← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

- وكان صاحب حيل- فكتب إليه: من أمير المؤمنين المستنصر بالله معدّ إلى العالي بالله أمير المؤمنين بمالقة (١). ١١٨٩ - ابن أبي جرادة الحلبيّ [٤٨٨ - ٥٥١] (٢) حسن بن عليّ بن عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة، المعروف بالقاضي أبي عبد الله وأبي عليّ، ابن أبي المجد، الملقّب ثقة الملك ابن أبي جرادة، الحلبيّ، العقيليّ. ولد بحلب في سنة ثمان وثمانين- وقيل: في سنة اثنتين، وقيل: في سنة ثلاث، وتسعين- وأربعمائة. وقدم إلى القاهرة في خلافة الحافظ لدين الله ووزارة العادل علي بن السلّار، وأقام بها، ومدح الصالح ابن رزّيك. ومات بالقاهرة في جمادى الأولى- وقيل: جمادى الآخرة- سنة إحدى وخمسين وخمسمائة (٣)، ودفن بظاهر القاهرة في موضع يعرف بعين الغزال شماليّ قلعة القاهرة في مقابر بني سناء الملك. وهو من بيت كبير بحلب، وكان له فضل غزير وأدب كثير وتقدّم عند ملوك العصر. وكتب الخطّ المليح فبلغ غاية الجودة. ورفع الصالح ابن رزّيك قدره فكبرت منزلته. وصار له من بعده نسل بمصر. ومن شعره [السريع]: أحبابنا، هل وقفة باللوى ... تسعف مشتاقا بمشتاق؟ وهل نداوى من كلوم النوى ... بلفّ أعناق بأعناق؟ وما زلت من بينكم مشفقا ... لو أنّه ينفع إشفاقي وجدي بكم نقد وميعادكم ... منكسر في جملة الباقي وقال [البسيط]: يا صاحبيّ أطيلا في مؤانستي ... وذاكراني بخلّان وعشّاق وحدّثاني حديث الخيف إنّ به ... روحا لقلبي وتسهيلا لآماقي (٤) ما ضرّ ريح الصبا لو قاسمت حرقي ... واستنقذت مهجتي من أسر أشواقي داء تقادم عندي، من يعالجه ... ونفثة بلغت منّي، من الراقي؟ يفنى الزمان وآمالي مصرّمة ... ومن أحبّ على مطل وإملاق وا ضيعة العمر! لا الماضي انتفعت به ... ولا حصلت على شيء من الباقي وقال [الكامل]: قالوا: تركت الشعر؟ قلت لهم ... فيه اثنتان يعافها حسبي أمّا المديح فجلّه كذب ... والهجو شيء ليس يحسن بي ١١٩٠ - ابن وكيع التنّيسيّ [- ٣٩٣] (٥) الحسن بن علي بن أحمد بن محمد بن خلف

стр. 1157

ابن حيّان بن صدقة بن زياد، أبو محمد، المعروف بابن وكيع، التنيسيّ، الشاعر المشهور. أصله من بغداد. ومولده بمدينة تنيس في [ ... ] كان سمسمارا بتنيس، وكان متأدّبا ظريفا. قال فيه أبو منصور الثعالبيّ: شاعر بارع، وعالم جامع، قد برع في أهل زمانه، فلم يتقدّمه أحد في أوانه، وله كلّ بديعة تسحر الأوهام وتستعبد الأفهام. وذكر الأمير المختار المسبّحي وفاته بتنّيس في ثالث عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وقال في حقّه: كان شاعرا مطبوعا حلو الألفاظ. وله ديوان شعر جيّد. وله كتاب بيّن فيه سرقات أبي الطيّب أحمد بن الحسين المتنبيّ سمّاه «المنصف». وكان في لسانه عجمة، ويقال له «العاطس». وذكره عبد الرحيم (١) في كتاب «أخبار الشعراء» [قال: ] قال أبو الحسن علي بن منصور الحلبيّ: سألني ابن وكيع أن أخرج معه إلى تونة (٢) لنشرب. فخرجنا، واستصحب مغنّيا، وألقى عليه أن لا يغنّي إلّا بشعره، فغنّى [المجتثّ]: لو كان كلّ عليل ... يزداد مثلك حسنا لكان كلّ صحيح ... يودّ لو كان مضنى يا أكمل الناس حسنا ... صل أكمل الناس حزنا غنيت عنّي، وما لي ... وجه به عنك أغنى وكان قد عمل سرقات المتنبّي وحاف عليه (٣). وعذلته في ذلك، فلم يرجع عن إغراقه. فقلت: هل تثقل عليك الموافقة؟ فقال: لا. قلت: أبياتك مأخوذة، الأوّل من واحد، والثاني من آخر. فالأوّل من قوله [الوافر]: فلو كان المريض يزيد حسنا ... كما تزداد أنت على السقام لما عيد المريض إذن وعدّت ... شكايته من النعم العظام (٤) والثاني من قول رؤبة [الرجز]: مسلم ما أنساك ما حييت ... لو أشرب السلوان ما سليت (٥) ما بي غنى عنك وإن غنيت فقال: والله ما سمعت بهذا! فقلت: إذا كان الأمر على هذا فاعذر بمثله المتنبيّ! وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب في حلى المغرب»: من أئمّة علماء الأدب المشهورين. أصله من فارس، وكثيرا ما يفتخر في شعره بالأكاسرة. ويتشوّق إلى بغداد. وشعره في المدح قليل، وكان يقيّم الثياب التنّيسيّة ويبيعها على يده وينادي في سوق البزّ. وكثيرا ما يكثر ذكر قناعته بذلك عن بذل وجهه في شعره. وله كتاب «المنصف» على ديوان المتنبيّ (٦)، وسمّاه الأدباء

стр. 1158

«الجائر» لكثرة ميله عليه. وله في طبقات المرقص والمطرب محاسن كثيرة. ومدح المعزّ الفاطميّ والقائد [٣٦٨ ب] جوهر. وأورد كلّ من ذكرنا له عدّة مقاطيع وقصائد. وكان في كلامه حكلة (١) - أي عجمة لا تبين الكلام. ومن شعره [السريع]: حاسبني الدهر على ما مضى ... بدّل فرحاتي بترحاتي فليته جازى بما نلته ... لكنّه أضعف مرّات وقوله [السريع]: إن سرّك الدهر فلا تستطل ... ولا تهن في نوب الدهر فقبح عجب المرء عند الغنى ... كقبح ذلّ المرء في الفقر وقوله [المجتثّ]: إن كان في الناس خير ... فالشرّ في الناس أعظم في خلطة الناس أنس ... وبعدهم لك أسلم فاحذرهم وتحرّز ... منهم لعلّك تسلم وقوله [الكامل]: إن كان قد بعد اللقاء فودّنا ... باق ونحن على النوى أحباب كم قاطع للوصل يؤمن ودّه ... ومواصل بودا [د] هـ يرتاب وقوله [المخلّع]: أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قبل ذا يراه (٢) فقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواه قل لي: إلى من عدلت عنه؟ ... فليس أهل الهوى سواه! فظلّ من حيث ليس يدري ... يأمر بالحبّ من نهاه ١١٩١ - ابن شنار الغزّيّ [٧٠٦ - ٧٥٣] (٣) الحسن بن عليّ بن حمد بن حميد بن إبراهيم بن شنار- بفتح الشين المعجمة ثمّ نون بعدها ألف وراء- بدر الدين، الغزّي. ولد بغزّة سنة ستّ وسبعمائة. وكتب المنسوب (٤)، وقال الشعر الجيّد الجزل الألفاظ المتين التركيب. وكان سريع البديهة، حسن الرويّة، له غوص على المعاني. وعارض ابن شهيد في كتابه «التوابع والزوابع»، ووضع في تلك المادّة كتابا سمّاه «قريض القرين» وجوّده. وكتب في الإنشاء بدمشق سنة ثمان وأربعين، حتّى مات في ليلة الخميس حادي عشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بدمشق. وقدم القاهرة وأقام بها مدّة.

стр. 1159

ومن شعره في مليح على فمه حبّ [الرمل]: يا فم المعشوق سبحا ... ن الذي زادك زينا قد تحلّيت بدرّ ... فتحبّبت إلينا وقال أيضا [الوافر]: توهّم إذ رأى حبّا يحاكي ... على شفتيه درّا في عقيق فقلت له: وحقّك ليس هذا ... سوى حبب على كأس الرحيق وقال [الطويل]: وصفراء حال المزج يصبغ ضوؤها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل وتهفو بألباب الرجال لأنّها ... «دويهيّة تصفرّ منها الأنامل» (١) وقال [الطويل]: وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه رأى البدر يحكي وجهه وهو سافر ... فحمّله من جوره فوق طوقه ١١٩٢ - الزكيّ السعديّ انظر رقم ١١٧٤ (مكرّرة). ١١٩٣ - القاضي ابن حمدون الصوري (٢) الحسن بن علي بن الحسين بن حمدون، القاضي وليّ الدولة، أبو محمد، الصوريّ. ولي قضاء مدينة صور، وقضاء [٣٦٩ أ] الإسكندريّة، وبها توفّي في [ ... ]. ومن شعره يمدح ابن أبي عقيل حاكم صور [الكامل]: يا من أمنت به الذي أتخوّف ... وغدوت في إنعامه أتصرّف أورقت عودي وهو يبس هالك ... وشفيت جسمي وهو مضنى مدنف ولقد نهيت الشعر أن يعتادني ... فأبى عليّ وقال: لم لا أشرف؟ فليهتفنّ بكلّ أرض منطقي ... بالشكر ما غنّى الحمام الهتّف ١١٩٤ - الأمير حسن ابن الحافظ العبيديّ [- ٥٢٩] (٣) [٤٦٦ أ] حسن بن عبد المجيد بن محمد بن معدّ بن عليّ بن منصور بن نزار بن معدّ بن إسماعيل بن محمد بن عب [ي] د الله، الأمير أبو [ ... ]، ابن الخليفة أمير المؤمنين الحافظ لدين الله أبي الميمون. كان عاقّا لأبيه، خرج عليه وحصره بالقصر يريد أخذه على أمره. وكان عاقبة عقوقه أن قتل. وكان من خبره أنّ أباه الحافظ لدين الله عهد إلى ابنه سليمان، فمات بعد شهرين، وكان أسنّ أولاده. فترشّح حسن لولاية العهد من أجل أنّه أسنّ من بقي من إخوته، فلم يرضه أبوه لذلك وعهد إلى ابنه حيدرة، وجعل إليه النظر في المظالم، فشقّ ذلك على حسن، مع ما كان له من الأموال والبلاد والكثير من المواشي والمراكب.

стр. 1160

وصار له ديوان مفرد، فدعا لنفسه، وكاتب الأمراء والأجناد، وعوّل على اعتقال أبيه، وأطمع الناس فيما يوصلهم إليه إذا تمّ أمره. فامتدّت إليه الأعناق، وركب للحرب. فواقعه أخوه حيدرة. وصار العسكر فرقتين: فرقة مع أبي تراب حيدرة، وفرقة مع حسن، وهي الريحانيّة والجيوشيّة (١). وجرت بينهما وقعة عظيمة في يوم الأربعاء خامس عشر رمضان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بين القصرين، قتل فيها من الفريقين نحو عشرة آلاف رجل، وفرّ حيدرة إلى أبيه. فبعث الحافظ إلى حسن ليسكّن الفتنة، فلم يدخل إليه وطالبه بحيدرة، وضايق القصر وحاصره حصرا شديدا، وصاح الجند: يا حسن، يا منصور! يا للحسنيّة! . وكانت هذه أوّل مصيبة نزلت بالدولة، لقتل عدّة لا يسمح الزمان بتربية مثلهم. واستحرّ القتل في الريحانيّة بحيث لم يسلم منهم إلّا من ألقى بنفسه في النيل من ناحية المقس. وصار إلى حسن أوباش العسكر وذعّار (٢) الناس، وفرّق فيهم الزرد وسمّاهم «صبيان الزرد»، وجعلهم خاصّته، فكانوا لا يفارقو [ن] هـ، إن ركب ساروا حوله، وإن نزل لازموه. فلم يجد الحافظ بدّا من مداراته، وولّاه العهد من بعده وكتب بذلك سجلّا قرئ في يوم الخميس لأربع بقين من رمضان، وأركبه بشعار الخلافة ونعته بوليّ عهد أمير المؤمنين. فتمكّن حسن من الدولة وتصرّف فيها ولم يبق للحافظ معه حكم. وقتل قاضي القضاة سراج الدين أبا الثريّا نجم بن جعفر، وقتل ناظر الدواوين الشريف معتمد الدولة عليّ بن جعفر ابن العسّاف، وقتل زمام المؤمنين وولّى أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر [القيسرانيّ] (٣) القضاء، وقتل [٤٦٦ ب] جماعة من الأمراء وأقام غيرهم. فاختفى منه الحافظ وحيدرة، وجدّ في طلبهما، فأخرق بأوباشه ناموس القصر وهتك حرمته. وصار يفيّش (٤) على أبيه وأخيه، وأوباشه مع ذلك تحسّن له كلّ رذيلة. فبسط يده في أذى الناس، فتغيّرت الخواطر، وعزم من بقي من أمراء الدولة على خلع الحافظ من الخلافة وخلع حسن من ولاية العهد، واجتمعوا بين القصرين وبعثوا إلى الحافظ يعلمونه بما يفعلونه، فاعتذر إليهم، وبعث الأستاذ وفيّ الدولة إسعاف (٥) إلى الصعيد، فجمع من الريحانيّة وغيرهم أمما لا يحصيها إلّا الله ليقاتل بهم الأمير حسن ابن الحافظ. فبلغ ذلك حسن [ا] فبعث إليه جيشا عرمرما، وخرج. فلمّا التقى الجمعان هبّتريح سوداء في وجوه أصحاب إسعاف، فركبهم عسكر حسن فلم يفلت منهم [إلّا] القليل وغرق أكثرهم في النيل، وقتلوا، وأخذ إسعاف وأدخل به إلى القاهرة على جمل، وفوق رأسه طرطور أحمر إلى بين القصرين، فرشق بالنشّاب حتّى مات. وألقي من القصر الغربي أيضا بأستاذ آخر فقتلوه، وقتل الأمير شرف الأمراء. فلما اشتدّ الأمر بالحافظ، تحيّل على حسن بأن ألقى إليه من القصر رقعة فيها: يا ولدي، أنت على كلّ حال ولدي، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر، ما أراد أن يصيبه مكروه، ولا يحملني قلبي. وقد انتهى الأمر إلى أنّ أمراء الدولة- وسمّاهم- وقد شددت وطأتك عليهم وخافوك، قد عوّلوا على الفتك بك (٦)، فخذ حذرك يا ولدي!

стр. 1161

فلمّا وقف حسن على الورقة قامت قيامته وقبض على أولائك عند حضورهم للسلام عليه وقتلهم. فاشتدّت المصيبة بفقد أركان الدولة وأعضادها، وكانت أشدّ من المصيبة بالريحانيّة. فعند ذلك نفرت القلوب وعزم من بقي على خلع الحافظ من الخلافة، وحسن من ولاية العهد. وكان تاج الدولة بهرام الأرمنيّ قد فرّ من حسن وولي الغربيّة، فلمّا علم تغيّر خواطر جميع الناس على حسن، جمع الناس وسار لحربه، فتسلّل إليه العسكر ولم يبق مع حسن سوى الرجّالة من الجيوشيّة [والإسكندريّة والفرحيّة] (١) ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء. فتحيّر حسن في أمره ولم يدر ما يصنع، وألجأته الضرورة إلى أن لحق بالقصر وصار إلى أبيه. فقبض عليه وقيّده، فأعلم بذلك الأمراء، وكان قد اجتمع بين القصرين من الفارس والراجل عشرة آلاف. فراسلهم الحافظ بأنّه قد أزال أمر حسن، وأنّه لا يتصرّف أبدا، ووعدهم بالزيادة في إقطاعاتهم. فلم يقبلوا ذلك وقالوا: إمّا نحن، وإمّا هو، وما لم تتحقّق الراحة منه وإلّا فلا حاجة لنا بك أيضا، ونخلع طاعتك. وأحضروا الأحطاب وأشعلوا فيها النار لإحراق القصر وبالغوا في الإقدام عليه، فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى قتل حسن بعد ثلاثة أيّام، ليقتله في ستر. ودبّر مع أبي سعد ابن قرقة سقيّة بعثها مع عدّة من الصقالبة فأكرهوه حتى شربها، فمات في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وجعل على سرير وأعلم العسكر بموته، فلم يثقوا بذلك وبعثوا الأمير المقدّم جلال الدين أبا عبد الله محمد جلب راغب ليراه، فدخل عليه وهو مسجّى وعليه ملاءة، فكشف عن وجهه وغرس حديدة كانت معه في عدّة من مقاتله حتى تيقّن أنّه قد هلك، فعاد وأعلمهم بموته فتفرّقوا. وكان حسن جريئا مفسدا، أراد قلب الدولة، وقدّم الأراذل وأخرب بيوتا كثيرة وأكثر الفساد، وصادر الناس وأخذ أموالهم، وأراق دماء عظيمة بغير حقّ. وفيه يقول أبو علي حسن بن زيد بن إسماعيل بن علي بن محمد الأنصاري الأبيات التي قتله (٢) بها [البسيط]: لم تأت يا حسنا بين الورى حسنا ... ولم تر الحقّ في دنيا ولا دين قتل النفوس بلا جرم ولا سبب ... والجور في أخذ أموال المساكين لقد جمعت بلا علم ولا أدب ... تيه الملوك وأخلاق المجانين ١١٩٥ - معين الدين الجوينيّ [٥٨٨ - ٦٤٣] (٣) حسن بن علي [أو ابن محمد] بن عمر بن علي ابن محمد بن حمويه، الأمير الوزير الصاحب، شيخ الشيوخ، أبو محمد، وأبو السعادات، معين الدين، ابن شيخ الشيوخ أبي الحسن بدر الدين، ابن شيخ الشيوخ أبي الفتح، ابن الفقيه أبي الحسن، ابن الإمام الزاهد علم الزهّاد أبي عبد الله، الجوينيّ، الحمويّ، المصريّ، الشافعيّ.

стр. 1162

ولد مستهلّ المحرّم سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وكانت أمّه ابنة [القاضي شهاب الدين] ابن أبي عصرون قد أرضعت الملك الكامل محمّد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب، فصار هو وإخوته: فخر الدين يوسف، وعماد الدين عمر، وكمال الدين أحمد، إخوة الكامل من الرضاعة، فرقّاهم الرتب العالية، وولّى معين الدين مشيخة الشيوخ. وبعثه في الرسالة إلى بغداد لمّا مات أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله محمد ابن الناصر وقام من بعده في الخلافة ابنه أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو جعفر المنصور. فلمّا قدمها وقف بدار الوزارة وقال مسلّما عن مرسله، والوزير إذ ذاك مؤيّد الدين [أبو الحسن محمد بن محمد القمّي] (١): عبد الدولة المقدّسة النبويّة المستنصريّة محمد بن أبي بكر بن أيّوب يقبّل العتبات التي يستشفى بتقبيل ثراها، ويتمسّك من عبوديتها (٢) بأوثق عراها، ويوالي شكر الله تعالى على إماطة ليل العزاء الذي عمّ مصابه، بصبح الهناء الذي تمّ نصابه، حتى تزحزح عن شمس الهدى شفق الإشفاق، وصوّح نبت الردى في نفق النفاق، فامتازت الخلافة المعظّمة من مستنصرها بالمثل الأعلى، وفاز عبد دولتها من ولايتها بالقدح المعلّى، جعل الله كلمتها العليا وكلمة أعدائها السفلى، وضمّ شرف الأخرى بجلال مجدها إلى شرف الأولى مصلّيا ومستلما، ومقبلا وملتزما أبدا، إن شاء الله تعالى. فكان الفصل منه عزاء وهناء في هذه الكلمات المختصرة. فلمّا قدم إلى القاهرة بعثه في الرسالة، ومعه أخوه كمال الدين أحمد وقاضي العسكر شمس الدين محمد الأرموي، إلى الملك المعظّم عيسى صاحب دمشق في شعبان سنة أربع وعشرين وستّمائة، على أن يسير الكمال بجواب المعظّم إلى المجاهد صاحب حمص، ويتوجّه المعين إلى بغداد برسالة إلى الديوان العزيز. ثمّ أقامه السلطان بعد عوده يتحدّث في الأموال، وسمّاه نائب الوزارة، واعتمد عليه في مهمّات أموره إلى أن مات. فقام مع إخوته في تحليف العساكر للملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل حتى تمّت له السلطنة، وقدموا إلى القاهرة. فأقام في خدمة الملك العادل إلى أن خلع من السلطنة بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيّوب. فاستوزره في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّمائة قبل الظهر بالبركة خارج القاهرة، وسلّم إليه أمور المملكة بأسرها فشرع في التدبير ونظر في مصالح البلاد. فاتّفق في سنة أربعين أنّ بعض غلمانه بنى بأمره على سطح مسجد بمدينة مصر مكانا تضرب فيه طبلخانات الوزارة. فأنكر ذلك الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام قاضي مصر ومضى بنفسه وأولاده إلى أن هدم البناء ونقل ما كان فوق سطح المسجد. ثمّ أشهد على نفسه أنّه قد أسقط شهادة الصاحب الوزير معين الدين، وأنّه قد عزل نفسه من وظيفة قضاء مصر والوجه القبليّ. فشقّ ذلك على السلطان (٣). وفي سنة اثنتين وأربعين وستّمائة جهّزه الملك الصالح على العساكر ومعه الدهليز السلطانيّ والخزائن، وأقامه مقام نفسه وأذن له أن يجلس على رأس السماط ويركب بهيئة الملوك، وأن يقف

стр. 1163

الطواشي شهاب الدين رشيد أستادار السلطان في خدمته على السماط مثلما يقف بين يدي السلطان، وأن يقف أمير جاندار والحجّاب بين يديه كما هي عادتهم في الخدمة السلطانيّة. وكتب [إلى] (١) الخوارزميّة وكبيرهم كشلوخان، وقد قطعوا الفرات وساروا إلى دمشق نصرة للملك الصالح نجم الدين أيّوب على عمّه الصالح إسماعيل صاحب دمشق ونزلوا بغزّة، بأن يكون [وا] بأجمعهم في خدمة الصاحب معين الدين. فسار بالهيئة الملوكيّة من ظاهر القاهرة إلى غزّة فتلقّاه الخوارزميّة والعسكر وسار بهم إلى بيسان وأقام بها مدّة. ثمّ رحل عنها إلى دمشق فنزل عليها، وقد امتنع بها الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن العادل أبي بكر بن أيّوب. فعاثت الخوارزميّة في أعمال دمشق وكثر إفسادهم. فبعث الصالح إسماعيل إلى الصاحب معين الدين بسجّادة وإبريق وعكّاز، وقال له: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك. فسيّر له جنكا وزمرا وغلالة حرير، وقال له: السجّادة والإبريق والعكّاز يليق بي، وأنت أولى بالجنك والزمر والغلالة. وجدّ في محاصرة دمشق وضايقها وأحرق قصر حجّاج (٢) في ثاني محرّم سنة ثلاث وأربعين وستّمائة، وركّب المجانيق وألحّ في القتال إلى أيّام من جمادى الأولى. فأذعن الصالح إلى ترك دمشق وخرج عنها، وقد تعوّض بدلها بعلبك وبصرى، ودخل الصاحب معين الدين إلى دمشق يوم الاثنين عاشر جمادى الأولى، وكفّ الخوارزميّة عن المدينة، ودبّر الأمور أحسن تدبير، وأقطع الخوارزميّة [٣٧٠ ب] الساحل بمناشير كتبها لهم وعلّم عليها بخطّه، وسلّم قلعة دمشق إلى الطواشي شهاب الدين رشيد، وأقام الخطبة للملك الصالح نجم الدين أيّوب بدمشق وسائر أعمالها. وبعث بالبشارة إلى الملك الصالح، فأنكر على الأمراء وعلى الطواشي رشيد تمكينهم الصالح إسماعيل من بعلبك وقال: إنّ معين الدين حلف له، وأنتم فما حلفتم. وأقام الصاحب معين الدين بمدينة دمشق يدبّر أمورها إلى أن مرض، ومات في الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين عمر بسفح قاسيون. وكان يكثر في تواقيعه [عبارة: ] «يجري على العادة»، فقال فيه الأمير سيف الدين علي ابن المشدّ [المنسرح]: صوفيّكم ما له من السعادة ... أستغفر الله غير سجّادة لو شاوروه في حلق لحيته ... قال: احلقوها جرى بذا العادة وزار مرّة الإمام الشافعيّ بالقرافة فصادف عنده جمال الدين أبا الحسين يحيى بن مطروح فأنشده بديها [الكامل]: لله أيّ فضيلة أدركتها ... في خدمة المولى الوزير الناسك عند الإمام الشافعيّ وجدته ... فظفرت عند الشافعيّ بمالك

стр. 1164

١١٩٦ - الوزير علم الدين الماشليّ [- بعد ٤٥٧] (١) الحسن بن عليّ بن محمد بن الحسن بن عيسى، الوزير الأجلّ، تاج الرئاسة، علم الدين، سيّد السادات، أبو عليّ، ابن سديد الدولة ذي الكفايتين، الماشليّ، أخو الوزير معزّ الدين أبي عبد الله الحسين (٢). ولي أيضا الوزارة في الأيّام المستنصريّة، وقد استحكم الفساد في الأمور وقلّت الهيبة، وأسقط الكتاميّون حشمته فيما كانوا يعرضون له به، فأقام أيّاما وانصرف، وسار إلى الشّام، وكان مع أخيه بصور (٣) وعاد. وتوفّيا بمصر. ١١٩٧ - الحافظ أبو علي الوخشيّ [٣٨٥ - ٤٧١] (٤) الحسن بن عليّ بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو عليّ، الوخشيّ، البلخيّ، الحافظ، من أهل وخش من نواحي بلخ، أحد الحفّاظ الأثبات الفضلاء. ولد في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. ورحل من بلده في سنة أربع عشرة وأربعمائة إلى العراق والشام، وقدم مصر، ودخل الثغور والبصرة والجبال. وسمع الحديث الكثير وعاد إلى بغداد، ومات ليلة الثلاثاء خامس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ببلخ. وقد حدّث عنه الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ، وقال أبو بكر الجيّانيّ: حضرت يوما مجلس الإمام عثمان خال البلخيّ في تعزية وقعت بالمقابر، فأسند حديثا عن القاضي الإمام أبي علي الوخشيّ، فذكر عنه أنّه قال: لمّا مرّ بي قول النبيّ ﷺ : «نعم الإدام الخلّ» (٥)، أقمت أيّاما متفكّرا في حكمة هذا الحديث وما المراد منه، فبعد أيّام وقع لي أنّ الخلّ يقتل جميع الحشرات ويذهب بها. فقلت: لله عليّ أن أقتل حيّات لذّاتي وعقارب شهواتي! - فلزمت ذلك. قيل: فلمّا مات وهيّئ له حفرته وأتى به إليها، فإذا النداء: قد جاء قتّال الحيّات والعقارب! - فلقد حدّثني جماعة لا أحصيهم أنّه خرج كلّ حيّة وعقرب كان بالمقابر التي دفن فيها وصارت إلى الخراب، وكانت أكثر من أن تحصى. وأريت الموضع الذي خرجت منه والذي ذهبت فيه. ١١٩٨ - الأمير ابن ملهم العقيليّ [- بعد ٤٥٢] (٦) الحسن بن عليّ بن ملهم بن دينار، العقيليّ، أبو علي، الأمير مكين الدولة وأمينها، أحد الأمراء في الأيّام المستنصريّة. انتدبه الوزير الناصر للدين أبو محمد الحسن اليازوريّ للتوجّه إلى رياح وزغبة بخلع سنيّة وأنعام كثيرة ليصلح بينهم. وكانت تنزل بطرابلس

стр. 1165

المغرب وما والاها، وقد حدثت بينهما حروب. فسار وتلطّف حتى حمل ما بينهما من الدّيات وأزال الضغائن من بينهما- وكان رجلا سديدا عاقلا مستحكم الرجحان- فلمّا تمّ له ما أراد من ذلك، زاد في إقطاعاتهم وبعثهم على معاندة معزّ بن باديس صاحب إفريقيّة [٣٧١ أ] حتّى ساروا إليه وحاربوه وأخرجوه منها وأخربوا القيروان إلى اليوم. ثمّ إنّه لمّا حدث الغلاء بمصر في سنة سبع وأربعين وأربعمائة جهّز ميخائيل متملّك الروم بالقسطنطينيّة مائة ألف قفيز غلّة إلى أنطاكية حتى يحمل إلى مصر توسعة للناس، وجهّز هديّة الهدنة على العادة، وهديّة سنيّة من ماله. فثار به الروم وقتلوه وأقاموا بعده ابن سقلاروس فمنع (١) الهديّتين والغلّة من المسير إلى مصر، وقال: أنا أنفق ذلك على حرب المسلمين. فبلغ ذلك الوزير الناصر للدين أبا محمد الحسن اليازوريّ، فسيّر مكين الدولة ابن ملهم إلى اللاذقيّة في عسكر كبير، فحاصرها مدّة. فبعث أهلها إلى ابن سقلاروس بما هم فيه، وكاتب المستنصر في ذلك وما الذي أوجبه؟ فأجيب بأنّ المقتضي لهذا هو منع الغلّة والهديّة، وطالت المكاتبات بينه وبين المستنصر. فبعث الوزير جيشا ثانيا عليه الأمير السعيد ليث الدولة. ففتحت اللاذقيّة ووقع العيث فيها. وجال ابن ملهم في أعمال أنطاكية، ثمّ أردفه بجيش ثالثعدّته ثلاثة آلاف، وعليهم الأمير موفّق الدولة حفّاظ بن فاتك، والأمير أبو الجيش عسكر [بن الحلي] (٢)، ومقادة جميع الجيوش إلى الأمير مكين الدولة، فساروا إليه، وأوغل في بلاد الروم يقتل ويأسر حتى أنكى النكاية البالغة. وما زال على ذلك حتّى قتل الوزير اليازوريّ. [فجهّز] ابن سقلاروس ثمانين قطعة في البحر، فحاربت ابن ملهم وأسرته ومن معه من أعيان العرب لليلتين بقيتا من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وأربعمائة. ثمّ إنّه تسلّم قلعة حلب من معزّ الدولة أبي علوان ثمال بن صالح بن مرداس، وسار ثمال إلى مصر. فلم يزل بحلب إلى أن أخذ المدينة محمود بن نصر بن صالح في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين، فانحاز إلى القلعة، وكتب إلى مصر يطلب نجدة. ثمّ تسلّم محمود القلعة في شعبان من السنة المذكورة. ١١٩٩ - أبو البدر ابن المعمّر الإسكافيّ [- ٥٩٦] (٣) الحسن بن علي بن المعمّر بن عليّ بن عبد الملك بن ناهوج، أبو البدر، ابن أبي منصور، ابن أبي سالم، الإسكافيّ- نسبة إلى إسكاف بني الجنيد، قرية من قرى بغداد، تعرف بالعلياء، وهي بكسر الهمزة وسكون السين المهملة. كان من أهل بغداد [و] أحد الكتّاب المتصرّفين في خدمة الديوان. قدم مصر، وسكنها إلى أن مات بها في يوم الأربعاء سابع عشر رمضان سنة ستّ وتسعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة، عن سبع وستّين سنة. وكان فيه أدب، وسمع أبا محمد ابن الخشّاب (٤)

стр. 1166

وأخذ عنه النحو. وحدّث بمصر، ومن شعره [الطويل]: ألا قل لجيران الصفا ليت داعي ال ... تفرّق أعمى يوم راح مناديا لعمري لقد ودّعت يوم وداعكم ... بشعب المنقّى شعبة من فؤاديا ١٢٠٠ - ابن هود المرسيّ الزاهد [٦٣٣ - ٦٩٩] (١) الحسن بن عليّ بن يوسف بن هود، الجذاميّ، المغربيّ، الزاهد، أبو عليّ، [بدر الدين] (٢)، ابن عضد الدولة أبي الحسن، وهو (٣) أخو المتوكّل على الله أبي عبد الله محمد [بن يوسف] ملك الأندلس (٤). كان أبوه عضد الدولة [علي بن يوسف] ينوب عن أخيه المتوكّل بمرسية. فتزهّد ابنه الحسن واشتغل بشيء من علوم الحكمة والطبّ ونظر في كلام ابن عربيّ وابن سبعين (٥) وانتمى إلى رأي ابن سبعين وعظّمه. وكان عنده غفلة في غالب أحواله بحيث يصحبه الرجل سنة ويغيب عنه أيّاما يسيرة فيراه فلا يعرفه، ويذكّره بأشياء جرت له معه فلا يذكر، ولا يظهر عليه أنّه رأى ذلك الشخص عمره. وقدم مصر، وحجّ مرّات وجاور. ودخل اليمن واحترمه (٦) سلطانها وأرسل إليه وإلى أصحابه مالا. وقدم دمشق غير مرّة، وأكرم أوّل دخوله إليها إكراما كثيرا، وقصده نائب السلطنة بها والقاضي والأعيان، ثمّ طالت إقامته بها فانتقض ذلك الإكرام. وكان يظهر عليه أنّه لا فرق عنده بين الحالتين. وكان نقم عليه كلام يصدر [٣٧١ ب] منه لا يوافق الشريعة (٧). وكان شيخ الإسلام تقيّ الدين أحمد بن تيمية (٨) كثير الوقيعة فيه والتنقّص له، ينفّر الناس عنه التنفير الكثير ويحذّر منه التحذير الوافر. وقال الذهبيّ: ثمّ بان أمره، وقطع بأنّه من رءوس الاتّحاديّة (٩).

стр. 1167

وقال الصفديّ: وكان تلحقه [حال] (١) تشغله عن حسّه وتذهله عن نفسه حتّى إنّه كان يوضع في يده الجمر ولا يشعر، فإذا أحرقه عاد إلى حسّه، وربّما وقع في الحفائر ولا يدري (٢). وكان يقرئ الدلالة للرئيس موسى (٣)، وأسلم على [يده] جماعة من اليهود، فأغاظهم ذلك فعملوا عليه حتّى سقوه الخمر في حال غيبته وأروه [ل] لمسلمين وهو في تلك الحال فما غيّر هذا عقيدة من له فيه عقيدة (٤). وقال أبو حيّان (٥): رأيته بمكّة وجالسته. وكان يظهر منه الحضور مع من يكلّمه [ثمّ] تظهر الغيبة منه. وكان يلبس نوعا من الثياب ممّا لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد. وكان يذكر أنّه يعرف شيئا من علوم الأوائل- وأنشد (٦) عن أبي الحكم بن هاني عنه قوله [البسيط]: خضت الدجنّة حتى لاح لي قبس ... وبان بان الحمى من ذلك القبس فقلت للقوم: هذا الربع ربعهم ... وقلت للسّمع: لا تخلو من الجرس وقلت للعين: غضّي من محاسنهم ... وقلت للنطق: هذا موطن الخرس وقال الشهاب أحمد بن فضل الله (٧): أنشدني شيخنا أبو الثناء- يعني الشهاب محمود (٨) - هذه الأبيات. وكان من خبرها أنّ ابن هود حجّ، فلمّا أتى المدينة وشارف أعلامها، نزل عن دابّته واغتسل ولبس ثيابا نظافا، ثمّ جعل يمشي، وهو يهمهم بكلام خفيّ سمعه بعض من كان يمشي خلفه، فإذا هو يقول [الطويل]: نزلنا عن الأكوار نمشي، كرامة ... لمن حلّ فيه أن نلمّ به ركبا (٩) ثمّ لم يزل يطأ من رأسه ويخضع حتّى أتى باب المسجد وكأنّه راكع، فسلّم على النبيّ ﷺ من ظاهر الحجرة بأكمل الآداب، ثمّ صلّى ركعتي التحيّة بالروضة، ثمّ خرج إلى الزيارة فجلس على الرمل، ثمّ جعل يبكي ويخطّ على الرمل الأبيات. فقرأها بعض الحاضرين فحفظها وأنشدها عنه- يعني قوله: خضت الدجنّة ... إلى آخرها. (قال): وأتى لاجين نائب الشام وحسام الدين الرازي ابن هود، وهو لا يعرفهما. وكان مع لاجين سجّادة ففرشها تحت ابن هود بيده، وساعده الرازي. فقال له بعض من عنده: يا سيّدي، هذا نائب السلطان، وبيده [قد] فرش لك

стр. 1168

السجّادة، وهذا الذي معه من أكابر العلماء. فقال: بارك الله فيهما، والله ما فرش لي السجّادة إلّا ليجلس على سرير الملك، وصاحبه قاضي القضاة. قال كاتبه (١): وكذا وقع، جلس لاجين هذا على سرير الملك وتلقّب بالسلطان الملك المنصور، وولي حسام الدين هذا قضاء القضاة، وهو أبو الفضائل الحسن بن أحمد الرازيّ الحنفي، كما قد ذكر في ترجمتيهما من هذا الكتاب (٢). قال الشهاب محمود: وكان ابن هود ذا علم جمّ، ولكن كانت الغيبة غالبة عليه. ولقد كان يبقى الأيّام والليالي لا يأكل طعاما ولا يشرب شرابا. وكان كثيرا ما يقعد في مقابر كيسان مستديرا للمدينة متوجّها إلى القبلة قبالة البرج، ويبقى الأيّام الكثيرة في الحرّ والبرد لا يتغيّر من مكانه. ولقد رأيته هنا مرّة في زمان صيف شديد وقد لفحته هواجر الحرّ وأثّر فيه السموم. وكانت بيني وبينه صحبة، فوقفت أمامه وأنشدته قول الداني [الكامل]: أنت المنيّة والمنى، فيك استوى ... ظلّ الغمامة والهجير المحرق فرفع رأسه إليّ وقال: ما أعرفك. فعرّفته بنفسي، فقال: ما أعرفك. فانصرفت وأنا أرثي له ممّا يقاسي. وقال البرزالي: سألته عن مولده، فقال: في ثالث عشر شوّال سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة بمرسية. وتوفّي عشيّة الاثنين السادس والعشرين من شعبان سنة تسع وتسعين وستّمائة بدمشق. ودفن بكرة الثلاثاء بسفح قاسيون. [٣٧٢ أ] وتقدّم في الصلاة عليه القاضي بدر الدين محمد ابن جماعة. ومن شعره [الطويل]: أورّي بذكر الجزع عنه وبانه ... ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل وأذكر سعدى في حديثي مغالطا ... بليلى، ولا ليلى مرادي ولا جمل ولم أر في العشّاق مثلي لأنّني ... تلذّ لي البلوى ويحلو لي العذل سوى معشر حلّوا النظام ومزّقوا ال ... ثياب ولا فرض عليهم ولا نفل مجانين إلّا أنّ ذلّ جنونهم ... عزيز، على أعتابهم يسجد العقل وقوله [الطويل]: سلام عليكم صدّق الخبر الخبر ... فلم يبق «قال القسّ» أو «حدّث الحبر» وهي قصيدة عسرة المسلك متوعّرة الجوانب يحار في ظلمائها ويخبط في بهمائها، منها: وأشرق نور الحقّ من كلّ وجهة ... على كلّ وجه فاستوى السرّ والجهر

стр. 1169

فهاموا وتاهوا بين حقّ وباطل ... يجوّزه زيد ويمنعه عمرو ولو سلّموا ساروا على منهج الهدى ... إلى حضرة الرضوان لكنّهم غرّوا فقوموا على ساق من الجدّ واثبتوا ... على قدم التجريد إنّ الغنى فقر ٥ ولا تجعلوها راحة دون غاية ... فلا راحة إلّا إذا بعثر القبر وقوله [الكامل]: حاشا بنانك من أذى يا من له ال ... قدر الكبير ورفده لا يمنع لم تبد فيهنّ الدمامل ضلّة ... بالقصد لكن ساقهنّ المطمع لمّا رأت كفّيك جودا هامعا ... وسحاب ذاك الجود لا يتقشّع قصدت مشاركة الأنام فأصبحت ... من فيض جودك تستمدّ وتجمع (١) ١٢٠١ - أبو علي النخّاس [- ٣٠٢] الحسن بن علي بن موسى بن هارون بن إبراهيم، أبو عليّ، النخّاس- بنون وخاء معجمة- النيسابوريّ. رحل إلى الشام ومصر، فسمع هشام بن عمّار، وعبد الأعلى بن حمّاد، وعثمان بن أبي شيبة وغيره. وروى عنه أبو سعيد بن يونس، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن عثمان بن عبد الوهّاب بن عرفة بن أبي التمام إمام جامع مصر، وأبو أحمد بن عديّ وجماعة. قال ابن يونس: قدم إلى مصر [و] حدّث، وكان صدوقا. وتوفي بمصر في شعبان سنة اثنتين وثلاثمائة. ١٢٠٢ - الحسن بن وصيف [- بعد ٢٧٩] أحد قوّاد خمارويه بن أحمد بن طولون، جعله على الشرط مكان أحمد بن محمد العجنفي في سابع شوّال سنة تسع وسبعين ومائتين، وصرف موسى بن طونيق في سادس شعبان سنة اثنتين وثمانين. ١٢٠٣ - حسن بن يحيى القرشيّ [٥٤١ - ٦٣٢] (٢) حسن بن يحيى بن الصبّاح بن الحسين بن عثمان، أبو صادق، القرشيّ، المخزوميّ، المصريّ، نزيل دمشق، الشافعيّ، العدل. ولد العاشر من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بمصر، وتوفّي بدمشق في السادس عشر من شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وستّمائة. وهو آخر من حدّث عن ابن رفاعة سماعا، وأجازه، وكان مشهورا بالحسن والصلاح. ١٢٠٤ - الحسن بن عمّار الكلبيّ [- ٣٩٠] الحسن بن عمّار بن علي بن أبي الحسين- واسمه محمد بن الفضل بن يعقوب (٣) - أمين

стр. 1170

الدولة أبو محمد الكلبيّ، أحد شيوخ كتامة (١). كان أبوه في خدمة الإمام القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهديّ، فبعثه على رجال كتامة إلى تونس في فتنة أبي يزيد مخلد بن كيداد النكّاريّ، وقد سبقه إليها مسنويه بن بكر الهواريّ من قبل [أبي] يزيد، ودخلها في عاشر صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، فقتل وسبى وهدم الدور. ولقي عمّارا (٢) فقاتله وهزمه عمّار وتبعه إلى تونس وقتل كثيرا من أصحابه [٣٧٢ ب] وأخذ ثلاثة آلاف جمل تحمل طعاما وغيره، وعاد إلى القائم بالمهديّة، فأمره أن يقيم بسوسة. ثمّ مات القائم، وكان مع ابنه المنصور بالله أبي الطاهر إسماعيل حتّى مات، وقام من بعده ولده المعزّ أبو تميم معدّ. فسار من قبل أخيه الحسن بن عليّ (٣) متولّي صقلّيّة على أسطول إلى بلاد الروم وعاد، فخرجت عليه ريح شديدة بالقرب من صقلّيّة، فعطب الأسطول بأسره وغرق القائد عمّار في يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة ودفن من الغد بصقلّيّة. ثم إنّ الحسن بن عليّ افتتح في سنة اثنتين وخمسين قلاعا بجزيرة صقلّيّة ونزل على قلعة رمطة، فحاربها فطال عليه أمرها، فرجع إلى جزيرة صقلّيّة وترك [على] رمطة (٤) ابن أخيه أبا محمد الحسن بن عمّار صاحب الترجمة، فأقام عليها وطال مقامه. واستغاث الروم بصاحب القسطنطينيّة، فوجّه إليهم عسكرا في البرّ وعسكرا في البحر، والتقى ابن عمّار مع مقدّمة الروم في نصف شوّال منها بشرذمة يسيرة فرزقه الله الظفر وقتل قائد الروم صاحب عسكر البرّ وأسر صاحب عسكر البحر، وانهزمت عساكرهم فتبعهم المسلمون، فجزّوا منهم عشرة آلاف رأس، وغرق

стр. 1171

منهم في البحر خلق كثير. وكان في طريقهم خرق عميق في الأرض فحال بينهم وبين رؤيته الغبار، فتواقعوا فيه وقت الهزيمة وسقط الخيل والرجال وصار بعضهم على بعض فهلك فيه من الروم خلق لا يحصيهم إلّا الله فماتوا كلّهم، وأسر منهم بعد هذا كلّه ألفا أسير فيهم مائة بطريق. وأخذ من أموالهم وسلاحهم وكراعهم ما يقصر عنه الوصف (١). ونزل من قلعة رمطة نحو ألف علج خوفا وجزعا. وأقام الحسن بن عمّار محاصرا لها، ووجّه بالقائد والبطارقة والرءوس وكتاب الفتح إلى مدينة صقليّة، فخرج إليهم الحسن بن عليّ بالعدّة والعساكر فتلقّاهم فرأى ما سرّه وفرح بذلك فرحا شديدا، ثمّ انصرف فاعتلّ من إفراط الفرح بحمّى حادّة ومات بعد ذلك بسبعة أيّام لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة [سنة ٣٥٢] (٢). وفتح الله قلعة رمطة على يد الحسن بن عمّار لثلاث بقين منه، فقتل جميع من كان بها من الرجال وسبى النساء، واستولى على جميع ما فيها من نعمة ومتاع وغير ذلك. ثمّ قدم من صقليّة على المعزّ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بالمهديّة، فخرج معه لحرب أبي خزر يعلى الزناتيّ الثائر (٣). ثمّ عاد، فبعثه في يوم الثلاثاء لتسع خلون من شوّال سنة تسع وخمسين [وثلاثمائة] على الأسطول إلى مصر، فانتهى إلى طرابلس، وأقلع منها يوم الخميس لثمان بقين من شوّال سنة ستّين وثلاثمائة. ثمّ قدم إلى القاهرة يوم الاثنين رابع ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين، ثمّ لمّا قدم الأسطول في ذي القعدة من المغرب خرج عليه ابن عمّار في ذي الحجّة وسار إلى تنيس ولقي أسطول القرامطة، فأخذ منه سبع قطع وأسر خمسمائة رجل. ثمّ سار في رجب سنة اثنتين وستّين إلى الحوف (٤) على عشرة آلاف، فواقع القرامطة. وما زال بالقاهرة بقيّة أيّام المعزّ وأيّام العزيز. ولمّا احتضر العزيز بالله بمدينة بلبيس استدعى القاضي محمّد بن النعمان والحسن بن عمّار هذا وأوصاهما بولده أبي عليّ المنصور ومات. فأقيم في الخلافة بعده أبو عليّ ولقّب بالحاكم وسار إلى القاهرة وسنه إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر. فأنفق في المغاربة وكتامة وشرطوا أن لا ينظر في أمورهم إلّا ابن عمّار. وذلك أنّه أعطى لكلّ واحد من شيوخ كتامة لمّا أنفق فيهم من خمسة آلاف دينار إلى ما دونها، وأعطى شبابهم على أقدارهم. وكان العزيز قد غضب عليهم لخذلانهم القائد جوهر في نوبة هفتكين وعرف الوزير يعقوب بن كلّس ذلك فاطّرحهم حتى ضاعوا وساءت حالاتهم وتفرّق كثير منهم في الصناعات. فتنبّه ابن عمّار [إلى] حالهم (٥). فاجتمع شيوخ كتامة عند المصلّى خارج القاهرة، وقد خالفوا على الحاكم. فخرج إليهم ابن [٣٧٣ أ] عمّار وما زال بهم حتّى أحضرهم إلى القصر وقرّر لهم ما أرضاهم به وأنفق فيهم، وحلف للحاكم ثمّ حلّفهم وحلف عليه

стр. 1172

الحاكم بأمر الله في يوم الثالث من شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة. وقلّده سيفا من سيوف العزيز بالله وحمله على فرس بسرج من ذهب، وكنّاه، ولقّبه «أمين الدولة»، وقال له: «أنت أميني على دولتي ورجالي»، وقاد بين يديه عدّة خيول، وحمل معه خمسين ثوبا من سائر البزّ الرفيع. ونزل من القصر إلى داره في موكب عظيم. وقرأ سجلّه قاضي القضاة محمد بن النعمان بجامع مصر في خامسه. فاستكتب أبا عبد الله [ ... ] (١) الموصلي واستخلفه على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم. وألزم سائر الناس بالترجّل له فترجّل كلّ رئيس في طائفته. وقرّر لكتامة سبعة أعطية في السنة وأنفق فيهم وحمل رجالاتهم- وهم نحو الألف- على دوابّ الإصطبل التي خلّفها العزيز، ولم يترك أحدا من الشيوخ حتى حمله على الفرس والفرسين بالمراكب الحسنة من خزائن القصر. وسيّر سلمان بن جعفر بن فلاح إلى الشام على عسكر، وخلع عليه، وقلّده سيفا مذهّبا، وحمله على فرس، وقاد بين يديه أربعة أفراس بمراكبها، وأنعم عليه إنعاما زائدا، وأنفق في المغاربة السائرين معه (٢)، وبعث إليه بخزانة مال على ثمانية وستّين بغلا فيها أربعمائة ألف دينار وسبعمائة ألف درهم، وبعث إليه بستّة وأربعين حملا من السلاح وعشر جمّازات عليها الدروع وستّ قباب بفرشها وأجلّتها (٣) ومناطقها وسائر آلاتها، وستّ جمّازات بجنب آلة الديباج الملوّن وثلاثين جمّازة بأجلّة وعشرة أفراس وثلاث بغلات بمراكبها، ومنديل يحمله خادم فيه ثياب من ثياب العزيز وسيف من سيوفه. وصار ابن عمّار ينزل ويركب من باب الحجرة التي فيها الحاكم، فيشقّ القصر راكبا، وألزم سائر الناس بالتبكير إلى داره، وكانوا يزدحمون على بابه وفي دهاليزه، وبابه مغلق. ثمّ يفتح بعد حين ف [ي] دخل الأعيان إلى قاعة الدار ويجلسون على حصير، وهو جالس في مجلسه لا يدخل إليه أحد مقدار ساعة. ثمّ يأذن للأعيان كالقاضي ووجوه كتامة والقوّاد فيدخل أكابرهم. ثمّ يؤذن لسائر الناس فيزدحمون ولا يقدر أحد على الوصول إليه، فمنهم من يومئ إلى تقبيل الأرض، وهو مع ذلك لا يردّ السلام على أحد. فإذا خرج لا يتمكّن من تقبيل يده إلّا قوم بأعيانهم. وباقي الناس يقبّل بعضهم الركاب، وبعضهم يومئ إلى تقبيل الأرض. وأنفذ ما في الإصطبلات من الخيول، فأنعم على كتامة بألفين وخمسمائة فرس، وأخرج للحملان والقود شيئا كثيرا، وحمل من الخيل والبغال والنوق لسلمان بن فلاح زيادة على ألف رأس، وباع من الخيل والبغال والنجب والحمير ما يتجاوز الوصف حتى بيعت الناقة بستّة دنانير، وبيع الحمار الذي كانت قيمته خمسين دينارا بأربعة دنانير. وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق للأولياء من الأتراك وغيرهم. وقطع أكثر ما كان من المطابخ واقتصر على البعض. وقطع أرزاق

стр. 1173

جماعة من أصحاب الراتب، وفرّق كثيرا من جوار في القصر على الناس، وكان فيه من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم، فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق، كلّ ذلك طلبا للتوفير. وحمل إلى سلمان بن فلاح جلّ رحل العزيز وأمتعته. واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عبثهم وامتدّت أيديهم إلى أخذ الحرم من الطرقات، وسلبوا الناس في الشوارع وغيرها. فكثرت شكاية الناس منهم فلم يمسكهم (١). ثمّ إنّه فرّط في الأمر حتى تعرّضوا لغلمان الأتراك يريدون أخذ ثيابهم. فثار بسبب هذا شرّ قتل فيه واحد من المغاربة وغلام من الأتراك. فاجتمع شيوخ الطائفتين وصاروا أحزابا. فقام ابن عمّار في نصرة المغاربة، ووقعت الحرب بين الفريقين، وقتل جماعة منهما. فانطلقت الألسنة من كلّ منهما بالقبيح في حقّ الآخر، وأقاموا على المصافّ يوم الثلاثاء [٣٧٣ ب] ويوم الأربعاء تاسع شعبان. فركب بينهما ابن عمّار يوم الخميس بآلة الحرب وحفّت به المغاربة. وتجمّعت الأتراك، وكانت بينهما وقائع قتل فيها عدّة رجال وجرح كثير، وجمعت الرءوس بين يدي ابن عمّار. فأنكر ذلك وعرف أنّه أخطأ في ركوبه، فعاد إلى داره. ونزل إليه برجوان (٢) ليصلح بينه وبين الأتراك. فعند ما دخل إليه برجوان ركب غلمان الأتراك دار ابن عمّار فعاد برجوان إلى القصر، وامتدّت أيدي النهابة إلى دار ابن عمّار وإصطبلاته، وإلى دار رشأ غلامه، فأخذوا منها ما لا يحصى كثرة. وكان أكثر من نهب المغاربة الذين اصطنع أحداثهم. فسقط في يده ونجا بنفسه إلى داره بمصر ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وعزل (٣) عن النظر، فكانت مدّة أيّام نظره أحد عشر شهرا ينقص خمسة أيّام. ولزم داره بمصر سبعة وعشرين يوما. ثمّ خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد وترك داره ليلة الجمعة خامس عشرين شهر رمضان. وأقام بها لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلّا أتباعه وخدمه. ورسم بإطلاق رسومه وجرايات حشمه وكلّ ما كان له في أيّام نظره من فاكهة وثلج وغيره، ومبلغ ذلك من ثمن اللحم والحيوان والفواكه والتوابل خمسمائة دينار في كلّ شهر، وسلّة فاكهة في كلّ [يوم] بدينار، وعشرة أرطال شمع كلّ يوم وحمل ثلج عن يومين. فلم يزل ملازما لداره إلى أن أذن له في الركوب يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين. فركب إلى القصر ونزل موضع نزول الناس بأسرهم. وواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشره. فأحضر عشيّة إلى القصر وجلس به إلى عشاء الآخرة، ثم أذن له في الانصراف. فعند ما قام ثار به جماعة من الأتراك قد أعدّوا لقتله فقتلوه واحتزّوا رأسه ودفنوه موضعه (٤). ثمّ سأل أهله في نقله إلى تربته، فحمل إليها بالقرافة. وكانت مدّة إقامته بعد عزله عن النظر إلى أن قتل ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية عشر يوما (٥).

стр. 1174

١٢٠٥ - الحسن بن عمر الكردي [٦٣٠ - ٧٢٠] (١) [٤٤٦ أ] حسن بن عمر بن عيسى بن خليل، الكرديّ، الدمشقيّ، أبو علي وأبو محمد. مولده يوم الخميس لعشرين من ذي الحجّة سنة ثلاثين وستّمائة. قرأ على [أبي الحسن] السخاويّ القرآن، وسمع الحديث منه ومن ابن اللتي (٢) وجماعة، وأكثر من الرواية، وحدّث وعمّر. ورحل الناس إليه، واستوطن الجيزة تجاه مصر. ومات بمصر يوم [ ... ] ثالث ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة. ١٢٠٦ - الزكيّ الأسطرلابي [٤٤٦ أ] حسن بن عمر بن سالم، زكيّ الدين، أبو محمد، النقّاش، الأسطرلابيّ. برع في علم الميقات وقال الشعر الجيّد. وتوفّي [ ... ]. ومن شعره [البسيط]: الحرّ بالبرّ والإحسان تملكه ... والنذل بالضدّ أفعالا وأخلاقا يزداد لوما إذا ما زدته كرما ... كالنفط يزداد بالتكريم إحراقا ١٢٠٧ - أبو عليّ الناسخ [٥٧٠ - ٦٢٦] (٣) [٤٤٧ أ] الحسن بن عيسى بن سراج، أبو علي المعروف بالناسخ، الشيخ الصالح. مولده سنة سبعين وخمسمائة. وصحب جماعة من الصالحين، وانقطع بسفح المقطّم. ثمّ توجّه إلى الإسكندريّة فتوفّي بها في يوم الجمعة سابع عشرين ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين وستّمائة. وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: وجدت بخطّ الشريف صدر الدين البكري: سمعت الشيخ أبا علي الحسن بن أحمد بن أبي القاسم الصقلّيّ القرشي يقول وقد حضر البطّيخ فقال: هل صحّ عندكم يا أهل الحديث كيف أكل النبيّ ﷺ البطّيخ؟ فقلت: ما أحفظ في هذا شيئا. فقال: سمعت الشيخ أبا علي الناسخ بمصر، وكان من الصالحين الكبار يقول: رأيت النبيّ ﷺ في المنام فقلت له: يا رسول الله، كيف يؤكل البطّيخ؟ فقطع شقّة وأكلها من جهة اليمنى إلى نصفها ثمّ حوّلها إلى الجانب الآخر وأكلها حتى فرغت، وقال: هكذا يؤكل البطّيخ. فمن يوم سمعت منه هذه [٣٧٤ أ] الحكاية لم آكل البطّيخ إلّا بهذه الصفة. وقال المنذري الحافظ: سمعت أبا علي الناسخ يقول: قال لي أبو عبد الله بن شعيب: كنت واقفا، وقد رآني الشيخ أبو العبّاس العزقي- بالزاي- فقال بعض أصحابه: قل للشيخ: يقول لك تفطر عندنا الليلة. فجاءني وقال لي ذلك. فقلت له: [لا. فقال: ] (٤) قل له: لم؟

стр. 1175

فقلت له: ترضى أن أترك أن أكون على باب الله تعالى إلى آخر النهار، وأكون على بابك؟ ١٢٠٨ - الحسن بن غالب الطرسوسيّ [- بعد ٢٦٤] (١) ولّاه أحمد بن طولون الشرط مكان طخشي بن بلبرد في جمادى الأولى سنة أربع وستّين ومائتين. ثمّ صرفه بإبراهيم بن بلبرد (٢) في ثامن رجب. ١٢٠٩ - غلام الهرّاس [٣٧٤ - ٤٦٨] (٣) [٤٤٨ أ] الحسن بن القاسم بن عليّ، أبو عليّ، الواسطيّ، المقرئ، المعروف ب «غلام الهراس» شيخ القرّاء ومسند العراق. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ورحل في طلب القراءات شرقا وغربا. وقرأ على صاحب ابن مجاهد. وعمّر، وتأخّرت وفاته عن رفقائه. وقرأ القرآن بالروايات قبل الأربعمائة وبعدها، على غير واحد، بواسط وبغداد والكوفة والبصرة وحرّان ومصر. وكان أعور بفرد عين. ثمّ شاخ وعمي. ورحل الناس إليه من الآفاق وقرءوا عليه، وكان يلقّب «إمام الحرمين». وتوفّي يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى سنة ثمان وستّين وأربعمائة. فممّن قرأ عليه: عبيد الله بن إبراهيم مقرئ أبي قرّة، قرأ عليه للدوريّ عن قراءته على أبي بكر بن مجاهد. وقرأ بواسط على عبد الله بن أبي عبد الله العلويّ صاحب النقّاش. وببغداد على عبد الملك النهروانيّ، وأبي أحمد بن أبي مسلم الفرضيّ، وأبي الخضر السوسنجرديّ (٤)، و [أبى] بكر بن شاذان، والحسن بن محمد السامريّ، وعليّ بن أحمد الحمّاميّ وجماعة. وقرأ بالكوفة على القاضي محمد بن عبد الله الجعفي الهروانيّ (٥)، وأبي الحسن محمد بن جعفر النحويّ ابن النجّار. وبدمشق على أبي علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازيّ، والحسين بن عبد الله الرهاوي، وتصدّر بدمشق للإقراء مدّة في حياتهما. ثمّ حجّ وجاور. وقرأ على محمد بن الحسين الكازريني. وقرأ بحرّان على أبي القاسم الزيدي. وقرأ بمصر على أبي العبّاس بن نفيس. وبالبصرة على الحسن بن عليّ بن [أحمد] بن بشّار السابوريّ صاحب [أبي بكر] (٦) النقّاش. وروى الحديث. وللبغداديّين فيه كلام، قال فيه أبو الفضل بن خيرون، وقد سئل عنه: مطرّز معلّم كذّاب. وقال هبة الله بن المبارك السقطيّ: كنت أحد من رحل إلى أبي علي، فألفيت شيخا عالما فهما صالحا صدوقا متيقّظا نبيلا وقورا. وقال أبو الفضل بن خيرون: كان غلام الهرّاس مقرئا، غير أنّه خلط في شيء من القراءات، وادّعى إسنادا في شيء لا حقيقة له، وروى عجائب.

стр. 1176

وقال ابن السمعانيّ: قرأ أبو علي بالأمصار، وسافر في طلب القراءات وأتعب نفسه في التجويد والتحقيق حتى صار طبقة العصر، ورحل الناس إليه من الأقطار. ١٢١٠ - الوزير ابن أبي كدينة [- ٤٦٦] (١) الحسن بن مجلّي بن أسد بن أبي كدينة [المراديّ]، الوزير الأجلّ الأوحد، جلال الإسلام، ظهير الإمام، قاضي القضاة، وداعي الدعاة، شرف المجد، خليل أمير المؤمنين وخالصته، أبو محمد، ابن القاضي ثقة الدولة وسنائها. كان سيّئ الخلق قاسي القلب. ويقال إنّه من ولد عبد الرحمن بن ملجم. تردّد في الوزارة والقضاء، فولي الوزارة خمس دفعات، أوّلها بعد صرف أبي غالب عبد الظاهر بن الفضل في سابع عشرين شعبان سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وأضيف إليه القضاء عوضا عن عبد الحاكم بن وهيب (٢). وقبض عليه في خامس ذي الحجّة منها. ثمّ أعيد إلى القضاء فقط بعد جلال الملك أحمد بن عبد الكريم في ثالث عشرين المحرّم سنة ستّ وخمسين. وصرف عنه بأبي غالب عبد الظاهر في تاسع عشر ربيع الآخر منها. وصرف عنهما في رابع ذي الحجّة، ثمّ أعيد إليهما بعد فخر الملك أبي شجاع محمد ابن الأشرف أبي غالب محمد بن علي بن خلف في حادي عشرين المحرّم سنة سبع وخمسين. فبقي أربعة أيّام وصرف عنهما في سادس عشرينه. فولي فخر الملك الوزارة، وولي جلال الملك أحمد القضاء. ثمّ أعيد في النصف من جمادى الآخرة إلى الوزارة والقضاء، وصرف عنهما في نصف رجب. ثمّ أعيد وصرف في سادس عشرين صفر سنة ثمان وخمسين بجلال الملك. [ثمّ أعيد] إلى القضاء في يوم الثلاثاء ثامن المحرّم سنة تسع وخمسين وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب. ثمّ أعيد في سابع جمادى الآخرة. ثمّ صرف بعبد الحاكم في ثالث عشرينه. وأعيد في ربيع الأوّل سنة ستّين إلى القضاء والوزارة معا، وصرف في جمادى الأولى. ثمّ أعيد يوم عيد النحر، وصرف عن القضاء بعبد الحاكم بن وهيب في ثالث عشرين صفر سنة إحدى وستّين. ثمّ ولي الوزارة والقضاء جميعا بعد خطير الملك محمد بن الحسن بن علي اليازوريّ في شوّال. وصرف عن القضاء في ذي القعدة بعبد الحاكم بن وهيب، ثمّ ولي في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين الوزارة والقضاء والدعوة. فلمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القاهرة واستولى على أمور الدولة وقتل رجالها، بعث بابن أبي كدينة إلى دمياط وقتله بها. ولمّا دخل عليه السيّاف ليضرب عنقه، كان السيف كليلا، فضربه به عدّة ضربات، يقال إنّها إحدى عشرة ضربة وهي عدّة ولاياته (٣). وذلك في جمادى الآخرة سنة ستّ وستّين [وأربعمائة] (٤).

стр. 1177

١٢١١ - أبو علي البغداديّ المقرئ [- ٤٣٨] (١) الحسن بن محمد بن إبراهيم، أبو علي، البغداديّ، المقرئ، الفقيه المالكيّ، مصنّف كتاب الروضة في القراءات [الإحدى عشرة]. قرأ على أبي أحمد [عبيد الله بن محمد] الفرضيّ، وأحمد بن عبد الله السوسنجرديّ، وأبي الحسن ابن الحماميّ، وعبد الملك النهروانيّ، وطبقتهم. وقرأ بالكوفة على محمد بن عبد الله الهروانيّ، ومحمد بن جعفر النجّار. وقدم مصر وسكنها وصار شيخ الإقراء بها. قرأ عليه أبو القاسم [يوسف بن عليّ] الهذليّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن غالب الخيّاط، و [محمد] ابن شريح [الإشبيليّ] صاحب الكافي (٢). وروى الروضة عنه عليّ بن محمد بن حميد الواعظ. توفّي في رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. ١٢١٢ - ابن كاسيبويه الكاتب [- ٥٨٨] (٣) [٤٦٨ أ] الحسن بن إسماعيل بن كاسيبويه، قاضي عسقلان، أبو عليّ، القاضي المؤتمن، السعيد، جلال الملك، الأشرف، ضياء الدين. ... وروى عن أبي عمرو عثمان بن فرج العبدريّ الأندلسيّ. وكتب في ديوان الإنشاء بالقاهرة عند الموفّق أبي الحجّاج يوسف بن الخلّال مدّة. فلمّا عمي ابن الخلّال استنابه في الديوان، وكان الديوان قد صار مقسوما بين ابن الخلّال وبين القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيسانيّ. فباشر المؤتمن نيابة عن ابن الخلّال شركة للقاضي الفاضل، إلى أن قدم أسد الدين شيركوه إلى القاهرة وولي الوزارة للعاضد. فسأل أن يعيّن له كاتب من كتّاب الإنشاء. فبعث إليه العاضد بالقاضي الفاضل، فكتب لشيركوه ثمّ لصلاح الدين يوسف. ولزم المؤتمن بيته مدّة إلى أن قدم التاج أبو اليمن الكنديّ إلى مصر [و] سكن برحبة الجامع الأزهر. فصحبه المؤتمن، وتوصّل به، إلى أن استخدمه عند الأمير عزّ الدين فرخ شاه [بن شاهنشاه بن أيّوب]، وسار معه إلى دمشق. فلمّا مات فرخ شاه (٤) خدم بعده الملك المظفّر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب. ثمّ خدم الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وتوجّه معه إلى حلب، ثمّ عاد إلى دمشق وأقام بها في خدمته. قال العماد الكاتب في حقّه: هو من صدور الكتّاب بمصر الذين يثنى عليهم الخنصر. ولم يزل في الدولة المصريّة مقدّما مصدّرا، وبكر فضله خلف حجاب الصّون مخدّرا، ما أحسن أثر يراعته خطّا، ومأثول براعته خطبا، وما أمكن خاطره المنير في سماء النظم لفلك المعاني قطبا. ولمّا زالت الدولة حار ابن كاسيبويه وكاد يخفى، ولو أنّه في العلم سيبويه. فآواه القاضي الفاضل، وغمرته منه الفواضل، وناضل عنه، وصيّره عزّ الدين فرخ شاه ابن شاهنشاه ابن أيّوب وزيره. وهو

стр. 1178

سهل العبارة سلسها، مبتدع الاستعارة مختلسها، كتابته حلوة معسولة، من كلف الصنعة مغسولة. وله نظم يناسب نثره سلاسة ونهجا. فمن ذلك قوله في عزّ الدين [فرخ شاه] وهو في الغزو، من أبيات [الكامل]: يا سيّد الأملاك غير مدافع ... والمنتمي منهم لأكرم منتمى [٣٧٥ أ] والكامل العزّ الذي أضحى له ... فضل التفرّد بالكمال مسلّما وسمت محاسنك الزمان فلم تدع ... وقتا من الأوقات إلّا موسما وسمت فجاوزت السماء، مناقب ... قد خلّفت من خلفهنّ الأنجما ذعرت مهابتك الليوث خوادرا ... وثنت عزائمك الخميس عرمرما أزرت خلالك بالحسام إذا مضى ... عند الضريبة والغمام إذا همى وشفعت فضل براعة بشجاعة ... جعلت لك النصر المعجّل مغنما لا غرو أن جرّ الجيوش مقدّما ... من كان قد شهد الوقائع مقدما شوقي إلى المولى وإن قرب المدى ... للقائه، شوق يزيد تضرّما [٤٦٨ ب] ما راق عيش بعد بعد ركابه ... كلّا، ولا عدم الجنان تألّما قسما، لقد هجر الكرى جفني، فلا ... يعتاده حتى يعود مسلّما وتوفّي بدمشق في أوّل رمضان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وهو يكتب للملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين يوسف، وعمره يومئذ خمس وستّون سنة. قال القاضي الفاضل: وكان من أعيان الكتّاب وعقلائهم، تنقّلت به خدم كثيرة في الديار المصريّة، وخدم بديوان المكاتبات بمصر مدّة، سنة أربعين وخمسمائة وهلمّ جرّا. وكان مشكور الطريقة، سهل الألفاظ، صحيح المعاني، مستجيب الخاطر، حسن الخطّ، جميل المحاضرة. وخلّف بنتا وأخا ﵀. ومن مصنّفاته كتاب الغلمان وكتاب الجواري، وله عدّة رسائل. ١٢١٣ - بدر الدين الحسنيّ النسّابة [- ٨٠٩] (١) [٤٦٩ أ] حسن بن محمد بن حسن [ ... ]، السيّد الشريف، بدر الدين، أبو محمد، النسّابة، الحسنيّ، الشافعيّ. حدّث عن الوادي آشي، والميدوميّ، واستقرّ نسّابة الأشراف بديار مصر دهرا طويلا. وولي مشيخة خانكاه بيبرس، حتى مات في سادس عشر شوّال سنة تسع وثمانمائة وقد قارب التسعين. ولم يكن فيه ما يمدح به إلّا أنّه علويّ. ١٢١٤ - أبو محمد الصّلحيّ الكاتب [- ٣٧٦] (٢) [٤٦٩ أ] حسن بن محمد، أبو محمد، الصلحيّ- بكسر الصاد- الكاتب [ ... ]. وخلف أبا بكر محمد بن رائق على أمور الحضرة ببغداد في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وجلس للنظر في المظالم نائبا عن ابن رائق.

стр. 1179

وحضر مجلسه قاضي القضاة والشهود ووزراء الحضرة وكتّابها. وكتب لتكين الشرابيّ. وتصرّف قديما بفارس في أعمال جليلة، وآخر عمل تقلّده كتابة أمير المؤمنين المطيع لله على ضياعه وداره في سنة إحدى وخمسين [وثلاثمائة]. فكان المطيع يؤانسه، وإذا مشى في الدار مشى معه، ويحادثه ويفيض معه في ألوان غير ما يتعلّق بالعمل، ويفضي إليه المطيع بأموره. فلمّا فسدت أمور الحضرة وانقرض تدبير السلطان بها، خرج من بغداد إلى مصر. ١٢١٥ - الحسام الغوري قاضي الحنفيّة [- ٧٧١] (١) [٤٧٠ أ] حسن بن محمد بن محمد، الغوريّ، قاضي القضاة، حسام الدين، البغداديّ، الحنفيّ، محتسب بغداد. قدم صحبة نجم الدين محمود بن عليّ بن شروين وزير بغداد في سابع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثمّ خلع عليه، واستقرّ قاضي القضاة الحنفيّة بالقاهرة ومصر، عوضا عن برهان الدين إبراهيم بن عليّ بن عبد الحقّ، في ثامن عشر جمادى الآخرة منها. فسار في القضاء سيرة غير معهودة، من تسلّطه بلسانه على الناس، وتكلّمه بما لا يحمل، وفعله في قضائه بما يسخر منه. فلمّا مات السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وأقيم ابنه الملك المنصور أبو بكر في السلطنة، كتب الغوري ورقة إلى الموفّق هبة الله بن إبراهيم ناظر الدولة- وقد تأخّر صرف معلومه- يذكر فيها مساويء القبط بما فيه فحش وبشاعة، فبلّغوا ذلك للسلطان. فلم يكتف بما كتبه حتّى ذكر للسلطان في دار العدل بحضرة رفاقه القضاة والأمراء، عن الكتّاب قبائح لم يكفّ (٢) فيها عن سبّ. فغضب [٣٧٥ ب] السلطان على مشافهته بذلك وطلب خروج القضاة [من] الوزير نجم الدين محمود وزير بغداد، وأنكر على الغوريّ ما صدر منه وأنّه لولا أنّه رفيقك لضربته بالمقارع. فطلبه الوزير وبالغ في تعنيفه وتوبيخه، وعرّفه تغيّر السلطان عليه. ثمّ لمّا أقيم الناصر أحمد في السلطنة حضر القضاة بجامع القلعة ليبايع له الخليفة على العادة. فجمع بعض زفوريّة (٣) المطبخ السلطانيّ جمعا من رفاقه وهجم الجامع بهم، فأقاموا الغوريّ من بين القضاة ومزّقوا ثيابه وخرقوا عمامته في عنقه وصاحوا بسبّه (٤) وتناولوه بالنعال يضربو [ن] هـ وهو يستغيث: يا مسلمين، يجري على قاض من قضاة المسلمين مثل هذا؟ ! فأدركه بعض الأمراء في عدّة من المماليك وقبضوا على طائفة من العامّة فضربوا. وحمل الغوريّ إلى بيته بالصالحيّة، فما هو إلّا أن استقرّ به [حتّى] ثارت العامّة واقتحموا عليه البيت ونهبوا جميع ما فيه، وكان يوما شنيعا. وشرع القضاة في كتابة محاضر بما كان يفعله ليثبتوا فسقه وكانت أنفسهم قد امتلأت عليه حنقا،

стр. 1180

لقبح أفعاله التي لا تليق بالحكّام، وجرأته عليهم. فإنّه كان إذا جلس بدار العدل يأخذ المجلس بحديثه مع السلطان بالتركيّ، وينكّت على القضاة ويضع منهم. وإذا تخاصم إليه رجل وامرأته، قامفي نصرة المرأة. وتصدر منه مع ذلك [٤٧٠ ب] قبائح، منها أنّ امرأة دخل بها أبوها إليه فادّعت على زوجها بمبلغ صداقها وكسوتها، فإذا منجّم (١) صداقها في كلّ سنة دينار. فأمرها بكشف وجهها فكشفت عن صورة جميلة، فقال لأبيها: يا مدمّغ (٢)، مثل هذه تزوّجها بدينار كلّ سنة؟ والله يا مدمّغ يسوي مبيتها كلّ ليلة مائة درهم! - ثمّ قال لزوجها: يا نحس، تستغلي أن تكون هذي بهذا القدر؟ والله أنت أدمغ من أبيها! وكان يكثر من السخف، بحيث إنّه قال للأمير قوصون بحضرة الأمراء إنّه، وهو محتسب ببغداد، وقف على دكّان حلوانيّ قد عمل من دبس القسب سياطة بيضاء وأخبره أنّه قصّرها بالبيض (٣)، فقال له: ويلك! مجنون أنت! أنا عندي جارية سوداء لي عشر سنين أقصّرها بالبيض ما ابيضّت! وادّعت عنده امرأة على زوجها بحقّ وجب فيه حبسه، فأمر بحبسه. فقال الرجل: وتكون امرأتي في سجن البغداديّة حتى أحصّل ما لها عليّ؟ فقال القاضي: أنت مجنون! أنا أحقّ من البغداديّة! - وأشار لنقيبه فأطلعها إلى طبقة في دار القاضي، فأقامت عنده أشهرا. وكانت المحاكمة عنده بين الخصمين تقيم مدّة لكثرة عيّه وتلبيكه (٤) الأمور. ودعي مرّة إلى عقد نكاح بعض أولاد الأمراء، فدخل هو والقضاة الثلاث [ة]، وقد بسط البيت بالحرير المزركش. فتجنّب القضاة الجلوس على ذلك، إلّا هو، فإنّه جلس عليه وقال: يا جماعة الجند! انظروا فعل هؤلاء: يتركو [ن] الجلوس على هذا الحرير! وأقسم بالله العظيم لو قدروا عليه لباعوه وأكلوا ثمنه! فضحك الحاضرون، واشتدّ ذلك على القضاة. وكان يعاقب في مجلس حكمه بالضرب، وله أخبار قبيحة جدّا. فلمّا تهيّأت المحاضر عليه قصدوا إراقة دمه، فقام الأمير طشتمر حمّص أخضر نائب السلطنة في حقّه، حتى حكم الشيخ تقيّ الدين السبكي بسفره من أرض مصر، فأخرج في [ ... ] سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. واستقرّ عوضه في قضاء القضاة الحنفيّة زين الدين عمر بن عبد الرحمن البسطاميّ. ١٢١٦ - الحسن ابن الجرّاح الكاتب [٢٠٩ - ٢٦٩] (٥) [٥١٨ أ] الحسن بن مخلد بن الجرّاح، أبو محمد، الكاتب، الوزير، البغداديّ. [تنقّله في الوزارة ببغداد] أصله من دير قنّى. ولد في سنة تسع ومائتين. وخدم في دور الخلفاء بالكتابة وتنقّل في الرتب [ ... ] والنفقات. [و] تقلّد ديوان الضّياع بعد

стр. 1181

إسحاق بن منصور في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين. فكتب إلى عمّال المشرق والمغرب ثلاثمائة كتاب، إلى أن كتب للموفّق أبي أحمد طلحة. وتعيّن للوزارة وذكر لها عند ما تقلّد المعتمد الخلافة. ثمّ خلف الوزير أبا الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان. فلمّا مات ابن خاقان أحضر الحسن في يوم السبت لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستّين ومائتين، وهو غد اليوم الذي مات فيه ابن خاقان، واستوزره [٣٧٦ أ] المعتمد، وخلع عليه في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت منه، فاجتمعت له الوزارة وكتابة الموفّق. وبقي أيّاما إلى أن دخل موسى بن بغا سرّ من رأى، فسأل المعتمد أن يستوزر سليمان بن وهب، فأجابه إلى ذلك. فبلغ الحسن الخبر فاستتر فياليوم الرابع من دخوله وسار إلى بغداد. وكانت وزارته هذه تسعة وعشرين يوما. ثمّ قبض عليه عبيد الله بن سليمان بن وهب بعد ما ولي أبوه، لستّ خلون من المحرّم سنة ثلاث وستّين [ومائتين] وظفر به بعد ثلاثة أيّام وعذّبه وطالبه بالأموال، وأخذ خطّه بألف ألف دينار، فأكبر جميع الكتّاب ذلك وعدوّه من عظيم خطإ سليمان وابنه إذ سنّا مطالبة الكتّاب بمثل هذه الأموال، وابتدأ الحسن بأداء المال شيئا فشيئا. وكان الذي فعل به موسى بن بغا، فتوفّى موسى في المحرّم سنة أربع وستّين، وأخرج الحسن من محبسه وأسقط ما كان عليه وردّت عليه ضياعه. وقبض على سليمان وقيّد ونهبت داره، في ربيع الآخر. وأعيد الحسن إلى الوزارة ثانيا بعد سليمان بن وهب في شوّال منها، وخلع عليه. فلم تمض له الأمور، وهرب إلى بغداد، فكتب في قبض أمواله. وولي بعده الوزارة أبو الصقر إسماعيل بن بلبل مديدة يسيرة. فتذكّر المعتمد كفاية الحسن بن مخلد، فاستفتى الفقهاء في اليمين التي حلفها للموفّق أن لا يستعمل الحسن، فرخّص له في ذلك. وعزل ابن بلبل وجرت أحوال من القوّاد، وغلت الأسعار. فأشاروا على المعتمد أن يولي الحسن، فقبل منهم وقلّده الوزارة مرّة ثالثة، وخلع عليه في جمادى الأولى سنة خمس وستّين. فأوقع بآل وهب وطالبهم بالأموال وأخذت خطوطهم بسبعمائة ألف دينار، وأخذ خطّ ابن الفرج كاتبهم بمائة دينار، فقال الناس: هذه سنّتهم التي [٥١٨ ب] سنّوها على الحسن بن مخلد. [تحوّله إلى مصر] ثمّ تغيّرت الموالي على الحسن [بن مخلد] فركبوا إلى داره وقبضوا عليه ومضوا به إلى مضاربهم مكشوف الرأس بلا سراويل. ثمّ حمل إلى الأنبار، فسار إلى الرقّة وبها أبو الفتح محمد بن الفتح بن خاقان من قبل أحمد بن طولون، فبعث إلى أحمد بن طولون بقدوم الحسن بن مخلد إلى الرقّة منفيّا. وكتب الحسن إليه أيضا أن يكون عنده بمصر، فكتب أحمد بن طولون بحمله مكرّما، فقدم إلى مصر في أواخر سنة خمس وستّين. وكان سبب لحاقه بأحمد بن طولون ما أسلف إليه أحمد في وزارته. وذلك أنّ أحوال أحمد بن طولون لمّا اتّسعت وعظم صيته، كتب فيه ماجور [التركيّ] (١) من دمشق وهو يتقلّدها من قبل المعتمد على الله: أمّا بعد، فإنّه قد اجتمع لأحمد بن طولون أكثر ممّا كان تجمّع لأحمد بن عيسى بن شيخ، والخوف منه أكثر، إذ كان فيه من

стр. 1182

الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ. وكتب فيه أيضا أحمد بن محمد بن مدبّر، وهو على خراج مصر، وشقير الخادم متولّي البريد بمصر في معنى هذا. فورد على أحمد بن طولون من الحضرة كتاب: أمّا بعد، فإنّا رأينا أن نردّ إليك أمر دارنا بالحضرة وتدبير مملكتنا. فإذا قرأت هذا فاستخلف على قصرك من أحببت، والبلد لك وباسمك، واشخص إلينا فيما ندبناك إليه ورأيناك أهلا له، والسلام. فلمّا قرأ أحمد بن طولون الكتاب، عرف بما فيه من الدهاء والذكاء وغزارة العقل وقوّة الحزم، أنّها حيلة عليه حتى يقع في القبضة. فأنفذ كاتبه أبا عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ إلى الحضرة ومعه مال كثير إلى الوزير الحسن بن مخلد، وأضاف مع المال شيئا من دقّ تنيس ودمياط وكثيرا من الخيل والبغال والطرف، وكتب إليه يسأله أن تشمله عنايته في الإقامة على عمله، وأن يطلق له ولده وحرمه. فلمّا وصل ذلك إلى الحسن قال: ما نزعجه عن عمله ولا نقبل فيه قول ساع يسعى فيه. وركب هو ويارجوخ صاحب أحمد بن طولون وأبو امرأته إلى أمير المؤمنين المعتمد على الله، وأحسنا القول في أحمد بن طولون وصغّرا ما كتب به ماجور وابن مدبّر وشقير. فأمر بتثبيت عمله في يده. فكتب إليه الوزير الحسن بن مخلد بذلك وأطلق له حرمه وولده، فقدم عليه بهم الواسطيّ، فسرّ بذلك سرورا كثيرا، وتصدّق بصدقات جليلة المقدار، وحمل إلى الحسن هدايا سنيّة ومالا كثيرا، [٥١٩ أ] وكتب يشكره على ما كان منه ويستدعي بالكتب التي كتبت في حقّه. فلمّا ملأ عيّن الحسن وقلبه أنفذ الكتب إليه. فلهذا لحق الحسن بأحمد بن طولون واختاره. [تولّيه الخراج بمصر] قال الصوليّ: لمّا قدم الحسن بن مخلد على أحمد بن طولون رأى منه ما لم ير مثله قطّ من الفهم والدراية بأمور الدنيا، فحظي عنده وقرّر أن يستكتبه وقال له: انظر في الأعمال بمصر. فنظر فيها فضمن له زيادة ألف ألف دينار في ارتفاعها، على أن يكون العدل أفشى والناس أرضى. فخافه الكتّاب فدسّوا إلى ابن طولون من قال له: هذا عين للناصر أبي أحمد الموفّق عليك.- فحبسه وعذّبه إلى أن قتله. وما وثق الكتّاب بحبسه بمصر وخافوا أن يحتاج إليه حتّى قالوا: من حقّ هذا أن يحبس في غير مصر، فإن حدث به حادث لم يكن في جوار الأمير ولا ينسب إلى أفعاله. فأنفذه إلى أنطاكية وتقدّم إلى صاحبه بها أن يعذّبه، فمات في الحبس بأنطاكية في سنة تسع وستّين ومائتين. وذكر عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر أنّه مات بحبس ابن طولون بمصر في صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين. وذكر غيرهما أنّه مات في سجنه بأنطاكية يوم الأحد لخمس خلون من شعبان سنة سبع وستّين ومائتين. [سبب تنكّر ابن طولون له] وذكر أحمد بن يوسف الكاتب في سيرة ابن طولون أنّ أحمد بن طولون لمّا وصل إليه الحسن بن مخلد أظهر إكرامه وإعزازه والتجمّل به والتشرّف. ولم يزل عنده على هذه الحال إلى أن تأمّل أحمد بن طولون منه أنّه يرى أنّ فعله ذلك به لاستحقاق و [هو] فرض واجب عليه، وأقبل يتبسّط المتبوع من التابع، إدلالا واطّراحا للهيبة ولتوفية الحقّ. فأحفظه ذلك عليه، وكان ينادمه، فحضر يوما محبوب بن رجاء معه بحضرة

стр. 1183

أحمد بن طولون، فقال لمحبوب على جهة المداعبة [المقتضب]: فاح ريح الحماحم ... من سراويل قاسم يعرّض بأنّ أمّ محبوب اسمها قاسم، وذهب عنه أنّ اسم أمّ أحمد بن طولون قاسم أيضا، فقال له محبوب لينبّه عليه أحمد بن طولون، تذكر أمّي وقد كانت حصانا، أو تقول فيها هذا؟ إنّما المنكر أن يكون الوزير أخيف (١) أو أزرق أو أعور- وكانت إحدى عينيّ الحسن زرقاء والأخرى سوداء- فهذا مشئوم في الدوابّ، فكيف في [٥١٩ ب] الوزراء؟ فأحفظ ابن طولون قول الحسن بن مخلد وخبّأ ذلك له. فلمّا كان بعد أيّام أحضره أحمد بن طولون لمنادمته على الرسم. فغنّى- وقد سكر- بالنبطيّة وصفّق بيديه، ثمّ زاد عليه السكر وملكه فقال [الهزج]: أيا ويحك كم تصعد ... لقد جزت مدى الفرقد فلو زلّت بك النّعلا ... ن لاستوبأت ما تحمد (٢) فاغتاظ أحمد بن طولون غيظا شديدا، وأمر به فجرّ برجله إلى الحبس، فما زال محبوسا حتى خرج أحمد بن طولون إلى الشام، فحمله مقيّدا معه، فمات في الطريق، فدفن في قصر عيسى بن شيخ بالخشاشي (٣). [بعض مناقبه] وكان الحسن بن مخلد يحبّ الأدب وأهله ويصلهم. ولم يكن له حظّ جزيل فيه كحظّه في علم الخراج ومعرفة الضياع والإقطاع، لأنّه لم يطلبه صغيرا وإنّما أحبّه حين اتّصل بإبراهيم بن العبّاس الصوليّ فرأى أدبه وعلمه. فكانت شهوته له أكثر من حظّه منه. وكان أجلّ الناس لباسا وطيبا ومركوبا ومنزلا وآلة وغلمانا ودارا. وكان خدمه يركبون إلى الميدان في يوم الجمعة بالجنائب الكثيرة، والغلمان الدونة (٤) في الوشي والديباج المنسوج بالذهب. وكان في داره من الفرش المعلّقة والمبسوط ما قيمته مائة ألف دينار. وكان يعاتب في ذلك، فيقول: أمر أمثالنا يجيء جملة، فلم لم نتعجّل باللذّة ونبادر الفرصة ونتمتّع بصفو الزمان قبل كدره؟ وكان يقال: ما لا يعلمه الحسن بن مخلد من الخراج، فليس هو في الدنيا. وكان عظيم الجسم، مهيب المنظر، قويّ الحجّة، شديد المعارضة، لا يقدّم في وقته أحد عليه ولا يقاس به. ومن شعره [المخلّع]: من صادر الناس صادروه ... وأعنتوه وماكروه [٣٧٧ أ] وجاحدوه الحقوق بهتا ... وبالأباطيل ناظروه بمثل ما راح من قبيح ... أو حسن منه باكروه

стр. 1184

قال يوسف بن يعقوب قوصرة: اعتذرت إلى الحسن بن مخلد فقال لي: لا عليك، أعزّك الله، من صادر الناس ... الأبيات الثلاثة، وما كنت أظنّ أنّه يقول الشعر. قال لي الحسن بن عليّ: وما سمعت له شعرا غير هذا. وكان يقال: أهيب الكتّاب مجلسا وخطابا اثنان: عمر بن الفرج الرّخّجي (١) والحسن بن مخلد، لعلمه بأمور الدنيا. [ما قيل فيه من الشعر] وكتب إليه سعيد بن حميد في يوم نيروز [الوافر]: قضى حقّ الهديّة كلّ مهد ... ومحتفل ليوم كسرويّ [٥٢٠ أ] فلمّا كان حقّك فوق شكري ... وكان الشكر من خلق الوفيّ وكان الله قد أعطاك فضلا ... مبينا للعدوّ وللوليّ رغبت إليه أن يجزيك عنّي ... كما رغب الفقير إلى الغنيّ ٥ وأمّنني من التقصير أنّي ... أحيلك بالجزاء على مليّ فأهديت الثناء وبعض شكري ... كما يهدي السريّ إلى السريّ ومدحه أبو الفضل أحمد بن طاهر، فأرسل إليه أن قد أمرت لك بمائة دينار فالق رجاء.- فلقي رجاء فقال له: لم يأمرني بشيء- فكتب إليه [البسيط]: أمّا رجاء فأرجا ما أمرت به ... وكيف إن كنت لم تأمره يأتمر؟ بادر بجودك إمّا كنت مقتدرا ... فليس في كلّ حال أنت مقتدر وكتب إليه البحتريّ وهو في الحبس [الطويل]: يعزّ علينا أن نزورك في الحبس ... ولم نستطع نفديك بالمال والنفس فقدنا بك الأنس الطويل وعطّلت ... مجالس كانت منك تأوي إلى أنس فإن حجبتك الجدر عنّا فربّما ... رأينا جلابيب السحاب على الشمس (٢) ومن كلام الحسن بن مخلد: من المروءة أن يلبس المرء خدمه وحشمه مثل ما يلبس، ليكون قد امتثل أمر الله تعالى في قوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، وأرغم أنف حاسده واستمال قلوب حاشيته. ١٢١٧ - الحسن بن مهاجر [- بعد ٢٥٠] (٣) [٥٢١ أ] الحسن بن مهاجر بن أبي المهاجر موسى بن محمد بن أبي المهاجر أيّوب بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى بن سعد [ ... ]. ولد بالرقّة، وكان أبوه متوكّلا للحسين الخادم المعروف ب «عرق الموت» في ضياعه. فلمّا تقلّد الحسين البريد بمصر اجتاز به في مسيره ليطالع ما يجري على يديه. فرأى الحسن وهو يكتب، فمال إليه وقال لأبيه: خرجت من الحضرة ولم أصحب

стр. 1185

معي كاتبا، لما أعلمه منهم من الجرأة ولطف الحيلة، وأنّهم للعامل الخائن أوفق منهم للنّاصح، وأحبّ أن يصحبني ولدك هذا وتؤثرني به، فإنّي أقنع به وأرجو أن يحسن تأديبي له. [دخوله مصر في خدمة حسين عرق الموت] فلم يمكنه مخالفته وأسلمه إليه، وقدم به إلى مصر، وألزم نفسه تأديب الحسن وتقويمه كما يتولّى الوالد من ولده. ثمّ سلّم إليه ديوان البريد ووصّاه وصيّة حسنة قد ذكرت في ترجمة حسين الخادم (١)، وأعطاه أربعة آلاف دينار. ثمّ لم يخدم بعده أحدا، واتّجر في ماله، إلى أن شنأت نفس أحمد بن طولون الكتّاب بما وقف عليه من حال أحمد بن مفضّل وجرأته على اليمين الكاذبة، واحتاج من يقوم مقامه. فسنح ذكر حسن بن مهاجر هذا، فأحضره وسأله عن مبدإ أمره، وسبب تعلّقه بحسين الخادم. فأخبره بما كان من أمره وما وصّاه به حسين، فقال: ما أحبّ من كاتبي إلّا ما وصّاك به صاحبك، لا زيادة عليه ولا نقصان منه. ثمّ قال له: وكم أعطاك صاحبك؟ قال: أعطاني أربعة آلاف دينار. فقال أحمد: قد أمرت لك بمائة ألف دينار، وإذا جريت على ما وصّاك به صاحبك فهذا المال قليل لك من كثير من عندي يصير إليك. [انتقاله إلى خدمة أحمد بن طولون] وخلع عليه وألزمه خدمته، وكانت المائة ألف التي أخذها ابن مهاجر هي التي أخذها أحمد بن طولون من مال أحمد بن مفضّل عند نكبته إيّاه. فباشر ابن مهاجر، ولم ينكر أحمد بن طولون منه إلّا تحامله على الناس. فحظي عنده بذلك، فقال له يوما: قد صحّت نصيحتك عندي، وأنت غير محتاج أن تتحامل على أحد لتزداد منزلة عندي. وأنت تجني على نفسك من الآثام بذلك، واستيحاش الناس منّي أكثر ممّا تحرزه من الحظّ. واعلم أنّك تزرع في قلوب الناس بما تأتيه حقد [ا] لا تفنيه الأيّام بل تتوارثه الأعقاب. فاطلب الشكر من الناس، فليس يكرهه إلّا ناقص المعرفة، جاهل بما توجبه [٥٢١ ب] السياسة، غير عالم بما توجبه النصيحة، فميّز الناس تمييز عادل فالق شرارهم بالغلظة وخيارهم بالرأفة. وجرى في مجلس ابن عبد كان ذكر محبوب بن رجاء وحسن بن مهاجر، فطعن عليهما أكثر الحاضرين. فقال ابن عبدكان: الصدق أجمل مأثور: في كلّ منهما فضل بيّن، وإنّهما لعلى أفضل طريقة. أمّا محبوب فسريع الجواب حسن الانتزاع حلو المكاتبة. وأمّا ابن مهاجر فوقور مستصغر لنصيحة من ينصحه، بعيد الغور، لا يؤثر، على توفّر مال صاحبه ولا ما يزيّن حاله عنده، شيئا من أعراض الدنيا. ولقد اجتمعت وقت المناظرة وكلّ واحد منهما حنق على صاحبه، فقال حسن لمحبوب: أمرني الأمير أن أجلس في حلقك حتّى يفضل ما أثبتّه من الحساب الذي رفعته. فقال له محبوب في وقته: إذا جلست في حلقي قذفتك في المخرج! فأضحك جميع من حضر وانقطع ابن مهاجر ساعة، ثم تناظرا فقال محبوب لحسن: أنت شابّ غرّ حدث، والصواب لك أن تستشعر خوف الأمير. فقال حسن: والله ما أخافه!

стр. 1186

فقام بها محبوب وقعد، ورفعها صاحب الخبر إلى أحمد بن طولون، فدعا بهما، وقال: ما هذا الكلام الذي جرى بينكما؟ فقال محبوب: ذكر الحسن أنّه لا يخاف الأمير. فقال له أحمد: هو ذا تسمع يا حسن؟ فقال: كذا قلت أيّها الأمير، لأنّي قد استفرغت وسعي في طاعتك، وجهدي في خدمتك، وقوّتي في مناصحتك. فقد أمنت جورك وليس عندي شيء يخيفني منك. قال: صدقت، الأمر كما وصفت. بارك الله عليك وفيك. ١٢١٨ - القلندريّ [- ٧٢٢] (١) [٤٣٢ أ] حسن [العجميّ] الجواليقيّ القلندريّ. ... قدم مصر وبنى الزاوية المعروفة بزاوية القلندريّة خارج باب النصر من القاهرة. وتقدّم في الدولة العادليّة كتبغا. وكان فيه لطف وظرف وكرم. وترك قبل موته حلق لحيته وتزيّا بزيّ الصوفيّة. وسكن دمشق، وبها مات يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. وكان كثيرا ما ينشد [الطويل] (٢): سلام على ربع به نعم البال ... وعيش مضى ما فيه قيل و [لا] قال لقد كان طيب العيش فيه مجرّدا ... من الهمّ، والقوم اللوائم غفّال ملاعب ما حلّت بها آفة النّوى ... ولا كان فيها للمحبّين أشغال فلا عيش إلّا والشبيبة غضّة ... ولا وصل إلّا والمحبّون أطفال وهم زعموا أنّ الجنون أخو الصّبا ... فليت جنوني دام والناس عقّال! على مثلها تستفرغ العين دمعها ... بكاء وإلّا ما البنون وما المال؟ ١٢١٨/ ٢ - شرف الدين ابن سناء الملك حسن بن [ ... ] شرف الدين، ابن سناء الملك [ ... ]. وكان أديبا فاضلا. من شعره [السريع]: أحسن لظبي جاءنا شاكيا ... من دمّل في الخدّ بدا أشهره (٣) كأنّما الدمّل في خدّه ... ياقوته قد حملت جوهره وله [الوافر]: وساقية نزلت بها وإلفي ... أودّعه كتوديع المروع فصوت حنينها يحكي أنيني ... وفيض مياهها يحكي دموعي

стр. 1187

١٢١٨/ ٣ - الحسن بن محمد اليزيدي [- بعد ٢٦٦] (١) [٤٦٨ ب] حسن بن محمد بن يحيى أبي محمد بن المبارك اليزيدي. برع في الأدب وقدم مع أبي أيوب ابن أخت أبي الوزير مصر، فمات بها (٢). ١٢١٨/ ٤ - حسن بن مكرّم المصريّ (٣) [٥٢١ ب] حسن بن مكرّم بن رضوان، شرف الدين، أبو عليّ، المصريّ. كان أديبا، فمن شعره [الرجز]: يا حبّذا لبيسن ... يشره فيه الآكلون يفتح كالأجفان عن ... أشبه شيء لعيون ١٢١٩ - رضيّ الدين الأرمنتيّ [- ٦٧٠] (٤) [٤٣٢ أ] الحسن بن يحيى بن أحمد بن منصور بن جعفر، رضيّ الدين، القرشيّ، الأرمنتيّ، الشافعيّ. فقيه فاضل له معرفة بالفقه، وسمع الحديث. وناب [في] الحكم بإسنا، وفي قوص. ومات في حدود السبعين وستّمائة. ١٢٢٠ - بدر الدين الأسعرديّ المحتسب [- ٧١٠] (٥) [٤٣٢ أ] الحسن بن نصر بن الحسن بن جبريل، الأنصاريّ، الكاتب، بدر الدين، ابن نبيه الدين، الأسعرديّ. كان ناظر الدواوين بالقاهرة [٣٨٧ أ]، وولي الحسبة، ومات في جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة. ١٢٢١ - حسن الطويل الزاهد [- نحو ٦١٨] [٤٣٢ ب] حسن الطويل، أحد الفقراء المعتقدين بمصر. كان الغالب عليه الخوف، وأخذ الفقه على مذهب مالك في بدايته عن الفقيه كمال الدين أبي المنصور حسين. وكان أكثر إقامته بجامع عمرو في مقصورة الصلاة. وشهرت له كرامات كثيرة. قام مرّة في إظهار مسجد قد خفي في كنيسة، وتعصّب النصارى في منعه، ومال معهم الملك الكامل (٦) محمد ابن العادل، وثارت العامّة مع الشيخ حسن. فاتّفق أنّ السلطان ركب إلى البحر، وكان إذ ذاك بين الروضة ومصر ينكشف الماء في الصيف. فبينا هو هناك إذ وقف الناس له وصاحوا به: المسجد! المسجد! - فدخل صناعة الشواني وبعث صدر الدين [ ... ] ابن شيخ الشيوخ،

стр. 1188

والوزير الأعزّ مقدام بن شكر، فمضيا في عالم كثير من العامّة وقد امتلأت السقائف والأسطحة بالنّاس. فلمّا وصلا إلى الكنيسة فرش صدر الدين سجّادته وصلّى. فلم يخرج حتّى هدمها العامّة. فشقّ ذلك على السلطان، وأمر بإخراج الشيخ حسن فما هو إلّا أن سار من القاهرة [حتّى] رأى السلطان قائلا يقول له في منامه: لئن لم تردّ الشيخ حسن وإلّا أهلكناك. - فبعث خلفه الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر (١) حتى استرضاه وردّه. ومات بدمياط في محاصرة الفرنج (٢) لها أيّام الكامل، وكان الكامل قد أراد الاجتماع به، فقال: لا سبيل إلى ذلك! ولم يجتمع به. ١٢٢٢ - الحسين الرسّيّ [- ٣٧٩] (٣) [٤٣٣ أ] الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن [محمد] ابن إسماعيل بن القاسم الرسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا ابن إسماعيل بن إبراهيم [بن الحسن بن] الحسن ابن عليّ بن أبي طالب، ﵈، أبو عبد الله. استقرّ في نقابة الطالبيّين بعد موت أبيه إلى أن مات في يوم الجمعة لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، فصلّى عليه العزيز بالله نزار ابن المعزّ لدين الله. وضمن خراج الأشمونين وحربها لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وستّين وثلاثمائة شركة مع أبي طاهر سهل بن قمامة، فخلع عليهما المعزّ لدين الله وحملهما وسارا بالطبول والبنود. وحضر لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة بمال وهديّة وخيل فخلع عليه وحمل. ولثمان بقين منه حمل عشرة أحمال مال، وقاد خمسة أفراس بمراكبها واثني عشر فرسا بأجلّة، وخمس نجب بأكوارها (٤). ١٢٢٢/ ٢ - الحسين بن أحمد البجليّ [- ٣٩٤] [٤٣٨ ب] الحسين بن أحمد البجليّ. توفّي بمصر في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. ومن شعره [م. الوافر]: عسى فرج يكون غدا ... وقبل غد عسى الفرج فلا تجزع لنازلة ... وإن ذابت لها المهج ودم للباب تقرعه ... فكم من قارع يلج

стр. 1189

وقال [البسيط]: إنّ الزمان بما تهواه قد سمحا ... فصله مغتبقا بالراح مصطبحا لا تلق ساعته إلّا وأنت لها ... مستنطق وترا أو حامل قدحا ١٢٢٢/ ٣ - الحسين بن أحمد اليزدي [- ٥٩١] (١) الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعد بن عليّ بن بندار، أبو الفضل، الهمدانيّ، اليزديّ، الفقيه، الحنفيّ. قدم مصر فمات بقوص سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وحمل إلى مصر فدفن بالقرافة. وحدّث بجدّة عن الشريف شميلة بن محمد بن جعفر الحسينيّ. وسمع منه الفقيه أبو الجودندى بن عليّ. ١٢٢٣ - أبو زنبور الماذرائيّ [٢٣٢ - ٣١٧] (٢) [٤٣٤ أ] الحسين بن أحمد بن الحسين بن عيسى بن رستم، أبو عليّ، الماذرائيّ، المعروف بأبي زنبور، الكاتب، البغداديّ. تولّيه خراج الشام لابن طولون] ولد في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بماذاريا من أعمال بغداد، وكتب الحديث عن عمر بن أحمد بن شبّة وغيره. وقدم إلى مصر وتصرّف في الكتابة مع أخيه علي بن أحمد الماذرائيّ، وتقلّد خراج الشام في أيّام أحمد بن طولون، وخدم الأمير أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وضبط الأمور، وبان أثره وتوفيره. وكان حليما عاقلا صاحب دهاء ورأي صائب، وهو الذي كان يسدّد أمر ابن أخيه أبي بكر محمد بن عليّ. وكانت له فعال جميلة وكرم جمّ. وما زال مع أبي الجيش إلى أن قتل بدمشق. واتفق لأبي زنبور مع أبي الجيش أنّه قال له وهو بدمشق: لا بدّ في هذا اليوم وفي هذه الليلة من مائة ألف دينار، فإن أصبحت والله ولم يحصل لي هذا القدر، قتلتك! فاجتهد أبو زنبور يومه وليلته فلم يقدر منها سوى على أربعين ألف دينار، وبات قد يئس من الحياة. وبكّر إلى دار أبي الجيش فوجد ابن أخيه أبا بكر محمد بن عليّ جالسا مع جماعة القوّاد والوجوه والغلمان، وهم قد أطرقوا رءوسهم، فلم يقم إليه أحد. فقال في نفسه: قد يئس القوم منّي- وجلس مطرقا متعجّبا. فسارّه بعض من حضر وقال: قد ذبح الأمير أبو الجيش البارحة. فذهب ما يجده من الغمّ ويترقّبه من الموت، وقام حتّى رآه مذبوحا. فلطم على وجهه وأخذ خاتمه من يده، وقام ببيعة أبي العساكر (٣) جيش بن خمارويه. وكفّنه، وصلّى عليه القاضي أبو زرعة (٤)، وحمله في صندوق إلى مصر ومعه العساكر.

стр. 1190

[تولّيه خراج مصر] فملك الأمر وزادت أحواله، وقدم إلى مصر فعقد بها بيعة أبي العساكر. واستقرّ أخوه أبو الحسن عليّ بن أحمد الماذرائيّ على وزارته. وعاد أبو زنبور إلى دمشق لتدبير أمر الشام، فلم يزل إلى سنة خمس وثمانين ومائتين. فنظر في خراج مصر، والأمير [٣٧٨ ب] يومئذ هارون بن خمارويه، والقائم بتدبير الدولة أبو جعفر محمد بن أبّى، إلى أن قتل هارون، وقدم محمد بن سليمان الكاتب وأزال دولة بني طولون وحمل رجالهم- وفيهم أبو زنبور- إلى العراق. فقدم مع عيسى النوشريّ أمير مصر ونظر في الخراج على عادته، فلمّا قدم محمد بن علي الخليج (١) إلى مصر فرّ منه النوشريّ ومعه أبو زنبور إلى الإسكندريّة [٤٣٤ ب]. فقاتلهما أصحاب ابن الخليج وانهزموا، وسار النوشريّ وأبو زنبور إلى الصعيد. فلمّا قدم فاتك المعتضديّ من العراق بالعساكر وغلب ابن الخليج وأسره قدم النوشريّ وأبو زنبور في رجب سنة ثلاث وتسعين، ونظر في الخراج على عادته. ولم يبق بمصر منالماذرائيّين أحد غيره إلى سنة إحدى وثلاثمائة. فورد أبو بكر محمد بن علي الماذرائيّ من العراق صحبة مؤنس لقتال حباسة. وقدم مع أبي بكر أهله وولده. وصار أبو زنبور يلي الخراج مرّة وأبو بكر يليه مرّة، وأبو الطيّب أحمد بن عليّ [بن أحمد الماذرائيّ] أخرى. فولي أبو زنبور الخراج بمصر خمس مرّات ولاية أمانة على أن يقوم بنفقات البلد وعمارات الضياع وأرزاق الجند وأرزاق الكتّاب والمتصرّفين، ويحمل في كلّ سنة من مال مصر إلى بيت المال ببغداد ستّمائة ألف دينار، وعليه في كلّ سنة الحساب بالارتفاع والخراج والباقي من المنكسر وغيره، والحمل الذي ذكرناه. وكذلك كانت ولاية ابن أخيه أبي بكر. [ولاياته الخمس لخراج مصر] فكانت ولاية أبي زنبور الأولى في سنة خمس وثمانين ومائتين من قبل المعتضد، والوزير عبد الله بن سليمان بن وهب، بعد قتل خمارويه. ولم يزل إلى سنة اثنتين وتسعين. ثمّ ولي ثانية في خلافة المكتفي، ولّاه محمد بن سليمان الكاتب وأقام معه أبا العبّاس أحمد بن محمد بن بسطام مشرفا عليه، فأقام إلى سنة خمس وتسعين، وصرف بأحمد بن بسطام. ثمّ أعيد ثالثا بعد أبي بكر محمد بن عليّ في آخر سنة أربع وثلاثمائة من قبل المقتدر وفي إمارة ذكا على مصر، ثمّ صرف في سنة خمس وثلاثمائة بعليّ بن أحمد بن محمد بن بسطام. ثمّ أعيد مرّة رابعة في سنة ستّ وثلاثمائة، فلم يزل إلى سنة عشر، فصرف بكاتبه محمد بن الحسين بن عبد الوهّاب. ثمّ أعيد مرّة خامسة في إمارة تكين من سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة بعد أبي أحمد الحسين بن محمد الكرخيّ، وصرف بمحمّد بن جعفر القرطيّ. ولم يزل متعطّلا إلى أن مات بغتة من أكل بطّيخ في يوم الجمعة النصف من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فحضر الأمير تكين جنازته بغير سيف ولا منطقة حزنا عليه. [بعض أخباره] وله أخبار كثيرة، منها أنّه دخل حمام ابن حمدويه بمصر، فلمّا خرج ليلبس ثيابه فتحت

стр. 1191

خوخة (١) من الحمّام وخرج غلمان معهم مدخنة وماء ورد وغالية ومشط ومرآة. فتبخّر وانصرف، فإذا ابن حمدويه قد وقف على باب الحمّام ومعه بغلة مسرجة ملجمة وهو آخذ بركابها، فقال: يا سيّدي، أجللتك عن دخول الدار فجمّلني بركوبها. [٤٣٥ أ] فتبسّم وركبها إلى داره، ثمّ استدعى بحسن كاتبه بعد أيّام وقال له: كم بقي على ابن حمدويه من الخراج؟ فقال: ثلاثة آلاف وستّمائة دينار. فقال: اكتب له براءة وأنفذها إليه. ففعل ذلك. [إملاك ابنته بابن القاضي أبي زرعة] ولمّا أراد أن يملك ابنته بالحسين بن أبي زرعة (٢) وأراد عمل مجتمع، شاور أصحابه كيف يصنع في الإملاك فاختلفوا عليه، فقال: دعوني الليلة! - ثمّ أصبح فقال: أرسلوا إلى هؤلاء المائة- وعيّنهم في درج كتبه- وقولوا لهم حتّى يكونوا عندنا قبل صلاة الصبح. فلمّا حضروا عنده خرج إليهم مائة غلام بمائة مدخنة، ومائة غلام بمائة نضّاح ماء ورد، ومائة غلام بمائة قدح غالية، ومائة غلام بمائة مرآة، ومائة غلام بمائة مشط، فتبخّر الجماعة، وقرئ الكتاب وعقد العقد. وخرج مائة غلام بمائة إبريق ومائة طشت ومائة منديل فغسلوا أيديهم. وخرجت عشر موائد جلس كلّ عشرة على مائدة فأكلوا. وخرج مائة غلام بمائة طشت ومائة إبريق غير تلك ومعهم مائة منديل ومائة مجمع (٣) في دقّاقات وأشانين مطيّبة فغسلوا أيديهم. وخرج مائة غلام بمائة مدخنة ومائة درج ومائة نضّاح ماء ورد ومائة منديل، فتبخّروا [٣٧٩ أ] وخرجت مائة صينيّة فيها الدنانير والدراهم والتماثيل (٤) فألقي [ت] صينيّة في كمّ [كلّ] واحد. وأخذ العروس وأبوه وأدخلا إلى حجرة وخلع عليه [ما] وبخّرا وحملا على دابّتين شاكريّتين (٥). وكان العرس أعظم من الإملاك. [محاسبة وزراء بغداد له ولابن أخيه] وكان مع كثرة كرمه من أحسن الناس عشرة مع كتّابه وعمّاله، وبودّه أن يكونوا أجلّ الناس وأغنى الناس. ولمّا ولي علي بن عيسى بن الجرّاح الوزارة (٦) في أيّام المقتد [ر] بالله طالب أبا زنبور بحساب مصر لأربع سنين عنها ثمانية آلاف ألف دينار، فبعث إليه بحسابها مع أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن قلا الكاتب ودفع إليه عشرة آلاف دينار، وكتب له على دمشق بخمسة آلاف دينار، وأحاله على رجل في بغداد بعشرة آلاف دينار، فأصلح أمره وعاد، فعمل معه أضعاف ذلك. فلمّا ولي [أبو] الحسن علي بن محمد [بن موسى] بن الفرات الوزارة، أشخص أبا زنبور وابن أخيه محمد بن عليّ إلى بغداد وجمع لهما الكتّاب لمناظرتهما: فلمّا خوطب بالحساب وبقّوا عليه

стр. 1192

بقيّة، قال أبو زنبور: أيّها الوزير، على من أعود؟ إن كنت عامل أمانة فاقبلوا قولي فيما أقوله. وإن كنت عامل ضمان فاحسبوا [٤٣٥ ب] بالرفق! اللهمّ إلّا أن يكون الذي قلّدني خان في تقليده؟ فكان يقول: غلطت ببغداد غلطتين نجّى الله منهما، وذلك أنّي كنت في دعوة فقلت: مصر ليس مثلها: أوّل ما يلي الوالي خراجها يدخل إليه من النواحي خمسمائة ماروت (١) عليهم جباب الصوف والمناديل المعلّمة- وهو زيّهم- في جيب كلّ واحد منهم كيس فيه ألف دينار هديّة- فحفظ هذا بعض الحاضرين وحكاه، فكان أحد ما خوطبت عليه، وقيل لي: نريد هذا لولاية واحدة: خمسمائة ألف دينار. فضحكت وقلت: هذا يحكى قديما في أيّام الفراعنة، في الوقت الذي كانت مصر تعقد أربعة وعشرين ألف ألف دينار والناس ينصفون، والمعاملون يوفّى لهم، والتقوية غير محتسب بها على الزارعين. فأمّا اليوم أو من مائتي سنة فلم يدخل ماروت بدرهم واحد. وأمّا الغلط الثاني، فإنّ عليّ بن محمد بن الفرات لمّا قبض عليه وتقلّد علي بن عيسى بن الجرّاح قال لي: بحقّي عليك، هل لابن الفرات عليك استثناء؟ فقلت: لا. فقال: بحياتي، بحياة رأسي. فقلت: نعم، مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة (٢). فلمّا جلس علي بن عيسى لمناظرة ابن الفرات، قال له: ومن جهة الحسين بن أحمد عامل مصر: مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة! فقال ابن الفرات: من ذكر هذا؟ قالوا: الحسين بن أحمد. فقال: حتّى أسمع كلامه. فأحضرت. واحتشمت من علي بن عيسى، فقلت: نعم، مائة وخمسون ألف دينار كنت أحملها إليه أيّده الله. فقال ابن الفرات: أحضروا دفاتر النفقات. فأحضرت، فرآها وقال: صدق فيما قال، وهذه نفقتها والاحتساب بها لي ما نظرت سنين (٣). فإن كان حملها إلى أبي الحسن فيجيب عن هذا، وإن لم يكن حملها إليه فليطالب بها. فانعكس الكلام على أبي زنبور، ولولا أنّ علي بن عيسى عمل هذا، لكان ألزم بالمبلغ. إلّا أنّ الوزير احتاج إلى نصرة أبي زنبور حتى يخلص. [خلاصه من الوزير ابن الفرات] ثمّ إنّ أبا زنبور أشخص بحضرة أمير المؤمنين المقتدر بالله، فلمّا مثل بين يديه ومعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن علي، قبّلا الأرض، وكان قد أعيد أبو الحسن علي [بن محمد] بن الفرات إلى الوزارة، وهو واقف، فقال لهما: إنّ أمير المؤمنين أيّده الله تقدّم بالعناية بكما، وأن تكونا في موضع تأمنان فيه على أنفسكما. فأين تختاران؟ فقال أبو زنبور: عند أبي أحمد. فقال: من أبو أحمد؟

стр. 1193

فقال: محسّن- يعني ابن الوزير. فقال: بارك الله عليكما، إنّما من محسّن صانكما أمير المؤمنين. فقال أبو [٤٣٦ أ] زنبور: عنده نكون. فسلّما إليه. وكان أبو زنبور لمّا حمل إلى العراق خاف من الوزير علي [بن محمد] بن الفرات، فكتب رقعة إلى المقتدر يذكر خوفه على نفسه وعلى ابن أخيه وسأل العناية بهما، ودفع الرقعة إلى خادم وبذل له مالا كثيرا. فلمّا مثل بين يديه وسلّمه إلى محسّن أقام هو وابن أخيه عنده ثلاثا، ثمّ طلبهما وقال لأبي زنبور: أريد منك أنت ألف ألف دينار، وأريد من ابن أخيك ألف ألف دينار- وكان محسّن قد أكثر من [٣٧٩ ب] القتل في الناس حتّى قال لأبيه: يا أبتي ما بقّيت لك ببغداد عدوّا. فقال له: يا بنيّ، ولا صديقا! فلمّا قال ذلك لأبي زنبور خاف منه خوفا عظيما، وقال له: السمع والطاعة! فأخذ خطّهما بذلك، ثمّ قال له أبو زنبور: سيّدنا، أيّده الله، يعلم أنّنا ببغداد، وما نملكه بمصر، وإنّما نجمع هذا المال من عين حاضر وحلي وثياب وعروض وضياع وأملاك، ويحتاج هذا إلى مدّة حتّى يجتمع، وليس لنا من ينوب عنّا. ولكن تختار رجلا تنفذه معنا وتوصيه بنا، ونخرج- وأراد أبو زنبور بذلك كيد محسّن. فاختار لهما أشرّ من يعرف: رجلا له منزلة وحجّاب ومنعة. فاحتاج أبو زنبور أن اقترض من بغداد جملة وافرة من المال، وأنفذها للرجل حتىيتجمّل بها. وسارا معه في ضنك وشدّة إلى أن بلغا عانة. وإذا برسول قد قدم إليهما على رجليه ومعه كتاب فيه أنّ الوزير علي بن محمد بن الفرات ذبح هو وابنه محسّن في يوم كذا. فسجدا شكرا لله تعالى وكتما الخبر. وبعثا إلى الرجل الموكّل بهما أن: صر إلينا! - ولم يكن لهما عادة بذلك، وهما كانا يمشيان إليه في مضربه، فإذا دخلا عليه لا يلتفت إليهما ولا يفكّر فيهما ويعنت عليهما. فعند ما أتاه رسولهما أقبل إليهما ووقف بين أيديهما على قدميه فأجلساه وأعلماه الخبر. فبكى وقال: قد علمت منذ جاءتني الرسالة بالركوب إليكما أنّه قد حدث حادث. ثمّ خيّره أبو زنبور بين أن يمضي معهما إلى مصر أو يعود فاختار العود، وجدّا في المسير إلى مصر فدخلا آمنين. [خلاصه من محاسبة أخرى بمعونة ابن مقلة] وأشخص مرّة إلى بغداد ليناظر على مبلغ تسعمائة ألف دينار وكسر، فلمّا قدم بغداد أقام بها. وصار في يوم من الأيّام إلى جعفر بن بسطام ليتحدّث عنده، فرأى خلفه بابا عليه زوج ستائر لم ير مثلهما، وبين يديه ريحان في اجّانتين صينيّ غاية في [٤٣٦ ب] الحسن، فجعل يحدّث ابن بسطام ويطيل النظر في السترين والإجّانتين. فلمّا انصرف بعث إليه ابن بسطام رقعة، فيها: رأيتك يا سيّدي تنظر إلى السترين والإجّانتين. وقد أنفذت إليك بعدلين ستور [ا] من صنفهما وعشرين إجّانة، فتطوّل بقبول ذلك. فكتب إليه: أحلف ألّا أقبل ذلك ولا شيئا منه- وشكره على فعله. فكتب إليه ابن بسطام يحلف أنّه إن لم يقبل ذلك وردّه ليضرمنّ النار فيه. فقبل الجميع، وأخرج سترين نصبهما كما رأى وأخذ اجّانتين جعلهما بين يديه. فبينا هو جالس إذ دخل عليه أبو

стр. 1194

علي محمد بن علي [بن الحسن] (١) بن مقلة- وكان يرجف له بالوزارة- فنظر إلى السّترين والإجّانتين، وقال: يا أبا عليّ، ما أحتمل لك هذا كلّه! أرسل إليّ فرد ستر وإجّانة! فضحك، وانقضى المجلس، فلمّا قام أبو علي ابن مقلة بعث إليه بالعدلين والعشرين إجّانة. فبعث إليه رقعة بشكره فيها، ولم تمض غير أيّام قلائل حتى تقلّد ابن مقلة الوزارة، فبعث إلى أبي زنبور يقول: يا أبا عليّ، إنّي لم أتقلّد الأمر إلّا من جهة البقايا (٢). وأنت في الأوّل. تقوم الساعة فاعمل للنفقة وجوها، وتبقّي اثنين وستّين ألفا وستّمائة واثنين وخمسين دينارا وكذا، وائتني العشيّة بالعمل! ففعل أبو زنبور ذلك ومشى به إلى الوزير وانصرف عنه، فلمّا كان من السحر أتاه رسول الوزير، فصار إليه، فقال له: عندك خبر؟ دخلت البارحة على أمير المؤمنين بعد ذهابك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعبت وزيرك بالبقايا وشغلته بها عن الأصول وعن التدبير، وأكثر هذه البقايا محال: هذا عبدك الحسين بن أحمد عامل مصر، عليه بقايا، وقد أخرج لها وجوها. وبقّى على نفسه شيئا مبلغه نيف وستّون ألف دينار وكسر. ولولا أنّ حسابه صحيح، ما كان يبقّي على نفسه شيئا. فقال: هو كذلك. فقلت: يا أمير المؤمنين، تترك حسابه على ما هو عليه. فقال: أفعل فقلت: ويسمح له بما بقّاه من منكسر وتالف. فقال: أفعل. فقلت: قد طال مقامه، فيردّ غير وال؟ قال: يردّ إلى عمله. فقلت: فأين موضع عنايتي به؟ فقال: زده الشام. [قال]: وهذه كتبك، سر في غد ولا تتأخّر ولا تتجهّز أنت بتجهّز بالرقّة وحلب. فودّعه وسار حتى قدم مصر. [براعته في حساب الخراج] ودفع مرّة ستّمائة ألف دينار إلى أبي الحسين محمد بن [الحسين] بن عبد الوهّاب (٣)، ومع المال دفتر، وقال له: اصرف هذا المال أنت، وإسحاق بن نصير (٤)، ومحمد بن زيد، على ما في [٤٣٧ أ] هذا الدفتر. فاختزلوا من المال ثلاثين ألف دينار وصرفوا ما بقي، وتركوا الدنانير عند إسحاق بن نصير، ورفعوا الحساب. فأقام شهرا واتّعدوا على قسمة ما اختزلوه. فعند ما اجتمعوا في منزل إسحاق أتاهم رسول أبي زنبور بحضور أبي الحسين. فقام ودخل عليه وأكل معه، وأخرج إليه الحساب فأراه فصوله، وسأله عنه فصلا فصلا. فسكت [أبو] الحسين عن فصول، فقال له أبو زنبور: لعلّكم اختزلتم شيئا؟ قال: نعم، ثلاثين ألف دينار، وهي بحالها. فعبّس أبو زنبور وجهه وقال: أتظنّ أنّه بخل عليكم؟ ولكن كان سبيل هذا أن يكتب كذا، وهذا

стр. 1195

أن يكتب كذا- حتى أتى على الفصول، وقال: أصلحوها هكذا. ثمّ قال له: عند ما جاءتك رسالتي، أين كنت؟ قال: عند أبي يعقوب إسحاق بن نصير، وكنّا على قسمتها. فقال: امض للقسمة. فعاد وقد بقي من النهار ستّ ساعات، فجلسوا إلى أن مضى من الليل أربع ساعات، جاءتهم فيها من أبي زنبور ثماني عشرة تحفة، واقتسموا المال عن طيب نفس منه. [فضله على مصر] وكان أبو زنبور مع إنعامه وإفضاله له رأي سديد وتدبير جيّد، وقد ضبط أمور مصر أربع مرّات. أوّلها يوم ذبح خمارويه بدمشق، فعقد البيعة لابنه جيش بن خمارويه وتختّم بخاتم أبي الجيش وسار بالعساكر إلى مصر حتى دخل بها سالمة. والثانية لمّا دخل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر لزوال دولة ابن طولون، لم يزل يعمل الحيلة ويكتب إلى العراق حتى جاء فاتك وهزم ابن الخليج وأسره. والثالثة في وقعة حبّاسة، قام بالأمر مع مؤنس وأحسن إلى المستأمنة وأنفق أموالا جمّة. والرابعة في نوبة الجيزة لمّا مات ذكا الأعور أمير مصر، فإنّه خاف على مصر من قدوم عساكر المغرب، فكتب إلى ابن المهديّ- وهو بالإسكندريّة- يعده بأن يسلّم إليه مصر، وكتب إلى دمشق يحثّ تكين على المسير بالعساكر إلى مصر، وكتب إلى العراق يحثّ مؤنس الخادم علىالقدوم إلى مصر بالعساكر ويخوّفه استيلاء المغاربة، فتمّ له ما أراد وتكاملت عنده العساكر بمصر. [تلطّفه ومداراته] وثارت به رجّالة مصر مرّة وأخذوه إلى جامع أحمد بن طولون وحبسوه في الغرار (١) وأحاطوا به، فجاءه في الليل هلال بن بدر أمير مصر ليخلّصه من أيديهم. فبعث إلى الرجّالة يقول لهم: إنّما يريد هلال قتلي ويتلف الأموال [٤٣٧ ب] التي أريد أن أعطيها لكم.- فمشى عليهم ذلك وشتموا هلالا وردّوه، و [أ] ركبوا أبا زنبور في أوّل النهار وحفّوا بركابه وأوصلوه إلى داره، فوضع العطاء وأعطاهم، فشكروه وانصرفوا عنه. وكان مع ذلك قويّ القلب واسع الحيلة، ولمّا قدم مؤنس من العراق إلى مصر استدعى أبو زنبور الحسن الدقّاق، وقال: إنّ الأستاذ مؤنس قد وافى. ولي بمشتول ستّون ألف إردبّ قمحا، فإذا وافى فقم له بالوظيفة- يعني الدقيق والخبز- ففعل ذلك مدّة شهر. فلمّا مضى الشهر، قال له علوان كاتب مؤنس: كم لك حتى ندفعه إليك؟ فقال: إنّما هو لأبي علي- وأعلمه الخبر. فقال: أحسب الأستاذ لا يرضى أن يكون في ضيافة أبي علي. وأعلم مؤنسا بذلك، فقال: أنا آكل خبز حسين؟ لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله. فبلغ ذلك أبا زنبور، فقام من فوره إلى مؤنس وأكبّ على رجليه يقبّلهما، واحتشم منه، وقال: والله يا أبا عليّ لا أجيبك إلّا [ل] هذا الشهر الذي مضى، ولا تعاود. فرجع وقال للدقّاق: قم لهم بالوظيفة. فقال: ما بقي عندي قمح.
следующие страницы →