← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فسقى الله من أحبّ بكفّي ... ك وأسقاك أيّ هذا الأمير (١) وعند ما مات الأستاذ كافور الإخشيدي عقد الأمر بمصر من بعده للأمير أبي الفوارس أحمد بن علي ابن الإخشيد على أن يكون القائم بتدبير أمره الحسن بن عبيد الله. وأنفذ إلى الشريف عبد الله بن عبيد الله أخي مسلّم، وهو بالرملة يلي تدبير أمر الشام أن يعقد البيعة لأبي الفوارس، فاختلفا وتحاربا فسار إليه تبر الإخشيدي من مصر وعقد نكاح فاطمة بنت الإخشيد على الحسن بمصر، وهو بالشام. وقيل: ورد من قبله ودعي له على سائر المنابر بعد أبي الفوارس. فلم يزل بالرملة إلى أن قدم أبو محمد الحسن بن أحمد كبير القرامطة إليها، فقاتلهم قتالا شديدا حتى انهزم منهم. وسار في ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة إلى مصر، فتلقّاه تبر إلى الفرما، وسار منها إلى تنيس، فعبر إلى مصر، ونزل بالمختار (٢) من الجزيرة في سلخ ذي الحجّة، وخرج إليه ابن الفرات والناس. وركب من المختار يوم الجمعة لليلتين خلتا من المحرّم سنة ثمان وخمسين بالسواد (٣) في جميع العسكر إلى الجامع العتيق، فصلّى الجمعة ومعه ابن الفرات، فدعي له بعد الأمير أبي الفوارس. ونزل بدار الإمارة وكثر له الدعاء وكان يوما مشهودا. فقبض على أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير وعذّبه وصادره وقبض على جماعة. وأقام في الوزارة كاتبه الحسن [٣٥٦ أ] بن جابر الرياحيّ (٤)، فأتته رسالة القرامطة بطلب المال وغيره. وأعرس بفاطمة بنت عمّه الإخشيد في ثامن صفر. وخرج من مصر يريد الشام في ثالث ربيع الآخر [سنة ٣٥٨] ومعه شمول في جماعة من القوّاد والجند. ونزل على ظاهر دمشق فأقام مدّة أشهر إلى أن قدم جوهر القائد إلى مصر في شعبان منها، وبعث جعفر بن فلاح بالعساكر إلى بلاد الشام. فسار الحسن في شهر رمضان من دمشق، واستخلف عليها شمولا الإخشيديّ، ونزل بالرملة وتأهّب للقتال، فوافقه القرامطة ولقيهم فهزموه في ذي الحجّة، ثمّ جرى بينه وبينهم صلح وصاهرهم، ورحل القرامطة. فكتب إلى شمول بأن يسير إليه ليجتمعا على حرب جعفر بن فلاح، فتقاعد عنه لحقد كان في نفسه منه، وصار يكاتب جوهرا القائد بمصر. فبينا هو في ذلك إذ قدم جعفر بن فلاح بالعساكر فلقيه وحاربه فانهزم، وأخذ السيف عسكره فقتل كثير منهم، وأخذ أسيرا في النصف من شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.

стр. 1122

وبعثه إلى القائد جوهر في القيد ومعه جعفر القرمطيّ وآخرون. فبعثهم جوهر مع هديّة وعدّة ممّن قبض عليه إلى المعزّ، فخرجوا من مصر لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة [سنة ٣٦٠]، وهم في القيود. فلمّا وصلوا إلى رشيد نزعت عنهم القيود وأركبوا المحامل، وساروا إلى بلاد المغرب. ثمّ قدم الحسن بن عبيد الله مع المعزّ لدين الله إلى مصر في شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة. ومات بالقاهرة في خلافة العزيز بالله ليلة الجمعة لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وصلّى عليه العزيز بالله في القصر، وطرح على تابوته ثوب مثقل. ١١٧٣ - المهذّب ابن الزبير الشاعر [- ٥٦١] (١) الحسن بن عليّ بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن محمد، القاضي المهذّب، صفيّ الملك، عميد الدولة، أبو محمّد، ابن القاضي الرشيد سديد الدولة أبي الحسن، ابن القاضي الرشيد الموفّق سديد الدولة ثقة الملك أبي إسحاق، المعروف بابن الزبير، القرشيّ، الأسديّ، الأسوانيّ. لم يكن بمصر في زمنه أشعر منه. قال الحافظ أبو محمد المنذري: سألت قاضي القضاة شرف الدين محمد ابن عين الدولة عنه وعن أخيه الرشيد أيّهما أفضل، فقال: المهذّب في الشعر والأدب، وذاك في فنون. وله كتاب تفسير القرآن في خمسين مجلّدة، وكتاب «جنان الجنان ورياض الأفهام»، ذيّل به كتاب يتيمة الدهر، وله شعر كثير، ومحلّ في الفضل أثير. ومات خوفا من شاور في [ ... ] سنة إحدى وستّين وخمسمائة. ومن شعره في الشمعة [الطويل]: ومصفرّة، لا عن هوى، غير أنّها ... تحوز صفات المستهام المعذّب: شجونا وسقما واصطبارا وأدمعا ... وخفقا وتسهيدا وفرط تلعّب إذا حرّكتها الريح كانت كمعصم ... تردّ سلاما بالبنان المخضّب (٢) وقال [السريع]: لا ترج ذا نقص ولو أصبحت ... من دونه في الرتبة الشمس كيوان أعلى كوكب موضعا ... وهو إذا أنصفته نحس وقال [مجزوء الكامل]: أحبابنا ما بالكم ... فينا من الأعداء أعدى؟ وحياة ودّكم وحر ... مة وصلكم ما خنت عهدا وقال [الكامل]: وترى المجرّة في السماء كأنّها ... تسقي الرياض بجدول ملآن لو لم تكن نهرا لما عامت بها ... [أبدا] نجوم الحوت والسرطان وقال في الخليفة العاضد من أبيات [الطويل]: وإنّ أمير المؤمنين وذكره ... قرينان للآي المنزّل في الذكر

стр. 1123

لقول رسول الله: تلقون عترتي ... معا وكتاب الله في مورد الحشر [٣٥٦ ب] إذا ما أقام العصر لاح لناظر ... فو العصر، إنّ الجاحدين لفي خسر! ولمّا مات الصالح بن رزّيك حدثت عداوة بين القاضي الجليس (١) ابن الجبّاب، والمهذّب ابن الزبير، فبلغ شاور أنّ ابن الزبير يمدح شيركوه ويحرّضه على قتله. فلمّا سار شيركوه عن القاهرة قبض شاور على ابن الزبير واعتقله وعزم على قتله. فدخل عليه القاضي الجليس ابن الحبّاب وما زال به حتى أفرج عنه. فلمّا كان الليل وقف ابن الزبير على باب ابن الحبّاب واستأذن عليه، فبعث إليه يقول: العداوة باقية، وما فعلت هذا إلّا سترا للحرفة والفضيلة. وقد فعلت معك قبل هذا ما هو أعظم من هذه فما حفظتها. فو الله لا اجتمعنا إلّا يوم القيامة! فاتّفق موت القاضي الجليس في أوّل السنة، ومات بعده ابن الزبير. ١١٧٤ - زكي الدين السعديّ [٥٧٥ - ٦٣٩] (٢) الحسن بن علي بن أحمد بن أبي الحسن ابن أحمد، زكيّ الدين، أبو محمّد، ابن بي الحسن، ابن أبي السعود، الأنصاري، الخزرجيّ، السعديّ، الكوفيّ، الحنفيّ، [المقرئ]. مولده بالكوفة في ثامن عشر ذي الحجّة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وأخذ القراءات السبع وعلم الأدب بالموصل عن أبي الحزم المكيّالفارقيّ. وقدم القاهرة وشرح شعر المتنبّي، وقال الشعر. توفّي بدار الحديث الكامليّة بالقاهرة في يوم الخميس سادس جمادى الآخر سنة تسع وثلاثين وستّمائة. ودفن بسفح المقطّم، وحبّس كتبه بالكامليّة. ومن شعره قوله [الرجز]: فكلّ حسن وجمال في الورى ... فعنك يروى وإليك يسند فالحسن موقوف عليك مرسل ... إليك مقطوع به لا يجحد ومرسل دمعي، ودائي معضل ... والصبر مرفوع ووجدي مسند وقوله [المقتضب]: صدّ إن شئت أو فمل ... أنت للنفس مالك قد تفرّدت بالجما ... ل وعزّ المشارك إنّ يوما أراك في ... هـ ليوم مبارك ونهارا تغيبه ... أسود اللون حالك وظلاما تحلّه ... في النور سالك (٣) وقوله [الكامل]: ومهفهف كالغصن قام، وقد دجا ال ... ليل البهيم، ينير بالمصباح

стр. 1124

ناديته: أطفي السراج، فإنّ لي ... من وجهك الميمون ألف صباح وقوله [الرمل]: والذي خصّك بالحس ... ن وأعطاك الملاحة ليس لي يا بدر إلّا ... أن أرى وجهك راحة ١١٧٥ - الحسن بن جابر [ ... ] الرياحيّ [- بعد ٣٥٩] (١) [٤٣٠ أ] كتب للحسن بن عبيد الله بن طغج، وقدم معه إلى مصر آخر ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فاستوزره يوم الاثنين لستّ خلون من المحرّم سنة ثمان وخمسين بعد قبضه على الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، وخوطب بالوزير. فعاشر الناس عشرة جميلة ولم ير أحد منه سوءا. فلمّا خرج الحسن بن عبيد الله من مصر إلى الرملة في ثالث ربيع الآخر، سار معه، وكانت وزارته نحو ثلاثة أشهر. فلم يزل مع [ابن] عبيد الله حتى سار جعفر بن فلاح من القاهرة إلى الشام وأسر [ابن] عبيد الله بن طغج والحسن بن جابر، في عدّة من القوّاد وغيرهم وبعثهم إلى القائد جوهر، فوصلوا إلى القاهرة في القيود فاعتقلوا بها حتى بعث القائد جوهر ولده جعفر بن جوهر إلى المعزّ بالهديّة من القاهرة. فأخرج الحسن مقيّدا فيمن أخرج إلى المغرب. وذلك في سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، فسار إلى القيروان. ١١٧٦ - أبو الفتوح الحسنيّ [- ٤٣٠] (٢) [٤٥٢ أ] الحسن بن جعفر بن الحسين بن محمد [الثائر] بن موسى بن عبد الله بن موسى [الجون] بن عبد الله [المحض] بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، الأمير أبو الفتوح. غلب أبوه جعفر [بن الحسن] بن محمد على مكّة بالقوّة في أيّام الإخشيديّة، وقام من بعده ابنه عيسى بن جعفر. واستمرّ إلى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. فولي أخوه أبو الفتوح الحسن صاحب الترجمة. ويقال: إنّ القادر العبّاسي كتب إليه في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة بولاية مكّة، فأنفذ كتابه إلى العزيز بالله أبي المنصور نزار ابن المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ. فوقّع له بولاية مكّة وأرسل إليه بمال وخلع للشرفاء بني حسن. فأحضرهم عند الكعبة وقسم فيهم المال. وقال عند ما ألبس الكعبة الكسوة البيضاء: «الحمد لله يا بني فاطمة الزهراء وأصحاب السنة الغرّاء، على أن زيّن بيته بلبسة السرور بعد لبسة الحزن، وجعل ملك الحرمين لبني بنت رسوله من بني الحسين وبني الحسن»، فأرضى الفريقين. وتمادت إمارته إلى أن قام الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز، فكتب إليه بالبراءة ممّن غصب وصيّ رسول الله ﷺ ميراثه في الخلافة، ومنع فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ حقّها في فدك. فغضب أبو الفتوح وقال: قوم قام بهم منار الإسلام بعد نبيّه ﷺ ، نذكرهم بما لا يجب؟ أهكذا فعلت النصارى بالحواريّين؟ بل جعلوا قبر كلّ

стр. 1125

واحد مزارا لحجّ وعبادة. والله لو أمرني أن ألعن قوما على غير الملّة لما ارتضيت أن أكون لعّانا! [٤٥٢ ب] والله إنّ من عقوق (١) جدّنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز». فقام أبو الفتوح بهذا وخطب به على رءوس العلويّة، فقام إليه رجل منهم وقال: أيّها الأمير، هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عمّا قاله. قال: صدقت. وشرع في مباينة الحاكم، ثمّ قدم عليه الوزير أبو القاسم الحسين بن علي ابن المغربي (٢) برسالة مفرّج بن دغفل ابن الجرّاح الطائيّ وابنه حسّان بن مفرّج يدعوانه للإمامة ومباينة الحاكم، ووعداه أن يقوما له بالأمر، وأطمعه أبو القاسم في ذلك وهوّن الخطب فيه. فانقاد إليه وجمع بني الحسن وخاطبهم فيما أشار به أبو القاسم، فوافقوه وبايعوا أبا الفتوح ولقّبوه بالراشد بالله. فصعد منبر مكّة وخطب لنفسه. ثمّ نزل وأخذ يستعدّ للمسير. فاتّفق موت بعض أرباب اليسار بجدّة، فأشار عليه أبو القاسم بأخذ تركته فاستولى عليها بأجمعها وكانت عظيمة. وأخذ أيضا كثيرا من المحاريب الذهب والفضّة المنصوبة على الكعبة، وضربها دنانير ودراهم، وعليها لقبه، وفرّقها فيمن اجتمع إليه، وبعث بأبي القاسم إلى بطون سليم وعوف بن عامر وغيرهم من بطون العرب يدعوهم إلى طاعته وأخذ البيعة عليهم بخلافته، فاستجابوا لطاعته. فلمّا استوسق له الأمر، سار من مكّة في سنة إحدى وأربعمائة في جمع موفور حتى قدم الرملة من أرض فلسطين حيث منازل بني الجرّاح. فخرج مفرّج وبنوه حسّان ومحمود وعليّ بحماتهم إلى لقائه، وقبّلوا له الأرض وسلّموا عليه بالخلافة وخاطبوه بإمرة المؤمنين، وأنزلوه بدار الإمارة من مدينة رملة لدّ. فأمر بالنداء [٤٥٣ أ] في الناس بأمان الخائفين، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. ثمّ ركب يوم الجمعة، ومفرّج وأولاده وسائر أمراء طيّئ مشاة في ركابه وبين يديه حتى دخل الجامع، وصعد المنبر وخطب فحمد الله وأثنى عليه وقرأ بعد البسملة: طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ... إلى قوله ... يَحْذَرُونَ* (القصص: ١ - ٦). ثمّ أتمّ الخطبة ونزل فصلّى بالناس الجمعة، وعاد إلى دار الإمارة. فبلغ ذلك الحاكم، فما زال ببني الجرّاح حتّى استمالهم إليه ودفع إلى كلّ من حسّان وأخويه خمسين ألف دينار عينا، سوى التحف والخطايا (٣). فتخلّوا عن أبي الفتوح وتقاعدوا عنه حتّى انحلّ أمره وعاد إلى مكّة في سنة ثلاث وأربعمائة، وأقام الدعوة للحاكم وضرب السكّة باسمه وأقام بها حتى مات سنة ثلاثين وأربعمائة، فقام بإمارة مكّة بعده ابنه شكر (٤). وكانت إمارته ستّا وأربعين سنة. ومن شعره [المجتثّ]: أهوى الكؤوس فمنها ... إلى السرور أسير [٣٥٧ ب] عجبت منها شموسا ... حفّت بهنّ بدور عجبت منها خدودا ... لاحت عليها ثغور

стр. 1126

فلمّا سمعها الوزير أبو القاسم ابن المغربيّ قال له يوما بحضرة الأشراف وأمراء العرب: «ما رأيت أشعر منك في قولك ... »، وأنشد هذه الأبيات. فخجل أبو الفتوح وعلم أنّه أراد إعلامهم أنّه يشرب الخمر. فقال لأحد حجّابه: «عليّ بالمصحف»، فلمّا حضر فتحه وقال: وحقّ ما احتوى عليه ما شربتها قطّ ولا حضرت عليها! وتوحّش لأبي القاسم ففرّ منه. ومن شعره [الخفيف]: وصلتني الهموم وصل هواك ... وجفاني الرقاد مثل جفاك وحكى لي الرسول أنّك غضبى ... يا كفى الله شرّ ما هو حاكي! ١١٧٧ - عزّ الدين ابن مسكين [- ٧١٠] (١) [٤٥٤ أ] الحسن بن الحارث بن الحسين بن يحيى بن خليفة بن نجا بن الحسن بن محمّد، عزّ الدين، ابن مسكين، الشافعيّ. ولد في [ ... ]. وتوفّي ليلة السبت ثامن جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة. وهو أحد أئمّة الفقهاء وأكابر الصلحاء. حدّث عن الرشيد العطّار و [ ... ]. ودرّس بالمدرسة الناصريّة المجاورة لقبّة الشافعي بالقرافة. وعيّن لقضاء دمشق فامتنع. كتب ابن الرفعة (٢) تحت خطّه في فتوى: جوابي كجواب سيّدي وشيخي. ١١٧٨ - أبو علي الحصائريّ [٢٤٢ - ٣٣٨] (٣) [٤٥٣ أ] الحسن بن حبيب بن عبد الملك بن حبيب، أبو عليّ، الفقيه الشافعيّ، المعروف بالحصائريّ، الدمشقيّ. أحد الثقات الأثبات. سمع بمصر محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان المراديّ، وإبراهيم بن مرزوق البصريّ، وبكّار بن قتيبة، وأبا محمّد أزهر بن زفر الورّاق، وأبا غسّان مالك بن يحيى، وعبد الله بن محمد بن شعيب ابن أبي مريم، وعلّان، وفهد بن سليمان، وبكر بن سهل، وأبا يعقوب ابن أبي مريم، وأبا يعقوب إسحاق بن حسن الطحّان، وجعفر بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، وأبا زكريا يحيى بن أيّوب العلّاف، وأبا الحسن حبشيّ بنالربيع بن طارق. وسمع بالشام العبّاس بن الوليد بن مزيد البيروتيّ، وأبا أميّة محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسيّ، وجماعة. وسمع صالح بن أحمد بن حنبل، وأبا زرعة الدمشقيّ. وسمع بمكّة من جماعة. وروى عنه تمّام بن محمد، وأبو حفص ابن شاهين، وأبو سليمان ابن زبر، وطائفة كبيرة. وحدّث بكتاب «الأمّ» للشافعيّ، وكان ثقة نبيلا حافظا لمذهب الشافعيّ. ولد في رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ومات في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 1127

١١٧٩ - أبو محمّد ناصر الدولة الحمدانيّ [- ٤٥٢] (١) [٤٥٥ أ] حسن بن حسين بن حسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان،

стр. 1128

الأمير ناصر الدولة، أبو محمد، ابن الأمير ناصر الدولة أبي عبد الله، ابن ناصر الدولة أمير الأمراء أبي محمد، ابن الأمير أبي الهيجاء، التغلبيّ، الحمدانيّ، من بيت جليل القدر، نافذ الأمر (١). كانت دولتهم رفيعة العماد، ثابتة الأوتاد، بيتها من أنبه بيوت العرب ذكرا، وأعلاها قدرا. وصار بنو حمدان فخذين، وهما يجتمعان في أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان: فالفخذ الأوّل هو ناصر الدولة أبو محمد الحسن ابن أبي الهيجاء وبنوه، وكانت قاعدة مملكته بالموصل. وكان له غيرها من البلاد كآمد وديار مضر وديار ربيعة وسنجار. فلمّا انقرضت دولتهم من الموصل بخروج أبي تغلب الغضنفر فضل الله ابن ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء، كما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب (٢)، افترق أولاد ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء، فدخل طائفة منهم في طاعةعضد الدولة فنّاخسرو ابن معزّ الدولة الحسن بن بويه، وبعضهم في طاعة العزيز بالله نزار ابن المعزّ لدين الله معدّ الفاطميّ، وبعضهم في طاعة ابن عمّهم أبي المعالي شريف ابن سيف الدولة أبي الحسن عليّ ابن أبي الهيجاء، صاحب حلب. فممّن صار في طاعة العزيز وسار إلى القاهرة ناصر الدولة أبو عبد الله الحسين، ابن ناصر الدولة أمير الأمراء أبي محمد الحسن ابن أبي الهيجاء، وأخوه أبو المطاع ذو القرنين (٣)، فولي ناصر الدولة الحسين صور، وولي أبو المطاع الإسكندريّة ودمشق، كما ذكر في ترجمتيهما من هذا الكتاب. والفخذ الثاني من بني حمدان: سيف الدولة أبو الحسن عليّ بن أبي الهيجاء وأولاده. وكانت ولادة الحسن هذا في [ ... ] وولي صور بعد وفاة أبيه، ثمّ ولي دمشق بعد أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبري، فوصلها يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومعه الشريف فخر الدولة نقيب الطالبيّين، أبو يعلى حمزة بن الحسن بن العبّاس بن الحسين بن الحسين بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ناظرا، فأقام على ولاية دمشق إلى أن أخّر معزّ الدولة أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس، متولّي حلب، الحمل سنتين. فكتب الوزير أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائي إلى ناصر الدولة هذا، وإلى شجاع الدولة جعفر بن كلّيد متولّي حمص [٤٥٥ ب] بالمسير إلى حلب بعدّة من الجند وقبائل العرب من الكلابيّين وغيرهم. فسار ابن حمدان ونزل على حلب يوم الأربعاء لخمس بقين من ربيع الآخر سنة أربعين وأربعمائة، فقاتله أهلها قتالا شديدا اقتضى

стр. 1129

عوده عنها. فلم يشعر في رجوعه إلّا بسيل عظيم جاءه بغتة، فهلك فيه من الكراع والخيل والرجّالة شيء كثير، ونجا بنفسه وبمن معه إلى دمشق (١). فملك ثمال معرّة النعمان وقتل جعفر بن كلّيد والي حمص (٢)، فأغرى الوزير أبو البركات (٣) الخليفة المستنصر بالله بناصر الدولة، وأنّه أساء التدبير في عوده عن حلب. وما زال به حتّى ولّى دمشق القائد بهاء الدولة طارق الخادم الصقلبيّ، وتقدّم إليه بالإسراع في المسير إلى دمشق جريدة (٤)، والقبض على ناصر الدولة. فقدم دمشق بغتة في يوم الجمعة أوّل يوم من شهر رجب، ودخل القصر من حيث لم يشعر به أحد، وجلس في دست ناصر الدولة، واستدعاه إليه. فلمّا جاءه قبض عليه وحمله إلى صور، ثمّ نقله إلى الرملة، وصودر، ثمّ نقل إلى القاهرة واعتقل بها إلى أن ورد الخبر بكائنة أمير الأمراء رفق [الخادم] (٥) على حلب في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، [ف] أطلق من الاعتقال. وأعيد إلى ولاية دمشق في يوم الاثنين النصف من رجب سنة خمسين وأربعمائة، فلم يزل عليها إلى أن خرج عسكر من مصر في سنة اثنتين وخمسين وصار إلى دمشق. وكتب لناصر الدولة أن يكون على العسكر ويتوجّه إلى قتال محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، وقد تغلّب على حلب وحصر الأمير مكين الدولة أبا علي الحسين بن علي بن ملهم بن دينار العقيليّ نائب المستنصر على حلب بالقلعة. فسار إليها فس سادس ربيع الأوّل حتّى وصل سرمين (٦)، ففرّت بنو كلاب ومحمود بن نصر إلى الشرق ليلة الاثنين سابع رجب منها، فتبعهم ناصر الدولة، وهو في خمسة عشر ألف فارس، ومحمود في أقلّ من ألفين، حتّى نزلوا على الفنيدق، الذي عرف بعد ذلك ب «تلّ السلطان». والتقى الفريقان هناك يوم الأربعاء سلخ رجب المذكور، فانهزم من مع ناصر الدولة وجرح وجاءته ضربة في يده فشلّت، وأخذ أسيرا، فاشتراهمحمود بن نصر بأربعين ألف دينار. وتسلّم حلب أسد الدولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس، يوم الخميس أوّل شعبان. فأتاه محمود بن نصر فانهزم عطيّة منه آخر النهار، وتسلّم محمود مدينة حلب يوم الجمعة [٤٥٦ أ] ثاني شعبان. وملك حلب ثلاثة في ثلاثة أيّام، وهذا من غريب الاتّفاق. ثمّ تسلّم محمود القلعة في عاشر شعبان، فلمّا قدم معزّ الدولة ثمال بن صالح بن مرداس من مصر اصطنع من في باب ناصر الدولة وخلّى سبيله. فعاد إلى مصر [و] في ذلك يقول عليّ بن عبد العزيز المعروف بالفكيك الشاعر، وكان يمدح ناصر الدولة فلم يعطه شيئا [الكامل]: [ولئن غلطت بأن مدحتك، طالبا ... جدواك، مع علمي بأنّك باخل فالدولة الزهراء قد غلطت بأن ... نعتتك ناصرها، وأنت الخاذل

стр. 1130

إن تمّ أمرك مع يد لك أصبحت ... شلّاء، فالأمثال عندي باطل] (١) ١١٨٠ - الشهاب الربعيّ [- ٦١٧] (٢) الحسن بن الحسن بن عليّ، الأديب الشاعر، أبو عليّ، ابن ناهض، الربعيّ، المصريّ، الصعيديّ، شهاب الدين. [٣٥٨ ب] مات بمدينة الرّها للنصف من شوّال سنة سبع عشرة وستّمائة. ١١٨١ - السديد ابن الذهبيّ [٥٤٨ - ٦٢٩] (٣) الحسن بن الحسين بن محمد بن المفرّج، الشيخ الأديب الفاضل، سديد الدين، أبو محمّد، ابن عبد الله، القيسرانيّ الأصل، المصري المولد والدار، المعروف بابن الذهبيّ. مولده بمصر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ووجد ميتا في داره بالقاهرة يوم الجمعة التاسع من صفر سنة تسع وعشرين وستّمائة. وكان فاضلا يكتب الخطّ الجيّد. وله مذكّرات مفيدة، وكتب مجموعا بخمسين مجلّدة. ومن شعره [المنسرح]: صادفني مخبر فخبّرني ... يا وهب أنّي خرجت [عن] سنني وغير خاف عنكم محافظتي ... وصون أسراركم عن العلن فلا تظنّوا بأنّني سكنت ... نفسي من بعدكم إلى سكن واستوضحوا ذاك قبل عتبكم ... ظلما لذي لوعة وذي شجن ٥ قلبي لكم لا يزال منزله ... لأجل هذا خلا من الحزن أغفر للدهر كلّ حادثة ... إن سرّ طرفي بوجهك الحسن ١١٨٢ - الأخرم الفرغانيّ [- ٤٠٩] (٤) [٤٥٦ أ] الحسن بن حيدرة، المعروف بالأخرم الفرغانيّ. قدم إلى القاهرة في أيّام الحاكم بأمر الله أبي علي منصور ابن العزيز نزار، وأظهر القول بحلول الإله سبحانه في الحاكم، وصرّح به ودعا الناسإلى ذلك، وتكلّم في تأويل كلّ ما ورد في الشريعة، بعظائم. فكثرت أتباعه وخلع عليه الحاكم وحمله على فرس في ثاني شهر رمضان سنة تسع وأربعمائة، فلم تمض سوى ثمانية أيّام حتى تقدّم إليه رجل وهو سائر على طريق المقس، فألقاه عن فرسه وضربه حتّى هلك. فارتجّ الناس (٥) وقبضوا على الرجل وقتلوه من ساعته ونهبوا دار الأخرم بالقاهرة، وأخذوا كلّ ما فيها. وحمل الأخرم في تابوت إلى الحاكم فكفّنه ودفنه. وحملت العامّة الرجل الذي قتله فكفّنوه ودفنوا وبنوا على قبره ولزموه ليلا ونهارا يتبرّكون بزيارته. فلمّا كان بعد أربع عشرة ليلة وجد قبره منبوشا، وقد أخذت جثّته فلم ي [و] قف لها على خبر بعد ذلك.

стр. 1131

١١٨٣ - الحسن بن خلف ابن بلّيمة القيروانيّ [٤٢٧ - ٥١٤] (١) [٤٣١ أ] الحسن بن خلف ب عبد الله بن بلّيمة، الأستاذ أبو عليّ، القيروانيّ، المقرئ، نزيل الإسكندريّة، مصنّف «تلخيص العبادات» (٢)، في القراءات. ولد يوم عاشوراء سنة سبع أو ثمان وعشرين وأربعمائة، وعني بالقراءات وتقدّم فيها. فقرأ بالقيروان على أبي بكر القصريّ (٣)، والحسن بن علي الجلولي، وأبي العالية البندونيّ، وعمّار بن بلال (٤)، وعبد الملك بن داود القسطلاني. وقدم مصر فقرأ بها على محمد بن أحمد بن علي القزويني وأحمد بن نفيس وعبد الباقي بن فارس، وتصدّر للإقراء مدّة، فقرأ عليه أبو العبّاس أحمد بن الحطيئة، وعبد الرحمن بن خلف الله بن عطيّة، وأبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الإشبيلي المعروف بابن عظيمة، ويحيى بن سعدون [القرطبيّ] وجماعة. توفّي بالإسكندريّة في يوم السبت ثامن عشر رجب سنة أربع عشرة وخمسمائة. ١١٨٤ - الحسن ابن أبي الملاحف [- بعد ٢٩٠] (٥) [٥٤٧ أ] حسن بن أحمد بن محمد بن زكريّا، أخو أبي عبد الله الشيعيّ، ويعرف بابن أبي الملاحف. خرج مع أخويه أبي عبد الله الحسين، وأبي العبّاس محمد، وصار من جملة الشّيعة. وتوجّه مع أخيه أبي عبد الله إلى بلاد المغرب بعد أن مرّ بمصر، وأقام بالمغرب إلى قبيل مسير عبيد الله إلى المغرب بيسير (٦). ثمّ صار إلى صنعاء ونزل عند عليّ بن الفضل بن زياد الخلقاني (٧) الجنديّ، وصار له بصنعاء اليمن شأن، إلى أن تخوّف من عليّ بن الفضل. فقال له: إنّي رأيت فيما يرى النائم كأنّي بمكّة في مكان عال وحولي جمع كبير. فقال له: أنت والله صاحب مكّة. فسيّره وضمّ [٤٥٩ أ] إليه ابن درهم وأنفذ معهما مالا عظيما. فسارا من صنعاء، وقد خلّف حسن له

стр. 1132

بها مائتي فرس، إلى غير ذلك من الأموال. ونزلا مكّة فشرعا في إشهار الدعوة وبثّها في الناس، فوشي بهما، وشهد عليهما ابن خزيمة من عدول مكّة بالقرمطة، فضربا بالسّياط حتى ماتا، وصلبا، فكان ذلك تأويل رؤيا حسن. ١١٨٥ - أبو عليّ الكاتب [- بعد ٣٤٣] (١) [٥٤٧ ب] الحسن بن أحمد، أبو عليّ، الكاتب. صحب أبا علي الروذباريّ وغيره، وكان أوحد مشايخ وقته. قال فيه أبو عثمان المغربيّ (٢) «أبو علي الكاتب من السالكين»، وكان يعظّم شأنه. مات سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة. ومن كلامه: إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بكلّيّته، أوّل ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس. وقال: يقول الله تعالى: من صبر علينا وصل إلينا. وقال: إذا سمع الرجل الحكمة فلم يقبلها فهو مذنب. وإذا سمعها ولم يعمل بها فهو منافق. وقال: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلّا بما يعنيه. وقال: روائح نسيم المحبّة تفوح من المحبّين وإن كتموها، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها، وتدلّ عليهم وإن ستروها. وقال: إنّ الله تعالى يرزق العبد حلاوة ذكره، فإن فرح به وشكره آنسه بقربه، وإن قصّر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسلبه حلاوته. ١١٨٦ - موفّق الدين ابن الديباجيّ الكاتب [- ٦١٧] (٣) [٥٤٦ أ] الحسن بن أحمد [ ... ] الأديب، الكاتب، المؤتمن، أبو عليّ، موفّق الدين، ابن أبي المكارم، ابن أبي الحسين، الديباجيّ [ ... ]. ... وباشر في ديوان الإنشاء أيّام الملك الكامل مدّة، وكتب الخطّ الحسن، وقال الشعر الجيّد، وتوجّه رسولا إلى الشرق. وعاد فأدركه أجله بدمشق في ليلة الثامن والعشرين من شهر رجب سنة سبع عشرة وستّمائة. ١١٨٧ - أبو عليّ الأوقيّ/ الأوهيّ [- ٦٣٠] (٤) [٥٤٦ ب] حسن بن أحمد بن يوسف، الشيخ الصالح، أبو عليّ، الأوقيّ، الصوفيّ، نزيل بيت المقدس. سمع من الحافظ السلفيّ، وأبي محمد عبد الواحد بن عسكر المخزوميّ، وأبي المكارم الفضل بن عليّ المقدسيّ. وسمع بمصر من أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الرحبيّ، وبالقاهرة من أبي المحاسن المشرّف بن المؤيّد بن عليّ الهمذانيّ وحدّث ببيت المقدس وأقام بها زيادة على أربعين سنة. ومات بها في ليلة الجمعة العاشر من صفر سنة ثلاثين وستّمائة.

стр. 1133

والأوقيّ بكسر الهمزة وفتح الواو، وبعدها قاف وياء النسبة. ويقال: إنّ الأوقي نسبة إلى إوه. ١١٨٨ - اليازوريّ [- ٤٥٠] (١) الحسن بن علي بن عبد الرحمن، أبو محمد، اليازوريّ، الوزير الأجلّ الأوحد المكين، سيّد الوزراء وتاج الأصفياء، قاضي القضاة وداعي الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين، الناصر للدين. [نشأته بالرملة] كان أبوه من أهل ضيعة من ضياع فلسطين يقال لها «يازور»، وله بها حال متّسعة ونباهة (٢) كبيرة، فلمّا اتّسعت حاله، وكثر ماله، أنف من المقام بها وتحوّل إلى الرملة وسكنها فشهر بها. وعرف بالصدق في القول وسماحة النفس، فتقدّم الشهود بها، وردّ إليه قضاء أكثر أعمال الرملة. ونشأ له ابنان، أصغرهما الحسن هذا. فخلف أخاه، القائم بعد أبيه، وأربى على أبيه وأخيه في حسن الطريقة وجميل السيرة وشرف الأعلاق. واتّصل بخدمة [ ... ] (٣). [دخوله في خدمة أمّ المستنصر ... ] وقدم إلى القاهرة وتلطّف بكثرة مداخلته وتوصّل إلى خدمة السيّدة أمّ الخليفة المستنصر وواظب خدمتها وخدمة حواشيها ولازم بابها للسعي في عوده إلى الحكم بفلسطين، وصار يتردّد إلى الوزير أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ (٤)، حتّى اختصّ به وأفضى إليه بما يجده من استبداد أبي سعد سهل التستريّ بأمور الدولة وما يلقى من امتهانه له، فيشاركه في التدبير عليه ويلقّنه من ذلك ما يجد به سبيلا إلى المكر به، فنفر منه أبو سعد ومقته وهمّ بالإيقاع به، فعوجل وقتل، واليازوري مع ذلك يتردّد إلى قاضي القضاة وداعي الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان ولا ينقطع عنه ليردّه إلى الحكم ببلده. ففهم القاضي سوء رأي أبي سعد التستريّ فيه فانحرف عنه ولم يلتفت إليه، واستمرّ على هذا بعد قتل أبي سعد. فاتّفق أنّ قاضي القضاة حضر يوما بباب البحر أحد أبواب القصر على عادته في كلّ اثنين وخميس، وجلس ينتظر خروج السلام إليه، وجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك، فدخل اليازوريّ وجلس معهم فالتفت إليه القاضي وقال له: بأمر من جلست ههنا؟ أتظنّ أنّ المجالس كلّها مبذولة، لكلّ أحد أن يجلس فيها؟ هذا مجلس لا يجلس فيه إلّا من أذنت له حضرة الإمامة وشرّفته به. اخرج، فو الله لا تصرّفت على أيّامي أبدا! فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه، ووقف على باب البحر إلى أن خرج قاضي القضاة، فسار في أعقابه وسبقه ووقف بباب داره، فلمّا نزل صقع (٥)

стр. 1134

له استعطافا لئلّا يريه أنّه وجد من كلامه، فلم يعره طرفه ودخل، فانصرف اليازوري، ولقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعيّ خليفة قاضي القضاة فقال له: يا أبا محمّد، قد كان يجب أن لا تريه وجهك عقيب ما جرى لك معه اليوم. ثمّ انصرف عن القضاعيّ وأقبل على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن أبي زكريا خليفة قاضي القضاة فخاطبه بأجفى من خطاب القضاعيّ له، فتركه وقد عظم همّه. [ ... بتوسّط القائد رفق] ووافى منزله فوجد [أن] قد حضر إليه من ضياعه ثلاثون حملا من التفّاح لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير الفلاحيّ، وبعث لقاضي القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجلّ عدّة الدولة رفق خمسة أحمال، وفرّق حملين على حواشيهم. وكان ثمن هذه الأحمال يبلغ جملة (١) ثلاثمائة دينار. فلم يلتفت أحد منهم إليه ولا عطف عليه [ما خلا القائد الأجلّ عدّة الدولة رفق، فإنّه شكره وأثنى عليه] (٢). [ ... ] ولا تقدّم منّا إليه من الجميل ما يوجب أن يكافئنا عليه، وهذا رجل حرّ له مروءة توجب أن نصطنعه ونحقّق حسن ظنّه بنا. وركب اليازوريّ من الغد ووقف عند باب البحر، فلمّا أقبل رفق من داره يريد القصر، تلقّاه وسلّم عليه. فأكرمه ورحّب به وسأله عن حاله، ثمّ دخل إلى القصر وقضى حقّ الخدمة، وخرج فوجده واقفا على حاله. فسلّم عليه، وسار معه إلى داره حتّى وصل إليها، فانثنى اليازوريّ راجعا، وأقام على ذلك أيّاما. فخفّ على قلب رفق، وقويت رغبته في اصطناعه. وصار إذا وصل إلى داره أمر اليازوريّ بالنزول معه، فينزل ويجلس معه ويحادثه، وكان حلو الحديث فكه المحاضرة. فأطال جلوسه معه. وبقي رفق إذا غاب عنه يشتاق إليه، وإذا همّ بالقيام عنه أمسكه إلى أن تحضر المائدة، وأكثر منه حتّى عدّ من خواصّه. ولمّا ضجرت أمّ المستنصر من عرض خدمتها على أبي نصر إبراهيم (٣) أخي أبي سعد سهل التستريّ، وامتناعه، حتّى وقفت أمور خدمتها وبقي بابها مغلوقا مدّة ثلاثة أشهر، قال رفق في بعض الأيّام لليازوري، وقد أفضى به الحديث إلى كثرة رغبة السيّدة أمّ الخليفة في أبي نصر وامتناعه: إنّي أرى رأيا، فما عندك فيه؟ قال اليازوريّ: ما هو؟ قال: تكتب رقعة تلتمس خدمة السيّدة وتعرض نفسك عليها. فقال له اليازوريّ: كنت أظنّ جميل رأيك فيّ وإيثارك مصلحة حالي، فأكذبني ظنّي. فقال: بماذا؟ قال: لهزئك بي، فإنّي قد اجتهدت في العود إلى قرية كنت فيها فبخل عليّ بها. فكيف إذا تعرّضت لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء؟ فقال له: أما ترضى بي سفيرا لك في هذا الأمر وعلى استفراغ الوسع لوجوب حقّك عليّ؟ فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض في ذلك، فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى، فعلى أكثر من العطلة ما نحصل (٤).

стр. 1135

فاستجاب إلى ذلك، وكتب رقعة يعرض نفسه وماله على السيّدة، ويخطب خدمتها ويبذل الاجتهاد فيها. فأخذ رفق الرقعة وركب من الغد إلى [٣٦٠ أ] القصر، ودخل إلى السيّدة وقد أحضرت أبا نصر وعاودته في الخطاب وهو على حاله من الامتناع إلى أن أضجرها. فانتهز رفق الفرصة بضجرها، وقال: يا مولاتنا قد طال غلق بابك ووقوف خدمتك وكثرة امتناع الشيخ أبي نصر ممّا تريد [ين] هـ منه. وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكثير المروءة، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرّض لمالك، وهو ثقة ناهض كاف. فقالت: من هو؟ فقال: القاضي أبو محمد اليازوريّ. وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبي نصر، وقالت له: ما تقول فيه؟ فلم يصدّق بذلك وقال: يا مولاتنا، هو والله الثقة الأمين الناهض الذي يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ذلك منها بالموافقة لما كان في نفسها من الغيظ بامتناعه عليها، وقالت لرفق: قل له يجلس في داره غدا إلى أن أنفذ إليه. فسرّ رفق بذلك سرورا كبيرا وخرج، فرأى الياوزريّ فقال له: أقمح أم شعير؟ قال: بل برّ يوسفيّ- وقصّ عليه القصّة وقال له: اغد إلى دارك فلا حاجة إلى الاجتماع اليوم، وإذا كان الغد فاجلس حتى يأتيك رسول السيّدة. ففعل، وجاءه من الغد الرسول يستدعيه، فركب إلى باب السيّدة وقد جلست له وراء المقطع، وردّت إليه أمر بابها والنظر في ديوانها الذي هو باب الريح، فبلغ ذلك الوزير أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ، فشقّ عليه كون هذا الأمر لم يكن على يده مع علمه أنّه لا يقدر عليه، فإنّ السيّدة لم تكن تسمع قوله لما في نفسها منه بقتل أبي سعد، ولم يسعه إلّا المجاملة. واستدعى أمراء الأتراك وأمرهم بالمضيّ إليه وتهنئته، فلمّا دخلوا على اليازوريّ تلقّاهم وأعظمهم لسعيهم إليه، وعند ما هنّئوه شكرهم وأثنى عليهم، وقال: ما أنا إلّا خادم ونائب لمواليّ الأمراء، وأسأل في تشريفي بما يعنّ لهم من خدمة أنهض فيها وأبلغ الغرض فيما يرسمون. [ارتفاع شأنه بخدمة السيّدة] فنهضوا، وقام لوداعهم، وأتوا إلى الوزير [الفلاحيّ]، وأعلموه بما كان من اليازويّ، فقلق لذلك. ولم تطل الأيّام حتى قبض على الوزير وقتل، وأقيم بعده في الوزارة أبو البركات الحسين بن محمد الجرجرائيّ، فأقبلت حال اليازوريّ تتزيّد ومنزلته ترتفع وأمره يتأكّد. وخلعت عليه السيّدة خلعة ثانية، ولقّب بالمكين الأمين عمدة أمير المؤمنين، وأمرته أن لا يقوم لأحد، فإنّ خدمته لا تقتضي إعظام أحد إذا دخل إليه. فكان يعتذر إلى من يأتيه من الجلّة والرؤساء والأكابر عن ترك القيام، ويقول: لو ملكت اختياري لبالغت في تكرمتكم بما تستحقّونه- إلى أن تمهّد عذره في ذلك، ما خلا القائد الأجلّ عدّة الدولة رفق، الذي كان سفيره، فإنّه كان إذا أقبل إليه وثب قائما ووفّاه حقّه من الإعظام، فبلغ ذلك السيّدة فقالت له: لا تتحرّك لأحد بالجملة! فكان بعد ذلك إذا جاء، يعتذر إليه، فمكث كذلك مدّة، وحاله آخذه في الترقّي، ورئاسته تزداد إجلالا إلى أن صار يحضر بحضرة الخليفة

стр. 1136

المستنصر إذا أراد أن يستدعي الوزير كما كان قد تقرّر لأبي سعد التستريّ مع الوزير الفلاحيّ. فشقّ هذا على الوزير أبي البركات، وذلك أنّه كان إذا حضر اليازوريّ عند المستنصر تحدّث طويلا، وتكون السيّدة من وراء المقطع فيدور بينهم الكلام فيما يحتاج إليه، ثمّ تستدعي الوزير، فإذا دخل وعرض ما يريد من أمور الدولة لا يجيبه إلّا اليازوريّ، ثمّ يلتفت إلى الخليفة بعد ما يجيب الوزير، ويقول: أليس هو الصواب؟ فيقول الخليفة: نعم. ويخرج الرسول من وراء المقطع ويقول عن السيّدة: هو الصواب. فصار الوزير كأنّه إنّما يعرض على اليازوريّ لا على الخليفة والسيّدة ولا يقدر على الاعتراض فيما يقوله، ولا يجد بدّا من امتثال ذلك. [سعي الوزير الجرجرائيّ لإقصائه عن السيّدة] فشقّ عليه ما صار إليه وأخذ في إعمال الحيلة، فأشار عليه أبو الفضل صاعد بن مسعود (١) أن يحسّن للخليفة تولية اليازوريّ القضاء، فإذا تقلّد القضاء وقع في هور (٢) كبير وشغله عن ملازمة السيّدة، فيصل الوزير حينئذ إلى استخدام ولده مكان اليازوريّ، ويستوي [٣٦٠ ب] له الأمر ويملك جهتي السلطان والسيّدة. فاتّفق حضور قاضي القضاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان عند الوزير وتقلّقه من خليفتيه أبي عبد الله محمد القضاعيّ وأبي عبد الله أحمد بن محمّد ابن أبي زكريّا وشكوى المذكورين من قاضي القضاة مع توعّك أبي محمد اليازوريّ وتخلّفه في داره أيّاما. فخلا الوزير بالخليفة وأعاد عليه ما ذكره كلّ من القاضي وخليفتيه وشنّع أمر قاسم وقبّحه. فقال الخليفة: فمن نستبدل به؟ فقال: عبيدك كثير؛ وبين يديك من يتجمّل الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك. فقال: ومن هو؟ قال: القاضي أبو محمد. فقال: ذاك في خدمة مولاتنا الوالدة، ولا تفسح له في ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هي- خلّد الله ملكها- أغير على دولتك وأحسن نظرا إليها من أن تحول بينها وبين ما يجمّلها، ومع هذا فلم ينقل ممّا هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام وقد استقرّ هذا وتمّ له ما أراده، وشرع في الحال في كتابة سجلّه وإعداد الخلع له ليخلع عليه في غد ذلك اليوم خوفا من نقض ما استقرّ. وبلغ ذلك كلّه القائد رفق فأنفذ إلى اليازوريّ وقصّ عليه الخبر، وقال له: تلطّف في أمرك كما تريد. فعظم هذا على اليازوريّ وخاف من إبعاده عن خدمة السيّدة، فإنّها كانت أجلّ الخدم وأوفاها وأسناها محلّا وأغناها، فإنّ كلّ من كان في الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج إليه. فلمّا كان مع عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم، وركب إلى باب الريح (٣)، ودخل وأعلمها مكانه، فأكبرت حضوره في مثل ذلك الوقت مع ما تعلمه من توعّك بدنه. فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه وما الذي دعاه إلى

стр. 1137

العناء في هذا الوقت على ما هو عليه، فرمى نفسه بين يديها وقصّ عليها القصّة كلّها، وقال: إنّما الغرض إبعادي عن خدمتك وحرماني السعادة التي ألحقتني بها ليقع التّمكّن منّي. قالت: وما الذي تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا، هور الحكم واسع. وأحوال قاضي القضاة قاسم بن النعمان فيه مشهورة. ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف والحاجة داعية إلى تجديد إصلاحه وإحكام نظامه، وفي هذا شغل كبير؟ فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابي لك، وخدمتي موفورة عليك ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا، قد قدّمت القول إنّ هور الحكم كبير واسع، واشتغالي به يحول بيني وبين ملازمة بابك. فقالت: خلفاؤك في الحكم، القضاعيّ وابن أبي زكريّا هما ينفّذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه. فإذا تحرّرت الأحكام نزلت ففصلت ذلك. وقرّر لنزولك يومين في الجمعة لفصل الأحكام، فإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك في تنفيذ أمور خدمتي. وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبّل الأرض لها ودعا وشكر وانصرف. [قبوله خطّة القضاء بنصيحة من مولاته] فلمّا كان في غد ذلك اليوم وهو الثاني من المحرّم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، استدعي إلى حضرة أمير المؤمنين وخلع عليه وقرئ سجلّه في الإيوان، وخرج والدولة بأسرها بين يديه. فأقام في تنفيذ الأحكام عدّة أيّام وولداه (١) ينوبان عنه في باب الريح، وجعل الوزير يبعث للسيّدة من يطارحها في ذكر بابها ويعرّض لها بذكر ولد الوزير، فقالت: وما هو الأمر الذي يعجز ولدا القاضي أبي محمد عنه، وقد لقنا فعل أبيهما وفهما منه ما يحتاجان إليه، ومع ذلك إلى أن يجيء أبوهما، وما كنت بالذي يستبدل به بوجه ولا سبب. فلمّا سمع ذلك الوزير أبو البركات، أسقط في يده وقال: أردنا وضعه، والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل صاعد: أمّا إذا جرى الأمر بخلاف ما ظننّاه وأملناه، فليس إلّا مجاملة الرجل ومواثقته على السلامة، فتواثقا وتعاهدا، وصار لا يسلّم على الوزير ولا يجتمعان إلا يوما في الشهر، يحضر إليه في داره، فإذا صار إليه احتجب الوزير عن كلّ أحد، وخلا به، وبالغ في إكرامه، وهو في الباطن يدبّر عليه. فكفاه الله أمره، وقبض عليه وشغرت [٣٦١ أ] رتبة الوزارة عدّة أيّام، والسيّدة تعرضها على اليازوريّ وهو يمتنع، فأقيم أبو الفضل صاعد وخلع عليه وعمل واسطة لا وزيرا، فصار إذا أحبّ أن يعرض على الخليفة أمرا ممّا يتعلّق به يتقدّم اليازوريّ إلى الحضرة، ثمّ يستدعي بأبي الفضل، فإذا عرض ما أحبّ لا يجيبه إلّا اليازوريّ، فصار في نفسه منه مثل ما كان في نفس غيره من الوزراء، وأقبل ينصب عليه ويحمل الرجال على مكروهه ويوهمهم أنّه إذا سأل لهم زيادة أو ولاية، يعترضه اليازوريّ بما يبطل رأيه ويفسده. فاستدعى ناصر الدولة حسين بن حمدان (٢) بعض خواصّ اليازوريّ وقال له: اعلم

стр. 1138

أنّ القاضي له من الثناء الجميل كثير، ونحن شاكرون له، معتذرون بجميله، مفتقرون إلى جاهه في جميع أمورنا. واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمّنا إن وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت. وهذا الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنّه يجهد في قضاء حوائجهم، وأنّه يعترضه بما يبطلها عليهم، وفي هذا الأمر ما يعلمه. فقل له عنّي: يا سيّدنا، أمّا إذا تريد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نيّاتهم في طاعتك، فادخل في هذا الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذاك لك وشكروه منك، وإن أسأت كان لك ضرره وشرّه. وإلّا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال لئلّا يتلفك أبو الفضل. وإن أذن لي في المثول بحضرته ذكرت له ذلك. فلمّا بلّغ هذا لليازوريّ قال له: أمهلني الليلة وبكّر إليّ. فبكّر إليه وهو خال، فقال له: أعد عليّ قول ناصر الدولة. فأعاده، فقال: اقره عنّي السلام، وقل له: والله إلّا أدخل فيه ويكون لي خيره وشرّه! فأبلغ ذلك ناصر الدولة، فقال: هذا هو الصواب. [ارتقاؤه الوزارة] فلمّا كان بعد يومين قرئ سجلّه بالوزارة ولقّب بالوزير الأجلّ، الأوحد، المكين، سيّد الوزراء، وتاج الأصفياء، وقاضي القضاة، وداعي الدعاة، علمالمجد، خالصة أمير المؤمنين. وخلع عليه في اليوم السابع من المحرّم فنظر في الوزارة، ومضى فيها مضيّ الجواد، ونهض مسرعا بنهوض غبّر به في وجوه من تقدّمه. وكاتب ملوك الأطراف فأجابوه بما يليق بقدره ووفور حقّه من الرئاسة، ما خلا معزّ بن باديس صاحب إفريقيّة، فإنّه قصّر به في المكاتبة عمّا كاتب به من تقدّمه من الوزراء. وكان يكاتب كلّا منهم ب «عبده»، فجعل مكاتبته «صنيعته». وكان لابن باديس بالقاهرة نائب (١)، فاستدعاه اليازوريّ وعتب صاحبه وقال له: أظنّه انتقصني عمّن تقدّمني إذ لم أكن من أهل صناعة الكتابة. وإن لم أكن أوفى منهم، فما أكون دونهم. ومن رفعه السلطان ارتفع وإن كان خاملا، ومن وضعه اتّضع وإن كان جليلا نبيلا. فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب. فكتب إليه بذلك، وقد أذكى اليازوريّ عليه عيونا يطالعونه بما يتفوّه به. فلمّا وقف ابن باديس على كتاب وكيله، قال: ما الذي يريد منّي هذا الفلّاح؟ [أن] أكتب له «عبده» وهو أكّار (٢)؟ والله لا كان هذا أبدا! وإنّ الذي كتبت إليه لكثير. فطالعه عيونه بقول ابن باديس، فأحضر الوكيل وقال له: قد جرى صاحبك على عادته في الجهل، فاكتب إليه بما يردعه، وإلّا عرّفته بنفسي إذ لم يعرفني. فكتب إليه بذلك فأجاب بأقبح من الأوّل، فدسّ إليه اليازوريّ من تلطّف حتّى أخذ سكّين دواته، فلمّا وصلت إليه أحضر الوكيل، وقال له: قد كنت أظنّ بصاحبك أنّ الذي حمله على ما كان منه نزوة الشبيبة وقلّة خبرة بما تقضي به الأقدار، وأنّه إذا نبّه تنبّه. فإذا الجهل مستول عليه، وظنّه

стр. 1139

بأنّ بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه، والوصول إليه بما يكره. وقد تلطّفنا في أخذ سكّينه من دواته. وها هي! فأنفذها إليه وأعلمه أنّا كما تلطّفنا في أخذها [ف] إنّنا نتلطّف في ذبحه بها. ودفعها إليه، فكتب الوكيل بذلك إليه فازداد شرّا وبطرا وطغيانا. فدسّ إليه من أخذ نعله- وكان يمشي في الأحذية السنديّة- فلمّا وصلت أحضر الوكيل وأعلمه بما [٣٦١ ب] انتهى إليه من جهل صاحبه، وقال: اكتب إلى هذا البربريّ الأحمق، وقل له: إن عقلت وأحسنت أدبك، وإلّا جعلنا تأديبك بهذه! [انتقامه من المعزّ الصنهاجيّ بإرسال الأعراب على إفريقيّة] فكتب إليه، فجرى على عادته في إطلاق الكلام القبيح. فتشمّر له حينئذ اليازوريّ (١)، وبعث مكين الدولة الحسن بن علي بن ملهم، أحد الأمراء، إلى طرابلس المغرب، وبها من العرب زغبة ورياح وقد حدثت بينهما حروب، فسار إليهما بخلع كثيرة وأموال وافرة ليصلح بينهما، فتحمّل ما كان بينهما من الدماء، ودفع إليهم الديات، وزاد في إقطاعاتهم. وبعثهم على محاربة إفريقيّة وأباحهم ديار ابن باديس، وقام في هذا قياما عظيما حتّى سار المذكورون واستولوا على أعمال القيروان وضايقوا ابن باديس وحصروه إلى أن نفدت أمواله وقلّت عدده وتفلّت منه رجاله وأشرف على التلف ففرّ بحشاشته في زيّ امرأة من القيروان إلى المهديّة، وترك حرمه وداره وأمواله وغلمانه. فأخذ العرب المدينة وقتلوا الرجال وسبوا النساء ونهبوا ما كان في قصوره وجالوا في المدينة وأخربوها. وحمل ما نهب إلى القاهرة من الآلات والأسلحة والعدد والخيام، وكان لدخول ذلك يوم عظيم. وكان في البحيرة طائفة يقال لها بنو قرّة قد اقتطعوها وملكوها وعمّروا ضياعها، واشتدّت شوكتهم، وخشن جانبهم وعظم أمر مقدّميهم حتّى انتشر ذكرهم وذلّ لهم عدوّهم وثقل أمرهم حتى [على] ولاة الإسكندريّة، واجتمع معهم الطلحيّون فصاروا يدا واحدة. وكانت لهم واجبات على الدولة، ولم يكن لهم إقطاع، بل كان ما يستحقّونه من واجباتهم يحمل مع واجبات العسكر بالإسكندريّة إلى الوالي فينفقه فيهم. وكان الواليبالإسكندريّة في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ناصر الدولة حسن (٢) بن حمدان والد ناصر الدولة الثائر بالقاهرة على المستنصر، فلمّا انقضت سنة أربع وأربعين وأربعمائة استحقّ الطلحيّون على الدولة عن واجباتهم ثلاثة آلاف دينار، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقها فيهم، فوعدهم، وكتب إلى الحضرة يلتمس لهم ذلك. فوعده الوزير أنّه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقاتهم حمل ذلك في جملته، وكان قد بقي لحمل المال مدّة شهرين، فاستبعدوا الصبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته، وحملوا بني قرّة على معونتهم عليه. فاضطهدوه وألزموه بالمسير معهم ومع جيرانهم الطلحيّين إلى الحضرة لالتماس ذلك. فلم يجد بدّا من إجابتهم، وسار معهم إلى الجيزة

стр. 1140

وطلع إلى الوزير وعرّفه الحال، فقال: ما أخّرنا ذلك عنهم إلّا لأنّ السنة كثيرة النفقات والطوارئ. ولكن هذه ألف دينار، فخذها وأنفقها فيهم إلى أن نحمل باقي مالهم مع مال العسكر. فأخذ الألف وعاد إليهم وعرّفهم ما قال الوزير، فامتنعوا من أخذ الألف، وذكروا أنّهم قد تعبوا وكلّفوه المسير معهم ولا يرجعون إلّا بعد قبض الثلاثة آلاف. وألزموه بالعود. فعاد وعرّف الوزير ما كان منهم، فغضب وأمر لهم بألف أخرى، وقال: قد ذكرنا لك أنّا لم نؤخّر عنهم ذلك إلّا لضيق الحال وانتظار ما يصل من الرّيف، فنحمل إليهم باقي استحقاقهم. ولم يبق الآن إلّا ألف، ونحن نحمل إليهم ذلك بعد هذا. [قهره لبني قرّة الثائرين وإجلاؤهم عن البحيرة] فعاد إليهم ناصر الدولة، فأبوا إلّا أخذ الجميع، وأنّهم لا يبرحون من مكانهم إلّا بجميع ما يستحقّونه وجفوا في الخطاب، فعاد إلى الوزير وعرّفه ما كان منهم. فاشتدّ غضبه وقال: إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمّعهم. وو الله لا أطلقت لهم درهما واحدا! - واستعاد الألفي دينار من ناصر الدولة، وتقدّم بتجريد العسكر لهم، فتسرّع من خفّ مع يمن الدولة (١) كافور الشرابيّ وساروا إليهم، فإذا بهم متأهّبين للقائهم، فجرت بينهم نوبة قتل فيها اثنان من العسكر، وحال بينهما الليل. فلمّا بلغ ذلك الوزير عظم عليه إقدامهم على العسكر، سيّما بني قرّة، فإنّهم كانوا أشدّ حربا من الطلحيّين. وكان بالقاهرة من مقدّم [ي] هم ثلاثة نفر، وهم ضيوف مكرمون، فأشير على الوزير بقبضهم ليكفّ عادية باقي بني قرّة. فاستدعى صاحب الستر سيف الدولة مبشّر، ومتولّي الشرطة سنان الدولة ابن جابر، ومتولّي الصناعة عظيم الدولة عطاء، وأمرهم بأخذ الثلاثة ليلا وتسييرهم تحت الحفظ والحوطة إلى الجيزة والتحيّز بهم عن العسكر إلى حيث يأمنون على أنفسهم، وتخلية سبيلهم، ففعلوا ذلك. وأصبح الناس وقد علموا بمضيّهم. وكلّموا الوزير في ذلك فقال: قبح السمعة في القبض عليهم وهم في ضيافتنا منعني من ذلك. فهم في هذه الحال كالحرم، فلم أستجز فعل ذلك، بل أطلقتهم، وو الله لا أخذتهم إلّا من ظهور دوابّهم! فقال شخص من الأكابر يعرف بعجلان بن مطر اللواتيّ: قد فعل هذا الوزير شيئا لم يسبقه إليه أحد، من إطلاق هؤلاء القوم، واستحيى فيهم بما فعله. وو الله ليظفرنّ بهم لأنّ هذا تقليد البغي، فإن كان فيهم بعد ذلك كائن فالدائرة عليهم. فكأنّما نطق بالغيب: فإنّهم تشمّروا عند وصول الثلاثة إلى الحاجر ونزلوا به. وأخذ الوزير يجرّ العساكر لهم حتّى كمل له ما أراد، وسيّرها وقد تجمّعت حشود بني قرّة، فالتقوا بكوم شريك فكانت الدائرة عليهم، وقتل منهم خلق كثير وانهزموا. فتبعهم العسكر ظنّا أنّهم يعودون إلى اللقاء، فلم يثنهم شيء عن قصد برقة، وأسلموا أموالهم وكلّ ما في أيديهم للنهب، ففاز به العسكر وغنموه، وانقلعت شأفة بني قرّة والطلحيّين منالبجيرة، إلى اليوم، وبقوا مشرّدين مطردين يجاورون العربان على أقبح صورة أربعين سنة. وقد كان الوزير لمّا أخرج العسكر لقتال بني قرّة، فنّد أهل الدولة رأيه، وحكموا أنّهم لا ينتقلون من البحيرة أبدا لقوّة بأسهم وشدّة شوكتهم ولائتلافهم بالطلحيّين. فأكذب جميل فعله ظنّهم. ثمّ إنّه رأى في كون العساكر في أعمال البحيرة

стр. 1141

كلفة كبيرة، فنقل بني سنبس من الداروم (١) بفلسطين، وكانوا قد ثقلت وطأتهم بتلك الأعمال وصعب أمرهم، فعدّى بهم إلى البحيرة، وهم أعداء قيس، وأوطأهم ديارهم وأقطعهم أرضهم، فامتحى اسم بني قرّة. وكان تجهيزة العساكر لبني قرّة في شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وتسييرهم في مستهلّ شوّال. فخطّأه الناس كلّهم وغلّطوه في فعله وحكموا بأنّه لم يجرّد قطّ عسكر في شوّال فظفر، وأنّهم لا يأمنون على العسكر أن ينهزم وينكسر. وكان شمس الدولة (٢) [إليه] زمّ القصور والخدمة في الرسالة، وهو أيضا زمام الأتراك والقيصريّة، وليس في الدولة من يجري مجراه جلالة، وبينه وبين الوزير مباينة شديدة، ويتوقّع له الشرّ ويتربّص به الدوائر. فصار ينتظر انهزام العسكر ليقبض عليه، والأقدار تؤيّده بالسعادة العظيمة. فلمّا أراد أن يسيّر العسكر من الجيزة رتّب على الميمنة سنان الدولة ابن جابر، وعلى الميسرة حصن الدولة حيدرة بن منزوي، وجعل في القلب ناصر الدولة ابن حمدان، وهو المقدّم عليهما. وقرّر معه أن يكون اللقاء في يوم الخميس الخامس من شوّال، بطالع تخيّره له. وبعث معه عدّة من طيور الحمام ليطالعه بما يكون منه ومنهم يوما بيوم. فلمّا كان اليوم الذي تقرّر فيه اللقاء، جلس الوزير في داره وهو شديد القلق كثير الاهتمام بأمر العسكر، واحتجب عن الناس لشغل سرّه بهذا الأمر. وجلس ينتظر سقوط الطائر بما يكون. فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من النهار. فقام ليجدّد طهار [ت] هـ وعبر بالبستان، وقد أطلق الماء في مجاريه، فرأى ورقة تمرّ على وجه الماء فأخذها متفائلا بها فوجدها أوّل كتاب كان وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله، قد ذهبت طرّته وعنوانه وبقي صدره، وهو: كتب عبد مولانا الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيّم المنصور في الساعة الخامسة من نهار يوم الخميس الخامس من شوّال، وقد أظفره الله بعدوّ الله تعالى وعدوّ الحضرة المطهّر أبي ركوة المخذول، وهو في قبضة الإسار، والحمد لله ربّ العالمين. فلمّا وقف على ذلك سجد إلى الأرض شكرا لله تعالى واستشعر الظفر وعجب من موافقة اليوم وعدّة [٣٦٢ ب] الأيّام من شوّال والإعلام بالظفر. ثمّ تجهّز للصلاة، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بني قرّة وانهزامهم وبما منّ الله تعالى به من الظفر بهم، فأخذ الكتاب والورقة التي وجدها في الماء وركب إلى القصر ودخل إلى الخليفة المستنصر بالله وأوقفه على الكتاب، فسرّ وابتهج. وأراه الورقة التي وجدها في الماء، وقال: هذا أعجب يا أمير المؤمنين- وحدّثه حديثه. فعجب من هذا الاتّفاق، ثمّ تواصلت الأخبار من ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم. فخلع على الوزير، وزيد في ألقابه: الناصر للدين، غياث المسلمين، فقوي أمره، وذلّ خائب أعدائه، وعادوا يتقرّبون إليه بالخدمة، فأغضى عنهم ولم يؤاخذ أحدا منهم. وقدمت الرءوس ممّن قتل وأموال كثيرة من أموال أهل البجيرة. [تخليصه أهل صقلّيّة من الأمراء الكلبيّين] فلمّا خلا سرّ الوزير من أهل البجيرة، نظر في أمر مدينة صقلّيّة فإنّ أهلها كانوا يذكر خلافهم، وكاتبوا ابن باديس صاحب إفريقيّة وملّكوه عليهم،

стр. 1142

فأساء فيهم السيرة. فثاروا به وأخرجوه وكاتبوا ملك الروم، فبعث إليهم بطريقا فحكم فيهم مدّة، فلم يصبروا له ووثبوا به وأخرجوه عنهم، وبعثوا إلى المستنصر يطلبون عفوه ويستصرخونه، فكتب إلى مستخلص الدولة [الكلبيّ] ابن أبي الحسين، فوليهم مدّة. ثمّ بعثوا يشكون منه، فسيّر الوزير صمصام الدولة ابن لؤلؤ، أحد الأمراء- وكان رجلا عاقلا- ومعه خلع نفيسة وأمر [هـ] أن يصلح ذات بينهم، فإن رضوا بابن أبي الحسين خلع عليه وقرأ سجلّه بتجديد ولايته. وإن امتنعوا من الطاعة له، لبس هو الخلعة وقرأ سجلّا كتب له بولاية صقلّيّة، وأن يتلطّف في إخراج بني أبي الحسين من جزيرة صقلّيّة ويحملهم إلى القاهرة. فسار إلى صقلّيّة وتحدّث في الصلح، فامتنعوا من ذلك ولم يجد فيهم حيلة. فأظهر سجلّه ولبس خلعته فرضوا به، وأخرج جميع من كان بصقلّيّة من بني أبي الحسين، وهم زيادة على ثلاثين رجلا، وخلت منهم، فاستقام أمره. [إرجاعه الصليحيّ باليمن إلى الطاعة] وبعث الوزير رسله إلى اليمن، وقد ثار فيها علي بن محمد الصليحيّ، فما زالوا به حتى دخل في طاعة الدولة وبعث النجاوى إلى القاهرة، ومعها هديّة جليلة تبلغ عشرة آلاف دينار، فجاء من ذلك ما ليس في المظنون ولم ير مثله فيما تقدّم. ثمّ إنّه عطف على النوبة وأضعف عليهم البقط، فحملوه واستمرّ بعده. [حزمه في معاملة الروم البيزنطيين] وكانت الهدنة قد انعقدت مع الروم في وزارة أبي نصر الفلاحيّ، وقدم من قبلهم رسولان، أحدهما يعرف بابن اصطفانوس هو المتكلّم- وكان داهية أديبا شاعرا نحويّا فيلسوفا نظّارا، ولد ببلاد الروم ونشأ بأنطاكية، ودخل إلى العراق وأخذ عن العلماء والأدباء، فاشتهر ذكره وبعد صيته. والآخر صاحب حرب يعرف بميخائيل، فأعجبهما زيّ الدولة وكريم أفعالها وجميل سيرتها، سيّما ميخائيل فإنّه أطربه ذلك، وكان خيّرا عاقلا. فلمّا عاد [ا] إلى بلادهما، قضت الأقدار بموت متملّك الروم وتملّك ميخائيل هذا بعده، فأقام في المملكة نحو الخمس سنين. وقصر النيل بمصر في سنة أربع وأربعمائة، ولم يكن بالمخازن السلطانيّة شيء من الغلال، فاشتدّت المسغبة، وغلا السعر، وكان لخلوّ المخاون سبب: وهو أنّ الوزير الناصر للدين أبا محمد اليازوريّ لمّا أضيف إليه القضاء في وزارة أبي البركات الجرجرائيّ، كان ينزل إلى جامع عمرو بن العاص بمصر في يومي السبت والثلاثاء من كلّ أسبوع ليجلس في الزيادة منه (١) للحكم، على رسم من تقدّمه من القضاة. فإذا صلّى العصر طلع إلى القاهرة، وكان في كلّ سوق من أسواق مصر عريف على أرباب كلّ صنعة يتولّى أمورهم. ومن عادة أخباز مصر في أزمنة الغلاء أنّها متى بردت لم يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به، وكان لعريف الخبّازين دكّان يبيع الخبز. وبجانبها دكّان رجل صعلوك يبيع بها الخبز أيضا، والسعر يومئذ أربعة أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أنّ خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده فنادى عليه: أربعة أرطال بدرهم! [٣٦٣ أ] ليرغّب الفقير فيه. فمال الناس إليه لأجل تسمّحه بثمن درهم، واشتروه بأجمعه، وبقي خبز العريف عشرة دراهم، فلم يطق ذلك ومضى إلى الجامع واستغاث بقاضي القضاة، وكان هناك، فأحضر

стр. 1143

المحتسب وأنكر عليه، فقال: العادة جارية باستخدام عرفاء في الأسواق على أرباب الصنائع، وتقبّل قولهم فيما يذكرونه، وقد حضر عريف الخبّازين بالسوق الفلانيّ واستدعى عونين من الحسبة، فوقع الظنّ أنّه أنكر شيئا يوجب فعل ذلك، فاستدعى القاضي الخبّاز وأمره، فقصّ على المحتسب خبره، فقال القاضي للمحتسب: رجل يرخص على الناس أقواتهم فيجازى على ذلك بما يؤذيه- ثمّ سأل الخبّاز كم أخذ منه، فقال: أخذ منّي العريف خمسة دراهم، وكلّ ما في يدي مائة درهم. فقال: يصرف هذا العريف عاجلا، ويغرّم ما أخذه من هذا المسكين ويعاد إليه. والتفت إلى صاحب دواته فقال له: انظر ما معك فادفعه إلى هذا الخبّاز. [حسن تدبيره في أزمة الغلاء] فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيّا، فكاد عقل الخبّاز يذهب من شدّة فرحه. وعاد إلى دكّانه فإذا عجنته الثانية قد خبزت فنادى عليها: خمسة أرطال بدرهم! - فمال الناس إليه واشتروا خبزه لرخصه. فخاف من هناك من الخبّازين تلاف أخبازهم، فإنّها بردت، وباعوا مثل بيعه. فنادى: ستّة أرطال بدراهم! - فقادتهم الضرورة إلى بيع أخبازهم كذلك. وصار يريد مكايدة العريف بإرخاص السعر ويزيد رطلا رطلا، والخبّازون يتبعونه في بيعه خوفا على بوار أخبازهم، إلى أن بلغ النداء: عشرة أرطال بدرهم، وانتشر ذلك في سائر البلد، وتسامع به الناس فتسارعوا إليه، حتّى إنّه لم يخرج قاضي القضاة من الجامع إلّا والخبز في جميع البلد عشرة أرطال بدرهم. وكانت العادة أنّه يشتري للديوان السلطانيّ في كلّ سنة غلّة بمائة ألف دينار وتجعل متجرا، فلمّا عاد قاضي القضاة إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة المستنصر، وعرّفه ما منّ الله تعالى به في هذا اليوم من إرخاص السعر، وتوفّر الناس على الدعاء لأمير المؤمنين، وأنّ الله- جلّت قدرته- فعل ذلك، وحلّ إسعاد الناس، بحسن نيّة أمير المؤمنين في رعيّته بغير موجب ولا فاعل له، بل بلطف الله تعالى واتّفاق قريب يسير. وقصّ عليه الخبر ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ المتجر الذي يقام بالغلّة في [هـ] أوفى مضرّة على المسلمين، وربّما انحطّ السعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، حتى تتغيّر في المخازن وتتلف. والمصلحة أن نقيم متجرا لا كلفة على الناس فيه ويفيد أضعاف فائدة الغلّة ولا يخشى عليه من تغيّر في المخازن ولا انحطاط [سعر]: وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك. فأمضى المستنصر له ما رآه، واستمرّ ذلك ودام الرخاء على الناس مدّة سنين. ثمّ قصر النيل في سنة سبع وأربعين بعد خمس سنين من نظره في الوزارة، ولم يكن بمخازن السلطان من الغلّة إلّا ما ينصرف في جرايات من في القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير. فورد على الوزير من ذلك ما شغل سرّه وكثر له فكره. ونزع السعر إلى ثمانية دنانير التّليس (١) الدوّار، واشتدّ الأمر على الناس. ففتح الله له من التدبير أن نظر في أمر النواحي، وكانت عادة التجّار أن يقرضوا المعاملين حين إسعارهم (٢) وضيق الحال عليهم في المقام للديوان بما يجب عليهم من الخراج، مالا يبتاعون به منهم غلّاتهم عند إدراكها ليصيبوا فيها ربحا.

стр. 1144

فإذا استقرّت مبايعتهم حضروا مع المعاملين إلى الديوان وقاموا عنهم للجهبذ بما كتب عليهم، ويثبت ذلك في روزنامج الجهبذ (١) مع مبلغ الغلّة. فإذا أدركت غلّاتهم وصارت في الجرون (٢) اكتالها التجّار وحملوها إلى مخازنهم يريدون فيها السعر الغال [ي]، فمنع الوزير من ذلك في هذه السنة، وكتب إلى العمّال بسائر النواحي أن يستعرضوا روزنامجات [٣٦٣ ب] الجهابذة ويحصروا منها ما قام به التجّار عن ال [م] عاملين ومبلغ الغلّة الذي وقع الابتياع عليه وأن يقوّموا للتجّار [ما] وزنوه للديوان ويربحوهم في كلّ دينار ثمن دينار، تطييبا لقلوبهم، وأن يضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا بمبلغ ما يحصل تحت أيديهم فيها. فلمّا تحرّر ذلك جهّز المراكب لحمل الغلّات من النواحي، وأودعها في المخازن السلطانيّة بمدينة مصر، وقرّر ثمن التّليس ثلاثة دنانير بعد ما كان بثمانية دنانير. وسلّم إلى الخبّازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق، ووظّف ما تحتاج إليه مصر والقاهرة، فكان ألف تلّيس دوّار كلّ يوم: مصر، سبعمائة. والقاهرة ثلاثمائة. فاستمرّ هذا التدبير مدّة عشرين شهرا حتّى أدركت غلّة السنة الثانية، فتوسّع الناس بها وزال عنهم الغلاء، وما كادوا يتألّمون لحسن هذا التدبير. [إعجاب الإمبراطور البيزنطيّ بحال الخلافة] وبلغ ميخائيل متملّك الروم (٣) ما بمصر من الغلاء المذكور، فرأى لكثرة محبّته في الدولة أن يحمل إلى القاهرة مائة ألف قفيز من الغلّة، وقدم كتابه وعيّن الغلّة والكيل الذي تستوفى به عند وصولها، وسيّرها إلى أنطاكية، وأعدّ هديّة الهدنة على العادة وهديّة من ماله، فضعّف هديّة الهدنة. فلمّا رأى الروم ذلك منه نفرت قلوبهم وظنّوا به الميل إلى الإسلام وقتلوه وأقاموا بعده رجلا يعرف بابن سقلاروس (٤) من أهل أنطاكية، وكان عسيرا لجوجا خبيث الطباع، فقبض على الهديّتين، وقال: أنا أنفق ثمنهما على قتال المسلمين. وكان للوزير عيون بالقسطنطينيّة فكتبوا إليه بذلك، فسيّر مكين الدولة ابن ملهم إلى اللاذقيّة في عسكر، فسار إليها وحاصرها. ونودي في بلاد الشام بالغزو إلى بلاد الروم. فلمّا اشتدّ الأمر على أهل اللاذقيّة بعثوا إلى ابن سقلاروس بما هم فيه. فكتب إلى المستنصر يستوضح ما الذي أوجب ذلك؟ - فكتب إليه بأنّ الذي فعله في نقض ما استقرّ مع من تقدّمه من الهدنة وقبضه الهديّة أوجب ذلك. فأجاب بأنّه يحمل الهديّة، فاشترط عليه إطلاق كلّ من في بلاده من الأسرى. فأجاب بأنّه إذا أطلق من لهم في بلاد الإسلام من أسرى الروم، أطلق من عنده من المسلمين. فأجيب بأنّه لا يصحّ التماسه لذلك: فإنّ من أسر من بلاد الروم تفرّقوا في الممالك بالعراق والدولة الفاطميّة والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك حتّى يرتجع منها من صار في أيدي أهلها. وبلاد الروم بخلاف ذلك، ومن حصل فيها من المسلمين كان كمن هو معتقل في دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلّا بإرادتهم، وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنّه يطلق من في بلاد [هـ] من أسرى المسلمين. فاشترط عليه مع ذلك النزول عمّا صار في أيدي الروم من الحصون

стр. 1145

الإسلاميّة. فامتنع من ذلك وقال: إذا أسلم إلينا ما صار في أيدي المسلمين من حصون الروم، سلّم ما في أيديهم من حصون المسلمين. فثقّل اليازوريّ الجيش بجيش آخر وقدّم عليه الأمير السعيد ليث الدولة ففتحت اللاذقيّة. وأجيب ابن سقلاروس بأنّه لا يصحّ أن يسلّم إليه ما صار في أيدي المسلمين من الحصون لأنّهم قد ابتنوا فيها العمارات وأنشئوا البساتين، فلا يصحّ تسليمها إليهم، فإنّه يصير المسلمون [بها أهل] ذمّة (١). فأجاب بأنّه يدفع إليهم ثمن أملاكهم وينقلهم إلى بلاد المسلمين، ثمّ أجابوا إلى تسليم ما في أيديهم من الحصون الإسلاميّة. وكانت العادة جارية بأنّه إذا وصلت هديّة الرومأن تقوّم في بيت المال، وتحمل إليهم هديّة قيمتها نحو الثّلثين من هديّتهم ليصير للإسلام مزيّة عليهم بالثلث. فاشترط الوزير على ابن سقلاروس أن تكون قيمة ما يحمل إليهم من الهديّة عوضا عن قيمة هديّتهم النصف من ذلك، فأجابوا إليه. [انقطاع المفاوضة مع الروم بنكبة اليازوريّ] فاشترط الوزير أن يؤدّي إليه جزية كلّ من تضمّه دار البلاط، التي هي دار الملك ومحلّ الملك ومكانه. فامتنع من ذلك، فثقّل الجيش بجيش ثالث (٢)، فأوغلوا في بلاد الروم يقتلون ويأسرون وينهبون، فاشتدّت بليّة الروم، وبعث ابن سقلاروس مكاتباته بالإذعان إلى القيام بالجزية عن دار البلاط، وشرع في تجهيزها فبلغت نيّفا وثلاثين ألف دينار، وحمل ذلك إلى أنطاكية. فبلغه صرف الوزير اليازوريّ، فأعيدت [٣٦٤ أ] إلى القسطنطينيّة، وزيّنت بلاد الروم لموته وكثر فرحهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه. [دعمه لثورة البساسيريّ ببغداد] واتّفق أنّه كان بالعراق رجل يعرف بأبي الحارث البساسيريّ (٣) صار اسباسلار كبير القدر يبلغ إقطاعه نحو ثلاثين ألف دينار، فوقع بينه وبين الوزير رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن المسلمة وزير القائم بأمر الله العبّاسيّ في سنة سبع وأربعين وأربعمائة وعانده إلى أن أخرجه من بغداد، فقصد ديار بكر، وكاتب المستنصر، وهو بأعمال حلب يرغب في الخدمة ويعرض نفسه ويستأذن في الوصول إلى الحضرة، وأنّه في ثلاثمائة غلام، فأخذ الوزير الكتاب وقبله أحسن قبول، واستشار أهل الدولة في الإذن له، وكلّهم أشار بذلك وأنّ في قدومه ما يوجب مجيء غيره طمعا فيما ناله من الكرامة، وفيه زيادة في عدد رجال الدولة. فلم يوافق على مجيئه وقال: هذا الرجل قد كان إقطاعه بالعراق ما يزيد على ثلاثين ألف دينار، ومعه أولاد مولاه الملك أبي طاهر ابن كاليجار وغيرهم من أولاد الملوك، وأجلّهم إقطاعه ألف ومائتا دينار، فإن اقتصر به على مثل ما لهم من الواجب لم يرض، وإن زيد عليه كان قبيحا. وأيضا فإنّا لا نطيق من عندنا اليوم من الأتراك، فكيف إذا انضاف إليهم مثل هذه العدّة؟ والصواب أن يبقى بحيث هو، ونحسن إليه ونقيمه لمناصبة أعداء الدولة. فإن نهض بذلك كان النفع للدولة والاسم لها، وإن قصر عنه كان ذلك برأسه.

стр. 1146

[تلطّفه في صرف خطر السلاجقة عن الشام ومصر] واتّفق وصول طغرلبك السلجوقي من خراسان بالغزّ إلى بغداد في هذه السنة، وللوزير بها أعين. فكتبوا إليه بوصوله وأنّه مزمع على المسير من بغداد إلى بلاد الشام ليملكه كما ملك بغداد. فقلق من ذلك لعظم أمر طغرلبك، وأنّه دوّخ الممالك وقتل الملوك واحتوى عليها وانتشر صيته وكبر في نفوس الملوك شأنه ولم يبق له معاند يخافه. فرأى أنّ الحيلة أبلغ من الاستعداد له في دفعه عن البلاد، لكثرة ما معه من العساكر، وكتب إليه يهنّئه بقدومه إلى العراق ويبذل له من الخدمة ما يوفي على أمله، وأنّ أرض مصر كلّها بحكمه (١)، وأنّه وإن كان مستخدما لدولة ويدعو إليها، فإنّه يعلم كثرة الاختلاف ممّن يجاورها في نسبها واتّفاق الكلمة ووقوع الإجماع على الرضى بالخليفة الصحيح النسب الصريح الحسب الهاشميّ العبّاسيّ، وأنّه لا يمتنع من الإقرار له بذلك- وأعطاه صفقة يده على مبايعته وتسليم الدولة إليه، وأنّه قد اتّصل به إزماع حضرته على التوجّه إلى الشام، وأنّه أشفق من تسليمها إليه أن تطأها عساكره مع كثرتها وتجمّعها فتخربها وتعفي آثارها. [فإن رأى إعفاءها] من وطء العساكر لها ووصول ركابها إليها على وجه الفرجة والنظر إلى دمشق وحسنها، فلها عالي رأيها. فلمّا وقف طغرلبك على كتاب اليازوريّ قال: هذا كتاب رجل عاقل (٢)، يجب أن يعتمد ما أشار به- وأذن للعساكر في العود إلى بلادها. فمضى كلّ عسكر إلى وطنه، وقوّض خيامه وضربها على الجانب الغربيّ يريد الشام. فكتب عيون الوزير إليه بذلك، فقلق شديدا وكتب إلى طغرلبك: لا تغرّنّك الأماني والخدع بأن أسلّم إليك أعمال الدولة وأخون أمانتي لمن غذّاني فضله وغمرني إحسانه وتتعيّن عليّ طاعته وموالاته. فإن كنت تسلّم إليّ ما في يدك لصاحبك من بلاد العراق وأعمالها، سلّمت إليك ما في يدي لصاحبي. [و] الواجب أن تكون كلمة الإسلام مجموعة لابن بنت النبيّ، الذي هو أولى بمكانه من غيره. وإن رغبت إلى ما في الموادعة والمهادنة انتظمت الحال بين الدولتين وأمن الناس بينهما. فإن أبيت إلّا الخلاف ونزع بك الهوى إلى الظنون الفاسدة والأطماع الكاذبة، فليس لك عندي إلّا السيف، فإن شئت فأقم، وإن شئت فسر! فغاظ ذلك طغرلبك وقال: خدعني هذا الفلّاح وسخر منّي- وكتب إلى إبراهيم ينال أخيه: ردّ إليّ العسكر مسرعا! - فأنفذ إبراهيم ليردّهم فلم يرجع أحد منهم وقالوا: فينا من بينه وبين وطنه شهران وثلاثة وخمسة، وقد سرنا معه حتّى وطئ الأعمال وملك البلاد وفتح المدن واحتوى عليها وفاز [٣٦٤ ب] بما فيها، ولم نحصل منه إلّا على التعب والنصب والخيبة. وإذا كنّا لم نصب في طول سفرنا خيرا فما عسى أن نؤمّله إذا عدنا؟ - ومضوا. هذا وقد بثّ اليازوريّ عيونه وجواسيسه في عسكر طغرلبك واستفسد أعيانهم وألطفهم وأكثر أمانيهم ومواعيدهم، وتوصّل إلى زوجة طغرلبك، وإلى أبي نصر منصور الكندي وزيره، وإلى إبراهيم ينال أخيه وصاحب جيشه، فمالوا إليه وتقاعسوا عن طغرلبك. وما كفاه ذلك حتّى حمل الخاتون زوج طغرلبك على قتله، فقالت: أمّا بيدي فلا، ولكنّي أتحيّز عنه بغلماني، وهم حميّة عسكره- وكانت عدّتهم نحو اثني عشر ألفا-

стр. 1147

وفي اعتزالي بهم عنه ضعف لجانبه. واعتزلت عن طغرلبك بهم، وكان ذلك سبب الظفر به. ثمّ إنّ طغرلبك بعث في سنة خمسين وأربعمائة إلى سنجار ألفين وخمسمائة من الغزّ إلى البساسيري وظفر بها وقتل جميعها وأفلت منهم نحو المائتي فارس. فلم يقاتل بعدها رجال الدولة الفاطميّة، وعاد من بغداد، فقوي البساسيريّ وكثف جمعه. وقصد أعمال العراق يفتحها بلدا بلدا، والوزير [اليازوريّ] يمدّه بما يستعين به على ذلك من المال والرأي والتدبير، إلى أن وصل إلى بغداد وناصب القتال، وقسم عسكره فرقتين، فرقة تقاتل في النهار، وأخرى تقاتل من صلاة المغرب إلى الفجر، حتّى دخلها وأقبل يملك محالّها وشوارعها إلى أن وصل دار الخلافة وحصرها ونصب عليها القتال من كلّ جانب وفرّق النقّابين في جميع جهاتها (١). فلمّا أشرف على أخذها صعد القائم بأمر الله إلى أعلى الدار واستشرف على الناس وأقبل ينادي: يا أهل بغداد! - ويحضّهم على نصرته والدفاع عن حوزته، واستذمّ من قريش بن بدران (٢) وطلب منه الأمان، فأخذه ومنع منه البساسيريّ، وأسلمه الوزير ابن المسلمة (٣)، واستولى البساسيريّ على دار الخلافة بما فيها وكسر منبر الجامع، وقال: هذا منبر يعلن عليه ببغض آل محمّد- وأنشأ منبرا آخر وخطب عليه للمستنصر، ثمّ لفّ ابن المسلمة في جلد ثور وصلبه حتّى جفّ عليه فمات. وأقام الخطبة للمستنصر أربعين جمعة، والقائم معتقل في قلعة الحديثة عند مهارش (٤) نحو عشرة أشهر. وعزم اليازوريّ أن يحمل إلى مهارش عشرة آلاف دينار، ويستخلص الخليفة من يده ويحمله إلى القاهرة على حال جميلة، فإذا قرب منها تلقّاه بأهل الدولة أحسن لقاء وبالغ في إكرامه وأنزله في القصر الغربيّ وحمل إليه ما يناسبه وأقام له الراتب السّنيّ في كلّ يوم وجعل له مائة دينار في كلّ يوم وجعله يركب في موكب المستنصر بين يديه يحجبه. فإذا ركب بين يديه عدّة ركبات وانتشر في الأقطار خبر هذا الحال، خلع عليه وعقد له ألوية الولاية للعراق وكتب عهده بتقليده إيّاه وسيّره إليه وأعاده إلى مملكته وخلافته من قبله. فمنعه حادث القدر، الذي حلّ به قبل إدراك ما في نفسه. [تلطّفه في استرجاع حلب من المرداسيّ] وكانت حلب قد تغلّب عليها صالح بن مرداس من أمراء بني كلاب في أيّام الظاهر لإعزاز دين الله عليّ ابن الحاكم، وكثف أمره، إلى أن ولي أمير الجيوش أنوش تكين الدزبري دمشق وأعمال الشام فحاربه وقتله. فقام من بعده ابنه شبل الدولة أبو نصر فحاربه الدزبريّ وقتله أيضا، وملك حلب واستخلف عليها من غلمانه رضيّ الدولة منجوتكين فأقام بها عدّة سنين. فلمّا مات الدزبري تغلّب على حلب ثمال بن صالح بن مرداس في وزارة الجرجرائيّ، فكتب إليه بولايتها وقرّر عليه مالا يحمله في كلّ سنة. وتمادى الحال على ذلك إلى أيّام الوزير الناصر للدين أبي محمّد اليازوريّ، فلم يرض بذلك. وعلم أنّه لا يطيق صرفه، فرجع إلى عادته في إعمال الحيلة واستعمال الخديعة، وبعث إليه بقاضي مدينة صور، فساس الأمر مع

стр. 1148

ثمال وأحكم التدبير فيما قرّره معه، ووعده ومنّاه حتى نزل من قلعة حلب وسلّمها إلى وال من قبل المستنصر، وسار من حلب يريد القاهرة. فلمّا بلغ إلى رفح بلغه القبض على اليازوريّ فقال: والله [٣٦٥ أ] إنّي أموت بحسرة نظرة إلى من استلّني من ذلك الملك وأخرجني بلا رغبة ولا رهبة إلّا بحسن السياسة. ولو رام ذلك منّي قسرا لتعذّر عليه. [أمثلة من أريحيّته] وكان له من المآثر المرضيّة والخلال الحميدة والأفعال الجميلة (١) والأخلاق الرضيّة ما يتجمّل الملوك بذكرها: منها أنّه كانت له مائدة يحضرها كلّ قاض وفقيه وأديب جليل القدر، فيجتمع عليها قريبا من عشرين نسمة. حدّث القاضي عمدة الدولة ابن حميد قال: كنت أجلس على يساره، فإذا ازدحموا وكثر تضايقهم على المائدة، جذبني إليه حتى يكاد ينحرف عن مجلسه. فأذكر يوما ونحن مجتمعون، إذ استؤذن على الفقيه أبي عقبة، فأمر بدخوله، فلمّا دخل لم يجد موضعا فجذبني إليه بحيث صرت إذا مددت يدي إلى المائدة لا أرجعها إلى فمي إلّا بكلفة، خوفا أن أصيبه بها. فبينا أنا كذلك وقد مددت يدي ورجعتها، وهو قد مدّ يده فلم أمهل حتى ترجع فأصاب مرفقي جوخة (٢) صدره، فورد عليّ أمر عظيم من ذلك، وتأخّرت وقبّلت الأرض وقلت: قد بسّطنا إنعام سيّدنا إلى حيث لا نستحقّه، وأخرجنا إلى سوء الأدب. ولو أنعمت بنصب مائدة نجتمع عليها بحضرته لكان لنا في ذلك الشرف الأوفى والفخر الأسنى، ولم ننته إلى هذا الحدّ في سوء الأدب. فقال: وما الذي أوجب قولك هذا حتّى ذكرت ما ذكرت؟ ولقد نكدت بإيراده. فقلت: يا سيّدنا نسيء آدابنا فتغفر ونعترف بالخطإ فتنكره علينا، ونعتذر عن ذلك فتلومنا عليه، فما ندري بماذا نقابل إحسانك، ولا بأيّ لسان نشكر تفضّلك. فقال: وما الذي كان حتى نحتاج إلى كلّ هذا؟ - وأقبل يجذبني وأنا أتقبّض، حتى زاد تمكّني باجتذابه لي فوق ما كنت عليه أوّلا، وقرب كتفي من صدره، وهو منطلق الوجه ظاهر البشر. وكان قبل ذلك اليوم يسمع حديثنا على المائدة ولا يكاد يجيب لأنّه كان كثير الصمت قليل الكلام لا نسمع منه إلّا اللفظ القليل عن الكلام الكثير. فابتدأ ذلك اليوم يتحدّث بما يستطاب حتى يزيل عنّي ما اعتراني من الغمّ بما كان منّي. (قال: ) وأقمت معه خمس عشرة سنة قبل وزارته ملازما له في المبيت والصباح، فكنت أراعيه في حالاته كلّها ليلا ونهارا فلا أراه يتغيّر عليّ منها شيء، ولا يتبيّن لي منه غضب من رضى. فحدّثت أبي بذلك فقال: يا بنيّ، إنّي لم أكن لأؤثر سماع ذلك منك، فكيف سماع غيري له؟ فلا تحدّث به أحدا، وتلطّف في تأمّل ذلك منه إلى أن تقف عليه، فإنّك إذا حدّثت به نسبت إلى غلظ الطبع وثخانة الحسّ والبله. فأقبلت أدقّق التأمّل له في حالتي غضبه ورضاه، شهورا قبل أن يتبيّن لي: فكان إذا رضي تورّدت وجنتاه بحمرة. وإذا غضب اصفرّت محاجر عينيه. فعرّفت أبي بذلك، فقال: يا بنيّ، هذا غاية في سكون النفس وصحّة الطباع واعتدال المزاج. وكانت طبائعه قريبة من الاعتدال، فإذا أحسّ بميل طباعه عمّا يعهده، أخذ في إصلاحه حتّى تعود إلى الاستقامة.

стр. 1149

[حسن احتمائه في المأكل والمشرب] وحدّثت بعض من كان [ت] تقوم بخدمته من النساء، قالت: كنت أتولّى صلاح ما يشربه من الدواء في كلّ يوم، وكان لا يعطّل شربه يوما واحدا. وذلك أنّه كان يشرب السكنجبين والورد أسبوعا، ثمّ يريح نفسه ثلاثة أيّام، ثمّ يشرب النّقوع المغلّى في الشتاء، والمنجّم في الصيف، أسبوعا لكل منهما. ويشرب ماء البزور أسبوعا، ويشرب ماء الجبن ثلاثة أيّام، ويشرب ماء البقل أسبوعا، ثمّ يشرب الراوند (١) المنقوع كذلك، ويريح نفسه بين كلّ دواءين ثلاثة أيّام، ولا يخلّ بذلك في صيف ولا شتاء. وكان نديّ الوجه كثير الحياء لا يكاد يرفع طرفه إلّا لضرورة. ولم يسمع منه قطّ في سؤال لفظة «لا» بل كان إذا سئل فيما يرى إجابة سؤاله إليه يقول «نعم» بإخفاض من طرفه وخفوت من صوته. فإذا سئل فيما لا يرى الإجابة إليه يطرق ولا يرفع بصره. وعرف هذا منه، وكان لا يراجع فيه إلّا بعد مدّة. وكان كلّ من يحضر مائدته يستدعي منه الحضور بين يديه ليلا ليسمروا عنده. وكان فيهم من يشرب المسكر، فإذا حضروا عرف [٣٦٥ ب] كلّ منهم مجلسه الذي تقرّر له. وكان كلّ من لا يشرب النبيذ يجلس عن يمينه، ومن يستعمله يجلس عن يساره، وتوضع بين يدي كلّ منهم الفواكه الرطبة واليابسة، ويتفرّد من لا يشرب بحلاوة توضع بين يديه، ومن يشرب يعمل بين يديه ما يستعمله، وستارة الغناء مضروبة. فيجلسون بين يديه، وهو مشغول يوقّع، وهم يتحدّثون همسا وإشارة، إلى أن ينقضي أربه من التواقيع، فيسند ظهره وينشّطهم للحديث فيتحدّثون. ويقول لمن عن يمينه: قد تجدّد اليوم كذا وكذا، فما عندكم فيه؟ فيقولون: سعادة حضرة سيّدنا تمهّد له صواب الآراء، وقد خصّها الله تعالى من ذلك بما لا تهتدي عبيدها إليه. [لجوءه الدائم إلى المشورة] فيقول: بل يقول كلّ منكم ما عنده في ذلك، ولا يقوم في نفس واحد منكم أنّ ما رآه خطأ فيمسك عن ذكره، فربّما كان الصواب مقرونا بذلك الرأي وهو ضالّة (٢) من لم تجر عادته بإنعام الفكرة فيه. فيصقع (٣) أحدهم ويقول: الذي يراه العبد على وجه الخدمة كذا وكذا. فلا يزال يسمع من واحد واحد حتى يستكمل الجماعة، ثمّ يعطف على شماله فيقول: قولوا! فيفعلون كفعل الأوّلين، وهو يسمع ولا يردّ على أحد شيئا، فلا يصوّب المصيب ولا يخطّئ المخطئ، ويبيت يضرب الآراء بعضها ببعض حتى يتمحّض له الصواب، ويصبح يرمي فلا يخطئ. وهكذا كانت أفعاله طول مدّته، لم يستبدّ قطّ برأيه ولا أنف من المشورة، بل يقول: المستبدّ برأيه واقف على مداحض الزلل، وفي الاستشارة حلّ عقول الرجال. وبهذا العقل تمّ له ما كان يدبّره حتى أثّر في

стр. 1150

جميع ما رامه من أطراف الدنيا آثارا بقي ذكرها دهرا طويلا. [حسن تدبيره لمداخيل الدولة] وأراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة وما عليها من النفقات ليقايس بينهما. فتقدّم إلى أصحاب الدواوين بأن يعمل كلّ منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه، وما عليه من النفقات. فعمل ذلك، وتسلّمه متولّي ديوان المجلس وهو زمام الدّواوين، فنظّم عليه عملا جامعا واختصره أيّام [دولته] فجاء ارتفاع الدولة ألفي ألف دينار، منها: الشام: ألف ألف دينار، ونفقاته بإزاء ارتفاعه. ومنها: الريف وباقي الدولة: ألف ألف دينار، يقف منها عن مغلول وينكسر عن موتى وهراب ومفقود أبواب: مائتا ألف دينار. وتبقى ثمانمائة ألف دينار، ينصرف منها للرجال عن واجباتهم وكساويهم ثلاثمائة ألف دينار. وعن ثمن الغلّة للقصور: مائة ألف دينار. وعن نفقات القصور: مائتا ألف دينار، وعن عمائر، وما يقام للضيوف الواصلين، من الملوك وغيرهم، مائة ألف دينار. ويبقى بعد ذلك مائتا ألف دينار حاصلة يحملها كلّ سنة إلى بيت المال المصون. فحظي بذلك عند الخليفة، وتمكّن منه، وارتفع قدره عنده. وكانت الدولة طول نظره في عرس، لتوالي الفتوحات في أيّامه وعمارة الأعمال بحسن تدبيره واستخدام الكفاة فيها بجودة اختياره. [بوادر النكبة] وكان المستنصر يحضر عنده في كلّ يوم ثلاثاء من كلّ جمعة ويبيت عنده في لذّة ومسرّة، فيحضر إليه من التحف والطرف والغرائب ما لا يكاد يقدر عليه غيره. فاستمرّ على ذلك ثماني سنين، فكثر الحاسد له على ما يتأتّى له من السعادة وتعينه عليه الأقدار. واستطال حسّاده مدّته فابتغوا له الغوائل ونصبوا له الحبائل، وركّبوا عليه المناصب حتى كان هلاكه بأقلّ الناس قدرا وأحقرهم، وأدناهم منزلة وأضعفهم قدرة، وهم من أطراف الخدّام، ليبيّن الله آياته للناس ليعلموا أنّ الله على كلّ شيء قدير: وذلك أنّ اثنين من أطراف المستخدمين، أحدهما خادم يعرف بفرج المغراويّ (١) كان في حاشيته، والآخر خازن في بيت المال يتولّى خزانة الفرش يعرف بتنا، تمحّلوا له الأباطيل ونمّقوا الأحاديث وزخرفوا القول وحكوا أنّه نقل الأموال إلى الشام في التوابيت وفي شمع سبكه، وأنفذه إلى القدس وإلى الخليل، وأنّه قد عوّل على الهرب إلى بغداد. فصدّق ذلك وقبض عليه بغير ذنب إلّا الملل والحسد الذي جرت عادة الملوك به. وإنّ مللهم بغير علّة وحسدهم على تظافر من ينعمون عليه بما يصير في يديه ليتجمّل به، فيكون [٣٦٦ أ] ذلك سبب حسدهم ومللهم. [ضيافة ابن اليازوريّ للخليفة المستنصر ... ] واتّفق أنّ المستنصر التمس من صفيّ الملك ولد الوزير عمل دعوة يدعوه إليها، فدافعه عن ذلك، استعظاما عنده. فأقام مدّة حتّى بعثه والده الوزير الناصر للدين على تكلّف عملها. فاهتمّ لذلك وصنع ما يليق إعداده. وتقرّر الحال على يوم، فلمّا تهيّأ ذلك، حضر صفيّ الملك إلى أبيه وأعلمه بإنجاز ما يحتاج إليه، فصار معه إلى الدار بخواصّه فرأى ما تقصر عنه كلّ صفة: من ذلك أنّه فرش مجلسين بديباج بياض كلّه وفيه جامات كبار حمر بنقوش كأجل من الأعدال (٢)، وفي كلّ مجلس ثلاث مراتب وبساط ملء المجلس،

стр. 1151

وسرادقين- يعني: ستارتين- وحجلتين للصدر- يعني شخانتين (١) - وكلّ مرتبة ثماني قطع، ثمن ذلك خمسة آلاف دينار. فأقبل كلّ [من] حضر يبالغ في صفته، إلّا ابن حميد فإنّه صار ساكتا، فلحظه الوزير. وطاف المجالس وا [ست] عرض كلّ ما أعدّه، وهو يقول: يزاد ههنا كذا، ويترك هنا كذا- ثمّ عدل إلى بيت الطهارة فدخله، وقد أعدّ في دهليزه من الفرش والآلات والطيب، وفي داخله من الفواكه والمشمومات كلّ مستحسن. واستدعى ابن حميد منفردا، وجلس في دهليزه وقال: يا عمدة الملوك، ما لي لم أسمعك تؤمّن على ما قالته الجماعة؟ فاعتلّ بما لم يقبله الوزير، وألزمه أن يصدقه فقال: يا سيّدنا، عندي أحد رأيين: إمّا أن تأمر بإزالة هذه الفرش ونصب غيرها ممّا هو مستعمل، أوتحمله إلى الخليفة إذا انقضى جلوسه عليه. فقال: وما هو هذا؟ أليس هو ممّا أنعم به وصار إليّ من فضله؟ وما قدره حتى تمتدّ عينه وتتطلّع نفسه له؟ أمّا إزالته ونصب غيره، فما كنت لأكسر نفس هذا الصبيّ، وإن أمرت بإزالته حزن وانكسرت نفسه، وقام. [ ... كانت سببا لتنكّر الخليفة على اليازوريّ] فحضر المستنصر وأقام يومه في الدار، وأحضر إليه ما [أ] عدّ له من الطّرف. وركب آخر النهار وعاد إلى قصره. وحضر خواصّ الوزير عنده على عادتهم، فانفرد بابن حميد وقال له: يا عمدة الدولة، والله ما أخطأ حزرك فيما قلته بالأمس: منذ دخل الخليفة إلى الدار إلى أن خرج لم يطرف طرفة عن تأمّل الفرش، فإذا وجّهت طرفي نحوه أطرق وتشاغل. فقال: يا سيّدي، إذا فات الأمر الأوّل، فلا يفوت الثاني. فقال: والله لا فعلت، ولا غممت صفيّ الملك بحرمانه إيّاه! واتّفق أنّ ابن حميد دخل على الوزير في يوم بكرة، وقد قدّمت الدابّة إلى باب المجلس، فخرج ليركب، وعليه ثوب أسمر اللون مليح السمرة، فدنا منه ليصلح ثيابه لمّا ركب، وجعل يلمس الثوب. فسار الوزير وعاد فلمّا انقضت المائدة، قال لابن حميد: قد لحظتك اليوم تنظر الثوب الذي كان عليّ، فعجبت من ذلك. فلمّا مثلت بحضرة مولانا كنت بحيث جرت العادة. فأقبل يتأمّل الثوب، ولم يزل يزحف من الدّست حتّى قرب منّي. فتغافلت عنه، ولحظته وقد مدّ يده إلى الثوب ليلمسه، فقلت في نفسي: زال عجبي من عمدة الدولة إذا كان الخليفة على هذه الصفة، وهو ثوب ملحم (٢) خراسانيّ. فقال: الملوك إذا أنعموا على أحد ممّن في دولتهم نعمة وتظاهر بها، استحال الإحسان والاصطناع حسدا ومللا. [خصاله الحميدة] وكان الوزير شريف الأخلاق، عالي الهمّة، كريم الطّباع، وطيء الأكناف، مستحكم الحلم (٣)، واسع الصدر، نديّ الوجه، يستقلّ الكثير ويستصغر كلّ كبير. فكان راتب مائدته في كلّ يوم كموائد الملوك في الأعياد والولائم.

стр. 1152

وكان لا يبتاع لمطبخه من الطير ما هو معرّق، ولا مصدّر (١)، وسعر المعرّق ستّة أطيار بدينار، والمصدّر أربعة بدينار، والمسمّن ثلاثة بدينار، والفائق اثنان بدينار، فيعمل المسمّن لداره ومن فيها، وأمّا مائدته فلا يقدّم عليها إلّا الفائق. فاتّفق حدوث الغلاء في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وصار الخبز طرفة من الطّرف لقلّته وغلاء السعر من قصور (٢) النيل، والمستنصر يحضر دار الوزير في كلّ يوم ثلاثاء على عادته، وتقدّم إليه المائدة، فيراعي حالها فيجدها على ما يعهد، لم يختلّ منها شيء، حتّى الدجاج الفائق. فقال لصاحب مطبخه: ويلك! يكون راتب مائدة الوزير الدجاج [٣٦٦ ب] الفائق، ومائدتي دون ذلك؟ فقال: يا مولانا، ما ذنبي إذا قصّر بك أصحاب دواوينك ومطابخك ولم [يطلقوا لمائدتك ما ألتمسه منهم؟ والوزير، فلا يتجاسر وكلاؤه أن] (٣) يقصّروا في شيء ممّا جرت به العادة في راتب مائدته وغيرها، مع تقدّمه إليهم في كلّ يوم بالزيادة فيها وفي راتب داره. وكان الوزير أيضا إذا أعطى هنّأ، وإذا أنعم على إنسان أسبغ، وإذا اصطنع أحدا رفعه إلى ما تقصر عنه الآمال والأماني، مع عظيم الصدقة وجزيل البرّ الذي عمّ به أهل البيوتات بما أقامه لهم من المشاهرات على مقاديرهم، والأشراف سكّان المنامة (٤)، والفقراء وأهل الستر بالقرافة بما يواصلهم به من البرّ والكسى، ويجري ذلك على يد ابن عصفور أحد الشهود بمصر ووكيل السيّدة الوالدة. فكانوا يظنّون أنّ ذلك من إنعامها وبرّها أو من إنعام المستنصر. فلمّا قتل الوزير انقطع عنهم ما كان يصل إليهم من برّه، فاستنصروا بذلك [الوكيل] وواصلوا الخطاب فيه وقالوا: قد جفينا من مولانا ومولاتنا وانقطع برّهما عنّا، فلو أذكرتهما بنا؟ - وأكثروا من ذلك على ابن عصفور. فقال لهم: الذي كنتم ترون ما كان ليجيئكم حتى يبعث الله ناصر دين آخر! فحينئذ يأتيكم منه ما كان يصلكم به. فقالوا: نحن التمسنا من مولانا ومولاتنا، ولم نلتمس من ناصر الدين؟ فقال: ما كان يجيئكم ذلك إلّا من الوزير، فإن بعثه الله لكم فعساه يبرّكم بما كان يبرّكم به. فعجبوا من ذلك وأكثروا من الترحّم عليه. ولمّا تظافر الغلامان (٥) على الوزير حتّى تمّ من القبض عليه ما تمّ، لم يشعر مستهلّ المحرّم سنة خمسين وأربعمائة إلّا وقد قبض عليه. فكتب رقعة إلى أبي الفرج البابليّ، لموضع تقدمته له، وبما أحسن به إليه وأنعم عليه، وأنّه هو الذي رفعه على جميع أصحاب الدواوين، واستخلصه دونهم. وظنّ أنّه يجازيه على ما صنع إليه، ويفي به. فخاب ظنّه، ونصّ الرقعة بعد البسملة: عرفنا يا أبا الفرج، أطال الله بقاءك وأدام عزّك، تغيّر الرأي فينا، وسوء النيّة والطويّة. فإن يكن هذا الأمر صائرا إليك، فاحفظ الصّحبة وارع واجب الحرمة. وإن يكن صائرا إلى غيرك فابتغ لنفسك نفقا في الأرض. على أنّا نشير عليك إذا دعيت إليه ألّا تتأبّى عنه، فإنّه أصلح لك وأعود علينا، والسلام.

стр. 1153

[تنكّر البابلي له بعد إحسانه إليه] فدعي البابليّ واستقرّ في الوزارة بعد اليازوريّ، فتجرّد لمقابلة إحسان مصطنعه بكلّ قبيح، وذكره في مجالسه بما لا يستحقّه منه. وكانت هذه الرقعة أعظم ذنوبه عنده، فكان يقول: يخاطبني وهو على شفير القبر بنون العظمة! - ولا يذكره إلّا بالسفيلة والسقائط (١). ولم يقنعه كونه في الاعتقال بمصر حتّى نفاه إلى تنيس في صفر، هو وأولاده ونساؤه وحاشيته، فاعتقلوا بها. وشرع في التدبير على قتله خوفا من الرضى عنه. فحدّث عظيم الدولة متولّي السّتر قال: كنت في جملة الصقالبة الموكّلين على الناصر [اليازوريّ] ثمّ على البابليّ بعده. فكنت أرى من رئاسة الناصر- على شبيبته- ورجاحته، وسكون جأشه، ومن طيش البابليّ وخفّته ونقصه، ما أعجب منه. وهو أنّي لمّا كنت موكّلا بالناصر، كنت أراه ملازما بالعتبة باب المجلس في القاعة لا يتغيّر مكانه. وكان البابليّ يتعلّى عليه ويراسله بما يمضّ (٢) ويوصينا إذا مضينا إلى [اليازوريّ] بالجلب على فتح الباب والإكثار من قلقلته عند الفتح، لنرعبه بذلك، فو الله ما يكترث إليه ولا ينزعج. وإذا دخل إليه تذكار متولّي الستر يكون جلوسه منه في الاعتقال كجلوسه منه في وقت وزارته، ويخاطبه بما يرضى به فيجيبه عنه بسكون وهدوء كأنّه في الدست جالسا. فأذكر، وقد دخل إليه يوما فجلس ونحن وقوف بين أيديهما أكثر من ثلاثين صقلبيّا، فأدّى إليه ما أوصاه البابليّ به، وأجابه عنه. فنهض ولبس نعله وقال له: يا سيّدي، صرفتني عن الستر بغير ذنب ثمّ أعدتني إليه بغير مسألة. فما كان مغناك (٣) في ذلك؟ فرفع طرفه إليه كأنّه والله يخاطبه من دست الوزارة، وقال له: كان صرفك في الأوّل برأيي واختياري. ثمّ أعدتك كذلك برأيي لما عرفته من ميل مولانا إلى استخدامك. فخرج تذكار وهو يقول: انظروا إلى هذا الرجل في سكون جأشه وقلّة احتفاله في الجواب [٣٦٧ أ] مع حاجته إليّ في مثل هذا الوقت الذي تحقّق قدرتي على الإحسان إليه فيه وعلى الإساءة. فو الله ما خاطبته إلّا وأنا أظنّ أنّه سيجيء بما يمهّد عندي عذره فيه، فلم يكن منه غير ما سمعتموه. وو الله ما أجد سبيلا إلى مقابلته بغير الجميل، لما كنت أشاهد من أفعاله وجميل سيرته. وكان أكثر وقته صائما، ولا يكاد يفطر إلّا أقلّه. ذاك، وهو كثير التلاوة، ولا يسأل عن شيء من طعام ولا شراب. وكنت من حاله عجبا. كان في حال وزارته كثير الصّمت، مواصل الإطراق، شديد سكون النفس، هادئ الطبائع. فكنّا نحمل ذلك منه على التيه والصّلف والإعجاب وقلّة احتفاله بالناس. فلمّا صار في حالة القبض والخوف كانت حاله على مثل ما كنّا نشاهده منه ونتّهمه فيه. [مكيدة البابلي لقتل اليازوريّ] وأخذ البابليّ كلّما حضر بين يدي المستنصر يكثر التثريب على اليازوريّ، إلى أن كان اليوم الذي شغبت عليه الأتراك ووطئوا درّاعته، فإنّه لمّا دخل على المستنصر قال: يا أمير المؤمنين، إنّه لا ينفذ لك أمر، ولا يتمّ لي نظر، وهذا الكليب في قيد الحياة. فقال: ومن هو هذا الكليب؟

стр. 1154

فقال: الحسن بن عليّ بن عبد الرحمن اليازوريّ. فقال: أيّها الوزير، اعلم أنّي لم أصرف اليازوريّ عن خدمتنا ولنا في إعادته رغبة. فطب نفسا ودع ذكره، فأنت آمن ممّا تخافه من جهته. فقال: والله إنّ هذا لعجب فيمن حسن متابك، يا أمير المؤمنين، عنه، مع قبيح فعله وما همّ به من قتلك، حتّى إنّ السقية (١) أقامت تدور في قصرك أسبوعا كاملا. [فقال: أيّها الوزير، أقامت السقيّة تدور عليّ في قصري أسبوعا كاملا؟ ] (٢). قال: نعم. فأطرق متعجّبا وبقي متفكّرا وأمسك. فظنّ البابليّ بإمساك الخليفة أنّه راض بما يفعله مع اليازوريّ، وخرج، واستدعى طاهرا كاتب السرّ وسيّره لقتله. فنمى الخبر إلى أمّ المستنصر فأنكرته، ودخلت على المستنصر وقالت: أنت يا مولانا أمرت البابليّ بقتل اليازوريّ؟ فقال: لا. قالت: قد سيّر طاهر [ا] ابن غلام رشيد لقتله. فاستدعى المستنصر سعيد السعداء (٣) وأنفذه إلى البابليّ، وقال: قل له: لم نأمرك بقتله، فأنفذ من يعيد طاهرا ويمنعه من النفوذ. فألفاه سعيد السعداء في الحمّام، فاعتذر إليه. فقال: لا بدّ من الدخول إليك! - ودخل وأدّى الرسالة إليه. فقال: نعم، هوذا أخرج وأسيّر من يعيده. وطوّل في الحمّام، ثمّ خرج، فإلى أن يكتب الكتاب ويسيّر النجّاب، جدّ طاهر في السير ووصل قبله إلى تنيس، فلم يدخل النجّاب حتّى نفّذ الحكم فياليازوريّ. وذلك أنّ طاهرا لمّا وصل دفع كتاب البابليّ إلى الأمير جمال الدولة صبح والي تنيس، وفيه: أنّا قد سيّرنا طاهرا فيما أنت تقف عليه من جهته، فتثبّت منه فيه وتحضر معه لإنجازه وتحذر من تأخيره من اليوم إلى غد (٤). فقال: وما الذي وصلت فيه؟ فأخرج تذكرة بخطّ البابليّ وفيها: إذا وصلت يا طاهر أعزّك الله، إلى تنيس، وقد شقيت ولهثت من العطش، فلا تبلّ ريقك بقطرة دون أن تحضر حسن بن عليّ بن عبد الرحمن اليازوريّ إلى دار الخدمة وتمضي حكم السيف فيه. فقد كتبنا إلى الأمير جمال الدولة بمعونتك على ما نستدعيه من ذلك، فقدّمه ولا تؤخّره إن شاء الله. فقال له الوالي: أنت خليفة صاحب السّتر، ومرسل من جهة السلطان، والأمر الذي وصلت فيه ممتثل. فأمض الحكم فيه. فقال: بحضورك. قال: وما معنى حضوري إذا بلغت غرضك فيما وصلت فيه؟ فقال: لا بدّ من حضورك! [قتل اليازوريّ في سجن تنيس] وأنفذ من أحضر اليازوريّ من الدار التي اعتقل بها. فلمّا حضر أجلس على مصطبة باب الدهليز، وطاهر على مقابلته في مصطبة، والصقالبة

стр. 1155

والسعديّة خدّام الستر وقوف، والسيّاف قائم. وقال طاهر: يا حسن، يقول لك مولانا: أين أموالي؟ فلم يجبه ولم يرفع طرفه إليه، فقال له: لك أخاطب يا حسن بن عليّ بن عبد الرحمن. يقول لك أمير المؤمنين: أين أموالي؟ فلم يجبه ورفع طرفه ونظر إلى طاهر وإلى الجماعة القيام، وقال لطاهر: يا كلب، تجيء وهذا معك- وأشار إلى حيدرة السيّاف- وتسألني بعد ذلك؟ ولكن قل له: يا مولانا، قبض عليّ [٣٦٧ ب] وأنا آمن على نفسي. فإن كان عندي مال، فقد وجدته في داري. وكتب داعيك وثقتك المؤيّد (١) في الدين في القمطرة الفلانيّة تشهد بذكر مالك أين هو. فأشار طاهر إلى الذين معه فأخذوا اليازوريّ وضربت عنقه في الحال. وسار لوقته عائدا، ومعه رأس اليازوريّ، إلى القاهرة. فبلغ ذلك المستنصر فاغتمّ لقتله، وحقد على البابليّ حتى صرفه. وكان قتله في ليلة [ ... ] الثاني والعشرين من صفر سنة خمسين وأربعمائة. وألقيت جثّته على مزبلة إلى أن ورد أمر المستنصر بعد ثلاثة أيّام بتكفينه وتجهيزه والصلاة عليه. فغسّل في مسجد وحنّط بحنوط كثير وكافور، وحمل بين العشاءين ومعه المشاعل ودفن. ثمّ حضر صقلبيّ بعد ذلك ومعه الرأس فدفنت معه في القبر. ولم يتمكّن أحد في الدولة المصريّة بعد الوزير يعقوب بن كلّس تمكّن اليازوريّ. وحكي أنّه حجّ في صباه، فلمّا زار قبر رسول الله ﷺ نام في الحجرة النبويّة، فسقط عليه شيء من الخلوق الملطّخ بحائط الحجرة. فأتاه بعض خدّام الحجرة وأيقظه وقال له: أيّها الرجل، إنّك ستلي ولاية عظيمة، وقد بشّرتك، ولي منك الحباء والكرامة. فصار إلى ما صار حتّى إنّه سأل المستنصر بالله أن يكتب اسمه على سكّة الذهب والفضّة، فأذن له في ذلك. وطبعت باسمه نحو شهر ثمّ بطلت. وأمر المستنصر إلّا يسطّر هذا في السير. وكانت صفة سكّته [السريع]: ضربت في دولة آل الهدى ... من آل طه وآل ياسين مستنصر بالله جلّ اسمه ... وعبده الناصر للدين في سنة كذا. ومن طريف التخلّصات في المكاتبة ما وقع له، وهو أنّ العالي بالله إدريس بن المعتلي بالله يحيى بن الناصر علي بن حمّود بن ميمون بن حمّود بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب صاحب الأندلس كتب إلى المستنصر بالله من مدينة مالقة مكاتبة فيها: «من أمير المؤمنين العالي بالله إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله». فعيب عليه بمصر قلّة تصوّره ومعرفته بأنّه لا يجوز أن يكون أمير المؤمنين في زمان واحد إلّا واحدا. ثمّ ألجأت الضرورة إلى مكاتبته بنحو ما كتب، وكان اليازوريّ إذ ذاك في الوزارة وتدبير أمور مصر. فقال: أنا أخلّص لكم هذه القضيّة وأعلّقها بمعنى دقيق لا يبين للمكاتب

стр. 1156

- وكان صاحب حيل- فكتب إليه: من أمير المؤمنين المستنصر بالله معدّ إلى العالي بالله أمير المؤمنين بمالقة (١). ١١٨٩ - ابن أبي جرادة الحلبيّ [٤٨٨ - ٥٥١] (٢) حسن بن عليّ بن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة، المعروف بالقاضي أبي عبد الله وأبي عليّ، ابن أبي المجد، الملقّب ثقة الملك ابن أبي جرادة، الحلبيّ، العقيليّ. ولد بحلب في سنة ثمان وثمانين- وقيل: في سنة اثنتين، وقيل: في سنة ثلاث، وتسعين- وأربعمائة. وقدم إلى القاهرة في خلافة الحافظ لدين الله ووزارة العادل علي بن السلّار، وأقام بها، ومدح الصالح ابن رزّيك. ومات بالقاهرة في جمادى الأولى- وقيل: جمادى الآخرة- سنة إحدى وخمسين وخمسمائة (٣)، ودفن بظاهر القاهرة في موضع يعرف بعين الغزال شماليّ قلعة القاهرة في مقابر بني سناء الملك. وهو من بيت كبير بحلب، وكان له فضل غزير وأدب كثير وتقدّم عند ملوك العصر. وكتب الخطّ المليح فبلغ غاية الجودة. ورفع الصالح ابن رزّيك قدره فكبرت منزلته. وصار له من بعده نسل بمصر. ومن شعره [السريع]: أحبابنا، هل وقفة باللوى ... تسعف مشتاقا بمشتاق؟ وهل نداوى من كلوم النوى ... بلفّ أعناق بأعناق؟ وما زلت من بينكم مشفقا ... لو أنّه ينفع إشفاقي وجدي بكم نقد وميعادكم ... منكسر في جملة الباقي وقال [البسيط]: يا صاحبيّ أطيلا في مؤانستي ... وذاكراني بخلّان وعشّاق وحدّثاني حديث الخيف إنّ به ... روحا لقلبي وتسهيلا لآماقي (٤) ما ضرّ ريح الصبا لو قاسمت حرقي ... واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي داء تقادم عندي، من يعالجه ... ونفثة بلغت منّي، من الراقي؟ يفنى الزمان وآمالي مصرّمة ... ومن أحبّ على مطل وإملاق وا ضيعة العمر! لا الماضي انتفعت به ... ولا حصلت على شيء من الباقي وقال [الكامل]: قالوا: تركت الشعر؟ قلت لهم ... فيه اثنتان يعافها حسبي أمّا المديح فجلّه كذب ... والهجو شيء ليس يحسن بي ١١٩٠ - ابن وكيع التنّيسيّ [- ٣٩٣] (٥) الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف

стр. 1157

ابن حيّان بن صدقة بن زياد، أبو محمد، المعروف بابن وكيع، التنيسيّ، الشاعر المشهور. أصله من بغداد. ومولده بمدينة تنيس في [ ... ] كان سمسمارا بتنيس، وكان متأدّبا ظريفا. قال فيه أبو منصور الثعالبيّ: شاعر بارع، وعالم جامع، قد برع في أهل زمانه، فلم يتقدّمه أحد في أوانه، وله كلّ بديعة تسحر الأوهام وتستعبد الأفهام. وذكر الأمير المختار المسبّحي وفاته بتنّيس في ثالث عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وقال في حقّه: كان شاعرا مطبوعا حلو الألفاظ. وله ديوان شعر جيّد. وله كتاب بيّن فيه سرقات أبي الطيّب أحمد بن الحسين المتنبيّ سمّاه «المنصف». وكان في لسانه عجمة، ويقال له «العاطس». وذكره عبد الرحيم (١) في كتاب «أخبار الشعراء» [قال: ] قال أبو الحسن علي بن منصور الحلبيّ: سألني ابن وكيع أن أخرج معه إلى تونة (٢) لنشرب. فخرجنا، واستصحب مغنّيا، وألقى عليه أن لا يغنّي إلّا بشعره، فغنّى [المجتثّ]: لو كان كلّ عليل ... يزداد مثلك حسنا لكان كلّ صحيح ... يودّ لو كان مضنى يا أكمل الناس حسنا ... صل أكمل الناس حزنا غنيت عنّي، وما لي ... وجه به عنك أغنى وكان قد عمل سرقات المتنبّي وحاف عليه (٣). وعذلته في ذلك، فلم يرجع عن إغراقه. فقلت: هل تثقل عليك الموافقة؟ فقال: لا. قلت: أبياتك مأخوذة، الأوّل من واحد، والثاني من آخر. فالأوّل من قوله [الوافر]: فلو كان المريض يزيد حسنا ... كما تزداد أنت على السقام لما عيد المريض إذن وعدّت ... شكايته من النعم العظام (٤) والثاني من قول رؤبة [الرجز]: مسلم ما أنساك ما حييت ... لو أشرب السلوان ما سليت (٥) ما بي غنى عنك وإن غنيت فقال: والله ما سمعت بهذا! فقلت: إذا كان الأمر على هذا فاعذر بمثله المتنبيّ! وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب في حلى المغرب»: من أئمّة علماء الأدب المشهورين. أصله من فارس، وكثيرا ما يفتخر في شعره بالأكاسرة. ويتشوّق إلى بغداد. وشعره في المدح قليل، وكان يقيّم الثياب التنّيسيّة ويبيعها على يده وينادي في سوق البزّ. وكثيرا ما يكثر ذكر قناعته بذلك عن بذل وجهه في شعره. وله كتاب «المنصف» على ديوان المتنبيّ (٦)، وسمّاه الأدباء

стр. 1158

«الجائر» لكثرة ميله عليه. وله في طبقات المرقص والمطرب محاسن كثيرة. ومدح المعزّ الفاطميّ والقائد [٣٦٨ ب] جوهر. وأورد كلّ من ذكرنا له عدّة مقاطيع وقصائد. وكان في كلامه حكلة (١) - أي عجمة لا تبين الكلام. ومن شعره [السريع]: حاسبني الدهر على ما مضى ... بدّل فرحاتي بترحاتي فليته جازى بما نلته ... لكنّه أضعف مرّات وقوله [السريع]: إن سرّك الدهر فلا تستطل ... ولا تهن في نوب الدهر فقبح عجب المرء عند الغنى ... كقبح ذلّ المرء في الفقر وقوله [المجتثّ]: إن كان في الناس خير ... فالشرّ في الناس أعظم في خلطة الناس أنس ... وبعدهم لك أسلم فاحذرهم وتحرّز ... منهم لعلّك تسلم وقوله [الكامل]: إن كان قد بعد اللقاء فودّنا ... باق ونحن على النوى أحباب كم قاطع للوصل يؤمن ودّه ... ومواصل بودا [د] هـ يرتاب وقوله [المخلّع]: أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا يراه (٢) فقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه قل لي: إلى من عدلت عنه؟ ... فليس أهل الهوى سواه! فظلّ من حيث ليس يدري ... يأمر بالحبّ من نهاه ١١٩١ - ابن شنار الغزّيّ [٧٠٦ - ٧٥٣] (٣) الحسن بن عليّ بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار- بفتح الشين المعجمة ثمّ نون بعدها ألف وراء- بدر الدين، الغزّي. ولد بغزّة سنة ستّ وسبعمائة. وكتب المنسوب (٤)، وقال الشعر الجيّد الجزل الألفاظ المتين التركيب. وكان سريع البديهة، حسن الرويّة، له غوص على المعاني. وعارض ابن شهيد في كتابه «التوابع والزوابع»، ووضع في تلك المادّة كتابا سمّاه «قريض القرين» وجوّده. وكتب في الإنشاء بدمشق سنة ثمان وأربعين، حتّى مات في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بدمشق. وقدم القاهرة وأقام بها مدّة.

стр. 1159

ومن شعره في مليح على فمه حبّ [الرمل]: يا فم المعشوق سبحا ... ن الذي زادك زينا قد تحلّيت بدرّ ... فتحبّبت إلينا وقال أيضا [الوافر]: توهّم إذ رأى حبّا يحاكي ... على شفتيه درّا في عقيق فقلت له: وحقّك ليس هذا ... سوى حبب على كأس الرحيق وقال [الطويل]: وصفراء حال المزج يصبغ ضوؤها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل وتهفو بألباب الرجال لأنّها ... «دويهيّة تصفرّ منها الأنامل» (١) وقال [الطويل]: وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه رأى البدر يحكي وجهه وهو سافر ... فحمّله من جوره فوق طوقه ١١٩٢ - الزكيّ السعديّ انظر رقم ١١٧٤ (مكرّرة). ١١٩٣ - القاضي ابن حمدون الصوري (٢) الحسن بن علي بن الحسين بن حمدون، القاضي وليّ الدولة، أبو محمد، الصوريّ. ولي قضاء مدينة صور، وقضاء [٣٦٩ أ] الإسكندريّة، وبها توفّي في [ ... ]. ومن شعره يمدح ابن أبي عقيل حاكم صور [الكامل]: يا من أمنت به الذي أتخوّف ... وغدوت في إنعامه أتصرّف أورقت عودي وهو يبس هالك ... وشفيت جسمي وهو مضنى مدنف ولقد نهيت الشعر أن يعتادني ... فأبى عليّ وقال: لم لا أشرف؟ فليهتفنّ بكلّ أرض منطقي ... بالشكر ما غنّى الحمام الهتّف ١١٩٤ - الأمير حسن ابن الحافظ العبيديّ [- ٥٢٩] (٣) [٤٦٦ أ] حسن بن عبد المجيد بن محمد بن معدّ بن عليّ بن منصور بن نزار بن معدّ بن إسماعيل بن محمد بن عب [ي] د الله، الأمير أبو [ ... ]، ابن الخليفة أمير المؤمنين الحافظ لدين الله أبي الميمون. كان عاقّا لأبيه، خرج عليه وحصره بالقصر يريد أخذه على أمره. وكان عاقبة عقوقه أن قتل. وكان من خبره أنّ أباه الحافظ لدين الله عهد إلى ابنه سليمان، فمات بعد شهرين، وكان أسنّ أولاده. فترشّح حسن لولاية العهد من أجل أنّه أسنّ من بقي من إخوته، فلم يرضه أبوه لذلك وعهد إلى ابنه حيدرة، وجعل إليه النظر في المظالم، فشقّ ذلك على حسن، مع ما كان له من الأموال والبلاد والكثير من المواشي والمراكب.

стр. 1160

وصار له ديوان مفرد، فدعا لنفسه، وكاتب الأمراء والأجناد، وعوّل على اعتقال أبيه، وأطمع الناس فيما يوصلهم إليه إذا تمّ أمره. فامتدّت إليه الأعناق، وركب للحرب. فواقعه أخوه حيدرة. وصار العسكر فرقتين: فرقة مع أبي تراب حيدرة، وفرقة مع حسن، وهي الريحانيّة والجيوشيّة (١). وجرت بينهما وقعة عظيمة في يوم الأربعاء خامس عشر رمضان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بين القصرين، قتل فيها من الفريقين نحو عشرة آلاف رجل، وفرّ حيدرة إلى أبيه. فبعث الحافظ إلى حسن ليسكّن الفتنة، فلم يدخل إليه وطالبه بحيدرة، وضايق القصر وحاصره حصرا شديدا، وصاح الجند: يا حسن، يا منصور! يا للحسنيّة! . وكانت هذه أوّل مصيبة نزلت بالدولة، لقتل عدّة لا يسمح الزمان بتربية مثلهم. واستحرّ القتل في الريحانيّة بحيث لم يسلم منهم إلّا من ألقى بنفسه في النيل من ناحية المقس. وصار إلى حسن أوباش العسكر وذعّار (٢) الناس، وفرّق فيهم الزرد وسمّاهم «صبيان الزرد»، وجعلهم خاصّته، فكانوا لا يفارقو [ن] هـ، إن ركب ساروا حوله، وإن نزل لازموه. فلم يجد الحافظ بدّا من مداراته، وولّاه العهد من بعده وكتب بذلك سجلّا قرئ في يوم الخميس لأربع بقين من رمضان، وأركبه بشعار الخلافة ونعته بوليّ عهد أمير المؤمنين. فتمكّن حسن من الدولة وتصرّف فيها ولم يبق للحافظ معه حكم. وقتل قاضي القضاة سراج الدين أبا الثريّا نجم بن جعفر، وقتل ناظر الدواوين الشريف معتمد الدولة عليّ بن جعفر ابن العسّاف، وقتل زمام المؤمنين وولّى أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر [القيسرانيّ] (٣) القضاء، وقتل [٤٦٦ ب] جماعة من الأمراء وأقام غيرهم. فاختفى منه الحافظ وحيدرة، وجدّ في طلبهما، فأخرق بأوباشه ناموس القصر وهتك حرمته. وصار يفيّش (٤) على أبيه وأخيه، وأوباشه مع ذلك تحسّن له كلّ رذيلة. فبسط يده في أذى الناس، فتغيّرت الخواطر، وعزم من بقي من أمراء الدولة على خلع الحافظ من الخلافة وخلع حسن من ولاية العهد، واجتمعوا بين القصرين وبعثوا إلى الحافظ يعلمونه بما يفعلونه، فاعتذر إليهم، وبعث الأستاذ وفيّ الدولة إسعاف (٥) إلى الصعيد، فجمع من الريحانيّة وغيرهم أمما لا يحصيها إلّا الله ليقاتل بهم الأمير حسن ابن الحافظ. فبلغ ذلك حسن [ا] فبعث إليه جيشا عرمرما، وخرج. فلمّا التقى الجمعان هبّتريح سوداء في وجوه أصحاب إسعاف، فركبهم عسكر حسن فلم يفلت منهم [إلّا] القليل وغرق أكثرهم في النيل، وقتلوا، وأخذ إسعاف وأدخل به إلى القاهرة على جمل، وفوق رأسه طرطور أحمر إلى بين القصرين، فرشق بالنشّاب حتّى مات. وألقي من القصر الغربي أيضا بأستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء. فلما اشتدّ الأمر بالحافظ، تحيّل على حسن بأن ألقى إليه من القصر رقعة فيها: يا ولدي، أنت على كلّ حال ولدي، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر، ما أراد أن يصيبه مكروه، ولا يحملني قلبي. وقد انتهى الأمر إلى أنّ أمراء الدولة- وسمّاهم- وقد شددت وطأتك عليهم وخافوك، قد عوّلوا على الفتك بك (٦)، فخذ حذرك يا ولدي!
следующие страницы →