسان، وليس معنى هذا أنني أنفي ما في الآيات الكونية من إشارات، ولكن لا ينبغي أن نحمل الآيات، فوق عبارتها، كما ذهب إليه الشيخ.
د- ولعل قريبًا من هذا ما قاله في قصة سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، من أن ما حصل له لا يستغرب، ما دام الإنسان قد سبح في أعماق البحر، وطار في عنان السماء يقول هذا للمنكرين قال (وأما نحن فنؤمن
стр. 925
بما جاء بالقرآن ما لم يحله العقل) وأقول: لا داعي لهذا القيد، بل نؤمن بكل ما جاء به القرآن مألوفًا للبشر وغير مألوف.
رابعًا: ذكره بعض نصوص كتب اليهود والنصارى في تفسيره: نلحظ هذا في تفسيره قصة يونس في سورة (ن)، وعند ذكر سيدنا لوط في سورة الحاقة، وعند ذكر سيدنا نوح وخبر الطوفان في سورة نوح، وكان في غنى عن هذا كله، وبخاصة أن تفسيره كتب من أجل الناشئة، وتبنته وزارة المعارف العمومية (١).
خامسًا: عدم تحريه مكية الآية أو مدنيّتها: فمثلًا يذكر عند قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أن بعض المفسرين قال: (إن هذه الآية نزلت بسبب ما حدث في أحد) ولكن الشيخ لم يرد هذا القول، ولكن رجح غيره عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وكان يكفيه ما يدل عليه سياق السورة وكونها مكية النزول (٢).
سادسًا: إشارته لمواطن الهداية: مما يحمد للشيخ في تفسيره، إشارته لمواطن الهداية في القرآن، وتبيينه لسنن الله في الاجتماع البشري، ومحاولة جذبه للمسلمين نحو كتابهم، حتى لا يعذبهم الله بتداعي الأمم عليهم.
وبعد: فهذا علم من أعلام مدرسة الأستاذ الإمام، رأينا فيه نفس الخصائص التي وجدناها في شيخ المدرسة، وربما كان (الأستاذ المغربي) -كما قلت من قبل. وكما ظهر من استعراضنا لتفسيره- أقرب الناس رأيًا إلى الأستاذ الإمام، حتى من الشيخ رشيد في بعض المسائل، ويدلنا على هذا تعمقه في آراء المعتزلة، وبضاعته القليلة في السنة، وقلة تحريه في أسباب النزول، وما سوى ذلك مما أشرت إليه، ومهما يكن من الأمر فإن للشيخ جهدًا، من الحق علينا أن نشكره له، ولقد أحسن، وإن كنا لا نوافق آراءه التي اجتهد فيها في بعض الأحيان، وللمجتهد أجر، هذا إن أخطأ، رحم الله الشيخ وجزاه خيرًا.
стр. 926
٤ - الشيخ محمد مصطفى المراغي
مولده ونشأته (١):
ولد الشيخ سنة ١٨٨١ في المراغة من أعمال جرجا بالصعيد، وكان بيتهم بيت علم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في بلده، وتحت رعاية أبيه، ثم دخل الأزهر وحصل على العالمية سنة ١٩٠٤، وكان إبان وجوده في الأزهر، يحضر دروس الشيخ محمد عبده في الرواق العباسي، فعرفه الإمام عن كثب، وبعد حصوله على الشهادة العالمية ذهب إلى السودان لتولي القضاء هناك، وكان الأستاذ الإمام هو الذي رشحه لذلك، وقد أبدى الشيخ نشاطًا وجرأة وتفهمًا، وقد أهله ذلك كله لمنصب القضاء، وهو مركز لا شك خطير، وبعد عودته من السودان شغل مناصب قضائية متعددة، من رئيس للتفتيش الشرعي بوزارة الحقانية (العدل) إلى رئيس للمحكمة الشرعية العليا ثم عين شيخًا للأزهر سنة ١٩٢٨ م، واستمر في منصبه هذا أربعة عشر شهرًا، ثم عادة إليه مرة ثانية سنة ١٩٣٥ م، إلى أن توفاه الله سنة ١٩٤٥ م.
من أعلام مدرسة الإمام محمد عبده، ومن أشهر رجالها، الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر سابقًا ﵀، بل إن كثيرًا من الباحثين يرى أنه أشهر تلاميذه وأكبرهم، كما يقول تشارلس أدمس مؤلف (الإسلام والتجديد). ويقول الأستاذ الشيخ محمد الصادق عرجون (لقد كان أفضل من نهج نهج الأستاذ الشيخ محمد عبده. ويقول أنور الجندي: إنه أقرب تلاميذه إليه، ويعقد مقارنة بينه وبين رشيد رضا ليدلل على ذلك.
ومهما يكن من أمر فإن الأستاذ المراغى تأثر كثيرًا في آرائه ومنهجه بالأستاذ الإمام.
стр. 927
تأثره بالإمام وآراؤه الإصلاحية:
لقد نادى الأستاذ الإمام من قبل بإصلاح الأزهر، ولكنه لم يبلغ بغيته، وذلك لأن كثيرًا ناصبوه العداء، وعلى رأس هؤلاء خديوي مصر، ولكن الشيخ المراغي، استطاع بحنكته وحكمته، أن يبقي على شعرة معاوية، وذلك بما كان بينه وبين الحاكم من صلات، ولقد تسنى له أن ينفذ برنامجه الإصلاحي، فكان امتدادًا لأفكار الشيخ محمد عبده، وكان الأستاذ الإمام ﵀ المصباح الذي أضاء طريقه، على حد تعبيره، وكان المراغي يجل الإمام كثيرًا، ويظهر هذا في كلماته وتصريحاته المتعددة ... وآراء الشيخ في الإصلاح خير دليل على ذلك، وهذا ملخص لمذكرته الإصلاحية نوجزها فيما يلي (١):
١ - يجب أن يدرس القرآن دراسة جيدة، وأن تدرس السنّة دراسة جيدة، وأن يفهما وفق ما تتطلبه اللغة العربية فقهها وآدابها من المعاني.
٢ - يجب أن تهذب العقائد والعبادات، وتنقى مما جد فيها وابتدع، وتهذب العادات الإسلامية بحيث تتفق والعقل وقواعد الإسلام الصحيحة.
٣ - يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة، خالية من التعصب لمذهب، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة.
٤ - يجب أن تدرس الأديان، ليقابل ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام، بما هو موجود في الدين الإسلامي، ليظهر للناس يسره وامتيازه عن غيره في موطن الاختلاف.
٥ - يجب أن تدرس أصول المذاهب في العالم قديمها وحديثها.
٦ - يجب أن تدرس اللغة العربية دراسة جيدة، كما درسها الأسلاف.
стр. 928
٧ - يجب أن توجد كتب قيمة في جميع فروع العلوم الدينية واللغوية على طريقة التأليف الحديثة.
٨ - يجب أن يفعل هذا لإعداد رجال الدين، لأن رسالة النبي ﷺ عامة، ودينه عام ويجب أن يطبق بحيث يلائم العصور المختلفة والأمكنة المختلفة، وإن لم يفعل هذا يكن عرضة للنفور منه والابتعاد عنه، كما فعلت بعض الأمم الإسلامية، وكما حصل في الأمة المصرية نفسها، إذ تركت الفقه الإسلامي لأنها وجدته بحالته التي أوصله إليها العلماء غير ملائم (١).
ونلاحظ أن الشيخ لم يقف تأثره بالإمام في مجالات الإصلاح فحسب، بل إنه تعدى هذا إلى قضايا الفكر، ولقد مر أن الأستاذ الإمام تأثر بالحضارة الغربية، ولوحظ هذا في مواضع كثيرة من تفسيره، كتأويله لبعض الآيات الذي مرت نماذجها عند حديثنا عنه، لذا نرى الشيخ المراغي، لا يجد محظورًا في تأويل الآيات إذا تصادمت مع نظرية من نظريات العلم الحديث.
يقول ردًّا على سؤال المحرر في مجلة (الهلال) (٢). وكان نص السؤال ما يلي: ماذا يكون موقفكم إذا ما كانت نتيجة البحث تخالف أوامر الدين؟ يقول الشيخ: (تريد أن تقول إن هناك نظريات أثبتها العلم تخالف ما ينص عليه الدين، فأنا أقول إن هذه النظريات إن كانت نضجت وصحت عند العلماء، وثبتت ومضت عليها المدة الكافية، وجب علينا أن نوفق بينها وبين الدين، فالقرآن مثلًا ذكر أن لله وجها وأنه يستوي على العرش، وهذه الأوصاف توهم أن لله جسمًا ولكن الفقهاء عندما
стр. 929
تفقهوا بالفلسفة أولوا هذه الأوصاف بما يوافق التجرد في ذاته، وكذلك يجب أن نفعل .. ).
وهذا القول من الأستاذ الأكبر يستدعي الدهشة والعجب من وجهين اثنين: أما أولًا فإن النظريات العلمية لا ينبغي أن نقف منها موقف الخائف الوجل، وأن نكون أمامها مستضعفين نجعلها أصلًا يقاس عليها، ولو أن هذا الذي نقيسه رأيٌ لمجتهد أو قولٌ لفقيه أو أثرٌ لتابع أو صحابي لهان الأمر، أما أن نقيس على تلك النظريات كلام الحكيم الحميد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهذا أمر لا يقبل من أحد، وهذا لا يعدو في رأينا أن يكون شعورًا بالهزيمة ولو داخليًا أمام المادة وعلمائها، الذين أرادوا أن يجرف تيارهم كل أثر للدين.
ثم ما هي هذه النظريات العلمية التي خالفت نصًّا من نصوص القرآن؟ إن معنى كونها نظرية أنها لا زالت محل نظر، كنظرية (داروين) مثلًا وكنظريات علماء الفلك والتاريخ وطبقات الأرض، إن موقفنا ينبغي أن يكون حاسمًا وحازمًا في هذه القضية، فنجعل القرآن هو الأصل، ونوقن في أنفسنا أن هذا القرآن الذي يقول عنه منزله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، لا يمكن أن يتناقض، لا في نفسه ولا مع مسلمات العلم التي أودعها الله في هذا الكون، فالطبيعة بقوانينها كتاب الله المرئي، والقرآن كتابه المتلو، وبغير هذا اليقين سنعرض النص القرآني لهزات عنيفة، لا يعلم خطورة نتائجها إلا الله، وأولو الغيرة على هذا الدين.
ولقد رأينا كثيرين من أساتذتنا الفضلاء، وقفوا موقف المتردد، فالأستاذ المرحوم الشيخ عبد الوهاب النجار مثلًا في كتابه (قصص الأنبياء) حين يتكلم عن قصة آدم ﵇ يعرض لنظرية داروين، ويقول إنه إن ثبتت تلك النظرية فلا منافاة بينها وبين القرآن، إذ يمكن أن نؤول الآيات.
وأنا أقول: رحم الله الأستاذ وعفا عنه، وليطب نفسًا، فإن آي القرآن ستبقى الوثيقة الخالدة الوحيدة، وستبلى هذه النظريات كما بلى أصحابها.
стр. 930
أما الأمر الثاني الذي من أجله كانت الدهشة من كلام الأستاذ الأكبر ﵀، فهذا المثل الذي جاء به ليثبت ما أراد، وهو مسألة الصفات، حيث يقول: إن العلماء حينما تفقهوا بالفلسفة أولوا هذه الآيات، ونحن نتساءل ما موقف من لم يتفقه بالفلسفة ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم، هل كانت هذه الآيات توهم عندهم التشبيه؟ وهل فهموا ذلك منها، واستمر هذا حتى جاءت الفلسفة والمتفلسفون، فصححوا لنا هذا؟ اللهم لا وألف لا! هذا فضلًا على أنه لا صلة بين مسألة الصفات، وبين ما سئل عنه الأستاذ.
وهناك مسألة أخرى عرض لها الأستاذ الأكبر، لا تقل خطورة في ذاتها ونتائجها عن سابقتها، وأعني بها ترجمة القرآن، فلقد أخذت هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا لدى العلماء قديمًا وحديثًا، والقرآن كما نعلم كتاب العربية الأول، وللعربية خصائص لا توجد في غيرها من اللغات، وترجمة القرآن بنصه من الأمور المتعذرة، التي ليست في طاقة البشر، ولكن الأستاذ كان لا يرى محظورًا في ترجمة القرآن، أو على الأقل ترجمته بدلالات معانيه الأولية، يقول الأستاذ: (أما إمكان الترجمة فهو أمر هين يدركه من لا يعرف (اللغة العربية ... -وقد تستطيع اللغة المنقول إليها، أن تؤدي بعض الخصائص في اللغة العربية، وتنهض لأداء الدلالات التابعة، يعرف هذا من عاين نقل العلوم والفنون من لغة إلى أخرى، ومن يدرك فقه اللغات وخواص استعمالها ... وإذا كان الأمر هكذا، كان ادعاء إنَّ القرآن الكريم كله لا يمكن ترجمته ادعًاء خاطئًا، بل الحق أن يقال: إنه يمكن ترجمته كله من ناحية الدلالات الأصلية، وتستحيل ترجمته من ناحية الدلالات التابعة) (١).
وكأن الذي حدا به إلى هذا اعتقاده بعالمية القرآن وتيسيره للناس، ولكن هذا ليس مسوغًا لترجمة القرآن نفسه، بل يمكن أن تترجم معانيه، أما القرآن فيبقى كما
стр. 931
أنزل، عربيًا غير ذي عوج، وبهذا تزيد أواصر الأمة المسلمة، حيث تكون لغة القرآن إحدى الروابط بينها.
تفسيره:
لم يفسر الشيخ المراغي القرآن كله، بل ليس له تفسير لجزء واحد من أجزائه الثلاثين، ويقيني أن عده من المفسرين أمر تدخل فيه منصب الشيخ ومركزه. فكم من أناس كتبوا في التفسير أكثر مما كتبه الشيخ، ولم يذكروا في عداد المفسرين، وقد أحصى الأستاذ الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) ما فسره الشيخ، فما كان إلا بعض سور كسورة لقمان والحجرات والحديد، وبعض آيات من سور القرآن العظيم وقد كانت دروسًا يتخيرها الشيخ ليلقيها على مستمعيه في شهر رمضان المبارك، وفيهم أرباب السلطة والسلطان.
ويظهر لنا من خلال هذه التفسيرات الخصائص التالية:
١ - يسر أسلوبه وسهولة ألفاظه ووضوح معانيه.
٢ - إقلاعه عن ذكر الإسرائيليات وإبعادها عن مواطن التفسير.
٣ - وقوفه عند مبهمات القرآن بحيث لا يتعدى ما أخبر القرآن عنها.
٤ - عدم التزام مذهب فقهي معين في تفسير آيات الأحكام.
٥ - تأويله لبعض الآيات بما يخرج عن رأي الجمهور.
٦ - بيانه لحكمة التشريع.
٧ - تفسيره لبعض الآيات تفسيرًا علميًّا.
ونلاحظ أن هذه الخصائص لتفسير الأستاذ ﵀ يظهر منها تأثره بالإمام على أننا قبل أن نذكر بعض الأمثلة من تفسيره، ينبغي أن ننوه اعترافًا وتقديرًا بمنقبتين اثنتين لشيخ الأزهر.
стр. 932
إحداهما: أن الشيخ كان مثالًا للخلق الكريم مع من سبقه من المفسرين، فلا حدة ولا غلظة، وإنما أدب جم فيه عرفان الجميل وجميل العرفان، وهذه لعمر الحق من أعظم مزايا العلماء.
والمنقبة الثانية: جرأته في الحق، فلقد كانت دروس الشيخ يستمع إليها أكبر رجال الدولة، بل أكبرهم على الإطلاق، ومع ذلك كان لا يجامل على حساب دينه، بل لا يتردد في إسداء النصح وبيان ما يجب على الحاكم.
نستمع إليه عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] يقول: (من الناس فريق مؤمن بالقرآن إجمالًا، وبرسالة محمد ﷺ ، ويعظمها ويحترمها، فإذا قلت له لم لا تقطع يدَ السارق، وتحد القاذف، ولم لا تحكم القرآن في الحياة ونحن مؤمنون به؟ هز كتفيه فابتسم أو زاد، إنها رجعية لا يحتملها تمدين العصر الحديث).
وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
يقول: (والتثبت في الأخبار فضيلة ليست عند أكثر الناس، وأكثر الناس يقعون في تصديق الأخبار من حيث لا يشعرون، ولبعض مهرة الكاذبين حيل تخفى على أشد الناس تثبتًا من الأخبار، وكثيرًا ما يقع عدم التثبت من الحكامِ الذين يملكون النفع والضرر، يجيئهم ذلك من ناحية استبعاد أن تكذب بطانتهم عليهم، وهو مدخل للخطر عظيم، والذين هم في أشد الحاجة للعمل بهذه الآية، ولا نفعًا فحاجتهم إليها أقل من حاجة هؤلاء، والآية على العموم أدب عظيم، لا بد منه لتكميل النفس وإعدادها، لتعرف الحق والبعد عن مواطن الباطل) (١).
стр. 933
فأين هذا ممن يسكتون عن المنكر، ويجبنون عن كلمة الحق، بل ربما حرفوا شرع الله ليوافق رغبة الحاكم.
نماذج من تفسيره:
ولعل من الخير أن نأتي بنماذج من التفسير، تتبين لنا من خلالها تلك الخصائص التي تحدثت عنها آنفًا.
فمثلًا يدلنا على وقوفه عند مبهمات القرآن وعدم تجاوزها، تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
حيث يقول: (ونحن لا نعلم ما هو الذي فرضه الله على الأمم السابقة من قبل، أهو شهر رمضان كما قال بعض الناس؟ أم غيره؟ وليس لنا ما يهدينا إلى شيء معين من دليل يطمئن إليه القلب، والتشبيه لا يدل على المماثلة في كل شيء، فنحن نؤمن بأن صومًا فرض على الأمم السابقة، لا نعلم مقداره ولا كيفيته، ولا يزال الصوم معروفًا عند الأمم الأخرى على أوضاع مختلفة.
وكذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] ... يقول: (اختلف الناس في لقمان هذا من هو! ومن أي الأمم هو؟ فقيل إنه من بني إسرائيل، وقيل إنه كان عبدًا حبشيًا، وقيل إنه أسود من سودان مصر، وقيل إنه يوناني، ومن الناس من جعله نجارًا، ومنهم من جعله راعي غنم، ومنهم من قال إنه نبي، ومنهم من قال إنه حكيم، وكل هذه الأقوال ليس لها سند يعول عليه، وبعد أن وصفه الله بالحكمة فلا يرفع من شأنه أنه كان من أشرف الأمم، ولا يضع من قدره أن كان زنجيًا مملوكًا).
فنحن نرى أن الأستاذ لم يخض فيما خاض فيه كثير من المفسرين، ولم تستهوه القصص المنسوجة حول لقمان، ولا الأقوال المحبوكة حول صيام من قبلنا، وما
стр. 934
هو نصيب كل أمة من الأمم منه، وهذا لم يكن جديدًا مبتكرًا من الشيخ؛ لأنه قد سبق إليه، إلا أن نهجه هذا المنهج، إنما ينم عن دقة فهم لهدايات القرآن.
ولقد كان الشيخ يحارب التعصب المذهبي، يدلنا على هذا منهجه الإصلاحي للأزهر، ولعل هذا ما دفعه إلى عدم التقيد بمذهب معين في تفسيره، يقول في درسه التفسيري ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقصر الصلاة مسيرة ثلاثة أميال، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه كان يقصر في الميل الواحد، وإذا نظرنا إلى أن نص القرآن مطلق، وأن كل ما رووه في التخصيص أخبار آحاد، وأنهم لم يتفقوا في التخصيص، جاز لنا أن نقول: إن السفر مطلقًا مبيح للفطر، وهذا رأي داود وغيره من الأئمة.
وهذا يوضح لنا تأثر الشيخ المراغي فقهيًا بأستاذه الإمام.
ويزيد هذا الأمر وضوحًا، تأويل الشيخ لآيات يرى الجمهور فيها رأيًا معينًا، فمثلًا نجده يصرح بأن أبواب الجنة الثمانية وأبواب النار السبعة، لا يقصد فيها العدد بذاته، بل إنما يدل على الكثرة وكذلك عدد السمارات، وذكر أنها سبع لا يقصد منه الحصر.
وهذا أمر لا نوافقه عليه؛ لأن الله إذا عين عددًا، فلا ينبغي ولا يصح أن يقال: إنه إنما ذكر هذا العدد بالذات ليوافق ما يعرفه المستمعون، القرآن يقرر حقائق بقطع النظر عما يعرفه الناس أو لا يعرفونه.
كذلك نرى الشيخ يفسر الرجوم بالحجج، في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، مع أن هذا التفسير لا يتفق مع آيات أخرى، وقد مرت مناقشة هذه الآراء، عند الحديث عن الشيخ عبد القادر المغربي، أحد رجال هذه المدرسة.
стр. 935
ومهما يكن من أمر، فإنه يظهر من هذه التفسيرات أن أصحابها يحاولون أن يخضعوا آيات القرآن، ليجعلوها في نطاق دائرة العقل، ولو أدى بهم ذلك إلى ركوب مخاطر التأويل، وهذا أمر لا ينبغي أن نجعله تحت ذمة آرائنا ومسلمات عقولنا، فنأخذ ما نأخذ ونرد ما نرد، وأمير ركبنا في ذلك كله العقل، الذي فتنته الحضارة المادية تارة، والفلسفة تارة أخرى.
والشيخ كغيره من رجال هذه المدرسة، ينفون كل جمود عن هذا الدين، مبينين فلسفة الأحكام وحكمة التشريع في أثناء تفسيراتهم، وبيان حكمة التشريع من الأمور الدقيقة المهمَّة التي تزيل اللبس، وتنشر الطمأنينة في كثير من النفوس، يقول الشيخ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] (والحكم في هذه الشرائع الإلهية، أن الإنسان إذا ترك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية، ضل وكره الحياة، وكان أشقى من أنواع الحيوان، وشقاؤه يكون من ناحية العقل نفسه، فقد دلت التجارب على أن العقل غير المؤيد بالشرع الإلهي، يذهب مذاهب شتى: منها الصواب ومنها الضلال، وهو فيما عدا المحسات والماديات ضلاله أكثر من صوابه، وهذه آراء العلماء في الفلسفة والأخلاق، يشبه بعضها هذيان المحموم، وبعضها لا يدرك له محصل، على كثرة ما يقولون من مقدمات وبراهين، وهذه مذاهب الاجتماع قديمًا وحديثًا لم تسعد الأمم بها، فلا بد من هداية تصدر عن المعصوم، يحملها من عند الله العلي الحكيم، وقد دلت التجارب أيضًا، على أن الأمم التي عملت بالهدى كله أو بعضه، سعدت بمقدار ذلك الهدى الذي عملت به، فلا بد من نظام يعتقد فيه العصمة من الخطأ، ويهدر معه حكم العقل، إذا حصل تعارض بينهما، فإن دائرة العقل محدودة، وهي قاصرة عن إدراك خفايا المستقبل، وإذا قيل إن التدين مقيد للحرية، ومانع من التمتع باللذات، فكيف تكون فيه السلوى والعزاء؟ فالجواب: إن الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يحظر من اللذات إلا ما يضر الإنسان، وليست السعادة في حرية
стр. 936
البهائم، بل في حرية يصبح بها فيما فيه خيره وسعادته) وهذا الكلام شبيه كل الشبه بما نقلناه من قبل، عن الأستاذ الإمام عند الحديث عن هداية القرآن.
أما موقف الأستاذ من التفسير العلمي للآيات الكونية، فمع أنه ليس من رأيه أن يفسر القرآن حسب نظريات العلم، إلا أننا نجده ينساق، ليكون في قافلة هؤلاء العلماء، الذين يفسرون الآيات حسب النظريات المستحدثة، يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ [لقمان: ١٠].
(السماوات مجموع ما نراه في الفضاء فوقنا، من سيارات ونجوم وسدائم، وهي مرتبة بعضها فوق بعض، تطوف دائرة في الفضاء، كل شيء فيها في مكانها المقدر له بالناموس الإلهي ونظام الجاذبية، ولا يمكن أن يكون لها عمد، والله هو ممسكها ومجريها إلى الأجل المقدر لها، فإذا قيل إن نظام الجاذبية، وهو الناموس الإلهي قائم مقام العمد، ويطلق عليه اسم العمد، جاز أن نقول إن لها عمدًا غير منظورة، وإذا لاحظنا أنه لا يوجد شيء مادي تعتمد عليه، وجب أن نقول إنه لا عمد لها، وأقدار الأجرام السماوية وأوزانها أقدار وأوزان لا عهد لأهل الأرض بها ... والأرض نفسها إذا قيست بهذه الأجرام، ليست إلا هباءة حقيرة في الفضاء ... قرر الكتاب الكريم أن الله ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وهذا الذي قرره الكتاب الكريم، هو الذي دل عليه العلم، وقد قال العلماء: إنَّ حادثًا كونيًا جذب قطعة من الشمس وفصلها عنها، وإن هذه القطعة بعد أن مرت عليها أطوار تكسرت، وصارت قطعًا كل قطعة منها صارت سيارًا من السيارات، وهذه السيارات طافت حول الشمس وبقيت في قبضة جذبتها، والأرض واحدة من هذه السيارات، فهي بنت الشمس، والشمس هي المركز لكل هذه السيارات ... فليست الأرض هي مركز العالم كما ظنه الأقدمون، بل الشمس هي مركز هذه المجموعة، والشمس وتوابعها قوى صغيرة في العالم السماوي.
стр. 937
ومع أن ما قرره الأستاذ المراغي ﵀ قد سبق إليه، إلا أن أستاذنا الشيخ محمد الصادق عرجون، لم يعجبه ما قاله الشيخ المراغي، وهو أن القرآن قرر ما دل عليه العلم، وقال: (إن القرآن لم يقرر ذلك أبدًا، نعم جاء في القرآن الكريم ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] وهذا ليس تقريرًا لما قاله العلماء)، واستدل بما روي عن ابن عباس ﵄، من أن السماوات فتقت بالمطر، والأرض فتقت بالنبات، ولقد مر طرف من هذا في الباب الأول، وذكرنا هناك أن كون السماوات والأرض كانتا رتقًا ثم فتقهما الله، وهو ما قررته بعض النظريات روي كذلك عن ابن عباس.
تقويم التفسير:
ومما سبق ندرك أن ما فسره الأستاذ المراغي على قلته، يعكس لنا صورة صادقة لتأثره بأستاذه الإمام، لا من حيث الفكرة فقط، بل من حيث تشابه العبارات وتجانس الأسلوب، ومهما يكن من أمر فإن تفسير الشيخ المراغي، وإن لم يكن فيه ابتكار، إلا أن شخصية الأستاذ العلمية أضفت عليه أسلوب الجِدّة، رحم الله الأستاذ المراغي، وجزاه عن كتابه وأمة نبيه عليه وآله الصلاة والسلام، وجرأته في الحق خير الجزاء.
стр. 938
٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي
تحدثنا عن تفسير الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى المراغي، وتتحدث الآن إن شاء الله عن تفسير أخيه الشيخ أحمد مصطفى المراغي.
ترجمته (١):
هو الشيخ أحمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم القاضي، ولد ببلدة المراغة، من جرجا في الصعيد، سنة (١٣٠٠ هـ - ١٨٨٣ م) من أسرة عريقة في خدمة العلم والقضاء، توارث القضاء فيها خلف عن سلف، ومن قِبل هذا تلقب بأسرة القاضي.
والشيخ حنفي المذهب، ولكنه لم يكن متعصبًا لمذهبه، ولا من خصوم التقليد المذهبي.
ولم يُعرف عن الشيخ انخراط في عمل سياسي أو تنظيمي، ولكنه ﵀ لم ينفصل عن هموم قومه وبلده، فقد بث في تفسيره كثيرًا من التحذيرات من خطر الاستعمار في المجتمع سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
تولى الشيخ أحمد التدريس بالمدارس الأميرية، ثم عين ناظرًا لمدرسة المعلمين بالفيوم، ثم سافر إلى السودان، وتولى التدريس بكلية عزدون، أستاذًا للشريعة الإسلامية واللغة العربية لمدة أربع سنوات (١٩١٧ م - ١٩٢١ م) ثم رجع إلى مصر أستاذًا للغة العربية والشريعة الإسلامية بمدارس دار العلوم، وقد نُدب لإقراء علوم البلاغة في كلية اللغة العربية شعبة البلاغة، والأدب بالأزهر الشريف، وتخرج على يديه من تفخر به المعاهد الدينية من علماء التخصص.
стр. 939
آثاره العلمية:
ترك الشيخ أحمد المراغي عدة كتب ورسائل، كان للبلاغة وبعض علوم اللغة الأخرى فيها حظ وافر إلى جانب بعض الدراسات الفقهية والمتفرقة، أما كتبه فهي كما يلي:
١ - تفسير القرآن الكريم المسمى تفسير المراغي وهو أكثر كتبه حظًّا في الشهرة.
٢ - علوم البلاغة: وهو كتاب جمع بين طريق عبد القاهر وطريق السكاكي في التأليف.
٣ - هداية الطالب (جزءان) أحدهما في النحو والتصريف والثاني في علوم البلاغة الثلاثة وقد روعي فيه منهج الدراسة للمدارس الثانوية.
٤ - مرشد الطالب: في علوم البلاغة اتبع فيه الطرق الاستنتاجية.
٥ - تهذيب التوضيح: جزءان أحدهما في النحو والثاني في التصريف وكان يدرس في الازهر.
٦ - بحوث وآراء في فنون البلاغة.
٧ - تاريخ علوم البلاغة والتعريف برجالها.
٨ - الديانة والأخلاق.
٩ - الموجز في الأدب العربي.
١٥ - الموجز في الأصول.
١١ - المطالعة العربية للمدارس السودانية.
١٢ - تعليقات على أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.
١٣ - تعليقات على دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني.
стр. 940
وأما رسائله فهي:
١ - رسالة في مصطلح الحديث.
٢ - رسالة في شرح ثلاثين حديثًا مختارة.
٣ - تفسير جزء (إنما السبيل).
٤ - زوجات النبي ﷺ .
٥ - الحسبة في الإسلام.
٦ - الرفق بالحيوان في الإسلام.
٧ - رؤية الهلال في رمضان.
٨ - في الخطب والخطباء في الدولتين الأموية والعباسية.
وفاته:
توفي في اليوم التاسع من الشهر السابع لسنة ثنتين وخمسين وتسعمائة وألف في العهد الملكي من تاريخ مصر الحديث، ﵀ رحمة واسعة.
منهجه في التفسير:
لن أجد عناء في تحديد منهج الأستاذ في تفسيره، فلقد كفانا هذا فحدد لنا منهجه وغايته من التفسير في مقدمته، أما الغاية من تفسيره فإنها تقريب معاني القرآن من الناس، يقول (١): (رأينا مسيس الحاجة إلى وضع تفسير للكتاب العزيز، يشاكل حاجة الناس في عصرنا، في أسلوبه وطريق وصفه ووضعه، ويكون داني القطوف سهل المأخذ، يحوي ما تطمئن إليه النفس من تحقيق علمي، تدعمه الحجة والبرهان وتؤيده التجربة والاختبار، ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الفكر من
стр. 941
الباحثين، في مختلف الفنون التي ألمع إليها القرآن، على نحو ما أثبته العلم في عصرنا، وتركنا الروايات التي أثبتت في كتب التفسير، وهي بعيدة عن وجه الحق مجانبة للصواب).
وأما منهجه في هذا التفسير فيحدّده في النقاط التالية (١):
١ - ذكر الآيات في صدر البحث.
٢ - شرح المفردات.
٣ - المعنى الجملي للآيات.
٤ - أسباب النزول.
٥ - الإعراض عن ذكر مصطلحات العلوم.
٦ - أسلوب المفسرين ... فكان لزامًا علينا أن نتلمس لونًا من التفسير لكتاب الله، بأسلوب عصرنا موافقًا لأمزجة أهله.
٧ - ميزة العصر الحاضر في وسائل التفاهم ... كان أهم ما عنيت به، أن أقرأ في الموضوع الواحد، ما كتبه أعلام المفسرين على اختلاف نزعاتهم وتباين أزمنتهم، حتى إذا اطمأننت إلى فهم ما قرأت وتمثلته وهضمته، كتبته بأسلوب العصر الحاضر، وهذا هو نهجي في تأليف التفسير، وما حملني على ركوب هذا المركب الخشن، واقتحام هذه العقبات، إلا انصراف القارئين عن قراءة كنب التفسير التي بين أيدينا، بدعوى أنها صعبة المدخل.
٨ - تمحيص روايات كتب التفسير.
وْقد جعل المفسر تفسيره في ثلاثين جزءًا، لتسهل مطالعته على الناس في حلهم وترحالهم، وقبل أن أذكر شيئًا عن منهج الشيخ في التفسير وقبل أن أبدي
стр. 942
ملاحظاتي على التفسير ما له وما عليه، يحسن أن أورد بعض ال نماذج من تفسيره ، تتضح منها طريقته وأسلوبه.
نماذج من تفسيره:
١ - يقول في تفسيره لآية الكرسي من سورة البقرة (١):
(الله هو المعبود بحق، والعبادة استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية، لا تحيط بها علمًا ولا تدرك كنهها وحقيقتها، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي استقلالًا أو تبعًا لسواه، والحي هو ذو الحياة، والحياة هي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وهي بهذا المعنى يتنزه عنها الله سبحانه، فالمراد بها بالنسبة إليه تعالى، الوصف الذي يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة، والقيوم القائم على خلقه بتدبير آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] والأخذ - الغلبة والاستيلاء.
والسِنة النعاس، وهو فتور يسبق النوم، قال عدي بن الرقاع:
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سِنَة وليس بنائم
والنوم -حال تعرض للحيوان، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور، والكرسي -هو العلم الإلهي، وآده الشيء يئوده- إذا أثقله ولحقه منه مشقة، والعلي هو المتعالي عن الأشباه والأنداد، والعظيم هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه.
المعنى الجملي:
أمرنا سبحانه قبل هذا بالإنفاق في سبيله، قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه
стр. 943
شفاعة الشافعين، ولا يغني مال يعطى فدية عن العاصين، ولا تنفع صداقة لدى الرؤساء وذوي الثراء، كما كانت تجري في الدنيا نفعًا، وبها تحل كل مهمة هنا انتقل إلى تقرير أصول الدين من توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد، عظيم سلطانه ووجوب الطاعة لأمره، والإذعان لحكمه والوقوف عند حدوده، وبذل المال في سبيله وعدم الركون إلى شفاعة الشافعين، ولا الفدية بمال ولا بنين.
الإيضاح:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، هو الله الواحد الصمد، ذو الملك والملكوت، الحي الذي لا يموت، القائم بتدبير أمر عباده يكلؤهم ويحفظهم ويرزقهم.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي لا يعتريه نوم ولا مقدماته، وإذا كان كذلك، كان قائمًا بتدبير شؤون عباده، في جميع الأوقات آناء الليل وأطراف النهار، وقد جاء النظم الكريم بحسب الترتيب الطبيعي في الوجود، فنفى ما يعرض أولًا وهو السِّنَة، ثم ما يتبعها وهو النوم، أو بعبارة أخرى -هو ترق في نفي النقص عنه، فإن من لا تغلبه السِنَة، قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السِنَة، ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى.
والخلاصة- أن هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتم وجه، إذ من تأخذه السِنَة والنوم، يكون ضعيف الحياة ضعيف القيام بشؤون نفسه وبشؤون غيره.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكل من فيهما وما فيهما ملكه وعبيده، خاضعون لمشيئته وهو المصرف لشؤونهم الحافظ لوجودهم، وهذه الجملة تأكيد ثان لقيوميته، واحتجاج بها على تفرده في الألوهية، لأنه تعالى خلقهما بما فيهما.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي من ذا الذي يستطيع من عبيده أن يغير ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته، من تعذيب ذوي العقائد
стр. 944
الباطلة والأخلاق السافلة، الذين أفسدوا في الأرض وانحرفوا عن جادة الدين، إلا إذا أذن له ربه، ونحو هذا قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] وهذا تمثيل لانفراده بالملك والسلطان في ذلك اليوم، وأن أحدًا من عباده لا يجرؤ على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه -وإذنه غير معروفٍ لأحد من خلقه- وفي ذلك قطع لأمل الشافعين، والذين يركنون إلى الشفاعة، التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم أمور الدنيا التي خلفوها، وأمور الآخرة التي يستقبلونها، وهذه الجملة مؤكدة لنفي الشفاعة، إذ من كان عالمًا بكل شيء فعله العباد في الماضي، وفيما هو حاضر بين أيديهم، وفيما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيًا على هذا العلم، كانت الشفاعة على هذا النحو المعروف ممَّا يستحيل عليه تعالى، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده، من أمر المشفوع له وما يستحقه ما لم يكن يعلم، وما ورد من أحاديث الشفاعة، فهو محمول على الدعاء، الذي يفعلُ الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله، مع أننا نقطع بأن الشافع لا يغير شيئًا من علمه، ولا يحدث تأثيرًا في إرادته، وبذلك تظهر كرامة الله لعبده، بما أوقع من الفعل عقب دعائه، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي ان أحدًا من خلقه لا يحيط بما يعلمه إلا إذا شاء ذلك، والشفاعة تتوقف على إذنه تعالى، واذنه لا يعلم إلا بوحي منه، وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، فمن بين أنه مستحق لعقابه فلا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات زلَّ بها، لم تحول وجهه عن الله تعالى، إلى الباطل والفساد، ولم تدس روحه حتى تسترسل في الخطايا، فهو واصل إليه على ما وعد به في كتابه، وما تفضل به على عباده.
стр. 945
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي إن علمه تعالى محيط بما يعلمون مما عبر عنه بقوله ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات، ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري، أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه، ولا كرسي ولا قيام ولا قعود، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته، بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم.
والخلاصة -أن الكرسي شيء يضبط السماوات والأرض، نسلم به بدون بحث في تعيينه، ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم.
﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي ولا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها، ولا يشق عليه ذلك، وإنما لم يذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ أي وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، العظيم على كل شيء سواه، فهو المنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم ويستنزله عما يريد من مجازاتهم على أعمالهم.
والخلاصة -أن هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله، حتى لا تدع موضعًا للشفعاء الذين يعظمهم المغرورون، ويتكلمون على شفاعتهم، فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين، فخويت القلوب من ذكر الله، وخلت من خشيته جهلًا منها بما يجب من معرفته، وأفسدت فطرتهم الأهواء والجهالات، فلا يجدون ما يلهون به إلا كلمة (الشفاعة)، ومن اغتر بها فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي.
فهذه النفوس لم تعرف عظمة الله، ولم تستشعر بالحياء منه، ولم تحترم دينها وشريعتها، إذ آية ذلك بذل المال والروح في إعلاء كلمته، لا تعظيمه بالقول دون أن يصدق ذلك العمل.
وإنك لترى المسلمين يترنمون بهذه الآيات، وقلما تحدث لأحد منهم ذكرًا يصرفه عن الشفاعات، ويرجو النجاة بعمل الصالحات، وهو مؤمن كما وعد الله
стр. 946
بذلك في كتابه، وقد حذوا حذو أهل الكتاب من قبلهم، واتكلوا في نجاتهم على شفاعة رسلهم وتركوا المبالاة بالدين).
٢ - ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٧].
تفسيرات المفردات:
(الطاعم: الآكل، والميتة: البهيمة ماتت حتف أنفها، والمسفوح: المصبوب، كالدم الذي يجري من المذبوح، رجس: أي قذر قبيح، الإهلال: رفع الصوت، والمراد به الذبح باسم الأصنام، اضطر: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء منه، باغ: أي طالب لذلك قاصد له، عاد: أي متجاوز قدر الضرورة، الذين هادوا: هم اليهود لقولهم ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي رجعنا وتبنا، الظفر للإنسان وغيره مما لا يصيد، والمخلب لما يصيد، والشحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية، حملت ظهورهما: أي علقت بها، والحوايا: المباعر أو المرابض (مجتمع الأمعاء في البطن) أو المصارين والأمعاء، بأسه: أي عذابه.
المعنى الجملي:
بعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات، أنه ليس لأحد أن يحرم شيئًا من الطعام ولا غيره، إلا بوحي من ربه على لسان رسله، ومن فعل ذلك يكون مفتريًا على الله، معتديًا على مقام الربوبية، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله تعالى، وأبان أن هذا افتراء ما حرمته العرب في جاهليتها من الأنعام والحرث.
قفّى على ذلك بذكر ما حرمه تعالى على عباده من الطعام، على لسان خاتم رسله وألسنة بعض الرسل قبله، أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال-: (إن أهل الجاهلية، كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء فنزلت- ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية.
стр. 947
الإيضاح:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله الكذب فيما يضرهم، في تحريم ما لم يحرم عليهم، وقل لغيرهم من الناس -لا أجد فيما أوحاه إليَّ ربي طعامًا محرمًا على آكل يريد أن يأكله- إلا أن يكون ميتة، لم تذك ذكاة شرعية، وذلك شامل لما مات حتف أنفه، وللمنخنقة والموقوذة والنطيحة ونحوها، أو دمًا مسفوحًا، أي: سائلًا كالدم الذي يجري من المذبوح، فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال) أو لحم خنزير، فإن كل ذلك خبيث تعافه الطباع السليمة، وهو ضار بالأبدان الصحيحة، أو فسقًا أهل لغير الله به، وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبدًا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فمن دفعته ضرورة الجوع وفقد الحلال، إلى أكل شيء من هذه المحرمات، حال كونه غير مريد لذلك، ولا قاصد له، ولا متجاوز حد الضرورة -فإن ربك الذي لم يحرم ذلك إلا لضرره- غفور رحيم، فلا يؤاخذ بأكل ما يسد به مخمصته. ويدفع عنه ضرر الهلاك.
والخلاصة -قل لا أجد فيما أوحي إلي من أخبار الأنبياء وشرائعهم، ولا فيما شرع على لساني- أن الله حرم أي طعام، إلا هذه الأنواع الأربعة، وما حرمه على اليهود تحريمًا مؤقتًا عقوبة لهم، وهو ما ذكر أهمه في الآية التالية، ودليل التوقيت قوله في سورة آل عمران: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، وقوله مخاطبًا من يتبع النبي ﷺ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ودليل كونه عقوبة لا لذاته، قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣].
стр. 948
وما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير هذه الأنواع الأربعة، فهو إما مؤقت لعارض وإما للكراهة فقط، ومن الأول تحريم الحُمُر الأهلية، فقد روى ابن أبي شيبة والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبي ﵌ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)، ومن الثاني ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني- أن رسول ﷺ : (نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير).
ثم بين ما حرمه على بني إسرائيل خاصة عقوبة لهم، لا على أنه من أصول شرعه على ألسنة رسلهم قبلهم أو بعدهم، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أي وعلى الذين هادوا دون غيرهم من أتباع الرسل، حرمنا كل ذي ظفر، أي ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والإوز والبط، كما قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل، لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة، وهي الثروب (وأحدها ثرب، وهي الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش).
والخلاصة -ومن البقر والغنم دون غيرهما، مما أحل لهم من حيوان البر والبحر، حرمنا عليهم شحومهما الزائدة، التي تنتزع بسهولة لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، ولا يحرم عليهم ما حملت الظهور أو الحوايا أو ما اختلط بعظم والسبب في تخصيص البقر والغنم بهذا الحكم، أن القرابين عندهم لا تكون إلا منهما، وكان يتخذ من شحمهما الوقود للرب، كما ذكر ذلك في الفصل الثالث من سفر اللاويين فقد جاء فيه التفصيل في قرابين السلامة من البقر والغنم (كل الشحم للرب فريضة أجيالكم في جميع مساكنهم، لا تأكلوا شيئًا من الشحم ولا الدم).
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة بغيهم فشدد عليهم
стр. 949
بذلك، وليس ذلك بالخبيث لذاته.
ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود من الأنباء، التي لم يكن النبي ﷺ ولا قومه يعلمون منها شيئًا، وكان مظنة تكذيب المشركين له، لا يؤمنون بالوحي، ومظنة تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك عقوبة بغيهم وظلمهم، أكده فقال: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي وإنّا لصادقون في هذه الأخبار عن التحريم وعلته، لأن أخبارنا صادرة عن العلم المحيط بكل شيء، ولأن الكذب محال علينا، لأنه نقص فلا يصدر عنا.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ هذا الخطاب إما لليهود وهو المروي عن مجاهد والسدي، وإما لمشركي مكة.
فعلى الأول يكون المعنى -فإن كذبك اليهود، وثقل عليهم أن يكون بعض شرعهم عقابًا لهم على ما كان من بغيهم على الناس، وظلمهم لهم ولأنفسهم، واحتجوا على إنكار كونه عقوبة بكون الشرع رحمة من الله، فأجبهم بما يدحض هذه الشبهة، بأن رحمة الله واسعة حقًّا، ولكن ذلك لا يقتضي أن يرد بأسه ويمنع عقابه عن القوم المجرمين، فإصابة الناس بالمحق والشدائد عقابًا لهم، على جرائم ارتكبوها قد تكون رحمة بهم، وقد تكون عبرة وموعظة لغيرهم لينتهوا عن مثلها، وهذا العقاب من سنن الله المطردة في الأمم، وإن لم يطرد في الأفراد.
وعلى الثاني يكون المعنى -فإن كذبك المشركون فيما فصلناه من أحكام التحليل والتحريم، فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة، ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتروا به، فإنه إمهال لكم لا إهماله لمجازاتكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد، إذا هم أصروا على كفرهم وافترائهم على الله، بتحريم ما حرموا علي أنفسهم، كما أن فيه إطماعًا لهم في رحمته الواسعة، إذا رجعوا عن إجرامهم، وآمنوا بما جاء به الرسول فيسعدون في الدنيا بحل الطيبات، وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنات) (١).
стр. 950
وأكتفي بهذين الأنموذجين، من تفسير الأستاذ المراغي، إذ إن أحدها مكي، والآخر مدني، كما يعالجان موضوعين مهمَّيْن، وهما موضوع العقيدة وموضوع الأحكام، وقبل أن أسجل ملاحظاتي على التفسير، من الناحية الموضوعية، لا بد أن أذكر ملاحظة من الناحية الفنية والشكلية، فطريقة الشيخ في تفسير المفردات، لا غبار عليها، وقد سلكها كثير من المفسرين حتى من الأقدمين، كما فعل أبو حيان ﵀ في بحره، لكن المعنى الجملي الذي انفرد الشيخ بذكره لا داعي له، وبخاصة إذا عرفنا أن الذي انفرد الشيخ بذكره ليس معنى الآية نفسها، وإنما هو كما يظهر في تفسيره كله، تقرير لكيفية ربط الآية بما قبلها من آيات، ولذا فإننا نجد ما يذكره الشيح تحت هذا العنوان (المعنى الجملي) يذكره المفسرون -ولا سيما الذي اقتبس منهم الشيخ عباراته كتفسير المنار- قبل تفسير الآية، ولكن لا على أنه معنى جملي لتفسير الآية، وإنما على أنه ربط للآية بما قبلها، فكان من الأفضل أن يكتفي الشيخ بتفسير المفردات والإيضاح بعد ذلك.
وقبل أن أذكر ملحوظات على التفسير، أبين أن الشيخ كغيره من المفسرين كانت له عنايته بالقضايا اللغوية -كما رأينا من الأنموذجين- وقضايا علوم القرآن وغيرها من القضايا أما فيما يتعلق بالقضايا اللغوية، فإننا نلحظ أن الشيخ المراغي مثلًا لا تكاد تجده يفرق بين بعض الكلمات القرآنية من حيث المعنى، فإذا نظرت إلى تفسير المراغي للكلمات التالية:
الامتراء، الريب، المرية، الارتياب، وجدت ما يلي:
- (تجده مثلًا في سورة البقرة يفسر الامتراء بالشك) (١).
- (وفي سورة براءة يقول: والريبة من الريب وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة) (٢).