خوخة (١) من الحمّام وخرج غلمان معهم مدخنة وماء ورد وغالية ومشط ومرآة. فتبخّر وانصرف، فإذا ابن حمدويه قد وقف على باب الحمّام ومعه بغلة مسرجة ملجمة وهو آخذ بركابها، فقال: يا سيّدي، أجللتك عن دخول الدار فجمّلني بركوبها.
[٤٣٥ أ] فتبسّم وركبها إلى داره، ثمّ استدعى بحسن كاتبه بعد أيّام وقال له: كم بقي على ابن حمدويه من الخراج؟
فقال: ثلاثة آلاف وستّمائة دينار.
فقال: اكتب له براءة وأنفذها إليه.
ففعل ذلك.
[إملاك ابنته بابن القاضي أبي زرعة]
ولمّا أراد أن يملك ابنته بالحسين بن أبي زرعة (٢) وأراد عمل مجتمع، شاور أصحابه كيف يصنع في الإملاك فاختلفوا عليه، فقال: دعوني الليلة! - ثمّ أصبح فقال: أرسلوا إلى هؤلاء المائة- وعيّنهم في درج كتبه- وقولوا لهم حتّى يكونوا عندنا قبل صلاة الصبح.
فلمّا حضروا عنده خرج إليهم مائة غلام بمائة مدخنة، ومائة غلام بمائة نضّاح ماء ورد، ومائة غلام بمائة قدح غالية، ومائة غلام بمائة مرآة، ومائة غلام بمائة مشط، فتبخّر الجماعة، وقرئ الكتاب وعقد العقد. وخرج مائة غلام بمائة إبريق ومائة طشت ومائة منديل فغسلوا أيديهم.
وخرجت عشر موائد جلس كلّ عشرة على مائدة فأكلوا. وخرج مائة غلام بمائة طشت ومائة إبريق غير تلك ومعهم مائة منديل ومائة
مجمع (٣) في دقّاقات وأشانين مطيّبة فغسلوا أيديهم. وخرج مائة غلام بمائة مدخنة ومائة درج ومائة نضّاح ماء ورد ومائة منديل، فتبخّروا [٣٧٩ أ] وخرجت مائة صينيّة فيها الدنانير والدراهم والتماثيل (٤) فألقي [ت] صينيّة في كمّ [كلّ] واحد.
وأخذ العروس وأبوه وأدخلا إلى حجرة وخلع عليه [ما] وبخّرا وحملا على دابّتين شاكريّتين (٥). وكان العرس أعظم من الإملاك.
[محاسبة وزراء بغداد له ولابن أخيه]
وكان مع كثرة كرمه من أحسن الناس عشرة مع كتّابه وعمّاله، وبودّه أن يكونوا أجلّ الناس وأغنى الناس.
ولمّا ولي علي بن عيسى بن الجرّاح الوزارة (٦) في أيّام المقتد [ر] بالله طالب أبا زنبور بحساب مصر لأربع سنين عنها ثمانية آلاف ألف دينار، فبعث إليه بحسابها مع أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن قلا الكاتب ودفع إليه عشرة آلاف دينار، وكتب له على دمشق بخمسة آلاف دينار، وأحاله على رجل في بغداد بعشرة آلاف دينار، فأصلح أمره وعاد، فعمل معه أضعاف ذلك. فلمّا ولي [أبو] الحسن علي بن محمد [بن موسى] بن الفرات الوزارة، أشخص أبا زنبور وابن أخيه محمد بن عليّ إلى بغداد وجمع لهما الكتّاب لمناظرتهما: فلمّا خوطب بالحساب وبقّوا عليه
стр. 1192
بقيّة، قال أبو زنبور: أيّها الوزير، على من أعود؟
إن كنت عامل أمانة فاقبلوا قولي فيما أقوله. وإن كنت عامل ضمان فاحسبوا [٤٣٥ ب] بالرفق! اللهمّ إلّا أن يكون الذي قلّدني خان في تقليده؟
فكان يقول: غلطت ببغداد غلطتين نجّى الله منهما، وذلك أنّي كنت في دعوة فقلت: مصر ليس مثلها: أوّل ما يلي الوالي خراجها يدخل إليه من النواحي خمسمائة ماروت (١) عليهم جباب الصوف والمناديل المعلّمة- وهو زيّهم- في جيب كلّ واحد منهم كيس فيه ألف دينار هديّة- فحفظ هذا بعض الحاضرين وحكاه، فكان أحد ما خوطبت عليه، وقيل لي: نريد هذا لولاية واحدة:
خمسمائة ألف دينار.
فضحكت وقلت: هذا يحكى قديما في أيّام الفراعنة، في الوقت الذي كانت مصر تعقد أربعة وعشرين ألف ألف دينار والناس ينصفون، والمعاملون يوفّى لهم، والتقوية غير محتسب بها على الزارعين. فأمّا اليوم أو من مائتي سنة فلم يدخل ماروت بدرهم واحد.
وأمّا الغلط الثاني، فإنّ عليّ بن محمد بن الفرات لمّا قبض عليه وتقلّد علي بن عيسى بن الجرّاح قال لي: بحقّي عليك، هل لابن الفرات عليك استثناء؟
فقلت: لا.
فقال: بحياتي، بحياة رأسي.
فقلت: نعم، مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة (٢).
فلمّا جلس علي بن عيسى لمناظرة ابن الفرات، قال له: ومن جهة الحسين بن أحمد عامل مصر:
مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة!
فقال ابن الفرات: من ذكر هذا؟
قالوا: الحسين بن أحمد.
فقال: حتّى أسمع كلامه.
فأحضرت. واحتشمت من علي بن عيسى، فقلت: نعم، مائة وخمسون ألف دينار كنت أحملها إليه أيّده الله.
فقال ابن الفرات: أحضروا دفاتر النفقات.
فأحضرت، فرآها وقال: صدق فيما قال، وهذه نفقتها والاحتساب بها لي ما نظرت سنين (٣). فإن كان حملها إلى أبي الحسن فيجيب عن هذا، وإن لم يكن حملها إليه فليطالب بها.
فانعكس الكلام على أبي زنبور، ولولا أنّ علي بن عيسى عمل هذا، لكان ألزم بالمبلغ. إلّا أنّ الوزير احتاج إلى نصرة أبي زنبور حتى يخلص.
[خلاصه من الوزير ابن الفرات]
ثمّ إنّ أبا زنبور أشخص بحضرة أمير المؤمنين المقتدر بالله، فلمّا مثل بين يديه ومعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن علي، قبّلا الأرض، وكان قد أعيد أبو الحسن علي [بن محمد] بن الفرات إلى الوزارة، وهو واقف، فقال لهما: إنّ أمير المؤمنين أيّده الله تقدّم بالعناية بكما، وأن تكونا في موضع تأمنان فيه على أنفسكما. فأين تختاران؟
فقال أبو زنبور: عند أبي أحمد.
فقال: من أبو أحمد؟
стр. 1193
فقال: محسّن- يعني ابن الوزير.
فقال: بارك الله عليكما، إنّما من محسّن صانكما أمير المؤمنين.
فقال أبو [٤٣٦ أ] زنبور: عنده نكون.
فسلّما إليه.
وكان أبو زنبور لمّا حمل إلى العراق خاف من الوزير علي [بن محمد] بن الفرات، فكتب رقعة إلى المقتدر يذكر خوفه على نفسه وعلى ابن أخيه وسأل العناية بهما، ودفع الرقعة إلى خادم وبذل له مالا كثيرا. فلمّا مثل بين يديه وسلّمه إلى محسّن أقام هو وابن أخيه عنده ثلاثا، ثمّ طلبهما وقال لأبي زنبور: أريد منك أنت ألف ألف دينار، وأريد من ابن أخيك ألف ألف دينار- وكان محسّن قد أكثر من [٣٧٩ ب] القتل في الناس حتّى قال لأبيه:
يا أبتي ما بقّيت لك ببغداد عدوّا.
فقال له: يا بنيّ، ولا صديقا!
فلمّا قال ذلك لأبي زنبور خاف منه خوفا عظيما، وقال له: السمع والطاعة!
فأخذ خطّهما بذلك، ثمّ قال له أبو زنبور:
سيّدنا، أيّده الله، يعلم أنّنا ببغداد، وما نملكه بمصر، وإنّما نجمع هذا المال من عين حاضر وحلي وثياب وعروض وضياع وأملاك، ويحتاج هذا إلى مدّة حتّى يجتمع، وليس لنا من ينوب عنّا. ولكن تختار رجلا تنفذه معنا وتوصيه بنا، ونخرج- وأراد أبو زنبور بذلك كيد محسّن.
فاختار لهما أشرّ من يعرف: رجلا له منزلة وحجّاب ومنعة. فاحتاج أبو زنبور أن اقترض من بغداد جملة وافرة من المال، وأنفذها للرجل حتىيتجمّل بها. وسارا معه في ضنك وشدّة إلى أن بلغا عانة. وإذا برسول قد قدم إليهما على رجليه ومعه كتاب فيه أنّ الوزير علي بن محمد بن الفرات ذبح هو وابنه محسّن في يوم كذا. فسجدا شكرا لله تعالى وكتما الخبر. وبعثا إلى الرجل الموكّل بهما أن: صر إلينا! - ولم يكن لهما عادة بذلك، وهما كانا يمشيان إليه في مضربه، فإذا دخلا عليه لا يلتفت إليهما ولا يفكّر فيهما ويعنت عليهما.
فعند ما أتاه رسولهما أقبل إليهما ووقف بين أيديهما على قدميه فأجلساه وأعلماه الخبر. فبكى وقال:
قد علمت منذ جاءتني الرسالة بالركوب إليكما أنّه قد حدث حادث.
ثمّ خيّره أبو زنبور بين أن يمضي معهما إلى مصر أو يعود فاختار العود، وجدّا في المسير إلى مصر فدخلا آمنين.
[خلاصه من محاسبة أخرى بمعونة ابن مقلة]
وأشخص مرّة إلى بغداد ليناظر على مبلغ تسعمائة ألف دينار وكسر، فلمّا قدم بغداد أقام بها. وصار في يوم من الأيّام إلى جعفر بن بسطام ليتحدّث عنده، فرأى خلفه بابا عليه زوج ستائر لم ير مثلهما، وبين يديه ريحان في اجّانتين صينيّ غاية في [٤٣٦ ب] الحسن، فجعل يحدّث ابن بسطام ويطيل النظر في السترين والإجّانتين. فلمّا انصرف بعث إليه ابن بسطام رقعة، فيها: رأيتك يا سيّدي تنظر إلى السترين والإجّانتين. وقد أنفذت إليك بعدلين ستور [ا] من صنفهما وعشرين إجّانة، فتطوّل بقبول ذلك.
فكتب إليه: أحلف ألّا أقبل ذلك ولا شيئا منه- وشكره على فعله.
فكتب إليه ابن بسطام يحلف أنّه إن لم يقبل ذلك وردّه ليضرمنّ النار فيه. فقبل الجميع، وأخرج سترين نصبهما كما رأى وأخذ اجّانتين جعلهما بين يديه. فبينا هو جالس إذ دخل عليه أبو
стр. 1194
علي محمد بن علي [بن الحسن] (١) بن مقلة- وكان يرجف له بالوزارة- فنظر إلى السّترين والإجّانتين، وقال: يا أبا عليّ، ما أحتمل لك هذا كلّه! أرسل إليّ فرد ستر وإجّانة!
فضحك، وانقضى المجلس، فلمّا قام أبو علي ابن مقلة بعث إليه بالعدلين والعشرين إجّانة.
فبعث إليه رقعة بشكره فيها، ولم تمض غير أيّام قلائل حتى تقلّد ابن مقلة الوزارة، فبعث إلى أبي زنبور يقول: يا أبا عليّ، إنّي لم أتقلّد الأمر إلّا من جهة البقايا (٢). وأنت في الأوّل. تقوم الساعة فاعمل للنفقة وجوها، وتبقّي اثنين وستّين ألفا وستّمائة واثنين وخمسين دينارا وكذا، وائتني العشيّة بالعمل!
ففعل أبو زنبور ذلك ومشى به إلى الوزير وانصرف عنه، فلمّا كان من السحر أتاه رسول الوزير، فصار إليه، فقال له: عندك خبر؟ دخلت البارحة على أمير المؤمنين بعد ذهابك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعبت وزيرك بالبقايا وشغلته بها عن الأصول وعن التدبير، وأكثر هذه البقايا محال: هذا عبدك الحسين بن أحمد عامل مصر، عليه بقايا، وقد أخرج لها وجوها. وبقّى على نفسه شيئا مبلغه نيف وستّون ألف دينار وكسر.
ولولا أنّ حسابه صحيح، ما كان يبقّي على نفسه شيئا.
فقال: هو كذلك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، تترك حسابه على ما هو عليه.
فقال: أفعل
فقلت: ويسمح له بما بقّاه من منكسر وتالف.
فقال: أفعل.
فقلت: قد طال مقامه، فيردّ غير وال؟
قال: يردّ إلى عمله.
فقلت: فأين موضع عنايتي به؟
فقال: زده الشام.
[قال]: وهذه كتبك، سر في غد ولا تتأخّر ولا تتجهّز أنت بتجهّز بالرقّة وحلب.
فودّعه وسار حتى قدم مصر.
[براعته في حساب الخراج]
ودفع مرّة ستّمائة ألف دينار إلى أبي الحسين محمد بن [الحسين] بن عبد الوهّاب (٣)، ومع المال دفتر، وقال له: اصرف هذا المال أنت، وإسحاق بن نصير (٤)، ومحمد بن زيد، على ما في [٤٣٧ أ] هذا الدفتر.
فاختزلوا من المال ثلاثين ألف دينار وصرفوا ما بقي، وتركوا الدنانير عند إسحاق بن نصير، ورفعوا الحساب. فأقام شهرا واتّعدوا على قسمة ما اختزلوه. فعند ما اجتمعوا في منزل إسحاق أتاهم رسول أبي زنبور بحضور أبي الحسين. فقام ودخل عليه وأكل معه، وأخرج إليه الحساب فأراه فصوله، وسأله عنه فصلا فصلا. فسكت [أبو] الحسين عن فصول، فقال له أبو زنبور: لعلّكم اختزلتم شيئا؟
قال: نعم، ثلاثين ألف دينار، وهي بحالها.
فعبّس أبو زنبور وجهه وقال: أتظنّ أنّه بخل عليكم؟ ولكن كان سبيل هذا أن يكتب كذا، وهذا
стр. 1195
أن يكتب كذا- حتى أتى على الفصول، وقال:
أصلحوها هكذا.
ثمّ قال له: عند ما جاءتك رسالتي، أين كنت؟
قال: عند أبي يعقوب إسحاق بن نصير، وكنّا على قسمتها.
فقال: امض للقسمة.
فعاد وقد بقي من النهار ستّ ساعات، فجلسوا إلى أن مضى من الليل أربع ساعات، جاءتهم فيها من أبي زنبور ثماني عشرة تحفة، واقتسموا المال عن طيب نفس منه.
[فضله على مصر]
وكان أبو زنبور مع إنعامه وإفضاله له رأي سديد وتدبير جيّد، وقد ضبط أمور مصر أربع مرّات.
أوّلها يوم ذبح خمارويه بدمشق، فعقد البيعة لابنه جيش بن خمارويه وتختّم بخاتم أبي الجيش وسار بالعساكر إلى مصر حتى دخل بها سالمة.
والثانية لمّا دخل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر لزوال دولة ابن طولون، لم يزل يعمل الحيلة ويكتب إلى العراق حتى جاء فاتك وهزم ابن الخليج وأسره.
والثالثة في وقعة حبّاسة، قام بالأمر مع مؤنس وأحسن إلى المستأمنة وأنفق أموالا جمّة.
والرابعة في نوبة الجيزة لمّا مات ذكا الأعور أمير مصر، فإنّه خاف على مصر من قدوم عساكر المغرب، فكتب إلى ابن المهديّ- وهو بالإسكندريّة- يعده بأن يسلّم إليه مصر، وكتب إلى دمشق يحثّ تكين على المسير بالعساكر إلى مصر، وكتب إلى العراق يحثّ مؤنس الخادم علىالقدوم إلى مصر بالعساكر ويخوّفه استيلاء المغاربة، فتمّ له ما أراد وتكاملت عنده العساكر بمصر.
[تلطّفه ومداراته]
وثارت به رجّالة مصر مرّة وأخذوه إلى جامع أحمد بن طولون وحبسوه في الغرار (١) وأحاطوا به، فجاءه في الليل هلال بن بدر أمير مصر ليخلّصه من أيديهم. فبعث إلى الرجّالة يقول لهم: إنّما يريد هلال قتلي ويتلف الأموال [٤٣٧ ب] التي أريد أن أعطيها لكم.- فمشى عليهم ذلك وشتموا هلالا وردّوه، و [أ] ركبوا أبا زنبور في أوّل النهار وحفّوا بركابه وأوصلوه إلى داره، فوضع العطاء وأعطاهم، فشكروه وانصرفوا عنه.
وكان مع ذلك قويّ القلب واسع الحيلة، ولمّا قدم مؤنس من العراق إلى مصر استدعى أبو زنبور الحسن الدقّاق، وقال: إنّ الأستاذ مؤنس قد وافى. ولي بمشتول ستّون ألف إردبّ قمحا، فإذا وافى فقم له بالوظيفة- يعني الدقيق والخبز- ففعل ذلك مدّة شهر. فلمّا مضى الشهر، قال له علوان كاتب مؤنس: كم لك حتى ندفعه إليك؟
فقال: إنّما هو لأبي علي- وأعلمه الخبر.
فقال: أحسب الأستاذ لا يرضى أن يكون في ضيافة أبي علي.
وأعلم مؤنسا بذلك، فقال: أنا آكل خبز حسين؟ لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله.
فبلغ ذلك أبا زنبور، فقام من فوره إلى مؤنس وأكبّ على رجليه يقبّلهما، واحتشم منه، وقال:
والله يا أبا عليّ لا أجيبك إلّا [ل] هذا الشهر الذي مضى، ولا تعاود.
فرجع وقال للدقّاق: قم لهم بالوظيفة.
فقال: ما بقي عندي قمح.
стр. 1196
فصار يكتب له بالقمح، فلمّا فرغ أتاه الدقّاق بالحساب، ومعه أربعمائة دينار فضلت من ثمن القمح، فقال له: اعفني منها.
فقام الدقّاق بها، فلمّا خرج اعترضه عبد الله بن أبي زنبور وأخذ الأربعمائة منه لنفسه.
[جوده على العلماء والفقراء]
وقدم عليه مرّة الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن سلمويه الرازيّ بكتاب من مكّة، وكان ألحى. فقرأ الكتاب وتبسّم ثمّ قال: هذه لحية ما تحتاج إلى كتاب.
فقال له أبو بكر: إيش هذا؟ شيخ وسخيف؟
فضحك وأمر له بمائتي دينار.
وكان يرسل إلى منصور الفقيه في كلّ شهر مائة دينار، وكانت له جراية على جماعة من أهل العلم والأدب، وكان يكرمهم، وحبّس على آل البيت ﵈ وعلى أبناء الصحابة رضوان الله عليهم أملاكا ثمنها مائة ألف دينار تعقد مالا كثيرا.
واعتقله أبو القاسم علي بن أحمد بن بسطام متولّي خراج مصر ومعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن عليّ في سنة سبع وثلاثمائة وطالبهما بحساب ومال. فاتّفق موت أخيه أبي بكر الأعور، فخرج في جنازته هو وابن أخيه موكّلا بهما بسفارة الأمير ذكّا. فلمّا مشيا في الجنازة ثارت الرعيّة ومرّت معهما حتى انتهت إلى دار أبي زنبور، فجلس من الرعيّة آلاف على بابه حتى العتمة. فبعث إليهم يشكرهم، وسألهم الانصراف فانصرفوا. ومضى بابن أخيه إلى ابن بسطام، فاحتشم وقال:
انصرفوا- وشكر مجيئهما إليه.
[علوّ منزلته عند خلفاء بغداد]
ولمّا ولي محمد بن جعفر القرطيّ الخراج، جاءه أبو زنبور ومعه ابن أخيه أبو بكر، فقام لهما وتلقّاهما وجثا بين أيديهما، فقال له أبو زنبور:
ربّيتنا وحملتنا وحملت العمل- والقرطيّ يقبّل الأرض استعظاما لما يخاطبه به. ثمّ قال: قد جئنا مع التهنئة في حاجة: أحبّ أن ترسل من ترضاه ليصون ضياعنا ويحميها.
فقال: أنا أخرج بنفسي وأخدم فيها، وهل أنا إلّا عبدكما؟
ثمّ نهضا، وكان أبو بكر قد ضاق صدره من ولاية القرطيّ، فقال له: لا يضيق صدرك، هذا أمر يزول عن قريب. فاقبل ما أقول لك وقم بنا نهنّئه.
فقاما بعد امتناع من أبي بكر.
ثمّ إنّ أبا زنبور سار بابن أخيه أبي بكر إلى العراق، وقدما إلى مصر لصرف القرطيّ، وكان مع جودة رأيه وقوّة نفسه يمشّي الأمور باللطف والحيلة. وكان تكين أمير مصر يتّقيه، حتّى إنّه تنازع معه مرّة في مجلس مؤنس. فقال له تكين:
الساعة ألكمك [و] أطرح أضراسك!
فقال له: تقول لي هذا وفي ملكي ستّة عشر غلاما، اسم كلّ واحد منهم تكين؟ - وقام مغضبا.
ومدحه البحتريّ (١) والمريمي بمدائح كثيرة.
وأجاز البحتريّ مرّة على مديحه بألف دينار.
ورأى ازدحام الناس على بابه بخيولهم، فقال:
هذا يؤذي السابلة- واشترى دارا تجاه داره وهدمها وجعل موضعها براحا يقف الناس فيه بدوابّهم.
وزار بعض وكلائه في مرضة مرضها، فقال له الوكيل: حاللني ممّا أخذت منك.
стр. 1197
الصفحة ٣٨٠ ب من مخطوط السليمية، وهي مشتركة بين الترجمتين ١٢٢٤ و ١٢٢٥ (أبو زنبور الماذرائي وأبو عبد الله الشيعيّ) مع سقط أدّى إلى الخلط بين الترجمتين (انظر السطر الثامن قبل الأخير).
стр. 1198
فقال: أنت في حلّ من عشرة آلاف دينار.
قال: زدني!
فزاده حتّى بلغ أربعين ألف دينار، فقال:
أربعين ألف دينار! قد أخذت مالي كلّه- وقام ولم يحالله، فمات الوكيل من ليلته. فلمّا بلغه موته استرجع وقال: أنا قتلته بقولي الذي قلته. اللهمّ اشهد أنّه في حلّ من كلّ شيء أخذه من مالي.
- وبعث إلى أهله خمسمائة دينار، وأجرى لعياله رزقا كان لأبيهم، عفا الله عنه ورحمه.
وأبو زنبور هذا هو الذي هدم ميدان أحمد بن طولون وقصره، فهدم ذلك كلّه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين وباع أنقاضه، فدثر كأن لم يكن، وقيل فيه أشعار كثيرة. ذكر [القاضي] أبو عمرو عثمان النابلسيّ في كتاب «حسن السريرة في اتّخاذ الحصن بالجزيرة» أنّه رأى كتابا يشتمل على ثنتي عشرة كرّاسة مضمومة في فهرست شعراء ميدان أحمد بن طولون. فإذا كان اسم الشعراء [٤٣٨ ب] في اثنتي عشرة كرّاسة، فكم يكون شعرهم!
وقد بادوا وبادت أشعارهم إلّا قليلا (١).
١٢٢٤ - أبو عبد الله الشيعيّ [- ٢٩٨] (٢)
[٤٣٩ أ] الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا، أبو عبد الله، الشيعيّ، الداعي- يعرف بابن أبي
الملاحف- المحتسب.
أصله من الكوفة من رام هرمز. وكان محتسبا بسوق الغزل من البصرة. وقيل: المحتسب إنّما هو أخوه أبو العبّاس محمد.
ويعرف أبو عبد الله أيضا بالمعلّم، فإنّه كان يعلّم الناس مذهب الباطنيّة.
وكان هو وأخوه أبو العبّاس في صنعاء اليمن بزّازين.
[اختلافه إلى حمدان قرمط]
واختلف في ابتداء أمره إلى حمدان بن الأشعث قرمط- هو وأبو زكريا يحيى بن المهديّ الكوفيّ الخيّاط- وعلي الصناديقي النجّار، فرجعوا عن مذهبهم في التشيّع وهو القول بإمامة موسى الكاظم ابن جعفر الصادق- وهو قول الشيعة الإماميّة- إلى القول بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ودانوا بالقرمطة.
وكان اجتماعهم بقرمط قبل سنة سبعين ومائتين بقرية يقال لها الصوان من سواد الكوفة، فلمّا دانوا بقول قرمط دعوا الناس إلى مقالتهم وقرّبوا عليهم ظهور المهديّ وخروجه إلى الناس، فعظم أمرهم.
وخرجوا إلى مكّة ثمّ إلى اليمن فداروا في مدنه، ورضي علي النجّار باليمن وكثر أصحابه.
ثمّ عادوا إلى مكّة ورجعوا إلى الكوفة، فحمل إليهم قرامطة السواد الخمس من أموالهم سرّا.
ثمّ مضى علي النجّار، وعلي بن الفضل بن يزيد الخلقاني الجنديّ إلى اليمن وأظهرا بها القرمطة، وكان من شأنهما ما كان.
وسار أبو عبد الله وأخواه من الكوفة وسكنوا قرية القرشيّين من قرى سلميّة بأرض حمص من
стр. 1199
الشام، وبها بنو إسماعيل بن جعفر الصادق فأقام معهم.
ثمّ هاجر إلى أبي الحسين رستم بن الكرخين ابن حوشب، وقد عظم شأنه باليمن فأكرمه وأدناه إلى أن قدم على ابن حوشب موت الحلوانيّ وأبي سفيان بأرض المغرب، فقال: يا أبا عبد الله، أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيّ وأبو سفيان وقد ماتا وليس لها غيرك، فبادر فإنّها موطأة ممهّدة لك.
[تتلمذه على ابن حوشب باليمن] (١)
فخرج أبو عبد الله وأمدّه ابن حوشب بمال وأوصاه بما يعمل. وقيل: إنّ والد عبيد الله المهدي رأى في أبي عبد الله فراسة، فأرسله إلى ابن حوشب وكتب إليه أن يرشده ويعلّمه السياسة، وقال لأبي عبد الله: تعلّم سيرته وانظر أفعاله وسنّته واتّبع أمره ثمّ اذهب إلى المغرب، فاقصد بلاد كتامة.
فسار أبو عبد الله إلى ابن حوشب وأقام عنده عاما، وهو يشهد حروبه ووقائعه إلى أن خرج الناس من اليمن إلى الحجّ [ف] سار معهم.
[اتّصاله بالحجيج الكتاميّين]
فقدم أبو عبد الله الموسم بمكّة وسأل عن الحاجّ من كتامة، فأرشد إليهم فاجتمع بهم ولم يعرّفهم قصده، ولا من هو، وجلس قريبا منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل [٤٣٩ ب] أهل البيت، فأظهر استحسان ذلك، وحدّثهم بما لم يعلموه، ففرحوا به.
وكان رأس الشيعة من كتامة رجلان هما الحارث ................ ........
الجيملي (٢) وموسى بن مكاد، وهما اللذان جلس أبو عبد الله إلى جانبهما وتحدّث معهما في فضائل آل البيت. فلمّا أراد القيام سألوه أن يأذن لهمفي زيارته والانبساط معه، فأذن لهم في ذلك.
وسألوه عن مقصده في سفره، وقالوا له: أين تريد؟
فقال: مصر.
ففرحوا بصحبته، وسرّهم ذلك منه وقالوا:
الطريق واحدة.
ورحلوا، وهو لا يخبرهم بغرضه. وأظهر لهم العبادة والزهد، فازدادوا فيه رغبة وخدموه. وكان يسألهم عن بلادهم وأحوالهم وقبائلهم، وعن طاعتهم لسلطان إفريقيّة، فقالوا: ما له علينا طاعة أكثر من أن نقول إنّه سلطان، وبيننا وبينه عشرة أيّام.
قال: أتحملون السلاح؟
قالوا: هو شغلنا.
قال: فأقرب المدن إليكم؟
قالوا: ميلة.
فلم يزل يتعرّف أحوالهم حتى وصلوا إلى مصر، فقال لهم: أستودعكم الله.
قالوا: أيّ شيء تطلب بمصر؟
قال: أطلب التعليم بها.
قالوا: إذا كنت تطلب هذا فبلادنا أنفع لك ونحن أعرف بحقّك.
قال: بلادكم بعيدة.
قالوا: وما عليك من بعدها، ونحن نسير في عمران وبلاد؟ فإذا وصلت بلادنا نرفع قدرك عن التعليم وتكون لنا سيّدا.
стр. 1200
[وصوله معهم إلى بلاد كتامة]
فلم يطمعهم وعلّق الأمر معهم على الاستخارة، وكان جلدا محتالا قد علم الحيل. ثمّ أظهر لهم الإجابة بعد المسألة. وسار معهم حتى انتهوا إلى سوجمار (١) حيث تلقّاهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبر أبي عبد الله الشيعيّ، فنظروا إلى تعظيم الكتاميّين إيّاه فرغبوا في نزوله عندهم حتى رموا عليه القرعة [في] من يضيّقه.
ثم رحلوا حتى دخلوا حدّ كتامة يوم الخميس النصف من ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين (٢). فسأله قوم من خيارهم أن ينزل عندهم، فقال: أين يكون فجّ الأخيار؟
فنظر بعضهم إلى بعض تعجّبا، وكانوا لم يذكروه في طريقهم ولا سمّوه له- وإنّما أخذه من كلام صبيانهم.
فقالوا له: عند بني سكتان.
فقال: إليه نقصد! ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في موضعهم ونزورهم في بيوتهم، فأرضي بذلك قلوب الجميع.
وسار إلى جبل يقال له «إيكجان» وفيه فجّ الأخيار، فقال: هذا فجّ الأخيار، وما سمّي إلّا بكم، لقد جاء في بعض الروايات أنّ للمهديّ هجرة تنبو [به] عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان: قوم مشتقّ اسمهم من الكتمان، فأنتم هم كتامة، وبخروجكم من هذا الفجّ [٤٤٠ أ] يسمّى فجّالأخيار.
وتسامعت به القبائل وتحدّث [ت] بفضله وعلمه (٣) في المحافل، وأتته البرابر من كلّ فجّ فأظهر ما أذهل عقولهم. وعظم أمره إلى أن تقاتل كتامة عليه مع قبائل البربر، وسلم من القتل مرارا، وهو مع ذلك لا يذكر لهم المهديّ. واجتمع أهل العلم على مناظرته يريدون قتله. فمنعته كتامة من مناظرتهم، وكان اسمه عند الناس «أبو عبد الله المشرقيّ» (٤).
[تحرّك الأغلبي لقمع ثورة الداعي]
وبلغ خبره إلى إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيّة، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمره.
فصغّره، وذكر أنّه يلبس الخشن ويأمر بالخير والعبادة. فلم يعرض له وسكت عنه.
ثمّ إنّه قال للكتاميّين: أنا صاحب البذر الذي ذكر [هـ] لكم أبو سفيان والحلوانيّ.
فقالوا: صدقت.
وازدادت محبّتهم له وإعظامه وقوي أمره وأطاع [ت] هـ قبائل البربر: هذا وابن حوشب يواصله (٥) ويسأله فيعرّفه ضعف بني العبّاس ببغداد.
فاتّفق أنّ البربر وكتامة اختلفوا بسبب أبي عبد الله وهمّ بعضهم بقتله، فاختفى. ووقع بين الفريقين قتال شديد، فأخذ الحسن بن هارون، أحد كبراء كتامة، أبا عبد الله إليه، ودافع عنه، ومضى به إلى مدينة تازروت (٦) فأتته القبائل من كلّ مكان، وعظم شأنه. وصارت الرئاسة
стр. 1201
للحسن بن هارون، وسلّم إليه أبو عبد الله أعنّة الخيل، وظهر من الاستتار وشهد الحروب وكان الظفر له فيها وغنم الأموال.
وانتقل إلى مدينة تازروت وخندق عليها، فزحفت قبائل الغرب إليها وقاتلوا أهلها عدّة وقائع كبيرة ظفر بهم فيها أبو عبد الله، وصارت إليه أموالهم فاستقام له أمر البربر عامّة.
وزحف إلى مدينة ميلة وقاتل أهلها قتالا شديدا حتى طلبوا الأمان، فأمّنهم ودخلها. فبعث إليه إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقيّة ابنه الأحول (١) في اثني عشر ألفا وتبعه مثلهم فقاتلهم أبو عبد الله فهزموه وكثر القتل في أصحابه وتبعه الأحول، فسقط ثلج عظيم حال بينهم وبينه، وسار إلى جبل إيكجان، وأحرق الأحول مدينة تازروت ومدينة ميلة.
وبنى أبو عبد الله بإيكجان دار هجرة فقصده أصحابه، وعاد الأحول إلى إفريقيّة، فسار أبو عبد الله بعد رحيله.
واتّفق [٤٤٠ ب] موت إبراهيم بن الأغلب وقتل ولده أبي العبّاس وولاية زيادة الله (٢) واشتغاله باللهو. فخرج الأحول بجيش كبير يريد أبا عبد الله فهزمه. وعاد فقتله زيادة الله. فقوي شأن أبي عبد الله وانتشرت جيوشه في البلاد، وقال:
المهديّ يخرج في هذه الأيّام ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني!
وجعل يغري الناس بزيادة الله ويعيبه. وكان مع
ذلك وزراء زيادة الله شيعة لا يسوءهم ظفر أبي عبد الله، بل كانوا قد تشوّفوا إلى ظهور المهديّ، وأبو عبد الله يرسل إليهم ويعدهم.
وبعث برجال من كتامة يثق بهم إلى عبيد الله المهدي وهو بسلميّة من بلاد الشام ليخبروه بما فتح الله وأنّهم ينتظرونه، فساروا إليه وأخبروه بماكان من أمر أبي عبد الله فخرج من سلميّة ومعه ابنه أبو القاسم محمد نزار ومعه أيضا أبو العبّاس محمد [ ... ] بن عبد الله (٣) وأمواله ومواليه، ومرّ بمصر في زيّ التجّار حتى انتهى إلى سجلماسة فقبض عليه صاحبها اليسع بن مدرار وحبسه.
[انتصار الداعي]
وخرج أبو عبد الله في العساكر ففتح ميلة وغيرها من المدائن، فجهّز زيادة الله العساكر لقتال أبي عبد الله، وقدّم عليها إبراهيم بن حبشي (٤) أحد أقربائه، فتوجّه إليه في نحو من ثمانين ألفا، وأبو عبد الله متحصّن في الجبال لا يخرج إليه. فطمع فيه إبراهيم وزحف إليه بالعساكر. فأخرج أبو عبد الله خيلا انتقاها فعاجلها إبراهيم بالحرب، ولم يصحبه أحد من أصحابه، وكانت أثقال عسكره كما هي على ظهور الدوابّ والجمال. ونشبت الحرب فزحف أبو عبد الله بالعساكر على إبراهيم، فوقعت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، وجرح إبراهيم وعقر فرسه ولم ينج إلّا بعد الجهد. واستمرّت الهزيمة عليه فأسلموا الأثقال والأموال والعدد والسلاح، وأبو عبد الله في طلبهم يومه ذلك وإلى الغد، فقتل منهم خلقا كثيرا. وكانت هذه الواقعة قاصمة
стр. 1202
الظهر، وبها تمّ لأبي عبد الله أخذ المغرب واستقرار دولته.
وكتب إلى المهديّ [وهو] بسجنه في سجلماسة يبشّره بالفتح، وأنفذ الكتاب مع أبي الحسين جدّ (١) بني الحسين ولاة صقلّيّة، وبعث معه نفقة ودخل أبو الحسين السجن في زيّ لحّام وعلى رأسه لحم يبيعه للمحب [و] سين وثياب دهنة (٢)، فاجتمع به وعرّفه ذلك.
ثمّ سار أبو عبد الله وأخذ عدّة مدائن [٤٤١ أ] بالسيف، فحشد زيادة الله وبعث العساكر لقتال أبي عبد الله، فلقي [ت] هم خيل لأبي عبد الله وأوقعوا بهم حتى أتوا على معظمهم قتلا. فاشتدّ ذلك على زيادة الله وخرج بنفسه في سنة خمس وتسعين [ومائتين] (٣). ثمّ عاد، وبعث إبراهيم- من بني عمّه- فواقعه أبو عبد الله وقتل منهم خلقا كثيرا، ومضى كلّ منهما. فجمع أبو عبد الله عساكره فبلغت مائتي ألف فارس وراجل. وجمع زيادة الله مع ابن عمّه إبراهيم ما لا يحصى، وسار أبو عبد الله في أوّل جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين فلقيه إبراهيم واقتتلوا قتالا عظيما طال زمانه وجرت فيه أمور آلت إلى هزيمة زيادة الله إلى مصر، ونهبت قصور بني الأغلب.
ووصل إبراهيم إلى القيروان، وجمع الناس
عليه فلم يستقم له أمر وخرج. ونزل أبو عبد الله برقّادة وأمّن الناس ولم يتعرّض لأحد، وخرج إليه الفقهاء ووجوه البلد فلقوه وسلّموا عليه وهنّئوه بالفتح، فردّ عليهم ردّا حسنا وحدّثهم وأمّنهم، فأعجبهم ذلك وسرّهم. وأخذوا في ذمّ زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلّا قويّا (٤)، وله منعة ودولة شامخة، وما قصّر في دفاعه، ولكنّ أمر الله لا يعاند ولا يدافع.
فأمسكوا عن الكلام ورجعوا إلى القيروان.
[إعلان الحكم الشيعيّ]
وكان دخول أبي عبد الله رقّادة يوم السبت مستهلّ شهر رجب، وعند ما نزل بالقصر فرّق دورها على كتامة. وكان قد خرج منها الناس فنادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم. وبعث العمّال إلى البلاد، وتتبّع أهل الشرّ والفساد فقتلهم. وجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع كثير من ذلك. وكان فيما وجد عدّة جوار لهنّ حظّ من الجمال، فسأل عمّن يكفلهنّ فدلّ على امرأة صالحة كانت لزيادة الله، فأحضرهاو أحسن إليها وسلّم الجواري إليها، وأمرها بالقيام عليهنّ، وأمر لهنّ بما يصلحهنّ ولم ينظر إلى واحدة منهنّ. ولمّا حضرت الجمعة أمر الخطباء برقّادة ولم يذكروا أحدا، وأمر بضرب السكّة وأن لا ينقش عليها اسم، ونقش عليها من وجه (٥):
بلغت حجّة الله
ومن الوجه الآخر:
تفرّق أعداء الله
ونقش على السلاح:
стр. 1203
عدّة في سبيل الله
ووسم على أفخاذ الخيل:
الملك لله
وأقام على ما كان عليه من لبس الدون الخشن وتناول القليل من الطعام الغليظ.
وقدم عليه أخوه أبو العبّاس [٤٤١ ب] برقّادة فسرّ به.
وخرج في شهر رمضان من رقّادة واستخلف على إفريقيّة أخاه أبا العبّاس وأبا زاكي. وسار في جيوش عظيمة فاهتزّ الغرب لخروجه وخافته زناتة وتنحّت القبائل عن طريقه وأتته رسلهم بالطاعة له.
فلمّا قارب سجلماسة بعث إلى اليسع صاحبها يتلطّف به، ويقول: «لم أقصد حربك، ولكنّ لي حاجة مهمّة عندك»، ووعده بالجميل. فلمّا أتته كتبه رمى بها وقتل الرسل، فعاوده بالملاطفة خوفا على عبيد الله المهدي- ولم يذكره له- فقتل الرسول أيضا، وخرج فقاتل أبا عبد الله يومه على ظاهر سجلماسة، فلمّا جنّهم الليل افترقوا، وهرب اليسع وأصحابه. وبات أبو عبد الله في غمّ عظيم لا يدري ما صنع بالمهديّ وولده. فلمّا أصبح خرج إليه أهل سجلماسة وأعلموه بهرب اليسع، فدخل أبو عبد الله بأصحابه المدينة، وقصد المكان الذي فيه عبيد الله المهدي، وأخرجه وولده وأركبهما، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديهما، وأبو عبد الله يقول للناس: «هذا مولاكم»، وهو يبكي من شدّة الفرح، حتى وصل إلى الفسطاط الذي ضرب له، فنزل فيه. وحصل في الناس من المسرّة ما كاد يذهب بعقولهم. وأمر أبو عبد الله بطلب اليسع فأخذ وضرب بالسياط ثم قتل (١).
وسار بالمهديّ إلى رقّادة، فلمّا قاربها مشى أبو عبد الله وجمع القبائل في ركاب المهدي حتّى نزل القصر وسلّمه الأمر كلّه. فتصرّف فيه على ما اقتضاه رأيه.
[تمرّد الداعي على المهدي]
فحسده أبو العبّاس أخو أبي عبد الله، وأخذ يزري عليه في مجلس أخيه. وما زال بأخيه أبي عبد الله حتى غيّره. وكان المهديّ لم يترك لأبي عبد الله ولا لأخيه أمرا، فواجه أبو عبد الله المهديّ بما في نفسه وقال له: يا مولانا، لو كنت تجلس في قصرك، وتتركني مع كتامة آمرهم وأنهاهم علىحسب ما عوّدتهم، لأنّي عارف بأخلاقهم، لكان ذلك أهيب لك في أعين الناس.
وكان المهدي قد بلغه ما كان من مفاوضة أبي العبّاس مع أخيه أبي عبد الله، فعند ما واجهه أبو عبد الله بهذا، تحقّق صدق ما نقل إليه، غير أنّه ردّ ردّا لطيفا، ولم يظهر له شيئا.
وكثر القول من أبي عبد الله وأخيه، وأخذ أبو العبّاس يغري بالمهدي سرّا فيصل ذلك إلى المهدي، ويتغافل. وزاد الأمر حتى اجتمعوا على قتل المهديّ غدرا. وكان غزويه بن يوسف (٢) يدخل [٤٤٢ أ] معهم ويخبر المهديّ بما جرى، فاتّفق أنّهم اجتمعوا في دار أبي زاكي ومعهم أبو عبد الله. فلمّا كان الصبح خرج أبو عبد الله على عادته، وقد لبس ثوبه مقلوبا، فدخل على المهديّ فسلّم عليه وخرج. فلم يذكر له المهديّ شيئا. ثمّ دخل عليه في اليوم الثاني والثالث وثوبه مقلوب
стр. 1204
على حاله، فقال له المهديّ: ما هذا الأمر الذي أذهلك وشغلك عن أمر نفسك يا أبا عبد الله؟
قال: يا مولانا، وما هو؟
قال: أرى ثوبك مقلوبا عليك منذ ثلاثة أيام، فعلمت أنّك ما نزعته عن بدنك.
فنظر أبو عبد الله إلى ثوبه فرآه مقلوبا، فقال:
والله ما علمت بذلك إلّا ساعتي هذه.
فقال المهديّ: إنّ هذا لشغل عظيم، فأين كنت البارحة بائتا والليالي التي قبلها؟
فسكت أبو عبد الله، فقال المهديّ: أليس بتّ هذه الليالي في دار أبي زاكي؟
قال: بلى.
قال: وما الذي أحوجك أن تبيت في غير دارك؟
فقال: يا مولانا، خفت.
قال: وهل يخاف الإنسان إلّا من عدوّه؟
قال: أعوذ بالله!
قال المهديّ: إنّ المؤمن لا يخاف وليّه.
فسكت أبو عبد الله وعلم أنّ عورته قد ظهرت للمهدي، ثمّ انصرف وأخبر أصحابه بالقصّة.
فخافوا على أنفسهم من المهديّ، فما زال بهم المهديّ حتى فرّقهم في البلاد.
[قتل الأخوين]
وخرج أبو عبد الله وأخوه أبو العبّاس يوما يريدان القصر، وكان المهدي أمر غزويه ورجالا معه أن يرصدوا أبا عبد الله وأخاه. فلمّا وصلا إلى قرب القصر حمل غزويه على أبي عبد الله وحمل آخر على أخيه، فقال أبو عبد الله: لا تفعل يا بنيّ!
قال: الذي أمرتنا بطاعته أمرني بقتلك.
فقتلاهما يوم الاثنين النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين. فخرج المهديّ وصلّى عليهما وقال: رحمك الله يا أبا عبد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك! ولا رحمك يا أبا العبّاس فإنّك صرفته عن الحقّ (١).
١٢٢٥ - شمس الدين ابن الأثير الواعظ [- ٧٣٥] (٢)
الحسين بن أسد بن مبارك بن الأثير، شمس الدين، الواعظ.
سمع من الحافظ عبد العظيم، وعبد المحسن بن عبد العزيز المخزوميّ، والنجيب. وكان حسن المذاكرة فاضلا.
توفّي بمصر عن أربع وثمانين سنة في يوم [الخميس سادس جمادى الآخرة] سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
١٢٢٦ - أبو عليّ ابن الخشّاب
الحسين بن بقاء بن محمد بن أحمد الخشّاب،
стр. 1205
أبو عليّ، زوج بنت عبد الغنيّ الحافظ (١).
روى عن أبي هريرة ابن أبي العصام وغيره، روى عنه أبو الحسن الحبّال (٢) الحافظ. وقد حدّث عنه صهره عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ، فيقول: حدّثني صهرنا أبو عليّ.
١٢٢٧ - ابن خدّاع الأرقطيّ [٣١٠ - ]
[٤٤٣ أ] الحسين بن جعفر بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد الأرقط بن عبد الله بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ﵈، أبو القاسم، ابن أبي عبد الله، المعروف بابن خدّاع، الحسينيّ، الأرقطيّ.
مولده لعشر خلون من ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة، وأخذ النسب عن أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن محمد الجوّاني النسّابة البغدادي في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وكان نسّابة مصر في أيّام كافور الإخشيديّ، وله كتاب «نسب ولد الحسن والحسين» في مجلّدين.
وكان أبوه جعفر بن أحمد أسنّ ولد أبي طالب في وقته، وهو الذي يعرف بابن خدّاع: كانت له داية تسمّى خدّاع، وكان إذا خرج بين الصبيان بالحجاز يتجنّبونه بسبب خصومتها لهم من أجله فعرف بها.
ثمّ انتقل إلى مصر، وأكرمه السلطان.
وولي أبو القاسم خطابة الجامع (٣).
١٢٢٨ - قائد القوّاد حسين بن جوهر [- ٤٠١]
[٤٤٤ أ] أبو عبد الله ابن القائد أبي الحسين، الروميّ.
[ ... ] فلمّا ولي الحاكم بأمر الله خلع عليه في خامس شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة، وردّ إليه البريد والإنشاء، وقاد بين يديه عدّة من الخيل وكثيرا من الثّياب، وحمل على فرس بمركب ذهب فصار يخلفه [أبو منصور بشر بن عبد الله] بن سورين (٤).
واستكتب أمين الدولة [الحسن بن عمّار] (٥) أبا عبد الله [ ... ] الموصليّ، وجعل إليه أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم.
فلمّا قتل الأستاذ برجوان (٦) استدعي في يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى سنة تسعين وثلاثمائة إلى القصر، وخلع عليه ثوب ديباج أحمر ومنديل أزرق مذهّب، وقلّد بسيف محلّى بذهب، وحمل على فرس بسرج ولجام ذهب، وقيد بين [يديه] ثلاثة أفراس بمراكبها، وحمل أمامه خمسون ثوبا صحاحا من كلّ نوع، وردّ إليه الحاكم بأمر الله
стр. 1206
التوقيعات عنه، والنظر في أمور الناس، وتدبير المملكة، وإنصاف المظلوم. ونزل من القصر وخلفه فهد بن إبراهيم (١)، وقد خلع عليه أيضا، وسائر الناس معه حتّى دخل إلى داره.
وتقدّم إلى فهد بن إبراهيم بالتوقيع في رقاع الرافعين، على ما جرى رسمه به من أيّام الأستاذ برجوان، وأن يعاضد القائد حسين بن جوهر في النظر، ويساعده، ويخلفه إذا غاب. وكان القائد يبكّر إلى القصر ومعه الرئيس فهد فينظران في أمور الناس وينهيان جميع ذلك إلى الحاكم، والقائد [٤٤٤ ب] مقدّم وفهد تبع [له] ويكون رسم القائد الجلوس وقت الإنهاء بالحضرة ويقوم فهد على قدميه من ورائه حتى يعرضا الكتب والرقاع، وتقدّم القائد إلى الكافّة بأن لا يلقاه أحد من الناس على طريق ولا يركب إلى داره في قضاء حقّ ولا سؤال حاجة، وأن يكون موضع النظر في سائر الأمور بالقصر. وتقدّم أيضا أن لا يخاطبه أحد بسيّدنا في رقعة تكتب إليه (٢)، وأن يكون خطابه والكتابة إليه بالقائد فقط، وأن لا يخاطب فهد [بن] إبراهيم، ولا يكاتب إلّا بالرئيس لا غير.
واتّفق أنّه رأى جماعة من قوّاد الأتراك قياما على الطريق، وهم في انتظاره، فوقف لهم وقال: كلّنا عبيد مولانا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، ومماليكه، وليس والله أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي، ولا يلقاني أحد إلا في القصر.
فتركوه وانصرفوا، وأقام خدما من الصقالبة
الطرادين (٣) نوبا على الطريق، يمنعون الناس من المصير إليه ومن لقائه إلّا في القصر. وصار يجلس بالقصر في الموضع الذي رسم له الجلوس فيه ولا يتعدّاه. وأمر أبا الفتح (٤) مسعودا الصقلبيّ صاحب السّتر أن يوصل الناس بأسرهم إلى الحاكم، ولا يمنع أحدا من الوصول إليه، وأن يعرف رسم كلّ من حضر ومن يجلس للتوقيع إذا وقّع له، ففعل ذلك، ودخل الناس على الحاكم برقاعهم وقصصهم، فوقّع فيها.
وفي سابع [٣٨٣ أ] عشر جمادى الآخرة قرئ سجلّ على منابر المساجد الجامعة بالقاهرة ومصر يتضمّن تلقيب حسين بن جوهر بقائد القوّاد (٥).
١٢٢٩ - أبو علي الحليليّ [٥٥٥ - ]
[٤٤٤ ب] حسين بن حسن بن إبراهيم بن سنان بن موسى بن حسن بن بشر بن إبراهيم، أبو علي، ابن أبي عليّ، الغراريّ، الحليلي، التاجر.
стр. 1207
ولد ببلبيس سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وكان [ ... ].
١٢٣٠ - الحسين الحمدانيّ [- بعد ٣٨٨] (١)
[٤٤٥ أ] الحسين بن الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون، الأمير ناصر الدولة، أبو عبد الله، ابن الأمير ناصر الدولة وأمير الأمراء أبي محمد، ابن الأمير أبي الهيجاء، التغلبيّ.
هو أخو الأمير فضل الله الغضنفر، وجدّ الأمير ناصر الدولة أبي عليّ الحسين (٢)، ابن ناصر الدولة أبي محمد الحسن، ابن ناصر الدولة أبي عبد الله الحسين، ابن ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان، الثائر على المستنصر بمصر.
ولد في [ ... ] وولّاه أبوه الحديثة، فلمّا قدم عضد الدولة فنّاخسرو إلى العراق في سنة أربع وستّين وثلاثمائة، قبض عليه واعتقله هو وأخوه أبو (٣) طاهر إبراهيم مدّة خمس عشرة سنة. ثمّ أطلقهما بهاء الدولة أبو نصر فيروز ابن عضد الدولة، فخرجا إلى الموصل في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بإذن بهاء الدولة لهما. فلمّا سارا إلى الموصل علم القوّاد الغلط في مسيرهما، فكتب بهاء الدولة إلى متولّي الموصل يأمره بدفعهما عنها. فبعث يأمرهما بالعود عن الموصل، فردّا جوابا جميلا وجدّا في السير حتى نزلا بظاهر الموصل. فثار أهل الموصل بالديلم والأتراك
ونهبوهم، وخرجوا إلى بني حمدان، فخرج الديلم إلى قتالهم فهزمهم بنو حمدان والمواصلة وقتلوا منهم خلقا كثيرا، واعتصم الباقون بدار الإمارة، وعزم المواصلة على قتلهم، فمنعهم بنو حمدان وبعثوا بهم إلى بغداد.
وأقام بنو حمدان بالموصل، وكثر جمع العرب من عقيل معهم. فطمع باد الكرديّ (٤) صاحب ديار بكر في بني حمدان، وجمع الأكراد واستمال أهل الموصل، فمال إليه منهم جماعة وسار. فخرج الحسين بن حمدان وترك أخاه أبا طاهر بالموصل، يريد لقاء أبي الذوّاد محمد بن المسيّب أمير بني عقيل مستصرخا به علي باد. فأجابه وسار معه وعبرا دجلة، فاضطرب باد، وقام ليركب، فاندقّ عنقه ولم يقدر على الركوب. فتركه ابن أخته أبو علي ابن مروان وانصرف بالناس. فقتل باد في سنة ثمانين وثلاثمائة وحمل رأسه إلى بني حمدان.
ومضى أبو علي مروان إلى حصن كيفا وكان به زوجة خاله باد، فمكّنته منه (٥) ومن غيره، وسار إلى ميافارقين. فخرج الحسين وإبراهيم ابنا حمدان فقاتلهما، وأسر الحسين. ثمّ أكرمه وأطلقه. فصار إلى أخيه إبراهيم بآمد وهو على حصارها. فأشار عليه بمصالحة ابن مروان، فأبى.
وسار إليها ابن مروان وقاتلهما وأسر الحسين ثانيا، وانهزم إبراهيم [٤٤٥ ب]، فضيّق ابن مروان على الحسين وأساء إليه، وخرج إلى إبراهيم وهو بنصيبين فقاتله، وأسره هو وابنه عليّا وقتلهما صبرا.
ولم يزل الحسين في سجنه إلى أن كاتبه (٦) العزيز بالله نزار ابن المعزّ لدين الله معدّ الفاطميّ
стр. 1208
من مصر، وشفع فيه. فأطلقه. ومضى إلى مصر فولي صور بعد موت العزيز في أيّام الحاكم عند ما عصى أهل صور وأمّروا عليهم رجلا ملّاحا يعرف بالعلّاقة في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. فخرج إليها بتعيين برجوان في عسكر كثير وقد غلب عليها الروم مع العلّاقة. فاستنفر الناس من دمشق وأعمالها، وقاتل الروم والعلّاقة قتالا شديدا وأتته النجدات في المراكب البحريّة من مصر. فبادر الروم إلى مراكبهم وأقلعوا في البحر عن صور.
وأقبلت النجدات التي قدمت من مصر فاشتدّوا على صور ورموا من كان فوق الأسوار حتّى تفرّقوا، وملكوا البلد. فالتجأ العلّاقة إلى برج ثمّ نزل بأمان الحسين له. وملك صور في يوم السبت الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. وكان هذا أوّل فتح على يد الأستاذ برجوان، ولم يزل واليا على صور حتى مات بها في [ ... ]، فقام مقامه ابنه أبو محمد الحسن (١).
ومن شعر أبي عبد الله الحسين، وكتب إلى أخيه وجيه الدولة ذي القرنين أبي المطاع (٢)، وهو بديار بكر [البسيط]:
لو كنت أملك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد
ولست أعتدّه من بعدكم نظرا ... لأنّه نظر من ناظر رمد
فأجابه أبو المطاع:
قد كان في نزهة طرفي برؤيتكم ... ينوب شاهدها عن ذلّ مفتقد
فالآن أشغله من بعد فقدكم ... حفظا لعهدكم بالدمع والسّهد
١٢٣١ - سلطان الجيوش الحمدانيّ [- ٤٦٥] (٣)
[٤٨٧ أ] الحسين بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن الرشيد بن المثنّى بن رافع بن الحارث [بن عطيف] بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم- أحد الأراقم- بن بكر بن خبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ بن عدنان، الأمير ناصر الدولة، أبو عليّ، ابن الأمير ناصر الدولة أبي عبد الله، ابن أمير الأمراء أبي محمد ناصر الدولة، ابن الأمير أبي الهيجاء، التغلبيّ، الحمدانيّ، الملقّب سلطان الجيوش (٤).
[ ... ] ولمّا كانت سنة تسع وخمسين [وأربعمائة]، واشتدّت الفتنة بين العبيد والسودان والغلمان والأتراك، وتحيّز العبيد إلى شبرا دمنهور، وقويت الأتراك وطلبوا من المستنصر الزيادة في واجباتهم، وحضر العبيد إلى الجيزة، قدّم الأتراك عليهم ابن حمدان هذا وخرجوا لقتال العبيد فكسروهم. وعاد ابن حمدان بنفس قويّة وتحكّم حكما جائرا. وصار العبيد إلى الصعيد.
فاجتمع أكابر الأتراك عند المستنصر فشكوا من العبيد. فأمرت أمّ المستنصر جماعة من العبيد
стр. 1209
والخدم فهجموا عليهم وقتلوهم. فبلغ ذلك ابن حمدان، ففرّ من داره إلى ظاهر البلد، واجتمع إليه الأتراك واقتتلوا مع العبيد المقيمين بالقاهرة ومصر مدّة أيّام. وحلف ابن حمدان أنّه لا ينزل عن فرسه إلّا بانفصال الأمر، إمّا له وإمّا عليه. وثبت، فانهزم العبيد بعد ما قتل معظمهم. فاشتدّ بأسه، وكلّف المستنصر مالا عظيما، وأنفق على من معه ألف ألف دينار عينا. وخرج في شهر رمضان من هذه السنة إلى محاربة العبيد ببلاد الصعيد، فواقعهم، وقووا عليه. فانهزم منهم وصار إلى الجيزة، وتلاحق به أصحابه.
فشغب على الخليفة المستنصر (١) واتّهمه بالنفقة على العبيد في السرّ، فحلف على ذلك، وشرع ابن حمدان يستدعي الأموال من المستنصر فبعث إليه بشيء عظيم أنفق منه في أصحابه، بدل ما تلف لهم في الوقعة ونهبه لهم السودان، مبلغ ألف ألف دينار أخرى. فسار وأوقع بالعبيد وقعة عظيمة [٤٨٧ ب] أبادهم فيها ولم ينج منهم إلّا اليسير، فزالت دولتهم.
وعاد ابن حمدان في سنة ستّين وقد عظم أمره وتفرّد بالأمر دون الأتراك. فلم يحتملوه وصاروا إلى الوزير الخطير (٢) [ ... ] وقالوا له: كلّما خرج مال من الخليفة يأخذ ابن حمدان أكثره يفرّقه في حاشيته ولا يصل لنا منه شيء، إلّا القليل.
فقال: إنّما وصل إلى هذا وغيره بكم. ولو فارقتموه لم يتمّ له أمر.
فاتّفقوا على محاربته وإخراجه من مصر،
وتحدّثوا مع الخليفة في ذلك. فبعث إليه يأمره بالخروج عن مصر ويهدّده إن لم يخرج. فخرج من داره إلى الجيزة. ونهبت دوره ودور حاشيته وأصحابه في صفر سنة إحدى وستّين. فلمّا كان في الليل عاد من الجيزة سرّا إلى بيت القائد تاج الملوك شادي، وقبّل رجله وقال: اصطنعني وانصرني على الدكز وعلى الوزير الخطير.
فقال: كيف لي بذلك؟
قال: أن تركب في سائر أصحابك وتسير بين القصرين، فإذا أمكنتك فرصة فانتهزها واقتلهما.
فأجابه. وعاد ابن حمدان [٣٨٤ أ] إلى الجيزة.
فلمّا أصبح شادي شرع فيما تقرّر، ففطن به الدكز، فالتجأ إلى القصر واستجار بالمستنصر. وأقبل الوزير في موكبه ولم يشعر [فقتله تاج الملوك] (٣).
فبعث شادي إلى ابن حمدان أن يحضر فعدّى من الجيزة. وحسّن الدكز للمستنصر أن يركب، فلبس سلاحه، واجتمع إليه عالم كثير من العامّة والأجناد والأتراك. وقاتل ابن حمدان فانهزم بعد ما قتل كثير من أصحابه، وسار إلى البحيرة في نفر قليل. فنزل على بني سنبس وأقام عندهم وتزوّج منهم وأخذ في إبطال الخطبة للمستنصر وتغيير الدولة الفاطميّة.
وسيّر الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري قاضي حلب إلى السلطان ألب أرسلان [ملك العراق] يسأله أن يجهّز إليه عسكرا ليقيم الدعوة العبّاسيّة بمصر. فتجهّز ألب أرسلان وبعث إلى محمود بن نصر (٤) بن صالح بن مرداس، فقطع
стр. 1210
خطبة المستنصر من حلب في شوّال سنة اثنتين وستّين ودعا للخليفة القائم بأمر الله العبّاسيّ وللسلطان ألب أرسلان.
وسار ألب أرسلان إلى الشام وقطع الفرات في ربيع الآخر سنة ثلاث وستّين، ونزل على حلب.
ثمّ عاد لما دهمه من خبر ملك الروم، وترك عدّة من الترك ملكوا بلاد الشام، فخرجت [٤٨٨ أ] عن أيدي المصريّين من حينئذ.
وندب المستنصر عسكرا لقتال ابن حمدان عند ما بلغه مكاتبة أهل العراق. فتقدّم أحد مقدّمي العسكر، وكانوا ثلاث فرق، وواقع ابن حمدان، فقتل من أصحابه عدّة وأسر. وقدم العسكر الثاني ولم يعلم بما جرى على الأوّل، فمرّ عليه مثل ما جرى على من تقدّمه، وقدم الثالث فصار إلى ما صار إليه العسكران من القتل والأسر. وقوي ابن حمدان بما غنمه من هذه العساكر، ومنع الميرة عن القاهرة ونهب أكثر الوجه البحريّ (١) وأبطل الخطبة للمستنصر من الإسكندريّة ودمياط وسائر الوجه البحريّ، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العبّاسيّ.
فاشتدّ الأمر وعظم الخطب بالقاهرة ومصر لكثرة الجوع والموت في الناس، وألجأت ضرورة الحال الأتراك إلى مصالحة ابن حمدان لعظم ما حلّ بالناس من البلاء والشدّة. وتقرّر الحال على أنّه يقيم بمكانه من البحيرة ويحمل إليه مال مقرّر، ويكون تاج الملوك شادي نائبا عنه. فرضي بذلك، وسيّر الغلال إلى القاهرة فتنفّس خناق الناس قليلا.
ثمّ انتقض ما تقرّر بعد أشهر، واختلف الأتراك على ابن حمدان ومنعوه المال. فسار من البحيرة
في عساكر كثيرة ونزل على الجيزة، واستدعى تاج الملوك. فخرج إليه ومعه عدّة من المقدّمين فقبض عليهم وعدّى حتّى وافى مدينة مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وستّين [وأربعمائة] ونهبها أصحابه وحرقوا دور الساحل. فبعث إليه المستنصر عسكرا كبيرا حاربوه وهزموه، فعاد إلى البحيرة.
وسار في سنة أربع وستّين إلى مصر وقد اضمحلّ أمر المستنصر وبطل ذكره وعظمت الشدّة في الناس. فقدم في شعبان وحكم في مصر وبعث يستدعي المال من المستنصر، فوجده الرسول على حصير، وقد زالت أبّهة الملك. فرقّ له وقرّر باسمه راتبا في كلّ شهر مائة دينار وبالغ في إهانته مبالغة عظيمة وقبض على أمّه وعاقبها وأخذ أموالها. وفرّق أهل الدولة عن المستنصر واجتهد في إقامة الدعوة العبّاسيّة بالقاهرة ومصر، فلم يتمكّن من ذلك لكثرة أتباع المستنصر. وفطن له الدكز ويلدكوش، وهما من أكبر الأمراء، واجتمعوا بالأتراك وخوّفوهم عاقبة استبداد ابن حمدان وقطعه الدعوة العلويّة. فانقادوا إليهما وتواعدوا على قتله. وكان الدكز قد زوّج ابنته من ابن حمدان هذا وتحالفا وأمن كلّ منهما إلى الآخر. فركب ابن حمدان يوما ليرتّب العساكر، فركب الدكز في خمسين فارسا، ورتّب مع غلامه حسام الدولة كمشتكين قتل ابن حمدان، وذكّره بما هو عليه من سفك الدماء، وما وقع بسببه من الغلاء والجلاء، فاتّفقا على إراحة المسلمين منه.
ثمّ [٣٨٤ ب] قصداه وهو يتمشّى في داره، فمشى معه الدكز، ثمّ تأخّر عنه وضربه في خاصرته، وضربه كمشتكين فقطع رجليه، فصاح:
فعلتموها! - ثمّ حزّوا رأسه، وذلك في ليلة [ ... ] من رجب سنة خمس وستّين وأربعمائة.
стр. 1211
وكان يسكن بمنازل العزّ (١) في مدينة مصر. وقيل:
بل هجموا عليه من غير استئذان، فتلقّاهم في [٤٨٨ ب] صحن الدار، وعليه رداء، فأخذته السيوف وقطع الدكز رأسه. وكان محمود بن ذبيان أمير بني سنبس في خزانة الشراب فدخلوا فقتلوه، ومضوا إلى أخيه تاج المعالي [ابن حمدان] وإلى ابنه فخر العرب عليّ وجماعة من أهل بيته فقتلوهم (٢)، وانقطع من حينئذ أثر بني حمدان من ديار مصر ولم يبق لهم ذكر. وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
واتّفق أنّ ناصر الدولة هذا نظر إلى أخيه المهذّب [ ... ] وقد وفّر له وفرة من شعره فقال:
يا مهذّب نحن قوم خوارج عرب. أين أنت وهذا الشعر الذي قد تركته؟ .
فقال له المهذّب: يا مولانا نحن قوم خوارج، وقلّما مات الخارجيّ إلّا مقتولا، فيكون حمل المقتول بشعره المظفور خير [ا] من أن يخرق شدقه ويحمل به وبلحييه.
فقال ناصر الدولة: ذخيرة سوء ليوم مشئوم.
فأراد الله أنّه لمّا قتل ناصر الدولة والمهذّب حمل رأس المهذّب بدبّوقته (٣) المظفورة، وناصر الدولة ثقب شدقه وحمل به.
وفي ناصر الدولة هذا يقول ابن حيّوس [الكامل]:
محض الإباء وسؤدد الآباء ... جعلاك منفردا عن الأكفاء (٤)
ولقد جمعت حميّة وتقيّة ... تثني إليك عنان كلّ ثناء
الدهر في أيّام عزّك، [لا انقضت] ... متعوّض عن ظلمة بضياء
حطت الرعايا بالرعاية رأفة ... فاضت على القرباء والبعداء
١٢٣٢ - الحسين بن حمدان [- ٣٠٦] (٥)
الحسين بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد- وقيل: الرشيد- بن المثنّى بن رافع بن الحارث بن بطيف بن مجربة بن حارثة بن مالك بن جشم- أحد الأراقم- بن بكر بن خبيب بن عمرو بن تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ بن عدنان، الأمير أبو عبد الله، وأبو علي، التغلبيّ، عمّ سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان.
فبنو حمدان جرثومة نسبهم تغلب، وشعبهم في ربيعة. وحمدان أوّل من اشتهر منهم ذكره. وكان يقال له: مكايد المحل. وقام مع هارون بن عبد الله الصفريّ الشاري ببلاد الموصل بعد سنة ستّين ومائتين وغلظ أمره حتّى أخذ قلعة ماردين وغيرها، وخرج إليه المعتضد بالله فاستخلف ابنه حسينا على قلعة ماردين وفرّ في المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين. فسلّم الحسين القلعة بأمان.
وأخذ المعتضد حمدان واحتفظ به وجدّ في قصد هارون الشاري وبعث الحسين بن حمدان في طلبه ومعه جماعة من الفرسان والرجّالة في سنة ثلاث
стр. 1212
وثمانين، فانتخب ثلاثمائة فارس، ومعهم وصيف الخادم. فقال الحسين: يا أمير المؤمنين، إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، (قال) أوّلها إطلاق أبي. وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي به.
فقال المعتضد: لك ذلك.
قال الحسين: يا أمير المؤمنين، تأمر وصيفا بطاعتي.
فأمره بطاعته. فسار ولقيه فأوقع به وقتل بينهم قتلى كثيرة وانهزم هارون فتبعه حتّى أخذه أسيرا وجاء به إلى المعتضد. وانصرف المعتضد من الموصل وكان قد قدمها بسبب هارون وصار إلى بغداد في ربيع الأوّل منها، وخلع على الحسين وطوّقه وخلع على إخوته وأمر بحلّ قيود حمدان بن حمدون والتوسعة عليه ووعد الحسين بإطلاقه.
ولم يزل الحسين ببغداد إلى أن مات أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو العبّاس أحمد واستخلف من بعده ... المكتفي بالله محمد (١) وقام بأرض الشام من القرامطة أبو العبّاس أحمد بن زكرويه بن مهرويه المعروف بصاحب الشامة وتلقّب بالمهديّ أمير المؤمنين. وخطب له على منابر أطراف حمص، وعهد لابن عمّه عبد الله بن أحمد الملقّب [٤٨٩ ب] بالمدّثر، ثمّ غلب على حمص وحماة وبعلبك وسلميّة، وأفسد وخرّب، وحصر حلب. فخرج المكتفي من بغداد في سنة تسعين ومائتين ونزل الرقّة. وبعث محمد بن سليمان الكاتب على الجيوش لقتال القرمطيّ. ثمّ بعث في إثره الحسين بن حمدان وغيره من القوّاد، فاجتمعت الجيوش وواقعت
القرمطيّ حتى فرّ وقتلت أصحابه وأسرت. وكان أكثر الناس أثرا في الحرب الحسين بن حمدان.
فلما عادوا إلى بغداد خلع على القواد وأمروا بالمسير إلى مصر والشام مع محمد بن سليمان الكاتب لأخذ الأعمال من هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون. فساروا- وفيهم الحسين بن حمدان- في رجب سنة إحدى وتسعين ومائتين حتى نزلوا الرملة. فلمّا ثار شيبان وعديّ ابنا أحمدبن طولون (٢) وقتلا هارون بن خمارويه بالعبّاسة، وقام بأمر مصر شيبان، لم يرض ذلك الأمير طغج بن جفّ، وفائق مولى خمارويه، وعدّة من قوّاد مصر، وأنكروه وخالفوا على شيبان وكاتبوا الحسين بن حمدان بمقتل هارون وسألوه أخذ الأمان لهم، وحرّكوه على الفسطاط وكان قد تربّص بالرملة لمّا نزل هارون بالعبّاسة. فتوسّط الحسين للقوّاد عند محمد بن سليمان حتى أمّنهم، وسار حتى قدم الفسطاط ومعه الحسين. فأقام بمصر حتّى تسلّمها من بني طولون وعاد إلى العراق بالقوّاد.
فأقام الحسين ببغداد إلى أن خرج محمد بن عبد الله بن سعيد المعلّم [القرمطيّ]، ويكنّى بأبي غانم ويعرف بنصر في سنة ثلاث وتسعين بأرض الشام، وأخذ بصرى وأذرعات والبثنيّة، وقصد دمشق، وقتل صالح بن الفضل عاملها من قبل ابن كيغلغ. ثمّ سار إلى طبريّة ونهبها وقتل أهلها.
стр. 1213
فبعث المكتفي بالله الحسين بن حمدان في جماعة من القوّاد لمحاربته. فقدم دمشق والقرمطيّ بطبريّة. فلمّا علم بالحسين سار نحو السماوة فتبعه الحسين، وصار القرمطيّ يغوّر (١) المياه التي يرحل عنها. فعاد الحسين عنه على الرحبة، ووافى القرمطيّ هيت لتسع بقين من شعبان فنهب وقتل. فبعث المكتفي إليه محمّد بن إسحاق بن كنداج على جيش كثيف. ثم أتبعه بمؤنس. وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة.
فلمّا أحسّ أصحاب القرمطيّ بذلك ائتمروا به، وقتله شخص من أتباعه يقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى بغداد متقرّبا بذلك، فأكرم وأجيز، وكفّ عن طلب قومه.
فاختلف رأي القرامطة بعد ذلك وتقاتلوا وافترقوا. ولم يزل الحسين يبعث في طلب الثوّار إلى أن كانت خلافة المقتدر، [٤٩٠ أ] واجتمع القوّاد في سنة ستّ وتسعين ومائتين على خلعه وولاية عبد الله بن المعتزّ، وكان القائم في ذلك الوزير العبّاس بن الحسن ومحمد بن الجرّاح (٢) وغيره، ومن القوّاد الحسين بن حمدان في آخرين. ثمّ إن الوزير بدا له، فوثبوا وقتلوه، وتولّى قتله الحسين وبدر [الأعجمي] ووصيف [بن صوارتكين] وقتلوا معه فاتكا (٣)
[المعتضدي]. وخلع المقتدر الحادي والعشرين من ربيع الأوّل، وبويع ابن المعتزّ. وركض الحسين إلى المقتدر ليقتله ففاته، وعاد ولمّا أصبح بكّر إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والغلمان والرجّالة من وراء السور عامّة النهار. فانصرف عنهم آخر النهار. فلمّا جنّه الليل سار عن بغداد بأهله وماله وأتباعه إلى الموصل، لا يدرى لم فعل ذلك؟ فأصبح الناس وقد فرّق المقتدر السلاح على من معه، وخرجوا، فهرب أصحاب ابن المعتزّ من قبل أن يصلوا إليهم. وقال بعضهم لبعض: إنّ الحسين بن حمدان عرف ما يجري (٤) فلهذا هرب من الليل، وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر، وهذا كان سبب هربه. وانحلّ أمر ابن المعتزّ، وعاد المقتدر إلى الخلافة وبعث العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان فتبعوه إلى الموصل فلم يظفروا به وعادوا. ثمّ خرج القاسم بن سيما وجماعة من القوّاد في طلبه فلم يظفروا به. فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن [٣٨٥ ب] حمدان أمير الموصل يأمره بطلب أخيه الحسين، فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت، فانهزم الحسين وبعث أخاه إبراهيم يطلب له الأمان، فأجيب إلى ذلك. ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاشان، فسار إليها (٥).
ثمّ خرج عن طاعة المقتدر في سنة ثلاث وثلاثمائة وجمع نحو عشرة آلاف. وسبب ذلك أنّ الوزير عليّ بن عيسى [بن الجرّاح] طالبه بمال عليه من ديار ربيعة، وهو يتولّاها. فدافعه فأمره
стр. 1214
بتسليم البلاد إلى عمّال السلطان فامتنع. فجهّز إليه رائقا الكبير المعروف بالحجريّ في جيش، وكتب إلى مؤنس، وهو في قتال أهل المغرب، يأمره بالمسير إلى قتال الحسين بعد فراغه. فسار رائق وواقع الحسين، فانهزم رائق وغنم الحسين سواده، وسار رائق إلى مؤنس فأمره أن يقيم بالموصل. وجدّ مؤنس في السير نحو الحسين ومعه أحمد بن كيغلغ. فلمّا قرب منه راسله الحسين يعتذر. ثمّ رحل نحو أرمينية بثقله وأولاده فتفرّق [٤٩٠ ب] عسكره عنه (١). وتبعه يلبق في عدّة من القوّاد (٢) وأدركوه وقاتلوه، فانهزم من بقي معه، وأسر هو وابنه عبد الوهّاب وجميع أهله وأكثر من صحبه. وأحضر إلى مؤنس فسار به إلى بغداد، وأركب هو وابنه على جمل وعليهما البرانس اللبود الطوال، وقمصان من شعر أحمر. ثمّ حبس ومعه ابنه، وقبض على أملاكه، وعلى أخيه أبي الهيجاء وجميع إخوته وحبسوا. وأدرك بعض أولاد الحسين وقد جمع نحو آمد جمعا فأوقع به وأنفذ رأسه إلى بغداد.
فأقام الحسين في الحبس إلى أن بلغ المقتدر أنّ الوزير أبا الحسن عليّ بن الفرات يريد إرسال الحسين ابن حمدان [إلى] يوسف بن أبي الساج ليحاربه، فإذا صار عنده اتّفقا عليك. ثمّ إنّ ابن الفرات قال للمقتدر في إرسال الحسين إلى ابن أبي الساج.
فأمر بقتل الحسين (٣) وقبض على ابن الفرات.
وكان قتل الحسين بن حمدان يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ستّ وثلاثمائة في الحبس ببغداد.
وكان سفّاكا شجاعا، اجتمع عنده نيف وعشرون طوقا من خلع الخلفاء، كلّ طوق منها لقتله خارجيّ [ا]. وقيل إنّ المقتدر عزم على إطلاقه وتوليته الجيش لمحاربة يوسف بن أبي الساج، فلم يفعل وقال: الساعة كما احتاجوا (٤) لي، فأمر المقتدر بقتله فقتل وحمل رأسه إلى الخليفة ورميت جثّته في دجلة.
١٢٣٣ - سماء الملك بن الأفضل بن بدر الجمالي [- بعد ٥١٥] (٥)
[٤٩١ أ] حسين بن شاهنشاه بن بدر الجمالي، الملقّب سماء الملك، ابن الأفضل، ابن أمير الجيوش.
كان أبوه الأفضل يؤثره ويميل إليه. واستنابه في الجلوس عنه على سماط شهر رمضان، وقرّر له على هذه النيابة في هذا الشهر خمسمائة دينار، وبدلة مذهّبة بخمسمائة دينار، ورزمة كسوة فيها شقق حرير وغيرها. فكان يحضر في كلّ يوم من أيّام شهر رمضان من القاهرة فيتلقّاه والي مصر عند المجنونة (٦) على الخليج ويسير بين يديه إلى دار الملك بمصر. فإذا انقضى حكم السماطين عاد إلى القاهرة بعد ما يدخل إلى مجلس إليه فيشيّعه والي مصر إلى المجنونة ويسلّمه إلى والي القاهرة وقد وقف في انتظاره حتى يوصله إلى داره
стр. 1215
بالقاهرة، التي عرفت بدار الوزارة، قريبا من رحبة باب العيد.
وبعثه على العساكر لقتال الفرنج في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ومعه عدّة من الأمراء، منهم جمال الملك [صنيع الإسلام] النائب بعسقلان، في كثير من الأجناد. وبعث إليه طغتكين أتابك دمشق ألفا وثلاثمائة فارس. فقصدهم بغدوين ملك الفرنج بالقدس وواقعهم بين عسقلان ويافا.
فقتل من المسلمين ألف ومائتان ومن الفرنج مثلهم، ولم يتعيّن الظفر لإحدى الطائفتين على الأخرى بل تكافأتا. وعاد المسلمون إلى عسقلان وقد قتل جمال الملك فيمن قتل. وعاد عسكر دمشق أيضا، فقدم سماء الملك إلى القاهرة.
فلمّا قتل الأفضل في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وصل إلى الخليفة الآمر بأحكام الله رقعتان في ليلة عيد الفطر- وهو حينئذ بدار الملك من مصر ليستولي على أموال الأفضل- فيهما أنّ أولاد [٣٨٦ أ] الأفضل قد جمعوا عدّة وشعّثت حاشيتهم يستنصرون بالبساطيّة (١) لأنّهم بالقرب من دارهم، ثمّ بالأرمن، ليثوروا في طلب الوزارة لسماء الملك. فأمر في الحال بأخذ أولاد الأفضل، فوجدت حاشيتهم قد اجتمعت مع غيرها، والخيل قد شدّت. فأحيط بهم وأودعوا خزانة البنود (٢).
١٢٣٤ - ابن الأنجب المقرئ [٥٤٤ - ٦٢٣] (٣)
[٤٩١ ب] الحسين بن صادق بن عبد الله بن نصر
ابن عليّ بن محمد، أبو عبد الله، ابن أبي الوفاء، ابن أبي محمد، المقدسيّ الأصل، المقرئ.
ولد في ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالقاهرة، وتوفّي بها ليلة الثلاثاء السادس من رمضان سنة ثلاث وعشرين وستّمائة.
١٢٣٥ - ابن عبد الجبّار المصريّ
[٤٩١ ب] الحسين بن عبد الجبّار المصريّ، صاحب كتاب رفعة الأصفياء.
ومن شعره [الرجز]:
ما حثّت الكؤوس بالأوتار ... كحثّها بالملح القصار (٤)
إنّ الأحاديث من السمّار ... أجلب للهو من العقار
١٢٣٦ - أبو عليّ الرائض [- بعد ٣٨٦] (٥)
[٤٩٢ أ] حسين بن عبد الرحمن، أبو عليّ، الرائض.
كان على خيل العزيز بالله. ولمّا عزم على المسير إلى حرب هفتكين قال: يا حسين، كم تحت يدك من الدوابّ؟ .
فقال: عشرة آلاف رأس.
ومات العزيز (٦) وهو على ذلك. فلمّا ولي الحاكم بأمر الله الخلافة بعد أبيه العزيز بالله، وخرج في يوم عيد الفطر من القصر إلى الإيوان (٧)، وهو راكب، كان حسين في ركابه
стр. 1216
الأيمن، وبرجوان في ركابه الأيسر.
١٢٣٧ - ابن أبي الردّاد [٥٤٠ - ٦٢٠] (١)
[٤٩٢ أ] حسين بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن داود، أبو عبد الله، ابن أبي الفخر، ابن أبي الردّاد، البصريّ الأصل، المصريّ المولد والدار، الكاتب، ويسمّى محمّدا.
ولد سنة أربعين وخمسمائة. وتوفّي بمصر ليلة الجمعة الرابع من ذي القعدة سنة عشرين وستّمائة. وهو آخر من حدّث بفسطاط مصر عن [عبد الله] بن رفاعة [بن غدير السعديّ].
١٢٣٨ - القاضي تقيّ الدين ابن شأس [- ٦٨٥] (٢)
[٤٩٣ أ] حسين بن عبد الرحيم بن عبد الله بن [ ... ]، قاضي القضاة، حاكم الحكّام، حجّة الإسلام، مفتي الأنام، ناصر الحقّ، بقيّة السلف الكرام، تقيّ الدين، خالصة أمير المؤمنين، أبو عليّ، ابن شرف الدين أبي الفضل، ابن جلال الدين أبي محمد، ابن شأس، السعديّ، المالكي.
[ ... ] ولي قضاء القضاة المالكيّة بالقاهرة ومصر بعد وفاة نفيس الدين محمد بن شكر في حادي عشر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين، بعد ما خلا منصب قضاء المالكيّة أربعة أشهر وعشرة أيّام. فلمّا فرغت المدرسة المنصوريّة بين القصرين فوّض إليه تدريس المالكيّة بها، وكان
أوّل من درّس فيها المالكيّة، وذلك في نصف رمضان سنة أربع وثمانين. فلم يزل على ذلك حتّى مات في يوم [ ... ] ذي القعدة سنة خمس وثمانين وستّمائة.
١٢٣٩ - الشاعر الجمل [قبل ١٧٠ - ٢٥٨] (٣)
[٤٩٤ أ] الحسين بن عبد السلام، الشاعر، المعروف بالجمل، يكنّى أبا عبد الله.
ولد قبل سنة سبعين ومائة. وكان شاعرا مفلقا.
مدح عبد الله بن طاهر لمّا قدم إلى مصر، ومدح المأمون أيضا حين قدم إلى مصر. وكان هجّاء شرها على الطعام، دنيء الملبس، وسخ الثوب، من أهل الأدب.
توفّي في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ومائتين. واتّفق أنّ النجوم تساقطت بمصر على زمان الأمير أحمد بن طولون، فراعه ذلك، وأحضر من عنده من المنجّمين والعلماء وسألهم ما عندهم في ذلك، فما أجابوا بشيء. ودخل الجمل الشاعر وهم في الحديث، وكان صاحب بديهة فأنشده [الكامل]:
قالوا تساقطت النجو ... م لحادث فظّ عسير
فأجبت عن [ت] سآلهم ... بجواب محتنك خبير
هذي النجوم الساقطا ... ت نجوم أعداء الأمير
فسرّي عنه وأمر له بصلة وخلعة، وقال للجماعة:
стр. 1217
أفّ لكم، ما كان فيكم من يحسن يقول مثل هذا.
١٢٤٠ - عماد الدين الفوّيّ [٥٦٤ - ٦٣٦] (١)
[٤٩٥ أ] [٣٨٦ ب] الحسين بن عبد الله بن الحسين بن حسنون ابن موسى، الخطيب، الحاكم، أبو عبد الله، عماد الدين، القرشيّ، الفوّيّ، الفقيه، الشافعيّ، الخطيب.
مولده بمدينة سخا في المحرّم سنة أربع وستّين وخمسمائة. وسمع من أبي الحسن علي بن نصر ابن العطّار بمصر. ومن الفقيه أبي القاسم عبد الرحمن بن سلامة.
وتولّى الخطابة بفوّة وتولّى الحكم ببعض النواحي. وتوفّي ليلة السادس من صفر سنة ستّ وثلاثين وستّمائة.
وفوّة بلدة بالقرب من الإسكندريّة. وفوّة أيضا في نواحي البصرة. والعماد هذا ينسبها إلى الأولى، وهي بضمّ الفاء وتشديد الواو ثمّ هاء.
ومن شعره، وقد سقط عصفور في مجلس بعض الرؤساء، ولم ينفر [الخفيف]:
أيّ هذا العصفور أوصى سليما ... ن إليكم بخدمة الرؤساء
قال لي وهو مستقرّ على الأر ... ض، وقد كان في عنان السماء
يسقط الطير حيث يلتقط الح ... بّ، ويغشى مجالس الكرماء
١٢٤١ - ابن بشرى الجوهريّ الواعظ [- ٥٢٧] (٢)
[٤٩٥ ب] الحسين بن عبد الله [بن حسين] بن
بشرى، الشيخ الواعظ، أبو عبد الله، ابن الشيخ الواعظ أبي الفضل، ابن الشيخ الواعظ أبي عبد الله، الزاهد، الناطق بالحكم، المعروف بابن الجوهريّ.
ولد [ ... ].
وكان الخليفة الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور، لمّا مات (٣)، ترك جارية حاملا فأقيم من بعده الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد، على أن يكون كفيلا للحمل حتّى يكبر. فلمّا ولدت الجارية خافت على ابنها من الحافظ فأخرجته من القصر في قفّة من خوص وجعلت فوقه بصلا وكرّاثا وجزرا حتّى لا يفطن به، وبعثته في قماطه تحت الحوائج المذكورة في القفّة إلى القرافة. وأدخل به إلى مسجد يعرف بأبي تراب الصوّاف، و [أ] رضعته امرأة. فخفي أمره عن الحافظ إلى أن كبر. وكان يعرف ب «قفيفة» ويدعوه بذلك صبيان القرافة.
فلمّا حان نفعه نمّ عليه أبو عبد الله هذا عند الحافظ فأخذه وفصده فمات. وخلع على أبي عبد الله ثمّ نفاه إلى دمياط فمات بها في [جمادى الأولى].
١٢٤٢ - الحسين ابن رواحة الحمويّ [٥١٥ - ٥٨٥] (٤)
[٤٩٦ أ] الحسين بن عبد الله بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة، أبو عليّ،
стр. 1218
الأنصاريّ، الحمويّ، الشافعيّ، الفقيه، الأديب، الشاعر البارع.
تفقّه بدمشق، وسمع بها من الحافظ أبي القاسم علي، وأبي الحسين هبة الله، ابني الحسن [بن عساكر] (١)، الدمشقيّين، وأبي الحسن علي بن سليمان المراديّ (٢). وسمع أيضا بها من الوزير أبي المظفّر سعيد بن سهل الفلكيّ (٣).
وقدم مصر في زمان الصالح طلائع بن رزّيك ومدح بها جماعة من الملوك. وسمع بالإسكندريّة من الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد السلفيّ.
وسافر إلى الغرب فأسره فرنج صقلّيّة، وأقام في الأسر طويلا، ثمّ أطلق، وعاد إلى حماة.
وحدّث بمصر وغيرها، روى عنه أبو الفتوح عبد السلام بن يوسف الدمشقيّ وغيره. وختم له بالشهادة مع ما كان من الخير، فتوفّي شهيدا بظاهر عكّا في شعبان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ومولده بحماه في الثامن من صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة.
وقال فيه العماد الكاتب: شعر ابن رواحة روح الشعر وروح السرّ وريحان أهل الأدب، وراحة ذي النغب، معنى لائق، ولفظ رائق، ورويّ شائق، وكلام فائق، وأسلوب موافق. سمح الغريزة، سهل النحيزة، مغسول الكلم، معسول الحكم، لا يركب إلّا الذلول، الذي يسلب العقول، إن أقصد
بلغ المقصد، وإن أقطع أحسن المطلع والمقطع، وإن نسب أهبّ نسم النسيب متارح الربى، وإن تغزّل شبّه بالغزالة والغزال الحبيب.
ومن شعره يمدح رسول الله ﷺ [الطويل]:
دع العيس في طيّ الفلا تبلغ المدى ... فقد ألهمت أنّ المسير على هدى
أنصّ لها في سيرها بأناملي ... يدا كلّما نصّت إلى يثرب يدا
[٣٨٧ أ] لقد غنيت بالوجد عن جاذب البرا ... كما شغلت بالشّوق عن شائق الحدا
ولم أر في الأيّام يوما مباركا ... عليّ كيوم زرت فيه محمّدا
وقال [الهزج]:
حبيب جار واستعدى ... على عاشقه عمدا
وأبدى ضدّ ما أخفى ... وأخفى ضدّ ما أبدى
أما والله لا أسلو ... ولو أوسعني بعدا
وهل يرضى أخو الإسلا ... م أن يصبح مرتدّا؟
وقال [الكامل]:
ما لي على السلوان عنك معوّل ... فإلام يتعب في هواك العذّل؟
يزداد حبّك كلّ يوم جدّة ... فكأنّ آخره لقلبي أوّل
وقال الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذريّ:
قال أبو الفتوح عبد السلام بن ثقيف بن محمد بن مقلّد الدمشقيّ: لقيته- يعني ابن رواحة- بحماه، فرأيت منه بحرا يقذف من ألفاظه جواهر تروق الأسماع، وتشوق الطباع، إن نثر جاء بدرّ السحاب،
стр. 1219
أو نظم جاء بدرّ السخاب (١)، خلائق صافية النطاف، وشمائل مائسة الأعطاف.
ومن أبدع شعره قوله من قصيدة يمدح بها الصالح ابن رزّيك ويتشوّق فيها حماه، وكانت قد توالت عليها الزلازل فهدمت لمعظمها [٤٩٦ أ] فعرّض بذلك في شعره فأجاد، وأغرب في المعنى فقال [الطويل]:
كأنّ النواعير التي يعتنى بها ... حكت نوح طير الدوح لمّا ترنّما
تغنّت فهزّت ربعها مثل هزّها ... غصونا فلم أعجب لها أن تهدّما
وممّا لم يسبق إليه، قوله من قصيدة [الوافر]:
يجود لمن يموت به شهيدا ... ويهجر دائما أهل البقاء
ليعلم أنّه من حور عدن ... منال وصاله بعد الفناء
وأتته امرأة وأعطته فردة سوارها وقالت: ذمّ الهوى! - فأنشدها [السريع]:
يا قلب دع عنك الهوى قسرا ... ما أنت فيه حامد أمرا
أضعت دنياك بهجرانهم ... إن نلت وصلا ضاعت الأخرى
ثمّ جاءته في اليوم الثاني ودفعت له فردة السوار الأخرى وقالت: امدح الهوى! - فأنشدها [الكامل]:
لاموا عليك وما دروا ... أنّ الهوى سبب السعادة
إن نلت وصلا، فالمنى ... أو نلت هجرا فالشهادة
وقال في واعظ بمصر كان فاسقا [السريع]:
إذا سمعت الوعظ من واعظ ... فاقبل وإن خالف ما قالا
فالقوس ترمي السهم معوجّة ... وقد يصيب السهم آجالا
ومرّ به صبيّ جميل الوجه فغمّض عينيه حتّى مضى، وكان مع القاضي الفاضل، فقال له الفاضل: لم فعلت ذلك؟
فقال [السريع]:
إذا بدا ينغصّ طرفي له ... لخوفه من آفة الآفات
كأنّما تقرأ أبصارنا ... من وجهه آيات سجدات
فجعل القاضي الفاضل يكرّر قوله: آيات سجدات، إعجابا بها.
١٢٤٣ - ابن الجصّاص الجوهريّ [- ٣١٥] (٢)
حسين بن عبد الله بن حسين [٣٨٧ ب] بن منصور، أبو عبد الله، الجوهريّ، المعروف بابن الجصّاص.
كان من أعيان التجّار ذوي الثروة الواسعة واليسار.
فلمّا بويع عبد الله بن المعتزّ بالخلافة ثمّ انحلّ أمره، استتر عند ابن الجصّاص، فوشى به خادم صغير. فصادره المقتدر على ستّة آلاف ألف.
فأخذوا منه ما مقداره ستّة عشر ألف ألف دينار عينا وورقا وقماشا وخيلا. وبقي له بعد المصادرة
стр. 1220
شيء كثير إلى الغاية من دور وقماش وأموال وضياع.
[بداية جدّه]
وكان بدء أمره أنّه كان في دهليز حرم خمارويه [بن أحمد] بن طولون، وكان يتوكّل له ولهم في ابتياع الجوهر وغيره، ممّا يحتاجون إليه، فلم يكنيفارق الدهليز لاختصاصه بهم.
فخرجت إليه قهرمانة في بعض الأيّام بعقد جوهر فيه مائتا حبّة، لم ير قبله أفخر ولا أحسن منه، تساوي كلّ حبّة منه ألف دينار. وقالت: نحتاج أن تخرط هذه [حتّى] تصغر فتجعل لأربع لعب.
فأخذها وقال: السمع والطاعة! - وخرج في الحال وهو مسرور، فجمع التجّار، ولم يزل يشتري ما قدر عليه إلى أن حصل مائة حبّة أشكالا في النوع الذي قدر عليه. وجاء بها عشيّا وقال: إنّ خرط هذا يحتاج إلى زمان وانتظار. وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا- ودفع إليها المجتمع- وقال: الباقي يخرط في أيّام.
فقنعت بذلك ورضيته. فما زال في طلب الباقي حتّى اجتمع فحمله إليهم حتى كملت المائتا حبّة وقد قامت عليه بدون مائة ألف درهم، وحصل له جوهر بمائتي ألف دينار. فلزم دهليزهم وأخذ غرفة فيه فسكنها. (قال: ) وكان لحقني من هذا أكثر من أن يحصى حتّى كثرت النعمة وانتهيت إلى ما استفاض خبره.
وقد نسبه جماعة إلى الحمق والنوكة والغفلة، وحكوا عنه في ذلك حكايات كثيرة. وذهب آخرون إلى أنّه إنّما كان يتظاهر بذلك ليرى الوزراء هذا [التغفيل] منه فيأمنوه [على أنفسهم] إذا خلا بالخلفاء.
[توليه الوكالة والسفارة لخمارويه]
ولمّا ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون أخرجه من الاعتقال، وما يملك درهما واحدا. فجعله وكيلا له يتولّى جميع ما يشترى في داره من حاجة بدرهم فما فوقه. ثمّ بعثه إلى العراق بهديّة إلى أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العبّاس أحمد ابن الموفّق. فخلع عليه المعتضد لمّا قدم عليه بالهديّة، في شوّال سنة تسع وسبعين ومائتين، وعلى سبعة معه. وعاد إلى الفسطاط بأجوبة الكتب وتجديد العهد لأبي الجيش. وقدّم إلى أبي الجيش عقدا أوهمه أنّه ولّاه (١) إيّاه برأس ماله فباعه منه بثمانين ألف دينار، وكان شراؤه عليه خمسة وعشرين ألف دينار. واتّسع حاله وكثرت أمواله حتى قال أبو بكر محمد بن علي الماذرائيّ: عرضت لي حاجة إلى ابن الجصّاص، فسألت عنه، فقيل: هو في البستان. فأتيت بستانه فاستؤذن لي عليه فدخلت. وجلسنا نتحادث، إذ قيل: رسول الأمير بالباب. فقال: يدخل. فدخل خادم ومعه رقعة فيها: احتجنا يا أبا عبد الله أعزّك الله، إلى ألف دينار سنديّ للطلي، فتوجّه بذلك إلينا إن شاء الله.
فقال: يا جارية، بدرة سندي!
فجاءت ببدرة. فقال لها: ليس هذه، هاتي غيرها!
فجاءت بأخرى فردّها أيضا حتى جاءت في الكرّة الرابعة ببدرة، فقال: افتحيها وزني منها ألف دينار!
ففتحت البدرة ووزنت ألف مثقال وشدّتها في صرّة، وختمها ودفعها للخادم. وشدّت البدرة وختمت وردّت.
стр. 1221
فما ظنّك برجل يطلب منه ألف دينار سنديّ، وهو في البستان، فيستدعي بدرة، فترد عليه ثلاث بدر، والرابعة، على أنّها كلّها من هذا النقد؟ فما بال غيره من نقد سواه، الذي حقّه أن يكون أضعاف هذا مرّات؟ وما بال داره التي فيها خزائنه وذخائره؟ .
[توسّطه في زواج المعتضد بقطر الندى]
فلمّا تزوّج المعتضد بالله بقطر الندى أسماء ابنة خمارويه، تولّى ابن الجصّاص العقد وكالة عن أبي الجيش، [٣٨٨ أ] ثمّ سار بها من مصر إلى العراق فدخل بها في غرّة المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
ومات [ابن الجصّاص] في سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
وحكى القاضي أبو علي المحسّن بن علي بن محمد التنّوخيّ في كتاب الفرج بعد الشدّة (١) قال:
حدّثني أبو علي، ابن أبي عبد الله الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص، قال: سمعت أبي يحدّث قال: لمّا نكبني المقتدر وأخذ منّي تلك الأموال العظيمة، أصبحت يوما في الحبس آيس ما كنت من الفرج. فجاءني خادم فقال: البشرى!
فقلت: ما الخبر؟
قال: قم، فقد أطلقت.
فقمت معه، واجتاز بي في بعض طرق دار الخليفة، يريد إخراجي إلى دار السيّدة لتكون هي التي تطلقني لأنّها شفعت فيّ. فوقعت عيني في اجتيازي على أعدال خيش لي، أعرفها، وكان مبلغها مائة عدل، فقلت للخادم: أليس هذا من الخيش الذي حمل من داري؟
فقال: بلى.
[قصّة الكنز المخفيّ في الأخياش]
فتأمّلته فإذا هو بشدّة وعلاماته. وكانت هذه الأعدال قد حملت إليّ من مصر، وفي كلّ عدل منها ألف دينار، من مال كان لي هناك. وكتبت بحمله مالا، فخافوا عليه من الطريق، فجعلوه في أعدال الخيش لأنّها ممّا لا يكاد يحمله اللصوص إن وقعوا عليه، ولا يفطنون لما فيه. فوصلت سال [مة]، ولاستغنائي عن المال لم أخرجه من الأعدال. فتركته في بيت من داري وأقفلت عليه.
وتوخّيت بذلك ستر حديثه، فتركته شهورا على حاله لأنقله كما أرى في أيّ وقت أرى. وكبست فأخذ الخيش في جملة ما أخذ من داري، ولخسّته عندهم تهاونوا به ولم يعرف أحد ما فيه، فطرح في تلك الدار.
فلمّا رأيته بشدّة طمعت في خلاصه والحيلة في ارتجاعه، فسكتّ. فلمّا كان بعد أيّام من خروجي راسلت السيّدة وشكوت حالي إليها، وسألتها أن تدفع إليّ ذلك الخيش لأنّه لا قدر له عندهم، وأنا أنتفع بثمنه. فاستحمقتني وقالت: وأيّ شيء قدر الخيش؟ ردّوه عليه.- فسلّم إليّ بأسره ففتحته وأخذت منه المائة ألف دينار فما ضاع منها دينار واحد. وأخذت من الخيش ما احتجت إليه لمؤونتي (٢) وبعت باقيه بجملة وافرة. فقلت في نفسي: إنّه قد بقيت لي بقيّة إقبال جيّدة.
[الجواهر دواء لضيق صدره ... ]
(قال) وحدّثني أبو عليّ أيضا قال: سمعت أبي يقول: إنّي كنت يوم قبض المقتدر عليّ جالسا في داري، وأنا ضيّق الصدر ضيقا شديدا لا أعرف
стр. 1222
سببه. وكانت عادتي إذا لحقني مثل ذلك أن أخرج جوهرا عندي في درج معدّة لهذا، من ياقوت أحمر وأزرق وأصفر، وحبّا كبيرا فاخرا تكون قيمته خمسين ألف دينار وأكثر، وأستدعي صينيّة ذهب لطيفة، فأجعله فيها وألعب به وأقلّبه، فيزول ضيق صدري. فاستدعيت ذلك الدرج فجاءوني به بلا صينيّة فأنكرت ذلك وأمرت بإحضارها.
وفتحت الدرج ففرّغت ما فيه في حجري ورددته على الخادم وأنفذته يجيئني بالصينيّة، وأنا جالس على بستان في صحن داري في يوم بارد طيّب الشمس، وهو مزهر بصنوف الشقائق والمناثير (١).
و[بينا] أنا ألعب بتلك الجواهر إذ دخل الناس إليّ بالصياح والزعقات بالمكروه والكبس، وقربوا منّي. فدهشت، ولم أحبّ أن يظهروا على ما في حجري، فنفضت جميعه بين تلك الأزهار في البستان، ولم ينتبهوا إليه. وأخذت فحملت وجرى عليّ من المصادرات ما جرى، وبقيت في الحبس المدّة الطويلة التي حبستها، وانقلبت الفصول على البستان فجفّ ما فيه، ولم يفكّر أحد في قلعة أو زراعته وإثارته. وأغلقت الدار، فما قرّ بها أحد من أسبابي ولا أعدائي بعد الذي أخذ منها، وفرّغت ووقع الإياس من وجود شيء فيها.
ثمّ سهّل الله تعالى إطلاقي، فأطلقت. فحين جئت إلى داري ورأيت الموضع الذي كنت جالسا فيه ذلك اليوم، ذكرت ذلك الجوهر الذي كان فيحجري، ونفضي إيّاه في البستان. فقلت: ترى بقي منه شيء؟ ثمّ قلت: هيهات! - وأمسكت.
[ ... وكنز عند الشدائد]
فلمّا كان من غد أخليت الدار، وقمت بنفسي، ومعي غلام يثير البستان بين يديّ، وأنا أفتّش شيئا
شيئا [٣٨٨ ب] ما يثيره، وأجد فيه الواحدة بعد الواحدة من ذلك الجوهر، وكلّما وجدت شيئا منه حرصت على الإثارة وطلبت الباقي إلى أن أثرت جميع البستان. فوجدت جميع ذلك الجوهر ما ضاع منه واحدة. فأخذته وطابت نفسي بذلك وعلمت أنّه قد بقيت بقيّة من الإقبال صالحة.
وقال في كتاب نشوار المحاضرة: سمعت الأمير أبا محمد جعفر بن ورقاء يحدّث، قال:
اجتزت بابن الجصّاص بعد إطلاقه، فرأيته كالمجنون فلمّا رآني استحيى. فقلت: ويحك، ما الذي أصابك؟ .
فقال: أولا يحقّ لي أن يذهب عقلي وقد خرج عن يدي كذا وكذا- وجعل يردّد أمرا عظيما ممّا خرج عنه.
فقلت له: يا هذا، إنّ نهايات الأمور غير مدركة، وإنّما يجب أن تعلم أنّ النفوس لا عوض لها، والعقول والأديان لا خلف منها، وهي قد سلمت لك. وإنّما يعلق هذا العلق من يخاف الفقر أو الحاجة إلى الناس، أو فقد العادات من مأكول ومشروب وملبوس وما جرى هذا المجرى، أو النقصان في الجاه. وليس في بغداد اليوم، بعد ما خرج عنك، أيسر منك من أصحاب الطيالسة.
أليس دارك هذه لك، وفيها من الفرش والأثاث ما فيه جمال لك، وإن لم يكن ذلك الكثير المفرط؟
قال: بلى.
قلت: ودار كذا، وقيمتها عشرة آلاف دينار؟
قال: بلى.
قلت: وعقارك بباب الطاق، وقيمته ثلاثون ألف دينار؟
قال: بلى.
стр. 1223
قلت: وبستانك الفلانيّ، وضيعتك الفلانيّة، وقيمتهما كذا وكذا؟ وما لك بالبصرة، وقيمته مائة ألف دينار؟
قال: بلى.
فجعلت أعدّد عليه ما بقي من عقاراته وضياعه، إلى أن بلغت القيمة سبعمائة ألف دينار. ثمّ قلت:
واصدقني عمّا سلم لك من الجواهر والأثاث، والقماش، والطيب، والجواري، والعبيد، والدوابّ، وقيمة دارك؟ .
[إحصاء ثروته بعد المصادرة]
فأخذ يقوّم، إلى أن بلغت ثلاثمائة ألف دينار.
فقلت له: يا هذا، من ببغداد اليوم يحتوي ملكه على ألف ألف دينار، وجاهك عند الناس الجاه الأوّل، وهم يظنّون أنّ الذي بقي لك ضعف هذا، فلم تغتمّ؟ .
فسجد وحمد الله وبكى. ثمّ قال: والله لقد غلبني الفكر حتى نسيت جميع هذا، وإنّه لي.
وقلّ في عيني لإضافته إلى ما أخذ منّي. ولو لم تجئني الساعة لزاد فكري عليّ حتى يبطل عقلي.
ولكنّ الله أنقذني بك، وما عزّاني أحد بأنفع من تعزيتك. وما أكلت منذ ثلاثة أيّام شيئا.
[النوادر في غفلته]
(قال) وكنت أنا اجتمعت ببغداد مع أبي علي ابن أبي عبد الله بن الجصّاص فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه مثل قوله خلف الإمام [وقد قرأ: ] غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. فقال: أي لعمري! - بدل: آمين.
ومثل قوله للخاقانيّ- وهو أبو علي محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان- الوزير: أسهرني البارحة صوت كلاب على بابي.-[فقال الوزير:
لعلّها أجراء؟ فقال: أيّها الوزير، لا تظنّ ذلك].
كلّ كلب مثلي ومثلك.
ومثل قوله: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء، فما زلت أتلمّظ المقعدة حتى وقعت عليها.
ومثل قوله، وقد وصف مصحف بالقدم:
كسروي.
[إنكار ابنه لهذه الأقاويل ... ]
[فقال: أمّا «أي والله» ونحو هذا، فكذب. وما كان فيه بلاهة] تخرجه إلى هذا. وما كان إلّا من أدهى الناس. ولكنّه كان يطلق بحضرة الوزراء قريبا ممّا يحكى لسلامة طبع فيه، ولأنّه كان يحبّ أن يصوّر نفسه عندهم بصورة الأبله ليأمنه الوزراء، لكثرة خلواته بالخلفاء، حتّى يسلم منهم (١).
وأنا أحدّثك بحديث تعلم معه أنه كان في غاية الحزم: حدّثنا أبي قال: إنّ أبا الحسن علي بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، لمّا ولي بعض وزاراته، قصدني قصدا قبيحا لما كان في نفسه من الحقد عليّ. فأنفذ العمّال إلى ضياعي، وأمر بقبض معاملاتي، وبسط لسانه بشتمي وتنقّصني في مجالسه، وأدام الغضّ منّي، إلى أن دخلت عليه ووسّلت بيني وبينه جماعة، وبذلت له أشياء توجب صلاح ما بيننا. فأقام على قصدي بالسوء، وأنا أتحمّل ذلك كلّه، طامعا في رجوعه لي. فدخلت يوما داره فسمعت حاجبه يقول وقد [٣٨٩ أ] ولّيت عنه: أيّ بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس لها من يأخذها.
стр. 1224
[ ... ويسوق شاهدا على حزمه ودهائه]
فعلمت أنّ هذا من كلام صاحبه، وأنّي منكوب: وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف دينار، عينا [وجواهر] سوى غيرها. فضاقت عليّ الدنيا، وسهرت ليلتي بأسرها أفكّر في أمري معه.
فوقع لي الرأي في الثلث الآخر من الليل. فركبت في الحال إلى داره، فوجدت الأبواب مغلقة.
فطرقتها، فقال البوّابون: من هذا؟ .
فقلت: ابن الجصّاص.
فقالوا: ليس هذا وقت وصول، والوزير نائم.
فقلت: عرّفوا الحجّاب أنّي حضرت في مهمّ.
فعرّفوهم، فخرج إليّ أحدهم فقال: إنّه إلى ساعة ينتبه، فاجلس.
فقلت: الأمر أهمّ من ذلك، فأنبهه وعرّفه عنّي هذا! .
فدخل وأبطأ ساعة، ثمّ خرج وأدخلني حتى انتهيت إلى مرقده على سرير، وحوله نحو خمسين فرّاشا وغلمانا كأنّهم حفظة، وقد قاموا وبعض الفرش تنقل، وهو جالس في فرشه مرتاعا، قد ظنّ أنّ حادثة قد حدثت، أو أنّي جئته برسالة الخليفة، وهو متوقّع لما أورده. فرفعني وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ .
فقلت: خير! ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، ولا جئت إلّا في أمر يخصّني ويخصّ الوزير، ولم تصلح مفاوضة فيه إلّا على خلوة شديدة.
فسكت، ثمّ قال لمن حوله: انصرفوا- فمضوا. وقال: هات! .
فقلت: أيّها الوزير، قد قصدتني أقبح قصد، وشرعت في هلاكي وإزالة نعمتي. وفي إزالتها خروج نفسي، وليس من النعمة والنفس عوض.
ولعمري إنّي أسأت في خدمتك، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ عندي، وقد اجتهدت في إصلاحك بكلّ ما قدرت عليه ووسّطت بيني وبينك فلانا وبذلت كذا. فأبيت إلّا الإقامة على أذاي.
[مثل السنّور والبقّال الذي يريد خنقه ... ]
وليس شيء أضعف من السنّور. فإذا عاثت في دكّان البقّال فظفر بها ولزّها إلى الزاوية ليخنقها، وثبت عليه فخدشت وجهه وبدنه ومزّقت ثيابه وطلبت الحياة بكلّ ما يمكنها. وقد وجدت نفسي معك في هذه الصورة ولست أضعف بطشا من السنّور. وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيننا: فإن نزلت تحت حكمي في الصلح، وإلّا فعليّ وعليّ! - وحلفت له بأيمان غليظة- لأقصدنّ الخليفة الساعة ولأحوّلنّ إليه من خزانتي ألفي دينار عينا وورقا، ولا أصبح إلّا وهي عنده- وأنت تعلم قدرتي عليها- وأقول له: خذ هذا المال، وسلّم ابن الفرات إلى فلان واستوزره- وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنّه يجيب إلى تقليده، ممّن له وجه مقبول ولسان عذب وخط حسن، ومخرقة (١) حادّة. ولا أعتمد إلّا على بعض كتّابك، فإنّه لا يفرّق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضرا. فيسلمك في الحال، ويراني المقلّد بعين من أخذته وهو صغير فجعلته وزيرا، وغرم عنه هذا المال الكثير.
ويراني وليّ نعمته فيخدمني ويتدبّر برأيي وتدبيري في جميع أمره. فأسلمك إليه فيفرغ عليك العذاب حتّى يأخذ الألفي ألف دينار منك بأسرها. وأنت تعلم أنّ حالك تفي بها، ولكنّك تفتقر بعدها، ويرجع المال إليّ ولا يذهب منه دانق. وأكون قد أهلكت عدوّي وشفيت غيظي واسترجعت مالي
стр. 1225
وصنت نعمتي، وزاد محلّي عظما بصرفي وزير [ا] وتقليدي وزير [ا].
[ ... يضربه للوزير ابن الفرات ليسلم من سعايته]
فلمّا سمع هذا منّي أسقط في يديه، وقال: عدوّ الله، أو تستحلّ هذا؟
فقلت: لست عدوّ الله، [بل عدوّ الله] من استحلّ منّي هذا الذي أحوجني إلى الفكر في مثل هذا. ولم لا أستحلّ مكروه من يريد هلاكي وزوال نعمتي؟ .
فقال: أو إيش؟
فقلت: أو أن تحلف الساعة بما أستحلفك به من الأيمان المغلّظة أنّك تكون لي، لا عليّ، في صغير أمري وفي كبيره، ولا تنقص لي رسما، ولا تغيّر لي معاملة، ولا تضع منّي، وتزيد رفعتي وذكري بالجميل، ولا تبغ [ي] لي الغوائل، ولا تدسّس عليّ المكاره، ولا تشرع لي في سوء ولا نكبة أبدا، ظاهرا ولا باطنا، وتفعل- واشترطت عليه- الأمان ممّا كنت أخافه.
فقال: وتحلف أنت أيضا لي بمثل هذه اليمين على جميل النيّة وحسن الطاعة والمؤازرة؟
فقلت [٣٨٩ ب]: أفعل.
فقال: لعنك الله، فما أنت إلّا إبليس، والله لقد سحرتني.
واستدعى دواة، وعملنا نسخة يمين، وأحلفته بها أوّلا، ثمّ حلفت له. فلمّا أردت القيام قال: يا أبا عبد الله، لقد عظمت في نفسي، وخفّفت ثقلا عنّي. والله ما كان المقتدر يفرّق بين كفايتي وموقعي وبين أخسإ كتّابي، مع ما ذكرت من المال الحاضر. فليكن ما جرى مكتوما.
فقلت: سبحان الله.
فقال: إذا كان غدا، فصر إليّ لترى ما أعاملك به.
فنهضت. فقال: يا غلمان، بأسركم بين يدي أبي عبد الله! .
فخرج بين يديّ نحو مائتي غلام.
وعدت إلى داري وما طلع الفجر. فاسترحت.
وجئته في وقت جلوسه. فعرّفني الذين كانوا بحضرته ما جرى من التقريظ التامّ في حقّي، وعاملني بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمّال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلائي، وصيانة أسبابي وضياعي. وتقدّم إلى كتّاب الدواوين بإخراج كلّ ما كانوا أدخلوه الديوان من رسومي، والزيادة فيها، وأن أجرى على الرسوم القديمة.
فشكرته وقمت. فقال: يا غلمان، بين يديه! - فخرج الحجّاب يجرون بين يديّ، والناس يشاهدون ذلك ويعجبون منه وقد رجع جاهي ولم يعلم أحد سبب صلاح ما بيننا، وما حدّثت بذلك إلّا بعد القبض عليه.
(ثمّ قال لي أبو علي): أهذا رأي وفعل من يليق به ما يحكى عنه من الحكايات؟ .
قلت: لا.
[شاهد آخر من تيقّظه]
قال التنّوخيّ: حدّثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن مكرّم: حدّثني بعض شيوخنا قال: كنت بحضرة أبي عمر القاضي، فجرى ذكر ابن الجصّاص وغفلته، فقال: معاذ الله! ما هو كذلك.
ولقد كنت عنده منذ أيّام مسلّما، وفي صحنه سرادق مضروب. فجلسنا بالقرب منه نتحدّث،
стр. 1226
فإذا بصرير نعل من خلف السرادق. فقال: يا غلام، جئني بصاحب هذا النعل! .
فأخرجت إليه جارية سوداء. فقال: ما كنت تعملين ههنا؟
قالت: جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبخ فأستأذن في تقديمه.
فقال: انصرفي لشأنك.
فعلمت أنّه أراد تعريفي أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة وأنّها ليست من حرمه ولا من مصونة، فيزيل عنّي أن أظنّ مثل ذلك في حرمه.
فهل يكون هذا من فعل مغفّل؟
ويقال إنّ المقتدر لمّا قبض عليه، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ويحمله، فوجد في جملة قماشه سبعمائة مزمّلة خيازر فما ظنّك بمروة (١) وقماش يكون هذا في جملته؟
[نوادر أخرى في حمقه المزعوم]
وممّا يحكى من حمقه أنّه كان يقول في دعائه:
اللهمّ، اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم.
وقال يوما للوزير علي ابن الفرات: يا سيّدي، عندنا في الحويرة كلاب لا يتركوننا ننام من الصياح والقتال.
فقال: أحسبهم جراء؟
فقال: لا تظنّ أيّها الوزير ذلك، كلّ كلب مثلي ومثلك.
ونظر في المرآة مرّة فقال لرجل: انظر ذقني هل كبرت أو صغرت؟
فقال: إنّ المرآة بيدك!
قال: صدقت، ولكنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب.
ورؤي وهو يبكي وينتحب. فقيل له: ما لك؟
قال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني. فلمّا قرأت في المصحف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] قلت: ما أعظم قدرة الله! قد بيّن كلّ شيء، حتّى أكل اللبن مع الجواري.
وأراد مرّة أن يدنو من بعض جواريه فامتنعت عليه فقال: أعطي الله عهدا: لا قربتك إلى سنة، لا أنا ولا أحد من جهتي!
وقال يوما: قد جربت يديّ: لو غسلتها ألف مرّة لم تنظف حتّى أغسلها مرّتين.
وماتت أمّ أبي إسحاق الزجّاج، فاجتمع الناس عنده للعزاء. فأقبل ابن الجصّاص وهو يضحك ويقول: يا أبا إسحاق، والله سرّني هذا!
فدهش الزجّاج والناس، فقال بعضهم: يا هذا، كيف سرّك ما غمّه وغمّنا؟
قال: ويحك! بلغني أنّه هو الذي مات، فلمّا صحّ عندي أنّها أمّه سرّني ذلك.
فضحك الناس.
وكان يكسر يوما لوزا، فطفرت لوزة وأبعدت، فقال: لا إله إلّا الله، كلّ الحيوان يهرب من الموت، حتى اللوز! .
وقال مرّة في دعائه: اللهمّ، إنّك تجد من تعذّبه غيري، وأنا لا أجد غيرك يغفر لي [٣٩٠ أ] فاغفر لي.
وقال: اللهمّ، امسخني جويريّة وزوّجني بعمر ابن الخطّاب.
فقيل له: سل الله أن يزوّجك من النبيّ ﷺ إن
стр. 1227
كان لا بدّ لك من أن تبقى جويريّة.
فقال: ما أحبّ أن أصير ضرّة لعائشة ﵂.
وأتاه يوما غلام بفرخ وقال: انظر هذا الفرخ، ما أشبهه بأمّه!
فقال: أمّه ذكر أو أنثى؟
وبنى ابنه دارا وأتقنها، ثمّ أدخله إليها ليراها وقال: انظر يا أبه هل ترى فيها عيبا؟
فطاف بها، ودخل المستراح فاستحسنه ثمّ قال:
فيه عيب: وهو أنّ بابه ضيّق لا تدخل منه المائدة.
وكتب إلى وكيله أن يحمل له مائة منّ قطنا.
فحملها إليه فلمّا حلجها استقلّها وكتب إليه: إنّ هذا لم يجئ منه إلّا الربع. فلا تزرع بعدها قطنا إلّا بغير حبّ، ويكون محلوجا أيضا.
وقال يوما لصديقه: وحياتك الذي لا إلا إلّا هو!
وتردّد إلى بعض النحاة ليصلح لسانه، فقال له بعد مدّة: الفرس بالسين أو بالصين؟
وقال: قمت البارحة إلى المستراح وقد طفئ القنديل، فما زلت أتلمّظ المقعدة حتى وجدتها.
وانشقّ له كنيف فقال لغلامه: بادر أحضر من يصلحه لنتغدّى به قبل أن يتعشّى بنا.
وطلب يوما من البستانيّ الذي له، بصلا بخلّ، فأحضر إليه بصلا، فقال له: لأيّ شيء ما تزرعه بخلّ؟
١٢٤٤ - أبو القاسم بن بشر الكاتب [- بعد ٣٥٧]
الحسين بن عليّ بن بشر، أبو القاسم، الكاتب [ ... ].
... ومن شعره، وقد سمع قوما يذمّون كافور الإخشيديّ بعد موته، وكان يحسن إلى جميعهم، فقال، وعرّض ببخل الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل ابن الفرات [الوافر]:
لقد كفرت صنائعك اللواتي ... عممن فما خصصت بها شكورا
وما خلّفت يا كافور منهم ... لما أوليته إلّا كفورا
ألا قل للّذين رموك ظلما ... ببخل: قلتم كذبا وزورا
يسير البرّ كان كما ذكرتم ... فهاتوا غيره يعطي اليسيرا
سيذكر فعله العافي فيبكي ... إذا استجدى أبا الفضل الوزيرا ٥
١٢٤٥ - القاضي سديد الدين المهلّبيّ [- ٦١٨] (١)
حسين بن عبد الوهّاب بن حسن بن بركات بن علي بن المهلّب، البهنسيّ، القاضي سديد الدين، أبو عليّ، ابن السديد أبي القاسم، الحلبيّ.
سمع من أبي الحسين [محمد بن أحمد] بن خير [البلنسيّ]، وتفقّه، ودرّس، وناب في الحكم عن العماد ابن السكريّ (٢)، ثمّ ترك. وكان وقورا ورعا نزها فاضلا صالحا له شهرة.
ومات في أوّل شعبان سنة ثماني عشرة وستّمائة.
стр. 1228
١٢٤٦ - الوزير المغربيّ [٣٧٠ - ٤١٨] (١)
[٤٥٧ أ] الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن محمد، المغربيّ، ابن يوسف، ابن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن سامان بن الحرون بن بلاش بن جاماس بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، الملك المعروف بالأيثم، ابن بهرام بن سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن هرمز بن مرسي بن بهرام ابن بهرام بن هرمز بن سابور الجنود، ابن أزدشير [بن] بابك، قاتل الطوائف وجامع ملك فارس [بعد] تفرّقها، أبو القاسم، ابن أبي الحسن، الوزير.
[تحصيله ومصنّفاته]
ولد أوّل وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمائة بمصر. واستظهر القرآن الكريم وعدّة كتب في النحو واللغة. ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم. ونظم الشعر وتصرّف في النثر وفي حساب النجوم والجبر والمقابلة، وبلغ من ذلك كلّه حظا وافرا قبل استكماله أربع عشرة سنة. واختصر كتاب إصلاح المنطق في اللغة، وابتدأ في نظم ما اختصره قبل استكماله سبع عشرة سنة (٢). وصنّف كتاب
الإيناس، وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة، يدلّ على كثرة اطّلاعه، وكتاب الإلحاق بالاشتقاق، وكتاب أدب الخواصّ (٣)، وكتاب الشاهد والغائب، بيّن فيه أوضاع كلام العرب والمنقول منه وأقسامه تبيينا يكاد [٣٩٠ ب] أن يكون أصلا لكلّ ما يسأل عنه من الألفاظ المنقولة عن أصولها إلى استعمال محدث. وكتاب فضائل القبائل، وكتاب أخبار بني حمدان وأشعارهم [وإملاءات عدّة في تفسير القرآن الكريم وتأويله] (٤).
وروى صحيح البخاريّ عن أبي ذرّ عبد بن أحمد الهروي (٥) بسماعه منه. وروى موطّأ مالك وصحيح مسلم وجامع سفيان. وروى كتاب المزنيّ بسماعه من أبي جعفر الطحاويّ. وروى عن محمد بن الحسين التنوخيّ ومحمد بن إبراهيم، وأحمد بن فارس. وحدّث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات وغيره.
روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، وأبو الحسن بن الطيّب الفارقي.
[مراسلاته مع المعريّ وغيره]
وقارض أبا العلاء أحمد بن سليمان المعريّ بمكاتبات أدبيّة كثيرة الغريب. وقال الشعر الجيّد، وبرع في الترسّل، وصار إماما في كتابة الإنشاء وكتابة الحساب. وتصرّف في فنون من علم العربيّة واللغة، ومهر في أكثر الفنون العلميّة.
وكان إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو، والنحويّ سأله عن الفرائض، والشاعر سأله عن
стр. 1229
القرآن، قصدا لتبكيتهم ولاتّساع نطاقه، وقوّة سبحه في العلوم الدنيويّة والأدبيّة والنجوميّة، وإفراط ذكائه وفطنته وسرعة خاطره وجودة بديهته.
وكان مؤدّبه أبو الحسن علي بن القارح دوخلة.
فقال له يوما علي بن الحسين المغربيّ: أنا أخاف همّة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه. فإن كانت الأنفاس ممّا يحفظ ويكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها.
فلمّا كان في بعض الأيّام قال أبو القاسم لمؤدّبه دوخلة: ترضى بالخمول الذي نحن فيه؟
فقال: وأيّ خمول هنا؟ تأخذون من مولانا الحاكم بأمر الله في كلّ سنة ستّة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظّم مكرّم.
فقال: أريد أن تصير إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان.
فأعاد دوخلة ذلك على أبيه، فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه- وقبض على لحيته وهامته- وصدقت فراسته في أبي القاسم.
وقتل الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز بالله، أبا الحسن علي بن الحسين المغربيّ والد الوزير أبي القاسم، وقتل أخاه أبا عبد الله محمد عمّ الوزير [٤٥٧ ب] أبي القاسم، وقتل محسنا ومحمّدا، أخوي الوزير أبي القاسم، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة.
[التجاؤه إلى بني الجرّاح بعد نكبة أسرته]
ففرّ الوزير أبو القاسم من مصر في هيئة جمّال، للثاني من ذي القعدة المذكور، وتوجّه إلى الشام مع بعض العربان، ونزل محلّه حسّان بن المفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائيّ، واستجار به من الحاكم فأجاره. وأنشد عند ما دخل عليه [الكامل]:
أمّا وقد خيّمت وسط الغاب ... فليقسونّ على الزمان عتابي
يترنّم الفولاذ دون مخيّمي ... وتزعزع الخرصان حول قبابي
وإذا بنيت على الثنيّة خيمة ... شدّت على كسر القنا أطنابي
وتقوم دوني فتية من طيّئ ... لم تلتبس أثوابهم بالعاب
يتناثرون على الصريخ كأنّما ... يدعون نحو غنائم ونهاب ٥
من كلّ أهرت يرتمي حملاقه ... بالجمر يوم تسايف وضراب (١)
يهديهم حسّان يحمل بزّة ... جرداء تعليه جناح عقاب
يجري الحياء على أسرّة وجهه ... جري الفرند بصارم قرضاب
كرم يشقّ على التّلاد وعزمة ... تغتال بادرة الهزبر الضابي (٢)
١٠ ولقد نظرت إليك يا ابن مفرّج ... في منظر ملء الزمان عجاب
والليل ملتفّ الذوائب بالقنا ... والحرب سافرة بغير نقاب
فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا ... والذّعر يلبس أوجها بتراب
[٣٩١ أ] ورأيت بيتك للضيوف ممهّدا ... فسح الظلال مرفّع الأبواب
стр. 1230
[يا طيّئ الخيرات بين خلالكم ... أمن الشريد وهمّة الطلّاب] (١)
١٥ سمكت خيامكم بأسنمة الرّبى ... مرفوعة للطارق المنتاب
ويدلّ ضيفكم عليكم أنور ... شبّت بأجذال قهرن صعاب (٢)
متبرّجات باليفاع وبعضهم ... بالجزع يكفر ضوءه بحجاب (٣)
كلأتكم ممّن يعادي هيبة ... أغنتكم عن رقبة وجناب
فيسير جيشكم بغير طليعة ... ويبيت حيّكم بغير كلاب
٢٠ متهيّبون، وليس فيكم هائب ... تتوثّبون على الردى الوثّاب
ولكم إذا اختصم الوشيج لباقة ... بالطعن فوق لباقة الكتّاب
فالرمح ما لم ترسلوه أخطل ... والسيف ما لم تعملوه نابي
يا معن، قد أقررتم عين العلى ... بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي
جاورتكم فملأتم عين [ي] الكرى ... وجوانحي بغرائب الإطراب
٢٥ من بعد ذعر كان أحفز أضلعي ... حتى لضاق به عليّ إهابي
[٤٥٨ أ] ووجدت جار أبي الندى متحكّما ... حكم العزيز على الذليل الكابي
فليهنه منن على متنزّه ... لسوى مواهب ذي المعارج آب (٤)
قد كان عن خطم الصنائع شامسا ... فاقتاده بصنيعه برغاب
فلأنظمنّ له عقود محامد ... تبقى جواهرها على الأحقاب
٣٠ لا جاد غيركم الربيع ولا سرت ... غرر اللقاح لغيركم بحلاب
أنا ذاكم الرجل المندّد ذكره ... كالطّود حلّي جيده بشهاب
ولقد رجوت وللّيالي دولة ... أنّي أجازيكم بخير ثواب
فلمّا سمع حسّان هذه الأبيات أعجب بها وهشّ له وجدّد قوله بما سكّن به جأشه وأزال عنه استيحاشه. وأقام عنده محترما مكرّما.
فلمّا قدّم الحاكم يارختكين العزيزيّ على العساكر وسيّره إلى الشام ومشى في خدمته، وهو راكب، القوّاد والأعيان، كان فيهم عليّ ومحمود ابنا مفرّج بن دغفل. فشقّ ذلك عليهما وكتبا إلى أبيهما مفرّج يعرّفانه بذلك ويشكوان ما لقيا من المشقة، وأنّ نفوسهما تأبى الصبر على هذه الذلّة.
وحذّراه من يارختكين وقالا: إنّك لا تأمن من أن ينتهز فيك فرصة ويستفحل أمره فينبو بك وبنا المقام في هذه الديار، فدبّر أمرك ما دمت في فسحة من رأيك، وعاجله في الجفار قبل وصوله إلى الرملة واعتضاده بعساكرها.
[تحريضه أمير العرب على التصدّي للجيش الفاطميّ]
وكان يارختكين قد سار في عدّة قليلة، على أن يجمع عساكر الشام ويسير بها إلى حلب. وأخذ معه أهله وماله، وصحبه كثير من التجّار. فلمّا توسّط الجفار، أشار أبو القاسم ابن المغربيّ على حسّان بن مفرّج بلقائه وانتهاز الفرصة فيه. فسار