← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ورجع باقيهم إلى الشام. ودخل يزيد بن سياه المدينة فوقف على برذون أشهب وعليه ثياب بياض. فما لبث أن اسودّت ثيابه ودابّته ممّا مسح الناس به وما صبّوا عليه من الطيب. قال ابن دريد: هو أوّل أمير أكل على منبر رسول الله ﷺ ، قتله حنتف بن السجف [التميميّ]. ودخل يوما على مروان بن الحكم وكان يجلسه على السرير معه، فرأى روح بن زنباع في موضعه من السرير معه، فأمر حملته ألّا يضعوه، وقال: إن رددتم علينا موضعنا وإلّا انصرفنا عنكم. فقال مروان: مهلا! فإنّ لأبي زرعة مثل سنّك، وبه مثل علّتك- يعني النقرس. قال حبيش: أو له مثل يدي عندك؟ قال: وله مثل يدك عندي، إلّا أنّ يده غير مكدّره بمنّ. قال: إنّي لأظنّك يا مروان أحمق. قال: أظنّ أيّها الشيخ ظننته أم يقين استيقنته؟ قال: بل ظنّ ظننته. قال: فإنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا أعجب بظنّه- وفي رواية: إنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه. وفي رواية: إنّ أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه. وقال صالح بن حسّان البصريّ: رأيت حبيش ابن دلجة على منبر رسول الله ﷺ يأكل من مكتله (١) تمرا ويطرح نواه في وجوه القوم، وقال: والله إنّي لأعلم أنّه ليس بموضع أكل، ولكنّي أحببت أن أذلّكم لخذلانكم لأمير المؤمنين. وأخاف أهل المدينة خوفا شديدا وآذاهم، وجعل إذا خطبهم يشتمهم ويتوعّدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغشّ لأمير المؤمنين- يعني يزيد- حتى أتاه الحنتف فخرج إليه وأبى أهل المدينة أن يعينوه [٣١٩ ب] فقتل، وسرّ بقتله أهل المدينة سرورا كبيرا وحبست أسراه وهم خمسمائة، ثمّ ضربت أعناقهم. [وقتل حبيش بن دلجة في سنة خمس وستّين] (٢). ١١١٩ - حباسة بن يوسف الكتاميّ [- ٣٠٧] (٣) [٤١٢ أ] حباسة بن يوسف الكتاميّ، أحد قوّاد المهدي عبيد الله [ ... ]. وبعثه المهديّ على الجيوش لأخذ مصر، وجهّز معه مائتي مركب. فسار إلى برقة، وبها أبو النمر أحمد بن صالح من الأبناء (٤) على جيش كبير

стр. 1017

من قبل أبي منصور تكين أمير مصر. فخرج إلى سرت ولقي حباسة فاقتتلا وانتصف كلّ منهما وامتنع من صاحبه. فعزل تكين أبا النمر بخير المنصوري. وبلغ ذلك حباسة، فبعث إلى أبي النمر، وهو مواقفه: «ما يحملك على حربنا وأنت معزول؟ » وبعث إليه بكتاب ورد عليه من مصر بذلك. فانصرف أبو النمر إلى برقة، وتبعه حباسة، ومضى أبو النمر إلى مصر، فملك حباسة برقة. وخرج منها فلقي خير المنصوري وهزمه، وأقبل بجيوشه إلى الإسكندريّة، فدخلها يوم السبت لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثمائة، ومعه ما يزيد على مائة ألف. فقدم القاسم بن سيما (١) من العراق، وقدمت الجيوش مددا لتكين. فخرج أوّل العسكر من مصر إلى الجيزة في خامسجمادى الأولى منها، وخرج تكين في تاسعه فعسكر بها. وخرج حباسة من الإسكندريّة، فعسكر بمشتول من أرض الجيزة. ونودي بالنفير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصّة والعامّة، إلّا نفر [ا] يعذرون بعلّة أو حال عجز عن الحركة. ثمّ انصرفوا عشاء ولم يكن لقاء. ثمّ نودي بالنفير يوم الخميس بعد ذلك بيومين. فخرج الناس خروجا لم ير مثله قطّ في الاجتماع والنشاط وحسن البصيرة. وأتاهم حباسة في جيشه يومئذ فيما بين الظهر والعصر، فالتقوا فكثرت القتلى بينهم، وقتل أكثر رجال حباسة وانهزم باقيهم، فتبعهم جمع من الرعيّة، وعبروا خلفهم خليج بوهة (٢)، وقد دخل الليل، فخرج عليهم كمين لحباسة بعد الغروب، فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف. وأصبح الجند على مصافّهم بالجيزة يوم الجمعة، وفيه نودي بالنفير وقت صلاة المغرب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا، وخرجت الرعيّة إلى الجيزة ليلهم كخروجهم بالأمس. ثمّ عادوا إلى [٤١٢ ب] الفسطاط غداة يوم السبت ولم يكن لقاء. وعاد حباسة إلى الغرب، فعند وصوله إلى المهديّة قتله المهدي [ ... ]. وقال نافع بن محمد بن عمرو في واقعة حباسة [الطويل]: ألا شقّ جيب الصّبر إن كنت موجعا ... ولا يلف لاح فيك للعذل مطمعا لما دهم الإسلام من فجع حادث ... تهمّ له أركانه أن تضعضعا لمصرع إخوان على الدين صرّعوا ... لنصرة دين الله يا لك مصرعا! فماتوا كراما ما استضيموا أعزّة ... يلاقون في الله الأسنّة شرّعا ٥ ألم ترهم يوم الخميس، وقد غدا ... عدوّهم فيمن أعدّ وأجمعا؟ وقد صاح فيهم بالنفير أميرهم ... فجاءوا سراعا، حاسرين ودرّعا فصادمهم في الناكثين فأيّدوا ... وكان حماة الدين أعلى وأمنعا (٣)

стр. 1018

فولّى بخزي طوّقته كتامة ... وقد سقيت كأسا من الموت مترعا ألوف أباد القتل جمّ عديدهم ... فأمسوا طعاما للكلاب ومرتعا ١٠ ترى القوم صرعى في الحلافي جواثما ... كأعجاز نخل بالبقيع تقلّعا (١) وطيف بهام الفاسقين على القنا ... وبضّع من لحماتهم ما تبضّعا وكانت لحزب الكفر إذ ذاك عطفة ... فقتّل من أشياعنا من تسرّعا فصلّى على تلك النفوس مليكها ... وعوّضها أبقى ثواب وأنفعا! وقال ابن مهران (الوافر): وأيّ وقائع كانت بسفط ... ألا بل بين مشتول وسفط (٢) وقد وافى حباسة في كتام ... بكلّ مهنّد وبكلّ خطّي وقد حشدوا لمصر، ودون مصر ... له خرط القتاد وأيّ خرط وأقبل جاهلا حتّى تخطّى ... وجاز بجهله حدّ التخطّي ٥ بكتب جماعة قد كاتبوه ... من اقباط بمصر وغير قبط وكلّ كاتبوه ونافقونا ... وكلّ في البلاد له موطّي ووافانا سليمان بن كافي ... يخطّ الأرض في غير المخطّ (٣) وحفّت بالأمير له رماة ... من الأتراك ممّن ليس يخطئ [٥٣٨ أ] ولا سيما وعن قسي صلاب ... وفتيان ومدّ بالتمطّي (٤) ١٠ فوافى الخائن المخذول منّا ... سهام للمقاتل ليس تخطئ فكم بالجسر من رأس وكفّ ... ومصلوب ومشدود بشرط ومرّ لنا مع الإقبال يوم ... شفى ما في القلوب لكلّ ملط (٥) فقل لحباسة: إن كنت عنّا ... مضيت، فإنّ قتلك ليس يبطي بحول الله ذاك، فصدّقوني ... وهذي رقعتي لكم بخطّي فكان الأمر كما قال ابن مهران، وقتل حباسة. ١١٢٠ - حجّاج بن عمرو الأنصاريّ (٦) [٥٠٦ أ] حجّاج بن عمرو بن غزيّة بن ثعلبة بن خنساى بن مبذول بن عمرو بن عثمان بن مازن بن النجّار، الأنصاريّ، المازنيّ، ويقال فيه: الحجّاج بن أبي الحجّاج. قال البخاري) له صحبة.

стр. 1019

روى عن النبيّ ﷺ حديثين: أحدهما في الحجّ: «من كسر أو عرج فقد حلّ، وعليه حجّة أخرى». والآخر: كان النبيّ ﷺ يتهجّد في الليل بعد نومه. وروى عن عكرمة وكثير بن العبّاس، وابن أخيه ضمرة بن سعد وعبد الله بن رافع. وحجّاج هذا هو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار، فأسقطه حتى حمل، وهو لا يعقل. وقدم مصر مع محمد بن أبي بكر، فلمّا قتل محمد سار من مصر وأخبر علي بن أبي طالب ﵁ بقتله. ١١٢١ - الحجّاج بن يوسف [٤٠ - ٩٥] (١) [٥٠٧ أ] حجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسيّ- وهو ثقيف- بن منبّه بن بكر بن هوازن، أبو محمد، الثقفيّ (٢). [دخوله مصر مع أبيه] ولد بمصر والمسور بالطائف عام الجماعة سنة أربعين. وقدم إلى مصر هو وأبوه مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين. فبينا هو وأبوه في المسجد الأعظم، ومعه عمرو بن سعيد الأشدق، إذ مرّ بهم سليم بن عتر (٣)، فسلّم وانصرف، فأثنوا عليه خيرا، وكان قاضي الجند زمن عمرو بن العاص، وكان من خيار الناس. فقال الحجّاج: أما إنّي لو أجد هذا خلف هذا الباب، وكان لي عليه سلطان، لضربت عنقه. إنّ هذا وأصحابه يثبطون عن طاعة الملوك. فشتمه والده ولعنه وقال له: تسمع القوم يذكرون عنه خيرا، ثمّ [٣٢٠ ب] تقول ما تقول؟ والله إنّي رأيي فيك ألّا تموت إلّا جبّارا شقيّا. وكان أبوه صالحا. وعن حرملة بن عمران قال: كان يوسف جالسا في المسجد، ومعه ابنه الحجّاج. فمرّ سليم بن عتر، فقام إليه يوسف وسلّم عليه وقال: إنّي أريد أن آتي أمير المؤمنين، فإن كانت لك حاجة فآثرني بها. قال: نعم! حاجتي أن تسأله أن يعزلني. فقال: والله لوددت أنّ عمّال المسلمين كلّهم مثلك. فكيف أسأله أن يعزلك؟ ثمّ انصرف. فجلس، فقال له الحجّاج ابنه: يا أبت، من هذا الذي قمت إليه؟ قال: يا بنيّ، هذا سليم بن عتر قاضي أهل مصر. قال: يغفر الله لك يا أبتي! أنت يوسف بن أبي عقيل، تقوم إلى رجل من كندة أو تجيب (٤)؟ فقال: والله يا بنيّ، إنّي لأرى الناس لا يرحمون إلّا بهذا وأشباهه. فقال: والله ما يفسد الناس عن أمير المؤمنين إلّا هذا وأشباهه، يقعد ويقعد إليه أقوام أحداث

стр. 1020

فيذكر سيرة أبي بكر وعمر ﵄، فيخرج الناس على أمير المؤمنين. فو الله، لو صفا هذا الأمر، لسألت أمير المؤمنين أن يجعل لي السبيل فأقتل هذا وأشباهه! قال: يا بنيّ، إنّي لأظنّ أنّ الله خلقك شقيّا. ثمّ إنّ مروان بعث يوسف وابنه مع حبيش بن دلجة (١) القينيّ إلى إخراج عمّال عبد الله بن الزبير من المدينة. فخرجا فيمن خرج معه لعشر خلون من جمادى الأولى، وهما على جمل واحد. فوصلا إلى المدينة وشهدا معه الحرب حتّى قتل. فانهزما فيمن انهزم إلى الشام. وكان الحجّاج يقول: ما أقبح الهزيمة! لقد رأيتني مع رجل- وكره أن يسمّي أباه- وكنّا في جيش ابن دلجة فانهزمنا ونكصنا ثلاثين ميلا، وكان يخيّل إليّ أنّ القوم بين [٥٠٧ ب] أكتافنا. وكان على شرطة أبان بن مروان وهو على البلقاء، فلمّا بويع عبد الملك بن مروان بعد موت أبيه، تقدّم الحجّاج عنده إلى أن قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وأتى الكوفة [ف] وجّه منها الحجّاج في ألفين- وقيل: في ثلاثة آلاف- من أهل الشام لقتال عبد الله بن الزبير. وكان السبب في تسييرهدون غيره أنّه قال لعبد الملك: إنّي رأيت في المنام أنّي أخذت عبد الله بن الزبير وسلخته. فابعثني إليه وولّني قتاله! وقيل: إنّ عبد الملك خطب على المنبر، فقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجّاج: أنا يا أمير المؤمنين. فأسكته. ثمّ عاد فأسكته. ثم عاد فقال له: أنا يا أمير المؤمنين، فإنّي رأيت في النوم كأنّي انتزعت جبّته فلبستها. [قتاله لابن الزبير] فعقد له وبعثه، وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا، فسار بالعساكر لأيّام مضت من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين. ولم يعرض للمدينة ونزل الطائف، فكان يبعث الخيل إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير الخيل أيضا فيقتتلون بعرفة، وينهزم أصحاب ابن الزبير في كلّ ذلك، وتعود خيل الحجّاج بالظفر. فكتب الحجّاج إلى عبد الملك (٢) يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير، ويخبره بضعفه وتفرّق أصحابه، ويستمدّه. فأمدّه بطارق بن عمر مولى عثمان. فقدم على الحجّاج بمكّة في ذي القعدة ومعه خمسة آلاف. وكان الحجّاج قد قدم مكّة في ذي القعدة محرما بحجّه ونزل بئر ميمون وحجّ بالناس من غير أن يطوف بالبيت ولا سعى بين الصفا والمروة. ولم يحجّ ابن الزبير، وكان الحجّاج قد نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، فأرسل إليه عبد الله بن عمر يقول: أن اتّق الله وأكفف عن الناس هذه الحجارة، فإنّك في شهر حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدّوا الفريضة ويزدادوا خيرا، فإنّ المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكّة. فبطل الرمي حتى عاد من عرفات وطافوا وسعوا، ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي. فلمّا فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجّاج: انصرفوا إلى بلادكم، فإنّا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد! [٣٢١ أ] وأوّل ما رمى الحجّاج الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد على

стр. 1021

الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم. فأخذ الحجّاج حجر المنجنيق فوضعه فيه ورمى. فلمّا أصبحوا جاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا فانكسر أهل الشام. فقال الحجّاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا، فإنّي ابن تهامة، وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر، أبشروا! فلمّا كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة، فقال الحجّاج: ألا ترون أنّهم يصابون كما تصابون؟ وأنتم على الطاعة وهم على خلافها! ولم (١) يزل [٥٠٨ أ] القتال بينهم قائما حتّى غلت الأسعار عند ابن الزبير، واشتدّ الجوع بالنّاس، وتفرّقوا عنه. فخرج إلى الحجّاج نحو عشرة آلاف من أصحاب ابن الزبير بأمان، فيهم ابنا عبد الله بن الزبير، فخطب أصحابه فقال: قد ترون قلّة من مع ابن الزبير، وما هم فيه من الجهد والضّيق. ففرحوا واستبشروا وتقدّموا فملئوا ما بين الحجون إلى أبواب المسجد، وابن الزبير يقاتلهم إلى أن رمي بأجرّة أرعش منها، فتكاثروا عليه حتّى قتل في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. فلمّا رأى الحجّاج رأسه سجد، وقام ومعه طارق حتى وقفا عليه. وبعث بالرأس إلى عبد الملك بن مروان في عدّة رءوس، وصلب جثّة ابن الزبير منكّسة. فأرسلت إليه أسماء بنت أبي بكر أمّ عبد الله بن الزبير ﵁ تقول له: قاتلك الله! على ماذا صلبته؟ فقال: استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة، فكانت له. فاستأذنته في تكفينه ودفنه فأبى، ووكّل بالجثّة من يحرسها، وكتب إلى عبد الملك بذلك. فكتب إليه يلومه ويقول: ألا خلّيت بينه وبين أمّه؟ فأذن لها، فدفنته. وكان عروة بن الزبير لمّا قتل أخوه عبد الله بن الزبير ركب ناقته وسار إلى عبد الملك قبل أن يرسل الحجّاج بقتل ابن الزبير، فلمّا دخل سلّم عليه بالخلافة، فردّ عليه ورحّب به وعانقه وأقعده معه على السرير. فقال عروة: نمتّ إليك بأرحام قريبة، ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب! وحادثه حتّى جرى ذكر عبد الله، قال: إنّه كان. قال عبد الملك: وما فعل؟ فخرّ عبد الملك ساجدا، فقال عروة: إنّ الحجّاج صلبه، فهب جثّته لأمّة! وكان عروة شقيق عبد الله، أمّهما أسماء ﵂. فقال: نعم. وكتب إلى الحجّاج يعظّم صلب عبد الله، وكان الحجّاج قد كتب إلى عبد الملك أنّ عروة كان مع أخيه، فلمّا قتل عبد الله أخذ مالا من مال الله وهرب. فكتب إليه عبد الملك أنّه لم يهرب، ولكنّه أتاني مبايعا. وقد أمّنته وحلّلته ممّا كان، وهو قادم عليك، فإيّاك وعروة! فلمّا قدم عروة إلى مكّة بعد غيبته ثلاثين يوما، ودفع كتاب عبد الملك إلى الحجّاج، أنزل جثّة ابن الزبير. ودخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك. وأمر بكنس الحرم من الحجارة والدم. وطلب محمّد بن الحنفيّة ﵇ ليبايع لعبد الملك،

стр. 1022

وقد كان طلب منه ذلك قبل قتل ابن الزبير، فقال: حتّى يجتمع الناس! وكتب بعد قتل ابن الزبير إلى عبد الملك يطلب الأمان له ولمن معه فكتب إليه بذلك، فأتي به الحجّاج وبايع لعبد الملك. وبعث لأسماء بنت أبي بكر أمّ عبد الله أن تأتيه، وقد ذهب بصرها فأبت، فأرسل إليها: لتجيئنّ أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك! فقالت: والله لا آتيك حتّى تبعث إليّ من يسحبني بقروني! فأتى رسوله فأخبره، فقال: يا غلام ناولني سبتيّتي. فناوله نعليه فقام حتّى أتاها، فقال لها: كيف رأيت الله صنع بعدوّ الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ في ثقيف كذّابا ومبيرا، فأمّا الكذّاب [٣٢١ ب] فقد رأيناه (١). وأمّا المبير فأنت ذاك (٢)»! . فخرج عنها وسار من مكّة إلى المدينة، وقد استعمله عبد الملك على الحرمين مكّة والمدينة. فقدمها وأقام بها نحو الشهرين يسيء إلى أهلها ويستخفّ بهم، ويقول لهم: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان ﵁! وختم على أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمّة، منهم جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي ﵃. ثمّ عاد إلى مكّة وقال: الحمد لله الذي أخرجني من أمّ نتن! أهلها أخبث أهل بلد، وأغشّه لأمير المؤمنين وأحسدهم له على نعمة. والله لولا ما كان ما بيني [وبينهم] من كتب أمير المؤمنين فيهم، لجعلتها مثل جوف الحمار! إنّما هي أعواد يعوذون بها ورمّة قد بليت! حتّى متى يقولون: منبر رسول الله، وقبر رسول الله؟ فبلغ قوله جابر بن عبد الله، فقال: إنّ وراءه ما يسوءه. قال فرعون: أنا ربّكم الأعلى، فأخذه الله بعد أن أمطره. وحجّ بالناس الحجّاج عامه، وهو على مكّة والمدينة واليمن واليمامة. وقيل: إنّ المدينة لم تضف إليه إلّا في سنة أربع وسبعين لمّا عزل عبد الملك طارق بن عمر عنها، وولّى الحجّاج عوضه، فعمل بالصحابة ﵃ ما تقدّم ذكره وأقام بها شهرا يستخفّ بحرمتها. وخرج منها معتمرا حتى قدم مكّة، فهدم بناء ابن الزبير الذي بناه في الكعبة وأعاد البناء الأوّل. فسدّ الباب الغربيّ، وأخرج الحجر من البيت وردم بالحجارة في الكعبة، حتى صار ما بها على ما هو عليه إلى اليوم. [ولايته العراقين] فلمّا كانت سنة خمس وسبعين، مات بشر بن مروان، فكتب إليه عبد الملك أن فد عليّ، فوفد عليه فولّاه العراق. وقيل: إنّ عهد الحجّاج أتاه وهو بالمدينة، وهذا أثبت. وأمره عبد الملك أن يبدأ بالكوفة، فنزلها ولم يأت البصرة خوفا منه على خالد بن عبد الله، فإنّ بشر بن مروان كان قد استخلفه عليها، وكان بين الحجاج وبين خالد عداوة. وكان الحجّاج قد عبث بآل أسيد بمكّة، وعبث خالد بثقيف بالبصرة. وكان الحجّاج يقول لمّا قدم الكوفة: غفر الله لأمير المؤمنين! لو أذن لي فقدمت على خالد لأخذت منه مثل خراج العراق!

стр. 1023

وجعل عبد الملك للحجّاج (١) العراق إلّا خراسان وسجستان. فسار من المدينة في اثني عشر راكبا على النجائب حتّى دخل الكوفة في شهر رمضان حين انتشر النهار. بعثه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وكان بشر بن مروان بعث المهلّب بن أبي صفرة لقتال الخوارج، فعصى عامّتهم المهلّب بعد موت بشر، وأتوا إلى الكوفة والبصرة، وقيل ذلك للحجّاج فبدأ الحجّاج بالمسجد. قال عبد الملك بن عمير: بينما نحن جلوس نتحدّث في ناحية المسجد بالكوفة، إذ أتى آت فقال: هذا الحجّاج بن يوسف، قدم أميرا على العراق. فاشرأبّت الناس نحوه، ثمّ أفرجوا إفراجة عن صحن المسجد، فإذا نحن به يمشي، عليه عمامة سوداء متلثّما بها متنكّبا قوسا عربيّة يؤمّ المنبر، فما زلت أرمقه بطرفي حتّى قعد على المنبر. وثاب إليه الناس، ولا يحدّر اللثام ولا ينطق حرفا. وأهل الكوفة يومئذ في حال حسنة وهيئة جميلة وعزّ ومنعة. وكان الرجل يدخل المسجد ومعه خمسة عشر وعشرون رجلا: بنيه ومواليه وأتباعه عليهم القوهيّة والخزون (٢). وفي المسجد رجل يقال له: عمير بن ضابي، لمّا رأى الحجّاج على المنبر قال لصاحب له: أتريد أن أخصيه لك؟ قال: اسكت! حتى تسمع ما يقولون. فقال الناس بعضهم لبعض: لعن الله بني أميّة حيث يستعملون على العراق مثل هذا! وضيّع الله العراق حيث يكون مثل هذا عليها أميرا. فو الله لو كان هذا كلّه كلاما ما كان شيئا! والحجّاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلمّا رأى الحجّاج أنّ المسجد قد غصّ بأهله، قال: اجتمعتم؟ فلم يقل أحد شيئا، ثمّ قال الثانية: إنّي لا أعرف قدر اجتماعكم. فقال رجل منهم: اجتمعنا، أصلح الله [٣٢٢ أ] الأمير! وكان قد أطال السكوت. وتناول محمد بن عمير بن عطارد الحصى ليحصبه، وقال: قاتله الله! ما أعياه وأدمّه! والله إنّي لأحسب خبره كرؤياه! فلمّا تكلّم الحجّاج جعل الحصى ينتثر من يده، وهو لا يعلم به من الخوف. فلمّا رأى الحجّاج عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض فقال [الوافر] (٣): أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني أما والله إنّي لأحتمل الشرّ بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه بمثله. وإنّي لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنّي والله صاحبها. والله كأنّي انظر إلى الدماء ترقرق بين اللحى والعمائم! ثم قال: قد شمّرت عن ساقها فشمّري ... ليس أوان عشّك فادرجي (٤) ثمّ قال: هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم ... [نام الحداة وابن هند لم ينم] (٥)

стр. 1024

قد لفّها الليل بسوّاق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظهر وضم (١) ثمّ قال: قد لفّها الليل بعصلبيّ ... [أروع خرّاج من الدّوي] (٢) مهاجر ليس بأعرابيّ ثمّ قال: قد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب لكم فجدّوا (٣) والقوس فيها وتر عرد ... مثل جران العود أو أشدّ (٤) لا بدّ ممّا ليس منه بدّ إنّي والله يا أهل العراق و [معدن] الشقاق والنفاق، ومساويء الأخلاق، ما أغمز تغماز التّين ولا يقعقع لي بالشّنان (٥)، ولقد فررت عن ذكاء (٦)، وفتّشت على تجربة، وجريت من الغاية (٧). إنّ أمير المؤمنين كبّ كنانته، ثم عجم عيدانها فوجدني أمرّها عودا وأصلبها عمودا، وأشدّها مكسرا، فوجّهني إليكم ورماكم بي لأنّكم طالما أوضعتم في أودية الفتنة، واضطجعتم في منام الضلال، وسننتم سنن الغيّ. وايم الله! لأنجرنّكم نجر العود، ولأقرعنّكم قرع المروة، ولأعصبنّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل! إنّي والله ما أعد إلّا وفيت، ولا أهمّ إلّا أمضيت، ولا أخلق إلّا فريت (٨). فإيّاي وهذه الزرافات والجماعات! وقال وقيل وما تقول، وفيم أنتم وذاك! أما والله لتستقيمنّ على طريق الحقّ أو لأدعنّ لكلّ رجل منكم شغلا في جسده. يا أهل العراق، إنّما أنتم لكأهل قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل: ١١٢]، فأتاها وعيد القرى من ربّها، فاستقيموا واعتدلوا ولا تميلوا! وبايعوا وشايعوا، واخضعوا واسمعوا وأطيعوا وأذعنوا! واعلموا أنّه ليس منّي الإكثار ولا الإهذار، ولا منكم الفرار ولا النّفار، إنّما هو انتضاء السيف، ولا يغمد في الشتاء ولا الصيف، حتى ينتهى إلى أمر الله وطاعته، ويذلّ أمير المؤمنين صعبكم ويقيم أودكم وصعركم. ثمّ إنّي وجدت الصدق مع البرّ، ووجدت البرّ في الجنّة. ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار. وإنّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم لمجاهدة عدوّكم مع المهلّب بن أبي صفرة. وقد أمرت لكم بذلك وأجّلتكم ثلاثا وأعطيت الله عهدا يأخذني به ويستوفيه منّي. وإنّي أقسم بالله لا آخذ رجلا يتخلّف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيّام إلّا ضربت عنقه! لا يبلغني أنّ أحدا تحلّف يوما واحدا بعد أخذ عطائه إلّا ضربت عنقه وأنهبت ماله! أقرأ كتاب أمير المؤمنين يا غلام! فقام الكاتب فقرأ: باسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك [بن مروان] أمير المؤمنين

стр. 1025

إلى من بالعراق من المؤمنين [٣٢٢ ب] والمسلمين، سلام عليكم. فلم يقل أحد شيئا. فقال الحجّاج من فوق المنبر: اسكت يا غلام (١)! يا أهل الفرقة، أيسلّم عليكم أمير المؤمنين، ثمّ لا تردّون ﵇؟ هذا أدب ابن نهية (٢). أما والله لأؤدّبنّكم أدبا غير هذا أو لتستيقمنّ على الحقّ! يا غلام، اقرأ! فلمّا بلغ الكاتب إلى «سلام الله عليكم»، قال من في المسجد: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله وبركته. ثمّ نزل الحجّاج عن المنبر ودخل منزله، وقال لوجوه النّاس: ما كانت الولاة قبل تفعل بالعصاة؟ فقالوا: كانت تضرب وتحبس. فقال: ولكن ليس لهم عندي إلّا السيف. إنّ المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون، ولو ساغت المعصية لأهلها ما قتل عدوّ، ولا جبي فيء، ولا عزّ دين. [دفعه الناس إلى حرب الخوارج] ثمّ جلس لتوجيه الناس، فقال: قد أمهلتكم ثلاثا. وأقسم بالله لا يتخلّف أحد بعدها من أهل الثغور إلّا قتلته. فلمّا كان اليوم الثالث قام عمير بن ضابئ، فقال: أصلح الله الأمير. إنّي شيخ كبير زمن، وقد خرج اسمي في هذا البعث، ولي ابن أجلد منّي في الأسفار وأقوى على الحرب، فإن رأى الأمير أن يأمر بإشخاصه مكاني، فعل. قال: ومن أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ. قال: أو من هذا البعث أنت؟ قال: نعم. قال: أوقبضت عطاءك؟ قال: نعم. قال: أو سمعت مقالتنا على المنبر؟ قال: نعم. قال: أو كان أبوك فيمن قاتل أمير المؤمنين عثمان؟ قال: لا. قال: كذبت! أو ليس أبوك الذي يقول (٣) [الطويل]: هممت ولم أفعل، وكدت، وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله! لعمري إنّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاح المصرين، اضربن يا حرسيّ عنق الشيخ عندك! فإذا رأيته بين رجليه، فذلك حيث يقول عبد الله بن الزّبير (٤) الأسديّ [الطويل]: أقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أمسى مهلكا متشعّبا تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا، وإمّا أن تزور المهلّبا هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثّلج أشهبا فما إن أرى الحجّاج يغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا ٥ فأضحى، ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا

стр. 1026

فأيّهما تأتي فإنّك هالك ... قتيل ضلال أو طريدا مغرّبا وكم قد رأينا تارك الغزو ناكلا ... تحمّم حنو السرج حتّى تنكّبا (١) وخرج الناس على وجوههم هربا إلى السواد، وأرسلوا إلى أهاليهم أن جهّزونا ونحن بمكاننا. وقال الحجّاج لصاحب الجسر: افتح باب الجسر، ولا تحل بين أحد وبين الخروج! فخرج في تلك الليلة أربعة آلاف مدجّج، وبعث العرّاض (٢) إلى المهلّب، فما أتت عليه عاشرة حتى ازدحم الناس على المهلّب، فقال: ويحكم! من هذا الذي استعمل على العراق؟ هذا والله الرجل الذكر! قوتل والله العدوّ! ثمّ بعث الحجّاج الحكم بن أيّوب بن الحكم بن أبي عقيل على البصرة أميرا، وأمره أن يشتدّ على خالد بن عبد الله القسريّ، ففرّ خالد منه إلى عبد الله بن مروان. واشتدّ الحجّاج على من تخلّف عن بعث المهلّب وأمر بطلبهم، فأخذ عرفاءهم وهدم الدور وعاقب بالقتل على التخلّف عن الوجه الذي يأتي إليه. وكان أوّل من عاقب في ذلك بالقتل، فإنّ عمر وعثمان ﵄ كانا إذا أخلّ الرجل بوجهه الذي بعث إليه يأمران أن تنزع عمامته ويقام للناس ويشهّر أمره. فلمّا ولي مصعب بن الزبير زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمّر في يديه مسماران في حائط، فربّما مات وربّما خرق المسماران يديه وسلم. فلمّا كان الحجّاج قال: كلّ هذا لعب، أضرب عنق من يخلّ بمكانه من الثغر. فهرب منه أبرح بن خنزير [٣٢٣ أ] التميميّ، وكان قد تخلّف من بعث المهلّب، فأخذ عريفه وهدمت داره، فأنشأ يقول شعرا كثيرا، منه [الطويل]: فإن تنصفونا يآل مروان نقترب ... إليكم وإلّا فأذنوا بابتعاد (٣) فإنّ لنا عنكم مراحا ومزحلا ... بعيس إلى ربح الفلاة صوادي ببختية بزل تمايل في البرى ... تبارى على طول الكلال عوادي وفي الأرض عن ذي الجور منأى ومذهب ... وكلّ بلاد أوطئت كبلاد ٥ وماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد (٤) ففي الأرض عن دار المذلّة مذهب ... وكلّ بلاد أوطئت كبلاد وجزنا بيوت المصر نحو تهامة ... مجاهل أطماس المدلّ عوادي ولولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّة ... يراوح ولدان القرى ويغادي يعني: أنّه كان معلّما. [استبطاؤه المهلّب في حرب الخوارج] وكتب إلى المهلّب (٥): أمّا بعد، فإن بشرا ﵀ استكره نفسه عليك وأراك غناه عنك. وأنا أريك حاجتي إليك. فأرني الجدّ في قتال

стр. 1027

عدوّك ومن خفته على المعصية ممّا قبلك فاقتله، فإنّي قاتل من قبلي. ومن كان عندي ومن ولي لمن هرب عنك، فألمني مكانه، فإنّي أرى أن آخذ السميّ بالسميّ، والوليّ بالوليّ. فكتب المهلّب إليه: ليس قبلي إلّا مطيع، وإنّ الناس إذا أمنوا العقوبة صغّروا الذنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك. فهب لي هؤلاء الذين سمّيتهم عصاة، فإنّهم فرسان أبطال أرجو أن يقتل الله بهم العدوّ، ونادم على ذنبه. وقال الحجّاج ذات يوم: العجب من هذا المزوني (١) - اسم عمان فارسيّة كانت تسمّيها بها المجوس، ثمّ تسمّت بها الأزد لأنّها دولتهم- يعني المهلّب، أكل الأرض مذ كذا وكذا، ثمّ تربّص بنا وبأمير المؤمنين. اكتب يا غلام! من الحجّاج بن يوسف إلى المهلّب بن أبي صفرة: أمّا بعد، فإنّك مزونيّ ابن مزوني، والعجب منك أنّك تربّص بقتال الأزارقة كأنّك ترى أنّك ترث الأرض. لئن لم تعاجل القوم لأبعثنّ إليك من يحملك على مكروهك! والسلام. وكان المهلّب يروّي الخوارج من منزل إلى منزل، حتّى انتهى إلى إصطخر فقاتلوه قتالا شديدا. وأقام بها ثمانية أشهر. ولمّا أتاه كتاب الحجّاج كتب إليه: للأمير الحجّاج بن يوسف من المهلّب بن أبي صفرة: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنّي مزوني ابن مزوني. وما أنكر ذلك. وإنّما مزون عمان سمّتها العجم بهذا الاسم. ولعمر الله إنّي لمزوني ابن مزوني ولا أنكر ذلك. ولكنّ الأمير من قبيلة ادّعت إلى خمس قبائل (٢)، ثمّ والله ما استقرّ قرارها بعد: كانوا بقيّة ثمود، ثمّ انتموا إلى وحاطة من حمير، ثمّ انتموا إلى إياد، ثمّ انتموا إلى عدوان، ثمّ انتموا إلى قيس بن منبّه. فليت شعري في أيّالخمس هي اليوم؟ فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب تبسّم وقال: فحشنا على الرجل، ففحش. ثمّ إنّ الحجّاج استبطأ المهلّب في مناجزة الحروريّة، فدبّ إليه حسدة المهلّب، فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّك أقبلت على جباية المال بغلّة عبيد مرّاق واحتجانه، وأبطأت عن لقاء العدوّ وقتالهم. وإنّك لتناجزهم أو لأبعثنّ من هو أشدّ منك إقداما. وقد أرى مكانك عبّاد بن حصين الحبطيّ وفلانا وفلانا، فإنهم إن يولوا يناجزوا القوم. وقد أرى مكان القشيرية ومكان أرضك ودارك بالبصرة، وقد أرى تربّصك في خنادقك وجبنك في لقاء عدوّك شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة. وقد أكثرت التعجّب من تركي إيّاك على عملك، وإنّما أنت رجل من أهل عمان من الأزد، فاخرج من خنادقك، والق عدوّك يوم كذا وكذا، فإنّك إن لم تفعل أسندت الرمح (٣). فلمّا قرأ المهلّب كتابه دعا ببنيه، فقال: «أمير مسلّط! » ثمّ قال: غلام حدث، ظفر [٣٢٣ ب] بأرامل الحجاز، فظنّ أنّ من بقي مثل من يحاول.

стр. 1028

وكتب إليه: قد فهمت كتابك. فأمّا تربّصي في خنادقي فهم الذين هزموا فلانا وفلانا، وقتلوا فلانا وفلانا، وإنّما طلبت بالخندق أثرا بلغني عن رسول الله ﷺ وطلبت يمنه وبركته. وذكرت جباية المال، ومن عجز عن المال فهو عن العدوّ أعجز، وللجند مؤونة ولهم في المال قوّة، ولا بدّ لنا ولهم من جبايته. ووجدت مثلي ومثلك كما قال الشاعر [الطويل]: ومستعجب ممّا يرى من أناتنا ... ولو زابنته الحرب لم يترمرم (١) وذكرت أنّك قد رأيت مكان القشيريّة وأرضي وداري، وو الله ما بلغ من خطر عجوز من عجائز بني قشير، أو بدرة تنزعها، أو شجرة تقطعها أن أركب غير رأيي أو أخاطر بجندي وخاصّتي من أهل مضر حتّى أرى فرصتي من عدوّي. وإنّ من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يعلمه. وقد بلغك ما لقي من كان قبلي، وأنا أعلم بالحرب ومداراتها، والحرب خدعة. وقد رأيت ما لقيت أنت وأبوك يوم الرّبذة حين أتتكم خيل ابن الزبير. وأمّا تعجّبك من تركك إيّاي على عملي، وأنّي رجل من أهل عمان ثم من الأزد، فصدقت. لعمر الله إنّي لأزدي عمانيّ نعمانيّ، وما أحبّ أنّ لي بموضعي من قومي موضعا، وإنّ شرّا من أهل عمان قبيلة تنازعها قبائل شتّى. وقولك: إنّي إن لم ألقهم يوم كذا وكذا أسندت إليّ الرمح، فقد ظننت أنّ ما دعاك إلى ذلك ما نلت من الظفر بأهل الحجاز والرعاع الذين لقيت مع ابن الزبير. ولئن فعلت لأقلبنّ عليك الترس والسلام. فلمّا قرأ الحجّاج الكتاب كتب إلى عبد الملك بن مروان: إنّ المهلّب صاحب خلاف وفتن، وقد نزع يدا من طاعة وفارق الجماعة. ولو شئت أن ينصب لي الحرب دون الأزارقة، فعل. ولو شاء لناجز القوم، ولكنّه يطاولهم ليأكل بهم الأرض ويستأثر بالفيء. ثمّ أدرج كتاب المهلّب إليه في داخل كتابه إلى عبد الملك. فلمّا قرأهما عبد الملك أحضر خالد بن عبد الله القسريّ وعبد الله بن عمرو بن عثمان، وأقرأهما الكتابين، وقال: أترى المهلّب فعلها؟ فقال: لا! كذب الحجّاج. ما أبعد المهلّب ممّا نحله! ولكنّ الحجّاج رجل مفسد أخرق لا يزال يعتلّ على أهل الطاعة حتى يفسد طاعتهم ويخرجهم إلى غير [ما] كانوا عليه، وما للمهلّب ذنب. ألا ترى إلى كتاب المهلّب؟ إنّما هو جواب كتاب الحجّاج إليه، وليس بابتداء. فاكتب يا أمير المؤمنين إلى المهلّب كتابا لطيفا، وإلى الحجّاج كتابا غليظا ينهاه عن المهلّب، فإنّ المهلّب لا تتّهم طاعته ولا نصيحته. فعرف عبد الملك أنّهما نصحاه وصدقاه، فقال: فعل الله بالحجّاج! أراد استفساد المهلّب. ثمّ كتب إلى الحجّاج: إنّي قد قرأت كتابك إلى المهلّب (٢) وكتابك فيه إليّ، فوجدتك قد حرّفت به، واتّهمت طاعته ونصيحته، وليس كما ذكرت. فاكتب إليه كتابا ليّنا، فإنّه أعلم بما هو فيك منك، وما استعانك من قوّة أو مدد فأعنه، واعرف له سنّه وشرفه وغناءه عن المسلمين، وأنّه لا سلطان عليه دون أمير المؤمنين، فاعرف ذلك من رأي أمير المؤمنين، وانته إليه!

стр. 1029

وكتب إلى المهلّب: أمّا بعد، فإنّ الذي عرفناه من طاعتك ونصيحتك وبلائك في الإسلام قد جعلت لك اللسان وأمددناك باللسان، وجعلناك قائد الحرب، فاجر على ما أنت فيه ولا تكن في أمرك زينونة ولا منتوفة، فإن خفت من أصحاب ضعفا أو قلّة، أمددناك [حتّى] تقوّي به ضعفهم. والخراج والأموال قبلك فاعمل فيه برأيك، فإنّا قد بسطنا لك الذراع، ولم نقبل عليك. وكاتب أمير المؤمنين فيما بدا لك، فإنّك ليس عليك أمير دون أمير المؤمنين، والسلام. فلمّا قدم الرسول بكتاب عبد الملك إلى الحجّاج، كتب إلى المهلّب: أمّا بعد، فإنّي كنت أظنّك أشدّ تعظيما لسلطانك [٣٢٤ أ] ومعرفة لحقّه من أن تجيبه بما أجبتني به في كتابك إليّ. فالله يغفر لك، والسلام. فكتب إليه المهلّب: أمّا بعد، فما أحد من أهل رعيّتك أشدّ تعظيما لحقّك وطاعتك منّي. ولكنّك شتمتني وعجّلت واتّهمت طاعتي ونصيحتي، وأنا المبتذل نفسي وولدي وقومي في جهاد عدوّ أمير المؤمنين، وكانوا قد فضحوا من الناس وقتلوا من قد عرفت في غير موطن، وليس صاحب الحرب بالمتروّي ولا المتسرّع، والسلام. وكان الحجّاج قد خرج من عامه إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلمّا قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعّد من رآه منهم بعد ثالثة ولم يلحق بالمهلّب. فأتاه شريك- ويقال زياد- بن عمرو اليشكري، وكان به فتق، وكان أعور يضع على عينه قطنة، فلقّب «ذا الكرسفة»، فقال: أصلح الله الأمير، إنّ بي فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرني. وهذا عطائي مردود في بيت المال. فقال الحجّاج [الرجز]: إنّ عليها سابقا عشنزرا ... إذا ونين ونية تغشمرا (١) ثم قال: اضرب عنقه! لا اسم لكم حتّى تسمّوا لي أنفسكم! فطار الناس على كلّ صعب وذلول. فلم يبق بالبصرة واحد من عسكر المهلّب إلّا لحق به. وقال ابن همّام [الطويل] (٢): لقد ضرب الحجّاج بالسيف ضربة ... تقرقر منها بطن كلّ عريف ثمّ سار الحجّاج حتى بقي بينه وبين المهلّب ثمانية عشر فرسخا ليشدّ ظهره. وأقام بمكانه، وقال: يا أهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى يهلك الله عدوّكم، هؤلاء الخوارج المطلّين عليكم. [ثورة أهل البصرة به مع ابن الجارود] وخطبهم ذات يوم فقال: إنّ الزيادة التي زادكم ابن الزبير إنّما هي زيادة ملحد فاسق منافق، وليس نجيزها- وكان مصعب بن الزبير قد زاد الناسفي العطاء مائة. فقال عبد الله بن الجارود: إنّها ليست زيادة ابن الزبير، إنّما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر. فقال له الحجّاج: ما أنت والكلام؟ لتحسننّ حمل رأسك وإلّا سلبتك إيّاه. فقال: ولم؟ إنّي لك ناصح. وإنّ هذا القول في ورائي. فنزل الحجّاج وأقام أشهرا لا يذكر الزيادة. ثمّ أعاد القول فيها فردّ عليه ابن الجارود مثل ردّه

стр. 1030

الأوّل. فقام أبو ركية مصقلة العبدي، فقال: إنّه ليس للرعيّة أن تردّ على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعا وطاعة في ما أحببنا وكرهنا. فقال له ابن الجارود: يا ابن الجرمقانيّة، ما أنت وهذا؟ ومتى كان مثلك يتكلّم وينطق في هذا؟ فأجمع الوجوه على تصويب رأي ابن الجارود وقالوا له: «نحن معك وأعوانك على الحجّاج». وبايعوه على إخراج الحجّاج من العراق ومكاتبة عبد الملك أن يولّي عليهم غيره. وإن أبى خلعوه. فاستعدّ الحجّاج، وأظهر ابن الجارود الخلاف في ربيع الآخر سنة ستّ وسبعين، وأخرج عبد القيس على رايتها، وانضمّ إليه الناس حتى لم يبق مع الحجّاج إلّا خاصّته وأهل بيته. وخرج ابن الجارود بالناس قبل الظهر وقطع الجسر. فبعث إليه الحجّاج أعين بن [ ... ] يستدعيه فقال له: ومن الأمير؟ لا ولا كرامة لابن أبي رغال. ولكن يخرج عنّا مذءوما مدحورا، وإلّا قاتلناه. فقال له أعين: إنّ الأمير يقول لك: أتطيب نفسا بقتل نفسك وقتل أهل بيتك وعشيرتك؟ والذي نفسي بيده، لئن لم تأتني لأدعنّ قومك وأهلك حديثا للغابرين! فقال: لولا أنّك رسول لقتلتك يا ابن الخبيثة. وأمر به فوجئ عنقه وأخرج. وزحف ابن الجارود إلى الحجّاج فنهبوا ما في فسطاطه من متاعه ودوابّه، وأخذت امرأته [أمّ أبان] بنت النعمان بن بشير، وأمّ سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو. وانصرفوا وتركوه. فصار إليه قوم من [٣٢٤ ب] أهل البصرة. ... ولتضعفنّ منّتكم. فقال: قد قرب المساء ولكنّا نعاجله بالغداة. فاستشار الحجّاج من معه. فقال له زياد بن عمرو العتكيّ صاحب شرطة البصرة: أرى أن آخذ لك من القوم أمانا وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفضّ أكثر الناس عنك ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك. فقال عثمان بن قطن الحارثي: لكنّي أرى غير ذلك: إنّ أمير المؤمنين قد شركك في أمره وخلطك بنفسه، وسلّطك. فسرت إلى ابن الزبير، وهو أعظم الناس خطرا فقتلته. فولّاك الله شرف ذلك وسناه. وولّاك أمير المؤمنين الحجاز، ثمّ رفعك فولّاك العراق. جريت إلى المدى وأصميت (١) الغرض الأقصى، تخرج على قعود إلى الشام؟ والله، لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبدا، ولتضعفنّ شأنك. ولكنّي أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفرا أو نموت كراما. فقال الحجّاج: «الرأي ما رأيت» وحفظها لعثمان، وحقدها على زياد. وأتاه عامر بن مسمع فقال: إنّي أخذت لك أمانا من الناس- فجعل الحجّاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: لا أؤمّنهم والله أبدا حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم. وأرسل إلى عبيد بن كعب النميري يقول: هلمّ إليّ فامنعني! فقال: قل له: إن أتيتني، منعتك. فقال: لا، ولا كرامة. وبعث إلى محمد بن عمير بن عطارد بذلك فأجابه مثل الأوّل. فبعث إلى عبد الله بن حكيم المجاشعي في ذلك فردّ عليه كردّهما. ومرّ عبّاد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وهو يتناجى مع أصحابه، فقال: أشركونا في نجواكم!

стр. 1031

فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من بني الحبط. فغضب وسار إلى الحجّاج في مائة رجل، فسرّ به وقال له: ما أبالي من تخلّف بعدك. وسعى قتيبة بن مسلم في قومه من بني أعصر، وأقبل بهم إلى الحجّاج، وكان قد يئس من الحياة، فاطمأنّ لقدوم هؤلاء. ثمّ أتاه طائفة بعد أخرى، فأصبح في ستّة آلاف وقد قوي. فاستشار ابن الجارود أصحابه، فقال له عبيد الله بن زياد بن ظبيان: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان: تعشّ بالجدي قبل أن يتغدّى بك! وقد ذهب الرأي. فقال: لا يهولنّكم ما ترون من كثرتهم. وتزاحفوا، وعلى ميمنة ابن الجارود الهذيل بن عمران وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان. وعلى ميمنة الحجّاج قتيبة بن مسلم، وقيل: عبّاد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فانحلّت الحرب على قتل ابن الجارود بسهم غرب. فنادى منادي الحجّاج بأمان الناس إلّا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر أن لا يتّبع المنهزمون، وقال: الاتّباع من سوى الغلبة. وبعث إلى المهلّب برأس [ابن] الجارود وثمانية عشر رأسا من الوجوه ليراها الخوارج، وحبس طائفة. وكان ممّن خرج مع ابن الجارود عبد الله بن مالك الأنصاري، فقال الحجّاج: لا أرى أنسا يعين عليّ. ودخل البصرة فأخذ ماله وأمر بإحضاره، فحين دخل عليه أنس قال: لا مرحبا ولا أهلا! إيه يا لعنة الله عليك من شيخ صلّابة جوّال في الدين، مرّة مع أبي تراب، ومرّة مع ابن الزبير، ومرّة مع ابن الجارود. أما والله لأجرّدنّك تجريد الضبّ ولأعضبنك عضب السلمة ولأقلعنّك قلع الصّمغة! فقال أنس: من يعني الأمير؟ قال: إيّاك أعني، أصمّ الله صداك! [تعنيفه أنس بن مالك] فقام عنه أنس وركب إلى عبد الله يشكو الحجّاج، فكتب عبد الملك إلى الحجّاج: أمّا بعد، يا ابن أمّ الحجّاج، فإنّك قد طمت بك الأمور فعلوت فيها حتّى عدوت طورك وجاوزت قدرك يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب! (١) لأغمزنّك غمزة كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنّك خبطة تودّ لها أنّك رجعت في مخرجك من بطن أمّك! أما تذكر حال آبائك في الطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم؟ أم نسيت حال آبائك في اللّؤم والدناءة في المروءة والخلق؟ وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما. وأظنّك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإغضاءه عنك، فإن سوّغك ما كان [٣٢٥ أ] منك مضيت عليه قدما. والله لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها إلى نار جهنّم. قاتلك الله! فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصكّ الرجلين ممسوح الجاعرتين! ولولا أنّ أمير المؤمنين يظنّ أنّ الكتاب كثير (٢) عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهرا لبطن حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك. فأكرم أنسا وأهل بيته، واعرف له حقّه وخدمته رسول الله ﷺ ، ولا تقصّرنّ في شيء من حوائجه، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدّم فيه

стр. 1032

إليك من أمر أنس وبرّه وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ويهتك سترك ويشمت بك عدوّك. والقه في منزله منتصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك، والسلام. وبعث بالكتاب إلى أنس فقرأه وأتى به الرسول بعد ذلك إلى الحجّاج، فتمعّق وجهه عند قراءته، ورشح جبينه عرقا، وقال: يغفر الله لأمير المؤمنين. ثمّ اجتمع بأنس فرحّب به الحجّاج وأدناه واعتذر إليه، وقال: أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من أخيك ما كان وبلغت منك ما بلغت أنّي إليهم بالعقوبة أسرع. فقال أنس: ما سكتّ عنّي حتى بلغ منّي الجهد. وقد زعمت أنّا الأشرار- وقد سمّانا الله الأنصار- وزعمت أنّا أهل النفاق، ونحن الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلكم. وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحقّ عنده الباطل، ولا الصدق الكذب. وزعمت أنّك اتّخذتني ذريعة وسلّما إلى منسأة (١) أهل العراق باستحلال ما حرّمه الله عليك منّي. ولم تكن لي عليك قوّة فوكّلتك إلى الله ثمّ إلى أمير المؤمنين فحفظ من حقّي ما لم تحفظ. فو الله لو أنّ النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى بن مريم يوما واحدا لعرفوا من حقّه ما لم تعرف أنت من حقّي. وقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. وبعد، فإن رأينا [خيرا] حمدنا الله وأنبأنا به. وإن رأينا غير ذلك صبرنا، والله المستعان. فردّ عليه الحجّاج ما أخذ منه. واستقامت البصرة للحجّاج بعد ابن الجارود. وأبت نفسه إلّا سوء رأي في المهلّب. فكتب إلى عبد الملك: إنّي رأيت أن أمدّ المهلّب برجل من قومه له شرف وسنّ وتجربة في جند من أهل الكوفة وهو عبد الرحمن بن مخنف الغامدي، فأحببت أن أطلع رأي أمير المؤمنين في ذلك. فكتب إليه عبد الملك يأمره أن يفعل، فبعث ابن مخنف في ستّة آلاف من أهل الكوفة، وقال له: سر حتّى تنزل مع المهلّب نيسابور، ولا تخندق على نفسك ولا على جندك ولا تدخل معه في خندقه، وحثّه على المناجزة فإنّه قد قطع علينا خراج فارس واحتواه دوننا. فسار إلى نيسابور وتلقّاه المهلّب وأكرمه وسأله أن يعسكر، فقال: أريد أن أدنو من عدوّنا. فنهاه وأشار عليه أن ينزل معه، فإذا أصبح ارتاد له منزلا وخندق عليه. فقال: يرحمك الله! والله لئن أطعتك ليبعثنّ الحجّاج بمن يضرب عنقي، ولقد نهاني عن الخندق. فبيّته الخوارج وقتلوه في سبعين رجلا من أصحابه. فلمّا بلغ الحجّاج مصابه كتب إلى عبد الملك به، فأثنى على المهلّب وذكر فضله. ثمّ إنّ الحجّاج بعث عتّاب بن ورقاء التميميّ في جند من أهل الكوفة مددا للمهلّب. [من أخبار الحجّاج: مع الخوارج] وسمر الحجّاج ليلة فقال لبعض حرسه: ائتني بمحدّث من المسجد. فأتاه برجل فلم يرضه. وخرج ومعه صرر من الدراهم إلى المسجد، فناول من فيه حتى انتهى إلى شيخ فأعطاه صرّة فنبذها، فأعطاه الحجّاج مرارا وهو يردّها عليه، فدنا منه وقال: أنا الحجّاج.

стр. 1033

فأخذها، وعاد الحجّاج إلى القصر، وأمر به فأحضر، فسلّم فقال له: ممّن الرجل؟ قال: من بني شيبان. قال: فما اسمك؟ قال: سمرة بن الجعد (١). فقال: يا سمرة، هل قرأت القرآن؟ قال: قد جمعته في صدري، فإن عملت به فقد حفظته. وإن لم أعمل به فقد ضيّعته. قال: هل تفرض؟ قال: إنّي لأفرض الصلب وأعرف (٢) الاختلاف في الجدّ. قال: أتبصر الفقه؟ قال: إنّي لأبصر ما أقوّم به أهلي وأرشد به ذا العمى من قومي. قال: هل تعرف النجوم؟ قال: إنّي لأعرف منازل القمر، وما أهتدي به في السفر. قال: فهل تروي الشعر؟ قال: إنّي لأروي المثل، والشاهد. قال: أمّا المثل فقد عرفناه، فما الشاهد؟ قال: اليوم يكون للعرب من أيّامها عليه (٣) شاهد من الشعر، فأنا أروي ذلك الشعر. فاتّخذه سميرا، فلم يكن يطلب شيئا إلّا وجده عنده أو وجد عنده منه علما. وكان سمرة من قعد [ة] الأزارقة والخوارج. فكتب إليه قطريّ بن الفجاءة وهو بإزاء الحجّاج بجيرفت يعيّره بمقامه عند الحجّاج وركونه إلى الدنيا، وكتب إليه هذه الأبيات [الطويل]: [ل] شتّان ما بين ابن جعد وبيننا ... إذا نحن رحنا في الحديد المظاهر وراح يجرّ الخزّ نحو أميره ... أمير بتقوى ربّه غير آمر نجالد فرسان المهلّب، كلّنا ... صبور على وقع السيوف البواتر أبا الجعد، أين الحلم والعلم والنّهى ... وميراث آباء كرام العناصر؟ ٥ ألم تر أنّ الموت لا شكّ نازل ... ولا بدّ من بعث الألى في المقابر؟ حفاة عراة والثواب لديهم ... فمن بين ذي ربح وآخر خاسر فإنّ الذي قد نلت يفنى، وإنّما ... مقامك في الدنيا كوقعة طائر فراجع أبا جعد ولا تك مغضيا ... على ظلمة أعشت عيون النواظر وتب توبة تهدي إليك شهادة ... فإنّك ذو دين ولست بكافر ١٠ وسر نحونا تلق الجهاد غنيمة ... تفدك ابتياعا رابحا غير بائر هي الغاية القصوى الرغيب نوالها ... إذا نال في الدنيا الغنى كلّ تاجر (٤) فلحق سمرة بقطريّ، وطلبه الحجّاج فلم يقدر عليه. وبينا هو ذات يوم إذ قدم عليه كتاب قطريّ، وفي أسفله [الطويل] (٥):

стр. 1034

من مبلغ الحجّاج أنّ سميره ... قلى كلّ دين غير دين الخوارج؟ رأى الناس، إلّا من رأى مثل رأيهم ... ملاعين ترّاكين قصد المناهج فأيّ امرئ، أيّ أمري يا ابن يوسف ... ظفرت به لو نلت علم الولائج! (١) إذن لرأيت الحقّ منه مخالفا ... لرأيك إذ كنت امرءا غير فالج (٢) ٥ فقد كدت لولا الله أمزج بالذي ... به الحقّ من ديني بمذقة مازج فأقبلت نحو الله بالله واثقا ... وما كربتي غير الإله بفارج إلى قطريّ في الشراة معائجا ... ولست إلى غير الشراة بعائج إلى عصبة، أمّا النهار فإنّهم ... هم الأسد أسد الحرب عند التهايج وأمّا إذا ما الليل جنّ فإنّهم ... قيام كأنواح النساء النواشج ١٠ ينادون بالتحكيم لله إنّهم ... رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا ... بحبل شديد الفتل ليس بناهج (٣) فطرح الحجّاج الكتاب إلى عنبسة بن سعيد، وقال: هذا من عند سميرنا الشيبانيّ، وهو من الخوارج ولا نعلم به! ثمّ لمّا قتل المهلّب الخوارج، ومضى قطريّ إلى طبرستان وأتى المهلّب عهده من عبد الملك على خراسان، بعث الحجّاج سفيان بن الأبرد الكلبيّ إلى قطريّ في أهل الشام وأهل العراق، فسار حتّى قدم الريّ، ثمّ رجع. فلامه الحجّاج، وكتب إليه يشتمه وقال: ألا كنت أخذته؟ فقال سفيان: إنّ أبا محمد- يعني الحجّاج- ما يدع المحسن حتّى يسيء. ومضى إلى [٣٢٦ أ] قومس وحصر الخوارج ثلاثين شهرا حتّى أكلوا الجيف، وأخذهم عنوة وبعث برءوسهم إلى الحجّاج. وأجلى المهلّب الأزارقة من كرمان بعد فرار قطريّ، وبعث بشير بن مالك بن الحرشي- وقيل: مرّة بن تليد الأزديّ- إلى الحجّاج بكتابه، وكان بشيرا أديبا، له لسان وبيان. [مع مبعوث من فصحاء أصحاب المهلّب] فلمّا قدم على الحجّاج برءوس الخوارج، قال له: ما اسمك؟ قال: بشير بن مالك. قال: بشارة وملك إن شاء الله. كيف تركت المهلّب؟ قال: تركته صالحا، قد نال ما رجا، وأمن ما خاف. فقال: لله الحمد! كيف كنتم وكيف كان عدوّكم؟ قال: كنّا إذا لقوا عفونا بعفوهم انتصفنا منهم. وإذا لقينا حدّهم بحدّنا طمعنا فيهم، وكانت لهم البداة ولنا العاقبة. فقال: صدقت، إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]. ثمّ قال: كيف بنوه؟ قال: كانوا كفاة السرح حتّى يردّوه، وأعباء البيات (٤) حتّى يأمنوه.

стр. 1035

قال: فأين هم من الشيخ؟ قال: فضله عليهم كفضلهم على الناس. قال: صدقت، هم كما وصفت. فأيّ بنيه أفضل وأعظم غناء؟ قال: ذاك إليه؟ قال: لا، بل قل أنت في ذلك، فإنّي أرى لك عقلا. قال: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. قال: أخبرني كيف فاتكم قطريّ؟ قال: كادنا بما كنّا نكيده به. قال: فهلّا طلبتموه؟ قال: كان الحدّ أحبّ إلينا من الفلّ. قال: أجل، أصبتم ووفّقتم. فكيف رأيت رجال الجند ورآهم؟ قال: أرضاهم الحقّ ووسعهم النفل. وهم مع رجل يقاتل معهم قتال صعلوك، ويسوسهم سياسة الملوك، فلهم منه شفق الوالد، وله منهم برّ الولد. فقال الحجّاج: هل كنت هيّأت ما أرى؟ قال: لا يعلم الغيب إلّا الله! فالتفت الحجّاج إلى عنبسة بن سعيد [وقال]: هذا والله الكلام المخلوق، لا ما يضع الناس! (١) ثمّ أحسن جائزته، وردّه إلى المهلّب. [دخول المهلّب عليه بالبصرة] وكتب المهلّب إلى عبد الملك بالخبر وبهرب قطريّ، وموت عبد ربّه الكبير وأصحابه، فكتب إليه يأمره أن يستخلف على كرمان بعض ولده ويرجع إلى البصرة، فيقيم بها حتى يأتيه أمره. فاستخلف المغيرة بن المهلّب، وخلّف معه أخاه يزيد بن المهلّب، وقدم البصرة. وبها الحجّاج مقيما، فلمّا دخل عليه نهض إليه عن سريره وسأله عن حاله وجزاه خيرا. وكان على المهلّب سيف كان الحجّاج بعث به إليه، وهو السيف الذي كان بعث به محمّد بن يوسف أخو الحجّاج إليه من اليمن، وهو سيف ذي نواس، وجد في قبر ورضوى ابنتي ذي نواس، وكان سيفا قصيرا، فبعث به الحجّاج إلى المهلّب، وكان المهلّب قبل ذلك إنّما يتقلّد سيف سعد بن أبي وقّاص. فلمّا بعث إليه الحجّاج بذلك السيف تقلّدهما جميعا. فلمّا رأى الحجّاج سيفه على المهلّب، قال: يا أبا سعيد، ما أجود سيفك هذا لولا قصر فيه! قال المهلّب: إنّه لا يقصر عمّن يصله بخطوه. قال: يا أبا سعيد، ادع لي أهل البلاء من أصحابك على قدر بلائهم. فبدأ المهلّب ببنيه، وقال: أما والله، لولا أنّي أراهم مستحقّين ذلك ما بدأت بهم، ولكنّي أكره أن أظلمهم. ثمّ دعا بأهل البلاء بعدهم، فقام رجل من بني عامر بن صعصعة، فذكر بلاء كان منه، فصدّقه المهلّب. وقال الرجل: فو الله لقد رميت فيهم بعشرين سهما كلّها صيغة، فما أشويت، وما أنميت وبكلّها أصميت (٢).

стр. 1036

فقال الحجّاج لجلسائه: أتدرون ما عنى الرجل؟ أمّا الإشواء فما لم يصب مقتلا، وأمّا الإنماء فما حمل الرميّة حتى تتغيّب عن صاحبه. وأمّا الإصماء فما أقعصه مكانه. وأمّا الصيغة فعمل يديه. ثمّ دعا المهلّب بقطن بن قبيصة الهلاليّ، وأخبر بشرفه ونجدته وبلائه، وقال: ما أعلم فيه عيبا عند الحرب إلّا ضعف صوته. فقال الحجّاج: أو تعدّون ذلك في الحرب عيبا؟ قال: نعم. فأحسن جائزته وولّاه إصطخر، وتزوّج ابنته أمّ خالد بن [ت] قطن. ثمّ قال الحجّاج للمهلّب: يا أبا سعيد، أيّ أمرك أحبّ إليك إذا لقيت عدوّك؟ قال: أحبّ الأناة وأكره العجلة. فقال الحجّاج: إنّ في اللقاء [٣٢٦ ب] لراحة. قال: ذلك إذا كانت لك العاقبة. فلمّا خرج المهلّب من عند الحجّاج قال: لقد رأيت رجلا لا يدع بالعراق شرفا إلّا وضعه. ثمّ قال الحجّاج للمهلّب: يا أبا سعيد، لو أعنت الأمير- يعني نفسه- على هديّة أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، حكمك أيّها الأمير. قال: ألف ألف درهم. فلمّا انصرف قال له بنوه: أتدري ما صنعت؟ من أين تجمع ألف ألف؟ والله لو حملتها إليه جملة لقد طلب إليك أضعافها. قال لهم: أتأمروني أن أرجع عن شيء قد تكلّمت به؟ ما هذا بكائن. وأمر بجمعها، فجعل الحجّاج يقول له كلّما دخل عليه: يا أبا سعيد، ما صنعت في حاجتي؟ فيقول: نعم، أنا في جمعها. فلمّا اجتمعت حملها إليه. فأخرج له عهده من عبد الملك على خراسان، وذلك بعد مقام المهلّب ثلاثة أشهر بالبصرة، وعلى خراسان يومئذ أميّة بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وكان الحجّاج يكتب إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان، فيأبى عليه كراهة لعزل أميّة. فلمّا قدم المهلّب البصرة، كتب الحجّاج إلى عبد الملك يسأله ولاية خراسان للمهلّب، فبعث إليه بعهد المهلّب عليها، وأمره أن يصرف أميّة صرفا جميلا. وكتب إلى المهلّب أن يقيم بالبصرة تمام سنة، وأن يقدّم رجلا من ولده إلى خراسان. فندب ابنه حبيب بن المهلب إليها، فدعاه الحجّاج وقال: اعرض عليّ دوابّك التي تسير عليها. فعرضها قال: ما أرى شيئا أرضاه لك. وأمر له من مربطه ببغلة خضراء، فقال: «اركب هذه»! وأمر له بعشرة آلاف درهم. فسار حبيب على تلك البغلة لم يحوّل عنها سرجه إلى مرو في سبع عشرة ليلة. فلمّا دنا من باب المدينة تلقّاه حمل حطب فنفرت البغلة وحاصت (١). وكان حبيب يتعجّب من نفارها بعد ذلك الجهد وشدّة السير. وأقام بمرو عشرة أشهر حتّى قدم عليه المهلّب في صدر سنة تسع وسبعين. [اختباره مروءة أبناء المهلّب] وقد كان الحجّاج كتب إلى المغيرة بن المهلّب، وهو على كرمان يأمره بالقدوم عليه، فلمّا سار المهلّب إلى خراسان، وكان بالأهواز، تلقّاه بها أولاده الثلاثة، وهم: المغيرة وعبد الملك ويزيد،

стр. 1037

مقبلين إلى الحجّاج، فقال لهم: إنّكم تقدمون على رجل لا ينبغي لكم أن يسألكم شيئا إلّا أعطيتموه إيّاه. قال المغيرة: وإن سألنا ما ليس عندنا؟ قال: نعم، وإن سألكم ما ليس عندكم! فلمّا قدموا على الحجّاج، قال للمغيرة: أعن الأمير على هديّة أمير المؤمنين! قال: نعم، حكمك أيّها الأمير. قال: خمسمائة ألف درهم. قال: قد فعلت. ثمّ قال لعبد الملك مثل مقالته، فقال: ما عندي من مال، وما كنت في شيء. فغضب الحجّاج، فقال المغيرة: احكم عليه أيّها الأمير ما بدا لك، وهو عليّ. فحكم بمائتي ألف درهم، فضمنها المغيرة. ثم قال ليزيد بن المهلّب مثل مقالته لأخويه، ولم يكن يزيد ولي شيئا من الخراج، فقال: والله ما كنت بصاحب جباية، وما كنت إلّا صاحب فرس وسيف. فغضب الحجّاج وتناوله بمنديل كان في يده، فقال له المغيرة: احكم عليه أيّها الأمير ما بدا لك، وهو عليّ. فحكم عليه بخمسين ومائة ألف، فضمنها المغيرة وحمل إليه خمسين وثمانمائة ألف. فقال الحجّاج: لقد قدمت العراق وما أحسب أنّ بها رجلا أفضل من المهلّب حتى رأيت هذا الأسود- يعني المغيرة بن المهلّب- فإنّ فيه خلفا من المهلّب. وكانت في المغيرة أدمة، وأحبس الحجّاج قبله عبد الملك بن المهلّب فولّاه شرطته، وأشخص المغيرة ويزيد إلى المهلّب. واستعمل المغيرة من قبله على خراج خراسان، فكان المهلّب على حربها من قبل عبد الملك، والمغيرة على خراجها من قبل الحجّاج، حتّى مات المهلّب في ذي الحجّة سنة اثنتين وثمانين. [قتاله لشبيب الخارجيّ] وكان شبيب (١) بن يزيد بن نعيم الشيبانيّ بدويّا، فقدم دمشق يطلب الفريضة، وكان الناس إذ ذاك يخرجون إلى الشام يطلبون الفرائض في قومهم. وكان معاوية، ومن بعده من خلفاء بني أميّة لا يفرضون لأحد من بني بكر بن وائل ولا لبني تميم بالشام لما فيهم من رأي الخوارج، فنزل شبيب على روح بن زنباع، وكانت الأشراف الذين مع الخلفاء يضيفون من لا يعرفون. فقال شبيب لروح [٣٢٧ أ]: أنا رجل من بكر بن وائل من بني شيبان، ثمّ أحد بني مرّة، ولي شرف في قومي. وقد نزعت إليك ورغبت في الجهاد، فإن رأيت أن تكلّم أمير المؤمنين حتى يفرض لي؟ فقال: أفعل. فكلّم فيه عبد الملك فقال: أبا زرعة، إنّي أكره أن أفرض لبكريّ بالشام. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ له جلدا وعقلا. قال: فسله عن نسبه. فذكر ذلك روح لشبيب، وقال: إنّي سأعاوده فيك، فانتسب لي. فانتسب له شبيب، فذكره لعبد الملك فقال: ما أعرف هذا. فرجع إليه روح، فقال: ذكر أمير المؤمنين أنّه لا يعرفك. فولّى شبيب وقال: لعلّه يعرفني!

стр. 1038

فقال روح: أخلق بقفا هذا أن يجرّ شرّا! وخرج شبيب من العراق ومنزلة الكوفة، وقد سبقه صالح بن مسرّح التميميّ بالخروج، فانضمّ إليه حتّى قتل. فبايع الخوارج شبيبا، فأقبل حتى كان فيما بين الموصل والعراق. فبعث إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها. وأقام نحوا من سنة، فكثف أمره واشتدّ، ومات بشر بن مروان، وولي الحجّاج العراق، فقام قطريّ بن الفجاءة (١) خطيبا، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إنّ الله قد قيّض للفاسق أخي ثمود- يعني الحجّاج- رجلا من الصفريّة- يعني شبيبا- قد أشجاه الله وشغله بنفسه، والله ما يبالي في أيّ الفريقين كان الفتح. فوجّه الحجّاج إلى شبيب عبيد بن أبي المخارق في رجال أهل الشام، وقد نزل شبيب الأنبار، فهزمه شبيب. ثمّ وجّه إليه يزيد بن هبيرة المجاري فهزمه. ثمّ بعث إليه زحر بن قيس فهزمه، وأصابته ثمانون طعنة وضربة، فعاد وهو يحمل في القطن، وعينه مفلوقة، فقال الحجّاج: يا أهل الشام، من أحبّ منكم أن ينظر إلى الشهيد الحيّ فلينظر إلى هذا! إنّ عين هذا لتنفخ مسكا في الجنّة! فقال زحر للّذي يحمله: ما أرضانا بالزيت! ثمّ بعث الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس فهزمه شبيب، فبعث عتّاب بن ورقاء التميميّ فلقيه شبيب وقتله. فبعث إليه الجزل الكندي مولى آل عتبة بن أبي معيط فقتله، فبعث إليه أبا الورد مولاه فقتله. فبعث إليه زياد بن عمرو العتكيّ فانهزم وقتل. فبعث إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله فقتله شبيب، فبعث إليه أبا الضريس مولى بني تميم فقتله. ومكث شبيب أربع سنين، ثمّ ضرب الحجّاج البعث على الكوفة وخرج حتى عسكر في السبخة (٢)، وأقبل شبيب ينتقل فيها بين السواد والجبل، فبعث إليه الحجّاج عبد الله بن رميثة الطائيّ، ولم يكن مع الحجّاج يومئذ من أهل الشام إلّا نحو من سبعمائة رجل، فكتب ابن رميثة يستأمر الحجّاج، فكتب إليه أن: أقم مكانك، فما شعر الحجّاج، وهو في عسكره بالسبخة، إذ أقبل شبيب وقد سبق أصحابه في ثلاثين فارسا ففرّقهم في نواحي عسكر الحجّاج، ثم قال: «لا حكم إلّا لله! »، فانذعر الناس ودخل عامّتهم الكوفة، وقتل من أصحاب الحجّاج نحوا من ثلاثين ومائة رجل، ولم يقتل من أصحاب شبيب إلّا رجلان. ثمّ انصرف شبيب فلقي أصحابه في الطريق فردّهم، ثمّ أقبل حتى أتى الفالوجة فأقام بها خمس عشرة ليلة، ثمّ أقبل إلى الكوفة فبلغ الحجّاج فرحل إلى كوثى (٣)، وبعث إليه علقمة بن عبد الرحمن الحكميّ. فرجع شبيب إلى الأنبار، فضرب الحجّاج البعث على أهل الكوفة فجعلوا ينهزمون، ومرّ ابن الحرميّة العبدي على بقّال بالكوفة، وكان قد كتب بالبعث فقال: يا بقّال، إنّكم لفي عافية، فلمّا بلغت الحجّاج كتب إلى عبد الملك: الغوث! وجّه إليّ أهل الشام. وإنّ رجلا من أهل العراق مرّ ببقّال، فقال: كذا وكذا. فأمدّه عبد الملك بأربعة آلاف من أهل الشام، فقدموا عليه وشبيب بالأنبار، وقد أقام بها عشرين

стр. 1039

ليلة بعد أن التقى هو وعلقمة بن عبد الرحمن. فأصبح يوما وقد سقيت خيوله وعلّفت وجمّت فقال لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: الرأي رأيك، فمرنا بأمرك! قال: هل لكم أن تدعوا بابن أبي الرغال الليلة، وذلك بعد ارتفاع الضحى؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، قد منع النهار. قال: وإن. فقرط فرسه عنانه، وقرّطوها أعنّتها، وسار بهم حتّى دخلوا الكوفة ليلا بعد ما صلّيت العشاء الآخرة، وهو في مائة وخمسين رجلا، ومعه امرأته الجهيرة بنت عمرو، وأمّه غزالة من سبي أصبهان. وكان الحجّاج قد رحل من البصرة ودخل الكوفة بعد العصر، وتحصّن بالقصر. وفي المسجد أصحاب البرانس يصلّون في السواري، وقد قامت الأحراس في السّكك، وخرج حرس الحجّاج إلى المسجد. فأقام شبيب على كلّ باب رجلين، وأمرهم أن يقتلوا من مرّ بهم. وقال لأمّه وامرأته: اقعدا على المنبر لا يصيبكما أحد بمعرّة. ودخل المسجد فقتل المصلّين، ومن فرّ قتله الذين على الأبواب، وأخذ ميمون العذاب مولى حوشب بن يزيد بن رؤيم الشيبانيّ- وكان حوشب يومئذ على الخراج، وميمون خليفته. فقال له شبيب: أين حوشب؟ قال: في منزله. فأرسل عدّة من أصحابه ليأتوا به فامتنع، فأتاه ميمون، ومعه عدّة من أصحاب شبيب، فأعلمه بقدوم شبيب فذبحه شبيب وجعل أصحاب شبيب يضربون باب القصر على الحجّاج، ويقولون: يا عدوّ الله! يا ابن أبي رغال! يا أخا ثمود! وفي ذلك يقول عتبان بن وصيلة الشيبانيّ (١) أحد أصحاب شبيب [الطويل]: لعمري لقد نادى شبيب وصحبه ... على الباب لو أنّ الأمير يجيب فأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... وذو النصح لو يدعى إليه قريب أتذكر إذ دارت عليك رماحنا ... بمسكن والكلبيّ ثمّ غريب؟ فلا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب ٥ فإنّك إن لا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب فلا ضير إن كانت قريش عدى لنا ... يصيبون منّا مرّة ونصيب فإن يك منهم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنهم هاشم وحبيب فمنّا سويد والبطين وقعنب ... ومنّا أمير المؤمنين شبيب ومنّا سنان الموت وابن عميرة ... ومرّة، فانظر أيّ ذاك تعيب فقال عبد الملك بن مروان لمّا بلغته الأبيات: كلامهم والله أعجب! فلمّا طلع الفجر قال شبيب لبعض أصحابه: «أذّن وأقم! » فأذّن وأقام. وتقدّم شبيب فصلّى بأصحابه، فقرأ سورة البقرة و [سورة] آل عمران حتى كادت الشمس تطلع، ثمّ جلس وسط المسجد ساعة، فأقبلت الجيوش فقال لأصحابه: اركبوا. فأمر الحجّاج قوما فقاموا على زوايا المسجد فنادوا: يا خيل الله، اركبي!

стр. 1040

وأقبل الناس فجالدهم شبيب وأصحابه في المسجد حتّى خرجوا على وجوههم، ثمّ خرج هو وأصحابه وتبعه الناس فاضطربوا في موضع السوق ساعة. ثم زاحفهم الحجّاج وهو يمشي حتّى تعب، ومعه يومئذ أربعة آلاف من أهل الشام، فقال لهم: لا تدعنّ معكم عراقيّا غير خالد بن عتّاب بن ورقاء، فإنّه ثائر بأبيه، وغير جهم بن زحر- وكان شبيب جرح أباه. وكانت على الحجّاج درع فانبهر، وقال: ويحكم! ابغوني دابّة. فطلبوا دابّة فلم يجدوا إلّا بغل سقاء أغرّ محجّلا فأتي به، فقال له سفيان بن الأبرد: أيّها الأمير، اركب هذا البغل، فإنّه أغرّ محجّل. قال: قرّبوه، فإنّه والله يوم أغرّ محجّل. فركبه، ثم قال: ويحكم، ذبحني العطش! فأتي بحوّ من ماء، فكره أن يشرب منه، فأمر بدرعه فقدّ جيبها ثمّ قال: أصبّه فيما بين جلدي والدرع. فضاربهم شبيب يومهم الأطول حتّى ألجأهم إلى البيوت، وأقبل شبيب حتى علا هو وأصحابه مزبلة تشرف على الكوفة وعلى أصحابه، ثمّ نزل وقاتل حتّى كثرت الجراحات. ثمّ ولّى بأصحابه إلى الأنبار فأقام بها، ولم يجتمع له مذ خرج إلى أن قتل أكثر من ثلاثمائة فارس. وقال أسامة بن زيد البجلي الأحيمر [٣٢٨ أ] يعيّر الحجّاج، وقيل: بل قائلها عمران بن حطّان [الكامل]: صدعت غزالة قلبه بكتيبة ... تركت مسامعه كأمس الدابر (١) ليث عليّ، وفي الحروب نعامة ... هو جاء تنفر من صفير الصافر هلّا خرجت إلى الغزالة في الوغى ... إذ صار قلبك في جوانح طائر؟ ألق السلاح، وخذ وشاحي معصر ... واعمد لمنزلة الجبان الكافر وقال الحجّاج لأصحابه: ما ترون؟ قالوا: نرى أنّ القوم قد أثخنتهم الجراحات، فإن اتّبعوا لم يكن لهم قوام. فوجّه علقمة بن عبد الرحمن إليه فقاتله يوما وليلة، فولّى شبيب منهزما، فبعث إليه الحجّاج سفيان بن الأبرد بن الأصمّ الكلبيّ في ألفين، فطلبه حتّى انتهى إلى دجيل، فأقبل إليه شبيب، فقطع سفيان جسر دجيل، فاستدارت السفن بشبيب فغرق، فاستخرجه بالشباك، وقطع رأسه ورأس امرأته وأمّه وعدّة من أصحابه وبعث بها إلى الحجّاج، فبعث بها إلى عبد الملك، وعدّتها سبعون رأسا، فكانت أوّل رأس قدمت من رءوس الخوارج إلى الشام. ثمّ لمّا ضرب عبد الملك الدنانير والدراهم ونقش عليها ذكر الله تعالى، ضرب الحجّاج الدراهم ونقش فيها «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، فكره الناس ذلك من أجل أنّ الجنب والحائض يمسّها. ومنع الحجّاج أن يضرب أحد غيره، فضرب سمير اليهودي، فأمر بضرب عنقه فقال له: عيار دراهمي أجود من دراهمك فلم تقتلني ولم تتركه؟ فوضع للناس صنج الأوزان ليتركه فلم يفعل. وكان الناس يعرفون الوزن قبل ذلك. [ثورة عبد الرحمن ابن الأشعث] وخرج على الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وذلك أنّه

стр. 1041

ولّى عبيد [الله] بن أبي بكرة سجستان في سنة ثمان وسبعين، فأقام سنة لم يغز. وكان رتبيل ملك الترك مصالحا له يؤدّي الخراج، وربّما امتنع، فكتب الحجّاج إلى عبيد الله بمناجزة رتبيل واستباحة بلاده وهدم قلاعه وقتل رجاله. فسار في أهل البصرة والكوفة وغنم، وغلب على شيء من أراضي رتبيل حتى أمعن في بلاد الترك ودنا من مدينتهم، فأخذ الترك عليهم العقاب والشعاب فاضطرّ إلى مصالحة رتبيل، وخرج بعد ما قتلعدّة من المسلمين، فلمّا بلغ ذلك إلى الحجّاج استأذن عبد الملك في تسيير الجنود إلى رتبيل وعرّفه ما حدث بالمسلمين فأذن له في ذلك، ففرض على أهل الكوفة عشرين ألف فارس وعلى أهل البصرة عشرين ألفا، وأعطى الناس أعطياتهم كاملة وأنفق فيهم ألفي ألف درهم سوى أعطياتهم، وألزمهم أن يخرجوا بالخيول الرائعة والأسلحة الكاملة. وقدّم عليهم عبد الرحمن بن الأشعث، وكان الحجّاج يبغضه ويقول: «ما رأيته قطّ إلّا أردت قتله». وكان الشعبيّ حاضرا فبلّغ قوله ابن الأشعث، فقال: والله لأحاولنّ أن أزيل الحجّاج عن سلطانه، فلمّا أراد الحجّاج أن يبعثه أتاه إسماعيل بن الأشعث فقال له: لا تبعثه! فو الله ما جاز جسر الصراة فرأى لوال عليه طاعة، وإنّي أخاف خلافه. فقال له الحجّاج: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيّره على ذلك الجيش في سنة ثمانين، فأخذ بلاد رتبيل وبثّ بها عمّاله، وحوى هو ومن معه مالا عظيما وكتب إلى الحجّاج بما فتح الله عليه، وأنّه اكتفى بما قد أصاب وعزم على الإقامة هناك عامه حتّى يجبي البلاد ويعرفها، ثمّ يأخذ في قابل ما وراءها. فكتب إليه الحجّاج يوبّخه ويأمره بالتوغّل في أرض الترك، وهدم حصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم. وإن لم يفعل فأخوه إسحاق بن محمد بن الأشعث أمير الناس. فقام عبد الرحمن في من معه وأعلمهم بما عزم عليه من الإقامة عامه وبما [٣٢٨ ب] بعث إليه الحجّاج، وأنّه يخاف عليهم ما نزل بأصحاب عبيد الله بن أبي بكرة. فثار إليه الناس وقالوا: «بل نأبى على عدوّ الله ولا نسمع له ولا نطيع! »، وكان فيهم أبو الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة، فتكلّم أوّل الناس بخلع الحجّاج ومبايعة عبد الرحمن، فنادى الناس من كلّ جانب: فعلنا! فعلنا! قد خلعنا عدوّ الله! ووثبوا إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجّاج ونفيه من العراق والنصرة له، ولم يذكروا عبد الملك بن مروان، فاستخلف عبد الرحمن على البلاد وصالح رتبيل، ورجع إلى العراق حتّى [إذا] بلغ فارس، اجتمع الناس وخلعوا عبد الملك بن مروان [وبايعوا ابن الأشعث على كتاب الله وسنّة نبيّه وخلع أئمّة الضلالة] (١)، وجهاد المحلّين. وبلغ ذلك الحجّاج، فكتب إلى عبد الملك وسأله تعجيل الجنود، وسار إلى البصرة فوافاه كتاب المهلّب بن أبي صفرة أنّ أهل العراق قد أقبلوا إليك، وهم مثل السيل لا يردّهم شيء حتّى ينتهي إلى قراره. وقدمت جيوش عبد الملك، فخرج الحجّاج من البصرة يريد لقاء عبد الرحمن فنزل تستر وقدّم عسكرا، فهزمه عبد الرحمن بعد قتال شديد في يوم عرفة سنة إحدى وثمانين وقتل منهم جمعا كثيرا. فرجع الحجّاج إلى البصرة وعبد الرحمن يتبعه، فقتل عدّة من أصحاب الحجّاج وأخذ من أثقاله، ونزل الحجّاج الزاوية وفرّق في الناس مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم، فنزل عبد الرحمن

стр. 1042

البصرة وبايعه جميع أهلها قرّاؤها وكهولها. وكان سبب تسرّعهم إلى ذلك أنّ العمّال كتبوا إلى الحجّاج أنّ الخراج قد انكسر، فإنّ أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها أنّ من كان له أهل في قرية فليخرج إليها. فأخرج الناس ليأخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون: يا محمّداه! يا محمّداه! لكراهتهم في الخروج. فبكى قرّاء البصرة لما رأوه، وقدم عبد الرحمن عقيب ذلك فبايعوه على حرب الحجّاج وخلع عبد الملك، وذلك في آخر ذي الحجّة. فلمّا كان المحرّم سنة اثنتين وثمانين اقتتل الفريقان قتالا شديدا عدّة دفعات. فانهزم في آخره أصحاب الحجّاج. ثمّ عادوا إلى القتال فانهزم عبد الرحمن بمن معه وقتل منهم خلق كثير، وصار إلى الكوفة فاجتمع عليه أصحابه وبايعوه، فقاتل الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس، وتسمّى هذه الحرب وقعة الزاوية- وقتل الحجّاج فيها بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بأن نادى: «لا أمان إلّا لفلان وفلان! »، فقال العامّة: «قد أمّن الناس». وحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا كلّهم. وأقام إلى شعبان، ثمّ سار من البصرة إلى الكوفة، فخرج إليه عبد الرحمن ونزل دير الجماجم، وقد اجتمع إليه أهل الكوفة والبصرة والقرى، وأهل الثغور والمسالح. ونزل الحجّاج دير قرّة أوّل ربيع الأول، واجتمع إليه أمداده من أهل الشام. وقال: إنّ عبد الرحمن نزل دير الجماجم، ونزلت دير قرّة: «أما يزجر الطير؟ »، وخندق كلّ منهما على نفسه واقتتلوا كلّ يوم عدّة أيّام. فقال عبد الملك: إن كان يرضي أهل العراق أن ننزع عنهم الحجّاج نزعناه، فإنّ عزله أيسر من حربهم، فتحقن الدماء بذلك. وبعث أخاه محمد بن مروان وهو على الموصل في جند كثيف ومعه ابن أخيه عبد الله بن عبد الملك، أن يعرض على أهل العراق عزل الحجّاج، فإن قبلوا ذلك كان محمد بن مروان أمير العراق، وينزل عبد الرحمن أيّ بلد شاء، فيكون واليه، فإن لم يرضوا بذلك، فالحجّاج أمير الجماعة ووالي القتال. فلم يأت الحجّاج قطّ أمر كان أشدّ عليه ولا أوجع لقلبه من هذا، مخافة أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم. وكتب إلى عبد الملك: والله لو أعطيت أهل العراق عزلي لم يلبثوا إلّا قليلا حتّى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلّا جرأة عليك. ألم تر- وبلغك- وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفّان [٣٢٩ أ] وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلمّا نزعه لم تتمّ له السنة حتّى ساروا إلى عثمان فقتلوه، وإنّ الحديد بالحديد؟ فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله عليهم، فعرض ذلك عليهم عبد الله ومحمد، فأبوا وخلعوا عبد الملك مرّة ثانية بدير الجماجم. فسلّم عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان أمر العسكر للحجّاج، فقال: «قد قلت إنّه لا يراد بهذا الأمر غيركم». فكانا يسلّمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة، فاستعدّ الفريقان، ووقف مع عبد الرحمن سعيد بن جبير وعامر الشعبيّ، وأبو البختريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وتزاحفوا للقتال عدّة أيّام يقتتلون أشدّ القتال، فغلت الأسعار وفقد اللحم، والقتال مستمرّ مدّة مائة وثلاثة أيّام. فلمّا كان اليوم الرابع عشر من جمادى الآخرة اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عبد الرحمن، وتبعهم. فدخل الحجّاج الكوفة وأخذ يبايع الناس،

стр. 1043

وكان لا يبايع أحدا إلّا قال له: «اشهد على نفسك أنّك كفرت! »، فإنّ قال: نعم، بايعه، وإلّا قتله. وأقام بالكوفة شهرا، وأنزل أهل الشام بيوت الناس مع أهلها، فكان أوّل من أنزل الجند في بيوت غيرهم فاقتدي به من بعده. ثمّ خرج يريد ابن الأشعث وقد اجتمع له خلق، فاقتتلا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال آل إلى هزيمة ابن الأشعث، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبي البختري الطائي في أربعة آلاف من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وسيّر الحجّاج ابنه محمد بن الحجّاج في طلب ابن الأشعث فقاتله في عدّة مواضع، وهو ينهزم منه حتى لحق برتبيل فأكرمه وأنزله، فما زال به الحجّاج حتى قتله وحمل إليه رأسه كما ذكر في ترجمة عبد الرحمن بن الأشعث (١). [بناء مدينة واسط] وفي سنة ثلاث وثمانين اختطّ الحجّاج مدينة واسط ونزلها، فقال له جامع المحاربيّ: بنيتها في غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. وكذلك من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة. وكان سبب بنائه لها أنّه ضرب بعثا على أهل الكوفة إلى خراسان، فعسكروا بحمّام أعين. وكان فتى من أهل الكوفة من بني أسد حديث عهد بعرس بابنة عمّ له، انصرف من العسكر إلى زوجه ليلا، فبينا هو معها إذ دقّ الباب طارق دقّا شديدا، فقال الأسدي: ما هذا؟ قالت له زوجته: هذا رجل من أهل الشام يأتي بابنا في كلّ ليلة سكران فيفعل ما تسمع، وهو يريد المكروه ويتعرّض للمنكر، وقد شكوته إلى شيوخ أصحابه. فقال: ائذني له بالدخول. فلمّا دخل قتله، وقال لزوجته: إذا صلّيت الفجر فابعثي إلى الشاميّين أن يخرجوا صاحبهم عنك، فإنّهم سيأتون بك الحجّاج فاصدقيه الخبر على وجهه. ورفع القتيل إلى الحجّاج، وأدخلت المرأة عليه فأخبرته خبرها، فقال: «صدقتنّ! » ثمّ قال لأولياء المقتول: «ادفنوا صاحبكم»، ثمّ نادى مناديه: لا ينزلنّ أحد على أحد! وأخرج أهل الشام فارتاد لهم منزلا فأمعن حتّى نزل أطراف العسكر، فبينا هو كذلك إذا براهب قد أقبل على أتان له وعبر دجلة، فلمّا كان موضع واسط تفاحجت الأتان فبالت، فنزل الراهب واحتفر موضع ذلك البول وحمله حتّى رمى به في دجلة، وذلك بعين الحجّاج، فقال: «عليّ به! » فلمّا أتاه قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنّنا نجد في كتبنا أنّه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحّده. فاختطّ الحجّاج مدينة واسط، وبنى المسجد في ذلك الموضع، وقيل: كان بالقرب موضع يسمّى واسط القصب، وهي التي بناها الحجّاج أوّلا قبل أن يبني هذه المدينة التي تدعى اليوم واسط، فلمّا بنى هذه سمّاها واسط بها. وقيل: بل سمّيت لتوسّطها المصرين البصرة والكوفة لأنّ منها إلى كلّ واحدة منهما خمسين فرسخا. ومنها أيضا إلى كلّ من بغداد والأهواز خمسون فرسخا، فواسط مدينتان: كسكر [والنيل] (٢). وابتنى الحجّاج

стр. 1044

مدينة في الجانب الغربيّ وجعل بينهما جسرا بالسّفن، وبنى قصره بهذه المدينة الغربيّة والقبّة الخضراء التي يقال لها «خضراء واسط» والمسجد الجامع، وعليها سور. ونزلتها الولاة بعد الحجّاج، وما كان من الدهاقين فمنزله بالمدينة الشرقيّة. فلمّا تفرّغ من عبد الرحمن بن الأشعث، لم يكن له همّ إلّا [٣٢٩ ب] يزيد بن المهلّب وأهل بيته. وقد كان أذلّ أهل العراق كلّهم إلّا آل المهلّب بن أبي صفرة ومن معهم بخراسان. وكان يبعث إليه ليأتيه فيعتلّ بالغدوّ أو بالحروب، فلم يزل بعبد الملك بن مروان يخوّفه ويغريه حتى كتب إليه بعزله فعزله، وولّى قتيبة بن مسلم مكانه، وكتب إليه بعد ما تسلّم عمله: «إنّي قد نظرت في شيء، فإذا أنا ابن ثلاث وخمسين سنة، وأنا وأنت لدة عام واحد، وإنّ امرءا قد سار إلى منهل خمسين سنة لقمين أن يرده، والسلام». ثمّ حبس يزيد بن المهلّب. فأثخن قتيبة في بلاد الترك وفتخ بخارى وعبر إلى الصغد (١) والطالقان وغيرها من البلاد إلى بحور الصين. وبعث الحجّاج محمد بن القاسم بن الحكم بن أبي عقيل ففتح السند. ومات عبد الملك بن مروان للنصف من شوّال سنة ستّ وثمانين، وقد استخلف ابنه الوليد بن عبد الملك، فأقرّ الحجّاج على عمله وقد أوصاه عبد الملك بذلك. فنزل الحجّاج من الوليد فعرف منزلته من عبد الملك. [انتقامه من الخارجين عليه] وفي سنة أربع وتسعين قتل الحجّاج سعيد بن جبير، وذلك أنّه كان ممّن خرج مع عبد الرحمن ابن الأشعث. وقد كان الحجّاج [است] عمله على عطاء الجند الذين مع ابن الأشعث، فلمّا كان من ابن الأشعث ما كان، فرّ سعيد إلى أصفهان، ثمّ جاء طلب (٢) الحجاج فسار إلى أذربيجان، وطال مقامه بها. ثمّ سقط إلى مكّة ومكث بها مستخفيا حتّى قدم خالد بن عبد الله القسريّ فحذّر الناس سعيدا منه. فقال: «والله لقد فررت حتّى استحييت من الله وسيجيئني ما كتب الله لي». فأخذه خالد، ومعه مجاهد وغيره وبعث بهم إلى الحجّاج مقيّدين. فلمّا دخل سعيد على الحجّاج قال: لعن الله ابن النصرانيّة- يعني خالدا- أما كنت أعرف مكانه؟ بلى والله، والبيت الذي بمكّة. ثمّ أقبل عليه فقال: يا سعيد، ألم أشركك (٣) في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك عليّ؟ قال: إنّما أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرّة ويصيب مرّة. فطابت نفس الحجّاج، ثمّ عاوده في شيء فقال: إنّما كانت بيعة في عنقي لابن الأشعث. فغضب الحجّاج وانتفخ وقال: يا شقيّ ابن كسير! أما قدمت الكوفة، وليس يؤمّ بها إلّا عربيّ، فجعلتك إماما؟ قال: بلى. قال: أفما ولّيتك القضاء، فصاح أهل الكوفة وقال [وا]: لا يصلح القضاء إلّا لعربيّ، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟

стр. 1045

قال: بلى. قال: أوما جعلتك في سمّاري، وكلّهم من رءوس العرب؟ قال: بلى. قال: ألم أعطك مائة ألف درهم تفرّقها في أهل الحاجة، ثمّ لم أسألك عن شيء منها؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك عليّ؟ قال: بيعة كانت لابن الأشعث في عنقي. فغضب الحجّاج، ثمّ قال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل؟ والله لأقتلنّك! يا حرسيّ، اضرب عنقه! ويروى أنّ الحجّاج قال لسعيد لمّا أتاه: يا سعيد، ألم أقدّم مكّة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى. قال: ثمّ قدمت الكوفة واليا فجدّدت البيعة، فأخذت بيعتك ثانيا. قال: بلى. قال: فنكثت ببيعتين لأمير المؤمنين، وتوفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ والله لأقتلنّك! قال: إنّي إذن لسعيد كما سمّتني أمّي! فأمر به، ولم يفصح بمر [ ... ] ين (١). فالتبس عقل الحجّاج عند ذلك وجعل يقول: «قيودنا! قيودنا! »، فظنّوا أنّه يريد القيود، فقطعوا رجلي سعيد من أنصاف ساقيه، وأخذوا القيود. فكان الحجّاج إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: «يا عدوّ الله، فبم قتلتني؟ » فيقول: «ما لي ولسعيد بن جبير؟ ما لي ولسعيد بن جبير؟ » يكرّرها. فلم يمهل إلّا قليلا حتّى مرض ومات لخمس بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وله من العمر أربع وخمسون- وقيل: ثلاث وخمسون- سنة، فكانت ولايته العراق عشرين سنة. [فصاحة الحجّاج] قال قتيبة بن مسلم: خطبنا الحجّاج، فذكر القبر حتّى بكى وأبكى. ثمّ قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان فقال في خطبته: ما نظر [٣٣٠ أ] رسول الله ﷺ إلى قبر أو ذكره إلّا بكى. وقد روى عدّة أحاديث عن أنس، وابن عبّاس. وقال ابن عون: كنت إذا سمعت الحجّاج يقرأ عرفت أنّه طالما درس القرآن. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحجّاج ومن الحسن، وكان الحسن أفصح. [بعض مكارمه] وقال عبد الملك بن عمير: قال الحجّاج يوما: «من كان له بلاء فليقم، فلنعطه على بلائه! » فقام رجل وقال: أعطني على بلائي! فقال: وما بلاؤك؟ قال: قتلت الحسين. قال: كيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، وهبرته بالرمح هبرا، وما أشركت معي في قتله أحدا. قال: أما إنّك لن تجتمع أنت وهو في مكان واحد، اخرج!

стр. 1046

ولم يعطه شيئا. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج يأمره بقتل أسلم بن عبد البكريّ لشيء بلغه عنه. فأحضره الحجّاج فقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]. والذي بلغه عنّي باطل، فاكتب إليه أنّي أعول أربعا وعشرين امرأة، وهنّ بالباب. فأحضرهنّ الحجّاج، فقال: هذه أمّه، وهذه عمّته، وهذه زوجته وهؤلاء بناته حتى كانت في آخرهنّ جارية قاربت عشر سنين، [ف] قال لها الحجّاج: من أنت؟ قالت: ابنته، أصلح الله الأمير! ثمّ أنشأت تقول [الطويل]: أحجّاج لو تشهد مقام بناته ... وعمّاته يندبنه الليل أجمعا أحجّاج كم يقتل به أن قتلته ... ثمانا وعشرا واثنين وأربعا أحجّاج من هذا يقوم مقامه ... علينا، فمهلا إن تزدنا تضعضعا أحجّاج إمّا أن تجود بنعمة ... علينا وإمّا أن تقتّلنا معا فبكى الحجّاج وقال: «والله لا أعنت الدهر عليكنّ ولا زدتكنّ تضعضعا! »، وكتب إلى عبد الملك بخبر الرجل والجارية، فكتب إليه: «إن كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته، ونفّل الجارية»، ففعل. [معايبه] وقال أبو بكر بن عيّاش عن عاصم، قال: سمعت الحجّاج بن يوسف يقول: وقد يلي هذه الأمة [ ... ]، فاتّقوا الله واسمعوا وأطيعوا! هي لعبد الملك أمين الله وخليفته، ليس فيها مثنويّة. والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحلّ لي دمه. والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي حلالا. يا عجبي لعبد هذيل يزعم أنّه يقرأ قرآنا من عند الله! والله ما هو إلّا رجز من رجز الأعراب. والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه- يعني عبد الله بن مسعود- يا عجبا لهذه الحمراء- يعني الموالي- إنّ أحدا ليأخذ الحجر فيرمي به يقول: لا يقع هذا حتى يكون خير. قال أبو بكر بن عيّاش: فحدّثت بهذا الحديث الأعمش، فقال: وأنا قد سمعته يقول ذلك. فقلت في نفسي: لأقرأنّ بها رغم أنفك. وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كلّ أمّة بخبيثها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم! وقال منصور: سألنا إبراهيم النخعيّ عن الحجّاج، فقال: ألم يقل الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؟ [هود: ١٨]. وقال الشافعيّ: بلغني أنّ عبد الملك بن مروان قال للحجّاج: ما أحد إلّا وهو عارف بعيوب نفسه، فعب نفسك ولا تخبأ منها شيئا! قال: يا أمير المؤمنين، أنا لجوج حقود حسود محبّ لسفك الدماء. فقال عبد الملك: إذن، بينك وبين إبليس نسب؟ فقال: إنّ الشيطان إذا رآني سالمني. وفي رواية: قال عبد الملك للحجّاج: صف لي عيبك! فقال: أنا حسود حقود لجوج ذو قسوة. فقال: ما في إبليس شرّ من هذا!

стр. 1047

وبلغ كلامه خالد بن صفوان، فقال: لقد استحلّ الشرّ بحذافيره والمروق من جميع الخير ب [ت] زويره، ولقد تأنّق في ذمّ نفسه وتحرّم في الدلالة على لؤم طباعه وإفراط كفره وشدّة الشكالة لشيطانه الذي أغواه. وقال الحسين: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ على [٣٣٠ ب] المنبر بالكوفة يقول: «اللهمّ، كما نصحتهم فغشّوني، وائتمنتهم فخافوني، فابعث عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهليّة! » فوصفه عليّ وقال: الدجّال مفجّر الأنهار يأكل خضرتها ويلبس فروتها. ثمّ قال الحسن: هذه والله صفة الحجّاج. وقال حبيب بن أبي ثابت: قال عليّ ﵁ لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل له: يا أمير المؤمنين، ما فتى ثقيف؟ قال: ليقالنّ له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنّم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلّا ارتكبها حتى لو لم يبق إلّا معصية واحدة، وبينه وبينهما باب مغلق، لكسره حتى يرتكبها، يقتل من عصاه بمن أطاعه. وقال سفيان بن سعيد الثوريّ عن سلمة بن كهيل: اختلفت أنا وذرّ المرهبيّ في الحجّاج، فقال: مؤمن، وقلت: كافر. وقال الأعمش: والله لقد سمعت الحجّاج يقول: يا عجبا من عبد هذيل! يزعم أنّه يقرأ قرآنا من عند الله. والله ما هو إلا رجز من رجز الأعراب! والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه! (١). ويروى أنّ الحجّاج مرّ بخالد بن يزيد بن معاوية، وهو يخطر في مشيه، فقال رجل لخالد: من هذا؟ فقال: بخ! بخ! هذا عمرو بن العاص! فسمعه الحجّاج، فرجع وقال: والله ما يسرّني أنّ العاص ولدني، ولكنّي ابن الأشياخ من ثقيف والعقائل من قريش! وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلّهم يشهد أنّ أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر. ثمّ ولّى وهو يقول: بخ! بخ! عمرو بن العاص! ويروى أنّه أحصي عدّة من قتله الحجّاج فكانوا مائة وعشرين ألفا. وقال المدائني عن عامر بن حفص: وكان الحجّاج يطعم أهل السجن دقيق الشعير والرماد مخلوطين. ويقال: إنّه كان يخلط لهم في ذلك الملح أيضا. وكان الحجّاج أخفش منسلق الأجفان. وخطب يوما فقال: اللهمّ أرني الغيّ غيّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضلّ ضلالا بعيدا. والله ما أحبّ أنّ ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه. ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء. وأراد الحجّ، فخطب الناس فقال: أيّها الناس، إنّي أريد الحجّ واستخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله ﷺ في الأمصار: إنّ رسول الله ﷺ أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإنّي قد أوصيت ألّا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم! ألا وإنّكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلّا مخافتي: ستقولون

стр. 1048

بعدي: لا أحسن الله له الصحابة! ألا وإنّي معجّل لكم الإجابة: لا أحسن الله عليكم الخلافة! ثمّ نزل. وكان يقول: أيّها الناس، إنّ الكفّ عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. وقال عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث: ما رأيت عقول الناس إلّا قريبا بعضها من بعض إلّا ما كان من الحجّاج بن يوسف، وإياس بن معاوية، فإنّ عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا. وضرب الحجّاج أعناق أسرى، فلمّا قدّم رجل لضرب عنقه، قال: والله لئن كنّا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو! فقال الحجّاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام؟ وأمسك عن القتل (١). ولمّا بلغه موت أسماء بن خارجة قال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء، ومات حين شاء؟ وقال: ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنّا الهمّ بالمأكل والملبس والمنكح! أو ليته إذ أوقعنا في هذه الدار هنّأنا أمر الآخرة فرفع عنّا الاهتمام بما ينجي من عذابه! فبلغ قوله عليّ بن الحسين فقال: ما عمل في التمنّي شيئا، ما اختاره الله خير. وخطب الوليد بن عبد الملك (٢) فقال: إنّ أمير المؤمنين عبد الملك يقول: إنّ الحجّاج جلدة ما بين عينيّ، ألا إنّه جلدة وجهي كلّه! ويقال: إنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجّاج وهو على المدينة أن فد عليّ، وفد معك بمائة رجل من وجوه الناس. فوفد بيحيى بن طلحة (٣) بن عبيد الله وحده، فخرج الحاجب فقال: أين الحجّاج؟ فدخل على أنّ الوفد [ ... ] (٤)، فقام يحيى وحده، فقال عبد الملك: فأين المائة؟ فقال [الحجّاج]: هو [٣٣١ أ] يعدلها يا أمير المؤمنين (٥). (قال يحيى): فلمّا رأيت مكاني من عبد الملك قلت في نفسي: والله إنّه ينبغي أن أنصح له، عسى الله أن يريحنا من الحجّاج. فقلت: إنّ لي حاجة يا أمير المؤمنين، فأخلني. قال: ومن أبي محمّد؟ قلت: نعم. فقال له: قم. فقام وهو يقول [الطويل]: كمكتفل كفلا وفي الكفل عقرب فقلت: يا أمير المؤمنين، والله ما يسعني إلّا نصيحتك، اعلم أنّك استعملت على بيضتك وعشيرتك أخبث الناس سرّا وعلانية. فقال: وصلك الله وأدّى عنك الحقّ. انصرف. فقمت. فأرسلت إلى مولى لي كان ذا رأي فقلت: اعلم أنّي وقعت في أمر عظيم، فأخبرته الخبر فقال: بئس والله ما تعرّضت من خليفتك وعاملك!

стр. 1049

فقلت: كلّا! قد كلّمت رجلا لا والله ما رأيت في كفّي (١) رجلا قطّ أميز منه. وعسى أن يقع كلامي عنده بموقعه. فلمّا كان الغد حضرنا فخرج الحاجب، فقال: يحيى بن طلحة! فدخلت، فقال: الحجّاج! فدخل. فوقف بين السماطين، فقال عبد الملك: مكانك يا أبا محمد! أحسبك ظننت أخاك عاب عليك بغير ما أنت عليه. ما قال فيك إلّا ما تعرف. وهذا عهدك على العراق، فاخرج إليه فهو خير لك من الحجاز. فلمّا خرجت إذا أنا بالحجّاج واقف [ا] فعانقني، وقال: انظر حوائجك بالعراق! [أزواج الحجّاج] وتزوّج الحجّاج في عمله على العراق نساء من قريش وغيرهم من العرب، منهم: أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وأمّ الجلاس بنت سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وبنت أبي بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب، وأمّ البنين بنت المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمّ سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو بن سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤيّ، وهند بنت أسماء بن خارجة، وهند بنت المهلّب بن أبي صفرة، وأمّ أبان بنت النعمان بن بشير بن سعد الأنصاريّ، وأمّ قطن بنت قطن بن قبيصة الهلاليّة. وكان صاحب عذاب الحجّاج معد بن عوف بن هلال بن شأس بن ربيعة بن محلّم بن سويط بن عبد بن معاوية بن شعرة بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد، [بن] ضبّة بن أدّ. وكان مؤذّنه الجنبة بن طارق بن عمرو بن حوط بن سلمة بن حرمي بن رباح بن يربوع بن حنظلة. وروي عن حوشب بن يزيد بن رويم عن أبيه أنّه دخل على المختار بن أبي عبيد يوما فسمعه يقول: أنا الذي أتزوّج امرأة من ولد النبيّ ﷺ وأكسر قصر الملك فأبتني بنقضه قصرا وأبتني مدينة داوردان. (قال حوشب): فحدّثت بذلك الحجّاج فقال: أخطأت استه الحفرة! أنا ذاك! (قال) فنقض الحجّاج قصر النعمان بالحيرة وبنى به قصره في جبّانة الكوفة، وبنى مدينة واسط، وهي أوّل مدينة بنيت في الإسلام، وتزوّج أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر. فكتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الملك: إنّه بلغني أنّ الحجّاج بن يوسف تزوّج بنت عبد الله بن جعفر، وإنّه إنّما يفعل هذا بنساء قريش أنت. وقد كان للحجّاج مناكح في العرب مثلها فماأقنعه وأرضاه دون أن يتناول نساء قريش، ثمّ قد كان له في نساء قريش دون أن يتناول امرأة ولدها رسول الله ﷺ . فأرسل عبد الملك بالكتاب إلى الحجّاج، فلمّا قرأه قال: وا عجبا لابن زوجة الأنماريّ! ينكر أن أتزوّج امرأة من قريش، وقد جاز العقبة إلينا منهنّ سبعون امرأة. والله لأتزوجنّ امرأة هي أغيظ له وأقرب إليه منها! فتزوّج ابنة سعيد بن عبد الرحمن، فسكت عبد العزيز على مضض.

стр. 1050

وقال [أبو] عاصم النبيل عن جويرية بنت أسماء: لقي الوليد بن عبد الملك عبد الله بن جعفر عند عبد الملك بن مروان، فقال له: أزوّجت الحجّاج؟ فقال: أنا زوّجته؟ والله ما زوّجه إلّا أبوك! فما مثلي ومثلكم في ذلك إلّا كما قال الشاعر [الوافر]: ومن يك نائيا وتكن أخاه ... أبا الضحّاك ينتهج الشمالا [٣٣١ ب] وإنّما اشتريت بها خيط رقبتي. ويقال: إنّ الذي سعى على الحجّاج في أمر أمّ كلثوم حتّى أمره عبد الملك بطلاقها خالد بن يزيد بن معاوية، فإنّه قال لعبد الملك: يا أمير المؤمنين، والله إن كان في العرب أهل بيت أبغض إليّ من آل الزبير، فلمّا أصهرت إليهم أحببتهم، وإنّي لا آمن الحجّاج أن يميل إلى بني هاشم. فكتب إليه عبد الملك يأمره بطلاقها، فقال الحجّاج: «هذا عمل ابن الرطبة. أما والله لأنكحنّ أمسّ به منها رحما! »، فتزوّج أمّ الجلاس بنت سعيد بن عبد الرحمن. واعتمر الحجّاج في خلافة الوليد بن عبد الملك فأسرع السير، وجمّع بمكّة ثمّ جمّع بالبصرة، وسار معه رجال من أهل البصرة وغيرهم، فلم يثبت في السير معه إلّا زريق بن مسلم بن عمرو الباهلي، فإنّه ثبت على ناقة لم يحوّل عنها رجلا حتّى دخل البصرة. ونعس عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر وهو مع الحجّاج فنفض عمامته وهو يسير، ثمّ قال: «يا غلام، دونك العمامة! »، فألقاها لا يشكّ في أنّه تناولها غلامه في بيته، فذهبت عمامته. فقال له الحجّاج حين أصبح: أين عمامتك أبا عبد الرحمن؟ قال: حيث جعل الأمير يده! - وكان الحجّاج أراد أن يأكل فأصابت يده لحيته فلطّخها، وهو لا يعلم، من غلبة النعاس. فقال الحجّاج السلاماني يذكر سير الحجّاج: ما سار من مكّة إلّا سبعا ... يقطّعن أحواز المطيّ قطعا يحملن خرقا من ثقيف ينعى وأسرع السير من الشام في وفادة وفدها، فرجز جرير بين يديه: لمّا بدا الحجّاج بين الموكب ... بين قريش وبني معتب كالبدر يغشى البدر كلّ كوكب وقال فيه الفرزدق وغيره. وقيل: إنّ الحجّاج لم يحجّ في عمله على العراق، وقيل: بل حجّ، فقام إليه وهو بمنى رجال من أهل الحجاز فسألوه، فقال: نوّهتم بنا بغير بلادنا، وما لكم مترك، من هنا من أهل العراق؟ فقام إليه تجّار فقال: هل من سلف؟ قالوا: نعم. فحملوا إليه ألف ألف فقسمها، فلمّا قدم العراق ردّها ومثلها. ونظر الحجّاج مرّة إلى جعل، فقال: لعنها الله فإنّها من وذح (١) إبليس. وسمع مرّة يقول: «أرسولك أفضل أم خليفتك؟ » فسمعه جبلة بن [ ... ] فقال: «لله عليّ ألّا أصلّي خلفه أبدا. وإن رأيت من يجاهده لأجاهدنّه معه! »، فخرج مع عبد الرحمن بن الأشعث وقتل معه. وخطب يوما فأقبل عن يمينه فقال: «ألا إنّ الحجّاج كافر! » ثمّ أطرق، ثمّ أقبل عن يساره،

стр. 1051

فقال: «ألا إنّ الحجّاج كافر! »، ففعل ذلك مرارا، ثمّ قال: كافر أيّها المعزى، باللات والعزّى! [مواقف له في صلاة الجماعة] واتّخذ من مسجد واسط أربعة كنف (١): واحدا في القبلة، وآخر عن يمين المسجد، وآخر عن يساره، وآخر في مؤخّره، فكان حيث أدركته الصلاة سمع تكبيره من الجناح الذي هو فيه. وقال ثابت البناني: أخّر الحجّاج صلاة الجمعة حتّى فاتت العصر، ثمّ قال: إنّكم في صلاة ما انتظرتم الصلاة. وعن مبارك بن فضالة: شهدنا الجمعة مع أبي في زمن الحجّاج، فقرأ علينا كتابا جاءه، فلم يصلّ الجمعة يومئذ حتّى غربت الشمس، فنزل فصلّى الجمعة ثمّ صلّى العصر ثمّ صلّى المغرب. وعن يحيى بن نافع قال: أتيت المسجد للجمعة، فخرج علينا الحجّاج فلم ير إلّا أشياخا مصطفّين، فقال: «ما لي لا أرى إلّا أعلاجا لا تغسل أعقابها؟ » ثمّ خطبنا حتى ملأ الناس نصف الجامع، ثمّ خرج ناس فدخلوا المسجد والحجّاج ينظر، فقال: ألا إنّ شرّ الدوابّ أذنابها، وهؤلاء أذناب أهل الجمعة، خذوهم! فأخذوا فحبسوا، فرأيتهم أخرجوا بعد يومين من الحبس وقد أخذت أرديتهم. وقال مرّة: يدعى: حيّ على الصلاة فلا تجيبون، ولو دعي: حيّ على أربعة دراهم لغصّ المسجد بأهله! وقال جرير عن الأعمش: لقيت أبا وائل يوم الجمعة في إمارة الحجّاج، فقلت له: أصلّيت قبل أن تروح؟ قال: من أنت؟ قلت: رجل من المسلمين. قال: مرحبا بالمسلمين، نعم! وقال الحسن: ما شككت في الحجّاج منذ رأيته، يعني النفاق. قال عون: ذكر الحجّاج عند محمد بن سيرين فقال: غير ما تقولون أخوف على [٣٣٢ أ] الحجّاج عندي منه. قلت: وما هو؟ قال: إن لقي الله بقلب سليم، فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قلت: وما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أنّه لا إله إلّا الله. وقال إسماعيل بن عليّة عن عوف: قال محمد بن سيرين: ما أبالي أن أستغفر للحجّاج. قلت: أفتستغفر لابن الأزرق؟ قال: لأنّ الأمير- يعني الحجّاج- قاتل على الدرهم. وإنّ الحروريّ- يعني ابن الأزرق- قاتل على ردّ ما جاء به محمد ﷺ . وقال ابن سيرين في الحجّاج: إن عذّبه الله فبذنبه، وإن غفر له، فهنيئا. وإن كان قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. وقال سليم بن قتيبة: ما رأيت دارا تلاوة القرآن فيها أكثر من دار الحجّاج. [لهج الناس بذمّه] ولمّا ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة وجلس أوّل مجلس جلسه، كره القوم أن يذكروا الحجّاج حتّى يكون هو الذي يبدأ. فتكلّم سليمان فذكر الحجّاج فوقع فيه ونال منه. فما بقي في

стр. 1052

القوم أحد إلّا قال فيه، وعمر بن عبد العزيز ساكت. فقال سليمان: يا أبا حفص، ما لك لا تتكلّم؟ فقال: ما عسيت أن أقول؟ لو خابثنا الأمم بالحجّاج لغلبناهم. وقال عمر مرّة: الوليد بالشام، والحجّاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيّان بالحجاز، وقرّة بن شريك بمصر: امتلأت الأرض والله جورا! وجلس عمر ببيت المقدس، فجعل عبد الله بن قيس يقع في الحجّاج، فجعل عمر يقول: «إيه، ابن قيس؟ » يكرّرها، كأنّه يعزّيه به. وقال: وددت أنّي وجدت رجلا يعنيه أمر الحجّاج أخاصمه فيه، فإن كان محقّا تبعته، وإن كنت محقّا تبعني. والله ما كان الحجّاج يصلح لدنيا ولا آخرة! وكان عمر بن الخطّاب ﵁ جبى العراق ثمانين ألف ألف وما جبى الحجّاج إلّا أربعين ألف ألف. ولئن أبقاني الله لا أنتهي حتّى أجبيه ثمانين ألف ألف. وقال أبو عاصم النبيل: حدّثنا عبّاد بن كثير عن قحذم: جبى عمر العراق مائة وسبعة أو ثمانية وعشرين ألف ألف. وجباها عمر بن عبد العزيز مائة وأربعة وعشرين ألف ألف. وجباها الحجّاج ثمانية عشر ألف ألف. وقال عبّاد عن قحذم: أطلق سليمان بن عبد الملك في غزاة واحدة ثمانين ألف أسير، وكتب أن يثبتوا ويلحقوا بأهاليهم. وقال صالح بن عبد الرحمن: عرضنا السجون بعد الحجّاج فوجدنا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يحلّ على أحد منهم قطع ولا صلب. ووجد أعرابيّ يبول في ربض مدينة واسط، فأخذ وحبس حتى مات الحجّاج، فأطلق فقال [الطويل]: إذا ما تجاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب (١) وتعبّث الحجّاج بقيس بن الهيثم السلميّ بالبصرة، وضربه بالسّياط، فكتب قيس إلى القيسيّة بالشام، فدخلوا على عبد الملك فقالوا له: إنّ الحجّاج قد تعبّث بسيّدنا بالبصرة، فضربه في غير ذنب. فكتب إلى الحجّاج يلومه، وكتب إلى قيس: إن أحببت المقام بالبصرة فأقم، ولا سلطان للحجّاج عليك. وإن أحببت اللحاق بأمير المؤمنين فالحق. فقال: لا أقيم ببلد الحجّاج فيه سلطان. فلحق بعبد الملك، وكان من سمّاره. فذكر عبد الملك الحجّاج ليلة فأثنى عليه فسكت قيس، فقال له: ما لك لا تتكلّم؟ قال: قد قال أمير المؤمنين. قال: قل! قال: والله يا أمير المؤمنين، لو أتتنا أمة ورهاء فرفدتها بما رفدت به الحجّاج لضبطت ما ضبط: قدم علينا زياد على راحلته فضبط العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام لثغورهم فلم يأتنا منهم برجل، ثمّ أتانا ابنه من بعده غلاما حدثا فضبط العراق بأهل العراق وترك أهل الشام لثغورهم. وأتانا الحجّاج فلم يزل بخرقه وضعف منّته حتى أخرب البلاد وأخاف الناس، وكتب إليك يستنصرك فأمددته بأهل الشام وعطّلت الثغور. فلوأمددت أمة ورهاء بما أمددته به لضبطت ما ضبط.

стр. 1053

وبعث الحجّاج إلى عبد الملك بمال كثير وهو يومئذ بحمص [٣٣٢ ب] فأبرز سريره إلى برج حمص. ثمّ جلس وجلس الناس إليه فيهم خالد وأميّة ابنا عبد الله القسريّ، فلمّا عرضت عليه هديّة الحجّاج قال: هذه والله الأمانة والنصيحة والحزم! [سياسة الحجّاج غاشمة] ثمّ أشار إلى خالد فقال: إنّي استعملت هذا على البصرة فاستعمل كلّ فاسق فجبى عشرة فاختان تسعة ورفع إلى هذا درهما، فرفع إليّ من الدرهم سدسا. واستعملت هذا- يعني أميّة- على خراسان وسجستان، فبعث إليّ بمفتاح من ذهب زعم أنّه مفتاح مدينة الفيل (١)، وبرذونين حطمين وجوير [ي] ات، واستعملت الحجّاج ففعل كذا وكذا، فإذا استعملتكم ضيّعتم (٢) وإذا عزلتكم قلتم: قطعتم أرحامنا. فرفع خالد رأسه، فقال: استعملتني على البصرة، وأهلها رجلان: مطيع مناصح ومخالف مشانح (٣)، فأمّا المطيع فإنّي جزيته بطاعته فازداد رغبة. وأمّا المخالف فإنّي داويت عداوته واستللت ضغينته وكنزت صدره ودّا، وعلمت أنّي متى أصلح الرجال أجب المال. واستعملت الحجّاج فجبى لك المال وكثّر العداوة في صدور الرجّال، فكأنّك بالعداوة التي كنزها لك قد ثارت بالرجال، فأنفقت المال فلا مال ولا رجال. فسكت عبد الملك، فلمّا كان هيج عبد الرحمن ابن الأشعث جلس عبد الملك ومعه خالد، فجعل يندب الناس إلى الفريضة ويضحك (٤). وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاصي: والله لقد كان الحجّاج وما عربيّ أنقص منه أدبا، فطالت ولايته فكان لا يسمع إلّا ما يحبّ فمات، وإنّه لأحمق سيّء الأدب. وقال ابن شوذب: ولي الحجّاج وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين، فما رؤي مثله لمن أطاعه ولا مثله لمن عصاه. [إشادة المنصور العبّاسيّ بخصال الحجّاج] وقال إبراهيم بن صالح: كنّا في مجلس الصحابة ننتظر الإذن، فكان ممّن حمده (٥) معن بن زائدة، وممّن ذمّه الحسن بن زيد، فأذن لنا فدخلنا على المنصور، فقال الحسن بن زيد: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبني أبقى حتّى يذكر الحجّاج في دارك وعلى بساطك فيثنى عليه. فقال له: وما استنكرت من ذاك؟ رجل استكفاه قوم فكفاهم. والله لوددت أنّي وجدت مثل الحجّاج حتّى أستكفيه أمري، وأنزل أحد الحرمين حتى يأتيني أجلي. فقال معن: يا أمير المؤمنين، إنّ لك مثل الحجّاج عددا من أصحابك لو استكفيتهم كفوك. قال: ومن هم؟ كأنّك تريد نفسك! قال: وأريدها، فإنّي أبعد من ذاك. قال: كلّا، لست هناك. إنّ الحجّاج ائتمنه القوم فأدّى لهم الأمانة. وإنّا ائتمنّاك فخنتنا. ولمّا مات الحجّاج، قال الوليد بن عبد الملك: أما والله لئن سئلت عنه- ولأسألنّ- لأقولنّ: كان والله القويّ الأمين. وقال مالك بن دينار: ربّما سمعت الحجّاج يخطب فيذكر ما صنع به أهل العراق وصنع بهم،

стр. 1054

فيقع في نفسي أنّهم يظلمونه لبيانه وتخلّصه الحجج. ولمّا أرجف الناس في الكوفة بموت الوليد بن عبد الملك- وكان الحجّاج بها- خرج يوما فجلس على المنبر، فقال: ما أراجيف بلغني أنّكم ترجفون بها أوّلا ثمّ أوّلا ثمّ أوّلا لسن من زبد الوعيد؟ ثمّ نزل، فلم يسمع بعدها مرجف بموته. [عموم الخوف منه] وأخذ الحجّاج امرأة من بني ضبّة فسيّرها لتحبس فصاحت: «وا غيلاناه! » تريد غيلان بن خرشة، فقال الشرطيّ الذي معها: اسكتي ويلك! فو الله لو أدركنا غيلان [ل] رضي أن يكون مكاني! وقال الحجّاج لرجل: من أجلد قريش؟ قال: بنو عديّ. قال: فأيّ بني عديّ؟ قال: آل أبي الجهل. فأرسل الحجّاج إلى رجل منهم وهو ينتفض، فقال الحجّاج للرجل: كيف ترى؟ وعصى رجل على الحجّاج، فلمّا قام قائم كلّ شيء على ظلّه خرج يريد أهله في بني سعد، فمرّ بكلب تحت سقاية يقطر عليها ماؤها في الهاجرة، فقال: يا ليتني هذا الكلب! فلم يسر إلّا قليلا حتى لحقه الكلب يجرّره الصبيان. [فسأله عنه فقالوا: ] قد أتى كتاب الحجّاج يأمر بقتلها (١). وكان الحجّاج لا يلعب عنده ولا يمزح. ومدحه أكثر شعراء زمانه، منهم الفرزدق [٣٣٣ أ] وجرير والأخطل وحميد الأرقط وعبد الرحمن بن الزبير وليلى الأخيليّة في شعر كثير. [بين الحجّاج وليلى الأخيليّة] ودخلت ليلى الأخيليّة على الحجّاج فقال: ما أتاني بكر ... [الطويل] (٢): إذا نزل الحجّاج أرضا سقيمة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي لها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها سقاها دماء المارقين وعلّها ... إذا جمحت يوما وخفّ رداها ولا كلّ حلّاف تقلّد بيعة ... بأعظم عهد الله ثمّ شراها (٣) فلمّا قالت: «غلام إذا هزّ القناة ... »، قال: لا تقولي: غلام، ولكن قولي: همام. ثمّ قال لها: علي أيّ نسائي أحبّ إليك أن تنزلي؟ قالت: ومن نساؤك؟ قال: أمّ الجلاس بنت سعيد بن عبد الرحمن ابن عتّاب بن أسيد. وهند بنت أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة، وهند بنت المهلّب بن أبي صفرة، وأمّ أبان بنت النعمان بن بشير. قالت: «أنزلني على هند بنت أسماء»، فأنزلها، وأمر لها بجائزة مائة، ولم يسمّ إبلا ولا غنما. قالت: زدني! قال: لك مائتان.

стр. 1055

قالت: زدني! قال: لك ثلاثمائة. فقال بعض جلسائه: إنّها غنم! قالت: الأمير أكرم من أن يعطي غنما! فاستحيى الحجّاج، وقال: «اجعلوها إبلا»، وما كان أراد إلّا غنما. وممّا مدحه به الفرزدق [البسيط] (١): إنّ ابن يوسف محمود خلائقه ... سيّان معروفه في الناس والمطر هو الشهاب الذي يرمى العدوّ به ... والمشرفيّ الذي تمضي به مضر (٢) لا يرهب الموت إنّ النفس باسلة ... والرأي مجتمع والجود منتشر أحيا العراق وقد ثلّت دعائمه ... عمياء صمّاء لا تبقي ولا تذر ونازع أبان [الحارث] فحجّ بالناس، فقال الحارث [الطويل]: [ف] إن تنج منها يا أبان مسلّما ... فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب فقال الحجّاج: وا عجبا للحارث! يغلبه أبان ويهجوني! [تحويله الدواوين إلى العربيّة] وفي أيّام الحجّاج قلب الديوان من الفارسيّة إلى العربيّة، وذلك أنّ صالح بن عبد الرحمن كان منقطعا إلى زادان فروخ كاتب الحجّاج، وهو كان سببه إلى الحجّاج، فخفّ صالح للحجّاج حتّى كاد زادان، فشقّ عليه ذلك. فقال صالح لزادان: إنّك سببي إلى هذا الرجل، وإنّي أراني قد خففت لديه خفّة لست آمن أن يقدّمني عليك وأن تسقط. قال: لا تخف! ذاك عليّ، وهو أحوج إليّ منّي إليه. قال: كيف ذلك؟ قال: لا يجد من يكفيه حسابه غيري. قال: لو شئت حوّلت الحساب بالعربيّة. قال: حوّل منه سطرا حتى أرى. فكتب منه أسطرا، فلمّا رأى ذلك زادان قال لصالح: «تمارض! » فتمارض، فسأل الحجّاج عنه، فقيل: شاك. فأرسل إليه طبيبه فلم ير علّة، فأرسل [صالح] إلى زادان يخبره فقال له: اظهر وائته! وانصرف [زادان] إلى أصحابه، وقال: اطلبوا صنعة غير هذه. وأجّل الحجّاج صالحا أجلا حتّى قلب الديوان. ولمّا مات الحجّاج خطب عبد الملك بن الحجّاج، وكان قد استخلفه أبوه على الصلاة، فقال: «أنعى إليكم أسد الأسود وفارس الفرسان»، ثمّ دفنه وأجرى الماء على قبره لئلّا يعرف مكانه. ورثاه الفرزدق، وقال الهيثم بن عديّ: قدمت وفود العرب على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف، فأمرهم أن يشتموا الحجّاج فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: إنّ عدوّ الله كان عبدا دبّابا قنوّر ابن قنوّر، لا نسب له في العرب (٣).
следующие страницы →