← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرّة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم وابتزّت أموالهم، مع اعتماد ما هي عادته من إصلاح الطرقات، وقطع عيث العائثين فيها، ليتطرّق الناس آمنين، ويمشوا مطمئنّين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه، صلوات الله عليه، انقطاع طرقاتها، لخوف مارّتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين، ثمّ تجويد السكّة وضربها على العيار الذي [٣٠٨ أ] [عليه] السكّة الميمونة المنصورة المباركة، وقطع الغشّ منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال [م] ما لا يسع من ينظر في أمور المسلمين إلّا إصلاحها واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها. وما (١) أوعز به مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحقّ، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفي الأذى، ورفع المؤن، والمناوأة في الحقّ، وإعانة المظلوم، والتقريب والإشفاق، والإحسان وجميل النظر، وكريم الصحبة ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم، وحين تصرّفهم في أوان ابتغائهم معايشهم، حتى لا تجري أمورهم إلّا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم على طاعة وليّه مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وما أمر (١) به مولانا من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي، صلوات الله عليه، بإثباتها عليكم، وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة، من المتوفّى، بها، فإنّه لا استحقاق لتصييرها ببيت المال، وأن أتقدّم في رمّ مساجدكم وتزيينها بالفرش والإيقاد وأعطي مؤذّنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم، وأدرّها عليهم، فلا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلّا من بيت المال، لا بإحالة على من تقبض منهم. وأمّا غير ما ذكره مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، ممّا نصّه من ترسّل عنكم، أيّدهم [٣٦١ أ] الله، [من] أنّكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم، وإن لم يكن لذكرها معنى، ولا في نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنّة واحدة، وشريعة متّبعة، وهي: إقامتكم على مذاهبكم، وأن تتركوا على ما أنتم عليه من أداء الفروض في الاشتغال بالعلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمّة من الصحابة، ﵃، والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجري فرض الأذان والصلاة، وقيام شهر رمضان، وفطره، والزكاة، والحجّ، والجهاد، على ما أمر الله به ونصّه بنبيّه ﷺ في سنّته، وإجراء أهل الذمّة على ما كانوا عليه. ولكم عليّ أمان الله التامّ العامّ، الدائم الشامل، المتّصل الكامل، المتجدّد المتأكّد، على الأيّام، وكرور الأعوام، في أنفسكم وأموالكم وأهليكم، ونعمكم وضياعكم ورباعكم، وقليلكم وكثيركم، وعلى أنّه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنّى عليكم متجنّ، ولا يتعقّب عليكم متعقّب، وعلى أنّكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذبّ عنكم ويمنع منكم، فلا يتعرّض إلى أذاكم ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم ولا في الاستطالة على قويّكم فضلا عن ضعيفكم، وعلى أن لا أزال

стр. 982

مجتهدا فيما يعمّكم صلاحه ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره وتتعرّفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولكم عليّ الوفاء بما ألزمته نفسي، وأعطيتكم إيّاه، عهد الله وغليظ ميثاقه، وذمّته وذمّة أنبيائه ورسله، وذمّة الأئمّة موالينا، أمراء المؤمنين، قدّس الله أرواحهم، وذمّة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين المعزّ لدين الله، صلوات الله عليه، فتصرّحون بها، وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون وتسلّمون عليّ، وتكونون بين يديّ، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل في المناخ المبارك، وتحفظون وتحافظون من بعد على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليّا لمولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وتلزمون ما أمرتم به. وفّقكم الله وأرشدكم أجمعين. وكتب جوهر القائد هذا [٣٦١ أ] الأمان بخطّه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وصلّى الله على محمد النبيّ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين الأخيار. وفي آخره: قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين: كتبت هذا الأمان على ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه. وعليّ الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم، على ما شرطت فيه. والحمد لله ربّ العالمين، وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمّد وعلى آله الطيّبين. وكتب جوهر بخطّه، وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم: أبو جعفر مسلّم بن عبيد الله الحسينيّ، وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ الحسينيّ، وأبو الطيّب العبّاس بن أحمد الهاشميّ، والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد، وابنه أبو يعلى محمد بن محمّد، ومحمّد بن مهلّب بن محمد (١)، وعمرو بن الحارث بن محمد. [رفض الإخشيديّة للاتّفاق] وأخذ منه أبو جعفر مسلّم كتابا إلى جماعة، منهم الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. وأجاز جوهر الجماعة وحملهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلّم منه شيئا، وطعم الجماعة عنده معه وودّعوه وانصرفوا. فبلغهم أنّ الجماعة بمصر قد نقضوا الصلح فأسرعوا في الانصراف. وبلغ ذلك جوهرا فأدركهم بمحلّة حفص، وقال لهم: قد بلغني أنّ القوم قد نقضوا الصلح، فردّوا عليّ أماني! فرفقوا به. فقال لأبي طاهر: يا قاضي، ما تقول في هذه المسألة؟ فقال: ما هي؟ قال: ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي إلى الجهاد، ويقاتل الروم فمنع؟ أليس له قتالهم؟ فقال القاضي: نعم. فقال جوهر: وحلال قتالهم؟ قال: نعم.

стр. 983

فسارع عبد العزيز بن هيج الكلابي (١) من عسكر جوهر، فدخل الفيّوم وأقام الدعوة، ففرّ منه مبشّر الإخشيديّ إلى الفسطاط. ووافى الشريف مسلّم والجماعة من عند جوهر في ثامن شعبان ونزل بداره فأتاه الناس [و] فيهم الوزير ابن الفرات، فقرأ عليهم كتاب جوهر، وأوصل إلى ابن الفرات وغيره كتبهم، فامتنع الإخشيديّة والكافوريّة، وقال فرح البجكمي (٢): لو جاءنا يا شريف جدّك محمد ﷺ بهذا ضربنا وجهه بالسيف! فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال لهم: أنتم سألتم الشريف في [٣٦٢ أ] هذه الرسالة، فلم يقنع حتّى أخذ معه أبا إسماعيل، وهو حسنيّ، وأخذ معه قاضي المسلمين، وأخذ رجلا عبّاسيّا. هذا وأبو جعفر مسلّم ساكت لم يزد على أكثر من قوله: خار الله لكم! واشتغل بمساررة ابن الفرات، والكافوريّة مع الإخشيديّة في خوض، وقالوا كلّهم: ما بيننا وبين جوهر إلّا السيف! فقال أبو منحل: فتكون حرب بغير أمير؟ فقالوا: هو كذلك. فقال: ترضون بمن أرضى؟ فقالوا: نعم. فقام قائما واستقبل نحرير شويزان (٣)، وقال: السلام عليك أيّها الأمير! وقاموا كلّهم فسلّموا عليه وخرجوا يحجبو [ن] هـ إلى داره. فانعقد له الأمر، وأحمد ابن الأمير عليّ بن الإخشيد لا يفكّر فيه ولا يعتدّ به. واستعدّ القوم للقتال وساروا في عاشره، ونزلوا بالجزيرة وضبطوا الجسرين. فلمّا رأى ذلك جوهر عاد إلى منية شلقان (٤) ليعبر من هناك، وبعث جعفر بن فلاح لاستقبال المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها. فبعث الإخشيديّة نحرير الأزغلي ويمن الطويل ومبشّر [الإخشيديّ] وبلال الطائيّ في خلق ليمنعوا جوهرا من العبور (٥)، فابتدأ القتال في يوم الخميس حادي عشر شعبان. فقتل من المصريّين خلق كثير. وانصرف الناس عشيّة الأحد النصف من شعبان [سنة ٣٥٨]. فلمّا كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم وأصبحوا غازين إلى الشام. وكان ممّن قتل: نحرير الأزغليّ، ومبشّر [٣٠٩ أ] الإخشيديّ، ويمن الطويل، وبلال الطائي في خلائق. فلمّا كان يوم الاثنين اجتمع أحمد بن محمد الروذباري الكاتب (٦)، وعبد الله بن أحمد

стр. 984

الفرغاني (١) وغير [هم] من الوجوه عند الشريف أبي جعفر مسلّم وسألوه أن يكتب إلى جوهر في إعادة الأمان، فكتب كتابا بإملاء الروذباري وبعثه. وكتب مع غلامه سعادة الأسود كتابا آخر، وجلس الناس عنده لانتظار الأمان نهارهم. فطاف عليّ بن الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة ومعه رسول لجوهر، ومعه جابر بن محمّد الداعي، ومعهم بند عليه [اسم] المعزّ لدين الله، وبين أيديهما الأجراس، بأن لا مؤنة ولا كلفة، وأمّن الناس. وكان جابر قد فرّق البنود التي عنده فنشر كلّ من عنده بند [بنده] في دربه. فلمّا كان وقت العصر وافى سعادة بجواب جوهر، ونصّه بعد البسملة: [عهد جديد من جوهر إلى الشريف الحسينيّ] وصل كتاب الشريف الجليل، أطال [٣٦٢ ب] الله بقاءه وأدام عزّه وتأييده وعلوّه، فهو المهنّأ بما هنّأ به من الفتح الميمون. ووقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأوّل، وقد أعدته على حاله، وجعلت إلى الشريف، أيّده الله، أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحبّ، ويزيد على ما كتبته كيف شاء، فهو أماني وعن إذني وإذن مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد كتبت إلى الوزير أيّده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة. ويعمل الشريف أيّده الله على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان [سنة ٣٥٨]. فاستبشر الجماعة وعملوا على الغدوّ إلى الجيزة. ثمّ سأل الشريف غلامه عمّن قتل فقال: نحرير الأزغلي، ومبشّر الإخشيديّ، ويمن الطويل وبلال. فقال له: [أ] تدري ويلك ما تقول؟ فقال: رأيت رءوسهم في طشت فضّة. فقال له: ومن؟ فقال: وخلق كثير قد جمعت رءوسهم. فبات الناس على هدوء وطمأنينة. ولمّا كان في غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان، خرج الشريف أبو جعفر مسلّم والوزير أبو الفضل جعفر ابن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة، وأهل العلم، والشهود، ووجوه التجّار والرعيّة إلى الجيزة. فلمّا تكامل الناس أقبل القائد جوهر في عساكره، فصاح بعض حجّابه: الأرض، إلّا الشريف والوزير! وتقدّم الناس، وأبو جعفر أحمد بن نصر التاجر يعرّفه بالناس واحدا واحدا. فلمّا فرغوا من السلام عليه مضى إلى فسطاطه فأقام إلى أن زالت الشمس. [ف] سارت العساكر وعبرت الجسر أفواجا أفواجا ومعهم صناديق المال على البغال وأقبلت القباب. ثمّ جاء القائد جوهر في حلّة مذهّبة مثقل [ة] تحفّ به فرسانه ورجّالته، ومدّ العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم به المعزّ، وهو موضع القاهرة. فلمّا استقرّت به الدار جاءته الألطاف والهدايا، فلم يقبل من أحد شيئا، إلّا طعام الشريف مسلّم وحده. فلمّا أصبح أنفذ عليّ بن الوليد قاضي عسكره، وبين يديه أحمال مال، ومناد ينادي: من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر أحمد بن نصر! فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصار بهم إلى الجامع العتيق وفرّق فيهم.

стр. 985

[أوّل دعاء للمعزّ في صلاة الجمعة] [٣٦٣ أ] فلمّا كان يوم الجمعة التالي لدخوله وهو لعشر بقين من شعبان [سنة ٣٥٨] سار جعفر (١) ابن القائد جوهر في عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب للناس هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر العبّاسي (٢) ببياض حتّى بلغ إلى الدعاء [ف] قرأ من رقعة ما نصّه: اللهمّ صلّ على عبدك ووليّك ثمرة النبوّة وسليل السادة المهديّة عبدك معدّ أبي تميم المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، كما صلّيت على آبائه الطاهرين، وأسلافه الأئمّة الراشدين. اللهمّ ارفع درجته وأعل كلمته، وأوضح حجّته، واجمع الأمّة على طاعته، والقلوب على موالاته ومحبّته، واجعل الرشاد في موافقته، وورّثه [٣٠٩ ب] مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادى الأمور وعواقبها، فإنّك تقول، وقولك الحقّ: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]. فلقد امتعض لدينك ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد في سبيلك، وانقطع من الحجّ إلى بيتك، وزيارة قبر رسولك ﷺ ، فأعدّ للجهاد عدّته، وأخذ لكلّ خطب أهبته، فسيّر الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل المجهود في مرضاتك، فارتدع الجاهل وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل. فانصر اللهمّ جيوشه التي سيّرها، وسراياه التي انتدبها لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذبّ عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرمين، وإزالة الباطل، وبسط العدل في الأمم. اللهمّ فاجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية عليه. [الدينار المعزّيّ] ومن الغد أمر جوهر بفتح دار الضرب، وضرب السكّة الحمراء ونقشها: دعا الإمام معدّ، لتوحيد الإله الصمد، في سطر. وفي السطر الآخر: المعزّ لدين الله أمير المؤمنين. وفي السطر الثالث: ضرب هذا الدينار بمصر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وفي الوجه الآخر: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أرسله بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، [التوبة: ٣٣] عليّ أفضل الوصيّين ووزير خير المرسلين. وجلد متزانيين وطاف بهما وظهر المرأة مكشوف. وكاتب مزاحم بن محمّد بن رائق (٣)، وكان قد

стр. 986

سافر فيمن سار يريد الشّام، فرجع عن الحوف في عسكر كبير. [هلال رمضان: رؤية أم حساب ؟ ] وفي هذا الشهر ابتدأ بنيان القصر وبنى المصلّى الذي للعيد. وأفطر جوهر [٣٦٣ ب] في عيد الفطر على عدد بغير رؤية، وصلّى صلاة العيد بالقاهرة صلّى به عليّ بن الوليد الإشبيليّ قاضي عسكره وخطب. ولم يصلّ أهل مصر وصلّوا من الغد في الجامع العتيق، وفيهم القاضي أبو طاهر، وكان قد التمس الهلال على عادته في سطح الجامع فلم يره، فلمّا بلغ ذلك جوهرا أنكره وعاتب عليه وتهدّد فيه. وجلس للمظالم في كلّ يوم سبت، ثمّ ردّ المظالم إلى أبي عيسى مرشد (١). وصرف عليّ بن الحسين عن الشرطة، وردّها إلى شبل المعرضي وإلى ابن غزويه المغربيّ (٢). وأشرك بين عليّ بن يحيى بن العرمرم وبين رجاء بن صولات في الخراج. وأشرك بين محمد بن أحمد الشذائيّ وبين موسى بن الحسين الدنهاجي في ديوان الضياع الإخشيديّة. وأشرك بين محمد بن سالم وبين أبي اليمن قزمان ابن مينا في الضياع الكافوريّة. ووردت كتب الإخشيديّة والكافوريّة من الشام بطلب الأمان فأمّنهم ووافى منهم في ذي الحجّة ستّة آلاف، فأنزلهم جوهر خارج القاهرة. وفي يوم الجمعة ثامن ذي القعدة [سنة ٣٥٨] زيد في الخطبة: اللهمّ صلّ على النبيّ محمّد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهّرتهم تطهيرا. اللهمّ صلّ على الأئمّة الراشدين، آباء أمير المؤمنين الهادين المهديّين. ونودي على التوابيت في الجامع العتيق برفع البراطيل (٣)، وقائم الشرطتين، وكذلك نودي في سائر البلد. وورد الخبر بقدوم الفرامطة إلى الرملة. وقدم كتاب المعزّ لدين الله من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشّر ويمن وبلال. وفي ذي الحجّة فرّ فاتك الهيكليّ (٤) إلى الشام. وبلغ جوهرا أنّ المستأمنة من الإخشيديّة والكافوريّة قد عزموا على القيام. فحضر جنازة (٥) في خامسه [سنة ٣٥٨] وانصرف منها وهم معه، فلمّا بلغ باب القصر من القاهرة قال للإخشيديّة والكافوريّة: «انزلوا! » فنزلوا، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم، واعتقلهم ستّة أشهر حتى سيّرهم إلى المعزّ بالمغرب مع الهديّة. وقبض على أموال نحرير الأزغلي وغيره.

стр. 987

ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. فضرب أعناق جماعة وصلبهم. وندب جعفر بن فلاح لأخذ الشام فسار في ثاني عشر المحرّم [سنة ٣٥٩] وملك الرملة [٣١٠ أ]، وبعث الحسن بنعبيد الله بن طغج وجماعة في القيود. [٣٦٥ أ] وبعث عليّ بن عقيانان (١) إلى الصعيد في البرّ وعلي بن محمّد الخازن في البحر. وفي ربيع الأوّل قبض على دوابّ الإخشيديّة والكافوريّة وصرفهم مشاة وأمرهم بطلب المعيشة، وتعذّر الخبز لغلاء السعر فضرب جماعة من الطحّانين وطيف بهم. [إقامة الطقوس الشيعيّة] وفي يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى [سنة ٣٥٩] صلّى في جامع أحمد بن طولون، وخطب به عبد السميع بن عمر العبّاسي بقلنسوة وشي وطيلسان وشي، وأذّن المؤذّنون [ب] حيّ على خير العمل، وهو أوّل ما أذّن به في مصر، وصلّى به عبد السميع، فقرأ سورة الجمعة وإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ [المنافقون: ١]، وقنت (٢) في الركعة الثانية، وانحطّ ساجدا ونسي أن يركع، فصاح به عليّ بن الوليد قاضي عسكر جوهر: بطلت الصلاة! أعد ظهرا أربع ركعات! ثمّ أذّن ب «حيّ على خير العمل» في سائر مساجد العسكر. وأنكر جوهر على عبد السميع أنّه لم يقرأ البسملة في كلّ سورة، ولا قرأها في الخطبة، فصلّى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك. وكان عبد السميع قد دعا لجوهر في الخطبة، فأنكر جوهر عليه ومنعه من الدعاء له. وقبض على الأحباس من يد القاضي أبي طاهر وردّها إلى غيره. ولأربع بقين منه [من جمادى الأولى سنة ٣٥٩] أذّن في الجامع العتيق ب «حيّ على خير العمل»، وجهروا فيه بالبسملة في الصلاة، وكانوا لا يفعلون ذلك بمصر. [أحكام المواريث عندهم] وأمر في المواريث بالردّ على ذوي الأرحام، وأن لا يرث مع البنت أخ ولا أخت، ولا عمّ ولا جدّ، ولا ابن أخ ولا ابن عمّ، ولا يرث مع الولد، ذكرا كان أو أنثى، إلّا الزوج والزوجة، والأبوان والجدّة، ولا يرث مع الأمّ إلّا من يرث مع الولد. وخاطب أبو الطاهر القاضي جوهرا في بنت وأخ، وأنّه قد كان حكم قديما للبنت بالنصف وللأخ بالباقي، فقال: «ما أفعل؟ » فلمّا ألحّ عليه قال: «يا قاضي، هذه عداوة لفاطمة ﵍! ». فأمسك أبو طاهر ولم يراجعه بعد ذلك (٣). وأشار الشهود على القاضي أبي الطاهر أن لا يطلب الهلال لأنّ الصوم والفطر على الرؤية قد زال، فانقطع طلب الهلال. وصام القاضي في هذه السنة مع القائد جوهر كما يصوم، وأفطر كما يفطر. ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة [سنة ٣٥٩] أنفذ جوهر ابنه جعفر بن جوهر بهديّة إلى المعزّ فيها: تسع وتسعون بختيّة. وإحدى وعشرون قبّة بأجلّة الديباج المنسوجة بالذهب، ومناطق الذهب [٣٦٤ أ] المكلّلة بالجوهر.

стр. 988

ومائة وعشرون جم [لا] عراب [ا]. وستّة وخمسون جلّا. وثمان وأربعون دابّة منها بغلة واحدة وسبعة وأربعون فرسا عليها أجلّة الديباج المنقوش، والسروج على جميعها أصناف الحلية من الذهب، ومنها ما هو من الفضّة مموّه بالذهب، ولجمها منها ما هو بالذهب ومنها ما هو بالفضّة مموّه بالذهب. وعودان عظيمان من عود كأطول ما يكون من الصواري، كان جوهر قد وجدهما فيما وجد لنحرير الأزغلي. وأنفذ مع هذه الهديّة جماعة من قوّاد الإخشيديّة وقوّاد الكافوريّة ومن أنفذه جعفر بن فلاح من الشام، وهم: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وجعفر بن غزوان صاحب القرامطة، وفاتك الهيكليّ (١)، والحسن بن جابر الرياحيّ كاتب الحسن بن عبيد الله، ونحرير شويزان (٢)، ومفلح الوهباني، ودرّيّ الخازن، ودرامك، ومتلغ التركيّ الكافوريّ، وأبو منجل، وجكل الإخشيديّ، وفرح البجكميّ، ولؤلؤ الطويل، وفتك الخادم. فخرجوا في القيود وساروا إلى رشيد، ففكّت قيودهم هناك، وأركبوا المحامل في البرّ إلى القيروان. [٣٦٥ أ] ومنع جوهر من الدينار الأبيض، وكان بعشرة دراهم، وأمر أن يجعل الدينار الراضيّ- وهو الذي عليه اسم الخليفة الراضي بالله، محمد ابن المقتدر العبّاسيّ- بخمسة عشر [٣١٠ ب] درهما، والدينار المعزّيّ بخمسة وعشرين درهما (٣) ونصف. فلم يرض الناس بذلك، فردّ الأبيض إلى ستّة دراهم فتلف بعد ذلك إلى آخر الدهر وافتقر خلق كثير. وضرب أعناق عدّة من الإخشيديّة والكافوريّة وصلبهم عند كرسيّ (٤) الجسر، فأقاموا إلى أن دخل المعزّ إلى مصر. وفي ذي الحجّة أنفذ عسكرا وعشرين حمل مال وأحمال متاع إلى الحرمين مكّة والمدينة. [تدخّل جوهر في أحكام السوق] وفي المحرّم سنة ستّين وثلاثمائة اشتدّت الأمراض والوباء بمصر والقاهرة، ومنع جوهر من بيع الشواء إلّا بعد سلخ الغنم، وكان يباع مسموطا بجلده. وفي جمادى الآخرة نقل [٣٦٥ ب] مجلس المظالم عن يوم السبت إلى يوم الأحد، وأطلق لأصحاب الراتب ألف دينار فرّقت فيهم. وورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم القرمطي إلى دمشق. وقتل جعفر بن فلاح، واستيلاء القرامطة على دمشق، وقصدهم مصر.

стр. 989

فتأهّب جوهر لقتالهم، وحفر خندقا وعمل عليه بابين من حديد، وبنى القنطرة على الخليج ظاهر القاهرة، وحفر خندق السريّ بن الحكم وفرّق السلاح على العساكر، فوجد رقاعا في الجامع العتيق فيها التحذير منه، فجمع الناس ووبّخهم فاعتذروا له فقبل عذرهم. [القرامطة يحاصرون القاهرة] ونزل القرامطة عين شمس في المحرّم سنة إحدى وستّين، فاستعدّ جوهر وضبط الداخل والخارج. وفي مستهلّ ربيع الأوّل [سنة ٣٦١] (١) التحمالقتال بين القرامطة وبينه على باب القاهرة، فقتل من الفريقين جماعة وأسر كثير. ثمّ استراحوا في ثانيه والتقوا في ثالثه فاقتتلوا قتالا كثيرا قتل فيه ما شاء الله من الخلق، وانهزم القرمطيّ يوم الأحد ثالث ربيع الأوّل، ونهب سواده ومرّ على طريق القلزم. ونودي في مدينة مصر: من جاء بالقرمطيّ أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم وخمسون خلعة وخمسون سرج [ا] محلّى على دوابّها وثلاث جوائز. وقبض جوهر على تسعمائة رجل من جند مصر في ساعة واحدة وقيّدهم وسجنهم بالقاهرة في دار. ووجد عدّة ودائع لقوّاد الإخشيديّة فأخذها. ورفع المعاملة بالدنانير المتقيّة- وهي التي عليها اسم المتّقي لله إبراهيم بن المقتدر العبّاسيّ- وجعل قيمة الدينار الأبيض ثمانية دراهم. وأمر ألّا يظهر يهوديّ إلّا بغيار، فاعتمد ذلك. وفي شعبان منها [سنة ٣٦١] دخل أبو محمود إبراهيم بن جعفر [بن فلاح] الرملة (٢). وفيه مرض الشريف أبو جعفر مسلّم، فأرسل إليه القائد جوهر ابنه حسينا لعيادته. [الفراغ من بناء الأزهر] ولسبع خلون من رمضان [سنة ٣٦١] فرغ القائد جوهر من بناء الجامع بالقاهرة (٣)، وجمعت فيه الجمعة. وفي شوّال ابتدأ القائد جوهر بحفر الخندق بالقرافة، وبدأ به من بركة الحبش وألقى الأموات حتى بلغ إلى قبر الشافعي، فعدل به عنه، ثمّ شقّ شرقا إلى الجبل على المقابر إلى قبر كافور الإخشيديّ ليحفظ طريق مصر من العجّ (٤) حتى لا يرد أحد من القلزم. وفي ربيع الآخر سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة تواترت الأخبار بقدوم المعزّ لدين الله إلى مصر، فتأهّب جوهر وأخذ في عمارة القصر. وفي أوّل رجب [سنة ٣٦٢] تقدّم إلى الناس بلقاء المعزّ فخرجوا في ثامنه. وقدم المعزّ في سابع رمضان، فنزل قصره من القاهرة وجلس على سريره الذهب في الإيوان، وجوهر قائم بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم حتّى انقضى السلام. ومضى وأقبل بهديّته، وهي: من الخيل مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة منها بذهب، ومنها مرصّع، ومنها معنبر. وإحد [ى] وثلاثون ناقة من البخاتي عليها

стр. 990

قباب بالثياب الديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل. وتسع نوق مجنوبة مزيّنة بمثقل، وثلاثة وثلاثون بغلا منها [٣٦٦ أ] سبعة مسرجة ملجمة، ومائة وثلاثون بغلا للحمل، وتسعون نجيبا، وأربعة صناديق مشبكة [٣١١ أ] يرى ما فيها، وتحتوي على أواني ذهب وفضّة، ومائة سيف محلّى بذهب وفضّة، ودرجان من فضّة مخرّقة فيهما جوهر، وشاشية مرصّعة في غلاف، وتسعمائة ما بين سفط وتخت فيها سائر ما أعدّه من ذخائر مصر. ولمّا خطب المعزّ يوم العيد كان جوهر معه على المنبر. وخلع عليه في سابع شوّال [سنة ٣٦٢] خلعة مذهّبة وعمامة حمراء، وقلّده سيفا، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة، وحمل بين يديه خمسين ألف دينار ومائتي ألف درهم وثمانين تخت ثياب. وكان إذا ركب المعزّ سار خلفه. [عزل جوهر] واستقرّ خليفة للمعزّ بديار مصر يحكم في القاهرة ومصر. ثمّ صرفه عن الخراج في سادس عشر المحرّم سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة (١)، فكانت مدّة تدبير أمور مصر أربع [سنين] وعشرين يوما ما صدر عنه فيما يخطّه توقيع ملحون. وأقام بالقاهرة حتى مات المعزّ في ربيع الآخر سنة خمس وستّين [وثلاثمائة]. [خروجه لمحاربة القرامطة بالشام] واستخلف بعده ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار، فانتدبه إلى الخروج إلى الشام وحمل إليه خزائن السلاح والأموال. وسار من القاهرة في عسكر لم يخرج إلى الشام قبله مثله، بلغت عدّتهم عشرين ألفا. فبلغ هفتكين الشرابيّ وهو على عكّا مسير جوهر، والقرامطة على الرملة، فولّت القرامطة منهزمين عجزا عن مقاومته، وسار هفتكين من عكّا إلى طبريّة، ونزل جوهر الرملة. فدخل هفتكين إلى دمشق، وجوهر في إثره إلى أن نزل بين داريا وبين الشماسيّة ظاهر دمشق يوم الأحد لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وستّين وثلاثمائة، وحفر على عسكره خندقا عظيما وجعل له أبوابا وبنى البيوت من داخل الخندق، وكان قد انضمّ إليه ظالم بن مرهوب العقيليّ، فأنزله خارج الخندق. وجمع هفتكين الدعّار وحمّال السلاح من عوامّ دمشق، وقدّم عليهم قسّام النّسّاط الترّاب (٢)، وأجرى له الأرزاق وأخرجه إلى قتال جوهر، فاستمرّت الحرب بين جوهر وهفتكين من يوم عرفة، فجرى بينهم اثنتا عشرة وقعة إلى سلخ ذي الحجّة [سنة ٣٦٥]، ولم تزل الحرب إلى يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، فانهزم هفتكين وعزم على الفرار إلى أنطاكية (٣). ثم ثبت عند ما بلغه قدوم الحسن بن أحمد القرمطي إليه، فاستظهر. وبلغ ذلك جوهرا

стр. 991

فدعا إلى الصلح، وكان الشتاء قد هجم عليه، وهلك أكثر ما معه من الكراع، وصار معظم أصحابه رجّال [ة] بغير خيل، وقلّت العلوفات عنده واشتدّ وقوع الثلوج [٣٦٦ ب]. فامتنع هفتكين من إجابته ثمّ أذعن وأنفذ إلى جوهر بجمال. ورحل عن دمشق بعد ما أحرق ما عجز عن حمله من الخزائن والأسلحة. وسار يوم الخميس ثالث جمادى الأولى مجدّا لخوفه أن يدركه القرمطيّ، فهلك كثير من عسكره لشدّة الثلج، وأخذ القرمطيّ يسير خلفه من طبريّة إلى الرملة فتحصّن جوهر بزيتون الرملة، وخرج هفتكين من دمشق ولحق بالقرامطة واجتمعوا على قتال جوهر. فجرت بينهم حروب طويلة شديدة آلت إلى التجاء جوهر إلى عسقلان، وقد فني معظم عسكره ونهبت أثقاله. فنزل هفتكين عليه وحصره حتى بلغمنه الجهد الشديد، وغلت عنده الأسعار بعسقلان، فبلغ قفيز القنح أربعين دينارا، وتنكّر عليه من معه من الكتاميّين واحتقروه وتنقّصوه وشتموه. وكانوا قبل ذلك قد تخاذلوا ولم يصدقوا في القتال، وكايدوا القائد جوهرا، فضاقت بجوهر ومن معه الأرض ولاذ إلى الصلح. فبعث إليه هفتكين: إن أردت الخروج بمن معك فأنا أؤمّنك حتى تنصرف إلى صاحبك. فتعاقدوا على ذلك، وصالح هفتكين على مال، وخرج وقد، علّق هفتكين سيفه على باب عسقلان حتى يخرج جوهر ومن معه من تحت سيفه، فسار [٣١١ ب] إلى القاهرة، وقد بلغ العزيز ما هو فيه من الجهد، فبرز يريد السفر إلى الشام، فسار معه. وكانت مدّة قتال القرامطة وهفتكين لجوهر على الزيتون ظاهر الرملة وعلى عسقلان سبعة عشر شهرا. فلمّا قدم جوهر على العزيز وبلغه تخاذل الكتاميّين غضب من ذلك غضبا شديدا، وعذر جوهرا وأظهر أنّه قد تنكّر له وعزله عن الوزارة، وصيّر مكانه يعقوب بن كلّس. فلمّا فرغ العزيز من قتال هفتكين وعاد إلى القاهرة، لم يزل جوهر بها إلى أن مات يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت- وقيل بل مات لسبع بقين- من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. فبعث العزيز بالله إليه بالحنوط والكفن، وبعث إليه الأمير منصور ابن العزيز وبعثت إليه السيّدة العزيزيّة أيضا. فكفّن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشي مذهب، وصلّى عليه العزيز. وكان له من الولد حسين، وحسن، وأبو أحمد جعفر. فأمّا الحسين بن جوهر، فإنّ العزيز خلع عليه وجعله في مرتبة أبيه، وله ترجمة كبيرة في هذا الكتاب (١). وأمّا حسن، فإنّه مات بالمغرب وصلّى عليه المعزّ لدين الله في سنة ستّين وثلاثمائة. وأمّا أبو أحمد جعفر، فبعثه أبوه من القاهرة إلى المغرب بهديّته، وله ترجمة أيضا (٢). ولمّا مات جوهر لم يبق شاعر بمصر من أهلها، ولا طارئ غريب، إلّا رثاه ووصف ما أثره وما فتحه من البلاد شرقا وغربا. ١١٠٣ - جوهر الطواشي [- ٧٢١] (٣) [٣٦٧ أ] صفيّ الدين، أحد الخدّام المنصوريّة، قلاوون.

стр. 992

ترقّى في الخدم إلى أن صار مقدّم المماليك بعد [ ... ] وتحدّث في نظر أوقاف الخدّام بمدينة الرسول ﷺ . توفّي يوم [ ... ] سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وولي بعده الطواشي صفيّ الدين صواب الركني. وكان مهابا محترما تخافه المماليك السلطانيّة خوفا شديدا. ١١٠٤ - جوهر بن لؤلؤ المقرئ [- ٥٦٣] [٣٦٧ ب] جوهر بن لؤلؤ بن عبد الله الفرميّ، أبو الدرّ، المقرئ، ولد في [ ... ] وحدّث عن أبي بكر الطرطوشي [ ... ]. توفّي يوم الأربعاء الثالث والعشرين من المحرّم سنة ثلاث وستّين وخمسمائة. ١١٠٥ - جوهر [بن سكّوم] الجدالي (مؤسس دولة المرابطين) [- قبل ٤٦٠] (١) [٣٦٨ أ] أصله من قبيلة جداله إحد [ى] قبائل البربر في صحراء بلاد الغرب التي يخرج إليها من السوس الأقصى. وقدم مصر حاجّا في عشر الخمسين وأربعمائة، ومرّ في طريقه بالسوس الأقصى على رجل يقرأ عليه مذهب الإمام مالك وحديث النبيّ صلّىالله عليه وسلم. فسمع منه وأعجب به، فلمّا عاد من الحجّ إلى السوس قصد ذلك الفقيه (٢). فلمّا سمع كلامه قال له: يا فقيه، ما عندنا من هذا الذي تذكره شيء إلّا الشهادتين والصلاة. فقال له الفقيه: فاحمل معك من يعلّمهم عقائد الإسلام وكمال دينهم. قال: فابعث معي أحد الفقهاء، وعليّ حفظه وبرّه وإكرامه. فأرسل معه فقيها من طلبته، يقال له عبد الله بن ياسين [الجزوليّ]، فدخل الجوهر وعبد الله بن ياسين إلى الصحراء، وفيها قبائل، منهم لمتونة وجدالة ولمطة ومسوّفة وغيرهم، فنزلا على قبيلة لمتونة، وهي على ربوة عالية، فلمّا عاينا القبيلة نزل الجوهر عن جمله وأخذ بزمام الجمل الذي عليه عبد الله بن ياسين، تعظيما له. وأقبلت أعيان لمتونة يتلقّون الجوهر الجدالي ليهنّئوه- كما جرت العادة- بالسلامة، وكان من أكابر تلك الصحراء. فرأوه يقود ذلك الجمل، فقالوا له: من هذا؟ فقال: حامل سنّة رسول الله ﷺ ، قد جاء يعلّم أهل الصحراء ما يلزمهم في دين الله من الإسلام. فرحّبوا بهما وأنزلوهما، ثمّ اجتمعت طائفة كبيرة من تلك القبيلة، وقالوا: تذكر لنا ما أشرت إليه أنّه يلزمنا. فقصّ عليهم عبد الله عقائد [٣١٢ أ] الإسلام وقواعده وبيّن لهم، حتّى فهم ذلك أكثرهم. ثمّ اقتضاهم الجواب فقالوا: أمّا ما ذكرت من الصلاة والزكاة، فذلك أمره قريب. وأمّا قولك: من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنى يجلد، فأمر لا

стр. 993

نلتزمه، ولا ندخل تحته. اذهب إلى غيرنا! فرحل (١) الجوهر وعبد الله، والجوهر الجدّالي يجرّ زمام الجمل بعبد الله بن ياسين، فنظر إليه شيخ كبير السنّ من لمتونة، فقال: أرأيتم هذا الجمل؟ لا بدّ أن يكون له في هذه الصحراء شأن يذكر في العالم. وانتهوا إلى جدالة قبيلة الجوهر، فتكلّم عبد الله بن ياسين فيهم وفيمن اتّصل بهم من القبائل. فمنهم من سمع وأطاع، ومنهم من أعرض وعصى. ثمّ إنّ المخالفين لهم تحيّزوا وتحزّبوا. فقال عبد الله بن ياسين للّذين [٣٦٨ ب] أقبلوا عليه وقبلوا سنّة الإسلام: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء المخالفين للحقّ، الذين أنكروا دين الإسلام واستعدّوا لقتالكم. فألّفوا لكم حزبا وأقيموا لكم راية، وقدّموا عليكم أميرا. فقال الجوهر: أنت الأمير. قال عبد الله: لا يمكنني هذا، إنّما أنا حامل أمانة الشرع وأقصّ عليكم نصوصه، وأبيّن لكم طريقه، وأعرّفكم سلوكه، ولكن كن أنت الأمير! فقال الجوهر: لو فعلت هذا لتسلّط قبيلي على الناس وعاثوا في الصحراء، ويكون وزر ذلك عليّ. فقال عبد الله بن ياسين: فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها يفعل ذلك. فأجاب، فعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام، وتبعته زمرة من قومه وسمّاه عبد الله بن ياسين أمير المسلمين، وعادوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن من الطوائف الذين حسن إسلامهم وسمّاهم عبد الله «المرابطين». وتألّبت عليهم أحزاب من الصحراء معاندون، فحصروهم وهم ما ينيف على ألفي رجل من أهل الشرّ والفساد (٢). وتركوهم أيّاما بغير طعام. ثمّ أخرجوهم شيئا بعد شيء وقتلوهم عن آخرهم، ومن ذلك الوقت دانت لهم أكثر القبائل واستقام خلق كثير. ولمّا ولي الأمر أبو بكر بن عمر استبدّ به دون الجوهر، فداخل الجوهر الحسد وشرع في فساد الأمر سرّا. فعلم ذلك، وعقد له مجلسا، فثبت عليه ماذكر عنه، فحكم فيه بأنّه يجب عليه القتل، لأنّه نكث البيعة وشقّ العصا وهمّ بمحاربة أهل الحقّ. فقال الجوهر: «وأنا أيضا أحبّ لقاء الله حتى أرى ما عنده»، فاغتسل وصلّى ركعتين وتقدّم فضربت عنقه. ثمّ كثرت طائفة المرابطين، وساروا لقتال الفرنج فقتل عبد الله بن ياسين (٣)، وذلك في عشر الستّين وأربعمائة. ثمّ جمع أبو بكر بن عمر قبائل السوس حتّى أخذ مدينة سجلماسة، وولّى عليها يوسف بن تاشفين اللمتونيّ، من بني عمّه، وعهد إليه من بعده. فلمّا مات أبو بكر، خلفه يوسف بن تاشفين، ودعي بأمير المسلمين. فافتتح بلاد المغرب شرقا وغربا بأيسر سعي، وبنى مدينة مرّاكش. ثمّ أخذ المعتمد بن عبّاد ملك الأندلس. ثمّ مات (٤) فقام من بعده ابنه عليّ بن يوسف، ثمّ إسحاق بن عليّ بن يوسف. وقتل إسحاق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وانقضت دولة الملثّمين التي أقامها الجوهر الجدالي بقيام دولة

стр. 994

الموحّدين على يد محمد بن تومرت. ١١٠٦ - جيش بن خمارويه [- ٢٨٣] (١) جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، الأمير أبو [العساكر]، ابن الأمير أبي الجيش، ابن الأمير أبي العبّاس. كان مع أبيه بدمشق، فلمّا قتل أبوه كما ذكر في ترجمته (٢) بويع جيش- وكان أكبر أولاد أبيه- في يوم الأحد لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فسار إلى مصر ودخلها. فاشتملت عليه طائفة من الجند وحملوه على أمور قبيحة، وكان صبيّا أخرق، لم يؤدّبه الزمان ولا حنّكته التجارب. فأقبل على اللهو والشرب مع الصفاعنة (٣) وأوباش من عامّة العيّارين الذين يحملون الحجارة الثقال والعمد الحديد ويعانون [٣١٢ ب] الصراع، وجعلهم بطانته وندماءه، وأعرض عن قوّاد أبيه، وكلّهم أمراء يرون أنفسهم أحقّ بالتقدّم من أبيه. ثمّ صار مع ذلك إذا سكر يقول لبطانته: «يا فلان، غدا أقلّدك موضع فلان، وغدا أهب لك داره وأسوّغك نعمته، فأنت أحقّ بها من هؤلاء الكلاب» (٤) - يعني أكابر غلمان أبيه- فيبلغهم ذلك. وزاد حتى صار يضرّب بين الرجّالة والفرسان. فانبسطت الألسنة فيه، وشكا بعض العسكر إلى بعض ما يلقون منه وتواعدوا عليه، فبلغه ما هم فيه، فلم يكتم أمره ولا تلافى حالهم، بل أعلن بما بلغه عنهم وتوعّدهم وقال: «لأطلقنّ الرجال عليهم ولأفعلنّ ولأفعلنّ! » فزادت نفرتهم منه. وخرج متنزّها إلى منية الأصبغ، ففرّ من عسكره محمد بن إسحاق بن كيداج، وخاقان المفلحيّ (٥)، ومحمد بن كمنجور بندقة وويذر (٦)، ومحمد بن قراطغان في ثلاثمائة رجل من وجوه قوّاده، ولحقوا بأمير المؤمنين المعتضد بالله من طريق إيلة على جبل السرّاة حتى وصلوا إلى الكوفة، وقد كادوا أن يهلكوا، فبعث المعتضد وتلقّاهم وأجزل جوائزهم وخلع عليهم. وبلغ فساد جيش وما هو عليه الأمير طغج بن جفّ، وهو على دمشق، والأمير أحمد بن طغان، وهو على الثغر الشاميّ، فخلعاه وأسقطا اسمه من الدعوة على منابر أعمالهما. فلم يكترث لذلك ولا تأثّر له، فطمع فيه من بقي من القوّاد وأجمعوا على خلعه، وركبوا بأجمعهم، وهجم عليه غلام خزري يقال له ترمش وقبض عليه. وأصبحوا يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فأحضروا الفقهاء والقوّاد وأحضروه ليسمعوا كلامه عساه يتوب ويتبرّأ ممّا فعل، فاعترف أنّه يعجز عن القيام [٤٠٥ ب] بتدبير الدولة، وأنّه قد جعل من له في عنقه بيعة في حلّ وسعة. فعمل بذلك محضر وخلعوه ونهبت داره

стр. 995

وأخذه الجند، وأحرقوا مصر ونهبوا الناس، وكان قد كثر حنق الجند على جيش، بحيث إنّ منهم من ترك الجنديّة وصار إمّا مزارعا أو تاجرا. فكانت أيّامه ستّة أشهر واثني عشر يوما، وسجن ثمّ أخرج بعد أيّام ميّتا. ١١٠٧ - جيش بن الصمصامة [- ٣٩٠] (١) [٤٠٥ ب] جيش بن الصمصامة القائد، أبو الفتوح [ ... ]. وقدم إلى القاهرة فيمن قدم إليها مع المعزّ. وخرج مع خاله أبي محمود إبراهيم بن جعفر بن فلاح (٢) إلى الشام، فولّاه مدينة دمشق لأيّام بقيت في ربيع الآخر سنة أربع وستّين وثلاثمائة (٣)، وقتال أهلها. فنزل عليها أيّاما، ثمّ عبر أصحابه إلى جهة باب الفراديس، فثار بهم أهل دمشق وقتلوا منهم، وساروا إلى جيش ففرّ منهم، وغنموا ما كان له. فأصبح جيش ونازل المدينة ومعه نفّاطون، فضرب مواضع بالنار، وقتل من قدر عليه، إلى أن أهلّ جمادى الأولى، فناصبه الناس وجدّوا في قتاله يوما خلف يوم من بكرة النهار إلى الليل، إلى أن صرف أبو محمود عن دمشق بريان الخادم (٤)، وسار إلى الرملة فسار معه. ثمّ لمّا قدم هفتكين الشرابي (٥) إلى دمشق وملكها، بعثه أبو محمود في نحو الألفين إلى دمشق، فسار حتى قرب من [ال] بثنيّة، وبها شبل (٦) بن معروف العقيلي في جمع من العرب، فقاتله وأسره وأسلمه إلى هفتكين، فأسلمه هفتكين إلى الدمستق ملك الروم، وهو يومئذ نازل على دمشق ينظر ما يجبي إليه أهلها من المال. فما زال عنده حتى رحل عن دمشق بالمال، ونزل طرابلس، فهلك في طريقه، ونجا جيش وسار إلى خاله أبي محمود، وقدم القاهرة. فأقام بها إلى أن ورد على العزيز كتاب منجوتكين بنزول بزيل ملك الروم على حلب، فسيّره على عسكر كثير في أوّل شهر رجب سنة خمس وثمانين وثلاثمائة إلى الشام (٧). فمات العزيز بعد [٣١٥ ب] قليل (٨)، وقام من بعده ابنه الحاكم بأمر الله، وصرف منجوتكين عن الشام بسلمان بن جعفر بن

стр. 996

فلاح (١). ثمّ عزل سلمان بن جعفر بعد تسعة أشهر بجيش بن الصمصامة. فسار من القاهرة في تاسع ذي القعدة سنة سبع وثمانين [وثلاثمائة]، ونزل على دمشق، بعد ما أقام بالرملة مدّة، في يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة ثمان وثمانين، وقدم إليه بشارة متولّي (٢) طبريّة، وسار بالعساكر إلى [أ] فامية (٣) يوم الاثنين رابع عشره وقد نازلها الروم، فقاتلهم قتالا كبيرا قتل فيه من الروم نحو خمسة آلاف، وانهزم باقيهم في يوم الثلاثاء لتسع بقين من رجب. ومضى جيش إلى نحو مرعش يحرق ويهدم ونزل على أنطاكية وبها الروم، وقاتلهم أيّاما، ثمّ سار إلى شيزر، وعاد إلى دمشق فنزل المزّة (٤) يوم الثلاثاء، لتسع بقين من ذي القعدة [سنة ٣٨٨]. ونزل بشارة القصر الذي بدمشق على أنّه ولي دمشق، فورد الكتاب من مصر باستقرار جيش على إمارة دمشق. وكانت دمشق قد خربت وقلّ ناسها وضعفوا، وثار قوم من الجهّال وصاروا يأخذون الخفارة من الناس، فكثرت أموالهم وركبوا الخيل، ومشت الرجّالة بين أيديهم وزاد عجبهم، وأظهروا أنّهم تحت طاعة السلطان وفي خدمته. فأمّنهم جيش ووعدهم بالأرزاق حتى اطمأنّوا إليه، فقبض عليهم وقيّدهم وحبسهم وشدّد العقوبة عليهم حتى استصفى أموالهم، وتتبّع من استتر منهم، وضرب أعناقهم، وصلبهم على أبواب المدينة حتى خلا البلد منهم. ثمّ طمع في بقيّة الناس من أهل المدينة والقرى وجبى [من] هم الأموال إلى [أن] شمل ضرره الكافّة فكثر الدعاء عليه، وهو يطرح الأموال على القرى وعلى أهل المدينة ويعدهم ببذل السيف فيهم. وبينا هو في ذلك؛ إذ ورد الخبر بمسير الروم إليه في طلب ثأرهم ب [أ] فامية، فجمع العربان وغيرهم وأنزلهم من حرستا إلى القابون (٥)، ونزل الروم على شيزر وقاتلوا أهلها وملكوها، ثم أخذوا مدينة حمص وسبوا وحرّقوا، وذلك في ذي الحجّة سنة تسع وثمانين [وثلاثمائة]- وهي دخلة الروم الثالثة [إلى] حمص- ثمّ ساروا إلى طرابلس ونازلوها مدّة ثمّ أفرجوا عنها، وتوجّهوا إلى الثغور الجزريّة. فاشتدّ بأس (٦) جيش عند رحيلهم وزاد [٤٠٦ ب] ضرره لأهل دمشق. وكان به طرف جذام فتزايد به حتى تمغّط شعره ورشح بدنه واسودّ. ثم امّحت سحنة وجهه وداد كلّه ونتن جميع جسده فصار يصيح: «ويحكم! اقتلوني! أريحوني! » إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة. وكان مقامه على دمشق ستّة عشر شهرا وستّة عشر يوما (٧). ووصل ابنه أبو عبد الله بتركته في جمادى الآخرة، ودفع درجا إلى ريدان الصقلبيّ حامل المظلّة، بخطّ أبيه جيش يتضمّن وصيّته، وتعيين ما خلّفه مفصّلا مشروحا، وفيه أنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، لا يستحقّ أحد

стр. 997

من أولاده في ذلك درهما واحدا فما فوقه، وتبلغ قيمة ذلك زيادة على مائتي ألف دينار ما بين عين ورحل ومتاع. فلمّا مثل أبو عبد الله بن جيش بحضرة الحاكم، قال ريدان بأنّ التركة كلّها قد حزتها وهي على البغال محمولة تحت القصر، واستأذن الحاكم فيمن يتسلّمها. فأخذ الحاكم منه الدرج وأوصله (١) إلى ابني جيش بن الصمصامة، وقال لهما بحضرة أوليائه ووجوه دولته: «قد وقفت على وصيّة أبيكما ﵀ من عين ومتاع ممّا وصّى به، فخذوه هنيئا مباركا لكما فيه»، وخلع عليهما فانصرفا بجميع التركة.

стр. 998

حرف الحاء

стр. 999

١١٠٨ - حاجّي بن محمد بن قلاوون [٧٣٢ - ٧٤٨] (١) [٤٠٧ أ] حاجّي بن محمد بن قلاوون، السلطان الملك المظفّر، سيف الدين، ابن الملك الناصر، ابن الملك المنصور. ولد وأبوه بالحجاز (٢) في [ ... ] سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بقلعة الجبل، ونشأ بها. [٣١٣ ب] فلمّا كانت آخر أيّام أخيه الكامل شعبان قبض عليه وسجنه في يوم السبت تاسع عشرين جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ومعه أخوه الحسين. وكانا قد انقطعا عن الخروج من حين قتل الكامل أخاهم يوسف بن محمد، فبعث الكامل إلى الأمير لاجين أمير جندار زوج أمّ حاجّي يأمره بطلاقها فطلّقها. فاشتدّ خوف حاجّي وحسين، وبعثا إلى أكابر الأمراء ليشفعوا لهما، فلم يقبل الكامل شفاعتهم. واشتهر عنه ذلك فتعصّب لهما طائفة من الأمراء وعدّة من المماليك السلطانيّة، وبعث الكامل فأخذهما وسجنهما في موضع بالقرب منه، وقد صاحت النساء وارتفعت أصواتهنّ بالعويل والبكاء. وخرجت أمّ حاجّي مكشوفة الوجه تصيح: «يا ولدي! »، فبكت المماليك لبكائها وهمّوا بعمل فتنة، إلّا أنّ الأمير أرغون العلائيّ تلطّف بهم حتّى كفّوا، وقد عزم الكامل أن يبني على أخيه حاجّي حائطا، فقدّر الله في يوم الاثنين أوّل جمادى الآخرة بركوب الأمراء وزوال دولة الكامل بسجنه حيث كان حاجّي مسجونا، وأخرج حاجّي منه، فقبّل الأمراء يده وخاطبوه بالسلطنة. واتّفق أنّه كان قد عمل السّماط ليقدّم بين يدي السلطان الملك الكامل على العادة، وعمل طعام حاجّي ليدخل به إليه في السجن، فوقعت الضجّة فركب الكامل قبل أن يأكل، فزالت دولته. وطلع الأمراء إلى قلعة الجبل وأجلسوا حاجّي على التخت، ولقّبوه بالملك المظفّر، وقدّموا الطعام بين يديه، وأكل هو والأمراء ما كان قد عمل (٣) للكامل، ودخلوا إلى الكامل في السجن بالطعام الذي عمل لحاجي وحسين ليأكلاه في السجن، فكان هذا من أغرب ما يتّعظ به العاقل في سرعة تقلّب الأحوال، وكان القائم بذلك من الأمراء ملكتمر الحجازيّ وأفرم الناصريّ وأرغون شاه. وأوّل ما عمل في دولته أن أخرج المال الذي كان عند الكامل، فوجد من الذهب مبلغ ثمانين ألف دينار، ومن الفضّة خمسمائة ألف درهم. ثمّ تسلّم أخاه الكامل وقتله، ويوم جلوسه حلف للأمراء أنّه لا يؤذيهم وحلفوا له على العادة. وكتب على يد الأمير بيغرا إلى نوّاب الشام بما وقع، وأنّه يحلّفهم للسلطان. وكتب إلى الأعمال بإعفاء الفلّاحين من المغارم، ورمى (٤) المال عليهم بحمل الشعير والبرسيم. وأخرج الأمير أرغون العلائيّ [٤٠٧ ب] إلى

стр. 1000

الإسكندريّة فسجن بها، وقبض على خدّام الكامل وخواصّه ليستخلص منهم الأموال التي أخذوها على قضاء أشغال الناس، وأحيط بموجودهم. وأنزلت أمّ الكامل من القلعة، وعرضت الجواري فبلغت عدّتهنّ خمسمائة جارية وأخرج منهنّ المعتوقات، وفرّق كثيرا من المملوكات في الأمراء، واستناب السلطان الأمير أرقطاي. وكان سعر القمح في الأيّام الكامليّة من خمسين درهما الإردبّ إلى خمسة وخمسين، فانحطّ إلى خمسة وثلاثين فما دونها. وكذلك الشعير والفول انحطّ سعرهما، ففرح الناس بالأيّام المظفّرية لوجود الرخاء، وإبطال المغارم والمضارب. وأظفر عفّة وميلا إلى الخير وقبولا للنصح. ثمّ إنّه أقبل على اللهو، وشغف بالنساء والغناء واللعب بالحمام. فكثر إنكار الأمراء والمماليك لذلك، فإنّه بلغت قيمة العصبة (١) التي على رأس حظيّته اتّفاق زيادة على مائة ألف دينار مصريّة، وبلغت النفقة على عمل حظير الحمام زيادة على سبعين ألف درهم فضّة. وأعطى حظيّته كيدة (٢) في مدّة شهرين خمسة وثلاثين ألف دينار، ومائتين وعشرين ألف درهم. وأنعم على عبد عليّ العوّاد بستّين ألف درهم، وعلى إسكندر [بن الكتيلة] الجنكي (٣) بأربعين ألف درهم. وصار يحضر أوباش العامّة إلى الدهشة (٤) بالقلعة، ويلعبون بين يديه لعب صبّاح. وأنعم عليهم بمائة ألف درهم. فبلغه إنكار الأمراء عليه على لسان الجيبغا المظفّري وطنيرق، وهما يومئذ أخصّ الناس به. فاشتدّ حنقه، وأخذ في ذبح الحمام، وهو يقول: والله لأذبحنّكم كما ذبحت هذا الحمام! وأغلق الدهشة، وأخذ في التدبير على الأمراء فقتل أقسنقر الناصري، وملكتمر الحجازي، وهما يومئذ أعظم أمراء الدولة. وقبض على قرابغا القاسميّ، وأيتمش وصمغار يوم الأحد تاسع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، فكان يوما مهولا، وأحاط بأموال الأمراء المذكورين، فأخذها جميعها، وأقبل على لهوه. ثمّ قتل بإشارة أغرلو الأمير الوزير نجم الدين محمود بن عليّ بن شروين، والأمير بيدمر البدري، والأمير ظغيتمر النجميّ، والأمير أرغون العلائيّ، والأمير قرابغا القاسميّ، وتمر الموساوي وصمغار وأيتمش عبد الغنيّ وغيرهم، فكانت عدّة من قتل في مدّة أربعين يوما أحدا وثلاثين أميرا. وفرّق كثيرا من المماليك في البلاد، وقبض على أولاد الأمراء. وأخرج من بقي من الأمراء إلى الصيد، وانهمك في شعبان في اللعب بالحمام، وأعاد لعب العبيد والغلمان عنده بالصراع والثقاف وجري السعاة. ونادى في الناس بإعادة اللعب بذلك، وصار يلبس ثيابا من الجلد [٤٠٨ أ] ويتصارع مع الأوباش، ثمّ يلعب معهم [لعب] صبّاح بالعصيّ، ويلعب بالرمح ثمّ بالكرة (٥)، فيكون نهاره في الدهشة مع العبيد السود والغلمان على ذلك، وليله على معاقرة الخمر وسماع الغناء.

стр. 1001

وشغف بجارية يقال لها كيدا حتى ألهته عن سواها، وأنعم عليها في دفعة واحدة بعشرين ألف دينار سوى الجواهر، وهي عظيمة القيمة، فقدم الأمراء من الصيد في أخريات شعبان، وقد ساءهم ما يبلغهم عن السلطان، فأخذ الأمير الجيبغا المظفّري والأمير طنيرق بدالّتهما عليه يعرّفانه ما ينكره الناس عليه من اللعب، فاشتدّ حنقه وهدم حظر الحمام وذبحها، ثمّ قال لألجيبغا وطنيرق: والله لأذبحنّكم كلّكم كما ذبحت هؤلاء! فقاما وقد عمل كلامه فيهما وأخذا يدبّران عليه، وراسلا طشتمر طلليّة، فواعد الأمراء والخاصّكيّة، وركبوا يوم الأحد ثاني عشر رمضان بآلة الحرب إلى قبّة النصر ظاهر القاهرة، فبادر السلطان وركب إليهم، ومعه طنيرق وشيخو، وأرغون الكامليّ، وطاز، فتسلّلوا عنه أميرا بعد أمير حتّى بقي في عدد قليل، فولّى يريد القلعة فأدركه بيبغا أروس والجيبغا في جماعة وأنزلوه عن فرسه، [و] بعد ما طعنه بيبغا أروس، ألقاه عن فرسه وضربه طنيرق بالطبر (١)، فجرح وجهه وأصابعه وأدخلوه تربة أقسنقر وذبحوه ذبحا في يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة ثمان [٤٠٨ ب] وأربعين وسبعمائة، فكانت مدّته سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوما. وأقيم بعده في السلطنة أخوه الناصر حسن بن محمد بن قلاوون. ١١٠٩ - أبو القاسم الفهريّ [- ٢٧٦] [٤٧٩ أ] الحارث بن الأبيض بن الأسود بن نافع بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، الفهريّ، أبو القاسم. رأى عبد الله بن وهب، وروى عن زيد بن بشر. توفّي بمصر في جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين ومائتين، بعد ما أسنّ. ١١١٠ - أبو الأسد الهمدانيّ [- ٢٥٦] (٢) [٤٧٩ أ] الحارث بن أسد بن معقل الهمدانيّ، أبو الأسد. يروي عن بشر بن بكر وغيره، روى عنه النسائيّ، وابن أبي داود، وابن جوصا، وإبراهيم بن ميمون الصوّاف العسكريّ، وهو آخر أصحابه. وثّقه النسائيّ. وتوفّي يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وخمسين ومائتين. ١١١١ - الحارث بن أسد الإفريقيّ [- ٢٠٨] (٣) [٤٧٩ أ] الحارث بن أسد، الإفريقيّ، صاحب مالك بن أنس. توفّي سنة ثمان ومائتين. ١١١٢ - الحارث بن أسد العتكيّ [- ٢٢٠] [٤٧٩ أ] الحارث بن أسد، العتكيّ، البصريّ، أبو عليّ. قدم مصر، حدّث عنه يحيى بن عثمان بن صالح.

стр. 1002

توفّي في ذي القعدة سنة عشرين ومائتين. ١١١٣ - الحارث بن العبّاس بن عبد المطّلب (١) [٤٨٠ أ] الحارث بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أبو فضل، ابن أبي الفضل، الهاشميّ. أمّه حجيلة بنت جندب بن الربيع الهذليّة. وقيل: بل أمّه أمّ ولد. ووجد عليه أبوه العبّاس فلحق بالزبير بن العوّام، وهو ببعض مغازيه، فانصرف به معه وكلّمه فيه، فرضي [٣١٤ ب] عنه. وقال هشام ابن الكلبيّ والهيثم بن عديّ: طرد العبّاس الحرث فأتى الشام، ثمّ صار إلى الزبير، فلمّا قدم الزبير قدم به معه وأتى به العبّاس. فلمّا رآه قال له: يا زبير، جئتني بأبي فضل؟ لا وصلتك رحم! نحّه عنّي! فمات العبّاس، وعمي الحارث بعده، فقال حين عمي: كلّا! زعمتم أنّه ليس أبي، وأنّي لست ابنه، وقد عميت كما عمي. ١١١٤ - الحارث بن مسكين [١٥٤ - ٢٥٠] (٢) [٤٨١ أ] الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، أبو عمر، مولى محمد بن زبان بن عبد العزيز بن مروان، فقيل: مولى عتاقة، وقيل: مولى إسلام. ولد سنة أربع وخمسين ومائة. ورأى الليث بن سعد وسأله عن العصير. فقال: هو حلال ما لم يهدر، فإذا هدر فلا خير فيه (٣). ليس له عن الليث غير هذه المسألة. ورأى المفضّل بن فضالة، وتخلّف سماعه، فروى عن سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، ودوّن أسمعتهم وعدّ في أكابر أصحابهم. وجمع كتابا فيما اتّفق فيه رأي ابن وهب وابن القاسم وأشهب. وروى عنه أبو داود والنسائيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصليّ، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن زياد بن حبيب، وعبد الرحمن بن أحمد بن محمّد بن رشدين بن سعد، وجماعة. وكان فقيها على مذهب مالك، ثقة في الحديث، ثبتا، عظيما في نفسه، حافظا لمذهبه، وهو أحد قضاة مصر، سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل قبل أن يلي القضاء فأثنى عليه خيرا، وقال إنّه رآه (قال): وما بلغني عنه إلّا خير. (قال): وكانوا يتساهلون في الأخذ عنه. وقال أبو حاتم: هو صدوق. وقال يحيى بن معين: لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة صدوق، وفي رواية: ثقة مأمون. وقال ابن وضّاح: هو ثقة الثقات. وقال ابن يونس: كان فقيها على مذهب مالك بن أنس، أخذ الفقه عن ابن القاسم وابن وهب، ورأى الليث بن سعد وسأله. وكان يجالس برد بن نجيح صاحب مالك. وقعد في حلقة برد

стр. 1003

بعد موته، وكان حمل مع من حمل من مصر في محنة القرآن، حمله المأمون، فأقام في السجن ببغداد إلى أن ولي المتوكّل، فأطلق جميع من كان في السجن، فخرج ورجع إلى مصر، وكتب إليه المتوكّل بعهده على القضاء. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: قال لي أحمد بن أبي دؤاد: يا أبا عبد الله، لقد قام حارثكم لله مقام الأنبياء- وكان ابن أبي دؤاد إذاذكره أحسن ذكره وأعظمه جدّا، وكان يكتب إلى ابن أبي الليث بالوصاة به. وقال أبو عمر الكندي: وكان مفتيا فقيها، حدّثني عاصم بن رازح قال: حدّثني بحر بن نصر [الخولانيّ] (١)، قال: عرفت الحارث أيّام ابن وهب على طريق وزهادة وورع وصدق لهجة حتّى مات. وقال أبو زكريّا [يحيى بن معين] (٢): الحارث بن مسكين خير من أصبغ [بن الفرج] (٣) وأفضل، وأفضل من عبد الله بن صالح كاتب الليث، وكان أصبغ أعلم خلق الله كلّهم برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة ومتى قالها [مالك] ومن خالفه فيها. وقال عبد الله بن عيسى بن عبد الله المرادي في كتابه «المسالك في تعريف أتباع الإمام مالك»: تقدّم الحارث على الأفراد، وساد على الأجواد، امتحن فصبر، واختبر فجاد وغفر، روى عنه كافّة المصريّين، وكان فقيها كبيرا، وله في المذهب مصنّفات منها كتاب كبير نحو ٤٨١ ب] من ثماني مجلّدات، وله «اختلاف الرواية عن أصحاب مالك» يكون في مجلّدين. وتفقّه بالمصريّين وأصحاب مالك. وقال الخطيب: كان ثبتا في الحديث، فقيها على مذهب مالك، حمله المأمون إلى بغداد أيّام المحنة وسجنه، لأنّه لم يجب إلى القول بخلق القرآن. فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكّل فأطلقه. فحدّث ببغداد ورجع إلى مصر. وقال أبو عمر الكندي عن سعيد بن كثير بن عفير: لمّا قدم أمير المؤمنين المأمون مصر، تلقّاه الناس بالفرما يرفعون على عمّال مصر، فلم يلتفت إليهم. ودسّ العمّال قوما يثنون عليهم عند المأمون، منهم أبو صالح الحرّانيّ، وابن أبي رملة، فبعث المأمون بالفضل بن مروان وأحمد بن أبي دؤاد إلى المسجد، فأوقفا إبراهيم بن تميم وأحمد بن محمد بن أسباط، وأرسلا إلى الحارث بن مسكين فسألوه عنهما، فذكر عنهما شرّ ثناء ممّا قد ظهر وانتشر، فانتهره الفضل بن مروان، فانصرف الحارث إلى منزله. وشخص المأمون إلى الغرب ثمّ إلى سخا، وشخص بالحارث إليه، فدخل عليه بسخا فسأله فأخبره بسوء السماع فيهما، فقال للحارث: لا تؤوي [ك] البلاد، وأخرج. وذكر في رواية أخرى عن أبي يزيد يوسف بن يزيد، قال: قدم المأمون مصر، وكان بها رجل يقال له الحضرميّ يتظلّم من ابن أسباط وابن تميم، فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي دؤاد، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زياد- وكان على مظالم مصر- وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث، وأحضر الحارث بن [٣١٥ أ] مسكين ليولّى قضاء مصر، فدعاه الفضل بن مروان، فبينا هو يكلّمه إذ قال

стр. 1004

الحضرميّ للفضل: سل، أصلحك الله، الحارث عن ابن أسباط وابن تميم! فقال: ليس لهذا أحضرناه. فقال: أصلحك الله، سله! فقال الفضل للحارث: ما تقول في هذين الرجلين؟ قال: ظالمان غاشمان. قال: ليس لهذا أحضرناك. فاضطرب المسجد، وكان الناس متوافرين، فقام الفضل وسار إلى المأمون بالخبر، وقال: خفت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث. فأرسل المأمون إلى الحارث، فدعاه فابتدأه بالمسألة، فقال: ما تقول في هذين الرجلين؟ قال: ظالمان غاشمان. قال: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال: فعاملتهما؟ قال: لا. قال: فكيف شهدت عليهما؟ قال: كما شهدت أنّك أمير المؤمنين ولم أرك قطّ إلّا الساعة، وكما شهدت أنّك غزوت، ولم أحضر غزوتك. قال: اخرج من هذه البلدة، فليست لك [٤٨٢ أ] ببلاد، وبع قليلك وكثيرك فإنّك لا تعاينها أبدا (١). وحبسه في رأس الجبل في قبّة [ابن] هرثمة (٢) في خيمة، ثمّ انحدر المأمون آلى البشرود وأحدره معه، فلمّا فتح البشرود أحضر الحارث، فلمّا دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر، فردّ عليه الجواب بعينه. قال: فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا؟ قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك أنّ الرشيد كتب إليه في أهل دهلك (٣) يسأله عن قتالهم، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم. وإن كانوا إنّما شقّوا العصا فقتالهم حلال. فقال: أنت تيس، ومالك [أتيس] (٤) منك. ارحل عن مصر! قال: يا أمير المؤمنين، إلى الثغور. قال: الحق بمدينة السلام. فقال له أبو صالح الحرّاني: يا أمير المؤمنين تغفر زلّته. فقال: يا شيخ، شفعت إن نفع (٥) - وجعل المأمون يقول للحارث: يا ساعي! - يردّدها، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنا بساع ... وإن أذن لي أمير المؤمنين تكلّمت. قال: تكلّم! فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أنا بساع، ولكنّي أحضرت فسمعت وأطعت حين دعيت. ثمّ سئلت عن أمر فاستعفيت فلم أعف، ثلاثا، فلمّا رأيت أنّه لا بدّ لي من الكلام كان الحقّ آثر عندي من غيره. فقال المأمون: هذا رجل أراد أن يرفع له علم

стр. 1005

ببلده، خذه إليك! - يشير إلى أبي صالح الحرّاني. وخرج المأمون راحلا عن مصر لثماني عشرة خلت من صفر سنة تسع عشرة ومائتين، وأخرج بالحارث، فخرج معه ابنه إبراهيم، وكان إبراهيمرفيق أبي خالد اليماميّ في المحمل. فلمّا كانوا في مفرق الطريق إلى طرسوس وإلى العراق، أمر المأمون بالحارث أن يذهب به إلى العراق، وبأبي خالد إلى الثغر. وحجّت امرأة الحارث، فسارت من مكّة إلى العراق، فأقام الحارث بالعراق ستّ عشرة سنة حتّى مات المأمون والمعتصم، وولي الواثق. فذكره لابن أبي دؤاد، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، هو حاضر. فقال: ما ظننت أنّه حيّ؟ فأرسل إلى الحارث وهو بمدينة السلام نازل على الحسن بن عبد العزيز الجرويّ، فقال: سل حاجتك. فقال: حاجتي أن لا تحملني إلى سرّ من رأى. فقال ابن أبي دؤاد للواثق: هو شيخ ضعيف، وخفت أن أحمله فيموت. قال: فاكتب إليه يتوجّه حيث شاء. فقدم [٤٨٢ ب] مصر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، واغتمّ عليه أهل بغداد أسفا على فقده، خصوصا، أبو عليّ الحسن بن عبد العزيز الجرويّ، فكتب إلى سعدان بن زيد وهو بمصر يشكو إليه ما نزل به لفقد الحارث، وفي آخر كتابه هذه الأبيات [البسيط]: من كان يسليه [نأي] عن أخي ثقة ... فإنّني غير سال آخر الأبد (١) وكيف ينساك من قد كنت راحته ... وموضع المشتكى في الدين والولد؟ كنت الخليل الذي نرجو النجاة به ... وكنت منّي مكان الروح في الجسد ففرّقت بيننا الأقدار واضطرمت ... بالوجد نار الحزن والكمد [٣١٥ ب] فأجابه سعدان [الرمل]: أيّها الشاكي إلينا وحشة ... من حبيب بان عنّا فبعد (٢) حسبك الله أنيسا فبه ... يأنس المرء إذا المرء سعد كلّ أنس بسواه زائل ... وأنيس الله في عزّ الأبد ولقد متّعك الله به ... بضع عشر من سنين قد تعدّ ٥ لو تراه وأبا زيد معا ... وهما للدين حصن وعضد (٣) يدرسون العلم في مسجدهم ... وإذا جنّهم الليل هجد وإذا ما وردت معضلة ... أسند القوم إليهم ما ورد نوّر الله به مسجدهم ... فهو للمسجد نور يتّقد فلمّا قام المتوكّل في الخلافة ولّى قضاء مصر جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ. فكتب إلى الحارث ابن مسكين فقلّده قضاء مصر، وكان قد ذكر عند المتوكّل فأثنى عليه، وذكر عنده لقضاء مصر عيسى بن أبي لهيعة، فقيل له: الله الله، يا أمير المؤمنين! في المسلمين عيسى مشتهر بالشطرنج.

стр. 1006

فقال: من ترون توليته؟ قيل له: رجل يعرفه أمير المؤمنين، وهو الحارث بن مسكين. قال: اكتبوا بولايته! فورد على الحارث كتاب تقليده القضاء وهو يومئذ بالإسكندريّة، فلمّا قرأه امتنع من الولاية. فجبره إخوانه على قبوله وقالوا: نحن نقوم بين يديك. فقدم الفسطاط وجلس للحكم في مجلس القضاء من المسجد الجامع في يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين. واستكتب محمّد بن سلمة المراديّ، وولّى على [٤٨٣ أ] أموال السبيل والغيّب، فحمله أصحابه على أن كشف على القاضي أبي بكر محمد بن أبي الليث فأمر به، وكان يوقف كلّ يوم بين يديه ويضرب عشرين سوطا ليخرج ما وجب عليه من الأموال التي كانت تحت يده، فأقام على ذلك أيّاما حتى كلّم الحارث في ذلك، وقيل له: لا يحبّ للقاضي أن يتولّى مثل ذلك، وإنّه لقبيح بالقاضي فعله، فخلّى عنه وترك مطالبته. ودعي الحارث إلى لباس السواد، وهو يومئذ شعار الدولة العبّاسيّة، فامتنع من لبسه لأنّه كان أمويّا (١)، فخوّفه أصحابه سطوة السلطان له، وقالوا له: يقال إنّك من موالي بني أميّة. فأجابهم إلى لباس كساء أسود من صوف، وقيل: بل استمرّ على الامتناع، فكتب الأمير إلى المتوكّل بذلك. فورد كتابه: إن لم يلبس فاخلع وركيه! فأمر به الوالي أن يحضر برسول بعث به إليه، فلقيه محمد بن سعيد، والرسل تزعجه وقد وله. فدنا منه وقال له: يا شيخ، لا يهولنّك ما ترى، فإنّ إبراهيم ﵇ أسلمه أهل الأرض فلم يضرّه ذلك لمّا كان الله له. فاعتنقه وقال: أحييتني يا أخي بهذا الكلام، فأحياك الله سعيدا. وأقرأه الوالي كتاب المتوكّل، فامتنع من لباس السواد. فقال شيخ من ناحية المسجد: إنّ الشيخ رأيته يلبس هذه الثياب الفرجيّة (٢) التي تعمل باليمن. فقال الحارث: بل إنّي ربّما ألبسها. فقال له الوالي: فالبسها! قال: أمّا تلك، فنعم. فقنع منه بذلك وكتب به إلى المتوكّل، وخلّى عنه. قال ابن قديد: وكان الحارث مقعدا من رجليه، فكان يحمل في محفّة في المسجد الجامع، وكان يركب حمارا، متربّعا. وأمر الحارث في ولايته بإخراج أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعيّ من المسجد، وأمر بنزع حصرهم من العمد. وأنزل عامّة المؤذّنين وأخرجهم من الأذان. ومنع قريشا والأنصار أن يدفع إليهم من طعمة رمضان شيء. وحوّل سلّم المؤذّنين إلى غربيّ [٣١٦ أ] المسجد. وبلّط زيادة عبد الله بن طاهر التي في المسجد، وأصلح سقوفه، وبنى سقاية في الحذّائين، وأمر ببنيان رحبة ملاصقة لدار الضرب ليتّسع الناس بها. وحفر خليج الإسكندريّة، ونهى عن تقبيل المصايد، فأبيحت للناس. ومنع من النداء على الجنائز وضرب فيه. وضرب [٤٨٣ ب] القرّاء الذين يقرءون بالألحان. وكشف أمر المصاحف التي

стр. 1007

بالمسجد الجامع، وولّى عليها أمينا من قبله، وهو أوّل القضاة فعل ذلك. وترك تلقّي الأمراء والسلام عليهم. ولا عن بين رجل وامرأته، ونفى وضرب الحدّ في سبّ أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وتهدّد بالرجم. وقتل نصرانيّا سبّ النبيّ ﷺ بعد أن جلده الحدّ. وأمر بضرب عنق رجلين نصرانيّين شهد عنده أنّهما ساحران، فكانت بينه وبين يزيد بن عبد الله الأمير في ذلك منازعة. وهدم مسجدا بناه خراسانيّ بين القبور. ولم يكن في ولايته خلل سوى في بيت مال القضاة، فإنّ أمره لم يجر على استقامة من أجل أنّه دفع مفتاحه إلى أخيه محمد بن مسكين ولإبراهيمبن أيّوب ليخرجا منه شيئا، فاتّهم إبراهيم أنّه سرق منه ثلاثين ألف دينار، ثمّ كتبت رقعة إلى الحارث بالطعن في ولاته، فاستبدل بكتّابه وأعوانه وغيّرهم. وشهد عنده رجل، فقال له: ما اسمك؟ قال: جبريل. فقال له: لقد ضاقت عليك أسماء بني آدم حتى سمّيت بأسماء الملائكة؟ فقال له الرجل: كما ضاقت عليك الأسماء حتّى سمّيت باسم الشيطان، فإنّ اسمه الحارث. وفي رواية أنّ رجلا تقدّم إليه في خصومة، فناداه رجل باسمه وكان اسمه إسرافيل، فقال له الحارث: ما حملك على أن تسمّى بهذا الاسم، وقد قال ﷺ : لا تسمّوا بأسماء الملائكة؟ فقال له: فلم سمّي مالك بن أنس، وقد قال الله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ [الزخرف: ٧٧]؟ ثمّ قال: والله لقد تسمّى الناس بأسماء الشياطين، فما عيب ذلك- يعني الحارث، ويقال: هو اسم إبليس لعنه الله. وحضر الحارث جنازة في جمع من وجوه مصر، وفيهم يونس بن عبد الأعلى، فأخذ يونس في كلام الزهّاد والحكاية عن الصالحين حتى بكى من حضر. فالتفت الحارث إلى يونس، وقال له برفق: أنت تحسن هذا كلّه، وأنت تصنع وتصنع؟ فقال له يونس: أنت قاض، وقال رسول الله ﷺ : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكّين. وكان الحارث منحرفا على يونس، فاتّفق أنّه شهد عنده بشهادة وانصرف. فأسقط في يديه وعلم أنّ أصحاب مسائل الحارث، وهم أبو برد أحمد بن سليمان بن برد، وعمرو ويزيد ابنا يوسف بن عمرو سيجرحونه، فرجع إلى الحارث من وقته [٤٨٤ أ] وقال: أصلح الله القاضي، إنّي شهدت اليوم شهادة وفي قلبي منها شيء، لست أحقّها. فأوقف الحارث الشهادة، وبلغ أصحاب مسائله ذلك، فقالوا: أفلت يونس من أيدينا. ودخل إلى الحارث رجل فخاطبه بشيء، فقال له الحارث: من يشهد لك؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. فقال له الحارث: قل له إن كان رجلا فليأت وليشهد. فقال رجل من أهل العراق: ما أعجب أمركم يا أهل مصر! يكون سليم الأسود الخادم معدّلا فيكم، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم مجروح؟ فسمعه سليم فقال: يا هذا، إنّي لم أخن

стр. 1008

أمانتي، ولم أدّع ما ليس لي- وكان الحارث قبل سليما بغير شاهد شهد له، وقال: أنا به عارف. وكانت عجوز لها موروث في دار فغصبته، وكان مالك بن سيف التجيبيّ ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم يشهدان لها، فشهد لها مالك عند الحارث، وأقامت المرأة تختلف إليه زمانا ليأذن لها في إحضار محمد بن [عبد الله بن] عبد الحكم، والحارث يمتنع من إحضاره، فلمّا تيقّن أنّها مظلومة ولم يتمّ لها الشهادة، بعث من قوّم ذلك الموروث من الدار، فقوّم بخمسين دينارا. فدفعها الحارث إلى المرأة [٣١٦ ب] حتّى لا يحضر ابن عبد الحكم. وخوصم وكيل السيّدة في دار من دورها، فحكم الحارث على وكيلها بإخراج الدار من يده إلى خصمه. فرفع ذلك إلى العراق، فورد الكتاب على عنبسة بن إسحاق الأمير، فيه: وذكر الفضل بن مروان أنّ الحارث بن مسكين لم يزل معروفا بالانحراف عن السلطان والمباعدة لأسبابه في أيّام المأمون. وإنّ أمير المؤمنين أيّده الله أمر أن نكتب إليك ما رفع الفضل بن مروان من ذلك، وأن تعلم الحارث أنّ مقام وكلاء جهة (١) أمير المؤمنين في ضياعها ودورها ومستغلّاتها بمصر مقام من يحوطها ويجبي أموالها، وتأمر بردّ الدار التي كانت في أيديهم المعروفة بعليّ بن عبد الرحمن الموصليّ إلى أيديهم كما كانت قبل عرضه فيها، وترك النظر في شيء ممّا في يدي وكلاء أمير المؤمنين من الضّياع والدور وغلّات مصر، والاعتراض على أولئك الوكلاء، بما يوهن أمرهم أو يطمع في شيء ممّا في أيديهم من حقوق أمير المؤمنين. ويأمر بالتقدّم إلى الحارث في ترك النظر في شيء من الضّياع [٤٨٤ ب] والتعرّض لما في أيدي الوكلاء منها، ومنعه من ذلك إن حاوله. وكتب بما أمر به أمير المؤمنين في ذلك، وبمنع الحارث من تقدّمه وتجاوزه. واعمل بما أمر به أمير المؤمنين، وانته إليه، وقف عنده، وتوقّ مجاوزته والتقصير فيما أمرت به. وكتب أحمد بن الخصيب يوم الاثنين لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين ومائتين. ثمّ كثرت المرافعات في الحارث، فرفع عليه أنّ رجلا شهد عنده وقد حلق شعر رأسه، فقال له: أشاميّ أنت أم عراقيّ؟ فقال له الشاهد: بل كوفيّ. فقال الحارث: فأخبث وأشرّ. ورفع عليه أنّه شهد عنده شاهد أنّ ابن أبي الليث أشهد عليه بكذا. فقال له: تذكر ابن أبي الليث في مجلسي؟ لا تعد إليّ في شهادة! ورفع عليه أنّه قال لسهل بن سلمة الأسوانيّ: قد عدّلت عندي، ولست أقبل شهادتك لأنّك عملت لابن أبي الليث. ورفع عليه أنّه قال لسليمان بن أبي نصر: لا أجيز وصيّة من أوصى إليك، وقد صحّ عندي أنّك كنت تأتي ابن أبي الليث- وأخرج الوصيّة من يده. وكانت دار بخطّة أبي ثعلبة الخشنيّ من الفسطاط تعرف بدار الفيل من أجل أنّ متملّك الهند أهدى إلى الوليد بن رفاعة أمير مصر فيلا، فصيّره بها. وكان أبو عثيم مولى مسلمة بن مخلد الأنصاريّ حبّس هذه الدار على مواليه الذين بفسطاط، وهم: كعب بن سليمان، وناصح، ويسار، ورافع، وعليّ، وأولادهم وأولاد أولادهم

стр. 1009

ما تناسلوا، ذكرهم وأنثاهم سواء. وإذا لم يبق أحد من أولادهم رجعت الدار إلى السبيل إلى جزءين: الجزء الأوّل على الفقراء والمساكين، والجزء الثاني على من يسكن فسطاط مصر من صليبة بني ساعدة من الأنصار من آل أبي دجانة سماك بن حرشة الساعديّ، وهم عصبة مولاه مسلمة بن مخلد على المطوّعة وأهل الديوان ممّا لم يبلغ عطاؤه مائتين. فمن بلغ عطاؤه مائتين، فلا حقّ له في أجرة ولا سكنى، فإن لم يحضر الفسطاط أحد من بني ساعدة، كان النصف الذي لهم مضموما إلى النصف الأوّل في سبيل الله . وتاريخ كتاب التحبيس في سنة ثلاث وتسعين. ثمّ قدم مولى لأبي عثيم من إفريقيّة اسمه رباح، وهو غير من سمّى أبو عثيم في كتابه، فادّعى أنّ له في هذه الدار مثل ما لموالي أبي عثيم. [٤٨٥ أ] وخاصم في ذلك إلى توبة بن نمر الحضرميّ قاضي مصر (١)، فجعل الحبس لمن سمّى أبو عثيم من مواليه، وأخرج رباحا المدّعي منهم، وقضى بذلك في كتاب تاريخه سنة سبع عشرة ومائة. وتأخّر من موالي أبي عثيم محمد بن ناصح وعزّة بنت عمرو بن رافع، فماتت عزّة، وتركت ابنها إبراهيم بن عبد الصمد المعروف بالسابح. فخاصم إبراهيم [٣١٧ أ] إلى المفضّل بن فضالة قاضي مصر، فيما كان بيد أمّه من هذه الدار. فرأى المفضّل أن لا حقّ لإبراهيم هذا في الدار، ولم يره من عقب موالي أبي عثيم على مذهب أهل المدينة، وسلّم دار أبي عثيم كلّها إلى محمد بن ناصح. ثمّ خاصم ابن السابح إلى عبد الرحمن بن عبد الله العمريّ قاضي مصر، فأخرج محمد بن ناصح قضيّة المفضّل بإخراج ابن السابح منها. فنفّذ العمري قضيّة المفضّل. ثمّ تخاصما إلى إبراهيم بن الجرّاح قاضي مصر، فحكم بردّ النصف إلى إبراهيم بن السابح، ورآه من العصب. ثمّ مات محمد بن ناصح وإبراهيم بن عبد الصمد بن السابح وتركا أولادهما: إسحاق بن إبراهيم بن عبد الصمد بن السابح، وعبيد بن محمد بن ناصح، فتناظرا فيها إلى هارون بن عبد الله الزهري قاضي مصر، فقضى هارون أن لا حقّ لإسحاق بن إبراهيم [بن عبد الصمد] بن السابح. ثمّ تخاصما إلى محمد بن أبي الليث قاضي مصر، فرأى أنّ إسحاق من عصب موالي أبي عثيم، وسلّم إليه وإلى أخيه أحمد بن إبراهيم نصف الدار، وأقرّ النصف في يد عبيد بن محمد بن ناصح، فلمّا ولي الحارث بن مسكين خاصم عبيد هذا إليه وأتاه ببيّنة تشهد على حكم هارون الزهري، فحكم الحارث بإخراج بني السائح من الدار وأسلمها كلّها عبيد بن محمد بن ناصح، وأخرج عيال إسحاق وأحمد ابني إبراهيم بن عبد الصمد منها. ولم يحضر إسحاق الحكم، فكان حكم الحارث عليه، وهو غائب، على مذهب أهل المدينة. فقدم من سفره واختلف إلى الحارث زمانا يناظره في حكمه عليه وهو غائب فلم يجده شيئا. فخرج إلى العراق ورفع على الحارث وتظلّم منه بباب المتوكّل والمنتصر (٢)، فأمر المتوكّل بإحضار الفقهاء، فنظروا في قضيّة الحارث فخطّئوه فيها على مذهبهم وتناولوه بألسنتهم، فكتب المتوكّل إلى قاضي القضاة جعفر بن

стр. 1010

عبد الواحد أن يصرف الحارث عمّا يتولّاه من القضاء بمصر. فكتب جعفر بذلك [٤٨٥ ب]، وولّى دحيم- وهو عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعيد بن ميمون مولى يزيد بن معاوية وهو على قضاء فلسطين- قضاء مصر. فتوفّي بالرملة في يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين [ومائتين]، فولّى المنتصر بكّار بن قتيبة. وكان قد ورد كتاب المنتصر وفيه نسخة ما أجاب به الفقهاء في حكم الحارث وتخطئته فيه. وورد كتاب المتوكّل على الأمير يزيد بن عبد الله في النظر في ذلك، فلم يكن من يزيد فيه شيء. فلمّا بلغ الحارث ذلك كتب يسأل الإعفاء من القضاء. وأجابه قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد بأنّه أنهى إلى أمير المؤمنين أنّ كتابك وصل باستعفائك ممّا تقلّدت منه، فأمر أيّده الله بإجابتك إلى ذلك وإعفائك ممّا تقلّدت منه، إسعافا لك بما سألت، وتفضيلا لما أدّى إلى موافقتك فيه. فرأيك، أبقاك الله، في معرفة ذلك على حسبه (١). وكان ورود ذلك على الحارث في يوم الجمعة لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين. فصرف الحارث عن القضاء، وكانت مدّته سبع سنين وأحد عشر شهرا. فأقام في منزله لسماع الحديث حتّى توفّي ليلة الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الأوّل سنة خمسين ومائتين. وصلّى عليه الأمير يزيد بن عبد الله، وكبّر عليه خمسا (٢). ١١١٥ - مجد الدين البهنسيّ [٥٥٥ - ٦٢٨] (٣) [٤٨٦ أ] الحارث بن مهلّب بن حسن بن بركات بن عليّ بن غياث بن القاسم بن المهلّب بن أبي صفرة، أبو الأشبال، مجد الدين، ابن مهذّب الدين أبي المحاسن، الأزديّ، المهلّبيّ، البهنسيّ، الشافعيّ. ولد بمدينة البهنسى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ومات أبوه المهلّب في يوم الاثنين تاسع عشر ذي القعدة سنة ستّ وسبعين وخمسمائة. وسمع المجد من [ ... ] وحدّث بشيء من شعر والده. ووزر للملك الأشرف موسى ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، بحرّان، وترسّل للدّيوان العزيز وإلى جماعة من الملوك. وكان قد اتّصل بالصاحب صفيّ الدين عبد الله بن علي بن شكر وسافر معه إلى الشام. فنوّه به، وكان له يد طولى في اللغة، وله شعر جيّد. ومرّت به نكبة صادره فيها الأشرف وحبسه مدّة [٣١٧ ب] ثمّ أفرج عنه. ومن شعره في رجل يثلب أعراض الناس [المتقارب]: طغى ابن فلان على ربّه ... وما منه في الخلق من سالم وذاك قليل وإن ضوعفوا ... دعوه يسبّ إلى آدم كنوز المعايب في عرضه ... يفرّق منها على العالم

стр. 1011

ومات بدمشق في صفر سنة ثمان وعشرين وستّمائة. وله أوقاف بمدينة مصر وغيرها على زاوية بجامع عمرو بن العاص فيها مدرّس وعدّة طلبة من فقهاء الشافعيّة، وتعرف هذه الزاوية بالمجديّة. ١١١٦ - حاطب بن أبي بلتعة [- ٣٠] (١) [٤١٧ أ] حاطب بن أبي بلتعة- واسم أبي بلتعة: عمرو- وقيل: حاطب بن راشد بن معاذ، اللخميّ، حليف قريش. وقيل إنّه من مذحج. وقيل: هو حليف للزبير بن العوّام. وقيل: بل كان عبدا لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، وكاتبه، فأدّى كتابته يوم الفتح، وهو من أهل اليمن. والأكثر أنّه حليف لبني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ- يكنّى أبا عبد الله- وقيل: أبا محمّد- أحد أصحاب رسول الله ﷺ . شهد بدرا والحديبيّة. وقدم مصر مرّتين في الرسالة إلى المقوقس. وشهد فتح مصر. ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستّين سنة. وصلّى عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁. وقد شهد الله تعالى لحاطب بالإيمان في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١]. وذلك أنّ حاطبا كتب إلى أهل مكّة قبل حركة رسول الله ﷺ عام الفتح يخبرهم ببعض ما يريد رسول الله ﷺ من الغزو إليهم، وبعث كتابه مع امرأة، فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ، فبعث في طلب المرأة عليّ بن أبي طالب ﵁، فأخذ معه المقداد بن الأسود، والزبير بن العوّام ﵁، فأدركا المرأة بروضة خاخ فأخذا الكتاب. ووقف رسول الله ﷺ حاطبا على الكتاب فاعتذر، وقال: ما فعلته رغبة عن ديني (٢) - فنزلت فيه آيات من صدر سورة الممتحنة. وأراد عمر بن الخطّاب ﵁ قتله، فقال له رسول الله ﷺ : إنّه قد شهد بدرا. وروى الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر ﵁، أنّ عبدا لحاطب جاء إلى النبيّ ﷺ يشتكي حاطبا، فقال: يا رسول الله، ليدخلنّ حاطب النار! فقال ﵇: كذبت! لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبيّة. وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: جاء غلام لحاطب بن أبي بلتعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال: لا يدخل حاطب الجنّة- وكان شديدا على الرقيق. فقال رسول الله ﷺ : لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبيّة. وفي موطأ مالك ﵀ أنّ عمر بن الخطّاب ﵁، قال لحاطب حين انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة: أراك تجمعهم- وأضعف عليهالقيمة على جهة الأدب والردع له. وبعث رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة في سنة ستّ من [٤١٧ ب] الهجرة إلى المقوقس

стр. 1012

صاحب مصر والإسكندريّة (١). فمضى حاطب بكتب رسول الله ﷺ ، فلمّا انتهى إلى الإسكندريّة وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر، فركب البحر، فلمّا حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ بين أصبعه. فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض وأمر به، فأوصل إليه، فلمّا رآه أجلسه وتناول منه الكتاب، وأنزله في منزله. (قال): فأقمت عنده ليالي، ثمّ بعث إليّ وقد جمع بطارقته فقال: إنّي [٣١٨ أ] سأكلّمك بكلام أحبّ أن تفهمه منّي. (قال): قلت: هلمّ! قال: أخبرني عن صاحبك: أليس هو نبيّا؟ (قال): قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له، حيث كان هكذا، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنّه رسول الله؟ فما باله حيث أخذه قومه وأرادوا صلبه ألّا يكون دعا (٢) عليهم بأن يهلكهم الله، حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ فقال: أحسنت! أنت حكيم جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمّد، وأرسل معك من يبلّغك إلى مأمنك. وفي رواية أنّ المقوقس قال لحاطب: ما منعه، إن كان نبيّا، أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ فقال له حاطب: ما منع عيسى ابن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل؟ فوجم ساعة ثمّ استعادها فأعادها عليه حاطب، فسكت. فقال له حاطب: إنّه قد كان قبلك رجل زعم أنّه الربّ الأعلى فانتقم الله به ثمّ انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك. وإنّ لك دينا لن تدعه إلّا لما هو خير منه، وهو الإسلام الكافي الله به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمّد. وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به. [ثمّ] إنّ المقوقس أعاد حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى رسول الله ﷺ ، وجهّز معه هديّة ورسولا يقال له ابن جبر، فيقال: إنّ حاطب بن أبي بلتعة لمّا قدم المدينة ودخل على النبيّ ﷺ أنشده أبياتا- ويشبه أن تكون مصنوعة (٣) - وهي [الكامل]: انعم صباحا يا وسيلة أمّة ... ترجو النجاة به غداة الموقف إنّي مضيت إلى الذي أرسلتني ... أطوي المهامه في الطريق الأخوف حتى رأيت بمصر صاحب ملكها ... فبدا إليّ بمثل قول منصف فقرا كتابك حين فكّ ختامه ... فاهتزّ يرعد كاهتزاز المرجف ٥ قال الأساقفة الذين تجمّعوا ... ماذا أراعك من كتاب المسرف؟ قال: اسكتوا يا ويلكم وتأدّبوا ... هذا كتاب نبيّ دين المصحف قالوا: وهمت! فقال: لست بواهم ... بل قد عرفت بيان حقّ الأحرف في كلّ سطر من كتاب محمّد ... خطّ يلوح لناظر متوقّف هذا الكتاب كتابه لك خاضعا ... يا خير مولود بحقّك يكتفي

стр. 1013

١٠ وأتى رسولك بالجواب مسلّما ... بإرادة المولى العظيم الأرأف لي أجرتي: غرف الجنان وحورها ... ونعيمها فأفوز يوم الموقف صلّى عليك الله ما غسق الدجى ... أو لاح صبح بالضياء المشرف ومتى بدت شمس النهار منيرة ... في ضوءها الوهّاج حتّى ينطفي ثمّ إنّ أبا بكر ﵁، لمّا استخلف بعد رسول الله ﷺ بعث حاطبا إلى المقوقس بمصر، فمرّ على ناحية قرى الشرقيّة، فهادنهم وأعطوه، فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص، فقاتلوه. فانتقض ذلك العهد، وهي أوّل هدنة كانت بمصر. وروى حاطب عن النبيّ ﷺ أنّه قال: من رآني بعد موتي، فكأنّما رآني في حياتي. ومن مات في أحد الحرمين بعث في الآمنين يوم القيامة. وليس له غير هذا الحديث، حدّث عنه من أهل مصر عبيد بن رفيع الهذليّ. وحدّث عنه [٣١٨ ب] أبو غطيف أنّ عمر بن الخطاب قال: يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم حتى يبلغ الدم ثنن الخيل (١)، ثمّ ينهزمون. وكان حاطب تاجرا يبيع الطعام، وكان حسن الجسم، خفيف اللحية، أحنى إلى القصر ما هو شثن (٢) الأصابع. ودعا له النبيّ ﷺ يوم أحد، فقال: رضي الله عنك! رضي الله عنك! ١١١٧ - حبشيّ السلميّ رأس المغاربة [- ٣٢٤] (٣) [٤٢٣ أ] حبشيّ بن أحمد، السلميّ، أبو مالك. ترأّس على المغاربة الذين كانوا بمصر في أيّام الفتن التي حدثت بها بعد موت الأمير تكين بين أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائيّ وبين أبي بكر محمد بن تكين، وصار حبشيّ بأصحابه في جملة الماذرائيّ. فلمّا ولي أحمد بن كيغلغ مصر، نزغ (٤) الشيطان بين الجند فافترقوا فرقتين، فكان جيكويه (٥) على أهل مصر، وحبشيّ على المغاربة، واقتتلوا في يوم الثلاثاء خامس ذي الحجّة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فقتل من المغاربة نحو الأربعين رجلا. وفّر حبشيّ بمن بقي إلى الجيزة وعسكر. ثم سار إلى أسيوط وأقام بها. ثمّ عاد بالمغاربة إلى الجيزة سلخ صفر سنة اثنتين وعشرين [وثلاثمائة]، فخرج إليهم جند مصر لقتالهم. فوقع الصلح بين الفريقين يوم الثلاثاء

стр. 1014

ثامن ربيع الأوّل. ثمّ كره ذلك جيكويه فاستعدّ حبشيّ، وأقام كلّ من الفريقين بالجيزة، والأمير يومئذ بمصر أحمد بن كيغلغ، والقائم بتدبير الأمور أبو بكر محمد بن عليّ الماذرائيّ. فبينا هم في ذلك إذ أتاهم محمد بن تكين يوم الأحد ثالث عشره ونزل الجيزة مع جند مصر، وبعث يأمر حبشيّ بطاعته، فامتنع من ذلك ورجع فيمن معه إلى الصعيد، ولحق به محمد بن عيسى النوشريّ (١)، وهم على الدعاء لأحمد بن كيغلغ. ثمّ عدّى حبشيّ النيل بأصحابه إلى البرّ الشرقيّ، ثمّ سارا إلى الفسطاط، فعسكر محمد بن تكين ببركة المعافر (٢) فبيّتته طائفة من المغاربة ليلة السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر [سنة ٣٢٢] وقتل من الفريقين جماعة. ثمّ التقوا من الغد، فانهزمت المغاربة إلى الجيزة ونزلوا بولاق. فعقد محمد بن تكين لجيكويه وأحمد بن بدر السميساطيّ على آلاف من الجند في طلاب حبشي حيث كان. فالتقوا ببلقينة يوم السبت لتسع بقين من جمادى الآخرة [سنة ٣٢٢]، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم جيكويه وأحمد بن بدر وتبعهم المغاربة فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعدّوا النيل إلى بلبيس، فلحق بهم كثير من أصحاب محمد بن تكين وصاروا كلّهم مع أحمد بن كيغلغ، وفرّ محمّد بن تكين في سادس رجب ثم عاد. فخرج إليه حبشيّ وقاتله فيما بين فاقوس وبلبيس (٣)، فهزمه ثمّ أسره وبعثه إلى الفسطاط، فقدم الخبر بمسير محمد بن طغج من دمشق إلى مصر، فبعث أحمد بن كيغلغ بحبشيّ فيمن معه إلى الفرما ليمنع محمد بن طغج من المسير. فلمّا هزم صاعد بن الكلملم عليّ بن بدر [٤٢٣ ب]، وكفّ أحمد بن كيغلغ عن قتال محمد بن طغج وسلّم إليه مصر، كره حبشي والمغاربة المقام معه، فركبوا طريق الشرقيّة، ومعهم بجكم، وعلي بن بدر ونظيف النوشري، وعلي المعدني (٤)، ولحقوا بالفيّوم. فخرج إليهم صاعد فقاتله حبشيّ وقتله، ومضى من الفيّوم إلى الإسكندريّة في جيش فأقام بها، وبعث عليّ بن بدر وبجكم في المراكب التي غنموها من صاعد بن الكلملم، فصبحوا الفسطاط أوّل يوم من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين [وثلاثمائة]، فأرسوا بالجزيرة تجاه الفسطاط، وكانت الصناعة بها إذ ذاك فشعّثوها، فركب محمّد بن طغج في عسكره ووقف بحيالهم من غير أن يستطيع دفعهم لما بينه وبينهم من النيل. ثمّ انحدروا من الجزيرة إلى الإسكندريّة آخر النهار، ولقوا حبشيّ وساروا جميعا إلى برقة، وكتبوا لصاحب إفريقيّة (٥) يستأذنونه في القدوم عليه وأن يمدّهم بجيش ليأخذوا له [٣١٩ ب] مصر، فإنّهم يعلمون وجوه الحرب وكيف الوصول إليها. فبينا هم في ذلك مات حبشي في صفر سنة أربع

стр. 1015

وعشرين وثلاثمائة (١). ١١١٧/ ٢ - حبش بن الفرّاء [- ٦٣٣] (٢) [٤٢٣ ب] حبش بن محمد بن إبراهيم بن أبي يعلى، الشيخ الصالح، أبو محمّد، ابن أبي عبد الله، الفرّاء. كان لأبيه زاوية بمصر، فأقام هو بها [إلى أن مات للنصف من شهر] ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. ١١١٨ - حبيش بن دلجة [- ٦٥] (٣) حبيش- بضمّ الحاء المهملة وفتح الباء الموحّدة وسكون الياء آخر الحروف ثمّ شين معجمة- بن دلجة- بفتح اللام، وقيل: بإسكانها- بن عمرو بن مشمت بن مذعور بن فردم بن حبيب بن زيد بن عوف بن حيّ بن وائل بن جشم بن مالك بن كعب بن القين- واسمه النعمان، وإنّما حضنه عبد يقال له القين، فغلب عليه- بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، أبو [ ... ]، القينيّ، أحد وجوه أهل الشام من أهل الأردنّ. شهد صفّين مع معاوية، وكان يومئذ على قضاعة الأردنّ. وولّاه يزيد بن معاوية على أهل الأردنّ يوم بعثهم إلى الحرّة. وقدم مصر مع مروان بن الحكم، وكان على مقدّمته، حتّى صالح أهل مصر وملكها. فعقد له في جمادي الأولى سنة خمس وستّين وسيّره في خمسة آلاف من أهل الشام إلى المدينة ليخرجوا منها عمّال عبد الله بن الزبير ﵁، وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة. فخرج لعشر خلون منه ومضى حتّى نزل بذي المروة، ووجد رسولا من ابن الزبير بكتابه إلى عبد الرحمن بن جحدم عامله على مصر، ولم يكن بلغه غلب مروان على مصر. فضرب عنقه، ومضى إلى المدينة فدخلها ونزل في دار مروان دار الإمارة. وكان عليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير. ففرّ جابر، فبعث الحارث بن أبي ربيعة- أخو عمر بن أبي ربيعة- جيشا من البصرة، وكان واليا عليها لابن الزبير، وجعل عليهم حنتف بن السجف التميمي (٤) لحرب حبيش، فلمّا سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وبعث عبد الله بن الزبير عبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ إلى المدينة أميرا وأمره أن يسير في طلب حبيش، حتّى يوافي جند البصرة. فأقبل عبّاس (٥) من مكّة حتى لحقهم وهو في آثارهم، بالرّبذة فقاتلهم حبيش فرما [هـ] يزيد بن سياه [الأسواريّ] بسهم فقتله في غرّة رمضان منها وانهزم أصحابه (٦)، وتحرّز منهم خمسمائة بالمدينة، فقتلهم عبّاس بن سهل،

стр. 1016

ورجع باقيهم إلى الشام. ودخل يزيد بن سياه المدينة فوقف على برذون أشهب وعليه ثياب بياض. فما لبث أن اسودّت ثيابه ودابّته ممّا مسح الناس به وما صبّوا عليه من الطيب. قال ابن دريد: هو أوّل أمير أكل على منبر رسول الله ﷺ ، قتله حنتف بن السجف [التميميّ]. ودخل يوما على مروان بن الحكم وكان يجلسه على السرير معه، فرأى روح بن زنباع في موضعه من السرير معه، فأمر حملته ألّا يضعوه، وقال: إن رددتم علينا موضعنا وإلّا انصرفنا عنكم. فقال مروان: مهلا! فإنّ لأبي زرعة مثل سنّك، وبه مثل علّتك- يعني النقرس. قال حبيش: أو له مثل يدي عندك؟ قال: وله مثل يدك عندي، إلّا أنّ يده غير مكدّره بمنّ. قال: إنّي لأظنّك يا مروان أحمق. قال: أظنّ أيّها الشيخ ظننته أم يقين استيقنته؟ قال: بل ظنّ ظننته. قال: فإنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا أعجب بظنّه- وفي رواية: إنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه. وفي رواية: إنّ أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه. وقال صالح بن حسّان البصريّ: رأيت حبيش ابن دلجة على منبر رسول الله ﷺ يأكل من مكتله (١) تمرا ويطرح نواه في وجوه القوم، وقال: والله إنّي لأعلم أنّه ليس بموضع أكل، ولكنّي أحببت أن أذلّكم لخذلانكم لأمير المؤمنين. وأخاف أهل المدينة خوفا شديدا وآذاهم، وجعل إذا خطبهم يشتمهم ويتوعّدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغشّ لأمير المؤمنين- يعني يزيد- حتى أتاه الحنتف فخرج إليه وأبى أهل المدينة أن يعينوه [٣١٩ ب] فقتل، وسرّ بقتله أهل المدينة سرورا كبيرا وحبست أسراه وهم خمسمائة، ثمّ ضربت أعناقهم. [وقتل حبيش بن دلجة في سنة خمس وستّين] (٢). ١١١٩ - حباسة بن يوسف الكتاميّ [- ٣٠٧] (٣) [٤١٢ أ] حباسة بن يوسف الكتاميّ، أحد قوّاد المهدي عبيد الله [ ... ]. وبعثه المهديّ على الجيوش لأخذ مصر، وجهّز معه مائتي مركب. فسار إلى برقة، وبها أبو النمر أحمد بن صالح من الأبناء (٤) على جيش كبير

стр. 1017

من قبل أبي منصور تكين أمير مصر. فخرج إلى سرت ولقي حباسة فاقتتلا وانتصف كلّ منهما وامتنع من صاحبه. فعزل تكين أبا النمر بخير المنصوري. وبلغ ذلك حباسة، فبعث إلى أبي النمر، وهو مواقفه: «ما يحملك على حربنا وأنت معزول؟ » وبعث إليه بكتاب ورد عليه من مصر بذلك. فانصرف أبو النمر إلى برقة، وتبعه حباسة، ومضى أبو النمر إلى مصر، فملك حباسة برقة. وخرج منها فلقي خير المنصوري وهزمه، وأقبل بجيوشه إلى الإسكندريّة، فدخلها يوم السبت لثمان خلون من المحرّم سنة اثنتين وثلاثمائة، ومعه ما يزيد على مائة ألف. فقدم القاسم بن سيما (١) من العراق، وقدمت الجيوش مددا لتكين. فخرج أوّل العسكر من مصر إلى الجيزة في خامسجمادى الأولى منها، وخرج تكين في تاسعه فعسكر بها. وخرج حباسة من الإسكندريّة، فعسكر بمشتول من أرض الجيزة. ونودي بالنفير في الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصّة والعامّة، إلّا نفر [ا] يعذرون بعلّة أو حال عجز عن الحركة. ثمّ انصرفوا عشاء ولم يكن لقاء. ثمّ نودي بالنفير يوم الخميس بعد ذلك بيومين. فخرج الناس خروجا لم ير مثله قطّ في الاجتماع والنشاط وحسن البصيرة. وأتاهم حباسة في جيشه يومئذ فيما بين الظهر والعصر، فالتقوا فكثرت القتلى بينهم، وقتل أكثر رجال حباسة وانهزم باقيهم، فتبعهم جمع من الرعيّة، وعبروا خلفهم خليج بوهة (٢)، وقد دخل الليل، فخرج عليهم كمين لحباسة بعد الغروب، فقتل منهم نحوا من عشرة آلاف. وأصبح الجند على مصافّهم بالجيزة يوم الجمعة، وفيه نودي بالنفير وقت صلاة المغرب، فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا، وخرجت الرعيّة إلى الجيزة ليلهم كخروجهم بالأمس. ثمّ عادوا إلى [٤١٢ ب] الفسطاط غداة يوم السبت ولم يكن لقاء. وعاد حباسة إلى الغرب، فعند وصوله إلى المهديّة قتله المهدي [ ... ]. وقال نافع بن محمد بن عمرو في واقعة حباسة [الطويل]: ألا شقّ جيب الصّبر إن كنت موجعا ... ولا يلف لاح فيك للعذل مطمعا لما دهم الإسلام من فجع حادث ... تهمّ له أركانه أن تضعضعا لمصرع إخوان على الدين صرّعوا ... لنصرة دين الله يا لك مصرعا! فماتوا كراما ما استضيموا أعزّة ... يلاقون في الله الأسنّة شرّعا ٥ ألم ترهم يوم الخميس، وقد غدا ... عدوّهم فيمن أعدّ وأجمعا؟ وقد صاح فيهم بالنفير أميرهم ... فجاءوا سراعا، حاسرين ودرّعا فصادمهم في الناكثين فأيّدوا ... وكان حماة الدين أعلى وأمنعا (٣)

стр. 1018

فولّى بخزي طوّقته كتامة ... وقد سقيت كأسا من الموت مترعا ألوف أباد القتل جمّ عديدهم ... فأمسوا طعاما للكلاب ومرتعا ١٠ ترى القوم صرعى في الحلافي جواثما ... كأعجاز نخل بالبقيع تقلّعا (١) وطيف بهام الفاسقين على القنا ... وبضّع من لحماتهم ما تبضّعا وكانت لحزب الكفر إذ ذاك عطفة ... فقتّل من أشياعنا من تسرّعا فصلّى على تلك النفوس مليكها ... وعوّضها أبقى ثواب وأنفعا! وقال ابن مهران (الوافر): وأيّ وقائع كانت بسفط ... ألا بل بين مشتول وسفط (٢) وقد وافى حباسة في كتام ... بكلّ مهنّد وبكلّ خطّي وقد حشدوا لمصر، ودون مصر ... له خرط القتاد وأيّ خرط وأقبل جاهلا حتّى تخطّى ... وجاز بجهله حدّ التخطّي ٥ بكتب جماعة قد كاتبوه ... من اقباط بمصر وغير قبط وكلّ كاتبوه ونافقونا ... وكلّ في البلاد له موطّي ووافانا سليمان بن كافي ... يخطّ الأرض في غير المخطّ (٣) وحفّت بالأمير له رماة ... من الأتراك ممّن ليس يخطئ [٥٣٨ أ] ولا سيما وعن قسي صلاب ... وفتيان ومدّ بالتمطّي (٤) ١٠ فوافى الخائن المخذول منّا ... سهام للمقاتل ليس تخطئ فكم بالجسر من رأس وكفّ ... ومصلوب ومشدود بشرط ومرّ لنا مع الإقبال يوم ... شفى ما في القلوب لكلّ ملط (٥) فقل لحباسة: إن كنت عنّا ... مضيت، فإنّ قتلك ليس يبطي بحول الله ذاك، فصدّقوني ... وهذي رقعتي لكم بخطّي فكان الأمر كما قال ابن مهران، وقتل حباسة. ١١٢٠ - حجّاج بن عمرو الأنصاريّ (٦) [٥٠٦ أ] حجّاج بن عمرو بن غزيّة بن ثعلبة بن خنساى بن مبذول بن عمرو بن عثمان بن مازن بن النجّار، الأنصاريّ، المازنيّ، ويقال فيه: الحجّاج بن أبي الحجّاج. قال البخاري) له صحبة.

стр. 1019

روى عن النبيّ ﷺ حديثين: أحدهما في الحجّ: «من كسر أو عرج فقد حلّ، وعليه حجّة أخرى». والآخر: كان النبيّ ﷺ يتهجّد في الليل بعد نومه. وروى عن عكرمة وكثير بن العبّاس، وابن أخيه ضمرة بن سعد وعبد الله بن رافع. وحجّاج هذا هو الذي ضرب مروان بن الحكم يوم الدار، فأسقطه حتى حمل، وهو لا يعقل. وقدم مصر مع محمد بن أبي بكر، فلمّا قتل محمد سار من مصر وأخبر علي بن أبي طالب ﵁ بقتله. ١١٢١ - الحجّاج بن يوسف [٤٠ - ٩٥] (١) [٥٠٧ أ] حجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسيّ- وهو ثقيف- بن منبّه بن بكر بن هوازن، أبو محمد، الثقفيّ (٢). [دخوله مصر مع أبيه] ولد بمصر والمسور بالطائف عام الجماعة سنة أربعين. وقدم إلى مصر هو وأبوه مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين. فبينا هو وأبوه في المسجد الأعظم، ومعه عمرو بن سعيد الأشدق، إذ مرّ بهم سليم بن عتر (٣)، فسلّم وانصرف، فأثنوا عليه خيرا، وكان قاضي الجند زمن عمرو بن العاص، وكان من خيار الناس. فقال الحجّاج: أما إنّي لو أجد هذا خلف هذا الباب، وكان لي عليه سلطان، لضربت عنقه. إنّ هذا وأصحابه يثبطون عن طاعة الملوك. فشتمه والده ولعنه وقال له: تسمع القوم يذكرون عنه خيرا، ثمّ [٣٢٠ ب] تقول ما تقول؟ والله إنّي رأيي فيك ألّا تموت إلّا جبّارا شقيّا. وكان أبوه صالحا. وعن حرملة بن عمران قال: كان يوسف جالسا في المسجد، ومعه ابنه الحجّاج. فمرّ سليم بن عتر، فقام إليه يوسف وسلّم عليه وقال: إنّي أريد أن آتي أمير المؤمنين، فإن كانت لك حاجة فآثرني بها. قال: نعم! حاجتي أن تسأله أن يعزلني. فقال: والله لوددت أنّ عمّال المسلمين كلّهم مثلك. فكيف أسأله أن يعزلك؟ ثمّ انصرف. فجلس، فقال له الحجّاج ابنه: يا أبت، من هذا الذي قمت إليه؟ قال: يا بنيّ، هذا سليم بن عتر قاضي أهل مصر. قال: يغفر الله لك يا أبتي! أنت يوسف بن أبي عقيل، تقوم إلى رجل من كندة أو تجيب (٤)؟ فقال: والله يا بنيّ، إنّي لأرى الناس لا يرحمون إلّا بهذا وأشباهه. فقال: والله ما يفسد الناس عن أمير المؤمنين إلّا هذا وأشباهه، يقعد ويقعد إليه أقوام أحداث

стр. 1020

فيذكر سيرة أبي بكر وعمر ﵄، فيخرج الناس على أمير المؤمنين. فو الله، لو صفا هذا الأمر، لسألت أمير المؤمنين أن يجعل لي السبيل فأقتل هذا وأشباهه! قال: يا بنيّ، إنّي لأظنّ أنّ الله خلقك شقيّا. ثمّ إنّ مروان بعث يوسف وابنه مع حبيش بن دلجة (١) القينيّ إلى إخراج عمّال عبد الله بن الزبير من المدينة. فخرجا فيمن خرج معه لعشر خلون من جمادى الأولى، وهما على جمل واحد. فوصلا إلى المدينة وشهدا معه الحرب حتّى قتل. فانهزما فيمن انهزم إلى الشام. وكان الحجّاج يقول: ما أقبح الهزيمة! لقد رأيتني مع رجل- وكره أن يسمّي أباه- وكنّا في جيش ابن دلجة فانهزمنا ونكصنا ثلاثين ميلا، وكان يخيّل إليّ أنّ القوم بين [٥٠٧ ب] أكتافنا. وكان على شرطة أبان بن مروان وهو على البلقاء، فلمّا بويع عبد الملك بن مروان بعد موت أبيه، تقدّم الحجّاج عنده إلى أن قتل عبد الملك مصعب بن الزبير وأتى الكوفة [ف] وجّه منها الحجّاج في ألفين- وقيل: في ثلاثة آلاف- من أهل الشام لقتال عبد الله بن الزبير. وكان السبب في تسييرهدون غيره أنّه قال لعبد الملك: إنّي رأيت في المنام أنّي أخذت عبد الله بن الزبير وسلخته. فابعثني إليه وولّني قتاله! وقيل: إنّ عبد الملك خطب على المنبر، فقال: من لابن الزبير؟ فقال الحجّاج: أنا يا أمير المؤمنين. فأسكته. ثمّ عاد فأسكته. ثم عاد فقال له: أنا يا أمير المؤمنين، فإنّي رأيت في النوم كأنّي انتزعت جبّته فلبستها. [قتاله لابن الزبير] فعقد له وبعثه، وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا، فسار بالعساكر لأيّام مضت من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين. ولم يعرض للمدينة ونزل الطائف، فكان يبعث الخيل إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير الخيل أيضا فيقتتلون بعرفة، وينهزم أصحاب ابن الزبير في كلّ ذلك، وتعود خيل الحجّاج بالظفر. فكتب الحجّاج إلى عبد الملك (٢) يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير، ويخبره بضعفه وتفرّق أصحابه، ويستمدّه. فأمدّه بطارق بن عمر مولى عثمان. فقدم على الحجّاج بمكّة في ذي القعدة ومعه خمسة آلاف. وكان الحجّاج قد قدم مكّة في ذي القعدة محرما بحجّه ونزل بئر ميمون وحجّ بالناس من غير أن يطوف بالبيت ولا سعى بين الصفا والمروة. ولم يحجّ ابن الزبير، وكان الحجّاج قد نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، فأرسل إليه عبد الله بن عمر يقول: أن اتّق الله وأكفف عن الناس هذه الحجارة، فإنّك في شهر حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدّوا الفريضة ويزدادوا خيرا، فإنّ المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكّة. فبطل الرمي حتى عاد من عرفات وطافوا وسعوا، ولم يمنع ابن الزبير الحاج من الطواف والسعي. فلمّا فرغوا من طواف الزيارة نادى منادي الحجّاج: انصرفوا إلى بلادكم، فإنّا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد! [٣٢١ أ] وأوّل ما رمى الحجّاج الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت وعلا صوت الرعد على
следующие страницы →