← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 145333

التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس

فضل حسن عباس

Полный текст (1 925 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بذلك في كتابه، وقد حذوا حذو أهل الكتاب من قبلهم، واتكلوا في نجاتهم على شفاعة رسلهم وتركوا المبالاة بالدين). ٢ - ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٧]. تفسيرات المفردات: (الطاعم: الآكل، والميتة: البهيمة ماتت حتف أنفها، والمسفوح: المصبوب، كالدم الذي يجري من المذبوح، رجس: أي قذر قبيح، الإهلال: رفع الصوت، والمراد به الذبح باسم الأصنام، اضطر: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء منه، باغ: أي طالب لذلك قاصد له، عاد: أي متجاوز قدر الضرورة، الذين هادوا: هم اليهود لقولهم ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي رجعنا وتبنا، الظفر للإنسان وغيره مما لا يصيد، والمخلب لما يصيد، والشحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية، حملت ظهورهما: أي علقت بها، والحوايا: المباعر أو المرابض (مجتمع الأمعاء في البطن) أو المصارين والأمعاء، بأسه: أي عذابه. المعنى الجملي: بعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات، أنه ليس لأحد أن يحرم شيئًا من الطعام ولا غيره، إلا بوحي من ربه على لسان رسله، ومن فعل ذلك يكون مفتريًا على الله، معتديًا على مقام الربوبية، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله تعالى، وأبان أن هذا افتراء ما حرمته العرب في جاهليتها من الأنعام والحرث. قفّى على ذلك بذكر ما حرمه تعالى على عباده من الطعام، على لسان خاتم رسله وألسنة بعض الرسل قبله، أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال-: (إن أهل الجاهلية، كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء فنزلت- ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية.

стр. 947

الإيضاح: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله الكذب فيما يضرهم، في تحريم ما لم يحرم عليهم، وقل لغيرهم من الناس -لا أجد فيما أوحاه إليَّ ربي طعامًا محرمًا على آكل يريد أن يأكله- إلا أن يكون ميتة، لم تذك ذكاة شرعية، وذلك شامل لما مات حتف أنفه، وللمنخنقة والموقوذة والنطيحة ونحوها، أو دمًا مسفوحًا، أي: سائلًا كالدم الذي يجري من المذبوح، فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال) أو لحم خنزير، فإن كل ذلك خبيث تعافه الطباع السليمة، وهو ضار بالأبدان الصحيحة، أو فسقًا أهل لغير الله به، وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبدًا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فمن دفعته ضرورة الجوع وفقد الحلال، إلى أكل شيء من هذه المحرمات، حال كونه غير مريد لذلك، ولا قاصد له، ولا متجاوز حد الضرورة -فإن ربك الذي لم يحرم ذلك إلا لضرره- غفور رحيم، فلا يؤاخذ بأكل ما يسد به مخمصته. ويدفع عنه ضرر الهلاك. والخلاصة -قل لا أجد فيما أوحي إلي من أخبار الأنبياء وشرائعهم، ولا فيما شرع على لساني- أن الله حرم أي طعام، إلا هذه الأنواع الأربعة، وما حرمه على اليهود تحريمًا مؤقتًا عقوبة لهم، وهو ما ذكر أهمه في الآية التالية، ودليل التوقيت قوله في سورة آل عمران: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، وقوله مخاطبًا من يتبع النبي ﷺ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ودليل كونه عقوبة لا لذاته، قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣].

стр. 948

وما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير هذه الأنواع الأربعة، فهو إما مؤقت لعارض وإما للكراهة فقط، ومن الأول تحريم الحُمُر الأهلية، فقد روى ابن أبي شيبة والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبي ﵌ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)، ومن الثاني ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني- أن رسول ﷺ : (نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير). ثم بين ما حرمه على بني إسرائيل خاصة عقوبة لهم، لا على أنه من أصول شرعه على ألسنة رسلهم قبلهم أو بعدهم، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أي وعلى الذين هادوا دون غيرهم من أتباع الرسل، حرمنا كل ذي ظفر، أي ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والإوز والبط، كما قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل، لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة، وهي الثروب (وأحدها ثرب، وهي الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش). والخلاصة -ومن البقر والغنم دون غيرهما، مما أحل لهم من حيوان البر والبحر، حرمنا عليهم شحومهما الزائدة، التي تنتزع بسهولة لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، ولا يحرم عليهم ما حملت الظهور أو الحوايا أو ما اختلط بعظم والسبب في تخصيص البقر والغنم بهذا الحكم، أن القرابين عندهم لا تكون إلا منهما، وكان يتخذ من شحمهما الوقود للرب، كما ذكر ذلك في الفصل الثالث من سفر اللاويين فقد جاء فيه التفصيل في قرابين السلامة من البقر والغنم (كل الشحم للرب فريضة أجيالكم في جميع مساكنهم، لا تأكلوا شيئًا من الشحم ولا الدم). ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة بغيهم فشدد عليهم

стр. 949

بذلك، وليس ذلك بالخبيث لذاته. ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود من الأنباء، التي لم يكن النبي ﷺ ولا قومه يعلمون منها شيئًا، وكان مظنة تكذيب المشركين له، لا يؤمنون بالوحي، ومظنة تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك عقوبة بغيهم وظلمهم، أكده فقال: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي وإنّا لصادقون في هذه الأخبار عن التحريم وعلته، لأن أخبارنا صادرة عن العلم المحيط بكل شيء، ولأن الكذب محال علينا، لأنه نقص فلا يصدر عنا. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ هذا الخطاب إما لليهود وهو المروي عن مجاهد والسدي، وإما لمشركي مكة. فعلى الأول يكون المعنى -فإن كذبك اليهود، وثقل عليهم أن يكون بعض شرعهم عقابًا لهم على ما كان من بغيهم على الناس، وظلمهم لهم ولأنفسهم، واحتجوا على إنكار كونه عقوبة بكون الشرع رحمة من الله، فأجبهم بما يدحض هذه الشبهة، بأن رحمة الله واسعة حقًّا، ولكن ذلك لا يقتضي أن يرد بأسه ويمنع عقابه عن القوم المجرمين، فإصابة الناس بالمحق والشدائد عقابًا لهم، على جرائم ارتكبوها قد تكون رحمة بهم، وقد تكون عبرة وموعظة لغيرهم لينتهوا عن مثلها، وهذا العقاب من سنن الله المطردة في الأمم، وإن لم يطرد في الأفراد. وعلى الثاني يكون المعنى -فإن كذبك المشركون فيما فصلناه من أحكام التحليل والتحريم، فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة، ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتروا به، فإنه إمهال لكم لا إهماله لمجازاتكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد، إذا هم أصروا على كفرهم وافترائهم على الله، بتحريم ما حرموا علي أنفسهم، كما أن فيه إطماعًا لهم في رحمته الواسعة، إذا رجعوا عن إجرامهم، وآمنوا بما جاء به الرسول فيسعدون في الدنيا بحل الطيبات، وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنات) (١).

стр. 950

وأكتفي بهذين الأنموذجين، من تفسير الأستاذ المراغي، إذ إن أحدها مكي، والآخر مدني، كما يعالجان موضوعين مهمَّيْن، وهما موضوع العقيدة وموضوع الأحكام، وقبل أن أسجل ملاحظاتي على التفسير، من الناحية الموضوعية، لا بد أن أذكر ملاحظة من الناحية الفنية والشكلية، فطريقة الشيخ في تفسير المفردات، لا غبار عليها، وقد سلكها كثير من المفسرين حتى من الأقدمين، كما فعل أبو حيان ﵀ في بحره، لكن المعنى الجملي الذي انفرد الشيخ بذكره لا داعي له، وبخاصة إذا عرفنا أن الذي انفرد الشيخ بذكره ليس معنى الآية نفسها، وإنما هو كما يظهر في تفسيره كله، تقرير لكيفية ربط الآية بما قبلها من آيات، ولذا فإننا نجد ما يذكره الشيح تحت هذا العنوان (المعنى الجملي) يذكره المفسرون -ولا سيما الذي اقتبس منهم الشيخ عباراته كتفسير المنار- قبل تفسير الآية، ولكن لا على أنه معنى جملي لتفسير الآية، وإنما على أنه ربط للآية بما قبلها، فكان من الأفضل أن يكتفي الشيخ بتفسير المفردات والإيضاح بعد ذلك. وقبل أن أذكر ملحوظات على التفسير، أبين أن الشيخ كغيره من المفسرين كانت له عنايته بالقضايا اللغوية -كما رأينا من الأنموذجين- وقضايا علوم القرآن وغيرها من القضايا أما فيما يتعلق بالقضايا اللغوية، فإننا نلحظ أن الشيخ المراغي مثلًا لا تكاد تجده يفرق بين بعض الكلمات القرآنية من حيث المعنى، فإذا نظرت إلى تفسير المراغي للكلمات التالية: الامتراء، الريب، المرية، الارتياب، وجدت ما يلي: - (تجده مثلًا في سورة البقرة يفسر الامتراء بالشك) (١). - (وفي سورة براءة يقول: والريبة من الريب وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة) (٢).

стр. 951

- (وفي سورة هود يفسر: المرية بالشك) (١). - (وفيها أيضًا: والريب: الظن والشك، يقال رابني الشيء يريبني إذا جعلك شاكًّا) (٢). - وفي سورة غافر يقول: (مرتاب أي شاكٌ في دينه) (٣). - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥]، يقول: (أي وإن قومك لفي شك من أمر القرآن موجب لقلقهم واضطرابهم) (٤). - وأخيرًا فإنه في سورة فصلت كذلك يفسر المرية بالشك (٥). ٢ - يفرق الشيخ بين الحول والعام من جهة، والسنة من جهة أخرى فيقول: الحول والعام يقعان في صيفة وشتوة كاملتين، والسنة تبتدئ من أي يوم عددته من العام إلى مثله) (٦). ٣ - عرض الشيخ لمعنى كل من الافتراء والفرية. - ففي سورة آل عمران يقول: (الافتراء: الكذب) (٧). - وفي موضع آخر من السورة يفرق بين الافتراء والفرية بقوله: الفرية: الكذب، والافتراء: اختلاق الكذب) (٨). - وفي سورة النساء يبحث في أصل الافتراء فيقول: (يقال افترى الكذب، إذا

стр. 952

اعتمله واختلقه، وأصله من الفري بمعنى القطع) (١). ٤ - في كلمتي نصيب وكفل، يفسر النصيب بالحظ، والكفل بالنصيب، ثم يفرق بينهما بأن النصيب في الآية سمّي كفلًا لأنه نصيب مكفول للشافع إذ هو أثر عمله، أو نصيب محدود لأنه على قدره (٢). وأنت -أيها القارئ- تلحظ اضطراب الشيخ في تفسير هذه الكلمات وعدم دقّته في تحديد مفهوم كل كلمة. أما فيما يتعلق بتناوب الحروف فإن الشيخ يذهب إلى جواز تناوب حروف الجر، حيث سار في تفسيره بناء على هذا المذهب، وهذه أمثلة من ذلك: ١ - في قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] يقول: (وإلى بمعنى مع: أي لا تأكلوا أموالهم مخلوطة ومضمومة إلى أموالكم) (٣). ٢ - في قوله تعالى ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] يقول: (ولوقتها أي في وقتها) (٤)، فجعل اللام بمعنى في. ٣ - في قوله سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: (من أمر الله: أي بأمر الله وإعانته) (٥) فجعل من بمعنى الباء.

стр. 953

وهناك الكثير من القضايا البلاغية التي عرض لها في تفسيره كالمجاز والتشبيه، والاستعارة من علم البيان وكالاستفهام، والإنشاء والخبر من علم المعاني. ومن ذلك عناية الشيخ بالقضايا العلمية، والقارئ يدرك أن الشيخ قد وفّى بوعده في التطرق لما أثبته العلم في عصره، حتى إنه ليبالغ في بسط مسائله وإعطائها صبغة الحقائق، وهي قد لا ترقي إلى ذلك أحيانًا. وتظهر الإطالة في هذا الجانب عندما ينقل نصوصًا كاملة حول الموضوع الذي يتحدث عنه، من كتاب (الإسلام والطب الحديث) أو مما يجاب عنه من كلام لأهل الاختصاص. فها هو ينقل ما يزيد على نصف الصفحة في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] مفادها أن إخراج الحي من الميت هو نمو الحي بأكل أشياء ميتة وأما إخراج الميت من الحي فهو الإفرازات مثل اللبن (١). وفي تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] قال الشيخ: (وقد أثبت العلم الحديث ما يتبين منه أن في كل عالم من العوالم الأرضية والسماوية ما لا يحصى من النعم على عباده، وعليك أن تلقي سمعك إلى آخر الآراء التي اهتدى إليها العلماء في العصر الحاضر، قال الأستاذ جينس الإنجليزي المدرس لعلوم الرياضيات التطبيقية في جامعة بنسلفانيا بأمريكا في ٧ من مارث ١٩٢٨، وهي أحدث الآراء في منشأ الكائنات وعدم التناهي في الزمان والمكان ما خلاصته: ... ) وعدد الشيخ تسع عشرة نقطة تتعلق بمعلومات عن الأرض والأجرام السماوية الأخرى بالأرقام (٢) التي يقف المرء عندها طويلًا قبل أن يخلص إلى أن الأجدر بنا أن نترفع بكتاب الله تعالى عن تفسير آياته بتخمينات وفرضيات وضعها العلماء قبل أكثر من ستين سنة! ! .

стр. 954

ترى لو وضعت هذه الفرضيات في ميزان العلم اليوم، فماذا سيقول عنها؟ وكم هي نسبة ما يثبت منها أمام مستجدات الأمور؟ ! . وفي قوله سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨] ذكر الشيخ نظرية علماء الفلك في أمر الكواكب واستقرارها، ثم خلص إلى أن القرآن أثبت ما دلّ على صحته الكشف الحديث من أن الكواكب متحركة، ثم قال: (وقد طلبت إلى الأستاذ عبد الحميد سماحة وكيل المرصد الفلكلي المصري بحلوان أن يدلي إليّ بما أثبته علماء الفلك حديثًا في النظريات التي تضمنتها الآيات فكتب إليّ ما يلي ... ). وذكر أربع آيات (دلائل على الإعجاز) تستفاد من هذه الآية الكريمة (١). وقد استطرد الشيخ ﵀ فيما سماه (نظريات) تضمنتها الآيات، ومعلوم أن النظرية غير الحقيقة، فالنظرية أمر قابل للدراسة والثبوت أو البطلان مع تقدم العلم ودقة التجارب. وقد يستطرد الشيخ في ذكر معلومة لا تلزم لفهم النص، من ذلك: ما جاء في قوله سبحان ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] يقول: (وهذه الجبال متصلة بالطبقة الصّوانية التي هي أبعد طبقات الأرض عن سطحها، وتلك الطبقة تضم في جوفها كرة النار المشتعلة التي في باطنها وظاهرها هذه القشرة التي نحن عليها) (٢). ومن ذلك استطراده في بيان معنى البروج في سورة البروج، إذ يقول: (واحدها برج، ويطلق على الحصن والقصر العالي، وعلى أحد بروج السماء الأثني عشر، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر) (٣).

стр. 955

ولو وقف عند هذا لكان كافيًا في وضوح المراد، ولكنه استطرد ليبين زمن مسير القمر في كل برج، ثم مسير الشمس، ثم أسماء البروج التي تسير فيها الشمس، ثم تفرع الفصول الأربعة من هذا المسير. كل ذلك جاء في شرح المفردات، ثم عاد في الإيضاح ليتكلم عن الزمن اللازم لوصول ضوء الكواكب إلى الأرض، وسرعة الضوء في الثانية الواحدة، ثم خلص بعد ذلك إلى بُعد الكواكب عن الأرض تبعًا للزمن الذي يستغرق ضوؤها في الوصول إلينا) (١). ويحاول الشيخ أن يقرب الكثير من القضايا الغيبية إلى الأذهان فعند قوله سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: (أي للإنسان ملائكة يتعاقبون عليه حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من المضار ويراقبون أحواله ... وليس أمر الحفظة بالبعيد عن العقل بعد أن أثبته الدين وبعد أن كشف العلم أن كثيرًا من الأعمال العامة يمكن إحصاؤها بآلات دقيقة لا تدع فيها شيئًا إلا تحصيه، فقد أصبحت المياه والكهرباء في المدن تعدّ بالآلات (العدادات) فالمياه التي يشربونها، والكهرباء التي يضيئون بها منازلهم تحصى وتعد كما يعد الدرهم والدينار، وكذلك هناك آلات تحصي المسافات التي تقطعها السيارات في سيرها، وأخرى تحصي تيارات الأنهار ومساقط المياه إلى غير ذلك من دقيق الآلات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من الأعمال إلا تكتبها وتحصيها. وكلما تقدمت العلوم وكشفت ما كان غائبًا عنا كان في ذلك تصديق أيما تصديق لنظريات الدين (٢)، ووسيلة حافزة إلى الاعتراف بما جاء فيه مما يخفى على بعض الماديين الذين لا يقرون إلا بما يرونه رأي العين، ولا يذعنون إلا بما يقع تحت

стр. 956

حسّهم، وبهذا يصدق قول القائل (الدين والعقل في الإسلام صنوان لا يفترقان وصديقان لا يختلفان) (١). وفي قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] يدافع الشيخ عن طلب إبراهيم ﵇ معرفة شيء من كنه الغيب الذي لا يعرفه، بأن هذه طبيعة البشر يودون دائمًا التعّرف على المجهول، ويأتي لذلك بأمثلة من المبتكرات العلميّة وخفائها على كثير من الناس، فيقول: (وإنا الآن لا (٢) نؤمن بأمور كثيرة إيمانًا ولا نعرف كيفيتها ونود لو نعرفها، فهذا الأثير (التلغراف اللاسلكي) ينقل أخبار العالم في لحظة ولا نعرف كيفية ذلك، بل أكثر من ذلك نقل الصور بالتلغراف من الأقطار النائية والقارات البعيدة، ومثله أصوات المذياع (الراديو) التي تنتشر في جميع أقطار العالم بكل اللغات، وتسمع في أرجاء المعمورة، ولا يعرف كثير من الناس كيف تصل إليهم) (٣). ويعرض الشيخ في تفسيره لبعض الدروس الاجتماعية التي يمكن أن يستفيدها الإنسان من السيرة النبوية. ١ - فعند تفسير قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] بيّن الشيخ أثر الإيمان في مجتمع الصحابة، في إيماء إلى ضرورية ترسّم خطاهم بعد أن رقي بهم إيمانهم من حضيض التخلف، قال: (وقد كان أثر هذا الإيمان أن زكت نفوسهم وطهرت قلوبهم وعلت هممهم، فأتوا بالعجب العاجب من فتح البلاد والشعوب وسياستها سياسة عدل وحكمه، مما شهد لهم به أعدى أعدائهم، وسجله لهم التاريخ في سجل

стр. 957

الدول العظيمة الرقيّ والتقدم حين كان الناس في ظلام دامس، وحين كانت أرقى الأمم في تلك العصور تسوس رعاياها بالخسف والعسف، فأنقذها مما ترسف فيه من قيود الاستعباد، وجعلها تتنفس في جوّ من الحرية لم تر مثله، وكفى بالله شهيدًا لهم) (١). ٢ - ويدعو الشيخ إلى العودة إلى سيرة النبي ﷺ للقضاء على أمراض المجتمع، وأهمها الفرقة والخلاف، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] إذ يقول: (والعبرة في هذا القصص أن نبتعد عن الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب كما فعل من قبلنا، ولكن واأسفا وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددًا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئن منه، ونرجو أن يشملنا الله بعفوه ورحمته ويمدنا بروح من عنده، فيسعى أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ومن تبعهم بإحسان) (٢). وهو كذلك يركز على السُّنن الإلهية في النفس والمجتمع: ١ - فعند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] يقول: (وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصايب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله قد يعفو عن بعض الأعمالا التي لا أثر

стр. 958

لها في النفس وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة) (١). ٢ - وعند حديثه عن الابتلاء يبين الشيخ أن فائدة إخبارنا بوقوعه في قوله سبحانه ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] هي أن نعرف السنن الإلهية ونهيئ أنفسنا لمقاومتها (٢)، فإن من تقع به المصيبة فجأة على غير انتظار يعظم عليه الأمر ويحيط به الغم حتى ليقتله في بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطلع بها وقوي على حملها (٣). ٣ - وفي تلخيصه لأهم ما اشتملت عليه سورة الأعراف يذكر في النقطة السابعة (سننه تعالى في الاجتماع والعمران البشري، ويتضمن ذلك إهلال الله الأمم بظلمها لنفسها ولغيرها، وأن للأمم آجالًا لا تتقدم ولا تتأخر عنها، بما اقتضته السنن الإلهية العامة ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبالرخاء والنعماء أخرى ... وأن لله في إرث الأرض واستخلاف الأمم والسيادة على الشعوب سننًا لا تتبدل ... ولله سنن في سلبها من قوم وجعلها إرثًا لقوم آخرين ... ) (٤). ٤ - ويفرق الشيخ بين سنة الله في الأمم وسنته في الأفراد. ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]، يقول: (وهذه سنة مطردة في ذنوب الأهم، وهي فيها أظهر من ذنوب الأفراد، فالمشاهد أن الأمم التي تصر على الظلم والفسوق والعصيان يهلكها الله تعالى في الدنيا بالضعف والشقاق وخراب العمران، حتى تزول نعمتها وتتمزق وحدتها (٥).

стр. 959

٥ - وأخيرًا فإن الشيخ ينبه إلى ضرورة معرفة سنن الله المتعلقة بالإنسان ومجتمعه ويحذّر من ضرر الجهل بها، وذلك في قوله: (ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله تعالى في الأكوان وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا في مؤخرة الأمم، وصاروا مضرب الأمثال في التأخر والخمول والكسل .. ) (١). الملحوظات الموضوعية على التفسير: - الملحوظات على التفسير كثيرة، ومن أهمها: ١ - نقله عبارة غيره: تأثر الشيخ بغيره لا كما عهدنا ذلك من مفسرين سابقين، وإنما هو تأثر من نوع آخر، إنه تأثر وصل إلى اقتباس العبارة نفسها، وإذا كنا قد تحدثنا عن مفسرين من مدرسة الأستاذ الإمام، ساروا على منهجه، وظهرت في تفسيراتهم الخصائص التي ظهرت في تفسير الإمام، فإن الأستاذ المراغي لم يكن من هذا الصنف فحسب، بل إنه يذكرنا ببعض الأقدمين، الذين كانت طريقتهم في التأليف، اختصارًا لما كتبه غيرهم مع بعض التصرف في عباراتهم، وليس من التجني أن نقول: إن التفسير المنسوب للمراغي، إنما هو اختصار حرفي لتفسير المنار في أجزائه الاثني عشر الأولى، والعجيب أنه ربما يذكر صاحب المنار رأيًا للشيخ محمد عبده ويرده، أو يذكر رأيًا لأحد المفسرين، فيأتي مفسرنا ليدمج ذلك كله، دون إشارة للخلاف، أو لمن نقل عنه القول من قريب أو بعيد وأمثل لذلك بما يلي: أ- عند تفسيره لسورة الفاتحة يذكر أنها أول سورة نزلت، مستدلًا برواية للبيهقي، مع أن السيد رشيد رضا، أشار إلى هذه الرواية بالتضعيف.

стр. 960

ثم يورد في تفسيره لسورة العلق رواية البخاري، في أن السورة أول ما نزل من القرآن، وكم كنا نود لو تنبه الشيخ إلى هذا التناقض في كلامه. ب- في تفسير المنار ينقل الإمام عن الجلال، تفسير الإله بأنه المعبود بحق ويستحسن هذا التفسير يقول (١): (فسر الجلال الإله بالمعبود بحق ... وقد استحسن الإمام قوله ... وقال إن تفسيره لكلمة (الإله) هو الشائع، وهو إنما يصح إذا حملنا العبارة على معناها الحقيقي، وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي، لا تحيط به علمًا، ولا تعرف له كنهًا، فهذا هو معنى التأليه في نفسه، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي، بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى منه سلطانا). وهذا هو نفس النص الذي كتبه الأستاذ المراغي في الأنموذج الذي نقلناه في تفسيره. ج- وكذلك عند تفسيره لمعنى (الحي) فإنه يأتي بعبارة الإمام نفسها، وإذا كان الأمر كذلك فإن الآراء التي تبناها الإمام، وصاحب المنار هي نفسها التي نقلها المراغي كرأيه في السحر والدجال ونزول عيسى وأحاديث المهدي. وبالجملة فأكثر الملاحظات التي أوردتها على تفسير المنار، يمكن أن ترد على تفسير المراغي، والمسألة التي وجدته لا يسير على رأيهما فيها تفسيره لقصة البقرة. ٢ - التقاطه كل ما فيه غرابة: يلتقط المراغي كل رأي فيه غرابة وعجب، ولو أورده غيره بصيغة الاحتمال، من ذلك نقله عن الشيخ طنطاوي تفسير يأجوج ومأجوج بالمغول والتتار، يقول في تفسيره لسورة الكهف (٢) (يأجوج -هم التتر، ومأجوج- هم المغول، وأصلهما من

стр. 961

أب واحد يسمى (ترك) وكانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وتنتهي غربًا بما يلي بلاد التركستان). ٣ - ولوعه بالحديث عن الأرواح وخطؤه فيها منهجًا وموضوعًا: يكتب الأستاذ المراغي في ثنايا تفسيره عن مسألة الأرواح متأثرًا بالجواهر مع أنها من أكبر المآخذ على الشيخ طنطاوي كما سنرى، فعند تفسيره لسورة النجم يقول (١): (وإن علماء الأرواح في أوروبا الآن، أصبحوا يؤمنون بقوى عالم الروح، وبما لها من خوارق العادات بالنظر إلى عالمنا، قال أوليفر لودج (- أني أصبحت مؤمنًا موقنًا، بأننا محوطون بعالم نحن بالنسبة إليه كالنمل بالنسبة لنا، وهم يساعدوننا ويحافظون علينا)، ثم قال: (وقفت على هذا بطريق علمي (يريد تحضير الأرواح (ثم قال: (فإذا ما قال القديسون إنهم رأوا الملائكة، أو إنهم رأوا الله فكل ذلك حق لا مرية فيه). هذا ولا شك من عجائب القرآن، فإن ما جاء فيه مما يتعلق بعالم الأرواح أصبح علومًا تدرس وتذاع بين الناس، باعتبارها علومًا روحية وكشفًا حديثًا ... ولا غرو فإن ظهور الأرواح في صورة مرئية أصبح الآن معروفًا، وقد قص علماء الروح عجائب وغرائب، وأصبح في طوقهم أن يظهروا الروح في صورة بشرية وصورة نورية، تخاطبهم حين التنويم المغناطيسي ... ولا تتجلى الأرواح إلا بالمناسبة بين المتجلي والمتجلى عليه، وظهوره في صورة مرئية يرجع إلى قوته وشدته، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ يرجع إلى قوته العلمية). ويقول في ثنايا تفسيره لسورة الجن (٢) (وهنا سمى هذه السورة، بعالم لا نراه،

стр. 962

وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلا من طريق الوحي، وليس للعقل دليل عليه، ولقد أصبحت هذه العوالم المستترة عنا الشغل الشاغل اليوم للعلماء والباحثين، فصار علماء أوروبا يدرسون عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الأرواح، ويطلعون على غوامض هذه العوالم، فتحدث الناس مع أرواح أصحابهم الذين ماتوا، واتصل العالم الإنسي بالعالم الجني وبعالم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة ... وجاء في كتاب (إخوان الصفا) - أن الأحياء بعد الموت، هم الموسوسون إن كانوا أشرارًا، وهم الملهمون الناس الخير إن كانوا أخيارًا. واعلم أن ما جاء في هذه السورة من السمعيات التي لا دليل عليها من العقل، قد بقى في الإسلام حوالي أربعة عشر قرنًا تتلقاه الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل، دون بحث عن حقائقه، حتى عني علماء أوروبا في العصر الحديث بالبحث عنه، فظهر لهم أن الأرواح الناقصة تسمع كلام الناس وتهتدي به. وأنها لا تعرف ما فوق طاقتها ... فلا تهتدي بهدي الأرواح العالية، فالنبي ﷺ قد ارتقى في العلم إلى حد لا يمكن للارواح الناقصة أن تتعلم منه، فما أشبه حالهم بحال الجهال، الذين يسمعون من أبنائهم المتعلمين العلم ولا يفهمونه، وما مثل حال الأرواح الناقصة بعد الموت، إلا مثل حالها المشاهدة في الدنيا، فإنا نرى الجهال لا يجلسون في مجالس العلم، فهم في الحياة الدنيا ممنوعون من السمع، وقد يشتد المنع إذا كان في السماع مفسدة، كمعرفة الأسرار الحربية والخطط السياسية، التي ينبغي أن تبقى سرًّا مكتوبًا بين الدول، وهذا المنع الذي نشاهده، أشبه بالمنع من استراق السمع لأنه إنما كان لحفظ الدرجات، وهي المعارج لأربابها. ومن المؤلم للنفس الباعث على الأسف، أن نجد من علماء المسلمين، وممن يتصدون لتفسير القرآن، من يقرر مثل هذه الترهات، وإنه فيما كتبه الأستاذ المراغي خطأين اثنين:

стр. 963

أ- خطأ في المنهج: ذلك أن مناهج البحث التي سار عليها علماء الغرب، مناهج غريبة عن طبيعة ديننا، فكان ينبغي أن يتنبه مفسرنا إلى هذا ... وقد ذكر العلماء أن أسباب العلم للخلق ثلاثة: الخبر المتواتر والحواس والعقل وهذا مصداق قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، فهناك أمور لا يمكن أن نصل إلى معرفتها عن طريق حواسنا، ولا حتى عن طريق العقل، فنقل الأستاذ عن بعض علماء الغرب بحثهم في عالم الملائكة وغيره من الغيبيات، لا يرتكز على منهج صحيح في البحث، وكم كان من الخير أن يرد الأستاذ مثل هذا، لا أن يورده على أنه من المسلمات. ب- خطأ موضوعي هو إيراده لتلك المسائل في تفسيره، ومحاولته تطبيق ذلك على الآيات، مع أن مسألة تحضير الأروح من أساسها، ظن لا يغني من الحق شيئًا، كما أن نقله عن إخوان الصفا وغيرهم، وتقريره أن الرسول ﷺ ارتقى في العلم، إلى حد لا يمكن للأرواح الناقصة أن تتعلم منه، وتطبيقه ذلك كذلك على استراق السمع، وافتتانه بعلماء الغرب، كل ذلك ثغرات في تفسيره، كان من الخير له وللقراء تحاشيها. ٤ - إغراب الأستاذ في التأويل، وتضييقه لنطاق الخوارق ولو كلفه ذلك رد الأحاديث الصحيحة: وهذا هو العجب حقًّا، الأستاذ الذي ينقل عن علماء الغرب بأنهم رأوا الله والملائكة، وحادثوا أرواح الموتى، نجده مع ذلك لا يستطيع أن يحمل عقله وعقول القراء، بعض ما أرشدت إليه الآيات القرآنية في صراحة ووضوح. ولنستمع إلى الشيخ في أمثلة ننقلها من تفسيره: أ- شططه في تأويل آيات استراق السمع والرجم بالشهب:

стр. 964

يقول في سورة الصافات (١). ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ [الصافات: ٧] أي وحفظنا السماء أن يتطاول لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها الجهال والشياطين المتردون من الجن والإنس، لأنهم غافلون عن آياتنا، معرضون عن التفكير في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] أي إن كثيرًا من أولئك الجهال والشياطين، محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترقى نفوسهم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا، والتأمل في إدراك أسرارها، والبحث في سر عظمتها. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] أي وقد قذفتهم شهواتهم، وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات والإحن، فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرق للحكماء، ويبهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية، ويسحرها بعظمته، وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر حتى ذاقوا حلاوته، فخرّوا ركعًا سجدًا، مذهولين من ذلك الجمال والجلال، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أي أولئك لهم عذاب دائم، بتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والوصول بذلك إلى عظمة خالقه وبديع قدرته، ثم بين من وفقهم الله وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠] أي إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنت له سانحة منه، فتخطفت بصيرته كالشهاب الثاقب، فحن إلى مثلها، وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم، باحثًا عن سر عظمته ومعرفة كنه جماله، وهم من اصطفاهم الله من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه وأيدهم بروح من عنده، وهم (أنبياؤه وأولياؤه) الذين أنعم عليهم من

стр. 965

الصديقين والشهداء والصالحين. وفي سورة الملك يقول (١): (وقصارى القول أن هذه الكواكب، كما هي زينة الدنيا، وأسباب لرزق ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء، هي أيضًا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشياطين الإنس والجن، فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطى لكل ما استعد له، فالنفوس الفاضلة والنفوس الشريرة، استمدت من هذه المبادرة المسخرة المقهورة، فصارت سببًا لثواب النفوس الطيبة، وعذاب النفوس الخبيثة، وصار لهم فيها رجوم وظنون، إذ هم قد استمدوا شيطنتهم، من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء. أما عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾ [الجن: ٨] فيقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا، أي فمن يرم أو يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يهلكه ويمحقه. وإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أن الجن كانوا يسترقون السمع، ومنعوا من ذلك بعد بعثته ﷺ ، ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم، والجن أجسام نارية فكيف تحترق من الشهب. ويرى قوم أن مقاعد السمع هي مواضع الشبه التي يوسوس بها الجن في صدور الناس، ليصدوهم عن اتباع الحق، والحرس -هي الأدلة العقلية التي نصبها سبحانه لهداية عباده، والشهب الأدلة الكونية التي وضعها في الانفس والآفاق. وعلى هذا يكون المعنى- أن القرآن الكريم بما نصب من الأدلة العقلية والأدلة الكونية، حرس الدين من تطرق الشبه التي كان الشياطين يوسوسون بها في صدور الزائغين، ويحوكونها في قلوب الضالين، ليمنعوهم من تقبل الدين والاهتداء

стр. 966

بهديه، فمن يفكر في إلقاء الشكوك والأوهام في نفوس الناس بعدئذ يجد البراهين التي تقتلعها من جذورها. أهـ. لقد خرج الشيخ عن السياق واللغة ورأي جمهور المفسرين، فالذين خطفوا الخطفة حولهم الأستاذ من الشياطين إلى الأنبياء والأولياء والمقربين. ثم أهؤلاء الذين قرأوا القرآن على مكث متدبرين، أيكونون بحاجة إلى الخطفة يخطفونها؟ وهذه الشهب التي ملئت بها السماء لرجم مسترقي السمع، يجعلها الشيخ أنواعًا من الحجج والأنوار. إن هذه التأويلات التي أعجب بها الشيخ ونقلها إلى تفسيره، أقرب إلى التأويلات الباطنية، بل هي نفسها. نعم ليس معنى هذا أن نحجر على العقول في فهم كتاب الله ﵎، ولكن في حدود السياق واللغة والمأثور، وكل خروج كالذي رأيناه في تفسير المراغي مردود مرفوض جملة وتفصيلًا، لأنه -مع ما فيه من مخالفة وشطط- يغري سفهاء العقول بالقرآن، فيؤولون ألفاظه ويحرفون معانيه. ب- تناقض كلام الشيخ في حادثة المعراج: يفهم من كلامه في سورة الإسراء أنه يمكن أن يكون بالجسم -ولكن الإشكال يبقى كما يقول في حديث المعراج فهو مضطرب المتن كما يروي عن الباقلاني، وإن صح هذا عن الباقلاني، فإنه ليس من علماء الحديث مع تقديرنا لعلمه وفضله، وقد رد العلماء دعوى الاضطراب في حديث المعراج، وقد بين ذلك الإمام النووي ﵁، وغيره من الأئمة جزاهم الله خيرًا- بينما يقطع بأن المعراج كان بالروح فقط في سورة النجم. يقول في تفسير سورة الإسراء (١) (ويبقى أمر الحديث واشتماله على أمور غريبة،

стр. 967

لا حاجة إليها في تصديق النبوة، والمحاورة في فرض الصلوات، وانتقالها من خمسين إلى خمس مما يستدعي ردّ الحديث، وعدم النظر إليه لاضطراب متنه، كما قال القاضي أبو بكر البلاقلاني، وإن صححه رواة الحديث باعتبار سنده). ويقول في سورة النجم (١) (وقد تقدم أن الصحيح أن الصعود إلى الملأ الأعلى، كان روحيًا لا جسمانيًا، كما روى عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم). جـ- إنكاره انشقاق القمر: لم يسع الشيخ التصديق بانشقاق القمر، فأوّل الآية، كما رد الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، وأورد كلامًا لا ينهض دليلًا على ما ذهب، يقول في تفسير سورة القمر (٢). (والذي يدل على هذا أن إخبار عن حدث مستقبل، لا عن انشقاق ماض أمور: ١ - أن الإخبار بالانشقاق أتى إثر الكلام على قرب مجيء الساعة، والظاهر تجانس الخبرين وأنهما خبران عن مستقبل لا عن ماض. ٢ - أن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة، التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلغ حدًا لا يمكن لأحد أن ينكره، وصار من المحسوسات التي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلمًا ولا غيره إنكارها. ٣ - ما ادعى أحد من المسلمين، إلا من شذ، أن هذه معجزة بلغت حد التواتر، ولو كان قد حصل ذلك، ما كان رواته آحادًا، بل كانوا لا يعدون كثرة. ٤ - أن حذيفة بن اليمان وهو ذلكم الصحابي الجليل، خطب الناس يوم الجمعة في المدائن، حين فتح الله فارس، فقال -إلا إن الله ﵎ يقول- ﴿اقْتَرَبَتِ

стр. 968

السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الساعة اقتربت ألا وإن القمر قد انشق، فهذا الكلام من حذيفة في معرض قرب مجيء الساعة وتوقع أحداثها، لا في كلام عن أحداث قد حصلت تأييدًا للرسول وإثباتًا لنبوته، لأن ذلك كان في معرض العظة والاعتبار). ويرد على ذلك كله -أما أولًا فلأن الساعة قد اقتربت بالفعل، فليس اقترابها أمرًا من أمور المستقبل، وأما ثانيًا فلأنه لم يثبت أن أحدًا من المشركين، أنكر ما جاء في الآية الكريمة، وأما ثالثًا فترده الأحاديث التي نقلها عن أبي داود والطيالسي والبيهقي، بأن أهل مكة سألوا السفار عن ذلك فأيدوا رؤيته، ويكفي أن الحديث ورد في الصحيحين، وأن سياق الآية دال على ذلك، وأما رابعًا فإن قول حذيفة ﵁، رد عليه وليس حجة له. د- تأرجحه في إدريس ﵇: يذكر الشيخ في تفسير سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ما نقله النسابون عن إدريس ﵇ (١) ويرده لأنه ينبغي أن نكتفي بما جاء به الكتاب الكريم، كما يقول، ولكنه بعد ذلك مباشرة، ينقل ما قاله علماء الآثار، عن قدماء المصريين من أن إدريس (أوزريس - أموريس)، ويأتي بكلام كثير، خير منه بكثير ما قاله النسابون، وأكثر خيرًا من ذلك كله عدم ذكره. هـ- اضطرابه في معرفة ماهية إبليس: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لا يكتفي الشيخ بهذا، بل ينقل ما قيل من أن إبليس من الملائكة، وهذا قد سبقه إليه كثير من المفسرين، ولكنه يذكر أن الملائكة والجن لا دليل على وجود فروق جوهرية بينهما، بل هي فروق في الصفات فحسب (٢) وهذا

стр. 969

من أغرب أقوال الشيخ، ثم يردد ما قاله الشيخ محمد عبده عن الملائكة والشياطين، ولا حاجة لمناقشة هذا. و- تفسيره للمعارج: قد لا يكون غريبًا خروج الشيخ عن سياق الآيات ورأي جمهور المفسرين، بعد أن عرفنا كثيرًا من هذا، ومن هذا القبيل تفسيره (المعارج) بالنعم في قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج: ٣] (١)، مع أن السياق والمقام لا يساعدان على ذلك، فإن الحديث عن عذاب واقع ليس له دافع، ولعل من الخير أن أنقل شيئًا من عباراته، يقول: (المعارج - وأحدها معرج: وهو المصعد (أسنسير)، كما قال ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] والمراد بها النعم التي تكون درجات متفاضلة، تصل إلى الخلق على مراتب مختلفة ... وقد نظم سبحانه العوالم، فجعل منها مصاعد ومنها دركات، فليكن هؤلاء في الدركات، وليكن المؤمنون والملائكة في الدرجات، طبقًا عن طبق، على نظم ثابتة اقتضتها الحكمة والمصلحة). ٥ - إكثاره من التفسير العلمي ولو كان بعيد الاحتمال: فمثلًا في سورة الأعراف يفسر خلق السماوات والأرض في ستة أيام بأنها ستة أطوار، فالدخان ثم الماء ثم اليابسة ثم أجناس الأحياء، ويبقى يومان للعالم العلوي (٢). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، يبين أن الآية تتفق مع ما أثبته العلم، من أن الإنسان إنما خلق بعد أزمنة طويلة من خلق هذه الأرض (٣). وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ

стр. 970

كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ينتهز هذه الفرصة لينقل ما قاله العلماء عن عمر الأرض، بأنه ألفا مليون سنة، وأن الإنسان لم يعش عليها إلا منذ ثلاثمائة ألف سنة، وأن إنسان الغد سيكون أحكم من إنسان اليوم بثلاثة ملايين مرة وهكذا. وكله خرص وتخمين كما ترى يُقحم في تفسير القرآن (١). ولا ينسى الشيخ كما وعد في مقدمته، أن يسأل ذوي الاختصاص فنراه يسأل الأستاذ عبد الحميد سماحة، وكيل المرصد الفلكي المصري بحلوان، ليدلي إليه بما اتفق لعلماء الفلك من النظريات التي تضمنتها الآيات مثل ذلك ما رأيناه في سورتي الأنبياء ويس، يقول عند قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠] (٢). (المقصود هنا أن الله سبحانه بديع السماوات والأرض، جعل لكل من الشمس والقمر مدارًا مستقلًا يسبح فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرًا، حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر فالشمس كما ذكرنا تدور حول الأرض في حركة ظاهرية، تنشأ عن دوران الأرض حولها، وهي تشبه ما يبدو للمسافر في القطار، من حركة الأشجار وأعمدة التلغراف والقرى، دون أن يحس بحركته المكتسبة من وجوده في القطار، وهكذا تتحرك الشمس وسط النجوم في مدار واسع نسبيًا نصف قطره ٩٣ مليون ميل، وتتم دورة كاملة في زمن مقداره سنة، يدل على هذه الحركة تنقلها وسط البروج، بمعدل برج في كل شهر، أو درجة واحدة تقريبًا في كل يوم. أما القمر فمداره حول الأرض أصغر نسبيًا، ويقدر طول نصف قطر مداره، بحوالي ٢٤ ألف ميل، يقطعه في شهر، أي بمعدل منزل في كل يوم، أو ١٣ درجة في اليوم، وحركته حول الأرض حركة حقيقية، ويمكن ملاحظتها بسهولة، من مراقبة موقعه بين النجوم ليلة بعد أخرى.

стр. 971

وفضلًا عن ذلك فالمداران السالفا الذكر، ليسا في مستوى واحد، بل يميل أحدهما على الآخر، ولولا ذلك لتكرر كل من الكسوف والخسوف مرة في كل شهر، وهكذا يتبين كيف أن لكل من الشمس والقمر فلكًا أو مدارًا مستقلًا يسبح فيه). وكذلك نراه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ من سورة الطارق، يقول: (استفتيت النطاسي البارع، عبد الحميد العرابي بك وكيل مستشفى الملك سابقًا، في نظرية الحمل وكيفية تكوين الجنين، فكتب له هذا عدة صفحات، حول علاقة الآيات بالنظريات العلمية) (١). وهكذا لا يألو الشيخ جهدًا في تطبيق النظريات العلمية على آيات القرآن محاولًا بذلك إبراز الإعجاز العلمي في كتاب الله تعالى. ٦ - تناقضه وعدم دقته: يبدو من ظاهر كلام الشيخ أحيانًا التناقض وعدم الدقة، فقد مر معنا ما قاله في سورة الفاتحة، من أنها أول سورة نزلت، ثم قال هذا عند تفسير سورة العلق. وفي سورة الأعراف يفسر الاستواء على العرش، بأنه استقامة أمر السماوات والأرض وانفراده بتدبيرهما، بينما يقول في سورة الحديد (ثم استوى على عرشه فارتفع إليه) وفي سورة هود يقول: (عرش الرحمن من عالم الغيب، الذي لا ندركه بحواسنا، ولا نستطيع تصويره بأفهامنا، فلا نعلم كنه استوائه عليه) (٢) بينما يقول في سورة البروج (ذو العرش أي صاحب الملك والسلطان والقدرة النافذة). وقد نقلنا عنه سابقًا أن المحرمات هي ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ .. ﴾ وأن ما عدا هذه الأنواع الأربعة، مما ورد

стр. 972

النهي عنه فحرمته مؤقتة، أو أن النهي عنه للكراهة فقط، ولكن عباراته في سورة المائدة تشعر بغير هذا فهو يقول: (أما الطيبات فهي ما عدا المنصوص على تحريمه كبهيمة الأنعام، وصيد البر والبحر، أي ما من شأنه أن يصاد منهما، فالبحر كل حيوانه يصاد منه ما يؤكل، ما عدا سباع الوحش والطير لحديث ابن عباس (نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) وحديث ابن ثعلبة الخشني (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) رواهما أحمد ومسلم وأصحاب السنن) (١). وأكتفي بما ذكرته عن تفسير المراغي من إغراب في التأويل، ورد للأحاديث وخروج عن رأي الجمهور. رأينا في التفسير: وبعد، فلا بد من كلمة أخيرة حول هذا التفسير، بعد أن أعطيت فكرة عنه أرجو أن تكون واضحة، ولكن قبل ذلك أورد ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة، صاحب التفسير الحديث -الذي سنتحدث عنه إن شاء الله- حول هذا التفسير، يقول (٢): (ولقد اطلعنا على تفسير حديث، نشر معظمه للأستاذ المراغي، ومع أنه قصد التحرز والتحاشي وعدم الإغراب، والسير بأسلوب قريب المتناول على أوساط الأفهام، فإنه يأخذ كثيرًا من الروايات والأقوال الضعيفة، وغير المتسقة مع الآيات سندًا، أو كقضايا مسلمة، ولا يندمج في جو القرآن ونزوله وبيئته، وليس فيه تلك الحرارة والحيوية اللتان يثيران الاهتمام والشوق، فضلًا عن تفصيلات كثيرة لا طائل من ورائها، أدخلته في عداد كتب التفسير الضخمة، التي لا تسمح لكثير من الراغبين بالإحاطة به واستيعابه، حيث تبلغ صفحاته نحو سبعة آلاف ونيفًا، وكل

стр. 973

ذلك لا يجعله تفسيرًا مثاليًا فيما نعتقد). ونحن لا نؤيد الأستاذ دروزة فيما ذهب إليه، فمع غموض عبارته فيما ذكره من التحرز والتحاشي، والحرارة والحيوية، فالتفسير لا يعد من التفاسير الضخمة ولا تبلغ صفحاته العدد الذي ذكر. وإذا كان الأستاذ المراغي، قد جمع تفسيره من عبارات من سبقوه، فإن ذلك لا يقلل من شأن هذا التفسير نفسه، ولكنه مأخذ كبير على المفسر، وهذه المسألة لا تضير القارئ، لكن ما ينبغي التنبيه عليه هو التأويل الذي اشتط فيه الشيخ أحيانًا، وإيراده أقوال من يسمون بعلماء الأرواح على أنها قواعد مسلم بصحتها وصدقها، والتفسير بعد ذلك لا يخلو من فوائد، بل ربما يكون من التفاسير المفضلة لغير ذوي الاختصاص.

стр. 974

٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت ﵀ الأستاذ الأكبر واحد من هؤلاء القلة من العلماء، الذين من الله عليهم بقوة الشخصية ونفاذ البصيرة وإصابة الرأي. (والشيخ فقيه مفسر ولد سنة (١٣١٠ هـ -١٨٩٣ م) في مينة بني منصور (بالبحيرة) وتخرج في الأزهر (١٩١٨ م) وتنقل في التدريس إلى أن نقل للقسم العالي بالقاهرة (١٩٢٧ م) وكان داعية إصلاح نير الفكر، يقول بفتح باب الاجتهاد، وسعى إلى إصلاح الأزهر فعارضه بعض كبار الشيوخ، وطرد هو ومناصروه فعمل في المحاماة (١٩٣١ - ١٩٣٥ م) وأعيد إلى الأزهر، فعين وكيلًا لكلية الشريعة، ثم كان من أعضاء كبار العلماء (١٩٤١ م) ومن أعضاء مجمع اللغة العربية (١٩٤٦ م) ثم شيخًا للأزهر (١٩٥٨ م) إلى وفاته، وكان خطيبًا موهوبًا جهير الصوت، له ٢٦ مؤلفًا مطبوعًا، منها: ١ - التفسير. ٢ - القرآن والمرأة. ٣ - القرآن والقتال. ٤ - هذا هو الإسلام. ٥ - عنصر الخلود في الإسلام. ٦ - الإسلام التكافل الاجتماعي. ٧ - فقه السنة. ٨ - أحاديث الصباغ في المذياع. ٩ - فصول شرعية اجتماعية

стр. 975

١٠ - حكم الشريعة الإسلامية في تنظيم النسل (محاضرة). ١١ - الدعوة المحمدية (رسالة). ١٢ - فقه القرآن والسنة. ١٣ - الفتاوى. ١٤ - توجهات الإسلام. ١٥ - الإسلام عقيدة وشريعة. ١٦ - الإسلام والوجود الدولي. توفي عام (١٣٨٣ هـ-١٩٦٣ م) (١). ومع أننا نعد الشيخ من مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده، إلا أنه ليس مثل كثير ممن تكلمنا عنهم ممن التزم آراء الشيخ التزامًا تامًّا، بل إن شخصية الشيخ احتفظت بمميزاتها ومقوماتها، مما أثر في تفسيره فجعل له خصائص فريدة، سواء أكان في أسلوبه وطريقته أم في آرائه وأفكاره، وقد فسر الأستاذ الثلث الأول من القرآن، وهو المعروف بتفسير القرآن الحكيم. تفسير القرآن الكريم منهجه في التفسير: سلك الشيخ طريقة فريدة في تفسيره فهو يجمع بين الطريقتين الموضوعية والتحليلية، وإن كانت الأولى هي التي تغلب على تفسيره، فهو حينا يعرض للسورة من القرآن يذكر سبب تسميتها، والظرف الذي نزلت فيه، مقارنًا بينها وبين غيرها من السور الشبيهة بها من حيث الموضوع، أو من حيث البدء، ثم يذكر أهم

стр. 976

موضوعات السورة عقدية أو قصصية أو تشريعية، وهو مع ذلك كله يبدي رأيه في كل مسألة من مسائل الخلاف، بعد أن ينقل أقوال سابقيه، ثم يفسر بعض الآيات تفسيرًا تحليليًا. فعند تفسيره لسورة البقرة، يذكر الأمور التي أشرت إليها ثم يخص آية البر وهي قوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] باعتبارها واسطة العقد في سورة البقرة بشيء من التفصيل. ونلاحظ أن حديثه عن سورة البقرة، لم يكن شاملًا لجميع موضوعاتها بالتحليل. وهكذا عند تفسيره لسورة آل عمران، فبعد ذكره لأهم موضوعاتها، يتناول النداءات التي وردت فيها للمؤمنين بشيء من التفصيل. أما عند تفسيره لسورة النساء ففضلًا على ما تقدم، يوازن بين سورتي النساء والحج، من حيث البدء بنداء الناس جميعًا وأمرهم بالتقوى، وكيف أن أولاهما ذكرت البدء والأخرى ذكرت الميعاد. ونراه عند تفسيره سورة المائدة بعد ذكره لبعض الموضوعات، وما امتازت به السورة من كثرة النداءات، يقتصر على تحليل النداءات الستة الأولى تحليلًا وافيًا. لكنه عند تفسيره سورة الأنعام يعقد موازنات أولها بين سورة الأنعام لكونها مكية، وبين السور المدنية التي سبقتها، وثانيهما بين سورة الأنعام، ومثيلاتها مما بدئ بالحمد، ثم يعقد موازنة ثالثة، بين سورة الأنعام والأعراف التي تليها، باعتبارها أكبر السور المكية، وهو إذ يفيض في موضوعات سورة الأنعام، يذكر ما امتازت به السورة من الأسلوب التقريري، المبدوء بـ (هو) مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، والأسلوب التلقيني المبدوء بكلمة (قل) مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ

стр. 977

شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ثم يخص الوصايا العشرة بتحليل وتفصيل دقيق. هذه هي طريقة الشيخ في تفسيره، وهي كما قلت من قبل فريدة في مسلكها لأن غيره من المفسرين سلك الطريق التحليلي على حدة أو الموضوعي. مدى تأثر الشيخ بغيره من المفسرين: إذا كان الشيخ قد انفرد في طريقته ومنهجه، فإن هناك سؤالًا يُطرح وهو: هل انفرد الشيخ في آرائه كذلك، أم تأثر بغيره وبخاصة الإمام محمد عبده؟ . الممعن في تفسير الشيخ، يجده ينقل كثيرًا من أقوال المفسرين مستشهدًا بها، فقد نقل عن أئمة المفسرين كالرازي والقرطبي والألوسي، وهو إذ ينقل عنهم، نلمح منه عبارات الإجلال والتقدير، وهذه خصلة كريمة تدل على فضل الشيخ، وعلى سبيل المثال، ينقل ما امتازت به سورة الأنعام عن الفخر الرازي، كما يصف القرطبي في ثنايا الاستشهاد بأقواله بالإمام. ويستحسن في قصة المائدة ما ذكره الإمام الرازي في درجات الإيمان. أما تأثره بالإمام محمد عبده فعلى الرغم من أن معالمه ربما تبدو في بعض المسائل، إلا أنه لا يصل إلى درجة التقليد والمحاكاة، فإن للشيخ كما أسلفت شخصيته العلمية القوية وتبدو آثار هذا التأثر في الأمور التالية: عند تفسيره لسورة الفاتحة، يرى أن المغضوب عليهم والضالين، هم الكافرون والمنافقون، ويترك الروايات الواردة في ذلك، وقد تركها الإمام من قبل، ويبين في أثناء تفسيره لسورة الأنعام، أن سورة الفاتحة قد اشتملت على مقاصد القرآن جمله، ولا ننسى إنكاره نزول عيسى بحجة آحادية الحديث، وهذا ما ذهب إليه الإمام من قبل ومع ذلك فإن شخصيته تتجلى في مخالفته الشيخ، ومعارضته في مواضع أخرى، من ذلك مثلًا رأيه في الحروف المقطعة، فهو يرى أنها مما استأثر الله

стр. 978

بعلمه، فهي من الأسرار، وهو يرد رأي الشيخ صراحة، ورأي صاحب المنار في تفسير قصة البقرة، ويرى أنه تأويل لا تساعد اللغة عليه ويرده السياق. آراء الشيخ في بعض مسائل التفسير: ١ - رأيه في القصص القرآني: يتحدث الشيخ في ثنايا تفسيره لسورة البقرة عن القصص القرآني، ويبين مذاهب الكتاب فيه، فيذكر مذهب المؤولين، ممثلًا له بما قال الشيخ محمد عبده في قصة البقرة ويرده، ثم يذكر رأي القائلين بالتحليل، ويبين أنهم وإن اتفقوا مع المؤولين في صرف اللفظ عن ظاهره إلا أنهم يختلفون عنهم بصرف اللفظ إلى تخييل ما ليس بواقع واقعًا، فلا يلزم فيه الصدق، ولا أن يكون إخبارًا بما حصل، ولشدد النكير على هؤلاء في تفسيره لسورة البقرة (١). ثم يعود للحديث عنهم في سورة المائدة، يقول (٢): (بقي أن جماعة متفلسفة هذا العصر، حاولوا أن يعيدوا بعض آراء قوم حكموا عقولهم فيما قصه الله فقالوا - إن مثل هذا القصص لا يلزم أن يكون صادقًا، يحكي واقعًا صحيحًا، وإنما يجوز أن يكون القرآن جارى فيه معلومات اشتهرت على تعاقب العصور، من غير أن يكون لها أصل كوني، وأن القرآن حدث القوم بما يتناقلون من معارف مأثورة، وإن لم يكن لها واقع صحيح، قالوا - ومن الجائز أن يكون القرآن هو الذي وضعها ابتداء، بقصد التمثيل لغرض صحيح، وهو التأثير على القوم في سبيل اعتناق الحق الذي يدعون إليه، وعليه يكون سؤال الحواريين افتراضًا وتخييلًا، وإجابة عيسى لهم افتراضًا وتخييلًا، وإجابة الله لهم على هذا النحو الذي أجاب به افتراضًا وتخييلًا، وكل ما تضمنه هذه الآيات، من نسب هي

стр. 979

حكايات عن مفروض متخيل، لا واقع له تنطبق عليه، وإنما هي تخييل واختراع في اختراع ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. وكما لم يعجب الشيخ قول أصحاب التأويل ورد على أصحاب التمثيل أقوالهم مستنكرًا فإنه لا يعجبه كذلك إسراف نقلة الروايات في القصص، ما صح منها وما لم يصح، كما فعل بعض المفسرين. والرأي الذي يرتضيه هو الوقوف عند ما أخبر به القرآن، ويستحسن الشيخ ما قاله الإمام محمد عبده، من أنه ينبغي أن تؤخذ القصة القرآنية، سواء عرفها الناس أم جهلوها. ٢ - رأيه في الإيمان بالغيب: للشيخ رأي في مسائل الغيب، وهو الإيمان بما ورد فيها في حدود، دون تزيد أو محاولة لقياس الغائب على الشاهد وأنه لا يجب الإيمان في ذلك إلا بما صح وأفاد العلم من كتاب أو سنّة (١)، وهذا يعني أنه لا يحتج بصحيح خبر الآحاد، وهذا عين ما ذهب إليه الإمام، ومن ذلك ما ذهب إليه من إنكار نزول عيسى ﵇، ويحسن هنا أن أورد مثالًا يوضح طريقته في تفسير هذه المسائل، ففي تفسير سورة الأعراف، بعد أن يورد اثني عشر قولًا، في تفسير الحجاب الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف يقول (٢): (والذي يجب علينا أن نقف عنده هو - أن هناك حجابًا بين الجنة والنار، قد يكون ماديًا وقد يكون معنويًا، والله أعلم بحقيقته، والمقصود أن بين الجنة والنار ما يحجز بين الفريقين، وأن هذا الحجاب الحاجز، لا يمنع من دخول ووصول المناداة، وأن هناك مكانًا له صفة الامتياز والعلو، وأنه يكون على هذا المكان رجال لهم من المكانة، ما يجعلهم مشرفين على هؤلاء وهؤلاء، ينادون كل فريق بما

стр. 980

يناسبه -يحيون أهل الجنة ويبكتون أهل النار). وهنا نراه قد التزم بالمنهج الذي خطه لنفسه. ولكننا نراه يخالف هذا المنهج، حينما يحدد من هم أصحاب الأعراف، فإنه لم يقف عند الإيمان بظاهر النص، وهو أن هناك رجالًا يسمون أصحاب الأعراف، بل حددهم بأنهم عدول الأمم، والشهداء على الناس وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات لا تدل على ما ذهب إليه. وكما يفهم من كلام الأستاذ عدم احتجاجه بأحاديث الآحاد، في قضايا العقيدة نراه يؤول بعض هذه الأحاديث، كما فعل عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، حيث أتى بقول الرسول ﷺ (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله .. ) قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فهو يقول (أما الحديث فمعناه- أن هذا الجزاء الذي يحصل عليه الطائع، ليس بدلًا مماثلًا لطاعته، وليس جزاءً مساويًا كالشأن بين البدلين، وإن كانت الطاعة هي التي أوجبته وتسببت فيه، والمعنى: لن يدخل أحدكم الجنة بعمل يساويها وما فيها من نعيم، ففضل الله عظيم سابغ، باعتبار جعله الجنة بدلًا من عمل محدود قليل، لا يطاولها ولا يقابلها في ذاته) (١) ونحن نعلم أن الجدل حول هذا الموضوع، احتدم بين المعتزلة وغيرهم، فحينما يرى المعتزلة أن العمل أساس في دخول الجنة، وأن دخولها بسببه حقيقة، يرى غيرهم خلاف ذلك، وهكذا نلمح آثارًا لمدرسة الاعتزال في تفسير الشيخ، وإن لم تبلغ ما بلغته عند آخرين من رجال هذه المدرسة. ٣ - رأيه في تفسير بعض آيات الأحكام: من المعلوم بداهة، أن الأستاذ الأكبر كغيره من رجال مدرسة الإمام، ينادون

стр. 981

بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فمن الظلم أن تكبل العقول ويحجر عليها، ومن المؤسف أن يوصف الإسلام بالجمود ... هكذا يقررون، لذا فإن من الأهمية بمكان، معرفة آراء الشيخ شلتوت في بعض الأحكام، التي عرضت لها الآيات القرآنية، وسأعرض هنا لبعض آرائه من خلال تفسيره: أ- فعند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعرض الشيخ لمسألتين: الأولى: حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين- ويذكر فيها رأيين للعلماء، رأي الجمهور: وملخَّصُه، أنها حلال ما لم نتأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله، والرأي الآخر وهو أنها حلال ما لم يكن من المحرم لذاته، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير، ويأتي الشيخ شلتوت بالفُتيين اللتين أصدرتهما لجنة الفتوى بالأزهر، وكانت الأولى في عهد الشيخ المراغي، وهي موافقة لفتوى الشيخ محمد عبده، أما الثانية أعني رأي الجمهور، فقد صدرت بعد ذلك في عهد الشيخ عبد المجيد سليم رحمهما الله ويرجح الشيخ رأي الجمهور فيقول: (وقد يكون من ذلك الاجتهاد، المقارنة بين هاتين الفُتيين، وإن الناظر في المعنى الذي لأجله حرم ما حرم على المؤمنين، وهو الابتعاد عما اتصل به ما ينافي التوحيد كذكر اسم غير الله، أو الذبح على النصب، وعما كانه تحريمه لمعنى في نفسه كالميتة وما عطف عليها لا يرى بدا من الحكم، بأن ذلك التحريم لا يرفعه إن كان الحيوان ملكًا لغير المسلم، أو طعامًا له، فإنه لم يعهد أن يحرم بشيء لمعنى على طائفة، ثم يباح لها إذا كان لغيره مع وجود معنى التحريم فيه. وإذا نظرنا إلى أن التكاليف الإسلامية وما تضمنته من تحليل وتحريم -وهي في واقعها، وفيما أراد الله من جعل الرسالة المحمدية وشرائعها- عامة لجميع الناس، وأن الناس جميعًا مكلفون بها، يظهر لهذا الرأي قوة فوق قوته. نعم جعل الشارع سبحانه عدم

стр. 982

إيمانهم بالرسالة قبيحًا لتركهم وما يدينون، وإن كان باطلًا في ذاته، وذلك تسامح منه سبحانه قضت به محبة الأمن والاستقرار، وعدم الإكراه في الدين، وهذه مبادئ قررها الإسلام صونًا للجماعة وحفظًا للنظام، أما قول المرجحين للإباحة "إن الله أباح طعام أهل الكتاب للمؤمنين وهو يعلم ما يقولون ويفعلون" فيقابله أنه سبحانه أباحه للمؤمنين وهو أيضًا يعلم ما حرمه عليهم، ويعلم أنهم يعلمونه، ويعلمون أن تحريمه لم يكن لأنه ملك لهم، بل لمعنى متصل به ومتحقق فيه ولا تأثير لصفة الملك عليه. هذا موقفنا بين الفوتيين، وبعبارة أخرى بين الرأيين، ولكل مجتهد نصيب (١). المسألة الثانية: -التزوج بالكتابيات- فبعد أن يذكر رأي المانعين والمثبتين، يرى أنه لا حجة في المنع فإنه وقف لحكم الآية أو نسخ لها، ولا دليل على ذلك. ب- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] يعرض لمسالة مهمَّة وهي حكم الإجهاض. ولقد أبدى الشيخ فيها رأيه، متفقًا مع أصول الشريعة وأقوال الفقهاء، غير ملتفت إلى هؤلاء الذين يريدون التجديد ولو على حساب دينهم، يقول: (وقد اتفقت أقوال الفقهاء على أن إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه حرام، لا يحل لمسلم أن يفعله توهمًا منه أنه لا حياة فيه، فلا جناية بإسقاطه فلا حرمة، والتحقيق أنه حرام، لأن فيه حياة محترمة، هي حياة القبول والاستعداد، ثم ينقل عن الإمام الغزالي ﵁ وعن بعض كتب الفقه، ما يؤكد ما ذهب إليه (٢). جـ - عند تفسير آية الوضوء في سورة المائدة (٣)، يذهب في حكم التيمم للمسافر ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا من إباحة التيمم للمسافر مطلقًا، وينقل ما قالاه عند تفسير آية النساء، كما يرى عند تفسير قول الله

стр. 983

تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وجوب غسل الرجلين غير معتد بخلاف الشيعة وغيرهم. د - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] يتكلم عن استنباطات الفقهاء معلنًا أنها لا تعجبه ثم يأتي برأيه، وهو إن دل فإنما يدل على أصالة وفكر ثاقب، يقول الشيخ: (ثم توجه إليهم الأمر بالاستماع والإنصات إذا تلي عليهم القرآن، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فلا يقولون كما اعتادوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ولعلهم إذا استمعوا وأنصتوا وقفوا على حقيقته وظهرت لهم أسراره، وعرفوا أنه المعجزة التي لا تطلب بعدها معجزة، فيستغنون به عن طلب المعجزات، ولا يقولون إذا لم تأتهم بآية من الآيات التي يقترحونها ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، اختلقتها وافتعلتَها من تلقاء نفسك. هذا هو الوجه الذي ينبغي أن تفهم به هذه الآية الكريمة، ولا يعجبني تخريجها على أنها تشريع خاص للمؤمنين، فيما يختص بتحريم الكلام في الصلاة أو بالسكوت عند الخطبة، أو بالقراءة خلف الإمام، كما يذهب إليه كثير من العلماء، ويجعلونها مثار جدل ونقاش حول المسائل الثلاث، فإنها على أي وجه من هذه الوجوه، لا تلتئم مع السياق، ولا مع وقت النزول، والقراءة خلف الإمام سرًّا أو جهرًا، من المسائل الجزئية التي تختص بالمؤمنين في صلاتهم، ويبعد كل البعد أن يوكل بيان عدد الركعات والكيفيات الأولى للصلاة، إلى بيان الرسول عن طريق الوحي الباطني، دون أن يتعرض القرآن لشيء من ذلك، ثم يُعنى القرآن بخصوص القراءة خلف الإمام سرًّا أو لا سرًّا ولا جهرًا؟ فما أبعد هذه الآية عن هذه المسألة، ما أبعد هذه السورة في موضوعها وفي وقت نزولها عن الاهتمام بمثل هذا) (١)، وهكذا يتناسب فهم الشيخ مع سياق السورة وكونها مكية النزول.

стр. 984

٤ - بيانه لحكمة التشريع ودفاعه عن الإسلام، واستنباطه بعض القواعد السياسية والاجتماعية لتدعيم المجتمع الإسلامي: أ - فهو عند تفسيره آية الربا في سورة آل عمران، يبين أن هناك جانبين مهمين في تحريم الربا: الجانب الأخلاقي والجانب الاقتصادي، ثم يكر على شبهات بعض العصريين المنحرفين في استباحة الربا ليبطلها، مبينًا أن القضية ليست قضية الربا أو غيره، وإنما هي قضية الشريعة ككل، يقول (وهذا موضوع قد أثير أخيرًا، وشغل الأفكار منذ أنشبت المدنية الحديثة أظفارها في أعناق المسلمين، وعمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عملهم المثابر المتواصل في الفتنة، وزلزلة القلوب عن دين الله، والقضية في الحقيقة ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية، وإنما هي قضية الشريعة الإسلامية كلها، وقد انصرف عنها أهلها وتعلقوا بأهداب غيرها من قوانين الأمم الغالبة المسيطرة عليهم، ومن شأن المغلوب أن يولع بتقليد الغالب، ويرى أكثر ما يفعله خيرًا وصلاحًا، ويزين له الشيطان أن نجاحه إنما يرجع إلى عدم تمسكه، بما يتمسك به هو من القواعد والأصول والآداب ... والتقاليد. لو كان للإسلام دولة وقوة، لكان تشريعه هو المتبع، ولكان للأمم والشعوب من الوسائل الاقتصادية العملية، ما يغنيهم عن الربا وغير الربا، مما حرمه الإسلام، وإن للكسب لموارد طبيعية، هي الأساس والفطرة، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات المساهمة التعاونية، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن الشعوب لا تستطيع أن تقيم مدنيتها على أساس التعاون والتراحم، ومساعدة الفقير والمحتاج، بإقراضه قرضًا حسنًا، على نظام يكفل لأصحاب الحقوق حقوقهم، ولا يؤدي إلى إثقال كواهل المدينين، واستلاب أموالهم بالباطل) (١).

стр. 985

ب - وعند تفسيره سورة الأنفال يميط الأذى من طريق المسلمين، هذا الأذى الذي يتمثل في شبهات خصوم الإسلام، فيأتي بشبهتين -شبهة على أصل الحرب في الإسلام، وشبهة على سبب غزوة بدر، حيث يُفْتَرَى بهذه الشبهات على الإسلام، ويردُّهما الشيخ جزاه الله خيرًا ويفندهما. وها هو يقول في تفنيد الشبهة الثانية وردها: (وأكبر دليل على أنهم لم ينبعثوا عن رغبة في السلب والنهب والاستيلاء على الأموال، أنه لم يؤثر عنهم التفكير ولو مرة واحدة، في أن يتجهوا إلى عِيْر قريش فيسلبوا وينهبوا، وقد كانوا يعيشون مع اليهود فعاهدوهم، وأمنوهم وأحسنوا جوارهم، وظلوا محافظين على جوارهم وعهودهم، إلى أن نقض هؤلاء عهودهم، واتصلوا بمشركي قريش وألبوا عليهم، فلو كان المسلمون يصدرون عن طبيعة حب السلب والنهب، لوجدوا في أموال اليهود ما يمكنهم أن يتجهوا إلى سلبه، فاتخاذهم أموال قريش غرضًا خاصًّا، ليس له سبب ما إلا أنهم وجدوا أنفسهم في حرب مع قريش) (١). جـ - وكما رد الشيخ شبهات خصوم الإسلام وأعدائه، لم ينس هؤلاء الذين يُسمَّون مسلمين، ولكنهم فتنوا بالحضارة والمادة، فتاهوا بين إلحاد الشرق وميوعة الغرب، هؤلاء الذين تعاني منهم أمتنا كل عنت، وهم السبب في انحدارها وتقهقرها، والمصيبة تكون أعتى وأشد، حينما يتسلم هؤلاء زمام أمر الأمة ومقدراتها، فيضلون ويضلون، لا ينسى الأستاذ الأكبر ﵀ أن يلتفت إلى هؤلاء، عاقدًا موازنة بينهم وبين المنافقين، الذين ابتليت بهم الأمة في أول أمرها. يقول الشيخ شلتوت (هذا اللون من ألوان التمرد على أحكام الله، قد مني به المسلمون في أول شأنهم بالمنافقين، كما تحدثت عنه سورة النساء، ومنوا به في آخرهم بأرباب الثقافات الأجنبية، الذين غرهم بريق الطواغيت الأوروبية
следующие страницы →