← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

«رزقك الله، تعود إليّ»، فلمّا خلا أخذ الكتاب منه فقرأه وكتب على ظهره: إن البربر متفرّقون لا نظام لهم ولا رأي، وإنّما أتينا من أمر أراد الله أن يكرم به من مضى منّا بدرجة الشهادة. فاطو المراحل وجدّ في السير، فإنّ الأمر لله وليس يسلمك، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله». وجعل الكتاب في خبز ملّة وجعلها في زاد الرجل. ومضى، فلم يغب عنه إلّا قليلا حتى خرجت الكاهنة [٥٣٣ أ] ناشرة شعرها وهي تقول: «ويلكم يا بنيّ! ذهب ملككم! وهلاككم فيما يأكله الناس! »، وكرّرت ذلك، فافترقوا يمينا وشمالا يطلبون الرجل فستره الله حتّى قدم على حسّان بالكتاب. ثمّ كتب أيضا كتابا آخر وجعله في قربوس نقر له فيه وأطبق عليه. فلمّا مضى الرسول خرجت الكاهنة ناشرة شعرها تضرب صدرها، وهي تقول: «يا بنيّ، ذهب ملككم في شيء من نبات الأرض، وأراه بين فرجين! » (١)، وكرّرت ذلك. فمضى الرسول إلى حسّان فندب أصحابه وخرج إلى غزوها، فخرجت ناشرة شعرها وقالت: انظروا ماذا ترون في السماء؟ قالوا: نرى شيئا من سحاب أحمر. قالت: لا وإلهي، ولكنّه رهج (٢) خيل العرب! ثمّ جمعت ولديها وقالت: إنّي مقتولة وأرى رأسي تركض به براذين مقطوعة أذنابها إلى المشرق، ويوضع بين يدي ملك العرب الأعظم الذي بعث هذا الرجل. وقالت لخالد: لهذا اليوم أردتك يا خالد. أمّا أنت فسوف تدرك ملكا عظيما عند الملك الأعظم، وإنّي أوصيك بأخويك هذين خيرا. فقال لها: إنّي أخاف إن كان ما تقولين حقّا، [أن] لا يستبقيا. قالت: بلى، ويكون أحدهما عند العرب أعظم شأنا منه اليوم. قال: فإذا كان هكذا، فارحلي بنا وخلّي له البلاد! فقالت: أأفرّ وأنا ملكة؟ والملوك لا تفرّ من الموت، فأورث قومي عارا إلى آخر الدهر! ثمّ قالت: اركبوا واستأمنوا إليه. فركب خالد ولقي حسّان وأخبره خبرها وأخذ لابنيها أمانا وقدما عليه، فوكّل بهما من يحفظهما، وقدّم خالدا على أعنّة الخيل. وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها ثمّ قالت: انظروا ما دهمكم، واعملوا لأنفسكم فإنّي مقتولة. والتحم القتال وانهزمت جيوشها، واتّبعها حسّان حتى قتلها على بئر عرفت بعد ذلك ببئر الكاهنة. وكان مع حسّان جماعة من البربر من البتر، فولّى عليهم أكبر أولاد الكاهنة وقرّبه. وأسلم كثير من البربر. وعقد لابنها الآخر بعد ما أسلم هو وأخوه. وانصرف إلى القيروان وبنى مسجد جماعتها (٣)، ودوّن الدواوين، ووضع الخراج على عجم إفريقيّة وعلى من أقام معهم على النصرانيّة من البربر، واستقامت له الأمور. ثمّ توجّه إلى [٥٣٣ ب] عبد الملك بن مروان بغنائمه في جمادى الآخرة في سنة ستّ وسبعين- وقيل: سنة ثمان وسبعين. فلمّا مرّ على برقة جعل على خراجها إبراهيم ابن النصرانيّ. ثمّ مضى فمرّ بعبد العزيز بن مروان وهو بمصر. ثمّ نفذ إلى عبد الملك بن مروان فسرّ عبد الملك بما أورده عليه من فتوحه وغنائمه. ويقال: بل أخذ منه

стр. 1087

عبد العزيز كلّ ما كان معه من السبي، وكان قد قدم معه من وصائف البربر بشيء لم ير مثله جمالا، فكان نصيب الشاعر يقول: حضرت السبي الذي كان عبد العزيز أخذه من حسّان، وهو مائتا جارية، منها ما يقام بألف دينار! وقدم حسّان من قبل عبد الملك متوجّها [إلى] المغرب، فلمّا قدم مصر قال لعبد العزيز: اكتب إلى عبدك تليد بالإعراض عن إنطابلس- وكانت الروم قد أغارت على إنطابلس بعد حسّان، فهرب إبراهيم ابن النصرانيّ واستولى الرّوم عليها. فبعث عبد العزيز إليها زهير بن قيس فقاتلهم وقتل أكثرهم. فثار عطيّة بن يربوع من مذحج، وجمع المسلمين، وقاتل الروم وهزمهم. فبعث عبد العزيز غلامه تليد، ومعه من أشراف أهل مصر عدّة، فضبط إنطابلس. فلمّا سأل حسّان عبد العزيز في مكاتبة تليد أن يعرض عن إنطابلس، قال له: ما كنت لأفعل بعد أن ضيّعتها فاستولت عليها الروم. فقال حسّان: إذن أرجع إلى أمير المؤمنين. فقال عبد العزيز: ارجع! فانصرف حسّان راجعا إلى عبد الملك بن مروان، وخلّف ثقله بمصر. فقدم على عبد الملك وهو مريض. فوجّه عبد العزيز بموسى بن نصير إلى المغرب، فقدم إفريقيّة سنة ثمان وسبعين. ثمّ لم يلبث حسّان حتّى مات. وقال ابن يونس: توفّي سنة ثمانين بأرض الروم، والله أعلم. ١١٤١/ ٢ - عرقلة الدمشقيّ الشاعر [- ٥٦٧] (١) [٥٣٤ أ] حسان بن نمير بن عامر الشاعر الأعور الملقّب عين الغراب المعروف بعرقلة [ ... ]. ومن شعره يمدح الناصر صلاح الدين يوسف [السريع]: أقول والأتراك قد أزمعت ... منهم إلى حرب الأعاريب ربّي كما ملّكتها يوسف ال ... صدّيق من أولاد يعقوب يملكها في عصرنا يوسف ال ... عادل من أولاد أيّوب ١١٤٢ - أبو عليّ السمسار [٥٥٠ - ٦٣٩] (٢) [٥٣٤ أ] حسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار، أبو علي، السمسار، الصائغ. مولده سنة خمسين وخمسمائة. وسمع الحافظ السلفيّ وحدّث. مات بمصر في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وستّمائة. ١١٤٣ - علم الكفاة التستريّ [- بعد ٤٥٦] (٣) [٥٣٤ أ] حسن بن إبراهيم بن سهل بن فضل بن سهل التستريّ، العميد، علم الكفاة، أبو علي. قد ذكر أبوه وعمّه (٤) أبو سعد سهل. وكان هو يهوديّا فأسلم وحفظ القرآن، وولي بيت المال. ثمّ قلّد الوزارة في خلافة المستنصر بالله أبي تميم معدّ بعد أبي محمد الحسن بن مجلّي بن أبي كدينة في رابع ذي الحجّة سنة ستّ وخمسين وأربعمائة، فأقام

стр. 1088

فيها عشرة أيّام واستعفي فولي بعده أبو شجاع محمد ابن الأشرف أبي غالب محمد بن علي بن خلف. ١١٤٤ - الحسن بن الجرّاح [- ٢٨٥] الحسن بن إبراهيم بن الجرّاح، ولي أبوه قضاء مصر، وكان لا بأس بسيرته إلى أن قدم عليه ولده الحسن هذا فساءت سيرته وصرف عن الحكم (١)، وعاش ابنه هذا إلى أن مات بمصر سنة خمس وثمانين ومائتين. ١١٤٥ - الحسن بن زولاق [٣٠٦ - ٣٨٧] (٢) [٥٣٥ أ] الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن علي ابن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان بن زولاق، أبو محمّد، الفقيه التاريخيّ، الليثيّ، المصريّ. ولد سنة ستّ وثلاثمائة وتوفّي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة بمصر في أيّام الحاكم بأمر الله، ونظر الحسن بن عمّار الوزير (٣). وكان فقيها شافعيّا، فيه تشيّع، ورماه ابن عين الغزال بالكذب (٤) [ ... ]. وبعثه الأستاذ كافور الإخشيديّ في أيّام تدبيره دولة أونوجور ابن الإخشيد برسالته إلى سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان في سابع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. ولمّا قدم المعزّ لدين الله من المغرب خرج فيمن خرج إلى لقائه بمحلّة حفص وخطب بين يديه خطبة أصغى إلى جميعها، وما سار حتى فرغ منها، وهي: الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين، الجاحدين الغاصبين، وصلّى الله على خير أمين، دعا إلى خير دين، محمّد سيّد المرسلين، وعلى أهل بيته الطاهرين، على رغم أنف الراغمين إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣]، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [الشورى: ٢٣]، وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ [الدخان: ٣٢]. السلام على أمير المؤمنين المعزّ لدين الله، السلام على الإمام المنتظر، السلام عليك يا مهديّ الأمّة وعالمها، السلام عليك يا خليفة ربّ العالمين، السلام عليك يا صاحب الزمان، وصاحب السرّ والإعلان، فضائلكم أكثر من أن تحصى، أنتم أهل البيت والكساء، بكم وحّد الرحمن، وبكم نزل القرآن، وبكم طهّر الإيمان، وبكم زجر الشيطان، وبكم اضمحلّت الأباطيل، وبكم افتخر على الملائكة جبريل، إذ قال يوم الكساء: «وأنا منكم يا محمّد؟ » فقال: «وأنت منّا يا جبريل»، فعرّج مفتخرا على ملائكة الصمد الممجّد قائلا: من مثلي، وأنا من أهل بيت محمّد؟

стр. 1089

جبريل خادمكم وميكائيل زائركم وعرش الرحمن سقف بيتكم رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: ٧٣]. إليك يا أمير المؤمنين خرجنا مهاجرين، وإلى سعيك مسارعين، وإلى ميمون [٥٣٥ ب] غرّتك مشاهدين، وإلى علمك مقتبسين، ولعبدك جوهر شاكرين. أتتنا مصنّفات علمك فنشرناها في المتعلّمين، وبثثناها في أمصار المسلمين [٣٤٤ ب] وشرّفناها على جميع العالمين ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف: ٣٨]. ويقال إنّه أظهر في دولتهم التشيّع، وولي النظر في المظالم، وصنّف كتبا كثيرة منها: كتاب القضاة بمصر، وكتاب الأمراء، وكتاب سيرة الإخشيد، وكتاب سير الماذرائيّين، وكتاب سيرة المعزّ، وكتاب سيرة القائد جوهر، وكتاب سيرة العزيز. ١١٤٦ - الأعصم القرمطيّ [٢٧٨ - ٣٦٦] (١) [٥٠٨ أ] الحسن بن أحمد بن الحسن بن بهرام، أبو عليّ- وقيل: أبو محمّد- بن أبي منصور بن أبي سعيد الجنّابيّ، ويعرف بالأعصم القرمطيّ. وقيل فيه: الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابيّ، واسمه الحسن بن بهرام. ويقال: الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كوذركار. ولد بالأحساء في رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين. وهذه الطائفة التي تعرف بالقرامطة قد عظم في العالم أمرها، وشنع بين الخليقة ذكرها، ودوّخوا الممالك والأقطار، وأذلّوا أعزّة أهل البدر وسكّان الأمصار. وسأتلو من أنبائهم جملة توقفك على كنه أحوالهم، فأقول: [لقاء حسين الأهوازي بحمدان قرمط]: إنّ ابتداء أمر هذه الطائفة كان من رجل من الشيعة يعرف ب «حسين الأهوازي»، سكن عسكر مكرم وتحوّل إلى البصرة، ثمّ صار إلى سلميّة من أرض حمص فأقام بها مدّة. وخرج داعية إلى العراق فصادف بطريقه في سواد الكوفة رجلا يعرف ب «حمدان بن الأشعث» - ويقال له: قرمطة، من أجل أنّه كان قصير القامة قصير الرجلين متقارب الخطى- وهو ماش ومعه ثور. فسأله الحسين عن الطريق إلى قرية يقال لها «قس بهرام»، فقال له حمدان: أنا قاصدها. فتماشيا ساعة، وعرض حمدان على الحسين أن يركب ثوره، فأبى ذلك وقال: لم اؤمر بذلك. فقال له حمدان: كأنّك تعمل بأمر آمر لك؟ قال: نعم. قال: ومن يأمرك وينهاك؟ قال: مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة.

стр. 1090

فبهت حمدان يفكّر، ثمّ نظر إليه وقال: يا هذا، ما يملك ما ذكرته إلّا الله. قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال: رفع إليّ جراب فيه علم سرّ من أسرار الله، وأمرت أن أشفي هذه القرية وأغني أهلها وأستنقذهم وأملّكهم أملاك أصحابهم. وشرع يدعوه. فقال له حمدان: يا هذا نشدتك الله إلّا دفعت لي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني، ينقذك الله! فقال: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيّين والمرسلين، وألقي إليك ما ينفعك. فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا وأخذ عليه العهد، ثمّ قال له: ما اسمك؟ فقال له: حمدان بن الأشعث قرمط، وأسألك أن تسير معي إلى منزلي حتى تجلس فيه، فإنّ لي إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهديّ. فسار معه إلى منزله، وجمع عليه حمدان الناس فأخذ عليهم العهد. واغتبط به حمدان لكثرة ما شهده من خشوعه وصيام نهاره وقيام ليله. وشهر أمره في أصحابه حتى كان [٥٠٨ ب] أغبط الناس به من أخذه إلى منزله. وكان يخيط لهم الثياب فيتبرّكون بخياطته، ويرتزق من أجرتها إلى أن أدرك التمر، فوصف لأبي عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدويّ، أحد وجوه الكوفة وعلمائها وفضلائها، أمر الحسين الأهوازيّ، فنصبه لحفظ ثمره، فأحسن القيام في حفظها، وبالغ في أداء الأمانة، وخرج عن الحدّ في كثرة التشدّد، وذلك في سنة أربع وستّين ومائتين. فاستحكمت ثقة الناس بالحسين إلى أن حضرته الوفاة، فعهد لحمدان بن الأشعث قرمط، وأقامه مقامه وقضى نحبه. [حمدان قرمط يخلف حسين الأهوازي بعد وفاته]: وكان قد استجاب له مهرويه بن زكرويه السلمانيّ الصوانيّ، وجلندى الرازيّ، وعكرمة البابليّ، وإسحاق البورانيّ، وعطيف النيليّ في آخرين. وبثّ دعاته في السواد يأخذون على الناس العهود. وكان أكبر دعاته عبدان الأهوازيّ ختن قرمط، فقام في الدعوة وبثّ الدعاة في أعمال السواد بالكوفة، فدخل في دعوة قرمط بنو ضبيعة بن عجل من ربيعة، وبنو يشكر بن بكر بن وائل حتى لم يتخلّف عنه رفاعيّ ولا ضبعيّ إلّا ودخل في دعوته ودان بها. ولم يبق من بطون العرب المتّصلة بواسط بطن إلّا استجاب له. فدخل في دعوته كثير من بني عابس ومن ذهل وعنزة وتيم الله وبني ثعل، وهم معظم سواد الكوفة، فقوي قرمط وأخذ بجمع أموالهم. فكان أوّل ما فرض عليهم «الفطرة»، وهو درهم يؤخذ من كلّ واحد من الرجال والنساء والصبيان، فسارعوا إلى ذلك وحملوه إليه. ثمّ فرض عليهم «الهجرة»، وهي دينار على كلّ رأس أدرك الحنث (١) وتلا عليهم قول الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة: ١٠٣]، وقال لهم: هذا تأويل هذا. فدفعوا ذلك إليه وتعاونوا عليه حتى إنّ من كان منهم فقيرا أسعفوه. ثمّ فرض عليهم «البلغة»، وهي سبعة دنانير،

стр. 1091

وقال: هذا هو البرهان الذي أراده الله تعالى بقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ١١١]، وقال: هذا بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: ١١]، فكان من أدّى سبعة دنانير عن البلغة أطعمه شيئا حلوا لذيذا في قدر البندقة، وقال له: «هذا طعام أهل الجنّة نزل إلى الإمام». وصار يبعث إلى كلّ داع منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار، عن كلّ واحدة سبعة دنانير. [٥٠٩ أ] ثمّ فرض عليهم الخمس من كلّ ما يملكونه وما يكتسبونه، وتلا عليهم قول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١]، فبادروا إلى ذلك وقوّموا سائر ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا منه الخمس، حتّى إنّ المرأة كانت تخرج من غزلها خمسه والرجل يخرج الخمس ممّا يكسبه. ثمّ فرض عليهم «الألفة» وهي أنّهم يجمعون أموالهم في موضع واحد، وأن يكونوا فيه كلّهم أسرة واحدة لا يفضّل أحد من أصحابه على صاحبه ولا أخيه في ملك يملكه بشيء البتّة، وتلا عليهم قول الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ... الآية [آل عمران: ١٠٣]، وقوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٣]. وقال لهم: لا حاجة بكم إلى الأموال فإنّ الأرض بأسرها ستكون لكم دون غيركم، وقال لهم: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون. وألزمهم بشراء السلاح في سنة ستّ وسبعين ومائتين وأقام في كلّ قرية رجلا مختارا من الثقات تجمع عنده أموال قريته من غنم وبقر وحلي ومتاع وغير ذلك، فكان يكسو عاريهم وينفقعليهم ما يكفيهم حتّى لم يبق بينهم فقير ولا محتاج. وأخذ كلّ رجل منهم بالانكماش في صناعته والكسب بجهده ليكون له الفضل في رتبته، وجمعت إليه المرأة كسبها من مغزلها، وأدّى إليه الصبيّ أجر نظارته وحراسته للطير ونحوه، ولم يبق في ملك أحد منهم غير سيفه وسلاحه لا غير. ثمّ لمّا استقام له ذلك كلّه أمر الدعاة أن تجمع النساء في ليلة عيّنها ويختلطن بالرجال حتّى يتراكبن، وقال: «هذا من صحّة الودّ والإلف»، ففعلوا ذلك. ثمّ إنّه أفشى فيهم إباحة الأموال والفروج، والغنى عن الصوم والصلاة وجميع الفرائض، وقال: هذا كلّه موضوع عنكم، ودماء المخالفين وأموالهم حلال لكم، ومعرفة صاحب الحقّ تغنيكم عن كلّ شيء ولا تخافون معه إثما ولا عذابا. وعنى بصاحب الحقّ الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وقال: بهذا الإمام اتّسقت هذه الأمور، ولولاه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم. فبسطوا أيديهم بسفك الدماء وقتلوا جماعة ممّن خالفهم، فخافهم الناس ووافقهم كثير من مجاوريهم. [بناء دار الهجرة] ثمّ إنّ الدعاة اتّفقوا على بناء دار هجرة فأقاموا سورا في قرية يقال لها «مهتماباذ» من سواد الكوفة [٥٠٩ ب]، وجعلوا عرضه ثمانية أذرع، ومن ورائه [٣٤٥ ب] خندق عظيم، وبنوا من داخل السور المباني، وتحوّل إليها الرجال والنساء، وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين، كلّ ذلك والخليفة ببغداد

стр. 1092

مشغول بصاحب الزنج وكثرة الفتن، فلم يبق أحد إلّا خافهم لقوّتهم وتمكّنهم في البلاد. ومات عبدان، وكان منهم رجل يقال له مهرويه قد عرف بالثقة والدين، فانقاد إليه خلق كثير وقال: أنا من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وصار يركب في قبّة على جمل ويدعى بالسيّد، وكان له ابن يقال له زكرويه، أحد الدعاة، ومن الناس من يسمّيه الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فاتّهم زكرويه بقتل عبدان، فخاف ثمّ تحوّل من سواد الكوفة وأنفذ ابنه أبا الحسين إلى الشام، فكان صاحب الجمل. وقال قوم: بل خرج من الكوفة الحسين ونزل سلميّة فوجد بها بني أبي الملاحف، وهم: أبو عبد الله الحسين بن أحمد وأخواه (١) أبو العبّاس أحمد وحسن. فاستمالوه إلى القرمطة وحسّنوا له أن يدعو إلى أبيه محمد بن إسماعيل فأجابهم إلى ذلك. وكان معه من أولاده أربعة، هم: أبو القاسم أحمد بن الحسين صاحب الجمل، وأبو الحسن علي صاحب الخال، وأبو محمد عبيد الله الذي ملك إفريقيّة، والقاسم الذي خرج مع أبيه الحسين بالهبير. فخرج أبو القاسم أحمد في أوّل المحرّم سنة تسعين ومائتين في ألف رجل وتوجّه إلى الرقّة وقاتل عاملها سبك الديلمي وقتله وأخذ جميع ما في عسكره، وسار إلى دمشق فخرج إليه طغج بن جفّ عاملها من قبل أبي موسى هارون بن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، فهزمه أقبح هزيمة وقتل أكثر من معه وأخذ أموالهم، ونجا طغج إلى دمشق، فنزل أبو القاسم على دمشق من داريّا إلى المزّة وحصرها سبعة أشهر حتى قدم بدر الحمامي بجيوش مصر، فزحف إليهم وقد ركب جملا أحمر قدّام عسكره، وحوله مائة أسود بسيوف وحجف (٢)، فكان إذا أشار بكمّه إلى ناحية من عسكره حملوا على عساكر مصر وهزموهم، إلى أن انتدب له فارس من أهل مصر [ف] طعنه برمح أرداه عن الجمل ومات وقتل الفارس (٣). وقام من بعد أبي القاسم أخوه أبو الحسن عليّ صاحب الخال، فمضى بمن معه عن دمشق. فبعث إليه المكتفي أبا الأغرّ السلميّ، فلقيه على حلب وهزمه. فسيّر إليه محمد بن [٥١٠ أ] سليمان الكاتب فواقعه بناحية سلميّة وقتل من أصحابه ستّة آلاف رجل. وفرّ فقبض عليه وحمل إلى بغداد، فدخل على فيل في ثاني ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين، فصار يقول: «ألستم يا فسقة بقاياقتلة الحسين بن علي؟ » وضربت عنقه وعنق المدّثر ابن أخيه- واسمه عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد بن إسماعيل- وبقيّة أصحابه، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة. وقيل: إنّه قتل هو وأخوه من أهل الشام والبوادي وأصحاب السلطان وأهل المدن ومن جند مصر ومن جند العراق نحو ستّمائة ألف إنسان. ولمّا قتل المكتفي من ذكرنا غضب لذلك الحسين بن محمّد وجمع وسار إلى الكوفة وقتل جماعة ونهب. ثمّ سار وأخذ الحاجّ بأسرهم، فخرج إليهم جيش من بغداد وقاتلهم وقتلهم في ربيع الأوّل سنة خمس وتسعين [ومائتين]، وقتل الحسين بن محمد وابنه القاسم، وقتل معه زكرويه وسائر دعاته، فهذه جملة أخبار القرامطة

стр. 1093

الخارجين ببلاد الشام. [انتشار قرامطة البحرين بالعراق]: وأمّا قرامطة البحرين، فكان مبدأ أمرهم أنّ رجلا من أهل جنّابا (١) يعرف بأبي سعيد الجنّابيّ- واختلف في اسمه فقيل: الحسن بن بهرام، وأنّه من الفرس، وقيل: الحسين بن عليّ بن محمد بن عيسى بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنّه كان يعمل الفراء ويسافر من البحرين إلى سواد الكوفة، فنكح امرأة من قوم كانوا يدينون بالقرمطة، وصحب عبدان- وقيل: بل صحب قرمط وأخذ عنه- وعاد إلى القطيف فدعا الناس، وكان أوّل من استجاب له بنو سنبر، وهم: الحسين وعليّ وحمدان. وما زالت دعوته تنتشر وأمره يقوى حتى جمع وقاتل من خالفه بمن أطاعه وهدم مدينة هجر [٣٤٦ أ] بعد محاربة أهلها عدّة أشهر، وبنى دار هجرة بمدينة الأحساء وقاتل جيوش المعتضد في سنة سبع وثمانين ومائتين وقتل أكثرهم، وأسر معظمهم. ولم يزل أمره يشتدّ حتى قتله غلامه في الحمّام بمدينة الأحساء في سنة اثنتين وثلاثمائة، وكانت مدّته نحو ستّ عشرة سنة. وقام من بعده ابنه أبو طاهر سليمان فأكثر من الغزو، وسار إلى البصرة وأخذها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وقتل منها خلقا كثيرا، ثمّ أوقع بالحاجّ في ذي الحجّة منها وأخذ لهم من المال ما لا يقدّر قدره. وأخذ الكوفة في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة [وثلاثمائة]، وقتل منها وأسر كثيرا. ثمّ سار يريد بغداد في سنة خمس عشرة ونزل الكوفة في شوّال منها، وقاتل يوسف بن أبي الساج وأسره ودمّر عساكره، وسار [٥١٠ ب] إلى الأنبار، فهمّ أهل بغداد بالهرب، وكانت له هناك معارك مع جيوش العراق. وسار إلى الرحبة ووضع السيف في أهلها، ونهب الجزيرة وقاتل أهل الرقّة ورأس عين وسنجار، وفرض الأموال على الناس وعاد إلى الأحساء. ثمّ قدم مكّة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وردم زمزم بالقتلى، وانتهك حرمة الكعبة وأخذ كسوتها وأموالها وقلع الحجر الأسود من موضعه وعاد به إلى بلاده. ثمّ سار إلى الكوفة في سنة تسع عشرة فأفسد وعاد. ثمّ خرج في سنة ثلاث وعشرين [وثلاثمائة] إلى الكوفة ونادى بالأمان، وفرض على أهل خراسان وبغداد والشام ومصر الأموال العظيمة، وكانت تحمل إليه في كلّ سنة اتّقاء شرّه. ثمّ سار أيضا إلى الكوفة سنة خمس وعشرين وعاد، فأهلكه الله بالجدري بعد ما تقطّع جسده، وذلك في رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. فقام من بعده أخواه أبو القاسم سعيد وأبو العبّاس أحمد، واستقرّ الرأي والتدبير منوط [ا] بستّة نفر [ ... ]. وردّوا الحجر الأسود مع سنبر بن الحسن بن سنبر في سنة تسع وثلاثين ووضع في مكانه يوم النحر، فكانت مدّة غيبته اثنتين وعشرين سنة تنقص أربعة أيّام. [حلول الأعصم بالشام ومصر]: وغلب الحسن بن أحمد على الشام في ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وولّى على دمشق وشاحا السلميّ، ثمّ رجع إلى الأحساء في

стр. 1094

صفر سنة ثمان وخمسين. وفي سنة تسع وخمسين خطب لهم بمكّة، وساروا إلى دمشق في سنة ستّين وثلاثمائة، وقتلوا جعفر بن فلاح في ذي القعدة، وكبيرهم يومئذ الحسن بن أحمد صاحب الترجمة. وكان سبب حركته هذه أنّ ظالم بن مرهوب العقيلي لمّا انهزم من جعفر بن فلاح عن بلاد حوران والبثنيّة لحق بالإحساء، وحثّ القرامطة على المسير إلى أخذ الشام، فصادف ذلك منهم الغرض: فإنّ المال الذي كان يحمل إليهم من مصر انقطع عند دخول القائد جوهر بعساكر المعزّ لدين الله إلى مصر، فبعثوا العرفاء لجميع العرب، وسار الحسن بن أحمد إلى الكوفة فوافاه من استجاب له من العربان، وأنفذ إلى بغداد يطلب المال، فجهّز إليه خزانة سلاح وأربعمائة ألف درهم أحيل بها على أبي تغلب فضل الله بن ناصر الدولة الحسين بن حمدان، وهو على الرحبة. فسار الحسن إلى الرحبة وحمل إليه أبو تغلب العلوفة والمال المرسوم به، وتوجّه إلى دمشق، وقد صحبه كثير من عسكر أبي تغلب ومن انهزم من الإخشيديّة، فخرج إليه أبو الفضل [٥١١ أ] جعفر بن فلاح وقاتله، فقتل جعفر. ونزل الحسن يوم الخميس سادس ذي القعدة [سنة ٣٦٠] على المزّة خارج دمشق، وجبى من المدينة مالا كثيرا، وسار إلى الرملة من دمشق يوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة وقد استخلف عليها ظالم بن مرهوب، واجتمع عليه عرب الشام وكثير من الأتباع والأجناد، ونازل يافا، وبها سعادة بن حيّان، وقاتله، ثمّ رحل عنها. وترك على حصارها أبا المنجّى عبد الله بن علي بن منجّى القرمطي وظالم بن مرهوب العقيلي، ونزل خارج القاهرة بعين شمس لعشر بقين من صفر سنة إحدى وستّين، ومعه خمسة عشر ألف جمل وبغل تحمل صناديق الأموال وأواني الذهب والفضّة، سوى التي تحمل الخيم والمضارب والبنود وغير ذلك من الأثقال. وقد استعدّ جوهر القائد لحربه، فالتحم القتال يوم الجمعة أوّل ربيع الأوّل [سنة ٣٦١] على باب القاهرة، وغدوا يوم الأحد للقتال على باب الخندق، فكانت وقائع شديدة قتل فيها من الفريقين عدد كبير، وانهزم الحسن ونهب سواده ببركة الحاجّ، وأخذت صناديقه وكتبه. ومضى في الليل على طريق القلزم، ونهب بنو عقيل وبنو طيّى كثيرا من سواده، وهو مشغول بالقتال، فسار إلى الأحساء. ثمّ عاد من الأحساء ونزل الرملة في سابع رمضان، وطرح مراكب في البحر وملأها بالمقاتلة، وأكثر من جمع العربان معه ليسير إلى القاهرة. فقدم المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ من بلاد الغرب، ونزل بالقاهرة في رمضان سنة اثنتين وستّين، فكتب إلى الحسن بن أحمد كتابا عظيما، فكتب جوابه بعد البسملة: وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله وقلّ تحصيله، ونحن سائرون إثره، والسلام. فلمّا كان شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين كثر انتشار القرامطة في أعمال الشام، وكثر الإرجاف بهم في القاهرة ومصر، وبلغت مقدّمتهم أرياف مصر وأطراف المحلّة لعشر بقين من جمادى الآخرة، ووصلت منهم سريّة إلى أطراف الحوف أوّل يوم من رجب. وبعث الحسن بن أحمد [القرمطيّ] عبد الله بن

стр. 1095

عبيد الله أخا الشريف مسلم (١) إلى الصعيد، فنزل في نواحي أسيوط وإخميم، وجبى الأموال، وحارب أصحاب المعزّ. ونزل الحسن بلبيس فتأهّبالمعزّ لقتاله، وندب ابنه وليّ العهد الأمير عبد الله بالعساكر، وقد انتشر القرامطة في نواحي أسفل الأرض يجبون الأموال. وخرج ريّان الصقلبيّ في أربعة آلاف إلى المحلّة، فقتل وأسر كثيرا من القرامطة، فاشتعلت أرض مصر أعلاها وأسفلها بنار الحرب من القرامطة. ونزل الأمير [٥١١ ب] عبد الله بركة الحاجّ في سلخ رجب، وقد نزل النعمان بن أحمد أخو الحسن بن أحمد تجاهه، ونزل الحسن بسطح البركة، ووقع القتال بين الفريقين واشتدّ، فولّى حسّان بن عليّ بن الجرّاح الطائيّ منهزما عن الحسن بمن معه، وكانوا جمعا كبيرا، فلم يثبت الحسن ومضى على وجهه، ونهب سواده، وأخذت قبّته، وأسر من عساكره خلق كثير. فنزل أذرعات وتوجّه منها إلى الأحساء، وقد تمزّقت عساكره. فبلغ ذلك عضد الدولة فنّاخسرو ابن ركن الدولة عليّ بن بويه، فطمع أن يظفر ببقيّة القرامطة في الأحساء، وبها يومئذ أبو يعقوب عمّ الحسن بن أحمد. فبعث إليه عسكرا كثيفا، ففرّ عن الأحساء، فاحتوى العسكر على الأحساء وما فيها. ووافى الحسن بن أحمد فيمن بقي معه فانضمّ إليه عمّه وبقيّة أصحابه وحارب العسكر، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها رجال العسكر وأخذت أموالهم. فقويت نفس الحسن بن أحمد وعادت دولته. وكتب يستدعي العرب فأجابوه، ثمّ بعث رسوله إلى المعزّ يطلب موادعته ويوصيه بكاتبه أبي المنجّى، وقد قبض عليه وحمل إلى القاهرة ليسجن بها، فأخرج عنه في خامس محرّم سنة أربع وستّين [وثلاثمائة]. فلمّا قدم هفتكين الشرابيّ إلى دمشق وملكها وسار القائد جوهر من القاهرة إلى دمشق وحصر هفتكين، بعث إلى الحسن بن أحمد يستدعيه، فسار من الأحساء يريد دمشق، فسار جوهر بعد مصالحة هفتكين إلى طبريّة، وقد قرب منه الحسن بن أحمد فأسرع في الرحيل. وخرج الحسن من المزّة يريد طبريّة ففاته جوهر، فبعث سريّة تلحقه فواقعهم أصحاب جوهر وخلص إلى الرملة. فلمّا [٣٤٧ أ] بلغ ذلك الحسن سار من طبريّة وسار هفتكين في أثره حتى نزلا الرملة، فمات الحسن بها في يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رجب سنة ستّ وستّين وثلاثمائة. فقام من بعده ابن عمّه جعفر بن أبي سعيد الجنّابي، وقاتل جوهرا هو وهفتكين بقيّة السنة. ثمّ فسد ما بينه وبين هفتكين فسار إلى الأحساء، وحمل معه الحسن حتّى دفنه هناك. [شعر الأعصم]: وكان الحسن بن أحمد قصيرا له كرسيّ من خشب يصعد عليه حتى يركب. وكان لا يركب من الخيل إلّا أقواها. ومن شعر الحسن [الخفيف]: زعموا أنّني ضئيل، لعمري ... ما تكال الرجال بالقفزان (٢) إنّما المرء باللسان وبالقل ... ب، وهذا قلبي وهذا لساني ووقّع في آخر يوم من أيّام حياته توقيعا بخطّه لم

стр. 1096

يفهم من ضعف يده، فاستثبت فيه فبيّنه، ثمّ قال ومات من يومه [الوافر]: رأوا خطّي نحيلا فاستدلّوا ... به منّي على جسم نحيل وقد قوّيت أسطره بجهدي ... ولكن ما استحال من الذبول (١) وقال يرثي أبا الفضل جعفر بن فلاح لمّا قتل في حربه بدمشق [الكامل]: أعزز عليّ بقتله ... لشبابه وأبوّته قد كنت ذا خوف علي ... هـ لبطشه وجراءته وجماله وكماله ... وحيائه ومروءته وعطائه ووفائه ... وبهائه ورئاسته ٥ وجهاده لعداته ... وجميل وصف سياسته حاو خصال الخير لم ... يمتنّ قطّ ولم يته فاق المغارب جوده ... فعلا تعالي همّته جاد الإله عليه في ال ... أخرى بسكنى جنّته (٢) والقرمطي نسبة إلى قرمط، وهو حمدان بن الأشعث، وإنّما سمّي قرمطا لأنّه كان قصير القامة، قصير الرجلين، وكان خطوه متقاربا. فقيل له من ذلك: قرمط. وقيل: بل هو نسبة إلى مذهب يقال له القرمطة خارج عن مذاهب الإسلام. وقيل: لأنّ صاحب الجمل وصاحب الخال القائمين ببلاد الشام كانا من قيس من بني عبادة بن عقيل من بني عامر، ثمّ من بني قرمطيّ بن جعفر بن عمرو بن المهنّا بن يزيد بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن جوثة بن طهفة بن حزن بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. ولمّا نزل الحسن بن أحمد إلى الرملة أحضر إليه الفرّاشون في بعض الليالي الشموع، فقال لأبي نصر ابن كشاجم (٣)، وكان كاتبه: يا أبا نصر، ما يحضرك في صفة هذه الشموع؟ فقال: إنّما نحضر في مجلس السيّد لنسمع من كلامه ونستفيد من أدبه. فقال الحسن بن أحمد في الحال بديها [المتقارب]:

стр. 1097

ومجدولة مثل صدر القناة ... تعرّت وباطنها مكتس لها مقلة هي روح لها ... وتاج على هيئة البرنس إذا غازلتها الصّبا حرّكت ... لسانا من الذهب الأملس وإن رنّقت لنعاس عرا ... وقطّت من الرأس لم تنعس وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلّي دجى الحندس فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس فقام أبو نصر وقبّل الأرض وسأله أن يأذن له في إجازة الأبيات، فأذن له فقال: وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال اقليدس [٣٤٧ ب] فيا ربّة العود حثّي الغنا ... ويا حامل الكأس لا تحبس فتقدّم بأن يخلع عليه وحمل إليه صلة سنيّة وإلى كلّ واحد من الحاضرين. وكتب الحسن بن أحمد إلى جعفر بن فلاح [البسيط]: الكتب معذرة، والرسل مخبرة ... والحقّ متّبع، والخير موجود والحرب ساكنة، والخيل صافنة ... والسلم مبتذل، والظلّ ممدود فإن أنبتم فمقبول إنابتكم ... وإن أبيتم فهذا الكور مشدود على ظهور المطايا أو يردن فنا ... دمشق، والباب مهدوم ومردود إنّي امرؤ ليس من شأني ولا أربي ... طبل يرنّ ولا ناي ولا عود ولا اعتكاف على خمر ومجمرة ... وذات دلّ لها غنج وتفنيد ولا أبيت بطين البطن من شبع ... ولي رفيق خميص البطن مجهود ولا تسامت بي الدنيا إلى طمع ... يوما ولا غرّني فيها المواعيد ومن مختار شعره [الطويل]: له مقلة صحّت، ولكنّ جفونها ... بها مرض يسبي القلوب ويتلف وخدّ كورد الروض يجنى بأعين ... وقد عزّ حتّى إنّه ليس يقطف وعطفة صدغ لو تعلّم عطفها ... لكان على عشّاقه يتعطّف وقوله [الكامل]: يا سكن البلد المنيف تعزّزا ... بقلاعه وحصونه وكهوفه لا عزّ إلّا للعزيز بنفسه ... وبخيله وبرجله وسيوفه وبقبّة بيضاء قد ضربت على ... شرف الخيام لجاره وحليفه قرم إذا اشتدّ الوغى أردى العدا ... وشفى النفوس بضربه ووقوفه ٥ لم يرض بالشرف التليد لنفسه ... حتّى أشاد تليده بطريفه وقوله [البسيط]: إنّي وقومي في أحساب قومهم ... كمسجد الخيف في بحبوبة الخيف ما علّق السيف منّا بابن عاشرة ... إلّا وهمّته أمضى من السيف

стр. 1098

وكان الحسن بن أحمد يتعشّق أبا الدؤاد المفرّج بن دغفل بن الجرّاح، فدخل عليه يوما وفي وجهه أثر فسأله عنه، فقال: قبّلتني الحمّى. فأنشد [الخفيف]: قبّلته الحمّى، ولي أتمنّى ... قبلة منه من زمان طويل حاجة طالما تردّدت فيها ... قضيت للغريب قبل الخليل وفيه يقول [المجتثّ]: هل لنا فرجة إلي ... ك؟ ابن يا مفرّج! لا مني فيك معشر ... هم إلى اللّوم أحوج كيف لم يسبهم عذا ... رك هذا المدرّج؟ ومن شعره في علّته [الوافر]: ولو أنّي ملكت زمام أمري ... لما قصّرت عن طلب النجاح ولكنّي ملكت فصار حالي ... كحال البدن في يوم الأضاحي يقدن إلى الردى فيمتن كرها ... ولو يسطعن طرن مع الرياح (١) ١١٤٧ - حسام الدين أنوشروان [٦٣١ - ٦٩٩] (٢) [٥١٣ أ] الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان، قاضي القضاة، حسام الدين، أبو الفضائل، ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي المفاخر، ابن قاضي القضاة جلال الدين أبي الفضائل، الرازيّ ثمّ الروميّ، الحنفيّ. ولد بأقصرا (٣) من بلاد الروم في ثالث عشر المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. وولي قضاء ملطية زيادة على عشرين سنة. ثمّ قدم الشام سنة خمس وسبعين وستّمائة فارّا من التتار. وأقام بدمشق وولي قضاءها بعد صدر الدين سليمان الحنفيّ في تاسع عشرين شهر رمضان سنة سبع وسبعين وستّمائة. فامتدّت أيّامه إلى أن تسلطن الملك المنصور لاجين، فبعث البريد إلى دمشق لإحضار الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وصحبته قاضي القضاة حسام الدين، فقدما إلى القاهرة في [ ... ] ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين وستّمائة، فأقبل عليه وولّاه قضاء القضاة الحنفيّة بديار مصر عوضا عن شمس الدين أحمد بن إبراهيم السروجيّ في يوم [ ... ]. وولّى ابنه جلال الدين أبا المفاخر أحمد قضاء دمشق. فباشر القضاء بحرمة وافرة. وصار يبيت عند السلطان إلى أن قتل (٤)، وهو حاضر عنده

стр. 1099

كما ذكر في ترجمته (١)، فاستغاث وقال: ما يحلّ! فأشاروا إليه بالسيوف واختفى هناك، واشتغل القوم عنه بالسلطان، فلمّا أعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة مرّة ثانية بعد لاجين، صرفه بالسروجي في أوّل ذي الحجّة سنة ثمان وتسعين ونقل الحسام (٢) إلى قضاء الحنفيّة بدمشق عوضا عن ولده. فلم يزل على ذلك حتى خرج مع العساكر لحرب غازان، وشهد الوقعة بوادي الخزندار عند سلميّة، ففقد من الصفّ، ولم يوقف له على خبر في يوم الأربعاء سابع عشرين ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستّمائة. وذكر أنّه لم يقتل، وإنّما فرّ مع من انهزم وأسره الفرنج، وصاروا به إلى قبرس (٣)، فتعاطى عندهم الطبّ. وجاء خبره إلى دمشق في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة أنّه حيّ بقبرص وأنّه يطلب ما يفكّ به أسره ليحضر إلى دمشق، ثمّ سكن هذا الخبر ولم يعرف له صحّة. وقيل: بل أخذه إسهال امتدّ به أيّاما عقيب أسره، ومات. وكان مجمعا للفضائل، عريا من الرذائل، كثير المكارم، عفيفا، رئيسا، سيوسا، متودّدا إلى الناس، متحبّبا لهم، فيه مروءة وحشمة. وله نظم حسن وعنده أدب، وله رغبة في إذاعة الخير عنه. ونال من الرئاسة بمصر ما لم ينله قاض غيره. ١١٤٧ م- الحسن بن إسحاق قاضي المعرّة [- ٣٤٨] (٤) [٥١٣ أ] الحسن بن إسحاق بن نبيل، أبو سعيد، النيسابوريّ ثمّ المعرّي، الحنفيّ. ولي قضاء معرّة النعمان، وكان أصله من نيسابور، وسمع بمصر من النسائيّ والطحاويّ، وبحلب والكوفة والريّ، وله كتاب الردّ على الشافعيّ [فيما يخالف فيه القرآن]. وأقام بالمعرّة أربعين سنة، يعزل عن القضاء ثمّ يعاد، حتّى مات بها [ ... ]. ١١٤٨ - الحسن بن بقاء ابن الخشّاب [- ٤٣١] (٥) [٥١٢ ب] الحسن بن بقاء بن محمد بن أحمد الخشّاب، روى عن عليّ بن الحسين بن بندار الأذنيّ، ومحمد بن عبد الله بن حكيم الأبيض الفهريّ صاحب النسائي. وكتب عنه أبو نصر السجزيّ، وسعد بن علي الزنجانيّ، وأبو إسحاق الحبّال وغيرهم، وعبد الوهّاب بن الحسين الكلابي الدمشقيّ قدم عليهم، وعمرو بن منصور بن منصور بن يزيد الجواربيّ، وأبو العبّاس أحمد بن إبراهيم الرازيّ وآخرون.

стр. 1100

١١٤٩ - الحسن بن ثوبان الهمداني [- ١٤٥] (١) الحسن بن ثوبان بن عامر، الهمدانيّ، ثمّ الهوزنيّ، يكنّى أبا ثوبان. يروي عن أبيه ثوبان بن عامر، وعكرمة، وسليم بن عتر (٢)، وقيس بن رافع، وموسى بن وردان، وطائفة. ويروي عنه حيويه بن شريح، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وسعيد بن أبي أيّوب، وعبد الرحمن بن شريح، ويحيى بن أيّوب وضمّام بن إسماعيل. خرّج له النسائي وابن ماجة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. ولي ثغر رشيد لعبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير في خلافة مروان بن محمد الجعديّ. وكانت له عبادة وفضل. قال المفضّل بن فضالة: دخل علينا الحسن بن ثوبان يوما، ونحن في المسجد، فوقف بنا فسلّم، ثمّ ذهب فجال في المسجد، ثمّ رجع إلينا، فقلنا له: يا أبا ثوبان، وقفت بنا ثمّ ذهبت ثمّ رجعت؟ فقال: إنّي أطلب من هو أربح لي منكم، فلم أجده. وقال أبو زرارة الليث بن عاصم: خرجت إلى الحجّ، وكان عديلي الحسن بن ثوبان، فكنت كثيرا ما أسمعه يقول: من شهد خروجه من الدنيا هانت عليه الدنيا ومصائبها. فلمّا قدمنا مرض مرضه الذي توفّي فيه، فدخلت عليه أعوده. فلمّا أردت الانصراف، قلت له: يا عمّ، أوصني. فقال: اعمل لمثل مضجعي هذا، وللآخرة على قدر مقامك فيها، وللدنيا على قدر مقامك فيها، فإنّ مقامك في الدنيا قليل. وتوفّي في شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة. وفي إمرته على رشيد وثب مينا بالمسلمين برشيد، وكان مروان بن محمّد يومئذ بترسا (٣)، والمسوّدة بالفسطاط، وقد سوّد أهل الإسكندريّة، وبعث إليهم مروان بكوثر بن الأسود، وعثمان بن أبي نسعة (٤)، فغلبا أهل الإسكندريّة. فاستمدّ أهل رشيد كوثر فأمدّهم بعثمان بن أبي نسعة في خمسمائة، فجاءوا، والأقباط في العدوة وأهل الديوان الذين هم بالثغر مائة وخمسون. فبعث الحسن بخمسين في المعدّية، وأقرّ خمسين معه، وبعث بخمسين إلى طرف القرية حرسا. فأقبل المدد حتى مرّوا بالقبط وبينهم النيل. ثمّ هبطوا فنزلوا الوادي. فقال القبط: ما هؤلاء وأنتم إلّا كلحم على النار، هل يصبح؟ وكان القبط سبعة آلاف، فلمّا أصبحوا شدّوا على جعفر بن مطير التجيبي أمير خراج رشيد وقتلوا ممّن معه ثمانية. فجاء الصريخ الحسن فجمع خيله وسار. فلمّا عاينهم قرأ السجدة (٥) وسجد، وسجد من معه. ثمّ قام فقال: حم لا

стр. 1101

ينصرون. وحمل عليهم بمن معه، فقتلوا قتلا لم يسمع بمثله، فتواثبوا إلى الماء، فبعث الله تماسيح لم ير مثلها فجعلت تخطف كلّ من وقع في الماء منهم. ولم يعلم ابن أبي نسعة، ولا من معه بالخبر. وقيل: بل ثار مينا صاحب البرلّس في اليتماء والبشرود (١) وإخنا ورشيد، وقاتل القاسم بن حذيفة الأزدي فقاتلهم حتّى قتل في أهل الثغر. ثمّ توجّه مينا إلى إخنا، وعليها مالك بن الحسين الزناديّ، فانحاز إلى رشيد وصار من جملة أصحاب الحسن بن ثوبان، فاستمدّ المسلمون كوثر، فأتاهم القبط، وهم في صلاة الصبح، فقرأ الحسن: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١]، ثمّ انصرف إليهم فقاتلهم فهزمهم فظفر بهم، وكتب إلى مروان بالفتح. ١١٥٠ - الملك الأمجد الحسن بن داود [بعد ٦٢٠ - ٦٧٠] (٢) الحسن بن داود بن عيسى بن محمد بن أيّوب بن شاذي، الملك الأمجد، ابن الناصر، ابن المعظّم، ابن السلطان الملك العادل، ابن أبي بكر. ولد بعد سنة عشرين وستّمائة، وبرع في الفقه والأدب، وشارك في فنون، وصحب المشايخ، وقال الشعر، وترسّل الترسّل الفائق، وكتب الخطّ المنسوب، وتزوّج ابنة الملك العزيز عثمان ابن العادل، ثمّ تزوّج أخت الناصر يوسف صاحب حلب فولدت له صلاح الدين، واقتنى كتبا نفيسة، وروى عن ابن اللّتي وغيره. ومات في [جمادى الأولى] سنة سبعين وستّمائة [بدمشق] (٣). وكان كثير المعروف عالي الهمّة، شجاعا مقداما، عنده صبر وثبات. وكان يقتصد في ملبسه ومركبه مع المروءة والجود والمهابة عند الأمراء. ١١٥١ - أبو عليّ الأنصاري الكاتب [- ٥٢٩] (٤) الحسن بن زيد بن إسماعيل بن علي بن محمد، أبو عليّ، الأنصاريّ، الكاتب بديوان المكاتبات في الدولة الفاطميّة. نفاه الأفضل ابن أمير الجيوش بسبب ما نسب إليه أنّه من الطائفة النزاريّة. واتّهم أيضا بهجاء الأفضل. فلمّا ولي المأمون محمد بن فاتك الوزارة، وأنشأ الجامع بناحية الواحات، أقامه خطيبا به. ثمّ إنّه صار إلى القاهرة، وبقي بها حتى كانت أيّام الحسن ابن الخليفة الحافظ. [ف] نسب إليه أنّه قال فيه [البسيط]: لم تأت يا حسنا بين الورى حسنا ... ولم تر الحقّ في دنيا ولا دين (٥) قتل النفوس بلا جرم ولا سبب ... والجور في أخذ أموال المساكين

стр. 1102

لقد جمعت بلا علم ولا أدب ... تيه الملوك وأخلاق المجانين [٣٤٩ أ] فقتله حسن فيمن قتله في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقيل: بل صنع هذه الأبيات [ابن قادوس] ودسّها في رقاع ابن الأنصاريّ، ثمّ سعي به إلى الحسن ابن الحافظ، فوجدت معه فضرب رقبته. قال صاحب الجنان: هو عريق النسب، في صناعة الأدب، يمتّ إليها بأوفى ذمام، ويضرب فيها بأخوال وأعمام. جدّه لأبيه المعتمد الأنصاريّ (١) وجدّه لأمّه المجيد ابن أبي الشخباء (٢)، وكان طموح النظر إلى الرتب العليّة، والمنازل السنيّة، تريه همّته أنّه بعبء الرئاسة مستقلّ فهو لكلّ مأملة مستقلّ. ولو فسح العمر له بامتداده، وسمح له الدهر بمراده، بلغ ما ظهر من أدبه، إلى غاية مطلبه. إلّا أنّ الزمان دفع في صدر أمله، وقصّر خطى أجله. فترامت به الأحوال، إلى أن قتل في الاعتقال السلطانيّ لأمر نمى عنه، وهجاء زوّر عليه. فكأنّما أخبر عن حاله بمقاله [البسيط]: من لي بعود زمان كنت أكرهه ... وكيف للميت بالرّجعى إلى الألم؟ ومن شعره [البسيط]: سأصرف الهمّ عن قلبي بصافية ... تكاد تقبس منها جذوة النار تدبّ نشوتها من قبل سورتها ... فليس تقتل إلّا بعد إنذار وقال في خيمة الأفضل ابن أمير الجيوش التي سمّاها «خيمة الفرح» [البسيط]: مولاي قد قصّرت عن شأوك الأمم ... وأبدت العجز منها هذه الهمم أخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ... ويقظة ما نراه منك أم حلم؟ ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علوّا على أفق السّهى خيم؟ حتى أتيت بها شمّاء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم (٣) ٥ إنّ الدليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك، وأنت الناس كلّهم يمدّ من في بلاد الصين ناظره ... كيما يرى مصر علما أنّها علم ترى الكناس وآرام الظباء بها ... أضحت تجاورها الآساد والأجم والطير قد لزمت فيها مواضعها ... لمّا تحقّقن منها أنّها حرم يغدو القماريّ والبازي يسالمها ... كأنّما جمعتها كلّها رحم ١٠ لديك جيش وجيش في مناكبها ... مصوّر، وكلا الجيشين مزدحم إذا الصبا حرّكتها ماج موكبها ... فمقدم منهم فيها ومنهزم أخيلها خيلك اللائي تغير بها ... فليس ينزع عنها السّرج واللجم؟ علّمت أبطالها أن يقدموا أبدا ... فكلّهم لغمار الحرب مقتحم أمّنتهم أن يخافوا سطوة لردى ... فقد تسالمت الأسياف والقمم

стр. 1103

١٥ كأنّها جنّة والقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم علت فخلنا لها سرّا تحدّثه ... للفرقدين وفي سمعيهما صمم إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفّك الديم يا «خيمة الفرح» المأمون طائرها ... أصبحت فألا به تستبشر الأمم أعطى وذبّ فأغنت كفّه وحمت ... من أن يماح فقير أو يباح دم [٣٤٩ ب] ومنها في المديح: ما قال «لا» قطّ مذ شدّت تمائمه ... وكم له «نعما» في طيّها نعم لو كنت شاهد شعري حين أنظمه ... إذن رأيت المعالي فيك تختصم إذا ادّعتك الوغى غار الندى حنقا ... أو أودعتك المواضي جاذب القلم (١) ترى النجوم للفظي فيك حاسدة ... تودّ لو أنّها في المدح تنتظم ٥ أزرتك اليوم من فكري محبّرة ... في ناظر الشمس من لألائها سقم وذكره العماد في الخريدة، فقال: وصفه القاضي الفاضل وأثنى على فضله، فإنّه في وقته، لم يسمع العصر بمثله، إلّا أنّه طرقه حادث الزمان الغائظ، فأحفظ عليه الحسن ابن الحافظ، وتقلّد حوبته، وضرب رقبته. وسبب ذلك أنّ ابن قادوس عمل بيتين هجا بهما حسنا ولد الحافظ، ودسّهما في رقاع ابن الأنصاريّ، ثمّ سعى به إلى المذكور فأخذ فوجدت معه، فقتل بعد الذلّ الشديد والإهانة صبرا بالسيف. ومن شعره [الكامل]: كم للخيال يدا لو اعتمد الذي ... يولي، ولكن [قد] أنال، وما درى ما زلت أشكر كلّ مولي نعمة ... حتّى شكرت على السرى طيف الكرى وقال [الطويل]: سرى واصلا طيف الكرى بعد ما صدّا ... فهل خطأ أدّى الزيارة أم عمدا؟ ولمّا أتى عطلا من الدرّ جيده ... نظمت دموعي فوق لبّاته عقدا وقال [المتقارب] لعلّ سنا البارق المنجد ... يخبّر عن ساكن ثهمد ويا حبّذا خطرة للنسيم ... تجدّد من لوعة المكمد وفي ذلك الحيّ خمصانة ... لها عنق الشادن الأجيد تتيه بعزّة بدر التمام ... وسالفة الرّشإ الأغيد ٥ وتلحف عطف قضيب الأراك ... رداء من الأسحم الأجعد أعاذل أنحيت لوما عليّ ... تروح بذلك أو تغتدي ففضلي يبكي على نفسه ... بكاء لبيد على أربد فلا تبأسنّ بمطل الزمان ... فإنّي منه على موعد ولا تشك دهرك إلّا إليك ... فما في البريّة من مسعد ١٠ ولا تغترر بعطايا اللّئام ... فقد ينضح الماء من جلمد

стр. 1104

١١٥٢ - الحسن بن زيد والد السيّدة نفيسة [- ١٦٨] (١) [٥١٤ أ] الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أبو محمد بن [ ... ]. قدم إلى مصر، ومعه ابنته السيّدة نفيسة وزوجها إسحاق بن جعفر بن محمّد (٢). وولي الحسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة، من قبل أبي جعفر المنصور. وكان فاضلا أديبا عالما. وأمّه أمّ ولد. توفّي أبوه زيد بن الحسن، وهو غلام حدث، وترك عليه دينا أربعة آلاف دينار، فحلف الحسن بن زيد أن لا يظلّ رأسه سقف بيت إلّا سقف مسجد، أو بيت رجل يكلّمه في حاجة، حتّى يقضي دين أبيه، فوفّاه وقضاه بعد ذلك. وأتى، وهو عامل المدينة، بشابّ شارب متأدّب فقال: يا ابن رسول الله، لا أعود. قال رسول الله ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». وأنا ابن أبي أمامة سهل بن حنيف، ومكان أبي مع أبيك كما قد علمت. قال: صدقت، فهل أنت عائد؟ قال: لا والله! فأقاله وأمر له بخمسين دينارا، وقال: تزوّج بها وعد إليّ. فتاب الشابّ، وكان الحسن بن زيد يجري عليه النفقة. وكانت ولايته المدينة في سنة خمسين ومائة بعد جعفر بن سليمان، فأقام عليها خمس سنين، ثمّ عزله المنصور، وحبسه ببغداد وأخذ ماله (٣). فلمّا ولي المهدي، محمد ابن أبي جعفر المنصور، الخلافة، أخرجه وردّ عليه ماله. ثمّ إنّه مات في سنة ثمان وستّين ومائة. وقيل: إنّ قبره بمصر، وكان منحرفا عن أهل بيته، مائلا إلى المنصور. ويقال إنّه كان مجاب الدعوة، وأنّه مرّ بالأبطح، فإذا بامرأة تحمل ابنا لها على يدها، فانقضّ عليها عقاب وخطف الولد، فتعلّقت بالحسن بن زيد، وسألته أن يدعو الله بردّ الولد عليها، فرفع الحسن يديه ودعا ربّه بما شاء، فأقبل العقاب وألقى بالولد إلى أمّه من غير أن يضرّه بشيء. وكان يعد [ل] بألف من الكرام، ومدحه غير واحد. وقال يونس ابن أبي يعقوب: حدّثني جعفر بن محمّد الصادق، قال: لمّا قتل إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ﵇ حشرنا من المدينة، فلم يترك فيها محتلم حتّى قدمنا الكوفة، فمكثنا فيها شهرا نتوقّع القتل، ثم خرج الربيع الحاجب فقال: أين هؤلاء العلويّة؟ أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم. (قال): فدخلت إليه، والحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب. فلمّا صرت بين يديه قال لي: أنت الذي تعلم الغيب؟ قلت: لا يعلم الغيب إلّا الله. [٥١٤ ب] قال: أنت الذي يجبى إليك هذا الخراج؟ قلت: إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج. قال: أتدرون لم دعوتكم؟ قلت: لا.

стр. 1105

قال: أردت أن أهدم رياعكم وأغوّر قلبكم (١)، وأعقر نخلكم وأنزلكم بالسراة فلا يجيئكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق، فإنّهم لكم مفسدة. قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ سليمان ﵇ أعطي فشكر، وأيّوب ﵇ ابتلي فصبر، وإنّ يوسف ﵇ ظلم فغفر. وأنت من ذلك السّنخ (٢)، (قال): فتبسّم وقال: أعد! فأعدت. قال: مثلك فليكن زعيم القوم، وقد عفوت عنكم، ووهبت لكم حرم أهل البصرة. ويروى أنّ الحسن بن زيد لمّا ولي المدينة قال لإبراهيم بن هرمة: إنّي لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمّك. قد أفادني الله بولادة نبيّه الممادح وجنّبني المقابح، وإنّ من حقّه عليّ ألّا أغضي على تقصير في حقّه. وأنا أقسم بالله: لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدّين: حدّا للخمر، وحدّا للسكر! ولأزيدنّ لموضع حرمتك بي. فليكن تركك لله تعن عليه، ولا تدعها للنّاس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول [الوافر]: نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبّري عنها، وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي؟ أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب العيش في خبث الحرام (٣) ١١٥٣ - الحسن بن زيرك الطبيب [- ٢٧٠] (٤) الحسن بن زيرك، كان من أطبّاء مصر في أيّام أحمد بن طولون، فاتّفق أنّه لمّا قدم أحمد بن طولون من الشام في مرضه، أحضر الحسن هذا وشكا إليه طبيبه سعيد بن نفيلة النصرانيّ، فسهل الحسن على ابن طولون أمر علّته وقال له: أرجو لك السلامة عن قرب. وعند ما استراح ابن طولون من حركة السفر واطمأنّ باجتماع شمله وهدوء نفسه، خفّت عنه العلّة، فتبرّك بالحسن، إلّا أنّ الأقدار لم تساعده، وشرع ابن طولون يخلط مع حرمه فتزايدت به العلّة، فاستدعى الأطبّاء وكتم عنهم ما كان منه من سوء التدبير [٣٥٠ ب] والتخليط. واشتهى سمكا قريسا (٥) فأكله. وعند ما استقرّ في معدته تتابع الإسهال، فأحضر الحسن وقال له: أحسب أنّ الذي سقيتنيه اليوم كان غير صواب. فقال: يحتاج الأمير أيّده الله، إلى إحضار جماعة أطبّاء الفسطاط إلى داره في غداة كلّ يوم، حتّى يتّفقوا على ما يأخذه، وما سقيتك إلّا ما تولّى عجنه ثقتك، وجميعه ينهض القوّة الماسكة في معدتك وكبدك. فضاق صدر ابن طولون وقال: والله لئن لم ينجع فيّ تدبيركم لأضربنّ أعناقكم بأسركم، فإنّكم تمخرقون على العليل ولا يحصل منكم شيء في الحقيقة. فخرج من بين يديه وهو يرعد، وكان شيخا كبيرا. فحميت كبده من سوء فكره وخوفه وتشاغل بالهمّ عن المأكل والمشرب والنوم، واعتاده

стр. 1106

إسهال ذريع حرّك قوّته فاختلط وصار يهذي بعلّة ابن طولون حتى مات من غد ذلك اليوم في جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين. ١١٥٤ - المطوّعي المقرئ [٢٧٠ - ٣٧١] (١) الحسن بن سعيد بن جعفر، المطوّعيّ، أبو العبّاس، العبّادانيّ، المقرئ، نزيل اصطخر. ولد في حدود سنة سبعين ومائتين، وكان أحد من عني بالقراءات وتبحّر فيها، ولقي الكبار، وأكثر من الرحلة في الأقطار. وقرأ على إدريس بن عبد الكريم الحدّاد، ومحمد بن عبد الرحيم الأصبهاني، والحسين بن عليّ الأزرق الجمّال، ومحمد بن القاسم بن يزيد الإسكندرانيّ، ومحمد بن موسى الصوري، صاحبي ابن ذكوان (٢)، وأحمد بن فرح المفسّر، ومحمد بن محمد بن بدر [الباهليّ] صاحبي الدوري (٣)، وإسحاق بن أحمد الخزاعيّ. وسمع الحديث من الحسن بن المثنّى، وإدريس بن عبد الكريم، وأبي خليفة الجمحيّ، وجعفر الفريابيّ، وطائفة. وجمع وصنّف، وعمّر دهرا طويلا. وانته [ت] إليه علوم الإسناد في القراءات، قرأ عليه أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعيّ، وأبو الحسين علي بن محمد الخبّازي، وأبو بكر محمد بن عمر بن زلال النهاونديّ شيخ عبد السيّد بن عتّاب، ومحمد بن حسين بن الكرازيني، وهو آخر من تلا عليه. وحدّث عنه أبو بكر ابن أبي علي الذكواني، وأبو نعيم الحافظ وجماعة. قال أبو الفضل الخزاعيّ: قلت للمطوّعي: في أيّ سنة قرأت على إدريس الحدّاد؟ قال: في السنة التي رحلت فيها إلى الريّ، سنة اثنتين وتسعين ومائتين. قلت له: فقد قاربت المائة؟ قال: إلّا سنتين. قلت له ذلك في سنة سبع وستّين وثلاثمائة. (قال الخزاعي: ) وكان أبوه واعظا محدّثا. وقال أبو نعيم: قدم الحسن هذا أصبهان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وكان رأسا في القرآن وحفظه. وفي حديثه وروايته لين. قال أبو بكر بن مردويه: ضعيف. توفّي، وقد أناف على المائة، في سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. ١١٥٥ - الحافظ النسويّ [٢١٣ - ٣٠٣] (٤) الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العبّاس، الشيبانيّ، النسويّ، الحافظ، صاحب المسند. من قرية بالوز، وهي على ثلاثة فراسخ من بلد نسا. روى عن هدبة بن خالد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وحيّان بن موسى، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن زرارة، وقتيبة بن سعيد، وإبراهيم بن يوسف البلخي، وعليّ بن حجر، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو الناقط،

стр. 1107

وسويد بن سعيد، وأبي خيثمة، والقواريريّ، وإبراهيم بن الحجّاج، وأبي الربيع الزهراني، وسهل بن عثمان العسكري، وعبد الرحمن بن سلّام الجمحيّ، وأبي كامل الجحدريّ، وشيبان بن فرّوخ، وإبراهيم بن المنذر الخزامي، وأبي مصعب، وهارون بن سعيد، وعيسى بن حمّاد. وقدم دمشق فسمع بها من هشام بن خالد، ودحيم، وإبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى، وصفوان بن صالح، وهشام بن عمّار، وإبراهيم بن أيّوب الحوّاري، وعبّاس بن الوليد الخلّال. وسمع بمصر محمد بن رمح، وأبا الطاهر وحرملة. وسمع المسيّب بن واضح. وروى عنه محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني الحافظ، وأبو علي الحسين بن عليّ الحافظ، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو من أقرانه، وجعفر بن محمد بن سوّار، وأبو عمر أحمد بن المبارك السلميّ، وأبو الحسين محمّد بن عبد الله بن جعفر الرازيّ، وأبو بكر محمد بن الحسن النقّاش المقرئ، وأبو حامد بن الشرقيّ، [٣٥١ أ] وأبو عمرو بن حمدان، وأبو بكر محمد بن داود بن سليمان الزاهد، وأبو بكر محمد بن جعفر البشتي، وأبو بكر عبد الله بن محمد بن مسلم الأسفراييني، وأبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجانيّ، وأبو جعفر محمد بن عليّ الجوسقانيّ، وأبو حاتم محمد بن حبّان البستي، وإبراهيم بن إسماعيل القارئ، وعليّ بن قيدار الزاهد، وابنا ابنيه إسحاق بن سعد بن الحسن، وأبو محمد سفيان بن محمد بن سفيان. قال ابن أبي حاتم: كتب إليّ، وهو صدوق. وقال الحسن بن سفيان: فدمت على عليّ بن حجر، وكان من آدب الناس، وكان لا يرضى قراءة أصحاب الحديث، فغاب عنه القارئ يوما. فقال: هاتوا من يقرأ. فقمت فقلت: أنا. فقال: اجلس. ثمّ قال الثانية: من يقرأ. فقلت: أنا. فقال: اجلس. وقال أبو بكر بن علي الرازي: ليس للحسن في الدنيا نظير- وقال أبو علي الحسين بن عليّ الحافظ: سمعت الحسن بن سفيان يقول: إنّما فاتني يحيى بن يحيى: فالوالدة لم تدعني أخرج إليه، فعوّضني الله بأبي خالد الفرّاء، وكان أسند من يحيى بن يحيى، وقال: لولا اشتغالي بحبّان بن موسى، وسماعي مصنّفات ابن المبارك منه، لجئتكم بأبي الوليد وسليمان بن حرب. وقال الحاكم: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبا عمرو أحمد بن محمّد الجيزيّ، وأبا بكر أحمد بن علي الرازيّ الحافظ في جماعة المطوّعة، وهم متوجّهون إلى فراوة (١)، فقال له أبو بكر أحمد بن عليّ: قد كتبت لأبي بكر محمد بن إسحاق هذا من حديثك. فقال: هات، اقرأ! فأخذ فقرأ، فلمّا قرأ أحاديث أدخل إسنادا منها في إسناده فردّه الحسن بن سفيان إلى الصواب. فلمّا كان بعد ساعة، أدخل أيضا إسناده في إسناد فردّه إلى الصواب. فلمّا كان في الثالثة، قال له

стр. 1108

الحسن: ما هذا؟ لا تفعل، فقد احتملتك مرّتين، وهذه الثالثة. وأنا ابن تسعين سنة، فاتّق الله في المشايخ! فربّما استجيبت فيك دعوة. فقال أبو بكر بن خزيمة: لا تؤذ الشيخ! فقال أبو بكر: إنّما أردت أن يعلم الأستاذ أنّ أبا العبّاس يعرف حديثه. (قال): وسمعت أبا الوليد [حسّان بن محمد] الفقيه يقول: كان الحسن بن سفيان أديبا فقيها، أخذ الأدب عن أصحاب النضر [بن شميل، أخبرنا أبو نصر] أحمد بن جعفر (١) الأسفراييني [قال: حدّثنا] الفقيه أبو الحسن الصفّار قال: كنّا في مجلس الشيخ الإمام الزاهد الحسن بن سفيان النسويّ، وقد اجتمع لديه طائفة من أهل الفضل ارتحلوا إليه من أطباق الأرض والبلاد البعيدة مختلفين إلى مجلسه لاقتباس العلم وكتابة الحديث، فخرج يوما إلى مجلسه الذي كان يملي فيه الحديث، فقال: اسمعوا ما أقول لكم قبل أن نشرع في الإملاء. قد علمنا أنّكم طائفة من أبناء النّعم وأهل الفضل، هجرتم أوطانكم وفارقتم دياركم وأصحابكم في طلب العلم واستفادة الحديث، فلا يخطرنّ ببالكم أنّكم قضيتم بهذا التجشّم للعلم حقّا، أو أدّيتم بما تحمّلتم من الكلف والمشاقّ من فروضه فرضا. فإنّي أحدّثكم ببعض ما تحمّلته في طلب العلم من المشقّة والجهد، وما كشف الله عنّي وعن أصحابي ببركة العلم وصفوة العقيدة من الضّيق والضنك. اعلموا أنّي كنت في عنفوان شبابي ارتحلت من وطني لطلب العلم واستملاء الحديث، فاتّفق حصولي بأرض المغرب وحلولي بمصر في تسعة نفر من أصحابي طلبة العلم وسامعي الحديث. وكنّا نختلف إلى شيخ كان أرفع أهل عصره في العلم منزلة، وأدراهم بالحديث، وأعلاهم إسنادا، وأوضحهم رواية، فكان يملي علينا كلّ يوم مقدارا يسيرا من الحديث حتى طالت المدّة وخفنا النفقة. ودفعت الضرورة إلى بيع ما صحبنا [٣٥١ ب] من ثوب وخرقة، إلى أن لم يبق لنا ما كنّا نرجو حصول قوت يوم منه، وطوينا ثلاثة أيّام بلياليها جوعا وسوء حال، ولم يذق واحد منّا شيئا، وأصبحنا بكرة اليوم الرابع بحيث لا حراك بأحد من جملتنا من الجوع وضعف الأطراف. وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة وبذل الوجه للسؤال. فلم تسمح أنفسنا بذلك ولم تطب قلوبنا به، وأنف كلّ واحد منّا عن ذلك، والضرورة تحوج إلى السؤال على كلّ حال. فوقع اختيار الجماعة على كتابة رقاع بأسامي كلّ واحد منّا، وإرسالها قرعة، فمن ارتفع اسمه من الرقاع كان هو القائم بالسؤال واستماحة القوت له ولأصحابه. فارتفعت الرقعة التي اشتملت على اسمي، فتحيّرت ودهشت ولم تسامحني نفسي بالمسألة واحتمال المذلّة. فعدلت إلى زاوية من المسجد أصلّي ركعتين طويلتين قد اقترن الاعتقاد فيها بالإخلاص، أدعو الله سبحانه بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة لكشف الضرّ وسياقة الفرج. فلم أفرغ بعد من إتمام الصلاة حتّى دخل المسجد شابّ حسن الوجه نظيف الثوب طيّب الرائحة، يتبعه خادم في يده منديل فقال: «من منكم الحسن بن سفيان؟ » فرفعت رأسي من السجدة وقلت: أنا الحسن بن سفيان، فما الحاجة؟ فقال: إنّ الأمير ابن طولون صاحبي يقرئكم السلام والتحيّة ويعتذر إليكم في الغفلة عن تفقّد أحوالكم والتقصير الواقع في رعاية حقوقكم، وقد

стр. 1109

بعث بما يكفي نفقة الوقت، وهو زائركم غدا بنفسه، ومعتذر بلفظه إليكم. ووضع بين يدي كلّ واحد منّا صرّة فيها مائة دينار، فتعجّبنا من ذلك جدّا، وقلنا للشابّ: ما القصّة في هذا؟ فقال: أنا أحد خدم الأمير أحمد بن طولون المختصّين به والمتّصلين بأقربائه وخواصّ أصحابه، دخلت عليه بكرة يومي هذا مسلّما في جملة أصحاب لي. فقال لي وللقوم: «أنا أحبّ أن أخلو يومي هذا، فانصرفوا أنتم إلى منازلكم». فانصرفت أنا والقوم، فلمّا عدت إلى منزلي لم يسبق قعودي حتى أتاني رسول الأمير مسرعا مستعجلا يطلبني حثيثا. فأجبته مسرعا فوجدته منفردا في بيت واضعا يمينه على خاصرته لوجع ممضّ اعتراه في داخل جسده. فقال لي: أتعرف الحسن بن سفيان وأصحابه؟ فقلت: لا. قال: اقصد المحلّة الفلانيّة، والمسجد الفلانيّ، واحمل هذه الصّرر وسلّمها في الحين إليه وإلى أصحابه، فإنّهم منذ ثلاثة أيّام جياع بحالة صعبة، ومهّد عذري لديهم، وعرّفهم أنّي صبيحة الغد زائرهم ومعتذر شفاها إليهم. (قال الشابّ): سألته عن السبب الذي دعاه إلى هذا، فقال: دخلت هذا البيت منفردا على أن أستريح ساعة. فلمّا هدأت عيني رأيت فارسا في الهواء متمكّنا تمكّن من يمشي على بساط الأرض، وبيده رمح، فقضيت التعجّب من ذلك وكنت انظر إليه متعجّبا حتى نزل إلى باب هذا البيت، ووضع سافلة رمحه على خاصرتي وقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه، قم وأدركهم! قم وأدركهم! قم وأدركهم! فإنّهم منذ ثلاثة أيّام جياع في المسجد الفلانيّ. فقلت: من أنت؟ فقال: أنا رضوان صاحب الجنة. ومنذ أصاب سافلة رمحه خاصرتي أصابني وجع شديد، لا حراك لي معه. فعجّل إيصال هذا المال ليزول الوجع عنّي. فقال الحسن: فتعجّبنا من ذلك، وشكرنا الله ، وأصلحنا أمورنا، ولم تطب أنفسنا بالمقام حتى لا يزورنا الأمير ولا نطلع الناس على أسرارنا، فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم وانبساط جاه، ويتّصل ذلك بنوع من الرّياء، فخرجنا تلك الليلة من مصر، وأصبح كلّ واحد منّا واحد عصره وقريع دهره في العلم والفضل. فلمّا أصبح الأمير ابن طولون أتى المسجد لزيارتنا وطلبنا، فأخبر بخروجنا. [ف] أمر بابتياع تلك المحلّة بأسرها، ووقفها على ذلك [٣٥٢ أ] المسجد، وعلى من ينزل به من الغرباء وأهل الفضل وطلبة العلم، نفقة لهم حتّى لا تختلّ أمورهم ولا يصيبهم من الخلل ما أصابنا (١). وذلك كلّه بقوّة الدين وصفوة الاعتقاد، والله سبحانه وليّ التوفيق. *** وقال الحاكم: الحسن بن سفيان محدّث خراسان في عصره، مقدّم في التثبّت والكثرة والرحلة والفهم والفقه والأدب. تفقّه عند أبي ثور، وكان يفتي على مذهبه، وصنّف المسند الكبير، والجامع، والمعجم، وغير ذلك، وهو راوية خراسان لمصنّفات الأئمّة. توفّي سنة ثلاث وثلاثمائة.

стр. 1110

١١٥٦ - الشهاب البصرويّ [٦٣٧ - ٧١٩] (١) الحسن بن سليمان بن فزارة بن بدر، الشيخ الإمام، شهاب الدين، أبو عبد الله، البصروي، الفقيه، الحنفيّ. ولد سنة سبع وثلاثين وستّمائة تقريبا، وقرأ القراءات على القاسم بن أحمد الأندلسيّ، وتفرّد بالإقراء عنه. وسمع الحديث من عبد الدائم، وابن الدرجي، وابن أبي اليسر، وابن طلحة، في آخرين. وحدّث، وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه، وشرح الشاطبيّة، وكان عارفا بالنحو والأدب. توفّي في ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبعمائة (٢). ١١٥٧ - أبو عليّ الورّاق [٥٥٥ - ٦٣١] (٣) حسن بن سيف بن عليّ بن عبد الله، ابن أبي الفتح، ابن مكثر بن يعلى بن عبد الله بن محمّد بن عليّ، أبو عليّ بن المنذر، الأندلسيّ الأصل، المصريّ المولد والدار، الورّاق. ولد بالقاهرة في السابع من ذي الحجّة سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وتوفّي بالقرافة يوم السبت الحادي والعشرين من شعبان سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ١١٥٨ - ابن الفقيسيّ [٦٠٦ - ٦٨٧] (٤) حسن بن شاور بن طرخان، ناصر الدين، أبو عليّ، ابن نجم الدين أبي الفتح، ابن النقيب، الكنانيّ، المعروف بابن الفقيسيّ. ولد في سنة ستّ وستّمائة، ومات [سنة سبع وثمانين وستّمائة]. ومن شعره [السريع]: ليهن أحبابي نيل دنا ... ومفرد وفاءه مؤذنا ما النيل إلّا أدمعي بعدهم ... كلّا ولا المفرد إلّا أنا وهو أوّل من أثار هذا المعنى، وأخذ منه جماعة، وقال أيضا [الرمل]: صبغة اللحية ذنب ... بدليل قد تأصّل فهي لا تبرح منه ... كلّ وقت تتنصّل وقال [المتقارب]: وداد الورى ملق كلّه ... وسمّهم كامن في الرحيق وكلّهم واحد يلتقيك ... بقلب العدوّ ووجه الصديق وقال [الرمل]: لا تثق من آدميّ ... في وداد بصفاء

стр. 1111

كيف يرجى منه صفو ... وهو من طين وماء؟ وقال [السريع]: وصاحب صاحبته عالما ... بأنّه كالسمّ في الجسم فكنت في صحبته كالذي ... أضلّه الله على علم وقال [الخفيف]: حجّ في الدهر حجّة ... وتغنّى وأحرما وأتانا من الحجا ... ز كما راح مجرما وهو ذو الحجّة الذي ... ما توقّى المحرّما وقال [الوافر]: أتطمع من زمانك ذا وفاء ... وتأمّل ذاك جهلا من بنيه؟ لقد قلّ الوفاء به، وإنّي ... لأعجب من وفاء النيل فيه وقال [الكامل]: ولقد كتمت غرامه حتّى بدا ... في صفحتي خديه مشقة لام (١) فوشى ونمّ عليّ آس عذاره ... فأعجب لآس عذاره النمّام [٣٥٢ ب] ١١٥٩ - الحسن بن شعرة [- ٢٥٦] (٢) كان مضحّكا لأمير المؤمنين المتوكّل على الله، وكان يغنّي أيضا. فقدم إلى مصر وانضوى إلى أحمد بن محمد بن مدبّر، وصار لما يعلمه من كراهة ابن مدبّر لأحمد بن طولون يذكره عنده بسوء، فأحضره ابن طولون ونهاه عن ذلك، وكأنّه إنّما أغراه به، ولم ينته. فأقبل يتقرّب إلى ابن مدبّر يذكره بما لا يجوز من أبواب الضحك. فبلغه ذلك فبعث إليه من نهاه فلم ينته، فأحضره وقال له: ويحك، انته عمّا بلغني عنك. فلن يبلغني بعد هذا شيء أكرهه إلّا أتيت على نفسك. فعاد إلى ابن مدبّر بعد أن أحلفه ابن طولون، فحلف له أنّ جميع ما يبلغه كذب عليه. فدخل خزائن كسوته وليس منها ثياب أحمد بن طولون، وخرج إليه فجلس مثل جلوسه وحكاه بمثل كلامه وجميع إشاراته، وأعاد على ابن مدبّر جميع ما خاطبه به أحمد بن طولون، وابن مدبّر يضحك منه ويعجبه ذلك. فبلغ المجلس أحمد بن طولون فأسرّه في نفسه (٣). وكان قد زاد السعر واضطرب البلد، فركب أحمد بن طولون ليهدّئ الناس ويعاقب القمّاحين والخبّازين وينظر في مصالح الناس. فلمّا بلغ مسجد عبد الله ازدحم النساء من السطوح للنظر إليه من كلّ دار، فاطّلعت امرأة من دار ابن شعرة من السطح من بين مركنين (٤) فيهما ريحان. وجاءت أخرى معها فازدحمنا فرمت إحداهما إحدى المركنتين فسقطت القدور على كفل فرس أحمد بن طولون، فوثب به ونثره من السرج فلولا ثباته في سرجه لطاح منه. فسأل عن الدار، فقيل: هي للحسن بن شعرة، فأحضره في الوقت وشقّ ثيابه عنه وضربه في موضعه خمسمائة سوط وهدم الدار وطاف به البلد على جمل، فمات لوقته، وذلك في سنة ستّ وخمسين ومائتين.

стр. 1112

١١٦٠ - الحسن بن الصبّاح [- ٥١٨] (١) الحسن بن صبّاح، الرازي، رئيس الإسماعيليّة، المعروف بالكيّال. كان رجلا شهما كافيا عالما بالهندسة والحساب والنجوم والسحر وغير ذلك، فمال إلى دعوة الباطنيّة وصار تلميذا لأحمد بن عبد الملك بن عطّاش الطبيب. وكتب للرئيس عبد الرزّاق بن بهرام بالريّ، فاتّهم أبو مسلم رئيس الريّ (٢) بدخول جماعة من المصريّين عليه، فخافه ابن الصبّاح وخرج من الريّ، فطلبه أبو مسلم فلم يدركه. ومضى ابن الصبّاح فطاف في البلاد، فقدم إلى مصر سنة تسع وسبعين وأربعمائة في زيّ تاجر واجتمع بالخليفة المستنصر بالله، وحدّثه في إقامة دعوته ببلاد خراسان (٣)، فوصله بمال، وأقام عنده مدّة. فبلغه عنه ما أوجب اعتقاله، ثمّ أخرجه وأنعم عليه، وكتب له بخطّه جوابا عن مسائل سأله عنها على مذهب الإسماعيليّة. وخرج من القاهرة إلى الشام والجزيرة وديار بكر وبلاد الروم، ورجع إلى خراسان ودخل كاشغر وما وراء النهر، وهو يطوف على الناس ويدعو إلى المستنصر وينشر الدعوة ببلاد الجبل وقزوين وأصبهان حتى شاعت. وسيّر دعائه ورسله إلى بلاد العجم وألقى عليهم مسائلهم التي منها: لم كانت الأيّام سبعة؟ والبروج اثني عشر؟ والسماوات سبعا؟ والأرضون سبعا؟ والشهور اثني عشر؟ وفي كلّ كفّ من الإنسان خمس أصابع؟ وفي كلّ أصبع ثلاثة شقوق؟ وفي ظهر الإنسان اثنتا عشرة خرزة؟ وفي عنقه سبع خرزات؟ ونحو ذلك. وادّعى أنّه استأثر من إمامه بغوامض علوم وبديع أسرار، وكانت الدعوة الإسماعيليّة هناك قديمة فقبلها كثير من الناس. وأخذ في ابتياع الأسلحة والعدد الحربيّة سرّا. وواعد أصحابه ممن استجاب له على ليلة عيّنها لهم من شعبان سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، والسلطان يومئذ ملكشاه ابن ألب أرسلان، وأخذ قلعة ألموت وهي بنواحي قزوين، ولها بلاد كثيرة بأصبهان وقلاع عديدة. وكانت قديما قبل الإسلام وفي صدر الإسلام لملوك الديلم، وهي من الحصانة والمناعة [٣٥٣ أ] على غاية، لا ترقى الهمم إلى بلوغها وتحيط بها بحيرة. فبعث نظام الملك عسكرا إلى قلعة ألموت فحصر ابن الصبّاح إلى أن ضاق ذرعه بالحصر، فأرسل من قتل نظام الملك، فلمّا قتل رجع العسكر عنه. ولمّا ملكها اجتمع باطنيّة أصبهان ونواحيها مع رئيس دعاتهم أحمد بن عطاش، وأخذوا قلعتين عظيمتين فعظم أمرهم وكثر عملهم بالسكّين. وكان أوّل عملهم بالسكّين أنّ الحسن بن الصبّاح لمّا بثّ دعوته وصار معه طائفة أظهر التديّن

стр. 1113

والزهادة، وقال لأصحاب قلعة ألموت: نحن قوم ضعفاء زهّاد نريد عبادة الله عندكم، فبيعونا نصف هذه القلعة! فباعوها منها بتسعة آلاف دينار وسكنوا فيها، فاستولى عليها، وبلغ خبره ملك تلك الناحية فقصده بعسكره ليحاربه، فقال عليّ اليعقوبيّ للحسن بن صبّاح ولمن معه: أيّ شيء يكون لي عندكم إن كفيتكم أمر هذا العسكر؟ فقال: نذكرك في تسابيحنا. فقال: رضيت. ونزل بهم، وقسمهم أرباعا في أرباع العسكر. وجعل معهم طبولا وقال: إذا سمعتم الصائحة فاضربوا الطبول. ثمّ هجم على صاحب العسكر في الليل وقتله، فوقع الصياح في العسكر، فضرب أولائك الطبول، فلم يثبت العسكر لما ملأ قلوبهم من الخوف وفرّوا بأجمعهم وتركوا خيامهم، فنقلها أصحاب ابن الصبّاح إلى قلعة ألموت. ومن ذلك الوقت سنّوا سنّ [ة] (١) السكّين، واغتالوا الملوك والرؤساء، وكثر قتلهم للناس. فاستدعي الإمام أبو حامد الغزالي إلى نيسابور وأقام بالمدرسة النظاميّة فيها واشتغل بمناظرة أصحاب ابن الصبّاح وألّف كتاب «المستظهري»، وأجاب عن مسائلهم. وجدّ السلطان ملكشاه في قلعهم فلم يتمكّن من ذلك. فلمّا مات المستنصر بالله في ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ادّعى الحسن بن الصبّاح أنّه قال للمستنصر لمّا كان عنده: «من الإمام بعدك؟ قال: ولدي نزار»، وأنكر إمامة المستعلي ودعا لنزار ابن المستنصر. فلمّا قتل نزار في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين، قال أصحاب ابن الصبّاح له: إنّك تدّعي حضوره. فقال لهم: الآية في ذلك أن يطلع القمر في غير وقته من غير مطلعه. ثمّ عمد إلى جبل بجانبهم شديد الارتفاع، وعمل بعض مخاريقه فصار يرى كالقمر قد طلع من وراء الجبل. فعند ذلك صار بعضهم يبشّر بعضا بالإمام نزار. وأقرفوا (٢) من أهل مصر وشرعوا في افتتاح الحصون فأخذوا قلاعا. واشتغلوا بعمل السكّين التي سنّها لهم علي اليعقوبيّ، وأخذ ابن الصبّاح يقول لأصحابه: إنّ الإمام نزارا بين أعداء كثيرة، والأعداء محيطة به، والبلاد بعيدة، ولم يتمكّن من الحضور، وقد عزم على أن يستخفي في بطن امرأة ويستأنف الولادة ليجيء سالما. فصدّقوه في ذلك، وأخرج إليهم جارية حبلى، وقال لهم: «إنّ الإمام قد اختفى في هذه»، فعظّموها حتى ولدت ذكرا وسمّاه حسنا، وقال: قد تغيّر الاسم بتغيير الصورة. وفي المحرّم سنة ثلاث وخمسمائة سيّر السلطان محمد بن ملكشاه وزيره أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة ألموت لقتال الحسن بن الصبّاح، فحصره وهجم عليه الشتاء، فعاد بغير طائل. وفي سنة خمس وخمسمائة ندب أيضا لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير صاحب ساوة (٣)، فملك عدّة قلاع للحسن بن الصبّاح ونزل على قلعة ألموت بعساكره، وأمدّه السلطان محمّد بعدّة من الأمراء، فجدّ في قتال الحسن وبنى له مساكن يسكنها هو ومن معه. فضاق الأمر على الحسن

стр. 1114

وقلّت الأقوات عنده حتى كان يجري لكلّ من أصحابه رغيفا وثلاث جوزات في اليوم. فبينا هم في ذلك إذ مات السلطان، فرحل العسكر وغنم الحسن ما تخلّف عنهم. ثمّ إنّ ابن الصبّاح ندب لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش من أصحابه، فلمّا قتل في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة [٣٥٣ ب]، وولي القائد أبو عبد الله محمد بن فاتك المعروف بالمأمون البطائحيّ وزارة الخليفة الآمر بأحكام الله بعد قتل الأفضل، اتّصل به أنّ النزاريّة والحسن بن الصبّاح فرحوا بموت الأفضل، وأنّ آمالهم امتدّت إلى قتل الآمر والمأمون، وقد بعث ابن الصبّاح رسلا لمن في مصر من أصحابه بأموال تفرّق فيهم. فضبط حينئذ المأمون أمر مصر ضبطا عظيما حتّى قبض على جماعة كثيرة من أصحاب ابن الصبّاح. وعقد مجلسا بالقصر للنظر في أمر النزاريّة. وكتب إلى الحسن بن الصبّاح يعظه ويأمره بالرجوع عن القول بإمامة نزار، فلم يقنع بذلك، وأقام على دعوته إلى أن مات بناحية ألموت في سنة ثماني عشرة وخمسمائة. وكان ذا سمت وزهد، وله أتباع من جنسه. وقام من بعده بالموت ديلميّ يعرف بزركمين. وهذه الطائفة الإسماعيليّة يقال لها أيضا الباطنيّة، وأصل دعوتها مأخوذ عن القرامطة. وأوّل ما عرف أمرها أنّه اجتمع منها ثمانية عشر رجلا يوم العيد في مدينة ساوة، وقد فطن بهم الشّحنة (١) وأخذهم وسجنهم ثمّ سئل فيهم فخلّى عنهم، وكان ذلك في سلطنة ملكشاه. ثمّ إنّهم دعوا مؤذّنا من أهل ساوة كان بأصبهان، فلم يجبهم فقتلوه فأمر الوزير نظام الملك بتتبّعهم، فأخذ رجل نجّار اسمه طاهر وقتل ومثّل به وجرّت العامّة برجلة في الأسواق. فحنق الباطنيّة ودسّوا على نظام الملك حتى قتلوه بالنجّار. ثمّ اجتمعوا في موضع بالقرب من قاين (٢)، وأخذوا قافلة عظيمة مرّت بهم من كرمان، وقتلوا سائر من بها إلّا رجلا تركمانيّا، فإنّه فرّ إلى قاين وأعلم الناس فخرجوا إليهم فلم يقدروا عليهم. وعظم أمرهم واشتدّت شوكتهم بنواحي أصبهان، وصار دعاتهم يسرقون من قدروا عليه ويقتلونه حتى أتلفوا خلقا كثيرا، وانتشرت دعوتهم. ثمّ إنّ الفقيه أبا القاسم مسعود بن محمّد الخجنديّ الشافعيّ تجرّد لهم بمدينة أصبهان وجمع الجمع الغفير بالأسلحة وتطلّبهم وأخذ منهم عالما كبيرا، وحفر لهم أخاديد وأضرمها نارا، وجعلت العامّة تأتي بالباطنيّة أفواجا وفرادى وتلقيهم في النار، وقد أوقفوا على رأس الأخاديد رجلا سمّاه مالكا، فقتل منهم خلق كثير في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وكان الباطنيّة قد اجتمعوا على أحمد بن عبد الملك بن عطّاش وألبسوه التاج وجمعوا له الأموال وقدّموه عليهم، مع جهله، لأنّ أباه كان مقدّما فيهم. فاتّصل بدزدار (٣) قلعة أصبهان التي بناها السلطان ملك شاه، وبقي معه فوثق به الدزدار وقلّده الأمور، فلمّا مات الدزدار بعد موت ملكشاه في أيّام خاتون الجلاليّة أمّ السلطان محمد بن ملكشاه، استولى أحمد [بن عبد الملك] بن عطّاش على القلعة بعده، ونال المسلمين منه ضرر عظيم من أخذ الأموال وقتل الأنفس وقطع الطريق والخوف الدائم. وفي الحسن بن الصبّاح يقول الشريف أبو يعلى

стр. 1115

محمد بن محمد بن الهبّارية (١) العبّاسي، وكتب بها من كرمان في سنة ستّ وسبعين وأربعمائة إلى أمين الدولة أبي سعد ابن الموصلايا نائب الديوان ببغداد، فعرضها على الخليفة المستظهر بالله، وهي [الرجز]: عزّ على المنصور والسفّاح ... ظهور أمر الحسن الصبّاح يدعو إلى ميمونه القدّاح ... بألسن الصفاح والرماح أنائم أنت أبا العبّاس؟ ... ناحت دعاة القوم في النواحي فدعوة الصباح كالصياح ... قد صرّحت بشرّها الصراح قائلة بألسن فصاح: ... حيّ على قتل بني العبّاس! فأكثر العالم مستجيب ... إلّا امرؤ محقّق نجيب بقلبه من خوفهم وجيب ... وذاك في هذا الورى عجيب وكلّهم شارب هذا الكأس ... لم يبق في ظهورهم خفاء قد ذهب النفاق والرياء ... ولعبوا بالملك كيف شاءوا واستذأبت للجرّة الجمّاء ... إذ غلبت [أ] سد عن الأخياس (٢) فالباطل اليوم جهارا ظاهر ... شيطانه للمسلمين قاهر بكذبه معالن مجاهر ... سيفه على العباد شاهر مفتخر بمكره في الناس ... حذار من شرّهم حذار فإنّهم كالأسد الضواري ... قانية الأنياب والأظفار ليس لها في الغاب من قرار ... شوقا إلى العراك والمراس فنارهم تستعر استعارا ... ترمي إليك الجمر والشرارا ترى فراش ضوءها الأعمارا ... فاحذر أبيت اللعن ثارا فهي بلا أسّ ولا نحاس ... حقرتم الشرار في الرماد فعاد كالجمر في الاتّقاد ... وحرّه والله في فؤادي وسائر القلوب والأكباد ... قلوب أهل السنّة الأكياس كأنّنا نبصر ما يكون ... إنّ اللبيب ظنّه يقين هوّنه قوم وما يهون ... والاحتقار لهم جنون وا حزنا! ليس لجرحي آس! ... إن تمّ أمر القوم في كرمان دبّ إلى الأقطار والبلدان ... وانكشفت سريرة السلطان [ ................ ... ] (٣) ... وجاء بغداد بلا احتباس

стр. 1116

١١٦١ - الحسن بن طغج [- ٣٤٠] (١) الحسن بن طغج بن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري بن خاقان، أبو المظفّر، ابن الأمير أبي محمد، الفرغاني. بعثه أخوه الأمير محمد بن طغج الإخشيد على الجيوش إلى الإسكندريّة لثمان بقين من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، فالتقى هو وصالح بن نافع مع أهل المغرب، وعليهم رجل يقال له يعيش من كتامة، وآخر يقال له أبو تازرت، كتاميّ، فاقتتلوا قريبا من تروجة في خامس جمادى الأوّل وهزموا المغاربة وقتلوا منهم عدّة كبيرة وأسروا جمعا عظيما، وقتل أميرهم يعيش، ودخل الحسن الإسكندريّة، وقتلوا من كان بها من أصحاب سلطان إفريقيّة (٢). ثمّ قفل ومعه صالح بن نافع حتى نزل الجيزة بالأسارى، وعبر إلى الفسطاط أوّل يوم من جمادى الآخرة، وطيف بالأسرى، وهم مائة وثمانية رجال. ثمّ استخلفه أخوه على الفسطاط لمّا توجّه لقتال الأمير أبي بكر محمد بن رائق (٣) في المحرّم سنة ثمان وعشرين [وثلاثمائة]. ثمّ استخلفه أيضا لمّا سار إلى الشام بعد قتل ابن رائق في شوّال سنة ثلاثين [وثلاثمائة] (٤)، إلى أن قدم لثلاث عشرة من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين. ثمّ استخلفه بعد ذلك لمّا سار إلى لقاء المتّقي [٣٥٤ ب] لله في سادس رمضان سنة ثنتين وثلاثين [وثلاثمائة]، فخلفه حتى عاد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين (٥). ثمّ استخلفه لمّا خرج إلى الشام في شعبان منها لقتال سيف الدولة عليّ بن عبد الله بن حمدان. فلمّا مات الإخشيد (٦) بدمشق أقيم ابنه أبو القاسم أونوجور ابن الإخشيد في إمارة مصر، وجعل عمّه أبو المظفّر خليفة له. فأقام معه إلى أن أخذ سيف الدولة علي ابن حمدان دمشق وطبريّة والرملة. فسار على العساكر من مصر، هو وكافور الإخشيدي، وصارت الطبول تضرب على مضرب كلّ منهما وقت كلّ صلاة. فسارا إلى الرملة وأخرجا منها أصحاب ابن حمدان، وسارا إلى طبريّة وقاتلا ابن حمدان وملكاها، ومضيا إلى دمشق في جمادى الآخرة [سنة ٣٣٥]، واقتتلا مع ابن حمدان فانهزم على مرج عذراء (٧). واستقرّ أبو المظفّر بالرملة أميرا عليها، وأضيفت إليه دمياط، فأقام بها إلى أن مات في

стр. 1117

ربيع الآخر سنة أربعين وثلاثمائة. وكان، وهو بالرملة، إذا شكا الناس إليه يقول: صيروا إلى مصر، فإنّ أخي الإخشيد بها وقد مسخ أسود- يعني كافور الإخشيدي- فإنّه كان يلي تدبير أمر مصر لأونوجور ابن الإخشيد. ١١٦٢ - أبو عليّ الجمّال المقرئ [- ٢٨٩] (١) الحسن بن العبّاس بن أبي مهران، الرازي، أبو عليّ، المقرئ، [يعرف بالجمّال]. عني بالقراءات فأخذ عن قالون وأحمد بن يحيى الحلوانيّ، وأحمد بن عيسى الأصبهاني، وأحمد بن صالح المصريّ. وسمع من سهل بن عثمان العسكري، وعبد المؤمن بن عليّ الزعفرانيّ، ويعقوب بن حميد بن كاسب وغيرهم. وانتهت إليه الرئاسة في الضبط والتجويد، وأقرأ [ب] بغداد وغيرها، قرأ عليه أبو بكر بن مجاهد، وأبو بكر بن شنّبوذ، وأبو بكر النقّاش، وأزدمر، وحدّث. روى عنه ابن قانع والطبرانيّ وطائفة. قال الخطيب: ثقة. مات في رمضان سنة تسع وثمانين ومائتين. ١١٦٣ - الحسن بن العبّاس الحسينيّ قاضي دمشق [- بعد ٣٨٧] الحسن بن العبّاس بن أبي الحسن، الحسيني، أبو محمّد، الشريف. ولّاه الحاكم العبيدي قضاء دمشق في المحرّم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ١١٦٤ - الحسن بن عبد الرزّاق العسقلانيّ [- ٧١٩] الحسن بن عبد الرزّاق بن عبد الكريم، العسقلانيّ، أبو محمّد. [دخ] ل القاهرة، سمع من الحافظ رشيد الدين العطّار، والنجيب عبد اللطيف وغيرهما، وحدّث. ومات في تاسع المحرّم سنة تسع عشرة وسبعمائة. ١١٦٥ - ابن أبي الشخباء الكاتب [- ٤٨٢] (٢) الحسن بن عبد الصمد، وقيل: الحسن بن محمد بن عبد الصمد- بن أبي الشخباء، القاضي المجيد ذو الفضيلتين، أبو علي، العسقلانيّ، الكاتب. ولي ديوان الإنشاء، وله رسائل وشعر كثير وخطب. وكان من فرسان النثر. ويقال: إنّ القاضي الفاضل كان جلّ اعتماده على رسائله. وقتل بخزانة البنود (٣) في سنة اثنتين وثمانين- وقيل: سنة ستّ وثمانين- وأربعمائة. ومن شعره [الكامل]: أصبحت تخرجني بغير جريمة ... من دار إكرام لدار هوان كدم الفصاد يراق أرذل موضع ... أبدا ويخرج من أعزّ مكان

стр. 1118

ثقلت موازين العباد بفضلهم ... وفضيلتي قد خفّفت ميزاني وقال في غريق [الكامل]: شمس العلا غربت بحيث ترى ... أبدا غروب الشمس والبدر فكأنّما هو درّة دفنت ... في حيثما ولدت من البحر وتنزّهت عن أن يصافحها ... ترب الصفيح وظلمة القبر (١) وقال [الكامل]: ما زال يختار الزمان ملوكه ... حتّى أصاب المصطفى المتخيّرا [٣٥٥ أ] قل للألى ساسوا الورى وتقدّموا ... قدما هلمّوا شاهدوا المتأخّرا تجدوه أوسع في السياسة منكم ... صدرا وأحمد في العواقب مصدرا إن كان رأي شاوروه أحنفا ... أو كان بأس نازلوه عنترا ٥ قد صام والحسنات ملء كتابه ... وعلى مثال صيامه قد أفطرا ولقد تخوفك العدوّ بجهده ... لو كان يقدر أن يردّ مقدّرا إن أنت لم تبعث إليه ضمّرا ... جردا بعثت إليه كيدا مضمرا يسري وما حملت رجال أبيضا ... فيه ولا اعتقلت كماة أسمرا خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم ... وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا ١٠ عجبوا لحلمك أن تحوّل سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدّرا لا تعجبوا من رقّة وقساوة ... فالنار تقدح في قضيب أخضرا (٢) ١١٦٦ - الحسن بن عبد العزيز الجروي [- ٢٥٧] (٣) الحسن بن عبد العزيز، ابن وزير بن ضابي، أبو علي، الجذاميّ ثمّ الجروي. روى عن عمرو بن أبي سلامة التنيسيّ، وبشر بن بكر، ويحيى بن حسّان، وعبد الله بن يوسف التنيسيّ، وأبي مسهر الدمشقيّ، وأيّوب بن سويد الرمليّ، وعبد الله بن يحيى البرلّسيّ، وطائفة. وعنه: البخاري في الصحيح، وإبراهيم الحربيّ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، والمحاملي (٤)، وجماعة، آخرهم حفيده جعفر بن محمد بن الحسن الجرويّ. وثّقه أبو حاتم وغيره. وقال الدارقطنيّ: لم نر مثله فضلا وزهدا. وقال الخطيب: مذكور بالورع والفقه، موصوف بالعبادة. وقال حفيده: سمعته يقول: من لم يردعه الموت والقرآن، ثمّ تناطحت بين يديه الجبال، لم يرتدع. وقال ابن يونس: حمل من مصر إلى العراق بعد قتل أخيه عليّ بن عبد العزيز. وكان قتل عليّ

стр. 1119

في ذي الحجّة سنة خمس عشرة ومائتين، فلم يزل بالعراق إلى أن توفّي بها سنة سبع وخمسين ومائتين. (قال: ) وقد حدّثنا عنه غير واحد، وكانت له عبادة وفضل، وكان من أهل الورع والفقه. وروى ابن شاهين أنّه توفّي في رجب سنة سبع وخمسين. ١١٦٧ - سبط الفقيه زيادة [٦١٧ - ٧١٤] (١) الحسن بن عبد الكريم بن عبد السلام بن فتح، أبو عليّ، الغماريّ الأصل، المقرئ، الملقّب بسبط الفقيه زيادة. ولد سنة سبع عشرة وستّمائة، وسمع من عيسى بن عبد العزيز، فكان جمّاعة أصحابه بالسماع. ومن جملة ما سمع عليه «الناسخ والمنسوخ» لأبيداود السجستانيّ، بسماعه من السلفيّ، و «المحدّث الفاصل» للرامهرمزيّ (٢). وسمع القصيدتين للشاطبيّ من أبي عبد الله القرطبيّ. وقرأ القراءات فأتقنها، وأقرأ. وعمّر إلى أن مات في شوّال سنة أربع عشرة وسبعمائة، وهو في عشر المائة. ١١٦٨ - أبو علي التونسيّ الطويل [- ٦١٦] (٣) الحسن بن عبد الله بن الحسين (٤)، الشيخ العارف، أبو عليّ، التونسيّ المالكيّ، المعروف بالطويل. توفّي بثغر دمياط، وهي محاصرة، في شعبان سنة ستّ عشرة وستّمائة. وزاره الوزير الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر فقال له: كيف حالك؟ فقال: حال من ينتظر سفرا طويلا بلا زاد، وقبرا موحشا بلا مؤنس، والقدوم على الله تعالى بغير حجّة. ١١٦٩ - ابن العرجاء القيروانيّ [- بعد ٥٤٧] (٥) الحسن بن عبد الله بن عمر، ابن العرجاء، الإمام أبو عليّ، ابن المقرئ أبي محمّد. قرأ على أبيه، وعلى أبي معشر الطبريّ. وطال عمره، وقصده القرّاء لعلوّ سنده، وقرأ عليه محمد بن أحمد بن معط [التجيبي] الأويوريّ (٦)، وأبو الحسن بن كوثر المحاربيّ، وأبو القاسم محمد بن وضّاح خطيب شقر، وآخرون. وكان أبوه قد أدرك، عند مجيئه من المغرب، الشيخ أبا العبّاس بن نفيس، وأخذ عنه وعن عبد الباقي بن فارس [٣٣٥ ب]. وبقي إلى حدود سمة خمسمائة بمكّة. وبقي أبو علي هذا إلى حدود الأربعين وخمسمائة. وقد رحل إليه أبو عبد الله ابن غلام الفرس بابنه إبراهيم (٧)، وقرأ عليه الروايات الكثيرة.

стр. 1120

١١٧٠ - ابن ويحيان الراشدي [- ٦٨٥] (١) حسن بن عبد الله بن ويحيان، الأستاذ أبو علي، الراشديّ، التلمسانيّ، المقرئ، من بني راشد، قبيلة من البربر. قدم إلى ديار مصر، وقرأ بالروايات على الكمال ابن شجاع الضرير، وجلس للإقراء مدّة. فقرأ عليه مجد الدين التونسيّ، وشهاب الدين أحمد بن جبارة [المقدسيّ]. وكان بصيرا بالقراءات وعللها، عارفا بالعربيّة، صاحب عبادة وزهد وإخلاص واشتغال بنفسه لا يغتاب أحدا. وكان ذاكرا لقصيد [ة] الشاطبيّ يشرحها لمن يقرأ عليه، وفي لسانه عجمة البربر. وكان يحلّ ألفية ابن معطي ومقدّمة ابن بابشاذ. وكان ثقة مأمونا في قوله. توفّي في ثامن عشر صفر سنة خمس وثمانين وستّمائة. ١١٧١ - أبو علي الأزدي الصقلّيّ [٥٩٠ - ٦٦٩] (٢) الحسن بن أبي عبد الله بن صدقة بن أبي الفتوح، أبو عليّ، الأزدي، الصقلّيّ، المقرئ، الإمام الزاهد. ولد سنة تسعين وخمسمائة. وقرأ القرآن على أبي الحسن السخاوي، وهو من جلّة أصحابه، وأجاز له المؤيّد [بن محمّد بن عليّ] الطوسيّ، وأبو روح عبد المعزّ [بن محمّد] الهروي. وسمع من ابن الزبيدي وجماعة. وقرأ عليه غير واحد. وروى عنه أبو الفدا ابن الحباب، وأبو الحسن [عليّ بن محمد] ابن القطّان (٣). وكان من السادات في زهده وتعبّده وتقلّله، وافر الحرمة، ساع [يا] في قضاء الحقوق، له مهابة وقبول تامّ. توفّي في ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع وستّين وستّمائة بدمشق. وكان صاحب كرامات وكشف. ١١٧٢ - الحسن بن عبيد الله بن طغج [- ٣٧١] ابن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري بن خاقان، الأمير أبو محمد، ابن الأمير أبي الحسن عبيد الله، ابن الأمير أبي محمد، الفرغانيّ. وولي الرملة بعد [ ... ] (٤)، فلمّا وصل أبو الطيّب أحمد المتنبّي إلى الرملة يريد مصر حمل إليه الحسن بن عبيد الله هدايا وخلع عليه وحمله على فرس جواد بمركب ثقيل وقلّده سيفا محلّى وسأله المدح، فاعتذر إليه بالأبيات الرائيّة، وهي [الخفيف]: غير أنّي تركت مقتضب الشع ... ر لأمر مثلي به معذور ترك مدحيك كالهجاء لنفسي ... وقليل لك المديح الكثير وسجاياك مادحاتك لا لف ... ظي، وجود على كلامي يغير

стр. 1121

فسقى الله من أحبّ بكفّي ... ك وأسقاك أيّ هذا الأمير (١) وعند ما مات الأستاذ كافور الإخشيدي عقد الأمر بمصر من بعده للأمير أبي الفوارس أحمد بن علي ابن الإخشيد على أن يكون القائم بتدبير أمره الحسن بن عبيد الله. وأنفذ إلى الشريف عبد الله بن عبيد الله أخي مسلّم، وهو بالرملة يلي تدبير أمر الشام أن يعقد البيعة لأبي الفوارس، فاختلفا وتحاربا فسار إليه تبر الإخشيدي من مصر وعقد نكاح فاطمة بنت الإخشيد على الحسن بمصر، وهو بالشام. وقيل: ورد من قبله ودعي له على سائر المنابر بعد أبي الفوارس. فلم يزل بالرملة إلى أن قدم أبو محمد الحسن بن أحمد كبير القرامطة إليها، فقاتلهم قتالا شديدا حتى انهزم منهم. وسار في ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة إلى مصر، فتلقّاه تبر إلى الفرما، وسار منها إلى تنيس، فعبر إلى مصر، ونزل بالمختار (٢) من الجزيرة في سلخ ذي الحجّة، وخرج إليه ابن الفرات والناس. وركب من المختار يوم الجمعة لليلتين خلتا من المحرّم سنة ثمان وخمسين بالسواد (٣) في جميع العسكر إلى الجامع العتيق، فصلّى الجمعة ومعه ابن الفرات، فدعي له بعد الأمير أبي الفوارس. ونزل بدار الإمارة وكثر له الدعاء وكان يوما مشهودا. فقبض على أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وعذّبه وصادره وقبض على جماعة. وأقام في الوزارة كاتبه الحسن [٣٥٦ أ] بن جابر الرياحيّ (٤)، فأتته رسالة القرامطة بطلب المال وغيره. وأعرس بفاطمة بنت عمّه الإخشيد في ثامن صفر. وخرج من مصر يريد الشام في ثالث ربيع الآخر [سنة ٣٥٨] ومعه شمول في جماعة من القوّاد والجند. ونزل على ظاهر دمشق فأقام مدّة أشهر إلى أن قدم جوهر القائد إلى مصر في شعبان منها، وبعث جعفر بن فلاح بالعساكر إلى بلاد الشام. فسار الحسن في شهر رمضان من دمشق، واستخلف عليها شمولا الإخشيديّ، ونزل بالرملة وتأهّب للقتال، فوافقه القرامطة ولقيهم فهزموه في ذي الحجّة، ثمّ جرى بينه وبينهم صلح وصاهرهم، ورحل القرامطة. فكتب إلى شمول بأن يسير إليه ليجتمعا على حرب جعفر بن فلاح، فتقاعد عنه لحقد كان في نفسه منه، وصار يكاتب جوهرا القائد بمصر. فبينا هو في ذلك إذ قدم جعفر بن فلاح بالعساكر فلقيه وحاربه فانهزم، وأخذ السيف عسكره فقتل كثير منهم، وأخذ أسيرا في النصف من شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.

стр. 1122

وبعثه إلى القائد جوهر في القيد ومعه جعفر القرمطيّ وآخرون. فبعثهم جوهر مع هديّة وعدّة ممّن قبض عليه إلى المعزّ، فخرجوا من مصر لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة [سنة ٣٦٠]، وهم في القيود. فلمّا وصلوا إلى رشيد نزعت عنهم القيود وأركبوا المحامل، وساروا إلى بلاد المغرب. ثمّ قدم الحسن بن عبيد الله مع المعزّ لدين الله إلى مصر في شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة. ومات بالقاهرة في خلافة العزيز بالله ليلة الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وصلّى عليه العزيز بالله في القصر، وطرح على تابوته ثوب مثقل. ١١٧٣ - المهذّب ابن الزبير الشاعر [- ٥٦١] (١) الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن محمد، القاضي المهذّب، صفيّ الملك، عميد الدولة، أبو محمّد، ابن القاضي الرشيد سديد الدولة أبي الحسن، ابن القاضي الرشيد الموفّق سديد الدولة ثقة الملك أبي إسحاق، المعروف بابن الزبير، القرشيّ، الأسديّ، الأسوانيّ. لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه. قال الحافظ أبو محمد المنذري: سألت قاضي القضاة شرف الدين محمد ابن عين الدولة عنه وعن أخيه الرشيد أيّهما أفضل، فقال: المهذّب في الشعر والأدب، وذاك في فنون. وله كتاب تفسير القرآن في خمسين مجلّدة، وكتاب «جنان الجنان ورياض الأفهام»، ذيّل به كتاب يتيمة الدهر، وله شعر كثير، ومحلّ في الفضل أثير. ومات خوفا من شاور في [ ... ] سنة إحدى وستّين وخمسمائة. ومن شعره في الشمعة [الطويل]: ومصفرّة، لا عن هوى، غير أنّها ... تحوز صفات المستهام المعذّب: شجونا وسقما واصطبارا وأدمعا ... وخفقا وتسهيدا وفرط تلعّب إذا حرّكتها الريح كانت كمعصم ... تردّ سلاما بالبنان المخضّب (٢) وقال [السريع]: لا ترج ذا نقص ولو أصبحت ... من دونه في الرتبة الشمس كيوان أعلى كوكب موضعا ... وهو إذا أنصفته نحس وقال [مجزوء الكامل]: أحبابنا ما بالكم ... فينا من الأعداء أعدى؟ وحياة ودّكم وحر ... مة وصلكم ما خنت عهدا وقال [الكامل]: وترى المجرّة في السماء كأنّها ... تسقي الرياض بجدول ملآن لو لم تكن نهرا لما عامت بها ... [أبدا] نجوم الحوت والسرطان وقال في الخليفة العاضد من أبيات [الطويل]: وإنّ أمير المؤمنين وذكره ... قرينان للآي المنزّل في الذكر

стр. 1123

لقول رسول الله: تلقون عترتي ... معا وكتاب الله في مورد الحشر [٣٥٦ ب] إذا ما أقام العصر لاح لناظر ... فو العصر، إنّ الجاحدين لفي خسر! ولمّا مات الصالح بن رزّيك حدثت عداوة بين القاضي الجليس (١) ابن الجبّاب، والمهذّب ابن الزبير، فبلغ شاور أنّ ابن الزبير يمدح شيركوه ويحرّضه على قتله. فلمّا سار شيركوه عن القاهرة قبض شاور على ابن الزبير واعتقله وعزم على قتله. فدخل عليه القاضي الجليس ابن الحبّاب وما زال به حتى أفرج عنه. فلمّا كان الليل وقف ابن الزبير على باب ابن الحبّاب واستأذن عليه، فبعث إليه يقول: العداوة باقية، وما فعلت هذا إلّا سترا للحرفة والفضيلة. وقد فعلت معك قبل هذا ما هو أعظم من هذه فما حفظتها. فو الله لا اجتمعنا إلّا يوم القيامة! فاتّفق موت القاضي الجليس في أوّل السنة، ومات بعده ابن الزبير. ١١٧٤ - زكي الدين السعديّ [٥٧٥ - ٦٣٩] (٢) الحسن بن علي بن أحمد بن أبي الحسن ابن أحمد، زكيّ الدين، أبو محمّد، ابن بي الحسن، ابن أبي السعود، الأنصاري، الخزرجيّ، السعديّ، الكوفيّ، الحنفيّ، [المقرئ]. مولده بالكوفة في ثامن عشر ذي الحجّة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وأخذ القراءات السبع وعلم الأدب بالموصل عن أبي الحزم المكيّالفارقيّ. وقدم القاهرة وشرح شعر المتنبّي، وقال الشعر. توفّي بدار الحديث الكامليّة بالقاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخر سنة تسع وثلاثين وستّمائة. ودفن بسفح المقطّم، وحبّس كتبه بالكامليّة. ومن شعره قوله [الرجز]: فكلّ حسن وجمال في الورى ... فعنك يروى وإليك يسند فالحسن موقوف عليك مرسل ... إليك مقطوع به لا يجحد ومرسل دمعي، ودائي معضل ... والصبر مرفوع ووجدي مسند وقوله [المقتضب]: صدّ إن شئت أو فمل ... أنت للنفس مالك قد تفرّدت بالجما ... ل وعزّ المشارك إنّ يوما أراك في ... هـ ليوم مبارك ونهارا تغيبه ... أسود اللون حالك وظلاما تحلّه ... في النور سالك (٣) وقوله [الكامل]: ومهفهف كالغصن قام، وقد دجا ال ... ليل البهيم، ينير بالمصباح

стр. 1124

ناديته: أطفي السراج، فإنّ لي ... من وجهك الميمون ألف صباح وقوله [الرمل]: والذي خصّك بالحس ... ن وأعطاك الملاحة ليس لي يا بدر إلّا ... أن أرى وجهك راحة ١١٧٥ - الحسن بن جابر [ ... ] الرياحيّ [- بعد ٣٥٩] (١) [٤٣٠ أ] كتب للحسن بن عبيد الله بن طغج، وقدم معه إلى مصر آخر ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فاستوزره يوم الاثنين لستّ خلون من المحرّم سنة ثمان وخمسين بعد قبضه على الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، وخوطب بالوزير. فعاشر الناس عشرة جميلة ولم ير أحد منه سوءا. فلمّا خرج الحسن بن عبيد الله من مصر إلى الرملة في ثالث ربيع الآخر، سار معه، وكانت وزارته نحو ثلاثة أشهر. فلم يزل مع [ابن] عبيد الله حتى سار جعفر بن فلاح من القاهرة إلى الشام وأسر [ابن] عبيد الله بن طغج والحسن بن جابر، في عدّة من القوّاد وغيرهم وبعثهم إلى القائد جوهر، فوصلوا إلى القاهرة في القيود فاعتقلوا بها حتى بعث القائد جوهر ولده جعفر بن جوهر إلى المعزّ بالهديّة من القاهرة. فأخرج الحسن مقيّدا فيمن أخرج إلى المغرب. وذلك في سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، فسار إلى القيروان. ١١٧٦ - أبو الفتوح الحسنيّ [- ٤٣٠] (٢) [٤٥٢ أ] الحسن بن جعفر بن الحسين بن محمد [الثائر] بن موسى بن عبد الله بن موسى [الجون] بن عبد الله [المحض] بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، الأمير أبو الفتوح. غلب أبوه جعفر [بن الحسن] بن محمد على مكّة بالقوّة في أيّام الإخشيديّة، وقام من بعده ابنه عيسى بن جعفر. واستمرّ إلى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. فولي أخوه أبو الفتوح الحسن صاحب الترجمة. ويقال: إنّ القادر العبّاسي كتب إليه في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة بولاية مكّة، فأنفذ كتابه إلى العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ. فوقّع له بولاية مكّة وأرسل إليه بمال وخلع للشرفاء بني حسن. فأحضرهم عند الكعبة وقسم فيهم المال. وقال عند ما ألبس الكعبة الكسوة البيضاء: «الحمد لله يا بني فاطمة الزهراء وأصحاب السنة الغرّاء، على أن زيّن بيته بلبسة السرور بعد لبسة الحزن، وجعل ملك الحرمين لبني بنت رسوله من بني الحسين وبني الحسن»، فأرضى الفريقين. وتمادت إمارته إلى أن قام الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز، فكتب إليه بالبراءة ممّن غصب وصيّ رسول الله ﷺ ميراثه في الخلافة، ومنع فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ حقّها في فدك. فغضب أبو الفتوح وقال: قوم قام بهم منار الإسلام بعد نبيّه ﷺ ، نذكرهم بما لا يجب؟ أهكذا فعلت النصارى بالحواريّين؟ بل جعلوا قبر كلّ

стр. 1125

واحد مزارا لحجّ وعبادة. والله لو أمرني أن ألعن قوما على غير الملّة لما ارتضيت أن أكون لعّانا! [٤٥٢ ب] والله إنّ من عقوق (١) جدّنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز». فقام أبو الفتوح بهذا وخطب به على رءوس العلويّة، فقام إليه رجل منهم وقال: أيّها الأمير، هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عمّا قاله. قال: صدقت. وشرع في مباينة الحاكم، ثمّ قدم عليه الوزير أبو القاسم الحسين بن علي ابن المغربي (٢) برسالة مفرّج بن دغفل ابن الجرّاح الطائيّ وابنه حسّان بن مفرّج يدعوانه للإمامة ومباينة الحاكم، ووعداه أن يقوما له بالأمر، وأطمعه أبو القاسم في ذلك وهوّن الخطب فيه. فانقاد إليه وجمع بني الحسن وخاطبهم فيما أشار به أبو القاسم، فوافقوه وبايعوا أبا الفتوح ولقّبوه بالراشد بالله. فصعد منبر مكّة وخطب لنفسه. ثمّ نزل وأخذ يستعدّ للمسير. فاتّفق موت بعض أرباب اليسار بجدّة، فأشار عليه أبو القاسم بأخذ تركته فاستولى عليها بأجمعها وكانت عظيمة. وأخذ أيضا كثيرا من المحاريب الذهب والفضّة المنصوبة على الكعبة، وضربها دنانير ودراهم، وعليها لقبه، وفرّقها فيمن اجتمع إليه، وبعث بأبي القاسم إلى بطون سليم وعوف بن عامر وغيرهم من بطون العرب يدعوهم إلى طاعته وأخذ البيعة عليهم بخلافته، فاستجابوا لطاعته. فلمّا استوسق له الأمر، سار من مكّة في سنة إحدى وأربعمائة في جمع موفور حتى قدم الرملة من أرض فلسطين حيث منازل بني الجرّاح. فخرج مفرّج وبنوه حسّان ومحمود وعليّ بحماتهم إلى لقائه، وقبّلوا له الأرض وسلّموا عليه بالخلافة وخاطبوه بإمرة المؤمنين، وأنزلوه بدار الإمارة من مدينة رملة لدّ. فأمر بالنداء [٤٥٣ أ] في الناس بأمان الخائفين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. ثمّ ركب يوم الجمعة، ومفرّج وأولاده وسائر أمراء طيّئ مشاة في ركابه وبين يديه حتى دخل الجامع، وصعد المنبر وخطب فحمد الله وأثنى عليه وقرأ بعد البسملة: طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ... إلى قوله ... يَحْذَرُونَ* (القصص: ١ - ٦). ثمّ أتمّ الخطبة ونزل فصلّى بالناس الجمعة، وعاد إلى دار الإمارة. فبلغ ذلك الحاكم، فما زال ببني الجرّاح حتّى استمالهم إليه ودفع إلى كلّ من حسّان وأخويه خمسين ألف دينار عينا، سوى التحف والخطايا (٣). فتخلّوا عن أبي الفتوح وتقاعدوا عنه حتّى انحلّ أمره وعاد إلى مكّة في سنة ثلاث وأربعمائة، وأقام الدعوة للحاكم وضرب السكّة باسمه وأقام بها حتى مات سنة ثلاثين وأربعمائة، فقام بإمارة مكّة بعده ابنه شكر (٤). وكانت إمارته ستّا وأربعين سنة. ومن شعره [المجتثّ]: أهوى الكؤوس فمنها ... إلى السرور أسير [٣٥٧ ب] عجبت منها شموسا ... حفّت بهنّ بدور عجبت منها خدودا ... لاحت عليها ثغور
следующие страницы →