← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فقال: «ألا إنّ الحجّاج كافر! »، ففعل ذلك مرارا، ثمّ قال: كافر أيّها المعزى، باللات والعزّى! [مواقف له في صلاة الجماعة] واتّخذ من مسجد واسط أربعة كنف (١): واحدا في القبلة، وآخر عن يمين المسجد، وآخر عن يساره، وآخر في مؤخّره، فكان حيث أدركته الصلاة سمع تكبيره من الجناح الذي هو فيه. وقال ثابت البناني: أخّر الحجّاج صلاة الجمعة حتّى فاتت العصر، ثمّ قال: إنّكم في صلاة ما انتظرتم الصلاة. وعن مبارك بن فضالة: شهدنا الجمعة مع أبي في زمن الحجّاج، فقرأ علينا كتابا جاءه، فلم يصلّ الجمعة يومئذ حتّى غربت الشمس، فنزل فصلّى الجمعة ثمّ صلّى العصر ثمّ صلّى المغرب. وعن يحيى بن نافع قال: أتيت المسجد للجمعة، فخرج علينا الحجّاج فلم ير إلّا أشياخا مصطفّين، فقال: «ما لي لا أرى إلّا أعلاجا لا تغسل أعقابها؟ » ثمّ خطبنا حتى ملأ الناس نصف الجامع، ثمّ خرج ناس فدخلوا المسجد والحجّاج ينظر، فقال: ألا إنّ شرّ الدوابّ أذنابها، وهؤلاء أذناب أهل الجمعة، خذوهم! فأخذوا فحبسوا، فرأيتهم أخرجوا بعد يومين من الحبس وقد أخذت أرديتهم. وقال مرّة: يدعى: حيّ على الصلاة فلا تجيبون، ولو دعي: حيّ على أربعة دراهم لغصّ المسجد بأهله! وقال جرير عن الأعمش: لقيت أبا وائل يوم الجمعة في إمارة الحجّاج، فقلت له: أصلّيت قبل أن تروح؟ قال: من أنت؟ قلت: رجل من المسلمين. قال: مرحبا بالمسلمين، نعم! وقال الحسن: ما شككت في الحجّاج منذ رأيته، يعني النفاق. قال عون: ذكر الحجّاج عند محمد بن سيرين فقال: غير ما تقولون أخوف على [٣٣٢ أ] الحجّاج عندي منه. قلت: وما هو؟ قال: إن لقي الله بقلب سليم، فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. قلت: وما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أنّه لا إله إلّا الله. وقال إسماعيل بن عليّة عن عوف: قال محمد بن سيرين: ما أبالي أن أستغفر للحجّاج. قلت: أفتستغفر لابن الأزرق؟ قال: لأنّ الأمير- يعني الحجّاج- قاتل على الدرهم. وإنّ الحروريّ- يعني ابن الأزرق- قاتل على ردّ ما جاء به محمد ﷺ . وقال ابن سيرين في الحجّاج: إن عذّبه الله فبذنبه، وإن غفر له، فهنيئا. وإن كان قلبه سليما فقد أصاب الذنوب من هو خير منه. وقال سليم بن قتيبة: ما رأيت دارا تلاوة القرآن فيها أكثر من دار الحجّاج. [لهج الناس بذمّه] ولمّا ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة وجلس أوّل مجلس جلسه، كره القوم أن يذكروا الحجّاج حتّى يكون هو الذي يبدأ. فتكلّم سليمان فذكر الحجّاج فوقع فيه ونال منه. فما بقي في

стр. 1052

القوم أحد إلّا قال فيه، وعمر بن عبد العزيز ساكت. فقال سليمان: يا أبا حفص، ما لك لا تتكلّم؟ فقال: ما عسيت أن أقول؟ لو خابثنا الأمم بالحجّاج لغلبناهم. وقال عمر مرّة: الوليد بالشام، والحجّاج بالعراق، ومحمد بن يوسف باليمن، وعثمان بن حيّان بالحجاز، وقرّة بن شريك بمصر: امتلأت الأرض والله جورا! وجلس عمر ببيت المقدس، فجعل عبد الله بن قيس يقع في الحجّاج، فجعل عمر يقول: «إيه، ابن قيس؟ » يكرّرها، كأنّه يعزّيه به. وقال: وددت أنّي وجدت رجلا يعنيه أمر الحجّاج أخاصمه فيه، فإن كان محقّا تبعته، وإن كنت محقّا تبعني. والله ما كان الحجّاج يصلح لدنيا ولا آخرة! وكان عمر بن الخطّاب ﵁ جبى العراق ثمانين ألف ألف وما جبى الحجّاج إلّا أربعين ألف ألف. ولئن أبقاني الله لا أنتهي حتّى أجبيه ثمانين ألف ألف. وقال أبو عاصم النبيل: حدّثنا عبّاد بن كثير عن قحذم: جبى عمر العراق مائة وسبعة أو ثمانية وعشرين ألف ألف. وجباها عمر بن عبد العزيز مائة وأربعة وعشرين ألف ألف. وجباها الحجّاج ثمانية عشر ألف ألف. وقال عبّاد عن قحذم: أطلق سليمان بن عبد الملك في غزاة واحدة ثمانين ألف أسير، وكتب أن يثبتوا ويلحقوا بأهاليهم. وقال صالح بن عبد الرحمن: عرضنا السجون بعد الحجّاج فوجدنا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا لم يحلّ على أحد منهم قطع ولا صلب. ووجد أعرابيّ يبول في ربض مدينة واسط، فأخذ وحبس حتى مات الحجّاج، فأطلق فقال [الطويل]: إذا ما تجاوزنا مدينة واسط ... خرينا وصلّينا بغير حساب (١) وتعبّث الحجّاج بقيس بن الهيثم السلميّ بالبصرة، وضربه بالسّياط، فكتب قيس إلى القيسيّة بالشام، فدخلوا على عبد الملك فقالوا له: إنّ الحجّاج قد تعبّث بسيّدنا بالبصرة، فضربه في غير ذنب. فكتب إلى الحجّاج يلومه، وكتب إلى قيس: إن أحببت المقام بالبصرة فأقم، ولا سلطان للحجّاج عليك. وإن أحببت اللحاق بأمير المؤمنين فالحق. فقال: لا أقيم ببلد الحجّاج فيه سلطان. فلحق بعبد الملك، وكان من سمّاره. فذكر عبد الملك الحجّاج ليلة فأثنى عليه فسكت قيس، فقال له: ما لك لا تتكلّم؟ قال: قد قال أمير المؤمنين. قال: قل! قال: والله يا أمير المؤمنين، لو أتتنا أمة ورهاء فرفدتها بما رفدت به الحجّاج لضبطت ما ضبط: قدم علينا زياد على راحلته فضبط العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام لثغورهم فلم يأتنا منهم برجل، ثمّ أتانا ابنه من بعده غلاما حدثا فضبط العراق بأهل العراق وترك أهل الشام لثغورهم. وأتانا الحجّاج فلم يزل بخرقه وضعف منّته حتى أخرب البلاد وأخاف الناس، وكتب إليك يستنصرك فأمددته بأهل الشام وعطّلت الثغور. فلوأمددت أمة ورهاء بما أمددته به لضبطت ما ضبط.

стр. 1053

وبعث الحجّاج إلى عبد الملك بمال كثير وهو يومئذ بحمص [٣٣٢ ب] فأبرز سريره إلى برج حمص. ثمّ جلس وجلس الناس إليه فيهم خالد وأميّة ابنا عبد الله القسريّ، فلمّا عرضت عليه هديّة الحجّاج قال: هذه والله الأمانة والنصيحة والحزم! [سياسة الحجّاج غاشمة] ثمّ أشار إلى خالد فقال: إنّي استعملت هذا على البصرة فاستعمل كلّ فاسق فجبى عشرة فاختان تسعة ورفع إلى هذا درهما، فرفع إليّ من الدرهم سدسا. واستعملت هذا- يعني أميّة- على خراسان وسجستان، فبعث إليّ بمفتاح من ذهب زعم أنّه مفتاح مدينة الفيل (١)، وبرذونين حطمين وجوير [ي] ات، واستعملت الحجّاج ففعل كذا وكذا، فإذا استعملتكم ضيّعتم (٢) وإذا عزلتكم قلتم: قطعتم أرحامنا. فرفع خالد رأسه، فقال: استعملتني على البصرة، وأهلها رجلان: مطيع مناصح ومخالف مشانح (٣)، فأمّا المطيع فإنّي جزيته بطاعته فازداد رغبة. وأمّا المخالف فإنّي داويت عداوته واستللت ضغينته وكنزت صدره ودّا، وعلمت أنّي متى أصلح الرجال أجب المال. واستعملت الحجّاج فجبى لك المال وكثّر العداوة في صدور الرجّال، فكأنّك بالعداوة التي كنزها لك قد ثارت بالرجال، فأنفقت المال فلا مال ولا رجال. فسكت عبد الملك، فلمّا كان هيج عبد الرحمن ابن الأشعث جلس عبد الملك ومعه خالد، فجعل يندب الناس إلى الفريضة ويضحك (٤). وقال يحيى بن الحكم بن أبي العاصي: والله لقد كان الحجّاج وما عربيّ أنقص منه أدبا، فطالت ولايته فكان لا يسمع إلّا ما يحبّ فمات، وإنّه لأحمق سيّء الأدب. وقال ابن شوذب: ولي الحجّاج وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين، فما رؤي مثله لمن أطاعه ولا مثله لمن عصاه. [إشادة المنصور العبّاسيّ بخصال الحجّاج] وقال إبراهيم بن صالح: كنّا في مجلس الصحابة ننتظر الإذن، فكان ممّن حمده (٥) معن بن زائدة، وممّن ذمّه الحسن بن زيد، فأذن لنا فدخلنا على المنصور، فقال الحسن بن زيد: يا أمير المؤمنين، ما كنت أحسبني أبقى حتّى يذكر الحجّاج في دارك وعلى بساطك فيثنى عليه. فقال له: وما استنكرت من ذاك؟ رجل استكفاه قوم فكفاهم. والله لوددت أنّي وجدت مثل الحجّاج حتّى أستكفيه أمري، وأنزل أحد الحرمين حتى يأتيني أجلي. فقال معن: يا أمير المؤمنين، إنّ لك مثل الحجّاج عددا من أصحابك لو استكفيتهم كفوك. قال: ومن هم؟ كأنّك تريد نفسك! قال: وأريدها، فإنّي أبعد من ذاك. قال: كلّا، لست هناك. إنّ الحجّاج ائتمنه القوم فأدّى لهم الأمانة. وإنّا ائتمنّاك فخنتنا. ولمّا مات الحجّاج، قال الوليد بن عبد الملك: أما والله لئن سئلت عنه- ولأسألنّ- لأقولنّ: كان والله القويّ الأمين. وقال مالك بن دينار: ربّما سمعت الحجّاج يخطب فيذكر ما صنع به أهل العراق وصنع بهم،

стр. 1054

فيقع في نفسي أنّهم يظلمونه لبيانه وتخلّصه الحجج. ولمّا أرجف الناس في الكوفة بموت الوليد بن عبد الملك- وكان الحجّاج بها- خرج يوما فجلس على المنبر، فقال: ما أراجيف بلغني أنّكم ترجفون بها أوّلا ثمّ أوّلا ثمّ أوّلا لسن من زبد الوعيد؟ ثمّ نزل، فلم يسمع بعدها مرجف بموته. [عموم الخوف منه] وأخذ الحجّاج امرأة من بني ضبّة فسيّرها لتحبس فصاحت: «وا غيلاناه! » تريد غيلان بن خرشة، فقال الشرطيّ الذي معها: اسكتي ويلك! فو الله لو أدركنا غيلان [ل] رضي أن يكون مكاني! وقال الحجّاج لرجل: من أجلد قريش؟ قال: بنو عديّ. قال: فأيّ بني عديّ؟ قال: آل أبي الجهل. فأرسل الحجّاج إلى رجل منهم وهو ينتفض، فقال الحجّاج للرجل: كيف ترى؟ وعصى رجل على الحجّاج، فلمّا قام قائم كلّ شيء على ظلّه خرج يريد أهله في بني سعد، فمرّ بكلب تحت سقاية يقطر عليها ماؤها في الهاجرة، فقال: يا ليتني هذا الكلب! فلم يسر إلّا قليلا حتى لحقه الكلب يجرّره الصبيان. [فسأله عنه فقالوا: ] قد أتى كتاب الحجّاج يأمر بقتلها (١). وكان الحجّاج لا يلعب عنده ولا يمزح. ومدحه أكثر شعراء زمانه، منهم الفرزدق [٣٣٣ أ] وجرير والأخطل وحميد الأرقط وعبد الرحمن بن الزبير وليلى الأخيليّة في شعر كثير. [بين الحجّاج وليلى الأخيليّة] ودخلت ليلى الأخيليّة على الحجّاج فقال: ما أتاني بكر ... [الطويل] (٢): إذا نزل الحجّاج أرضا سقيمة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي لها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها سقاها دماء المارقين وعلّها ... إذا جمحت يوما وخفّ رداها ولا كلّ حلّاف تقلّد بيعة ... بأعظم عهد الله ثمّ شراها (٣) فلمّا قالت: «غلام إذا هزّ القناة ... »، قال: لا تقولي: غلام، ولكن قولي: همام. ثمّ قال لها: علي أيّ نسائي أحبّ إليك أن تنزلي؟ قالت: ومن نساؤك؟ قال: أمّ الجلاس بنت سعيد بن عبد الرحمن ابن عتّاب بن أسيد. وهند بنت أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة، وهند بنت المهلّب بن أبي صفرة، وأمّ أبان بنت النعمان بن بشير. قالت: «أنزلني على هند بنت أسماء»، فأنزلها، وأمر لها بجائزة مائة، ولم يسمّ إبلا ولا غنما. قالت: زدني! قال: لك مائتان.

стр. 1055

قالت: زدني! قال: لك ثلاثمائة. فقال بعض جلسائه: إنّها غنم! قالت: الأمير أكرم من أن يعطي غنما! فاستحيى الحجّاج، وقال: «اجعلوها إبلا»، وما كان أراد إلّا غنما. وممّا مدحه به الفرزدق [البسيط] (١): إنّ ابن يوسف محمود خلائقه ... سيّان معروفه في الناس والمطر هو الشهاب الذي يرمى العدوّ به ... والمشرفيّ الذي تمضي به مضر (٢) لا يرهب الموت إنّ النفس باسلة ... والرأي مجتمع والجود منتشر أحيا العراق وقد ثلّت دعائمه ... عمياء صمّاء لا تبقي ولا تذر ونازع أبان [الحارث] فحجّ بالناس، فقال الحارث [الطويل]: [ف] إن تنج منها يا أبان مسلّما ... فقد أفلت الحجّاج خيل شبيب فقال الحجّاج: وا عجبا للحارث! يغلبه أبان ويهجوني! [تحويله الدواوين إلى العربيّة] وفي أيّام الحجّاج قلب الديوان من الفارسيّة إلى العربيّة، وذلك أنّ صالح بن عبد الرحمن كان منقطعا إلى زادان فروخ كاتب الحجّاج، وهو كان سببه إلى الحجّاج، فخفّ صالح للحجّاج حتّى كاد زادان، فشقّ عليه ذلك. فقال صالح لزادان: إنّك سببي إلى هذا الرجل، وإنّي أراني قد خففت لديه خفّة لست آمن أن يقدّمني عليك وأن تسقط. قال: لا تخف! ذاك عليّ، وهو أحوج إليّ منّي إليه. قال: كيف ذلك؟ قال: لا يجد من يكفيه حسابه غيري. قال: لو شئت حوّلت الحساب بالعربيّة. قال: حوّل منه سطرا حتى أرى. فكتب منه أسطرا، فلمّا رأى ذلك زادان قال لصالح: «تمارض! » فتمارض، فسأل الحجّاج عنه، فقيل: شاك. فأرسل إليه طبيبه فلم ير علّة، فأرسل [صالح] إلى زادان يخبره فقال له: اظهر وائته! وانصرف [زادان] إلى أصحابه، وقال: اطلبوا صنعة غير هذه. وأجّل الحجّاج صالحا أجلا حتّى قلب الديوان. ولمّا مات الحجّاج خطب عبد الملك بن الحجّاج، وكان قد استخلفه أبوه على الصلاة، فقال: «أنعى إليكم أسد الأسود وفارس الفرسان»، ثمّ دفنه وأجرى الماء على قبره لئلّا يعرف مكانه. ورثاه الفرزدق، وقال الهيثم بن عديّ: قدمت وفود العرب على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف، فأمرهم أن يشتموا الحجّاج فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم: إنّ عدوّ الله كان عبدا دبّابا قنوّر ابن قنوّر، لا نسب له في العرب (٣).

стр. 1056

[فقال سليمان: ] أيّ شتم هذا؟ إنّ عدوّ الله الحجّاج كتب لي: «إنّما أنت نقطة، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك [٣٣٣ ب] كنت لك كما كنت لهما (١). وإلّا فأنا الحجّاج وأنت نقطة، فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبّتك! »، فالعنوه لعنه الله! فأقبل الناس يلعنون [هـ]، فقام بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعريّ فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك عن عدوّ الله بعلم. قال: هات. قال: كان عدوّ الله يتزيّن تزيّن المومسة ويصعد المنبر فيتكلّم بكلام الأخيار، وإذا نزل عمل أعمال الفراعنة، و [كان] أكذب في حديثه من الدجّال. فقال سليمان لرجاء بن حيوة: هذا وأبيك الشتم! لا ما تأتي به هذه السّفلة. وعن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة على الحجّاج، فكتب إليهم: أمّا بعد، فإنّكم قد استحضتم (٢) الفتنة- وفي رواية: قد استنتجتم الفتنة- فلا عن حقّ تقاتلون ولا عن منكر تنتهون. وايم الله! إني لأهمّ أن يكون أوّل ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد (٣)، وتخلّي النساء أيامى، والأبناء يتامى. فأيّما رفقة مرّت بماء، فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي تليه، تقدمة منّي إليكم، والسعيد من وعظ بغيره! وكان الحجّاج يقول: أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة، إذا شاء خطب، وإذا شاء سكت- يعني الحسن بن أبي [الحسن يسار] البصريّ (٤). وقال يوما لعبد الملك بن مروان: لو كان رجل من ذهب لكنته. قال: وكيف ذاك؟ قال: لم تلدني أمة بيني وبين آدم إلّا هاجر. فقال: لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب! وكان الحجّاج يستعمل زياد بن عمرو العتكيّ، فلمّا أتى عبد الملك في الوفد، والحجّاج حاضر، قال زياد: «يا أمير المؤمنين، إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم»، فلم يكن بعد ذلك أخفّ عليه منه (٥). وكتب الحجّاج إلى عامل له بفارس: ابعث إليّ من عمل خلّار، من النحل الأبكار، من شرح الدفتسشار، الذي لم تمسّه النار. وشكا الحجّاج لجامع المحاربي (٦) سوء طاعة أهل العراق، فقال: أما إنّهم لو أحبّوك لأطاعوك، على أنّهم ما شنئوك لنسبك، ولا لبلدك، ولا لذات نفسك. فدع ما يبعدهم منك إلى ما يقرّبهم إليك. والتمس العافية ممّن دونك تعطها ممّن فوقك. وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك! فقال الحجّاج: إنّي والله ما أرى أن أردّ بني اللكيعة إلى طاعتي إلّا بالسيف! فقال: أيّها الأمير، إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار.

стр. 1057

قال الحجّاج: الخيار يومئذ لله. قال: أجل، ولكن لا تدري لمن يجعله الله! فغضب الحجّاج وقال: يا هناه، إنّك من محارب! فقال [الطويل]: وللحرب سمّينا وكنّا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا (١) فقال الحجّاج: لهممت والله أن أخلع لسانك فأضرب به وجهك! فقال: إن صدقنا لك أغضبناك، وإن غششناك أغضبنا الله، فغضب الأمير أهون علينا من غضب الله. فقال: «أجل»، وسكن. وشغل الحجّاج ببعض الأمر، فانسلّ جامع وهرب. [بعض خطبه] وخرج الحجّاج يوما من القصر بالكوفة فسمع تكبيرا بالسوق فراعه ذلك، فصعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساويء الأخلاق، وبني اللكيعة، وأولاد العصا، وأبناء الإماء والفقع بالقرقر [ة] (٢)، إنّي سمعت تكبيرا لا يراد به الله، وإنّما يراد به الشيطان. وإنّما مثلي ومثلكم كما قال عمرو بن برّاقة (٣) الهمداني [الطويل]: وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يآل همدان ظالم؟ متى تجمع القلب الذكيّ وصارما ... وأنفا حميّا تجتنبك المظالم أما والله لا تقرع عصا [ب] عصا [ي] إلّا جعلت [هـ] اكأمس الدابر! وخطب أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم، فقال: [٣٣٤ أ] يا أهل العراق، إنّ الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع والأطراف، والأعضاء والشغاف، ثمّ أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثمّ ارتفع فعشّش، ثمّ باض وفرّخ فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، فاتّخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤامرا تستشيرونه. فكيف تنفعكم تجربة أو تعطفكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستحببتم الكفر، وظننتم أنّ الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي، وأنتم تنسّلون لوذا وتنهزمون سراعا. ثمّ يوم الزاوية، وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص وليّكم عنكم، إذ ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضّكم السلاح، وقمرتكم الرماح. ثمّ يوم دير الجماجم، وما دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله (٤) ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق، الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد

стр. 1058

الخطرات، والنزوة بعد النزوات! إن بعثتكم إلى ثغوركم عللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم. لا تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة. هل استحقّكم ناكث أو استغواكم غاو، أو استنفركم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم خالع إلّا تبعتموه وواسيتموه ونصرتموه ورضيتموه. يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نهب ناعب، أو زفر زافر، إلّا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق، ألم تنهكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ (ثمّ التفت إلى أهل الشام فقال: ) يا أهل الشام، إنّما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنّها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذّئاب. يا أهل الشام، أنتم الجنّة والرداء، وأنتم العدّة والحذاء. [بعض أخباره] وخرج يوما فإذا هو بأعرابيّ في زرع، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من أهل عثمان. قال: فمن أيّ القبائل؟ قال: من الأزد. قال: كيف علمك بالزرع. قال: إنّي لأعلم من ذلك علما. قال: فأيّ الزرع خير؟ قال: ما غلظ قصبه واعتمّ نبته، وعظمت حبّته. قال: فأيّ العنب خير؟ قال: ما غلظ عموده واخضرّ عوده وعظم عنقوده. قال: فما خير التمر؟ قال: ما غلظ لحاؤه، ودقّ نواؤه، ورقّ سماؤه. *** وقال لرجل من الخوارج: أجمعت القرآن؟ قال: أمتفرّقا كان فأجمعه؟ قال: أتقرؤه ظاهرا؟ قال: بل أقرؤه وأنا انظر إليه. قال: أتحفظه؟ قال: أخشيت فراره فأحفظه؟ قال: ما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: لعنة الله ولعنك معه! قال: إنّك مقتول، فكيف تلقى الله؟ قال: ألقاه بعملي، وتلقاه بدمي. *** وقال مالك بن دينار: غدوت إلى الجمعة فجلست قريبا من المنبر، فصعد الحجّاج المنبر، ثمّ قال: امرءا زوّر عمله، امرءا حاسب نفسه، امرءا فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه. امرءا كان عند قلبه زاجرا وعند همّه ذاكرا، امرءا أخذ بعنان عمله كما يأخذ الرجل بخطام جمله. فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفّه. وقال الحجّاج لمعلّم ولده: علّم ولدي السّباحة قبل الكتابة، فإنّهم يصيبون من يكتب عنهم، ولا يصيبون من يسبح عنهم. *** وقال لابن القريّة: ما زالت الحكماء تكره المزاح وتنهى عنه. فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: أوّله فرح وآخره ترح، والمراح والمزاح نقائض السفهاء كما الشعر نقائض الشعراء. والمزاح يوغر صدر الصديق، وينفّر الرفيق عن الرفيق. والمزاح يبدي السرائر لأنّه يظهر المغاير، والمزاح يسقط المروءة ويبدي الخنا، لم يجرّ

стр. 1059

المزاح خيرا، وكثيرا ما جرّ شرّا. الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر. المزاح يجلب الشتم صغيره، والحرب كثيره، وليس بعد الحرب إلّا عفو بعد قدرة. فقال الحجّاج: حسبك! الموت خير من عفو بعد قدرة. *** ويروى أنّ الحجّاج جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقام رجل منهم فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي عليك حقّا. قال: وما حقّك؟ قال: لعنك عبد الرحمن يوما فرددت [٣٣٤ ب] عليه. فقال: من يعلم ذلك؟ فقال: أنشد الله رجلا سمع ذلك إلّا شهد به! فقام رجل من الأسرى فقال: قد كان ذلك أيّها الأمير. فقال الحجّاج: خلّوا عنه! ثمّ قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ فقال: لقديم بغضي إيّاك! قال: وليخلّ عنه لصدقه (١). *** وقال الحجّاج لرجل من الخوارج: والله إنّي لأبغضكم. فقال الخارجيّ: أدخل الله أشدّنا بغضا لصاحبه الجنّة! *** وكان الحجّاج يستثقل زياد بن عمرو بن الأشرف العتكيّ، فلمّا أثنت الوفود على الحجّاج عند الوليد بن عبد الملك، والحجّاج حاضر، قال زياد بن عمرو: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجّاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن أحد بعد [ذلك] أخفّ على قلب الحجّاج منه (٢). *** وكان يقول: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد. *** ولمّا واقف الحجّاج عبد الرحمن بن الأشعث، نادى منادي الحجّاج: من أتاني برأس فيروز [بن] حصين، فله عشرة آلاف درهم (٣). فنصل فيروز من الصفّ، فصاح بالناس: من عرفني فقد اكتفى، ومن لم يعرفني، فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي. فمن أتاني برأس الحجّاج، فله مائة ألف. فقال الحجّاج: فو الله لقد تركني أكثر التلفّت، وإنّي لبين خاصّتي. فأوتي به الحجّاج، فقال: أنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت. فقال: والله لأمهّدنّك، ثمّ أحملنّك، أين المال؟ فقال: عندي، فهل إلى الحياة من سبيل؟ قال: لا. قال: أخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال، فلعلّ قلبك يرقّ لي.

стр. 1060

ففعل، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه، وأعتق رقيقه وتصدّق بماله. ثمّ ردّ إلى الحجّاج فقال: شأنك الآن، فاصنع ما شئت! فشدّ في القصب الفارسيّ، ثمّ سلّ حتّى شرح، ثمّ نضح بالخلّ والملح، فما تأوّه حتّى مات. *** ويروى عن ابن هبيرة قال: إنّا لنتغدّى مع الحجّاج يوما إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده، فقال: أصلح الله الأمير، إنّ هذا عاص. فقال له الرجل: أنشدك الله أيّها الأمير في دمي. فو الله ما قبضت إيوانا قطّ، ولا شهدت عسكرا. وإنّي لحائك أخذت من تحت الحفّ (١)، فقال: «اضربوا عنقه». فلمّا أحسّ بالسيف سجد، فلحقه السيف وهو ساجد، فأمسكنا عن الأكل. فأقبل الحجّاج فقال: ما لي أراكم صفرت أيديكم (٢) واصفرّت وجوهكم وحدّ نظركم من قتل رجل واحد؟ إنّ العاصي يجمع خلالا تخلّ بمركزه ويعصي أميره ويغرّ المسلمين من نفسه، وهو بعد أجير لكم، وإنّما يأخذ الأجرة لما يعمل، والوالي مخيّر فيه، إن شاء قتل، وإن شاء عفا. [بين الحجّاج والمهلّب] ولمّا هزم المهلّب بن أبي صفرة قطريّ بن الفجاءة، كتب إلى الحجّاج: الحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه، الذي وصل المزيد بالشكر والنّعمة بالحمد، وقضى ألّا ينقطع المزيد منه حتى ينقطع الشكر من عباده. أمّا بعد، فكان من أمرنا ما قد بلغك، وكنّا نحن وعدوّنا على حالتين مختلفتين: يسرّنا منهم أكثر ممّا يسوءنا، ويسوءهم منّا أكثر ممّا يسرّهم، على اشتداد شوكتهم. فقد كان علن أمرهم حتى ارتاعت له القناة، ونوّم به الرضيع، فانتهزت منهم الفرصة في وقت إمكانها، وأدنيت السواد من السواد حتّى تعارفت الوجوه. فلم تزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله ربّ العالمين. فكتب إليه الحجّاج: أمّا بعد، فإنّ الله قد فعل بالمسلمين خيرا، وأراحهم من حدّ الجهاد، وكنت أعلم بما فيك، والحمد لله ربّ العالمين. فإذا ورد عليك كتابي، فأقسم في المجاهدين فيئهم، ونفّل الناس على قدر بلائهم، وفضّل من رأيت تفضيله. وإن كانت بقيت من القوم بقيّة، فخلّف خيلا تقوم بإزائهم، واستعمل على كرمان من رأيت، وولّ الخيل شهما من ولدك، ولا ترخّص لأحد في اللّحاق بمنزله دون أن تقدم بهم عليّ، وعجّل القدوم إن شاء الله. فولّى المهلّب ابنه يزيد كرمان، وقدم على الحجّاج، فأجلسه إلى جانبه وأكرمه وقال: يا أهل العراق، أنتم عبيد المهلّب. [٣٣٥ أ] ثمّ قال: والله كما قال لقيط الإياديّ [البسيط] (٣): وقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا يطعم النوم إلّا ريث يبعثه ... همّ يكاد حشاه يقصم الضلعا لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عصّ مكروه به خشعا ما زال يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا

стр. 1061

حتّى استمرّت على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لا قحما ولا ضرعا فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير، والله كأنّي أسمع الساعة قطريّا وهو يقول: «المهلّب كما قال لقيط الإياديّ»، ثمّ أنشد هذا الشعر. فسرّ [ثمّ قال: ] فدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما، فخطامها طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله، فإنّي رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه. وكان يقول: إنّ امرءا أتت عليه ساعة من عمره، ولم يذكر فيها ربّه، أو يستغفر من ذنبه، أو يفكّر في معاده، لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة. والحجّاج أوّل من أجرى في البحر السفن المقيّرة المسمرة غير المخرّزة والمرهونة (١). وهو أوّل من اتّخذ المحامل، وفيه يقول الراجز من أبيات: أوّل عبد عمل المحاملا ... أخزاه ربّي عاجلا وآجلا وكتب يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة إلى الحجّاج: «وإنّ العدوّ نزل بعرعرة الخيل، ونزلنا بالحضيض»، فقال الحجّاج: ليس هذا من كلام يزيد، فمن هنالك؟ قال: يحيى بن يعمر (٢). فكتب إلى يزيد أن يشخصه. فلمّا قدم عليه قال له: أسمعتني ألحن؟ قال: الأمير أفصح من ذلك. فأعاد عليه القول وأقسم، فقال: نعم، تجعل إنّ مكان أنّ. فقال له: ارحل عنّي ولا تجاورني! ويروى عن محمد بن المنتشر بن الأجدع الهمداني (٣)، قال: دفع إليّ الحجّاج أزادمرذ بن الهربذ أحد الدهاقين وأمرني أن أستخرج منه مالا وأغلظ عليه. فلمّا انطلقت به قال لي: يا محمّد، إنّ لك شرفا ودينا، وإنّي لا أعطي على القسر شيئا، فاستأذني وارفق يبي. (قال: ) فقلت: تؤدّي إليّ في أسبوع خمسمائة ألف. فبلغ ذلك الحجّاج فأعضبه وانتزعه من يدي، ودفعه إلى رجل كان يتولّى له العذاب، فدقّ رجليه ويديه ولم يعطهم شيئا. (قال محمد بن المنتشر): فإنّي لأمرّ يوما في السوق، وإذا صائح بي: «يا محمّد! » فالتفتّ، فإذا [أنا] به معرّضا على حمار، مدققوق اليدين والرجلين. فخفتالحجّاج إن أتيته، وتذمّمت منه فملت إليه فقال لي: إنّك وليت منّي ما ولي هؤلاء، فأحسنت. وإنّهم صنعوا بي ما ترى ولم أعطهم شيئا. وههنا خمسمائة ألف عند فلان، فخذها فهي لك. (قال) فقلت: ما كنت لآخذ منك على معروفي أجرا، ولا لأرزأك على هذه الحال شيئا. قال: فأمّا إذ أتيت فاسمع أحدّثك: حدّثني بعض أهل دينك عن نبيّك ﷺ [أنّه] قال: إذا رضي الله عن قوم أمطرهم في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم. وإذا سخط عليهم استعمل عليهم شرارهم، وجعل المال عند

стр. 1062

بخلائهم وأمطرهم المطر في غير حينه. (قال: ) فانصرفت فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجّاج فأمرني بالمصير إليه، فألفيته جالسا على فراشه، والسيف منتضى في يده، فقال لي: «ادن! » فدنوت شيئا، ثمّ قال لي: «ادن! » فدنوت شيئا، ثمّ صاح الثالثة: «ادن، لا أبا لك! » فقلت: ما بي إلى الدنوّ من حاجة وفي يد الأمير ما أرى! فأضحك الله سنّه وأغمد سيفه عنّي، وقال: اجلس! ما كان من حديث الخبيث؟ [نماذج من علوّ نفسه] فقلت: أيّها الأمير، والله ما غششتك منذ استنصحتني، ولا كذبتك منذ استخبرتني، ولا خنتك منذ ائتمنتني- ثمّ حدّثته الحديث، فلمّا صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده، أعرض عنّي بوجهه، وأومأ إليّ بيده وقال: «لا تسمّه! » ثمّ قال: [٣٣٥ ب] إنّ للخبيث نفسا، وقد سمع الأحاديث. ويقال: إنّ الحجّاج كان إذا استغرب ضحكا، والى بين الاستغفار. وكان إذا صعد المنبر تلفّح بمطرفه، ثمّ تكلّم رويدا فلا يكاد يسمع، ثمّ يتزيّد في الكلام حتّى يخرج يده من مطرفه، ويزجر الزجرة فيفزع بها أقصى من في المسجد. وكان يطعم في كلّ يوم على ألف مائدة، على كلّ مائدة ثريد [وجنب من شواء وسمكة طريّة ويطاف به في محفّة على تلك الموائد ل] يتفقّد أمور الناس، وعلى كلّ مائدة عشرة، ثمّ يقول: يا أهل الشام، أكسروا الخبز لئلا يعاد عليكم- وكان له ساقيان، أحدهما يسقي الماء والعسل، والآخر يسقي اللبن (١). [مدح ليلى الأخيليّة له] وذكر أبو الحسن المدائنيّ عمّن حدّثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاصي (٢)، قال: كنت أدخل مع عنبسة إذا دخل على الحجّاج، فدخل يوما ودخلت إليهما، وليس عند الحجّاج أحد غير عنبسة، فقعدت، فجيء الحجّاج بطبق فيه رطب فأخذ الخادم منه شيئا فأتاني به، ثمّ جيء بطبق آخر فأتاني الخادم منه بشيء، ثمّ جيء بطبق آخر وآخر حتّى كثرت الأطباق، وجعل لا يأتون بشيء إلّا جاءني منه بشيء، حتى ظننت أنّ ما بين يديّ أكثر ممّا عندهم. ثمّ جاء الحاجب فقال: امرأة بالباب. فقال الحجّاج: أدخلها. فدخلت، فلمّا رآها طأطأ رأسه حتّى ظننت أنّ ذقنه قد أصاب الأرض. فجاءت حتى قعدت بين يديه، فنظرت إليها فإذا هي امرأة قد أسنّت حسنة الخلق، وإذا هي ليلة الأخيليّة، فسألها الحجّاج عن نسبها فانتسبت له. فقال لها: يا ليلى، ما الذي أتاني بك؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد. وكنت لنا بعد الله الرفد! فقال لها: صفي لنا الفجاج. فقالت: الفجاج مغبرّة، والأرض مقشعرّة، والمنزل معتلّ، وذو العيال مختلّ، والمال للقلّ، والناس مسنتون، ورحمة الله يرجون، قد أصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا، ولا عافظة ولا نافطة (٣)، أذهبت الأموال، ومزّقت

стр. 1063

الرجال وأهلكت العيال. ثمّ قالت: إنّي قد قلت في الأمير قولا. قال: هاتي. فأنشأت تقول [الطويل]: أحجّاج، لا يفلل سلاحك، إنّما ال ... منايا بكفّ الله حيث يراها أحجّاج، لا تعطي العداة مناهم ... ولا الله يعطي للعداة مناها إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العقام الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها (١) فقال: لا تقولي: غلام قولي: همام! (قالت: ) ٥ سقاها فروّاها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها (٢) أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها (٣) فما ولد الأبكار والعون مثله ... ببحر ولا أرض يجفّ ثراها فقال الحجّاج: قاتلها الله! والله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها. ثمّ التفت إلى عنبسة [بن سعيد] فقال: والله إنّي لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا. والتفت إليها فقال: حسبك! فقالت: قد قلت أكثر من هذا. فقال: حسبك، ويحك، حسبك! (ثمّ قال: ) يا غلام، اذهب بها إلى فلان وقل له: اقطع لسانها. فذهب بها فقال: يقول لك الأمير: اقطع لسانها. فاستدعى الحجّام، فالتفتت إليه وقالت: ثكلتك أمّك، أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالبرّ والصلة. فبعث إلى الحجّاج يستثبته، فاستشاط غضبا وهمّ بقطع لسانه، فقال: «ارددها! » فلمّا دخلت عليه قالت: «كاد والله أيّها الأمير يقطع مقولي». ثمّ أنشأت تقول [البسيط]: حجّاج، أنت الذي ما فوقه أحد ... إلّا الخليفة والمستغفر الصمد [٣٣٦ أ] حجّاج أنت شهاب الحرب إن ... لقحت وأنت للناس نور في الدجى يقد فأقبل على جلسائه، فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير، إلّا أنّنا لم نر امرأة قطّ أفصح لسانا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجها، ولا أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة بن الحميّر الخفاجي في حبّها. ثمّ قال لها: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال توبة فيك. قالت: نعم، أيّها الأمير، هو الذي يقول [الطويل] (٤): وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها ... وقام على قبري النساء الصوائح كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها دمع من العين سافح

стр. 1064

وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ، وفوقي جندل وصفائح (١) ٥ لسلّمت تسليم البشاشة، أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر ضابح (٢) فقال: زدينا. فقالت: نعم، هو الذي يقول [الطويل] (٣): حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها أبيني لنا، لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء غضّ نضيرها وأشرف بالقوز اليفاع لعلّني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها وكنت إذا جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها الأبيات ... فقال الحجّاج: يا ليلى، ما الذي رابه من سفورك؟ قالت: أيّها الأمير، كان يلمّ بي كثيرا، فأرسل إليّ يوما: «إنّي آتيك». ففطن الحيّ فأرصدوا له، فلمّا أتاني سفرت، فعلم أنّ ذلك لشرّ فلم يزد على التسليم والرجوع. فقال: لله درّك! فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ قالت: لا، والله الذي أسأله أن يصلحك، غير أنّه قال لي مرّة قولا ظننت أنّه خضع لبعض الأمر، فأنشأت أقول [الطويل]: (٤) وذي حاجة قلنا له: لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا والذي أسأله أن يصلحك، ما رأيت منه شيئا حتّى فرّق الموت بيني وبينه. قال: ثمّ مه؟ قالت: لم يلبث أن خرج في غزاة، فأوصى ابن عمّ له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة، فناد بأعلى صوتك [الطويل] (٥): عفا الله عنها، هل أبيتنّ ليلة ... من الدّهر لا يسري إليّ خيالها فخرجت وأنا أقول (٦): وعنه عفا ربّي وأحسن حاله ... فعزّ علينا حاجة لا ينالها قال: ثمّ مه؟ قالت: لم يلبث أن مات، فأتى نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك فيه. فأنشدت، ثمّ قال: سلي يا ليلي تعطي. قالت: أعط فمثلك أعطى فأحسن. قال: لك عشرون. قالت: زد، فمثلك زاد [فأجمل]. قال: لك أربعون. قالت: زد، فمثلك زاد فأفضل. قال: لك ستّون. قالت: زد، فمثلك زاد فأكمل. قال: لك ثمانون. قالت: زد، فمثلك زاد فتمّم. قال: لك مائة، واعلمي يا ليلى أنّها غنم!

стр. 1065

قالت: معاذ الله أيّها الأمير! أنت أجود جودا، وأمجد مجدا، وأورى زندا من أن تجعلها غنما. قال: فما هي ويحك؟ قالت: مائة ناقة برعائها. فأمر لها بها، ثمّ قال: أيّ نسائي أحبّ إليك أن أنزلك عندها الليلة؟ قالت: ومن نساؤك أيّها الأمير؟ قال: أمّ الجلاس (١) بنت سعيد بن العاص الأمويّة [٣٣٦ ب] وهند بنت أسماء بن خارجة الفزاريّة، وهند بنت المهلّب بن أبي صفرة العتكيّة. فقالت: القيسيّة أحبّ إليّ- أرادت الفزاريّة لأنّ فزارة من قيس عيلان-[فدخلت عليها فصبّت حليها عليها حتّى أثقلتها لاختيارها إيّاها ودخولهاعليها دون من سواها] (٢). وذكر المدائنيّ أنّ الحجّاج لم يكن يظهر منه لجلسائه بشاشة ولا سماحة في الخلق إلّا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيليّة، فقال لها: بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن الحمير فعدلت عنه. فو الله ما وفيت له، ولو كان هو بمكانك ما عدل عنك. قالت: أصلح الله الأمير، إنّ لي عذرا. قال: وما عذرك؟ قالت: إنّي سمعته يقول: ولو أنّ ليلى الأخيليّة ... وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أكذّبه. فاستحسن الحجّاج قولها وقضى حوائجها وانبسط في محادثتها، فلم نر منه بشاشة وأريحيّة داخلته مثل ذلك اليوم. *** ويروى عن بعض الفقهاء قال (٣): دعاني الحجّاج فسألني عن الفريضة المخمّسة، وهي: أمّ، وجدّ، وأخت. فقال لي: ما قال فيها الصدّيق ﵁؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، والجدّ ما بقي لأنّه كان يراه أبا. قال: فما قال أمير المؤمنين- يعني عثمان ﵁؟ قلت: جعل المال بينهم ثلاثا. قال: فما قال ابن مسعود ﵁؟ قلت (٤): أعطى الأخت النصف، والأمّ ثلث ما بقي، والجدّ الثلث لأنّه كان لا يفضّل أبا على جدّ. قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، وجعل ما بقي بين الأخت والجدّ للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه كان يجعل الجد كأحد الإخوة. (قال): فزمّ أنفه ثمّ قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: أعطى الأمّ الثلث، والأخت النصف، والجدّ السدس. فأطرق ساعة ثمّ رفع رأسه، فقال: فإنّه امرؤ يرغب عن قوله (٥). وجلس الحجّاج يوما يأكل في جماعة، منهم

стр. 1066

محمد بن عمير (١) بن عطارد بن حاجب بن زرارة، وحجّار بن أبجر بن بجير (٢) العجلي، فأقبل على محمد بن عمير فقال: يا محمد، يدعوك قتيبة بن مسلم إلى نصرتي يوم رستاق باذ، فتقول: هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل! لا جعل الله لك فيه ناقة ولا جملا! يا حرسيّ، خذ بيده وجرّد سيفك فاضرب عنقه! فنظر الحجّاج إلى الحجّار وهو يبتسم فدخلته العصبيّة، وكان مكان حجّار من ربيعة كمكان محمد ابن عمير من مضر. وأتى الخبّاز بفرنيّة أو لبنيّة (٣)، فقال: اجعلها ممّا يلي محمّدا، فإنّ اللبن يعجبه. يا حرسيّ، شمّر سيفك (يعني: أغمده) وانصرف! وقال الحجّاج على المنبر: يزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله يقول: وَثَمُودَ فَما أَبْقى [النجم: ٥١]. وقال يوما لأبي العسوس الطائي: أيّ أقدم، أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيّى الجبلين؟ فقال أبو العسوس: إن كانت ثقيف من بكر بن هوازن، فنزول طيّ الجبلين قبلها. وإن كانت ثقيف من ثمود فهي أقدم. فقال الحجّاج: يا أبا العسوس، اتّقني، فإنّي سريع الخطفة للأحمق المتهوّك! فقال أبو العسوس [الطويل]: يؤدّبني الحجّاج تأديب أهله ... فلو كنت من أولاد يوسف ما عدا وإنّي لأخشى ضربة ثقفيّة ... يقدّ بها ممّن عصاه المقلّدا على أنّني ممّا أحاذر آمن ... إذا قيل يوما: قد عتا المرء واعتدى [انتقامه من الموالي لخروجهم مع ابن الأشعث] ونظر الحجّاج بعد وقعة ابن الأشعث فإذا جلّ من خرج معه من الفقهاء وغيرهم من الموالي، فأحبّ أن يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب ويخلطهم بأهل القرى والأنباط، فقال: إنّما الموالي علوج، وإنّما أوتي بهم من القرى، فقراهم أولى بهم (٤). فأمر بتسييرهم من الأمصار، وإقرار العرب بها، وأمر أن ينقش على يد كلّ إنسان منهم اسم قريته التي وجّهه إليها. وطالت ولاية الحجّاج فتوالد القوم هناك فخبثت لغات أولادهم وفسدت طباعهم. فلمّا قام سليمان بن عبد الملك أخرج من كان في سجن الحجّاج من المظلومين، وكانوا [٣٣٧ أ] ثمانين ألفا، وردّ المنقوشين فرجعوا في صورة الأنباط، ففي ذلك يقول الراجز: جارية لا تدري ما سوق الإبل ... أخرجها الحجّاج من كنّ وظلّ لو كان بدر حاضرا وابن حمل ... ما نقشت كفّاك في جلد جلل (٥) وقال شاعر لمّا استقضي أبو عصمة نوح بن درّاج على الكوفة [البسيط]: يا أيّها الناس قد قامت قيامتكم ... إذ صار قاضيكم نوح بن درّاج (٦)

стр. 1067

لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت ... كفّاه ناجية من نقش حجّاج ويروى عن حسّان النبطيّ (١) قال: رأيت الحجّاج فيما يرى النائم، فقلت: أصلح الله الأمير، ما صنع الله بك؟ فقال: يا نبطيّ، اهدأ عليك! فقال حسّان: «فرأيتنا لا نفلت من نقشه في الحياة ومن شتمه بعد الوفاة! »، ويروى أنّه قصّ هذه الرؤيا على ابن سيرين، فقال له: لقد رأيت الحجّاج بالصحّة. وكان العديل بن الفرخ بن معن بن أسود بن عمرو بن بن جابر بن ثعلبة بن سنيّ بن الحارث بن ربيعة بن عجل بن لحيم العجليّ هاربا من الحجّاج، فجعل لا يحلّ ببلدة إلّا ريع لأثر يراه من آثار الحجّاج، فهرب حتّى أبعد. ففي ذلك يقول [الطويل]: يخوّفني الحجّاج حتى كأنّما ... تحرّك عظم في الفؤاد مهيض ودون يد الحجّاج من أن تنالني ... بساط لأيدي اليعملات عريض مهامه أشباه كأنّ سرابها ... ملاء بأيدي الغاسلات رحيض (٢) فلم ينشب أن أتى به الحجّاج، ففي ذلك يقول العديل [الطويل]: فلو كنت في سلمى أجأ وشعابها ... لكان لحجّاج عليّ دليل خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل بنى قبّة الإسلام حتى كأنّما ... أتى الناس من بعد الضلال رسول (٣) وقال سوّار بن المضرّب، وقد هرب من الحجّاج [الطويل]: أقاتلي الحجّاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا (٤) فإن كان لا يرضيك حتى تردّني ... إلى قطريّ ما إخالك راضيا إذا جاوزت درب المجيزين ناقتي ... فباست أبي الحجّاج لمّا ثنانيا (٥) أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا (٦) وكان محمد بن عبد الله بن أبي نمير النميري الثقفيّ يشبّب بزينب بنت يوسف أخت الحجّاج، وفيها يقول من أبيات [الطويل]: تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات يحنين أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات (٧) فطلبه الحجّاج فهرب منه، ثمّ أتى به إليه فقال [الطويل]: [ف] هاك يدي، ضاقت بي الأرض رحبها ... وإن كنت قد طوّفت كلّ مكان (٨)

стр. 1068

فلو كنت بالعنقاء أو بأسومها ... لخلتك إلّا أن تصدّ قراني (١) ثمّ قال: والله يا أيّها الأمير، والله إن قلت إلّا خيرا، إنّما قلت: يحنين أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات [٣٣٧ ب] فعفا عنه. ثمّ قال: أخبرني عن قولك [الطويل]: ولمّا رأت ركب النميريّ أعرضت ... وكنّ من أن يلقينه حذرات في كم كنتم؟ قال: كنت على حمار هزيل، ومعي صاحب على أتان مثله. *** ويقال: إنّ الحجّاج كان هو وأخوه معلّمين بالطائف، وكان لقبه كليبا، وفي ذلك يقول القائل [المتقارب]: أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر؟ رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الزاهر يريد: أنّ خبز المعلّمين يأتي مختلفا لأنّه من بيوت صبيان مختلفي الأحوال. وقال آخر [المتقارب] كليب تمكّن في أرضكم ... وقد كان فينا صغير الخطر ولمّا دخل الحجّاج مكّة اعتذر لأهلها بقلّة ما وصلهم به، فقال قائل منهم (٢): إذن والله لا نعذرك، وأنت أمير العراقين، وابن عظيم القريتين، يريد عروة بن مسعود الثقفيّ [والوليد بن] المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فأمّا عروة فإنّه ولد الحجّاج من قبل أمّه. [ثكله في ابنه وأخيه] ورأى الحجّاج في منامه أنّ عينيه قلعتا فطلّق الهندين: هند بنت المهلّب، وهند بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمّد، فقال: هذا والله تأويل رؤياي. (ثم قال): إنّا لله وإنّا إليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد! (ثم قال- الطويل): عزائي نبيّ الله من كلّ ميّت ... وحسبي ثواب الله من كلّ هالك إذا كان ربّ العرش عنّي راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك (٣) وقال: من يقول شعرا يسلّيني؟ فقال الفرزدق (٤) [الكامل]: إنّ الرزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان مثل محمّد ومحمّد ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد فقال: لو زدتني؟ فقال [البسيط]: إنّي لباك على ابني يوسف جزعا ... ومثل فقدهما للدين يبكيني

стр. 1069

ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهما ... إلّا الخلائف من بعد النبيّين (١) فقال: ما صنعت شيئا، إنّما زدت في حزني. فقال الفرزدق [الطويل]: لئن جزع الحجّاج ما من مصيبة ... تكون لمحزون أجلّ وأوجعا من المصطفى والمصطفى من خيارهم ... جناحيه لمّا فارقاه فودّعا أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّه ... وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا جناحا عقاب فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا (٢) قال: الآن! وكتب الحجّاج بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف إلى الوليد بن عبد الملك: أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّه أصيب لمحمّد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن يكن أصابها من حلّها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا ﵀! فكتب إليه الوليد: أمّا بعد، فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف، وإنّما أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، فترحّم عليه ﵀. [الحجّاج وجرير] ولمّا دخل جرير بن الخطفى العراق أتى أبا يوسف الحكم بن أيّوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل الثقفيّ، وهو على البصرة، فكتب الحكم في ذلك إلى الحجّاج: إنّه قدم عليّ أعرابيّ باقعة لم أر مثله. فكتب إليه أن يحمله معه، فلمّا دخل عليه قال: يا جرير، بلغني أنّك ذو بديهة فقل في هذه الجارية - لجارية قائمة على رأسه- فقال جرير: ما لي أن أقول فيها حتّى أتأمّلها، ومالي أن أتأمّل جارية الأمير. فقال: بلى. فتأمّلها وسألها وقال لها: ما اسمك يا جارية؟ فأمسكت فقال الحجّاج: خبّريه يا لخناء. فقالت: أمامة. فقال جرير [الكامل]: ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل مثل الكثيب تهايلت أعطافه ... والريح تجبر متنه وتهيل هذي القلوب صواديا تيّمتها ... وأرى الشفاء وما إليه سبيل (٣) فقال الحجّاج: قد جعل الله لك السبيل إليها، خذها! هي لك. فضرب بيده إلى يدها فتمنّعت عليه، فقال: إن كان طبّكم الدلال فإنّه ... حسن دلالك يا أميم جميل فاستضحك الحجّاج، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة، وكانت من أهل الريّ، وكان إخوتها أحرارا، فاتبعوه فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفا، فلم يفعل. وقال الوليد بن عبد الملك للحجّاج في وفدة وفدها عليه: هل لك في الشراب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللته، ولكنّي أمنع أهل عملي منه، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفهم إلى ما أنهاهم عنه. فأعفاه. ***

стр. 1070

ويذكر أنّ أوّل عمل وليه الحجّاج تبالة، فلمّا سار إليها وقرب منها، قال للدليل: أين هي؟ وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة. قال: لا أراني أميرا على عمل تستره عنّي أكمة. أهون بها عليّ! وكرّ راجعا، فقيل في المثل: أهون من تبالة على الحجّاج. *** ولمّا حضرت الحجّاج الوفاة، قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: أرى ملكا يموت اسمه كليب، وأنت اسمك الحجّاج. قال: أنا والله كليب: أمّي سمّتني به وأنا صبيّ. فمات. *** واستخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة. وقال الحجّاج مرّة لعبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فجعلته تحت ... - وتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا كما يقول الناس: تحت استك- ثم قال: تحت ذيلك. وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان يعظّم أمر قطريّ. فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكريّ زيدا. [فقال الحجّاج لحاجبه: ناد في الناس: من يخبر الأمير بما أوصى به البكريّ زيدا]، فله عشرة آلاف درهم (١). فقال له رجل: أنا أخبره. فأدخله عليه، فقال له: ما قال البكريّ لزيد؟ قال: قال لابن عمّه زيد- والشعر لموسى بن جابر الحنفيّ-[الطويل]: أقول لزيد: لا تثرثر فإنّهم ... يرون المنايا دون قتلك أو قتلي فإن وضعوا حربا فضعها، وإن أبوا ... فشبّ وقود الحرب بالحطب الجزل وإن عضّت الحرب الضروس بنابها ... فعرضة حرّ الحرب مثلك أو مثلي فقال الحجّاج: صدق أمير المؤمنين: عرضة نار الحرب مثله أو مثلي. [قصّة المتمنّية أمّ الحجّاج مع نصر] وحضر الحجّاج يوما مجلس عبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير عنده يحدّثه ويقول: قال أبو بكر كذا، وسمعت أبا بكر يقول كذا- يعني أخاه عبد الله بن الزبير، فقال الحجّاج: أعند أمير المؤمنين تكنّي أخاك المنافق، لا أمّ لك! فقال عروة: يا ابن المتمنّية، ألي تقول: لا أمّ لك، وأنا ابن عجائز الجنّة، صفيّة وخديجة وأسماء وعائشة، رضوان الله عليهنّ؟ وهذه المتمنيّة هي الفريعة بنت الهمام، أمّ الحجّاج، وقيل: إنّ أصحاب الحجّاج كانوا يصيحون بابن الزّبير أيّام محاربته بمكّة: يا ابن ذات النطاقين! - وهم يظنّون ذلك سبّا، فيقول عبد الله بن الزبير: أمّي والله! - وينشد بيت أبي ذؤيب [الطويل]: وعيّرها الواشون إنّي أحبّها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها [٣٣٨ ب] ويحمل ويقول: مكانك يا ابن المتمنّية- يعني أمّ الحجّاج.

стр. 1071

وقيل للفريعة أمّ الحجّاج «المتمنّية» لقولها في نصر بن حجّاج بن علاط بن خالد بن نويرة بن خالد بن حنثر بن نويرة بن هلال بن عبيد بن ظفر بن يهصر [البسيط]: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجّاج؟ إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل ... سهل المحيّا كريم غير ملجاج نمته أعراق صدق حين تنسبه ... أخو حفاظ عن المكروب فرّاج سامي النواظر من بعد له مهل ... تضيء صورته في الحالك الداجي ٥ نعم الفتى في سواد الليل يطرقه ... لبائس ولملهوف ومحتاج (١) وكانت تهوى نصرا هذا حتى ضرب بها المثل، فقيل: أصبّ من المتمنّية. وكان نصر أحسن أهل زمانه صورة فضنيت من حبّه ودنفت من الوجد به، ثمّ لهجت بذكره حتى سار ذكره هجّيراها. فمرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ذات ليلة فسمعها، فتقول رافعة صوتها: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... الأبيات- فقال عمر: «من هذه المتمنّية؟ » فعرّف خبرها، فلمّا أصبح أحضر المتمنّى، فلمّا رآه بهره جماله، فقال له: أنت الذي تتمنّاك الغانيات في خدورهنّ، لا أمّ لك؟ والله لأزيلنّ عنك رداء الجمال! ثمّ دعا الحجّام فحلقه، ثمّ تأمّله فقال: «أنت محلوقا أحسن». فأمره أن يعتمّ فافتتن النساء بعمّته. فقال عمر: والله لا تساكنّي بلدا. فقال: وأيّ ذنب لي في ذلك؟ قال: صدقت، الذنب لي إذ تركتك في دار الهجرة. ثمّ أركبه جملا وسيّره إلى البصرة وكتب معه إلى مجاشع بن مسعود السلميّ: «إنّي صيّرت إليك المتمنّى نصر بن حجّاج السلميّ إلى البصرة». فاستلب نساء المدينة لفظة عمر فضر بن بها المثل، فقلن: «أصبّ من المتمنّية»، فصارت مثلا. وقال نصر بن الحجّاج لمّا حلق [الطويل]: لقد حسد الفرعان أصلع لم يكن ... إذا ما مشى بالفرع بالمتخايل فصلّع رأسا لم يصلّعه ربّه ... يرفّ رفيفا بعد أسود جائل واشتدّ على أمّ نصر غيبة ابنها، فعرضت لعمر بين الأذان والإقامة، فلمّا خرج يريد الصلاة قالت: يا أمير المؤمنين لأحاكمنّك بين يدي الله! أيبيت عبد الله وعاصم إلى جنبك، وبيني وبين ابني المفاوز والفيافي؟ قال لها: إنّ عبد الله وعاصما لم تهتف بهما الغواني العواتق في خدورهنّ. وكتب نصر بن الحجّاج من البصرة إلى عمر: سلام عليك، أمّا بعد [الطويل]: لعمري لئن سيّرتني أو حرمتني ... لما نلت من عرضي عليك حرام أإن غنّت الحسناء يوما بمنية ... وبعض أمانيّ النساء غرام ظننت بي الأمر الذي ليس بعده ... عزاء، وما لي في النديّ كلام ويمنعني ممّا ظننت تكرّمي ... وآباء صدق طاهرون كرام ٥ ويمنعها ممّا ظننت صلاتها ... وحصن لها في قومها وصيام

стр. 1072

فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبّ منّا غارب وسنام فقال عمر ﵁: أمّا، ولي من الأمر شيء، فلا! وأقطعه مالا بالبصرة ودارا فاستوطنها. [وقصّة نصر بن حجّاج مع شميلة] وكما قالوا بالمدينة: أصبّ من المتمنّية، قالوا بالبصرة: أدنف من المتمنّى. وذلك أنّ نصرا لمّا ورد البصرة أخذ الناس يسألون عنه ويقولون: «أينالمتمنّى الذي سيّره عمر؟ » فغلب عليه هذا الاسم بالبصرة كما غلب ذلك الاسم [٣٣٩ أ] على عاشقته بالمدينة. وذلك أنّه لمّا نزل البصرة أنزله مجاشع بن مسعود منزله من أجل قرابته، وأخدمه امرأته شميلة، وكانت أجمل امرأة بالبصرة فعلقته وعلقها، وخفي على كلّ واحد منهما خبر الآخر لملازمة مجاشع ضيفه. وكان مجاشع أمّيّا، ونصر وشميلة كاتبين. فعيل صبر نصر فكتب على الأرض بحضرة مجاشع: إنّي قد أحببتك حبّا لو كان فوقك لأظلّك أو تحتك [لأقلّك]. فوقّعت تحته غير محتشمة: «وأنا»، فقال مجاشع لها: ما الذي كتب؟ قالت: كتب: ما الذي تحلب ناقتكم؟ فقال: وما الذي كتبت تحته؟ فقالت: كتبت: وأنا. فقال مجاشع: كم تحلب ناقتكم، وأنا: ما هذا لهذا بطبق! فقالت: أصدقك، إنّه كتب: كم تغلّ أرضكم؟ فقال مجاشع: كم تغلّ أرضكم، وأنا، ما بين كلامه وجوابك قرابة! ثمّ كبّ على الكتابة جفنة، ودعا بغلام من الكتّاب فقرأ عليه فالتفت، فقال: يا ابن عمّ، ما سيّرك عمر من خير. قم، فإنّ وراءك أوسع لك. فنهض مستحييا، وعدل إلى منزل بعض السلميّين فوقع لجنبه فضني من حبّ شميلة ودنف حتّى صار رحمة، وانتشر خبره، فضرب نساء البصرة به المثل، فقلن: أدنف من المتمنّي. ثمّ إنّ مجاشعا وقف على خبر علّة نصر، فدخل عليه عائدا، فلحقته رقّة لما رأى به من الدنف، فرجع إلى بيته وقال لشميلة: عزمت عليك لما أخذت خبزة فلكتها بسمن ثم بادرت بها إلى نصر. فبدرت بها إليه، فلم يكن به نهوض، فضمّته إلى صدرها وجعلت تلعقه بيدها. فعادت قواه وبرئ كأن لم تكن علّة (١). فقال بعض عوّاده: قاتل الله الأعشى! لكأنّه شهد منهما النجوى حيث يقول [السريع]: لو أسندت ميتا إلى نحرها ... قام ولم ينقل إلى قابر فلمّا فارقته عاوده النكس، ولم يزل يتردّد في علّته حتى مات منها. ومرّ فتى من أهل الكوفة بالحجّاج وهو يعرض الناس، فأعجبه فقال: ممّن أنت يا فتى؟ قال: من قوم لم يكن فيهم جبان. قال الحجّاج: أنت إذن من يام. قال: أنا منهم- ويام هذا هو يام بن أضبى بن رافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن عوف بن همدان. وكانت يام تدعى في الجاهليّة قتلة جبانها. وكان فيهم جبان في الجاهليّة يقال له قنيب: فحلفوا ألّا يولد له ولد فيهم أبدا. وحلفوا على قتله. فقال لهم رجل منهم: ويحكم! اخصوه ولا تقتلوه! فإنّه لا يولد له إذا كان خصيّا، ولا تحنثون في أيمانكم. فشاع ذلك في همدان، فكرهت أن تذهب يام

стр. 1073

بهذا الذكر، فقالوا: خذوا من كلّ قبيلة سهما فارموه بجميع السهام، وإلّا حلنا بينكم وبينه. فأجابوهم إلى ذلك، فبعث إليهم من كلّ قبيلة بسهم، ثمّ صيّروه هدفا وجعلوا يرمونه، وهم يقولون: لله سهم ما نبا من عينب ... حتى توارى نصله في منشب ويروى أنّ الحجّاج قدّم أسرى ليضرب أعناقهم، وفيهم عامر بن حطّان أخو عمران بن حطّان في جماعة من الخوارج، فأمر بقتلهم، وكان حنقاعلى عامر لبسالته. فلمّا انتهى القتل إليه قال للسيّاف: اقتل ابن الفاعلة! - مقذعا له. فقال له عامر: يا حجّاج، بئس ما أدّبك به أهلك! أبعد الموت غاية أستبقيك لها؟ ما يؤمّنك لو رددت عليك أضعاف ما قلت؟ فاستحيى الحجّاج وقال: أفيك موضع للصنية؟ قال: أجل. فأمر له بقرس مسرّج وسيف محلّى، وخلّى سبيله. فقال له الخوارج: لتعودنّ إلى محاربة عدوّ الله، فإنّ الله أطلقك بخير. قال: هيهات! استرقّ عنقا معتقها، وارتهن يدا مطلقها! - ثمّ قال [الكامل]: أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته؟ إنّي إذن لأخو الدناءة والذي ... علّت على عرفانه جهلاته ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصفّ واحتجّت له فعلاته [٣٣٩ ب] أأقول جرت عليّ إني فيكم ... لأحقّ من جارت عليه ولاته ٥ وحلفت ما ظنّي بحقّ إنّني ... فيكم لمدره مطرق وعلاته (١) تالله لا كدت الأمير بآلة ... وجوارحي وسلاحها الآية وتحدّث الأكفاء أنّ صنائعا ... غرست لديّ فحنظلت نخلاته أبت الحزامة أن أبيت مصعّرا ... خدّي وخيل الحقّ منتعلاته وقال الهيثم بن عديّ: دخل عبد الرحمن بن أبي بكرة على الحجّاج فقال: ما أذهب أسنانك؟ قال: أكل الحارّ، وشرب القارّ. قال: فما طعامك؟ قال: أكتفي (٢) بلحوم صغار المعز. قال: فما شرابك؟ قال: ما حلّ قليله وحرم كثيره. قال: فما الذي بقّى طرّتك؟ قال: لم تأت عليّ ليلة إلّا تمرّخت فيها بالبنفسج من قرني إلى قدمي. (قال): فما زال الحجّاج يتمرّخ حتّى مات. ١١٢٢ - حجر بن الحارث المذحجيّ [- بعد ٦٤] (٣) حجر بن الحارث بن قيس المذحجيّ، ويقال: حجر بن عمرو من بني الحارث بن [ ... ]، يكنّى أبا الورد. حدّث عن أبي هريرة وعبد الله بن الزبير. حدّث عنه الحارث بن يزيد ولهيعة بن عقبة.

стр. 1074

شهد صفّين مع عليّ ﵁ وحضر النهروان مع الحروريّة وارتثّ (١)، فكان أوّل من أتى مصر برأي الخوارج، وأقام بها حتى قام عبد الله بن الزبير بمكّة بعد موت يزيد بن معاوية يدعو إلى نصرة الحرم، فخرج إليه فيمن خرج منها، والأمير بمصر يومئذ مسلمة بن مخلد الأنصاري. فأقاموا معه يمنعون الكعبة أن تنتهك حرمتها. ثمّ قدم مع عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم إلى مصر في شعبان سنة أربع وستّين، ومعه جمع كبير من الخوارج الذين كانوا مع ابن الزبير من أهل مصر وغيرهم، فأظهروا التحكيم وقالوا: لا حكم إلّا لله، ودعوا إليه (٢). ١١٢٣ - الحرّ الأمويّ أمير مصر [- ١١٣] (٣) [٥٢٢ أ] الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. ولّاه هشام بن عبد الملك الصلاة والحرب بمصر فقدمها لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة خمس ومائة بعد محمد بن عبد الملك بن مروان، فأقرّ حفص بن الوليد على شرطه. وانتقض عامّة أهل الحوف الشرقيّ من أجل أنّ عبيد الله بن الحبحاب متولّي الخراج زاد على كلّ دينار قيراطا. فبعث إليهم الحرّ بأهل الديوان فحاربوهم وقتلوا منهم بشرا كثيرا، وذلك سنة سبع ومائة، وهو أوّل انتقاض القبط بمصر. ورابط الحرّ بدمياط ثلاثة أشهر، واستخلف حفصا، ثمّ وفد إلى هشام بن عبد الملك في شوّال منها، واستخلف حفصا [على الفسطاط] حتى قدم في ذي القعدة. وفي إمارته انحسر النيل عن البرّ، فكتب إلى هشام أنّ النيل انكشف عن أرض ليست لمسلم ولا لمعاهد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا بالبناء فيها فإنّ الناس مضطرّون إليها، فأذن له في بنائها قيساريّة، فابتدأ بناءها في رجب منها حتّى فرغت. وفي سنة ثمان [ومائة] تباعد ما بينه وبين عبيد الله بن الحبحاب، فكتب عبيد الله إلى هشام يكثر من ذمّه. وكتب الحرّ يستعفي، فصرفه هشام في ذي القعدة سنة ثمان ومائة، فكانت ولايته على مصر ثلاث سنين سواء. وعاد إلى دمشق فولّاه الموصل، فبنى بها دارا سمّيت «المنقوشة». لأنّه نقشها بالساج والرخام والفصوص الملوّنة. ورأى ذات يوم امرأة تحمل جرّة ماء، فإذا تعبت وضعتها ساعة ثمّ حملتها، وذلك لبعد الماء. فكتب إلى هشام بذلك فأمره أن يحفر نهرا إلى البلد فحفره فكان أكثر شرب أهل البلد منه، وبقي العمل فيه عدّة سنين. ولم يزل على الموصل حتّى مات بها في ذي الحجّة سنة ثلاث عشرة ومائة. ١١٢٤ - أبو عمر الجهنيّ المحدّث [- ٢٠٤] (٤) [٥٢٣ أ] [٣٤٠ أ] حرملة بن عبد العزيز بن الربيع بن سبرة الجهنيّ، أبو عمر. كوفيّ قدم مصر وحدّث بها عن أبيه وعمّه عبد الملك بن سبرة، وعثمان بن مضرّس (٥). حدّث عنه الحميديّ، وعليّ بن حجر، وأحمد بن الفرح الحجازيّ، وطائفة كثيرة.

стр. 1075

وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في الثقات، توفّي سنة أربع ومائتين. ١١٢٥ - حرملة بن عمران الحاجب [٨٠ - ١٦٠] (١) [٥٢٣ أ] حرملة بن عمران بن قراد، مولى سلمة ابن مخرمة، التجيبي، ثمّ من بني زميلة، أبو حفص. ولد سنة ثمانين، وروى عن عبد الرحمن بن شمّاسة، وعبد العزيز بن عبد الملك بن مليل. روى عنه الليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وجرير بن حازم، ورشدين بن سعد، وعبد الله بن وهب، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن صالح، في آخرين. وكان فقيها يحجب الأمراء زمن بني مروان، ويقال له: حرملة الحاجب. وولي سوق مصر في امرأة عبد الملك بن موسى بن نصير. قال عبد الله بن يزيد المقرئ: أتينا حرملة بن عمران لنسمع منه يوم سبت فخرج علينا راكبا على بغلة، فقال: إنّ هذا يوم لا أشتغل فيه بغير المقابر. قلت: وما تصنع في المقابر؟ قال: أبكي على أهل الشرف. إنّما الدين مع الشرف، فإذا ذهب أهل الشرف ذهب الدين. وقال ابن المبارك: حدّثني حرملة بن عمران، وكان من أولي الألباب. وانفرد ابن المبارك عنه بثلاثة أحاديث لم يحدّث بها عنه غيره، وهي: حديث حرملة عن عبد العزيز بن عبد الملك بن مليل عن أبيه عن عقبة بن عامر يرفعه: ليقرأنّ القرآن أقوام ... (٢). وحديثه عن عبد الله بن الحارث الأزدي عن غرفة [بن] الحارث الأزديّ (٣). وحديثه عن عبد الرحمن بن شمّاسة عن غرفة بن الحارث. وتوفّي في صفر سنة ستّين ومائة. وثّقه ابن معين، وخرّج له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة. ١١٢٦ - حرملة المدلجيّ (٤) حرملة بن معن بن جعشم المدلجيّ، من الصحابة، كان بمصر. ١١٢٧ - حرملة الزميليّ صاحب الشافعيّ [١٦٦ - ٢٤٣] (٥) حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن [عمران بن] قراد، مولى بني زميلة، من تجيب، أبو حفص. ولد سنة ستّ وستّين ومائة. وروى عن الشافعيّ وتفقّه به، وصار من أئمّة أصحابه. وروى عن [أبي] عبد الله [محمد] بن وهب، ولم يكن بمصر أكتب عن ابن وهب منه. وذلك أنّ ابن وهب أقام [٥٢٣ ب] في منزلهم سنة وأشهرا مستخفيا من الأمير عبّاد بن محمد، وقد طلبه ليولّيه قضاء مصر.

стр. 1076

وروى عن أيّوب بن سويد الرملي، وبشر بن بكر التنيسيّ، وسعيد بن أبي مريم، ومؤمّل بن إسماعيل. وروى عنه مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، وأحمد بن الهيثم، وحفيده أحمد بن طاهر بن حرملة، والحسن بن سفيان، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وخلق. وكان من أكثر الناس رواية عن ابن وهب. وعن حرملة: عادني ابن وهب في رمد كان بي، فقال لي: يا أبا حفص، لا يعاد من الرمد، ولكنّك من أهلي. ونظر إليه أشهب، فقال: هذا خير أهل المسجد، ولم يكن أبوه كذاك. وقال يحيى بن معين: كان أعلم الناس بابن وهب. وقال ابن عديّ: سألت عبد الله بن محمد بن إبراهيم الفرهاداني أن يملي علينا شيئا من حديث حرملة. فقال لي: يا بنيّ، وما تصنع بحرملة؟ حرملة ضعيف! ثمّ أملى علينا عن حرملة ثلاثة أحاديث، لم يزدني على ذلك. وسمعت ابن سلم يقول: أتينا أحمد بن صالح فلم يحدّثني وذلك أنّي بدأت بحرملة، ومن بدأ بحرملة لم يحدّثه أحمد. فحملت كتاب يونس بن يزيد، وكنت كتبته عن حرملة لأرضيه فخرقته بين يديه. فليتني لم أخرقه لأنّه لم يحدّثني! وقال أحمد بن صالح: صنّف ابن وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث، فعند بعض الناس منها النصف- يعني نفسه- وعند بعض الناس منها الكلّ- يعني حرملة. قال ابن عديّ: قال لنا محمد بن موسى: وكان أحمد بن صالح قد سمع في كتاب حرملة فأعطاه من سماعه النصف. (قال): وحديث ابن وهب كلّه عند حرملة، إلّا حديثين: حديث ينفرد به أبو الطاهر ابن السرح، وحديث يحدّث به عنه الغرباء: فحديث أبي الطاهر: كلّكم سيّد (١). وحديث الغرباء: لا حليم إلّا ذو عثرة (٢). قال ابن عديّ: وحرملة روى عن ابن وهب والشافعيّ ما لم يروه أحد. فأمّا ابن وهب فكان متواريا في دارهم، طلب للقضاء فتوارى عندهم فسمع منه ما لم يسمعه أحد. فحديث ابن وهب، مقطوعه ومسنده وأصنافه ونسخه، كلّها عنده إلّا ما ذكرت من هذين الحديثين. وحدّث عن الشافعيّ بالكتب وحكايات منثورة لم يروها أحد غيره. وكتب الشافعيّ التي رواها حرملة عنه فيها زيادات كثيرة ليست عند أحد. وحدّث عن غيرهما ممّن كتب عنه بمصر وبمكّة، وقد تبحّرت حديث حرملة الكثير وفتّشته فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعّف من أجله. ورجل توارى ابن وهب عندهم ويكون حديثه كلّه عنده، فليس يبعد أن يغرب على غيره [] من أصحاب ابن وهب كتبا ونسخا وإفرادات ابن وهب (٣). وأمّا حمل أحمد بن صالح عليه، فإنّ أحمد سمع في كتبه من ابن وهب فأعطاه نصف سماعه، ومنعه النصف، فتولّد بينهما العداوة من هذا. وكان من كان يبدأ إذا دخل مصر بحرملة لا يحدّثه أحمد بن صالح، وما رأيت أحدا جمع بينهما فكتب عنهما جميعا، ورأينا أنّ من عنده حرملة

стр. 1077

ليس عنده أحمد، ومن عنده أحمد ليس عنده حرملة. وتوفّي حرملة ليلة الخميس لتسع بقين من شوّال سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وله كتاب المبسوط وكتاب المختصر في الفقه (١)، وقد قال أبو حاتم: لا يحتجّ به. ١١٢٨ - حرمي الورّاق [٥٥٩ - ٦٤٧] [٥٢٥ أ] حرمي بن عبد الغني بن عبد الله بن أبي بكر، أبو الكرم، الأنصاريّ، الخزرجيّ، الورّاق. ولد بمصر في سنة تسع وخمسين وخمسمائة تخمينا. وتوفّي بمصر في أواخر ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستّمائة. ١١٢٩ - حرمي الدقيقي [٥٥٩ - ٦٣٩] (٢) [٥٢٥ أ] حرميّ بن محمود بن عبد الله بن نعمة بن كثير بن ماجد، أبو الحرم، الروبي الأصل، المصري المولد والدار، الدقيقي، الطحان. ولد بمصر سنة تسع وخمسين وخمسمائة تخمينا. وتوفي بها بعد عوده من الحجّ يوم الجمعة من صفر سنة تسع وثلاثين وستّمائة. ودفن من الغد بسفح المقطّم عند والده. وذكر أنّه من روبة، بلد بالشام- وهي بضمّ الراء وسكون الواو وفتح الباء الموحّدة. ١١٣٠ - حرمي الخرّاط [٥٥٩ - ٦٤١] (٣) [٥٢٥ أ] حرميّ بن موسى بن عبد الله بن هلوات بن عبد الرحمن، أبو موسى وأبو مسعود، الجذاميّ، الزيديّ، الناتليّ، المصريّ، الشافعيّ، الخرّاط. ولد في نصف جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ١١٣١ - حرمي الفاقوسي العامري [٦٤٩ - ٧٣٤] (٤) [٥٢٥ أ] حرمي بن قاسم بن يوسف، العامريّ، مجد الدين، أبو اليمن، الفاقوسيّ، الشافعيّ، وكيل بيت المال، وأحد نوّاب الحكم بالقاهرة، ومدرّس المدرسة الناصريّة بجوار قبّة الإمام الشافعيّ بالقرافة. ولد سنة تسع وأربعين وستّمائة تخمينا. وقرأ على الباجي الأصول، وبرع في الفقه، وعرف بالمروءة فقصده الناس لقضاء حوائجهم، فكان يبذل فيها جهده ويبالغ في السعي لهم، وقلّما مات أمير كبير إلّا وأسند وصيّته إليه، فكان الناس يقولون عنه: هو آدم أبو البشر! وكان وكيل بيت الملك الظاهر بيبرس، ووكيل الأمير أيبك الخزندار، والأمير بكتمر الجوكندار الكبير. وكان ساكنا خيّرا. توفّي يوم الثاني من ذي الحجّة سنة أربع

стр. 1078

وثلاثين وسبعمائة، وقد أسنّ وعجز عن الحركة. ١١٣٢ - حريث الجذاميّ (١) [٥٢٦ أ] حريث بن باهل بن عثمان بن امرئ القيس، الجذاميّ، ثمّ الوائليّ- من وائل بن زيد مناة بن أفصى بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام- وكان رئيس جذام. شهد فتح مصر. ١١٣٣ - أبو الخطّار الكلبيّ أمير الأندلس [- ١٢٩] (٢) [٥٢٦ أ] حسام بن ضرار بن سلامان بن خثيم بن ربيعة بن حصن بن ضمضم بن عديّ بن جنّاب بن هيل بن عبد الله بن كنانة [٣٤١ أ] بن بكر بن عوف بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، أبو الخطّار، الكلبيّ، أمير الأندلس. قدم مصر ودخل إفريقيّة، فلمّا مات بلج بن بشر (٣) وقام من بعده بالأندلس ثعلبة بن سلامة [العامليّ] وثارت البربر بناحية ماردة، قال أبو الخطّار يعرّض بيوم مرج راهط وما كان فيه [من] بلاء كلب مع مروان بن الحكم (٤)، وقيام القيسيّة مع الضحّاك بن قيس الفهريّ على مروان [الطويل]: أفادت بنو مروان قيسا دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل كأنّكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثمّ له الفضل وقيناكم حرّ القنا بنحورنا ... وليس لكم خيل تعدّ ولا رجل فلمّا بلغ هشام بن عبد الملك ذلك كتب إلى حنظلة بن صفوان الكلبيّ (٥) وقد استعمله على إفريقيّة، أن يولّي أبا الخطّار الأندلس، فولّاه وبعثه إليها، فقدم في رجب سنة خمس وعشرين [ومائة] يوم جمعة. فدانت له، وفرّق جمع بلج بن بشر وعبد الرحمن بن حبيب (٦)، وأخرج ثعلبة بن سلامة (٧) في سفينة إلى إفريقيّة، ثمّ أخرج بعده عبد الرحمن بن حبيب، وأخرج مع ثعلبة أهل الشام فنزلوا القيروان مع حنظلة. وأظهر أبو الخطّار عدلا في الحكم وقصدا في السيرة إلى أن مالت به العصبيّة لليمنيّة والحبّ لهم والميل معهم على المضريّة، فأفسد أمره بسرعة وهاجت الفتنة: وذلك أنّ رجلا من كنانة خاصم رجلا من غسّان، فاستعان الكناني بالصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ [كبير القيسيّة، وكان من طوالع بلج] (٨)،

стр. 1079

فكلّم فيه أبا الخطّار فأغلظ له فردّ عليه الصميل، فأقيم وضرب قفاه فمالت عمامته (١)، وخرج فقيل له: نرى عمامتك مالت. فقال: إن كان لي قوم فسيقيمونها. ثمّ مضى فجمع له كما ذكر في ترجمته (٢)، وأتى شذونة فاستخلف أبو الخطّار على قرطبة، وخرج إليهم فاقتتلوا في رجب سنة سبع وعشرين ومائة قتالا شديدا فانهزم أبو الخطّار وأسر، بعد ما قتل أصحابه شرّ قتل، وسجنه الصميل وثوابة بن سلامة الجذامي بقرطبة، وملكها ثوابة. فثار عبد الرحمن بن حسّان الكلبي وأخرج أبا الخطّار من السجن (٣) واستجاش اليمانيّة، فاجتمع له خلق كثير وأقبل بهم إلى قرطبة وقاتل ثوابة والصميل ومعهما المضريّة واليمانيّة. فلمّا اشتدّت الحرب نادى رجل: يا معشر اليمانيّة، ما لكم تتعرّضون للحرب على أبي الخطّار، وقد جعلنا الأمير منكم؟ - يعني ثوابة، فإنّه كان من اليمن- ولو أنّ الأمير منّا لقد كنتم تعذرون في قتالكم لنا. وما نقول هذا إلّا تحرّجا من الدماء ورغبة في عافية العامّة! فقال الناس: صدق والله! والأمير منّا، فما بالنا نقاتل قومنا؟ وتركوا القتال وافترقوا، وفرّ أبو الخطّار إلى باجة ورجع ثوابة إلى قرطبة، فسمّي ذلك العسكر عسكر العافية (٤). فلمّا مات ثوابة في سنة تسع وعشرين [ومائة]، وأقام الصميل بعده يوسف بن عبد الرحمن الفهري، قال أبو الخطّار: إنّما أراد الصميل أن يصيّر الأمر إلى مضر- وسعى في الناس حتى ثارت الفتنة بين اليمن ومضر، واجتمعت اليمنيّة إليه والمضريّة إلى الصميل، وتزاحفوا واقتتلوا أيّاما كثيرة قتالا لم يكن بالأندلس أعظم منه. ثمّ أجلت الحرب عن هزيمة اليمنيّة، فمضى أبو الخطّار منهزما واستتر في رحى [بشقندة] كانت للصميل، فدلّ عليه فأخذه الصميل وقتله. وكان شجاعا ذا رأي وكرم، وهو الذي قسم كور الأندلس على أجناد الشام لمّا كثروا عنده، ولم تحملهم قرطبة ففرّقهم في البلاد، فأنزل أهل دمشق إلبيرة لشبهها بها وسمّاها دمشق، وأنزل أهل حمص إشبيلية وسمّاها حمص، وأنزل أهل قنّسرين بجيّان وسمّاها قنّسرين، وأنزل أهلالأردنّ بريّه وسمّاها الأردنّ، وأنزل أهل فلسطين بشذونة وسمّاها فلسطين، وأنزل أهل مصر بتدمير وسمّاها مصر لشبهها بها، فجرت أسماء هذه الكور على ذلك مدّة. وكان أبو الخطّار مع فروسيّته وكرمه شاعرا محسنا، فمن شعره قوله [البسيط]: إنّ ابن بكر كفاني كلّ معضلة ... وحطّ عن غاربي ما كان يؤذيني إذا اتّخذت صديقا أو هممت به ... فاعمد لذي حسب ترضاه أو دين ما قدّر الله في مالي وفي ولدي ... لا بدّ يدركني، لو كنت في الصين

стр. 1080

١١٣٤ - حسام القوّال [- بعد ٦١٥] (١) [٥٢٧ أ] حسام بن عليّ بن مروان القوّال [ ... ]. وحضر في ناحية بوصير سنة خمس عشرة وستّمائة في مجتمع، وأنشد [الطويل]: سرت نفحة كالمسك، بل هي أعطر ... وأردية الظلماء تطوى وتنشر فأوهمت صحبي أنّها عرف روضة ... ينمّ بها واشي النسيم ويخبر وما هي إلّا نفحة بعثت بها ... سليمى، إلى صبّ ينام ويسهر وإلّا فما ذاك النسيم الذي سرى ... بذي الأثل عن عرف العبير يعبّر فقام فقير اسمه ثابت وتواجد، وقال: «أعد! » فأعاده. ثمّ أنشد أيضا [(٢)]: يا سادتي بالذي أزعجني وثبّتكم ... ومن عليّ قضى دائم محبّتكم لو كنت في القبر وأقسمتم بصحبتكم ... قامت عظامي إلى الطاعة ولبّتكم فجاء الفقير ومسك بطوقه، وما زال ينهج (٣) حتى مات. وعملت دعوة مرّة في خانكاه سعيد السعداء بالقاهرة. وحضر في السماع خلق كثير من المشايخ وغيرهم. فغنّى القوّال وطاب (٤) الجماعة، وفقير فيهم لا يتحرّك، فلمّا كان في آخر السماع غنّي المغنّي مواليا: إذا اجتمعتم وهبّت نسمة الأسحار ... وقد تغنّت على أغصانها الأطيار قولوا إذا لم تروا شخصي مع الحضّار ... مسكين فلان، حظي منّا ببعد الدار فصاح ذلك الشابّ وخرّ ميتا ﵀. ١١٣٥ - العماد المحلّيّ [٥٦٠ - ٦٢٩] (٥) [٥٢٨ أ] حسام بن غزّي بن يونس، أبو المناقب، عماد الدين، ابن الجمال، الشافعيّ، المحلّيّ. ولد سنة ستّين وخمسمائة، وتفقّه بمصر على الشهاب أبي الفتح محمد بن محمود بن محمد الطوسيّ، وسمع من البوصيري وغيره. وحدّث بمصر ودمشق، وسكنها. وكان لا يأكل لأحد شيئا ولا للسلطان. وإذا حضر طعاما أخرج من كمّه شيئا وأكله. وكان لا يزال معه ألف دينار في وسطه، وتصدّر بالمحلّة في رجب سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ومات في ربيع الأوّل سنة تسع وعشرين وستّمائة ليلة الأربعاء عاشر شهر ربيع الأوّل بدمشق، وخلّف مالا كثيرا ورثه عصبته. وكانت له معرفة حسنة بالأخبار وأيّام الناس مع دين وصلاح وورع.

стр. 1081

ومن شعره قوله [الخفيف]: قيل لي: من هويت قد عبث الشع ... ر بخدّيه، قلت: ما ذاك عاره جمرة الخدّ أحرقت عنبر الخا ... ل فمن ذلك الدخان عذاره وقوله [السريع]: شوقي إليكم دون أشواقكم ... لكنّه لا بدّ أن يشرح لأنّني عن قلبكم غائب ... وأنتم في القلب لن تبرحوا (١) ١١٣٦ - حسام بن نصر العقيليّ [- بعد ٥٥٨] (٢) [٣٤٢ أ] حسام بن نصر بن مبارك العقيليّ، ابن [٥٢٨ ب] بنت أخت الصالح طلائع ابن رزّيك، الأمير عزّ الدين. كان مقدّم عسكر الصالح. وتأخّر بعد زوال الدولة الفاطميّة، وسار إلى الشام، ورحل إلى العراق، وله شعر. ١١٣٧ - حسّان بن سيّار الأوزاعيّ [٥٢٩ أ] حسّان بن سيّار الأوزاعي، رسول نبيّ الله شعيب. مرّ بمصر لمّا بعثه إلى إفريقيّة، ذكر الهمدانيّ عن ابن الكلبيّ (٣) قال: أخبرني أبو بكر بن عيّاش عن سليمان الطويل، عن عبد الرحمن بن زياد [بن أنعم] الإفريقيّ، قال: خرجت بإفريقيّة مع عمّي إلى مزدرع لنا، فحفر عمّي موضعا فأصاب ترابا هشّا فطمع فيه، فحفرنا عامّة نهارنا حتّى أفضينا إلى بيت كهيئة الأزج، وإذا فيه شيخ مسجّى بثوبه، وعند رأسه كتاب: أنا حسّان بن سيّار الأوزاعي رسول شعيب النبيّ ﷺ إلى هذه البلاد (٤)، فدعوت أهلها إلى الإيمان فكذّبوني وقتلوني، ودفنت في هذا الحفر، فمنه يبعثني الله فأخاصمهم يوم القيامة- قاله الرشاطيّ. وقال: ذكر ابن الكلبيّ في نسب حمير، قال: ولد زيد بن سدد بن زرعة بن سبإ الأصغر م [ا] لكا ومرثدا وهم الأوزاع، بطن في همدان. ١١٣٨ - حسّان بن عبد الرحمن الجهنيّ [- ٦٣٦] (٥) حسّان بن عبد الرحمن بن حسّان بن محمد بن عبد الواحد، الفقيه، أبو علي، الجهني، المهدويّ الأصل، الإسكندرانيّ المولد والدار، المالكيّ. سمع من السلفيّ، وحدّث. وقرأ الأصول والطبّ، وبرع فيهما. توفّي بثغر الإسكندريّة في أواخر رجب سنة ستّ وثلاثين وستّمائة.

стр. 1082

١١٣٩ - حسّان بن عتاهية [- ١٣٣] (١) حسّان بن عتاهية بن عبد الرحمن بن حسّان بن عتاهية بن خزز (٢) بن سعد بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد بن تجيب، التجيبي، أبو حسّان، أمير مصر. جالس عطاء بن أبي رباح وسمع منه، وكان فقيها. ولّاه مروان بن محمد بن الحكم (٣) مصر بعد استعفاء حفص بن الوليد، وحسّان يومئذ بالشام. فكتب إلى خير بن نعيم الحضرميّ ليستخلفه فسلّم حفص إلى خير. ثم قدم حسّان يوم السبت لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين على الصلاة، ومعه عيسى بن أبي عطاء على الخراج. فأسقط فروض (٤) حفص كلّها، فوثب به قوّاد الفروض، وقالوا: «لا نرضى إلّا بحفص! » وزحفوا إلى داره، وعليهم رجاء بن الأشيم فحصروه وقالوا: اخرج عنّا حيث شئت فإنّك لا تقيم معنا ببلد. وأخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج ليومين بقيا من جمادى الآخرة فهرب، وأعادوا حفصا. وكانت ولاية حسّان ستّة عشر يوما. فلمّا قدم حوثرة بن سهيل أميرا على مصر، جعل حسّان على شرطة إمارته كلّها حتّى خرج من مصر فاستخلفه عليها في قول. وقيل: بل استخلف أبا الجرّاح بسر بن أوس الحرشي، فلمّا قدم مروان ابن محمد الجعدي إلى مصر انضوى إليه وسار معه وشهد حروبه، إلى أن قتل مروان، ففرّ حسّان فيمن فرّ، فمضى على وجهه من بوصير ومعه أبو الوليد، فركبا قاربا في النيل، فكانا لا يدخلان قرية إلّا قالا لأهلها: «إنّ أمير المؤمنين قادم عليكم فأصلحوا له ما يحتاج إليه من النزل والعلف»، فلا يظنّون إلّا أنّ الأمر كذلك حتى أتيا إخميم، فنزلا بها، وكان بها عبد الملك بن مدلج، رجل من موالي مروان، فخاف أبو الوليد على نفسه، فخرج حتى أتى أسوان. وأقام حسّان بإخميم، فأرسل من يشتري له طعاما، فدلّ عليه عبد الملك بن مدلج فركب إليه، ومعه رجل من المسوّدة كان شريكا له، من أهل خراسان من الأزد، فجعل ابن مدلج يغمز به فقال: «هلمّ أبا حسّان! » فأخذه فوجهه إلى صالح بن عليّ مقيّدا في النيل، فلمّا قدم ساحل الفسطاط، أتى بحمار سقّاء فحمل عليه عرضا، ثمّ أقبل به على خولان، ثمّ دخل به على تجيب، وهم جلوس في أنديتهم، فما قام معه منهم أحد إلّا ابن أبي العوجاء، فإنّه تبعه وهو يبكي. فقال له: ما يبكيك؟ من ير يوما يريه (٥). ثمّ أدخل على صالح بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، فقال له: كتبت إليك أمانا فأقرأت كتابي الجعدي! [٥٣٠ ب] فقال: كانت في عنقي بيعة وفيت بها. فأمر به فضرب ستّة عشر سوطا أو ثمانية عشر سؤطا، ثمّ قال له: أفيك [٣٤٢ ب] خير إن استبقيتك؟ قال: وأيّ خير فيّ بعد هذا؟ (وفي رواية: أمّا لك، فلا يكون.

стр. 1083

وفي رواية: لا خير في العيش بعد مروان). فأمر شعبة بن عثمان التميميّ، وكان يخلف يزيد بن هاني على الحرس أن يضرب عنقه فقتله وصلبه. فأقام على الخشبة ثمانية عشر شهرا. ويروى أنّ صالح بن عليّ لمّا أمر شعبة بقتل حسّان تركه أيّاما، فاجتمع إليه جماعة من بني رميلة، فمتّوا إليه بالرحم، وقالوا: أصلحك الله، إنّ حسّانا قد قتل منّا قتلى- يعنون أنّ حسّانا سعى ببني رميلة إلى حوثرة حتّى قتل عامّتهم على مذهب الخوارج- فإن رأيت أن تنفّذ ما أمر به الأمير أصلحه الله فعلت. قال شعبة: وأيّ رحم بيني وبينكم، وأنتم من كندة، وأنا من تميم؟ قالوا: إنّ أمّنا تميميّة. فقال: أفعل ما سألتم، والله لأقتلنّه! فقتله. وكان يزيد بن هاني، وعامر بن إسماعيل سألا شعبة أن يؤخّر حسّانا حتّى يكلّما فيه صالح بن عليّ فوعدهما، ثمّ كلّما صالحا فعفا عنه فوجداه قد قتله. وأتى كتاب أبي جعفر المنصور بعد قتل حسّان بيوم يوصيه بحسّان، فوجده قد قتل. وكان قتله في سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج: سألني أبو جعفر المنصور، قال: ما فعل حسّان بن عتاهية؟ قلت: قتله شعبة. قال: قتله الله! كان لنا جليسا عند عطاء بن أبي رباح. ١١٤٠ - حسّان بن مالك الكلبيّ [- ٦٥] (١) [٥٣١ أ] حسّان بن مالك بن بجدل بن دلجة بن أنيف بن قنانة بن عديّ بن زهير بن جنّاب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، أبو سليمان، الكلبيّ، زعيم كلب ومقدّمهم. شهد صفّين مع معاوية، وكان على قضاعة دمشق يومئذ. وكان له مقدار ومنزلة عند بني أميّة، وله شعر. وولّاه معاوية فلسطين، وأقرّه يزيد عليها لمّا بويع بعد أبيه، حتّى مات وقام بعده ابنه معاوية بن يزيد. فلمّا مات معاوية بن يزيد سار إلى الأردنّ يدعو إلى بني أميّة، وقد بويع عبد الله بن الزبير بمكّة، وانتقضت الشام. فقال لأهل الأردنّ: ما شهادتكم على ابن الزبير وقتلى الحرّة؟ قالوا: نشهد أنّه منافق وأنّ قتلى الحرّة في النار. قال: فما شهادتكم على يزيد وقتلاكم بالحرّة؟ قالوا: نشهد أنّه على حقّ وأنّ قتلانا في الجنّة. قال: فأنا أشهد: لئن كان يزيد وشيعته على حقّ إنّهم اليوم عليه. قالوا: صدقت! نحن نبايعك على أن نقاتل من خالفك وأطاع ابن الزبير، على أن تجنّبنا هذين الغلامين- يعنون عبد الله وخالد ابني يزيد بنمعاوية- فإنّا نكره أن يأتينا الناس بشيخ ونأتيهم بصبيّ. وكان الضحّاك بن قيس قد غلب على دمشق، فكتب إليه حسّان كتابا يعظّم فيه حقّ بني أميّة، وحسن بلائهم عنده، ويذمّ ابن الزبير وأنّه خلع خليفتين- يعني يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن

стр. 1084

يزيد- وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. وكتب كتابا آخر، وسلّمهما إلى ناعضة [الكلبيّ] (١)، وقال له: إن قرأ كتابي على الناس، وإلّا فاقرأ هذا عليهم- وكتب إلى بني أميّة أن يحضروا ذلك. فقدم ناعضة فلدفع كتاب الضحّاك إليه، وكتاب بني أميّة إليهم. فلمّا كان يوم الجمعة صعد الضحّاك المنبر، فقال له ناعضة: اقرأ كتاب حسّان على الناس. فقال له: اجلس! فقام إليه الثانية والثالثة، وهو يقول: اجلس! فأخرج ناعضة الكتاب وقرأه على الناس. فقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: صدق حسّان وكذب ابن الزبير- وشتمه. وقام يزيد بن أبي النمش (٢) الغسّانيّ، وسفيان بن الأبرد الكلبيّ فصدّقا حسّانا وشتما ابن الزبير. وقام عمرو بن يزيد الحكميّ فشتم حسانا وأثنى على يزيد بن معاوية، واضطرب الناس وثار بعضهم بعمرو وضربه، وقام خالد بن يزيد بن معاوية، فصعد مرقاتين من المنبر، فسكت الناس، ونزل الضحّاك [٥٣١ ب] فصلّى الجمعة ودخل القصر. فجاءت كلب وأخرجوا سفيان بن الأبرد، وجاءت غسّان فأخرجوا يزيد بن أبي النمش، وخالد وعبد الله ابني يزيد [٣٤٣ أ] بن معاوية في أخوالهما من كلب، فأخرجوا الوليد بن عتبة. وخرج الضحّاك فجلس بالمسجد وذكر يزيد بن معاوية وشتمه، فثار به شابّ من كلب وضربه بعصا، وكانت فتنة: فقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحّاك، وكلب تدعو إلى بني أميّة وبيعة خالد. فدخل الضحّاك القصر وامتنع به حتّى خرج من الغد إلى صلاة الفجر، وبعث إلى بني أميّة يعتذر إليهم، وأنّه لا يريد ما يكرهون. وأمرهم أن يكتبوا إلى حسّان- ويكتب معهم- ليسير من الأردنّ إلى الجابية، ويسيرون من دمشق إليها ليبايعوا رجلا منهم. فكتبوا إلى حسّان، وسار الضحّاك وبنو أميّة نحو الجابية. فأتاه ثور بن معن فقال: يا ضحّاك، دعوتنا إلى ابن الزبير فبايعناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابيّ من كلب يستخلف ابن أخته خالد بن يزيد. فقال: ما الرأي؟ قال: أن نظهر ما كنّا نكتم، وندعو إلى ابن الزبير. فرجع الضحّاك بمن معه من الناس فنزل مرج راهط، ودمشق بيده. واجتمع حسّان وبنو أميّة وغيرهم بالجابية، فكان حسّان يصلّي بهم أربعين يوما، وهو يسلّم عليه فيها بالإمرة، والناس يتشاورون. فقام الحصين بن نمير، وروح بن زنباع في أمر مروان بن الحكم حتّى بويع بالخلافة. فشهد معه حسّان مرج راهط، وقدم إلى مصر معه ثمّ مضى إلى الشام، وقام ببيعة عبد الملك بن مروان من بعد أبيه، وبيعة أخيه عبد العزيز من بعده حتّى تمّت. فلمّا قام عبد الملك بعد موت أبيه مروان لزمه وقاتل معه عمرو بن سعيد الأشدق، فكان عمرو إذا خرج حميد بن حريث على الجبل، أخرج

стр. 1085

عبد الملك سفيان بن الأبرد. فإذا أخرج عمرو بن زهير ابن الأبرد، أخرج إليه عبد الملك حسّان بن [مالك بن] بجدل. كان ذلك دأبهم أيّاما حتّى اصطلح عبد الملك وعمرو. ومات [ ... ]. ومن شعره- وقيل: بل لرجل من كلب-[الطويل]: [ف] إن لا يكن منّا الخليفة نفسه ... فما نالها إلّا ونحن شهود وقال آخر [الطويل]: نزلنا لكم عن منبر [لو] علمتم ... بحسّان إذ لا تستطيعون منبرا ١١٤١ - حسّان بن النعمان الغسّاني صاحب فتوح المغرب [- ٨٠] (١) [٥٣٢ أ] حدّث عنه أبو قبيل، وكان ممّن شهد فتح مصر، وله رواية عن عمر بن الخطّاب ﵁. فلمّا قتل عقبة بن نافع ملك كسيلة القيروان إلى أن كانت خلافة عبد الملك بن مروان، [ف] كتب عبد الملك بن مروان إلى حسّان بالنهوض إلى إفريقيّة ويقول له: إنّي قد أطلقت يدك في أموال مصر، فأعط من ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقيّة. فخرج في سنة ثلاث وسبعين، ومعه جيش كبير، حتى نزل طرابلس. واجتمع إليه من كان خرج من إفريقيّة وإطرابلس، فوجّه على مقدّمته محمد بن أبي بكير، وهلال بن ثروان اللواتي، وزهير بن قيس [البلويّ]، ففتح البلاد وأصاب غنائم كثيرة. وخرج إلى قرطاجنّة وفيها الروم، فقاتلهم، وهربوا في البحر إلى جزيرة صقلّيّة وغيرها، فدخلها بالسيف، ورجع إلى القيروان. وقال: دلّوني على أعظم ملك بإفريقيّة، ومن إذا قتل ارتابت لقتله البربر والروم، فقالوا: لم يبق بإفريقيّة أعظم من امرأة يقال لها الكاهنة، وهي بجبل أوراس. فسار حتى نزل على نهر [نيني] (٢)، ونزلت الكاهنة فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمته وقتلت من أصحابه وأسرت [٥٣٢ ب] منهم ثمانين رجلا. وأفلت حسّان إلى أنطابلس، ونزل قصورا من حيّز برقة عرفت بعد ذلك ب «قصور حسّان»، واستخلف على إفريقيّة أبا صالح (٣). وكتب إلى عبد الملك بما جرى له، فكتب إليه عبد الملك أن يقيم بحيث وافاه الكتاب. فلقيه الكتاب بعمل برقة فبقي فيه خمس سنين. وكانت برقة ولوبية ومراقية إلى حدّ أجدابية من عمل حسّان. وأحسنت الكاهنة إسار من أسرته من أصحاب حسّان، وأرسلتهم إلّا رجلا من بني عبس يقال له خالد بن يزيد، فإنّها تبنّته، وأقام معها. ووافت حسّان فرسان العرب، فبعث إلى [٣٤٣ ب] خالد رجلا وأعطاه كتابا، فلمّا أتى خالدا وقف بين يديه في زيّ سائل فعلم أنّه رسول فقال له:

стр. 1086

«رزقك الله، تعود إليّ»، فلمّا خلا أخذ الكتاب منه فقرأه وكتب على ظهره: إن البربر متفرّقون لا نظام لهم ولا رأي، وإنّما أتينا من أمر أراد الله أن يكرم به من مضى منّا بدرجة الشهادة. فاطو المراحل وجدّ في السير، فإنّ الأمر لله وليس يسلمك، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله». وجعل الكتاب في خبز ملّة وجعلها في زاد الرجل. ومضى، فلم يغب عنه إلّا قليلا حتى خرجت الكاهنة [٥٣٣ أ] ناشرة شعرها وهي تقول: «ويلكم يا بنيّ! ذهب ملككم! وهلاككم فيما يأكله الناس! »، وكرّرت ذلك، فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل فستره الله حتّى قدم على حسّان بالكتاب. ثمّ كتب أيضا كتابا آخر وجعله في قربوس نقر له فيه وأطبق عليه. فلمّا مضى الرسول خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تضرب صدرها، وهي تقول: «يا بنيّ، ذهب ملككم في شيء من نبات الأرض، وأراه بين فرجين! » (١)، وكرّرت ذلك. فمضى الرسول إلى حسّان فندب أصحابه وخرج إلى غزوها، فخرجت ناشرة شعرها وقالت: انظروا ماذا ترون في السماء؟ قالوا: نرى شيئا من سحاب أحمر. قالت: لا وإلهي، ولكنّه رهج (٢) خيل العرب! ثمّ جمعت ولديها وقالت: إنّي مقتولة وأرى رأسي تركض به براذين مقطوعة أذنابها إلى المشرق، ويوضع بين يدي ملك العرب الأعظم الذي بعث هذا الرجل. وقالت لخالد: لهذا اليوم أردتك يا خالد. أمّا أنت فسوف تدرك ملكا عظيما عند الملك الأعظم، وإنّي أوصيك بأخويك هذين خيرا. فقال لها: إنّي أخاف إن كان ما تقولين حقّا، [أن] لا يستبقيا. قالت: بلى، ويكون أحدهما عند العرب أعظم شأنا منه اليوم. قال: فإذا كان هكذا، فارحلي بنا وخلّي له البلاد! فقالت: أأفرّ وأنا ملكة؟ والملوك لا تفرّ من الموت، فأورث قومي عارا إلى آخر الدهر! ثمّ قالت: اركبوا واستأمنوا إليه. فركب خالد ولقي حسّان وأخبره خبرها وأخذ لابنيها أمانا وقدما عليه، فوكّل بهما من يحفظهما، وقدّم خالدا على أعنّة الخيل. وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها ثمّ قالت: انظروا ما دهمكم، واعملوا لأنفسكم فإنّي مقتولة. والتحم القتال وانهزمت جيوشها، واتّبعها حسّان حتى قتلها على بئر عرفت بعد ذلك ببئر الكاهنة. وكان مع حسّان جماعة من البربر من البتر، فولّى عليهم أكبر أولاد الكاهنة وقرّبه. وأسلم كثير من البربر. وعقد لابنها الآخر بعد ما أسلم هو وأخوه. وانصرف إلى القيروان وبنى مسجد جماعتها (٣)، ودوّن الدواوين، ووضع الخراج على عجم إفريقيّة وعلى من أقام معهم على النصرانيّة من البربر، واستقامت له الأمور. ثمّ توجّه إلى [٥٣٣ ب] عبد الملك بن مروان بغنائمه في جمادى الآخرة في سنة ستّ وسبعين- وقيل: سنة ثمان وسبعين. فلمّا مرّ على برقة جعل على خراجها إبراهيم ابن النصرانيّ. ثمّ مضى فمرّ بعبد العزيز بن مروان وهو بمصر. ثمّ نفذ إلى عبد الملك بن مروان فسرّ عبد الملك بما أورده عليه من فتوحه وغنائمه. ويقال: بل أخذ منه

стр. 1087

عبد العزيز كلّ ما كان معه من السبي، وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشيء لم ير مثله جمالا، فكان نصيب الشاعر يقول: حضرت السبي الذي كان عبد العزيز أخذه من حسّان، وهو مائتا جارية، منها ما يقام بألف دينار! وقدم حسّان من قبل عبد الملك متوجّها [إلى] المغرب، فلمّا قدم مصر قال لعبد العزيز: اكتب إلى عبدك تليد بالإعراض عن إنطابلس- وكانت الروم قد أغارت على إنطابلس بعد حسّان، فهرب إبراهيم ابن النصرانيّ واستولى الرّوم عليها. فبعث عبد العزيز إليها زهير بن قيس فقاتلهم وقتل أكثرهم. فثار عطيّة بن يربوع من مذحج، وجمع المسلمين، وقاتل الروم وهزمهم. فبعث عبد العزيز غلامه تليد، ومعه من أشراف أهل مصر عدّة، فضبط إنطابلس. فلمّا سأل حسّان عبد العزيز في مكاتبة تليد أن يعرض عن إنطابلس، قال له: ما كنت لأفعل بعد أن ضيّعتها فاستولت عليها الروم. فقال حسّان: إذن أرجع إلى أمير المؤمنين. فقال عبد العزيز: ارجع! فانصرف حسّان راجعا إلى عبد الملك بن مروان، وخلّف ثقله بمصر. فقدم على عبد الملك وهو مريض. فوجّه عبد العزيز بموسى بن نصير إلى المغرب، فقدم إفريقيّة سنة ثمان وسبعين. ثمّ لم يلبث حسّان حتّى مات. وقال ابن يونس: توفّي سنة ثمانين بأرض الروم، والله أعلم. ١١٤١/ ٢ - عرقلة الدمشقيّ الشاعر [- ٥٦٧] (١) [٥٣٤ أ] حسان بن نمير بن عامر الشاعر الأعور الملقّب عين الغراب المعروف بعرقلة [ ... ]. ومن شعره يمدح الناصر صلاح الدين يوسف [السريع]: أقول والأتراك قد أزمعت ... منهم إلى حرب الأعاريب ربّي كما ملّكتها يوسف ال ... صدّيق من أولاد يعقوب يملكها في عصرنا يوسف ال ... عادل من أولاد أيّوب ١١٤٢ - أبو عليّ السمسار [٥٥٠ - ٦٣٩] (٢) [٥٣٤ أ] حسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار، أبو علي، السمسار، الصائغ. مولده سنة خمسين وخمسمائة. وسمع الحافظ السلفيّ وحدّث. مات بمصر في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستّمائة. ١١٤٣ - علم الكفاة التستريّ [- بعد ٤٥٦] (٣) [٥٣٤ أ] حسن بن إبراهيم بن سهل بن فضل بن سهل التستريّ، العميد، علم الكفاة، أبو علي. قد ذكر أبوه وعمّه (٤) أبو سعد سهل. وكان هو يهوديّا فأسلم وحفظ القرآن، وولي بيت المال. ثمّ قلّد الوزارة في خلافة المستنصر بالله أبي تميم معدّ بعد أبي محمد الحسن بن مجلّي بن أبي كدينة في رابع ذي الحجّة سنة ستّ وخمسين وأربعمائة، فأقام

стр. 1088

فيها عشرة أيّام واستعفي فولي بعده أبو شجاع محمد ابن الأشرف أبي غالب محمد بن علي بن خلف. ١١٤٤ - الحسن بن الجرّاح [- ٢٨٥] الحسن بن إبراهيم بن الجرّاح، ولي أبوه قضاء مصر، وكان لا بأس بسيرته إلى أن قدم عليه ولده الحسن هذا فساءت سيرته وصرف عن الحكم (١)، وعاش ابنه هذا إلى أن مات بمصر سنة خمس وثمانين ومائتين. ١١٤٥ - الحسن بن زولاق [٣٠٦ - ٣٨٧] (٢) [٥٣٥ أ] الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن علي ابن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق، أبو محمّد، الفقيه التاريخيّ، الليثيّ، المصريّ. ولد سنة ستّ وثلاثمائة وتوفّي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة بمصر في أيّام الحاكم بأمر الله، ونظر الحسن بن عمّار الوزير (٣). وكان فقيها شافعيّا، فيه تشيّع، ورماه ابن عين الغزال بالكذب (٤) [ ... ]. وبعثه الأستاذ كافور الإخشيديّ في أيّام تدبيره دولة أونوجور ابن الإخشيد برسالته إلى سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان في سابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. ولمّا قدم المعزّ لدين الله من المغرب خرج فيمن خرج إلى لقائه بمحلّة حفص وخطب بين يديه خطبة أصغى إلى جميعها، وما سار حتى فرغ منها، وهي: الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين، الجاحدين الغاصبين، وصلّى الله على خير أمين، دعا إلى خير دين، محمّد سيّد المرسلين، وعلى أهل بيته الطاهرين، على رغم أنف الراغمين إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣]، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٢٣]، وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ [الدخان: ٣٢]. السلام على أمير المؤمنين المعزّ لدين الله، السلام على الإمام المنتظر، السلام عليك يا مهديّ الأمّة وعالمها، السلام عليك يا خليفة ربّ العالمين، السلام عليك يا صاحب الزمان، وصاحب السرّ والإعلان، فضائلكم أكثر من أن تحصى، أنتم أهل البيت والكساء، بكم وحّد الرحمن، وبكم نزل القرآن، وبكم طهّر الإيمان، وبكم زجر الشيطان، وبكم اضمحلّت الأباطيل، وبكم افتخر على الملائكة جبريل، إذ قال يوم الكساء: «وأنا منكم يا محمّد؟ » فقال: «وأنت منّا يا جبريل»، فعرّج مفتخرا على ملائكة الصمد الممجّد قائلا: من مثلي، وأنا من أهل بيت محمّد؟

стр. 1089

جبريل خادمكم وميكائيل زائركم وعرش الرحمن سقف بيتكم رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: ٧٣]. إليك يا أمير المؤمنين خرجنا مهاجرين، وإلى سعيك مسارعين، وإلى ميمون [٥٣٥ ب] غرّتك مشاهدين، وإلى علمك مقتبسين، ولعبدك جوهر شاكرين. أتتنا مصنّفات علمك فنشرناها في المتعلّمين، وبثثناها في أمصار المسلمين [٣٤٤ ب] وشرّفناها على جميع العالمين ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف: ٣٨]. ويقال إنّه أظهر في دولتهم التشيّع، وولي النظر في المظالم، وصنّف كتبا كثيرة منها: كتاب القضاة بمصر، وكتاب الأمراء، وكتاب سيرة الإخشيد، وكتاب سير الماذرائيّين، وكتاب سيرة المعزّ، وكتاب سيرة القائد جوهر، وكتاب سيرة العزيز. ١١٤٦ - الأعصم القرمطيّ [٢٧٨ - ٣٦٦] (١) [٥٠٨ أ] الحسن بن أحمد بن الحسن بن بهرام، أبو عليّ- وقيل: أبو محمّد- بن أبي منصور بن أبي سعيد الجنّابيّ، ويعرف بالأعصم القرمطيّ. وقيل فيه: الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابيّ، واسمه الحسن بن بهرام. ويقال: الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كوذركار. ولد بالأحساء في رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين. وهذه الطائفة التي تعرف بالقرامطة قد عظم في العالم أمرها، وشنع بين الخليقة ذكرها، ودوّخوا الممالك والأقطار، وأذلّوا أعزّة أهل البدر وسكّان الأمصار. وسأتلو من أنبائهم جملة توقفك على كنه أحوالهم، فأقول: [لقاء حسين الأهوازي بحمدان قرمط]: إنّ ابتداء أمر هذه الطائفة كان من رجل من الشيعة يعرف ب «حسين الأهوازي»، سكن عسكر مكرم وتحوّل إلى البصرة، ثمّ صار إلى سلميّة من أرض حمص فأقام بها مدّة. وخرج داعية إلى العراق فصادف بطريقه في سواد الكوفة رجلا يعرف ب «حمدان بن الأشعث» - ويقال له: قرمطة، من أجل أنّه كان قصير القامة قصير الرجلين متقارب الخطى- وهو ماش ومعه ثور. فسأله الحسين عن الطريق إلى قرية يقال لها «قس بهرام»، فقال له حمدان: أنا قاصدها. فتماشيا ساعة، وعرض حمدان على الحسين أن يركب ثوره، فأبى ذلك وقال: لم اؤمر بذلك. فقال له حمدان: كأنّك تعمل بأمر آمر لك؟ قال: نعم. قال: ومن يأمرك وينهاك؟ قال: مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة.

стр. 1090

فبهت حمدان يفكّر، ثمّ نظر إليه وقال: يا هذا، ما يملك ما ذكرته إلّا الله. قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال: رفع إليّ جراب فيه علم سرّ من أسرار الله، وأمرت أن أشفي هذه القرية وأغني أهلها وأستنقذهم وأملّكهم أملاك أصحابهم. وشرع يدعوه. فقال له حمدان: يا هذا نشدتك الله إلّا دفعت لي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني، ينقذك الله! فقال: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيّين والمرسلين، وألقي إليك ما ينفعك. فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا وأخذ عليه العهد، ثمّ قال له: ما اسمك؟ فقال له: حمدان بن الأشعث قرمط، وأسألك أن تسير معي إلى منزلي حتى تجلس فيه، فإنّ لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهديّ. فسار معه إلى منزله، وجمع عليه حمدان الناس فأخذ عليهم العهد. واغتبط به حمدان لكثرة ما شهده من خشوعه وصيام نهاره وقيام ليله. وشهر أمره في أصحابه حتى كان [٥٠٨ ب] أغبط الناس به من أخذه إلى منزله. وكان يخيط لهم الثياب فيتبرّكون بخياطته، ويرتزق من أجرتها إلى أن أدرك التمر، فوصف لأبي عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدويّ، أحد وجوه الكوفة وعلمائها وفضلائها، أمر الحسين الأهوازيّ، فنصبه لحفظ ثمره، فأحسن القيام في حفظها، وبالغ في أداء الأمانة، وخرج عن الحدّ في كثرة التشدّد، وذلك في سنة أربع وستّين ومائتين. فاستحكمت ثقة الناس بالحسين إلى أن حضرته الوفاة، فعهد لحمدان بن الأشعث قرمط، وأقامه مقامه وقضى نحبه. [حمدان قرمط يخلف حسين الأهوازي بعد وفاته]: وكان قد استجاب له مهرويه بن زكرويه السلمانيّ الصوانيّ، وجلندى الرازيّ، وعكرمة البابليّ، وإسحاق البورانيّ، وعطيف النيليّ في آخرين. وبثّ دعاته في السواد يأخذون على الناس العهود. وكان أكبر دعاته عبدان الأهوازيّ ختن قرمط، فقام في الدعوة وبثّ الدعاة في أعمال السواد بالكوفة، فدخل في دعوة قرمط بنو ضبيعة بن عجل من ربيعة، وبنو يشكر بن بكر بن وائل حتى لم يتخلّف عنه رفاعيّ ولا ضبعيّ إلّا ودخل في دعوته ودان بها. ولم يبق من بطون العرب المتّصلة بواسط بطن إلّا استجاب له. فدخل في دعوته كثير من بني عابس ومن ذهل وعنزة وتيم الله وبني ثعل، وهم معظم سواد الكوفة، فقوي قرمط وأخذ بجمع أموالهم. فكان أوّل ما فرض عليهم «الفطرة»، وهو درهم يؤخذ من كلّ واحد من الرجال والنساء والصبيان، فسارعوا إلى ذلك وحملوه إليه. ثمّ فرض عليهم «الهجرة»، وهي دينار على كلّ رأس أدرك الحنث (١) وتلا عليهم قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣]، وقال لهم: هذا تأويل هذا. فدفعوا ذلك إليه وتعاونوا عليه حتى إنّ من كان منهم فقيرا أسعفوه. ثمّ فرض عليهم «البلغة»، وهي سبعة دنانير،
следующие страницы →