فإذا بصرير نعل من خلف السرادق. فقال: يا غلام، جئني بصاحب هذا النعل! .
فأخرجت إليه جارية سوداء. فقال: ما كنت تعملين ههنا؟
قالت: جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبخ فأستأذن في تقديمه.
فقال: انصرفي لشأنك.
فعلمت أنّه أراد تعريفي أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة وأنّها ليست من حرمه ولا من مصونة، فيزيل عنّي أن أظنّ مثل ذلك في حرمه.
فهل يكون هذا من فعل مغفّل؟
ويقال إنّ المقتدر لمّا قبض عليه، أنفذ إلى داره من يحصي ما فيها ويحمله، فوجد في جملة قماشه سبعمائة مزمّلة خيازر فما ظنّك بمروة (١) وقماش يكون هذا في جملته؟
[نوادر أخرى في حمقه المزعوم]
وممّا يحكى من حمقه أنّه كان يقول في دعائه:
اللهمّ، اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم.
وقال يوما للوزير علي ابن الفرات: يا سيّدي، عندنا في الحويرة كلاب لا يتركوننا ننام من الصياح والقتال.
فقال: أحسبهم جراء؟
فقال: لا تظنّ أيّها الوزير ذلك، كلّ كلب مثلي ومثلك.
ونظر في المرآة مرّة فقال لرجل: انظر ذقني هل كبرت أو صغرت؟
فقال: إنّ المرآة بيدك!
قال: صدقت، ولكنّ الحاضر يرى ما لا يرى الغائب.
ورؤي وهو يبكي وينتحب. فقيل له: ما لك؟
قال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني. فلمّا قرأت في المصحف: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] قلت: ما أعظم قدرة الله! قد بيّن كلّ شيء، حتّى أكل اللبن مع الجواري.
وأراد مرّة أن يدنو من بعض جواريه فامتنعت عليه فقال: أعطي الله عهدا: لا قربتك إلى سنة، لا أنا ولا أحد من جهتي!
وقال يوما: قد جربت يديّ: لو غسلتها ألف مرّة لم تنظف حتّى أغسلها مرّتين.
وماتت أمّ أبي إسحاق الزجّاج، فاجتمع الناس عنده للعزاء. فأقبل ابن الجصّاص وهو يضحك ويقول: يا أبا إسحاق، والله سرّني هذا!
فدهش الزجّاج والناس، فقال بعضهم: يا هذا، كيف سرّك ما غمّه وغمّنا؟
قال: ويحك! بلغني أنّه هو الذي مات، فلمّا صحّ عندي أنّها أمّه سرّني ذلك.
فضحك الناس.
وكان يكسر يوما لوزا، فطفرت لوزة وأبعدت، فقال: لا إله إلّا الله، كلّ الحيوان يهرب من الموت، حتى اللوز! .
وقال مرّة في دعائه: اللهمّ، إنّك تجد من تعذّبه غيري، وأنا لا أجد غيرك يغفر لي [٣٩٠ أ] فاغفر لي.
وقال: اللهمّ، امسخني جويريّة وزوّجني بعمر ابن الخطّاب.
فقيل له: سل الله أن يزوّجك من النبيّ ﷺ إن
стр. 1227
كان لا بدّ لك من أن تبقى جويريّة.
فقال: ما أحبّ أن أصير ضرّة لعائشة ﵂.
وأتاه يوما غلام بفرخ وقال: انظر هذا الفرخ، ما أشبهه بأمّه!
فقال: أمّه ذكر أو أنثى؟
وبنى ابنه دارا وأتقنها، ثمّ أدخله إليها ليراها وقال: انظر يا أبه هل ترى فيها عيبا؟
فطاف بها، ودخل المستراح فاستحسنه ثمّ قال:
فيه عيب: وهو أنّ بابه ضيّق لا تدخل منه المائدة.
وكتب إلى وكيله أن يحمل له مائة منّ قطنا.
فحملها إليه فلمّا حلجها استقلّها وكتب إليه: إنّ هذا لم يجئ منه إلّا الربع. فلا تزرع بعدها قطنا إلّا بغير حبّ، ويكون محلوجا أيضا.
وقال يوما لصديقه: وحياتك الذي لا إلا إلّا هو!
وتردّد إلى بعض النحاة ليصلح لسانه، فقال له بعد مدّة: الفرس بالسين أو بالصين؟
وقال: قمت البارحة إلى المستراح وقد طفئ القنديل، فما زلت أتلمّظ المقعدة حتى وجدتها.
وانشقّ له كنيف فقال لغلامه: بادر أحضر من يصلحه لنتغدّى به قبل أن يتعشّى بنا.
وطلب يوما من البستانيّ الذي له، بصلا بخلّ، فأحضر إليه بصلا، فقال له: لأيّ شيء ما تزرعه بخلّ؟
١٢٤٤ - أبو القاسم بن بشر الكاتب [- بعد ٣٥٧]
الحسين بن عليّ بن بشر، أبو القاسم، الكاتب [ ... ].
... ومن شعره، وقد سمع قوما يذمّون كافور الإخشيديّ بعد موته، وكان يحسن إلى جميعهم، فقال، وعرّض ببخل الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل ابن الفرات [الوافر]:
لقد كفرت صنائعك اللواتي ... عممن فما خصصت بها شكورا
وما خلّفت يا كافور منهم ... لما أوليته إلّا كفورا
ألا قل للّذين رموك ظلما ... ببخل: قلتم كذبا وزورا
يسير البرّ كان كما ذكرتم ... فهاتوا غيره يعطي اليسيرا
سيذكر فعله العافي فيبكي ... إذا استجدى أبا الفضل الوزيرا ٥
١٢٤٥ - القاضي سديد الدين المهلّبيّ [- ٦١٨] (١)
حسين بن عبد الوهّاب بن حسن بن بركات بن علي بن المهلّب، البهنسيّ، القاضي سديد الدين، أبو عليّ، ابن السديد أبي القاسم، الحلبيّ.
سمع من أبي الحسين [محمد بن أحمد] بن خير [البلنسيّ]، وتفقّه، ودرّس، وناب في الحكم عن العماد ابن السكريّ (٢)، ثمّ ترك. وكان وقورا ورعا نزها فاضلا صالحا له شهرة.
ومات في أوّل شعبان سنة ثماني عشرة وستّمائة.
стр. 1228
١٢٤٦ - الوزير المغربيّ [٣٧٠ - ٤١٨] (١)
[٤٥٧ أ] الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن محمد، المغربيّ، ابن يوسف، ابن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذام بن سامان بن الحرون بن بلاش بن جاماس بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور بن يزدجرد، الملك المعروف بالأيثم، ابن بهرام بن سابور بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن هرمز بن مرسي بن بهرام ابن بهرام بن هرمز بن سابور الجنود، ابن أزدشير [بن] بابك، قاتل الطوائف وجامع ملك فارس [بعد] تفرّقها، أبو القاسم، ابن أبي الحسن، الوزير.
[تحصيله ومصنّفاته]
ولد أوّل وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمائة بمصر. واستظهر القرآن الكريم وعدّة كتب في النحو واللغة. ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم. ونظم الشعر وتصرّف في النثر وفي حساب النجوم والجبر والمقابلة، وبلغ من ذلك كلّه حظا وافرا قبل استكماله أربع عشرة سنة. واختصر كتاب إصلاح المنطق في اللغة، وابتدأ في نظم ما اختصره قبل استكماله سبع عشرة سنة (٢). وصنّف كتاب
الإيناس، وهو مع صغر حجمه كثير الفائدة، يدلّ على كثرة اطّلاعه، وكتاب الإلحاق بالاشتقاق، وكتاب أدب الخواصّ (٣)، وكتاب الشاهد والغائب، بيّن فيه أوضاع كلام العرب والمنقول منه وأقسامه تبيينا يكاد [٣٩٠ ب] أن يكون أصلا لكلّ ما يسأل عنه من الألفاظ المنقولة عن أصولها إلى استعمال محدث. وكتاب فضائل القبائل، وكتاب أخبار بني حمدان وأشعارهم [وإملاءات عدّة في تفسير القرآن الكريم وتأويله] (٤).
وروى صحيح البخاريّ عن أبي ذرّ عبد بن أحمد الهروي (٥) بسماعه منه. وروى موطّأ مالك وصحيح مسلم وجامع سفيان. وروى كتاب المزنيّ بسماعه من أبي جعفر الطحاويّ. وروى عن محمد بن الحسين التنوخيّ ومحمد بن إبراهيم، وأحمد بن فارس. وحدّث عن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات وغيره.
روى عنه ابنه أبو يحيى عبد الحميد بن الحسين، وأبو الحسن بن الطيّب الفارقي.
[مراسلاته مع المعريّ وغيره]
وقارض أبا العلاء أحمد بن سليمان المعريّ بمكاتبات أدبيّة كثيرة الغريب. وقال الشعر الجيّد، وبرع في الترسّل، وصار إماما في كتابة الإنشاء وكتابة الحساب. وتصرّف في فنون من علم العربيّة واللغة، ومهر في أكثر الفنون العلميّة.
وكان إذا دخل عليه الفقيه سأله عن النحو، والنحويّ سأله عن الفرائض، والشاعر سأله عن
стр. 1229
القرآن، قصدا لتبكيتهم ولاتّساع نطاقه، وقوّة سبحه في العلوم الدنيويّة والأدبيّة والنجوميّة، وإفراط ذكائه وفطنته وسرعة خاطره وجودة بديهته.
وكان مؤدّبه أبو الحسن علي بن القارح دوخلة.
فقال له يوما علي بن الحسين المغربيّ: أنا أخاف همّة ابني أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه. فإن كانت الأنفاس ممّا يحفظ ويكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها.
فلمّا كان في بعض الأيّام قال أبو القاسم لمؤدّبه دوخلة: ترضى بالخمول الذي نحن فيه؟
فقال: وأيّ خمول هنا؟ تأخذون من مولانا الحاكم بأمر الله في كلّ سنة ستّة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظّم مكرّم.
فقال: أريد أن تصير إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب ولا أرضى بأن يجرى علينا كالولدان والنسوان.
فأعاد دوخلة ذلك على أبيه، فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه- وقبض على لحيته وهامته- وصدقت فراسته في أبي القاسم.
وقتل الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز بالله، أبا الحسن علي بن الحسين المغربيّ والد الوزير أبي القاسم، وقتل أخاه أبا عبد الله محمد عمّ الوزير [٤٥٧ ب] أبي القاسم، وقتل محسنا ومحمّدا، أخوي الوزير أبي القاسم، لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة.
[التجاؤه إلى بني الجرّاح بعد نكبة أسرته]
ففرّ الوزير أبو القاسم من مصر في هيئة جمّال، للثاني من ذي القعدة المذكور، وتوجّه إلى الشام مع بعض العربان، ونزل محلّه حسّان بن المفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطائيّ، واستجار به من الحاكم فأجاره. وأنشد عند ما دخل عليه [الكامل]:
أمّا وقد خيّمت وسط الغاب ... فليقسونّ على الزمان عتابي
يترنّم الفولاذ دون مخيّمي ... وتزعزع الخرصان حول قبابي
وإذا بنيت على الثنيّة خيمة ... شدّت على كسر القنا أطنابي
وتقوم دوني فتية من طيّئ ... لم تلتبس أثوابهم بالعاب
يتناثرون على الصريخ كأنّما ... يدعون نحو غنائم ونهاب ٥
من كلّ أهرت يرتمي حملاقه ... بالجمر يوم تسايف وضراب (١)
يهديهم حسّان يحمل بزّة ... جرداء تعليه جناح عقاب
يجري الحياء على أسرّة وجهه ... جري الفرند بصارم قرضاب
كرم يشقّ على التّلاد وعزمة ... تغتال بادرة الهزبر الضابي (٢)
١٠ ولقد نظرت إليك يا ابن مفرّج ... في منظر ملء الزمان عجاب
والليل ملتفّ الذوائب بالقنا ... والحرب سافرة بغير نقاب
فرأيت وجهك مثل سيفك ضاحكا ... والذّعر يلبس أوجها بتراب
[٣٩١ أ] ورأيت بيتك للضيوف ممهّدا ... فسح الظلال مرفّع الأبواب
стр. 1230
[يا طيّئ الخيرات بين خلالكم ... أمن الشريد وهمّة الطلّاب] (١)
١٥ سمكت خيامكم بأسنمة الرّبى ... مرفوعة للطارق المنتاب
ويدلّ ضيفكم عليكم أنور ... شبّت بأجذال قهرن صعاب (٢)
متبرّجات باليفاع وبعضهم ... بالجزع يكفر ضوءه بحجاب (٣)
كلأتكم ممّن يعادي هيبة ... أغنتكم عن رقبة وجناب
فيسير جيشكم بغير طليعة ... ويبيت حيّكم بغير كلاب
٢٠ متهيّبون، وليس فيكم هائب ... تتوثّبون على الردى الوثّاب
ولكم إذا اختصم الوشيج لباقة ... بالطعن فوق لباقة الكتّاب
فالرمح ما لم ترسلوه أخطل ... والسيف ما لم تعملوه نابي
يا معن، قد أقررتم عين العلى ... بي مذ وصلت بحبلكم أسبابي
جاورتكم فملأتم عين [ي] الكرى ... وجوانحي بغرائب الإطراب
٢٥ من بعد ذعر كان أحفز أضلعي ... حتى لضاق به عليّ إهابي
[٤٥٨ أ] ووجدت جار أبي الندى متحكّما ... حكم العزيز على الذليل الكابي
فليهنه منن على متنزّه ... لسوى مواهب ذي المعارج آب (٤)
قد كان عن خطم الصنائع شامسا ... فاقتاده بصنيعه برغاب
فلأنظمنّ له عقود محامد ... تبقى جواهرها على الأحقاب
٣٠ لا جاد غيركم الربيع ولا سرت ... غرر اللقاح لغيركم بحلاب
أنا ذاكم الرجل المندّد ذكره ... كالطّود حلّي جيده بشهاب
ولقد رجوت وللّيالي دولة ... أنّي أجازيكم بخير ثواب
فلمّا سمع حسّان هذه الأبيات أعجب بها وهشّ له وجدّد قوله بما سكّن به جأشه وأزال عنه استيحاشه. وأقام عنده محترما مكرّما.
فلمّا قدّم الحاكم يارختكين العزيزيّ على العساكر وسيّره إلى الشام ومشى في خدمته، وهو راكب، القوّاد والأعيان، كان فيهم عليّ ومحمود ابنا مفرّج بن دغفل. فشقّ ذلك عليهما وكتبا إلى أبيهما مفرّج يعرّفانه بذلك ويشكوان ما لقيا من المشقة، وأنّ نفوسهما تأبى الصبر على هذه الذلّة.
وحذّراه من يارختكين وقالا: إنّك لا تأمن من أن ينتهز فيك فرصة ويستفحل أمره فينبو بك وبنا المقام في هذه الديار، فدبّر أمرك ما دمت في فسحة من رأيك، وعاجله في الجفار قبل وصوله إلى الرملة واعتضاده بعساكرها.
[تحريضه أمير العرب على التصدّي للجيش الفاطميّ]
وكان يارختكين قد سار في عدّة قليلة، على أن يجمع عساكر الشام ويسير بها إلى حلب. وأخذ معه أهله وماله، وصحبه كثير من التجّار. فلمّا توسّط الجفار، أشار أبو القاسم ابن المغربيّ على حسّان بن مفرّج بلقائه وانتهاز الفرصة فيه. فسار
стр. 1231
حسّان إلى أبيه مفرّج وسهّل عليه الأمر في لقاء يارختكين، فجمعا العرب. وقدم يارختكين إلى غزّة وقد بلغه ما همّ به حسّان وأبوه، فكتب إلى ابن سرحان أحد قوّاد الرملة أن يلقاه في ألف مقاتل بعسقلان. وقدّر لوصول ابن سرحان ثلاثة أيّام. فأخذ الرسول في طريقه. وسار يارختكين بعد يومين على طريق الساحل وقد بث حسّان الخيل، فوقعت عليه وقاتلته وأسرته. وغنم حسّان [٣٩١ ب] جميع ما كان معه، ونهبت رساتيق الرملة. فخرج من كان فيها من العساكر وقاتلوا العرب قتالا شديدا حتّى همّ العرب [٤٥٨ ب] بالانصراف. فقال لهم أبو القاسم ابن المغربيّ: إن رحلتم على هذه الصورة وقع الطمع فيكم، وإن صبرتم حتّى تفتحوا البلد خافكم الحاكم وملكتم الشام. والرأي أن تنادوا في السواد وأطراف البلاد والجبال بإباحة النهب والغنيمة.
فقبلوا منه وجسروا ونادوا في الناس، فاجتمع لهم خلق كثير. وزحفوا على الرملة فملكوها وبالغوا في القتل والفتك. فلمّا بلغ الحاكم هذا انزعج، وكتب إلى مفرّج بن دغفل بن الجرّاح يعتبه ويحذّره سوء العاقبة ويأمره بإرسال يارختكين إليه، ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار. فبادر أبو القاسم ابن المغربيّ لمّا بلغه ذلك وقال لحسّان بن مفرّج: إنّ والدك سيركب إليك ويثقل عليك في أمر يارختكين ولا يبرح من عندك إلّا به. ومتى أفرجتم عنه وعاد إلى الحاكم ردّه إليكم في العساكر التي لا قبل لكم بها.
فقبل قوله وقتل يارختكين صبرا بعد ما أهانه، وسمع غناء جواريه وحظاياه وهو مقيّد معه في مجلسه، وارتكب منه قبائح شنيعة، ثمّ أنفذ برأسه إلى أبيه مفرّج. فساءه ذلك.
[إغراؤه أمير مكّة الحسنيّ بادّعاء الخلافة]
ثمّ إنّ أبا القاسم اجتمع بمفرّج وبابنه حسّان وقال لهما: إنّكم قد كشفتم القناع في مباينة الحاكم، ولم يبق للصلح موضع.- وأشار عليهما بمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر بن محمد (١) بن الحسين بن محمد الأكبر بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي أبي طالب الحسنيّ، أمير مكّة، ومبايعته بالإمامة، فإنّه لا مغمز في نسبه. وسهّل عليهما الخطب في ذلك حتّى انقاد إليه جماعتهم. وسار هو في الرسالة إليه بنفسه حتّى قدم عليه مكّة، وأطمعه في الأمر. وجمع بني حسن فأجابوه إلى ذلك، وبايعوا أبا الفتوح ولقّبوه بالراشد بالله، وصعد منبر مكّة وخطب لنفسه.
وكان قد مات بعض أرباب اليسار بجدّة، فأشار أبو القاسم بأخذ تركته كلّها، فأخذت بأجمعها، وأخذ أيضا عدّة من المحاريب الذهب والفضّة المنصوبة بالكعبة وضربها دراهم ودنانير وفرّقها فيمن اجتمع إليه من العرب. وخرج أبو القاسم من مكّة وسار برسالة أبي الفتوح إلى بطون العرب من سليم وعوف بن عامر وغيرهم. فدعاهم حتى استوسق له الأمر، وسار بمن أجابه من العرب، ومعه أبو الفتوح، يريد لقاء حسّان بن جرّاح الطائيّ حتى قدم الرملة. فخرج مفرّج بن دغفل بن الجرّاح وبنوه حسّان ومحمود وعليّ بمن معهم إلى لقاء أبي الفتوح، وقبّلوا الأرض وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، وأنزلوه في دار الإمارة. فنادى في الناس بأمان الخائفين، وأمر بالمعروف ونهى [٤٥٩ أ] عن المنكر. وركب يوم الجمعة، ومفرّج
стр. 1232
وأولاده وجميع أمراء طيّئ مشاة في ركابه وبين يديه، حتى دخل المسجد وصعد المنبر وخطب فحمد الله وأثنى عليه وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم طسم* تلك آيات الكتاب المبين* نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ... إلى قوله: يَحْذَرُونَ (القصص، ١ - ٦). ثمّ أتمّ الخطبة وصلّى بالناس وعاد إلى دار الإمارة.
فبلغ ذلك الحاكم، فلم يزل ببني الجرّاح يستميلهم حتّى تقرّر الحال أن يدفع إلى كلّ من حسّان وإخوته خمسين ألف دينار، سوى الهدايا والخطايا (١). فمالوا إليه حتّى انحلّ أمر أبي الفتوح ورجع إلى مكّة كما قد ذكر في ترجمته. فكتب أبو القاسم ابن المغربيّ إلى الحاكم كتابا يعتذر فيه ويسأل العفو عن جريرته، وصدّر الكتاب بقوله [الطويل]:
وأنت، وحسبي أنت، تعلم أنّ لي ... لسانا، إمام المجد، يبني ويهدم
وليس حليما من تباس يمينه ... فيرضى، ولكن من تعضّ فيحلم
[حصوله على أمان من الحاكم]
فصيّر إليه الحاكم أمانا بخطّه، نسخته: باسم الله الرحمن الرحيم، هذا الكتاب كتبه المنصور أبو علي، الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، لحسين بن علي بن حسين المغربيّ: إنّك آمن بأمان الله، ورسوله جدّنا محمد المصطفى، وأبينا [٣٩٢ أ] عليّ المرتضى، والأئمّة من آلهما، مصابيح الهدى، صلّى الله عليهم وسلّم، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير
المؤمنين، قدّس الله روحه وصلّى عليه، على النفس والجسم وجميع الجوارح والحواسّ، والمال والخال (٢) والأهل والأقارب والأسباب، أمانا ماضيا لا يتعقّب بتأويل ولا يتبع بفسخ ولا تبديل. وإنّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أمّن حسين بن علي بهذا الأمان بعد أن تحقّق له ذنوبا وأجراما عظيمة، فصفح عن علم، وتجاوز عن معرفة وحلم، وجعل هذا الأمان كالإسلام الذي يمحو ما قبله ويمهّد الخير لما بعده. وكلّ سعاية ووشاية وذنب وجريمة تنسب إلى حسين بن عليّ قد تحقّق أمير المؤمنين أكثر منها وصفح عنه، فلا يد له عليه إلّا الإحسان إليه. وإن لحسين بن علي هذا اختياره عند وقوفه على هذا الكتاب، في انكفائه إلى الباب العزيز والتعرّض للخدمة، أو التوفّر على العبادة، لا يكره على خدمة يستعفى منها، ولا تقبل عليه الأقاويل في خدمة يتعلّق بها. وأقسم أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله على ذلك، وبأيمان الله وغليظ مواثيقه وبيته الحرام ومشاعره العظام وآياته الكرام، وحقوق جميع آبائه ﵈. فمتى غيّر أو [٤٥٩ ب] بدّل، أو أمر أو أملى، أو أسرّ أو أعلن، أو دسّ أو اغتال، فجميع المسلمين في شرق الأرض وغربها، وفي الموقان (٣)، والريّ وأذربيجان، والدينور وهمذان، والسهل والجبل، والقريب والبعيد، والعراق والشام، وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر، وحلب ومصر والحجاز والمغرب، في حلّ وسعة من بيعته وقد فسح الله لهم وفسح لهم أمير المؤمنين في النكث بها وبرّأ
نفسه ممّا أوجبه عليهم والتزموه في أعناقهم منها، وقد برئ من الله تعالى ورسوله ﷺ ، والله تعالى ورسوله منه بريئان، وبرئ إليه من حوله وقوّته، والتجأ إلى حول نفسه وقوّتها. وأشهد الله تعالى وملائكته وصالح خلقه على نفسه بذلك كلّه، أمانا مؤكّدا وذماما مؤبّدا، وعهدا مسئولا، وميثاقا محفوظا مرعيّا، وكفى بالله شهيدا. وكتب المنصور بيده.
[توجّهه إلى الخلافة العبّاسيّة]
فتوجّه أبو القاسم ابن المغربيّ من الرملة قبل وصول هذا الأمان إليه، وسار نحو العراق، وقصد فخر الملك أبا غالب الحسن بن منصور بن غالب السيرافيّ وزير مشرّف الدولة أبي علي الحسين ابن بهاء الدولة أبي نصر خسره فيروز بن عضد الدولة أبي شجاع فناخسره ابن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه، والتجأ إليه. فبلغ أمير المؤمنين القادر بالله أبا (١) العبّاس أحمد بن إسحاق بن المقتدر خبر أبي القاسم ابن المغربيّ فاتّهمه في فساد الدولة العبّاسيّة. وتردّد بينه وبين فخر الملك في بابه ما أوجب خروجه معه إلى واسط. وكتب فخر الملك بحراسته هناك ومعرفة حقّه. فأقام مدّة على هذه الحال من أمره.
فلمّا مات فخر الملك في سنة ثنتي عشرة وأربعمائة، شرع في إصلاح أمير المؤمنين القادر بالله واستعطاف رأيه وإبراء ساحته عنده فيما ظنّ به وقدّر فيه. وعاد إلى بغداد وأقام بها أيّاما. ثمّ مضى إلى أبي المنيع قرواش بن المقلّد أمير العرب وسار معه إلى الموصل فأقام بها مديدة يسيرة وخافه المعروف بابن أبي الوزير وزير ومدبّر أمور
دولته. فحمل إليه مالا كثيرا وتقدّم إليه بالرحيل.
فسار عن الموصل إلى ديار بكر، فأقام عند أميرها نصير الدولة أبي نصر أحمد بن مروان الكرديّ مدّة على سبيل الضيافة. ثمّ خوطب في التصرّف ففعله بعد إباء شديد وامتناع كثير. وكان لبسته إذ ذاك المرقّعة والصوف، فلم تمض إلّا مدّة يسيرة حتّى غيّر ذلك اللباس، وانكشف حاله لجميع الناس وجرت حاله على ما [٤٦٠ أ] قال، وقد ابتاع غلاما تركيّا كان يهواه قبل أن يبيعه منه مولاه [الوافر]:
تبدّل من مرقّعة ونسك ... بأنواع الممسّك والصّنوف
وعن له غزال ليس يحوى ... هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشدّ ما كان انهتاكا ... كذاك الدهر، مختلف الصروف [٣٩٢ ب]
فأقام عنده مدّة طويلة في أعلى حال وأجلّ رتبة وأعظم منزلة.
[تهديده للحاكم بثورات أخرى]
وكتب إلى الحاكم بأمر الله يهدّده ويتوعّده بأنّ رجلا من أولاد أبي بكر الصدّيق قد ظهر بديار بكر، وأنّه إن لم يكن يوافقه على ما رام فإنّه لا يخذله، ونصّه: وقد علم أنّ أصول الأمور العظام إنّما تأتي من وجدان الرجال. قال أبو علي محمد بن مقلة: إنّي أزلت دولة بني العبّاس وأسلمتها إلى الديلم لأنّي كاتبت الديلم وقت إنفاذي إلى أصبهان وأطمعتهم في سرير الملك ببغداد. فإن اجتنيت ثمرة ذلك في حياتي، وإلّا فهي تجنى بعد موتي- ويعلم الله لقد بلغنا أنّه حصل الآن فيما بين ديار بكر وبغداد رجل من ولد أبي بكر الصدّيق، وهو كما قيل [الرجز]:
стр. 1235
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... [و] النسب المعروف غير المنكر (١)
وقد صبغ نفسه بالعلم والأدب، وراضها بالدّءوب والنصب، وسما للمعالي من الرتب، وجعل القرآن جعاره (٢)، والفقه والسنن نوره ونوّاره، وأجلى آدابه بقول الشعر الذي يفوت في معانيه دقائق إسماعيل (٣)، وفي ألفاظه عذوبة كثيّر وجميل. وممّا قاله، يدعو إلى الخروج، ويصف نفسه وأصحابه بالمذهب الجميل [الوافر]:
سأطلب للعلاء بكلّ ليث ... له زأر بذكر الله وحده
له ممّا تصوغ الهنديّات ... وممّا حاكه داود لبده
يردّ الرمح أزرق في احمرار ... كناظر أزرق خضبته رمده
وهو البيت الذي لم يدنس ذكره، ولم يملك أمره، ومن تجتمع النّحل مع اختلافها على قبوله، وتطّلع الأعين والقلوب إلى بروز نجله وسليله.
[سعيه بين أمراء العرب وأمراء الأتراك]
ثمّ إنّه كوتب من الموصل بالسير إليها، وعرض عليه صاحبها معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلّد وزارته بعد موت الكافي وزيره. فسار عن ميافارقين، وديار بكر، على أنّه يتصفّح العمّال، ويعتبر أحوال الأعمال، حتى قرب من الموصل فأسرى في الليل وصبح الموصل، فاجتمع بصاحبها. وقلّده وزارته وبعثه في الرسالة [٤٦٠ ب]
إلى بغداد ليتوسّط بين السلطان مشرّف الدولة أبي علي، وبين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش.
فاجتمع برؤساء الأتراك والديلم واستمالهم إلى نفسه ليلي الوزارة، وراسل الأثير أبا المسك عنبر واستماله. فلمّا قبض مشرّف الملك على مؤيّدالملك سيّد الوزراء أبي علي الحسين بن الحسن الرّخّجيّ (٤) في رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة، كوتب أبو القاسم ابن المغربيّ بالورود. فورد إلى بغداد وتقلّد وزارة مشرّف الدولة في رمضان المذكور بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة للدرّاعة.
فطعن عليه بدار الخلافة في مذهبه وأنكر اسمه المغربيّ الذي عرف به، وذمّ لخاصّة الملك السعيد مشرّف الدولة. وأنكر عليه كونه ردّ أمور وزارته إليه مع ما يظنّ به من اعتقاد المصريّ (٥) والتديّن به، وكان ذلك عند تجديد البيعة على الأولياء الأتراك ببغداد. وأشير إلى أنّ هذا الأمر مقدّمة لأمر يستأنف عقده معهم.
[رسالته إلى مشرّف الدولة في رفع التهمة عن نفسه]
فكتب في هذا المعنى ما يكشف وجه الشبهة في أمره ويزيل الظّنّة: الدهر أبو العجائب وذو الغرائب، إلّا أنّي ما ظننته يبدع هذه البدعة الشنعاء، ولا يطرّق هذه الظنّة النكراء. وينبغي أن أعدل عن الاحتجاج للملك أدام الله بقاءه، وأعزّ نصره ولواءه، وللمؤتمن على تدبيره، والسفير بينه وبين عسكره، أدام الله تمكينه، بأنّ الله يعلم، والناس يعلمون، خلوص النيّة لهما في الطاعة، والبعد من هذه الشناعة. فإنّ تشاغلي بما يخصّني
стр. 1236
من هذه الحال التي ظننت أنّ العرض على الله يسبقها، وأنّ المعتقد المقدّس قد استحكم في الثقة بي استحكاما تقصر أيدي الأيّام عن صناعة مثلها، أولى. فإن كان يظنّ أنّ ما وسمت به من النسب المستعار، يحملني على الازورار، فإنّ الأمر بضدّه، إذ كان أصلي من البصرة، وانتقل سلفي عنها في فتنة الورزنينيّ (١) إلى بغداد. وكان جدّ أبي- وهو أبو الحسن علي بن محمد- يخلف على ديوان المغرب، فنسبت به إلى المغربيّ.
وولد له جدّي [٣٩٣ أ] الأدنى ببغداد في سوق العطش، ونشأ وتقلّد أعمالا كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر المملكة.
وكان خال أبي، وهو أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوراجيّ الذي مدحه المتنبيّ (٢)، متحقّقا بصحبة أبي بكر محمد بن رائق. فلمّا لحق أبا بكر ما لحقه بالموصل سار جدّي وخال أبي إلى الشام والتقيا بالإخشيد. وأقام [٤٦١ أ] والذي وعمّي رحمهما الله بمدينة السلام، وهما حدثان، إلى أن توطّدت أقدام شيوخهما بتلك البلاد. وأنفذ الإخشيد غلامه فاتك المجنون (٣)، الممدوح المشهور، فحملهما ومن يليهما إلى الرحبة وسار بهما على طريق الشام إلى مصر. وأقامت الجماعة هناك إلى أن تجدّدت قوّة للمستولي على مصر، فانتقلوا بكلّيّتهم وحصلوا في حيز سيف الدولة أبي الحسن [علي] بن حمدان مدّة حياته. واستولى
جدّي على أمره استيلاء تشهد به مدائح لأبي نصر ابن نباته فيه. ثمّ غلب أبي من بعده على أمره وأمر ولده، وتدلّ على ذلك مدائح أبي العبّاس النامي فيه. ثمّ شجر بينهما ما يتّفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا (٤) ففارقه من الرحبة وانحدر إلى الأنبار قاصدا مدينة السلام. فلمّا حصل بالأنبار وجد العراق مضطربا وبهاء الدولة ﵀ في أوّل أمره غالبا. وخوّف من المقام فركب مغرّرا بنفسه قاصدا إلى الشام ليتمكّن من تعرّف أخبارنا وافتكاك إسارنا، فإنّا كنّا بحلب معوّقين من بعده.
فلقي بمصر الحظوة التي عرفت- وليتها ما اتّفقت! - فإنّ ختامها كان سمّا ذعافا وعقباها كانت بوارا واجتياحا. وانتقلت في إثره، وكانت والدتي من أهل العراق، ولنا أملاك إلى اليوم بالنعمانيّة موروثة. فكنّا بمصر زوّارا، وبالعراق لمّا انتقلنا إليها قاطنين وألّافا. فهذا أوّلا حديث الأصل الذي وقع الاشتباه به وتمّ التمويه فيه.
ثمّ أرجع إلى ذكر الدين: فإنّي نشأت وغذّيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ومنافثة الفقهاء ومجالسة العلماء. وو الله ما رأيت بتلك البلاد مأدبة ولاوليمة، ولا كنت متشاغلا إلّا بعلم أو درس، ولقد سلم لي من جزازات (٥) كتبي ما هو اليوم دالّ على تشاغلي بالدين القيّم، واستمراري على النهج الأسلم. فإنّه ليس كتاب من كتب السنّة إلّا وقد أحطت به رواية، ورمته دراية، وههنا اليوم نسختان من موطّإ مالك بسماعي من جهتين
стр. 1237
وعليهما خطوط الشيوخ، والصحيحان لمسلم والبخاريّ، وجامع سفيان، ومسانيد عدّة عن التابعين، ولي- وأحمد الله- إملاءات عدّة في تفسير القرآن وتأويله وتخريجات من الصحاح المذكورة. وسمعت كتابي المزنيّ عن الطحاويّ عن المزنيّ (١). وأمّا الأحاديث المنشورة [٤٦١ ب] التي كنت أباكر بكور الغراب لاستماعها، وأطّرح رتبة الدنيا في مزاحمة أشياعها، فأكثر من أن تحصى. وكيف يظنّ بمثلي ممّن ظهر تماسكه إن كان لم يظهر باطنه، تعلّق بالهباء المنثور، وتمسّك بالضلال والزور؟ أعوذ بالله! .
ثمّ من بعد: فممّا يكثر تعجّبي منه أن تستمرّ هذه الشبهة فيعتقد أنّ أهل مصر كلّهم على المذهب الذي لا يرتضى. فإنّ السنّة المصمتة (٢) غالبة على أهل مصر حتى لا أعرف واحدا فردا يشذّ عنها، بل ربّما تعلّق بعضهم بمحبّة أهل البيت ﵈، وانفرد بها انفرادا يخصّ به المحقّين منهم ويعدل فيه عن غيرهم، حتّى إنّه ليس هناك أحد يتشبّت بذلك المذهب إلّا حشو من العوامّ غرضهم الانتصار به من الذلّة والتشرّز (٣) على نظرائهم من السوقة.
ثمّ إذا نظر إلى ما منيت به في تلك البلاد من ذهاب السطوة الجائدة بدوح لي وأغصان، وشيوخ وشبّان، علم أنّ قلبي لو كان صافيا (٤) لتكدّر تكدّرا لا يرجى بقاؤه أبدا. ومن المعلوم أنّي لو أنست بتلك البلاد لكان لي إليها بعد ذهاب الشخص الأوّل طريق لحب (٥)، ومذهب سهل. إلّا أنّني علم الله، نافر منها ومن مالكها نفورا قد صار صبغة لا حيلة في زوالها، ولا طريق إلى انتقالها، لأنّها ليست لي وطنا ولا «أوّل أرض مسّ جلدي ترابها» (٦) فأتأسّف عليها. والعجب أنّي كنت في الظواهر لا في البطاح، بأكناف ذلك السرير المقدّس النبويّ، لا بمرأى أيّ منه ومسمع، وحولي من أعصي به وأطيع، وأنفع وأضرّ، من أمراء العرب حرسهم [٣٩٣ ب] الله في طوائف كثيرة من العجم، فما حلت قطّ عن التمسّك بالولاء والتقرّب، فكيف الآن، لمّا صرت متقلّدا خدمة هذه السدّة، زاد الله في بهاء سلطانها، ومتطوّقا أمانته في تشييد عزّها، ومتّخذا هذه القصور البيض معقلا لي ولولدي، أعدل عن ذلك؟ إنّ هذا لمن العجائب كما قدّمت ذكره. ومن السياسة العلويّة الآن أن يكشف كلّ ما رقّي حتى يبلغ إلى آخره ليعرف حقّه من باطله، وصدقه من ماحله.
فقد أحدث للقلب الأشرف انزعاجا، وللسرير الأعظم ارتجاجا، وابتذلت الألسن من الذكر ما كان يجب أن يكون مصونا عنها، وكنت أنا خاصّا جاريا بشوط الجموح في الخدمة. ثمّ قد يعلم الله، لئن نشأ لي طروق هذه التهمة العائرة، أحلّ الله السوء الممحق من كان سببها.
стр. 1238
[٤٦٢ أ] وكتبت هذه السطور كما ينفث المصدور، والله حسبي ونعم النصير.
فلم يلتفت إلى قوله، وعزل في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وأربعمائة بأبي طاهر المحسّن بن طاهر الشيرازيّ. وكانت وزارته عشرة أشهر وخمسة أيّام.
[خروجه من جديد إلى قرواش ثمّ إلى ابن مروان]
واتّفق أنّه في مدّة وزارته أوحش الأثير أبا المسك عنبر من الوافي أبي مقاتل أرسلان الطويل، فأغراه به حتى قبض عليه وقتله. وجرى في أثناء ذلك أمور دعت مشرّف الدولة أبا عليّ، والأثير أبا المسك عنبر إلى مفارقة بغداد والخروج عنها إلى أوانا كما هو مذكور في أخبار بغداد (١).
فتأكّدت الوحشة بين أبي القاسم ابن المغربيّ وبين الأتراك، فخاف، وكان قد خرج مع مشرّف الدولة. ففارقه وقصد معتمد الدّولة أبا المنيع قرواش فجرى على عادته، وأثار ما جدّد سوء رأي القادر بالله فيه لما حدث بين الزكيّ أبي عليّ بن عمر بن [ ... ] الحسن، وأبي الحسن علي بن أبي طالب، وبين أبي المختار بن عبيد الله والهاشميّين بالكوفة، من الفتنة التي ذهبت فيها النفوس والأموال، [و] ما جمعت فيه الجموع وعقدت به المحاضر المشتملة على ذمّه والوقيعة فيه.
فأوجب ذلك له قصد نصير الدولة أبي نصر بن مروان، والبعد إلى بلاده. فأقام عنده على حكم الضيافة مدّة أكرمه فيها نصير الدولة غاية الإكرام، وأقطعه ضياعا جليلة تقوم به وبمن وصل معه من حاشيته وأتباعه.
ولم يزل عنده إلى أن كوتب من بغداد بالعود إليها. فاستأذن نصير الدولة في ذلك فلم يمكنه مخالفته. وكان له وزير يعرف بأبي الحسن محمد بن القاسم بن صقلاب من أهل الموصل.
فقال له: إنّ هذا رجل عظيم له سياسة وتدبير، وعظم حيلة. وقد بلغك ما فعله من الأمور العظام، وأنّه دوّخ الممالك وقلب الدول. وقد خبر حال هذه البلاد وطال مقامه فيها وعرف غوامض أسرارها. وإنّك لا تأمن من مكره، فاحتل عليه ودبّر لنفسك.
[دسيسة من ابن صقلاب لقتله]
فمال إلى قول وزيره، ودسّ على أبي القاسم ابن المغربيّ سمّا في شرابه، وكان مبرزا بأخبيته وفساطيطه بظاهر ميافارقين فلمّا أحسّ بالموت، كتب كتابا إلى كلّ من يصل إليه من الأمراء والرؤساء الذين فيما بين ديار بكر والكوفة، يعرّفهم فيه أنّ حظيّة له توفّيت وأنّ تابوتها يجتاز بهم [٤٦٢ ب] إلى مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وخاطبهم في المراعاة لمن يصحبه. وقصد بهذا أن لا يتعرّض أحد لتابوته وأن ينطوي خبر موته، خوفا ممّا أثّره في أهل الكوفة من الآثار السيّئة. ثمّ تقدّم بردّه إلى المدينة، فحمل إلى ميافارقين، ومات بها في ثالث عشر شهر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة- وقيل غير ذلك، وليس بصحيح- فحملت جثّته من ميّافارقين إلى الكوفة، وبينهما مسيرة نحو شهر، فدفن بتربة كانت له بجوار قبر علي بن أبي طالب ﵁.
ويقال إنّه غيّر مولده وأنكر أن يكون ولد بمصر. وقد رئي مولده الذي تقدّم ذكره بخطّ أبيه.
وقال الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسّن بن
стр. 1239
إبراهيم الصابيّ في كتاب الوزراء إنّ مولده بمصر (١)، كما تقدّم.
[صفاته وشيء من شعره]
وكان أبو القاسم أسمر شديد السمرة سناطا (٢) يرمى بحبّ الشباب، من الدهاة العارفين، لولا هوج فيه. ذكره مؤدّبه أبو الحسن علي بن القارح فقال: كان جنونه مجنونا، وأصحّ منه مجنون، وأجنّ [٣٩٤ أ] منه لا يكون. و [قد] أنشد [الطويل]:
جنونك مجنون، ولست بواحد ... طبيبا يداوي من جنون جنون (٣)
وله فيه هجو كثير.
وله ديوان شعر. ومن شعره قوله [الخفيف]:
كنت في سفرة الغواية والجه ... ل زمانا، فحان منّي القدوم
تبت من كلّ مأثم فعسى يم ... حى بهذا الحديث ذاك القديم
ابن خمس وأربعين، لقد ما ... طلت، لولا أنّ الغريم كريم (٤)
وقوله، وقد لجأ إلى مشهد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉ [الطويل]:
تحصّنت من كيد العدوّ وأيده ... بمنجية من حبّ آل محمّد
ودون يد الجبّار من أن تنالني ... جواشن أمن صغتها بالتهجّد
ألحّ على مولى كريم، كأنّما ... يباكر منّي بالغريم اليلندد
أيسلمني من بعد أن أنا جاره ... وقد علقت إحدى حبائله يدي؟ (٥)
وقال [الطويل]:
أقول لها والعيس تحدج للسرى ... أعدّي لفقدي ما استطعت من الصبر (٦)
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أنّ لياليا ... تمرّ بلا نفع، وتحسب من عمري
وقال [الطويل]:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكّرت ... مراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
فماء بلا مرعى، ومرعى بغير ما ... وحيث ترى ماء ومرعى فمسبع
وقال في غلام مليح قد حلق شعره [الخفيف]:
حلقوا شعره ليكسوه قبحا ... غيرة منهم عليه وشحّا
كان قبل الحلاق ليلا وصبحا ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا
[أنموذج من تزلّفه للخليفة الشيعيّ]
[٤٦٣ أ] وخطب في يوم الأربعاء الثالث من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بين يدي الحاكم بأمر الله خطبة قال في آخرها: وإنّي والله لأصدق الناس قولا حيث أقول فيك يا أمير المؤمنين [الخفيف]:
أنت أعطيتني كتابا إلى رض ... وان حتّى أجزى بخير الجزاء
стр. 1240
وسقتني يداك من علل الكو ... ثر سقيا شفت غليل ظماء
أتمنّى لو راسلتك الأعادي ... ببليغ يوفي على البلغاء
في فنون الأقوال هزلا وجدّا ... وارتجالا للخطبة الغرّاء
٥ لترى موقعي هناك، وسهل ... دون شأوي وواصل بن عطاء (١)
كيف لي لو قد احتضرت عكاظ ... يّا وغبّرت أوجه البلغاء؟
وحسب مؤمن أنت بعد الله، لدينه ودنياه، ونعم الوكيل.
ومن شعره [الطويل]:
فيا دمع قل لي كيف حالك غدوة ... إذا بان جيران وخفّ قطين
وقد وعدونا بالإياب وما دروا ... بأنّ النوى مثل الحديث شجون
ولمّا كان مختفيا بالقاهرة، والحاكم بأمر الله يطلب دمه، بلغه عن صبيّ أمرد أنّه انتهى الحسن إليه في [٣٩٤ ب] زمانه، فاشتهى أن يراه. وخبّر أنّه يعوم بالخليج، فخرج وغرّر بنفسه حتّى نظر إليه وقال فيه [الكامل]:
علّمت منطق حاجبيه ... والبين ينشر رايتيه
وعرفت آثار النّعي ... م بقبلة في عارضيه
ها قد رضيت من الحيا ... ة بأسرها نظري إليه
ولقد أراه في الخلي ... ح، يشقّه من جانبيه
٥ والموج مثل السيف وهـ ... وفرنده في صفحتيه
لا تشربوا من مائه ... أبدا ولا تردوا عليه
قد ذاب منه السحر في ... حركاته من وجنتيه
فكأنّه في الموج قل ... بي بين أشواقي إليه (٢)
[حكم ابن القارح معلّمه عليه]
[٤٦٣ ب] وقد ذكره أبو الحسن علي بن منصور ابن طالب، المعروف بابن القارح وب «دوخلة» الحلبيّ في رسالته إلى أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ، ومنها نقلت، فقال: ثمّ سافرت إلى مصر ولقيت أبا الحسن المغربيّ، فألزمني أن لزمته (٣) لزوم الظلّ، وكنت منه مكان المثل في كثرة الإنصاف، والحنوّ والالتحاف (٤). فقال لي سرّا:
أنا أخاف همّة أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه. فإن كانت الأنفاس ممّا يحفظ ويكتب، فاكتبها واحفظها وطالعني بها.
فقال لي يوما: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه!
فقلت له: وأيّ خمول هنا؟ تأخذون من مولانا- خلّد الله ملكه- في كلّ سنة ستّة آلاف دينار.
وأبوك من شيوخ الدولة، وهو معظّم مكرّم.
стр. 1241
فقال: أريد أن يصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب! ولا أرضى بأن يجري علينا كالولدان والنسوان.
فأعدت ذلك [على] أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه- وقبض على لحيته وهامته (١). وعلم بذلك أبو القاسم فصارت بينه وبينه وقفة.
ثمّ ذكر دوخلة خروجه من مصر إلى أن قال:
ورد عليّ كتاب أبي القاسم فسرت إلى ميّافارقين، فكان يسرّ حسوا في ارتغاء. قال لي يوما: لي أيّام ما رأيتك؟
قلت: أعرضت حاجة؟
قال: لا. أردت أن ألعنك.
قلت: فالعنّي غائبا.
قال: لا. في وجهك أشفى.
قلت: ولم؟
قال: لمخالفتك إيّاي فيما تعلم.
وقلت له، ونحن على أنس بيني وبينه: لي حرمات ثلاث: البلديّة، وتربية أبيه [لي]، وتربيتي لإخوته.
قال: هذه حرم مهتكة: البلديّة نسب بين الجدران، وتربية أبي لك منّة لنا عليك، وتربيتك لإخوتي بالخلع والدنانير.
[و] أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت جنونه، لأنّه كان جنونه مجنونا، وأصحّ منه مجنون، وأجنّ منه لا يكون، و [قد] أنشد [الطويل]:
جنونك مجنون، ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون
بل جنّ جنانه، ورقص شيطانه [الطويل]:
به جنّة مجنونة، غير أنّها ... إذا حصّلت، منه ألبّ وأعقل
وقال لي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد، وليس يسنح لي ما أرضاه.
فقلت: أنا أفعل هذا الساعة.
قال: أنت جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب.
فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته [الطويل]:
[٤٦٤ أ] لقد أشبهتني شمعة في صبابتي ... وفي هول ما ألقى وما أتوقّع
نحول، وحرق في فناء ووحدة ... وتسهيد عين واصفرار وأدمع
فقال: كنت قد عملت هذا قبل هذا الوقت!
قلت: تمنعني سرعة الخاطر وتعطيني علم الغيب؟
وقلت [٣٩٥ أ]: أنت ذاكر قول أبيك لي ولك وللبتّيّ الشاعر ولمحسن الدمشقيّ، ونحن في الطارمة (٢): اعملوا قطعة قطعة فمن جوّد جلعت جائزته كتبها فيها- فقلت [الكامل]:
بلغ السماء سموّ بي ... ت شيد في أعلى مكان
بيت علا حتّى تغوّ ... ر في ذراه الفرقدان
стр. 1242
فانعم به، لا زلت من ... ريب الحوادث في أمان
فاستجاد سرعتها وخلع عليّ وكتبها في الطارمة.
[قال] وكان أبو القاسم ملولا، والملول ربّما ملّ الملالي (١)، وكان لا يملّ أن يملّ، ويحقد حقد من لا تلين كبده، ولا تنحلّ عقده. وقال لي بعض الرؤساء معاتبا: أنت حقود، ولم يكن حقودا.
فقلت له: أنت لا تعرفه. والله ما كان يحنى عوده ولا يرجى عوده. وله رأي يزيّن له العقوق، ويمقّت إليه رعاية الحقوق، بعيد من الطبع الذي هو للصدّ صدود، وللتأليف ألوف ودود، كأنّه من كبره قد ركب الفلك، واستوى على ذات الحبك (٢). ولست ممّن يرغب في راغب عن وصلته، أو ينزع إلى نازع عن خلّته، ويؤثّل حالا عند من يحبّ ثلّته (٣)، أو يقبل بوجهه على من لا يجعله قبلته. فلمّا رأيته سادرا جاريا في قلّة إنصافي على غلوائه، محوت ذكره عن صفحة فؤادي، واعتددت ودّه فيما سال به الوادي [الطويل]:
ففي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
وأنشدت الرجل أبياتا أعتذر بها في قطعي له [الطويل]:
فلو كان منه الخير إذ كان شرّه ... عتيدا، لقلنا: إنّ خيرا مع الشرّ
ولو كان، إذ لا خير، لا شرّ عنده ... صبرنا، وقلنا: لا يريش ولا يبري
ولكنّه شرّ ولا خير عنده ... وليس على شرّ إذا دام من صبر
وبغضي له- شهد الله- حيّا وميتا، أوجبه أخذه محاريب الكعبة الذهب [٤٦٤ ب] والفضّة، وضربها دنانير ودراهم- وسمّاها الكعبيّة- وأنهب العرب الرملة وخرّب بغداد. وكم دم سفك، وحريم انتهك، وحرّة أرمل، وصبيّ أيتم! .
قال كاتبه وجامعه (٤): قد صرّح- عفا الله عنه- أنّه عدوّ غضبان، وقلّ أن تكون مع هذين سلامة من عدوان. فلا تلتفت إلى تحامله في كلامه، وتعدّيه في عتبه وملامه، لا سيّما وهو مرميّ بالكذب والمين.
١٢٤٧ - ابن دوّاس الكتاميّ [- ٤١١] (٥)
[٤٦٥ أ] حسين بن عليّ بن دوّاس، الكتاميّ، يلقّب سيف الدين.
كان أحد شيوخ كتامة. فتنكّر له الحاكم بأمر الله أبو عليّ منصور ابن العزيز، وتحرّز منه ابن دوّاس وامتنع من دخول القصر أو لقاء الحاكم إلّا في الموكب وعلى ظهر الطريق. فإذا استدعاه تأخّر عنه واعتذر إذا لقيه. فلمّا طال ذلك أنكر عليه الحاكم تأخّره، فقال له: قد خدمتك يا مولاي
стр. 1243
وخدمت آباءك، ولي عليكم حقوق كبيرة مثلها ما رعي و [لا] روعي، وقد قام في نفسي أنّك تريد قتلي، فأنا مجتهد في دفعك بغاية ما يمكنني، وما بك حاجة إلى حضوري قصرك. فإن كان باطن رأيك مثل ظاهره فدعني على جملتي فإنّه لا ضرر عليك من تأخّري. وإن كنت تريد بي سوءا فلأن تقتلني في داري، وأنا بين أهلي وأولادي، أولى من أن تقتلني في قصرك وتطرحني للكلاب تأكل لحمي.
فضحك الحاكم وأمسك عنه. واتّفق أنّ الحاكم توحّش ما بينه وبين أخته السيّدة العزيزيّة سيّدة الملك (١). فراسلته حتّى اجتمعت به واتّفقا على قتل الحاكم، وإقامة ابنه في الخلافة موضعه، وأن يكون ابن [٣٩٥ ب] دوّاس صاحب الجيش وشيخ الدولة القائم بها. ووقّعت له بولاية السيارتين (٢) وهي حماية مصر، وبخمسين ألف دينار إقطاعا، وعشرة آلاف دينار صلة، وعشرة أفراس بمراكب ذهب، ومائة قطعة ثيابا فاخرة، وسيف محلّى بذهب مرصّع بجوهر. وأحضرها عبدين فندبتهما لقتل الحاكم فقتلاه كما قد ذكر في ترجمتها (٣)،
وأحضراه إليه فحمله إلى سيّدة الملك فكتمت أمره. وبعثت إلى ابن دوّاس ثيابا كثيرة وبدرتين عينا، وقادت إليه خمسة أفراس بمراكب الذهب.
ثمّ استدعته بعد فقد الحاكم بخمسة أيّام، وأمرته أن يركب في اليوم السابع من فقده ومعه كتامة إلى باب القصر. فركب في اليوم السابع ووقف بكتامة حتّى تعالى النهار. فاستدعته إلى مجلسها وقد أخرجت أبا الحسن علي ابن الحاكم وقالت له:
المعوّل في القيام بهذه الدولة عليك، وتدبيرها موكول إليك. وهذا الصبيّ ولده، وينبغي أن تنتهي في الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها كلّ ما عندك.
فقبّل الأرض وشكر ودعا ووعد بالإخلاص في الطاعة، وبلوغ ما في القدرة والاستطاعة. وخرج بالصبيّ إلى الناس وقد لقّب [٤٦٥ ب] «الظاهر لإعزاز دين الله». فكان أوّل من قبّل له الأرض ابن دوّاس، ومرّغ خدّيه على الأرض بين يديه. وفعل الناس كذلك بعده.
فزادت السيّدة ابن دوّاس في منزلته وجعلت مصادر التدبير على يده. فلمّا أحكمت ما أحكمته وأكّدت ما أكّدته، أحضرته وقالت له: قد علمت ما بيني وبينك من المواثيق والعهود. وأنا امرأة، وإنّما أريد الملك لهذا الصبيّ، وقد وفّق الله وأحسن المعونة، وأنت زعيم الدولة والمقدّم فيها. وقد رأيت أن أنجز وعدك وأردّ إليك أمر السيارتين مضافا إلى الشرطتين (٤)، وأجعل رأيك في الأموال والخزائن نافذا، ورأيك في التدبيرات معتمدا.
فقبّل الأرض. وشاع هذا الحديث، وركب
стр. 1244
الناس إليه، وكتب له العهد بولاية السيارتين في ثوب مصمّت، وعلّم عليه الظاهر. وجمع الناس لحضور الخلع وسماع العهد. وأحضر ابن دوّاس وبنو عمّه إلى القصر، فخرج معضاد الخادم وأجلسه في صفّة على باب الستر، ووجوه الدولة بين يديه. فلمّا تعالى النهار خرج نسيم الصقلبيّ صاحب الستر والسيف، ومعه مائة رجل من السعيديّة أصحاب الركاب، وقال لابن دوّاس:
مولانا يسلّم عليك ويقول: قد جعل هؤلاء القوم أصحاب السيوف برسمك.
فقبّل الأرض ووقف القوم قياما بين يديه. وعاد نسيم فقالت له السيّدة: اخرج وقف بين يدي ابن دوّاس وقل: يا عبيد مولانا، مولانا يقول لكم:
هذا قاتل مولانا الحاكم (١)، واعله بالسيف، ومر السعيديّة بأن يقتلوه! .
فخرج نسيم في عدّة من الصقالبة وفعل ما أمرته به وأخذ رأس ابن دوّاس ودخل به إلى السيّدة فوضعته بين يديها وأمرت بإخراج جثّته فرميت على باب القصر. ولم يعترض فيه معترض، وتفرّق الناس (٢).
١٢٤٨ - النجم الأسوانيّ [٦٤٦ - ٧٣٩] (٣)
[٤٩٧ أ] الحسين بن علي بن سيّد الأهل بن أبي الحسن بن قاسم بن عمّار، الأسديّ، نجم الدين،
الأسوانيّ، الأصفونيّ، المعروف بابن أبي شيخة، الفقيه الشافعيّ.
سمع من أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي، وأبي عبد الله محمد بن عبد القويّ، وأبي الحسين علي بن أحمد الغرّافي (٤)، والحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطيّ.
وحدّث بالقاهرة، وأخذ الفقه عن أبي الفضل جعفر التزمنتي وغيره. وبرع في الفقه ودرس بالملكيّة (٥) وأشغل الطلبة في غالب العلوم، وأفتى. وله تجرّد وسياحة.
وكان قويّ النفس حادّ الخلق مقداما في الكلام. وبيته معروف أهله بالعلم والصلاح.
توفّي في صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
وله أخبار، منها أنّه كان من جملة فقهاء المدرسة الشريفيّة (٦) فحضر درس قاضي القضاة ابن بنت الأعزّ فأنشد القوّال (٧) قصيدا في [٣٩٦ أ] مدح رسول الله ﷺ . فصرخ هو وحصلت له حالة.
فأنكر القاضي وقال: إيش هذا؟ .
فقام منزعجا وقال: هذا شيء ما تذوقه أنت- وترك الفقاهة. وكان يقرئ في كلّ شيء من أيّ كتاب كان، وانتفع به جماعة.
ورأيت بخطّ قاضي القضاة تاج الدين
стр. 1245
عبد الوهّاب ابن السبكيّ: وحكى لي من أثق به قال: سمعته يقول، وهو ثقة: أوّل صحبتي لأبي العبّاس الشاطر (١) خرجت معه من القاهرة إلى ناحية دمنهور. فلمّا طلعنا من المركب، وكان فيها تاجر له في المركب فراش ونطع، فطلعنا بحوائج الشيخ أبي العبّاس. فلمّا انتهيت قال: انزل [٤٩٧ ب] هات الفراش والنطع.- فنزلت، فقال لي صاحبهما: هما لي.
فعدت إليه فقال: عد إليه وقل له: هاتهما! .
فعدت فأعاد الجواب، فأعادني ثالثا فأبي.
فقال لي رابعا: عد إليه وقل له: غرق الساعة في البحر [لك] مركب، وكلّ ما لك فيها لم يسلم إلّا عبد ومعه ثمانية عشر دينارا.
وكان الأمر كذلك.
١٢٤٩ - الصفيّ ابن أبي المنصور [٥٩٥ - ٦٨٢] (٢)
[٤٩٨ أ] حسين بن علي بن ظافر، الشيخ صفيّ الدين، أبو عبد الله، ابن الوزير جمال الدين أبي الحسين، ابن جمال الدين أبي المنصور، الأزديّ، الأنصاريّ، الخزرجيّ، الحرّانيّ، المالكيّ، المعروف بابن أبي المنصور.
ولد في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخمسمائة بحرّان. وقدم دمشق وعمره خمس عشرة سنة بعد وزارة أبيه بحرّان للأشرف موسى،
وصحب بها الشيخ المؤلّة علي الكرديّ، وأبا القاسم [ ... ] الصقلّيّ، ونجم الدين [ ... ] ابن اللهيب.
وقدم مصر، وصحب أبا العبّاس أحمد بن أبي بكر التجيبيّ الحرّار (٣) في مدّة غيبة أبيه الوزير جمال الدين في رسالته عن الملك العادل الكبير إلى أبي عزيز بمكّة، وتجرّد وغيّر هيئته وترك لبس الثياب الجميلة وركوب البغلة الرائقة، وهجر أهله، ولزم الشيخ، إلى أن قدم أبوه وخرج الناس إلى لقائه. [ف] أشار إليه الشيخ أبو العبّاس أن يخرج إلى لقائه، فقال له: يا سيّدي، ما بقي لي والد غيرك، وأنا ما أركب لهم شيئا من دوابّهم ولا آكل معهم.
فقال: تخرج على كلّ حال.
[فخرج] على دويبة تحته خرج أعطاه إيّاه أبو (٤) العبّاس، فيه خبز وجبن وخيار، وسطل، وأهله يبكون على حاله، وكان لأبيه بغال على الربيع (٥) أخرجوها له مجنوبة.
(قال) فلمّا وصلنا إلى بركة الحجّاج، قعدت وحدي تحت السماء، وكان الصيف الشديد، إلى أن جاء، فلقيته وحدي فلم يعرفني، هو ولا من حوله. وكان حوله عسكر وأجناد ومماليك وخدّام، إلى أن رآني [ف] قال: حسين؟
قلت: حسين.
ثمّ وقف واصفرّ وجهه وبهت. ثمّ مشى؛ وبقوا متعجّبين. وإذا بأهلي وإخوتي، وكلّ من خرج وصلوا واجتمعوا وأنا [ب] ناحية وحدي. فلمّا نزل
стр. 1246
البركة قدّمت التقادم وجمع على سماطه كلّ من جاء، إلّا أنا لم أحضر، وبقيت في جهة أبكي بكاء أسير قد أخذ من أهله وحيل بينه وبين من يحبّه، [ف] ما بكيت عمري ألذّ من ذلك البكاء.
ثمّ إنّ أباه هدّده بالقيد والحبس إن لم يعد لما كان عليه. فأخبر أبا العبّاس بذلك، فقال: رح لأبيك ولا ترجع تأتي إليّ.
فبكى زمانا ومضى إلى دار أبيه وحبس نفسه في خزانة، وآلى ألّا يأكل ولا يشرب ولا يخرج ولا ينام، أو يعود إلى الشيخ أبي العبّاس. فمكث كذلك ثلاثا، وقد بلغ أباه خبره، فأذن له أن يعود إلى الشيخ، فلم يفعل حتى خرج به ماشيا إلى مسجد الشيخ، وقبّل يده وقال له: يا سيّدي، هذا ولدك، تصرّف فيه كيف شئت، وأودّ لو كنت مكانه.
فقال له: أرجو أن ينفعك الله به.
فأقام عند الشيخ شهرا، يحمل على كتفه كلّ يوم جرّتين [٤٩٨ ب] ماء من بولاق إلى زاوية الشيخ حافيا. وإذا سمع أبوه ذلك يقول: ببركة الله تعالى.
فلمّا مات أبوه، زوّجه أبو العبّاس بابنته، وكانت من الأولياء، لها مكاشفات. فولدت له أولادا وماتت، وهي تقول: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (الفجر: ٢٧، ٢٨). ثمّ مات بعدها أبوها. وأقام الصفيّ خليفته من بعده.
وقال له مرّة: أنت وارثي، وكلّ ما نلته من الحقّ، لا بدّ لك أن تبلغه. وكان ولده طفلا صغيرا يمشي بين يديه. فقال [٣٩٦ ب] لابن أبي المنصور، كما أنّ هذا ولدي من الظاهر، أنت ولدي في الباطن.
وقال: أشهدت عالم النسب، وكان ظهوره لي صورا لطيفة نورانيّة ظهرت لي دفعة واحدة مثل ظهور الشرار إذا خرج من الكور بنفخ النافخ.
فكانت كلّ صورة نورانيّتها في ظهورها، كمثل الشرارة الناريّة في ظهورها، فحننت إلى واحدة منها وحنّت إليّ، وهو الصفيّ.
وتوفّي الصفيّ بالقرافة في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وستّمائة، ودفن برباطه.
وكانت له جماعات يعتقدون بركته ويذكرون له كرامات. وكان يشارك في الفقه. وله كتاب «الرسالة» يتضمّن ذكر جماعة ممّن أدركهم من أهل طريق الله، وفيه فوائد كثيرة، وكتاب «المفاوضات العرفانيّة مع الصورة المسمّاة بالشيطانيّة»، وكتاب «العطايا الوهبيّة في المواهب القطبيّة».
١٢٥٠ - الحسين بن علي السبط [٤ - ٦١] (١)
[٤٩٩ أ] الحسين بن علي بن أبي طالب- واسم أبي طالب عبد مناف، وقيل: اسمه كتينة! - بن عبد المطّلب- ويقال له: شيبة الحمد- بن هاشم- واسمه عمرو- بن عبد مناف- واسمه المغيرة- بن قصيّ- واسمه زيد- بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن
стр. 1247
نزار بن معدّ بن عدنان، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن ابن أبي طالب، الهاشميّ، القرشيّ، سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، [هو] وأخو [هـ] السيّد الحسن سيّدا شباب أهل الجنّة.
[ولادته]
أمّه أمّ أبيها فاطمة سيّدة نساء العالمين، ابنة سيّد المرسلين محمد ﷺ . علقت به لخمس ليال خلون من ذي القعدة سنة ثلاث من الهجرة، فكان بين ذلك وبين ولادة الحسن خمسون ليلة. وولد الحسين لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة بالمدينة النبويّة. وقال الواقديّ: ولد سنة ثلاث. وعن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه قال: لم يكن بين الحسن والحسين إلّا طهر واحد.
وعن قتادة: ولد الحسين بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر لخمس سنين وستّة أشهر من التأريخ. وعقّ عنه رسول الله ﷺ كما عقّ عن أخيه يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدّق بزنته (١) فضة.
وخرّج قاسم بن أصبغ من حديث هاني بن هاني عن علي بن أبي طالب ﵁، قال:
لمّا ولد الحسن، جاء رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني! ما سمّيتموه؟
قلت: سمّيته حربا.
قال: بل هو حسن.
فلمّا ولد الحسين، قال: أروني ابني، ما سمّيتموه؟
قلت: حربا.
قال: بل هو حسين.
وعن علي ﵁، قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس. والحسين أشبه الناس بالنبيّ ﷺ ما كان أسفل من ذلك (٢).
[٣٩٧ ب] ونشأ [الحسين] بالمدينة. ومات رسول الله ﷺ وله من العمر ستّ سنين وسبعة أشهر وأيّام. وكان فاضلا ديّنا كثير الصوم والصلاة والحجّ. قال مصعب الزبيريّ: حجّ الحسين خمسا وعشرين حجّة ماشيا، وجنائبه تقاد. وشهد مع أبيه علي بن أبي طالب صفّين، وكان أميرا على القلب يومئذ، وهم همدان وغزا القسطنطينيّة في الجيش الذي كان يزيد بن معاوية أميره.
وكان أسود الرأس واللحية، إلّا شعرات في مقدّم لحيته. وكانت فيه غنّة وكان إذا قرأ القرآن تسيل الدموع على خدّيه.
[محبّة الرسول ﷺ له]
وذكر أسد عن حاتم بن إسماعيل عن معاوية بن أبي مزرّد عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول:
أبصرت عيناي [٤٩٩ ب]، وسمعت أذناي، رسول الله ﷺ وهو آخذ بكفّي حسين وقدماه على قدم رسول الله ﷺ وهو يقول: ترقّ عين بقّه! (قال) وقام الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله ﷺ . ثمّ قال رسول الله ﷺ : افتح فاك! - ثمّ قبّله ثمّ قال: اللهمّ أحبّه فإنّي أحبّه.
وخرّج الحاكم في المستدرك من حديث سعيد ابن أبي راشد عن يعلى [بن مرّة] العامريّ أنّه خرج
стр. 1248
مع رسول الله ﷺ إلى طعام دعوا له، فاستنتل (١) رسول الله ﷺ أمام القوم، وحسين مع غلمان يلعب. فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه، فطفق الصبيّ يفرّ ههنا مرّة وههنا مرّة. فجعل رسول الله ﷺ يضاحكه حتّى أخذه. (قال) فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبّله، وقال: حسين منّي، وأنا من حسين. أحبّ الله من أحبّ حسينا. حسين سبط من الأسباط. (٢)
قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإسناد.
وخرّج من حديث سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: أوحى الله إلى محمد ﷺ : إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وإنّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. (قال) هذا حديث صحيح الإسناد.
وخرّج من حديث الأوزاعيّ عن أبي عمّار شدّاد بن عبد الله عن أمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنّي رأيت حلما منكرا الليلة.
قال: وما هو؟
قالت: إنّه لشديد.
قال: وما هو؟
قالت: رأيت كأنّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري.
فقال رسول الله ﷺ : رأيت خيرا: تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك.
[التنبّؤ بمقتله]
فولدت فاطمة الحسين، وكان في حجري كما قال رسول الله ﷺ . فدخلت يوما إلى رسول الله ﷺ فوضعته فيحجره. ثمّ حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله ﷺ تهريقان الدموع.
فقلت: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمّي، ما لك؟
قال: أتاني جبريل ﵇، فأخبرني أنّ أمّتي ستقتل ابني هذا.
فقلت: هذا؟
قال: نعم. وأتاني بتربة من تربته حمراء.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وعن ابن عبّاس: ما كنّا نشكّ، وأهل البيت متوافرون، أنّ الحسين بن علي يقتل بالطفّ.
وعن عبيد الله بن [٤٩٩ ب] أبي رافع عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة ﵍. (قال الحاكم):
هذا حديث صحيح الإسناد.
وصحّ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.
وقال عبد الرحمن بن أبي نعيم (٣): سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد [الليثيّ] عن أبيه قال:
خرج علينا رسول الله ﷺ وهو حامل حسنا أو حسينا. فتقدّم في إحدى صلاتي العشاء فوضعه.
стр. 1249
ثمّ كبّر للصلاة فصلّى فسجد [٣٩٨ أ] بين ظهري صلاته سجدة أطالها. (قال أبي) فرفعت رأسي، فإذا الصبيّ على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد.
فرجعت (١) في سجودي. فلمّا قضى رسول الله ﷺ صلاته قال الناس: يا رسول الله، إنّك سجدت بين ظهري الصلاة سجدة أطلتها حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر أو أنّه يوحى إليك؟
قال: كلّ ذلك لم يكن، ولكنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته.
أخرجه النسائي، وإسناده قويّ.
وقال حسين بن واقد عن أبي بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران. فنزل من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه. ثمّ قال: صدق الله ورسوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (التغابن: ١٥). نظرت إلى هذين [الصبيّين] يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
أخرجه أبو داود والترمذي والنسائيّ.
وقال أبو داود الطيالسيّ: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي فاختة عن عليّ أنّ رسول الله ﷺ قال لابنته: إنّي وإيّاك وهذين وهذا- يعني ولديها وعليّا- يوم القيامة في مكان واحد.
وروى الزبير بن بكّار عن زينب بنت أبي رافع
[عن أبيها] قال: أتت فاطمة بنت النبيّ ﷺ بابنيها إلى رسول الله ﷺ في شكوه الذي توفّاه الله فيه، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك، فورّثهما شيئا.
قال: أمّا حسن، فإنّ له هيبتي وسؤددي. وأمّا حسين فإنّ له جرأتي وجودي.
[مكانته بالمدينة]
وقال حمّاد بن زيد: حدّثنا يحيى بن سعيد عن عبيد بن حسين [قال]: حدّثني الحسين بن عليّ قال: أتيت عمر بن الخطّاب وهو على منبر، فصعدت إليه فقلت: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك.
فقال عمر: لم يكن لأبي منبر- وأخذني وأجلسني معه. فجعلت أقلّب الحصى بيدي. فلمّا نزل [٥٠٠ ب] انطلق بي إلى منزله، فقال لي: من علّمك [هذا] (٢)؟
قلت: والله ما علّمنيه أحد.
فقال: يا بنيّ، لو جعلت تغشانا؟
(قال): فأتيته يوما وهو خال بمعاوية، وابن عمر بالباب. فرجع ابن عمر ورجعت معه. فلقيني بعد ذلك فقال: لم أرك؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، جئت، وأنت خال بمعاوية، وابن عمر بالباب، فرجع ابن عمر فرجعت معه.
فقال: أنت أحقّ بالإذن من ابن عمر، وإنّما أثبت ما ترى في رءوسنا الله ثمّ أنتم (٣).
стр. 1250
رواه أبو الربيع الزهرانيّ، وجماعة عنه، وهو صحيح.
وقال جعفر بن محمد الصادق عن أبيه إنّ عمر بن الخطّاب ﵁، جعل عطاء حسن وحسين مثل أبيهما.
وقال جويرية بن أسماء عن مشافع [بن شيبة]:
حجّ معاوية بن أبي سفيان، فلمّا كان عند الردم، أخذ حسين بخطامه فأناخ به، ثمّ سارّه طويلا وانصرف. فقال [عمرو] بن عثمان لمعاوية: ينيخ بك حسين وتكفّ عنه؟ .
فقال: دعني من قولك. فو الله ما فارقني حتّى خفت أن يقتلني، ولو قتلني، ما أفلحتم، وإنّ لكم من بني هاشم يوما.
وعن أبي إدريس عن علي بن أبي طالب ﵁، أنّه قال: ألا أحدّثكم عن خاصّة نفسي وأهل بيتي؟
قلنا: بلى.
قال: أمّا حسن، فصاحب جفنة وخوان، فتى من فتيان قريش، ولو التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب. وأمّا عبد الله بن جعفر فصاحب لهو وباطل. ولا يغرّنّكم ابنا عبّاس.
وأمّا أنا وحسين، فإنّا منكم وأنتم منّا.
وكان الحسن يقول للحسين: وددت لو أنّ لي بعض شدّة قلبك.
فيقول الحسين: وأنا، وددت لو أنّ لي بعض بسطة لسانك.
وبينا عمرو بن العاص جالس في ظلّ الكعبة إذ رأى الحسين، فقال: هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم.
وقد روى الحسين عن جدّه رسول الله ﷺ .
وروى عن أبيه علي بن أبي طالب، وأمّه فاطمة الزهراء، وعن عمر بن الخطّاب وهند بن أبي هالة.
وروى عنه علي زين العابدين، وابنتاه سكينة وفاطمة، وعكرمة، وأبو هريرة، وزيد بن الحسين بن عليّ، وكرز التيميّ، والفرزدق، وجماعة.
[امتناعه من مبايعة يزيد]
ولمّا بايع الناس يزيد بن معاوية في حياة معاوية، كان الحسين ممّن لم يبايع له. وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، فيأبى. وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية: إنّي لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظنّ [٣٩٨ ب] يومكم من حسين طويلا.
فكتب معاوية إلى الحسين: إنّ من أعطى الله صفقة [٥٠١ أ] (١) يمينه وعهده لجدير بالوفاء. وقد أنبئت أنّ قوما من أهل الكوفة دعوك إلى الشقاق. وأهل
стр. 1251
العراق من قد خبرت: قد أفسدوا على أبيك وأخيك.
فاتّق الله واذكر الميثاق، فإنّه متى تكدني أكدك.
فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك، وأنا بغير الذي بلغك عنّي جدير، والحسنات لا يهدي لها إلّا الله. وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا.
وما أظنّ [لي] عند الله عذرا في ترك جهادك. وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر [هذه] الأمّة.
فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلّا أسدا.
وكتب معاوية إليه أيضا: إنّي لأظنّ أنّ في رأسك نزوة، فوددت أنّي أدركها فأغفر لك.
ولمّا احتضر معاوية دعا ابنه يزيد فأوصاه وقال له: انظر حسين بن عليّ، ابن فاطمة بنت رسول الله، فإنّه أحبّ الناس إلى الناس. فصل رحمه وارفق به يصلح لك أمره. فإن يك منه شيء فإنّي أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه.
وتوفّي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستّين، وبايع الناس ليزيد بن معاوية. فكتب [يزيد] مع عبد الله بن عمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة أن ادع الناس فبايعهم فابدأ بوجوه قريش، وليكن أوّل من تبدأ به الحسين بن عليّ.
فإنّ أمير المؤمنين ﵀ عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه.
فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما إلى البيعة ليزيد. فقالا: نصبح وننظر ما يصنع الناس.
ووثب الحسين فخرج، وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي نعرف. والله ما حدث له حزم ولا مروءة.
وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها عن رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلّا أسدا! .
فقال له مروان: اقتله!
قال: إنّ ذاك لدم مضنون في بني عبد مناف.
[تحذير الصحابة له والتابعين من الشّقاق]
وخرج الحسين وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكّة. فأخبر عبد الله بن عمر بن الخطّاب أنّ الحسين قد توجّه إلى العراق. فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، فقال: أين تريد؟
قال: العراق.
فقال: لا تأتهم!
فقال: هذه كتبهم وبيعتهم.
فقال: إنّ الله خيّر نبيّه بين الدنيا وبين الآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا. وإنّك بضعة من رسول الله ﷺ . والله لا يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلّا للّذي هو خير لكم، فارجعوا! .
فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم.
فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل.
وسار [ا] إلى مكّة، فقدماها، فنزل الحسين دار العبّاس بن عبد المطّلب ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المغافر (١) وجعل يحرّض الناس على بني أميّة، ويشير على الحسين أن يقدم العراق. وكان عبد الله بن عبّاس ينهاه عن ذلك، وكذلك عبد الله بن مطيع، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو واقد الليثيّ، وجابر بن
стр. 1252
عبد الله. وكره سعيد بن المسيّب خروجه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والمسوّر بن مخرمة. وكتب إليه [المسوّر]: إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق! .
وكذلك كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تنهاه عن العراق وتقول: أشهد، لحدّثتني عائشة أنّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: يقتل حسين بأرض بابل.
فلمّا قرأ كتابها قال: لا بدّ لي إذن من مصرعي! - ومضى.
وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: لقد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك. وأنت تريد أن تسير إليهم، وهم عبيد الدنيا. فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحبّ إليه ممّن ينصره. فاذكر الله في نفسك! .
فقال: جزاك الله يا ابن عمّ خيرا، فقد اجتهدت رأيك. ومهما يقض الله من أمر يكن.
فقال أبو بكر: إنّا لله! عند الله نحتسب أبا عبد الله! .
وكتب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب إليه كتابا يحذّره أهل الكوفة ويناشده الله أن [لا] يشخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إنّي رأيت رؤيا، ورأيت فيها النبيّ ﷺ وأمرني بأمر أنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا حتّى ألاقي عملي.
وكتب [٣٩٩ أ] إليه عمرو بن سعيد بن العاص:
إنّي أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك. بلغني أنّك اعتزمت على الشخوص إلى العراق. فإنّي أعيذك بالله من الشقاق، فإن كنت خائفا، فأقبل إليّ، فلك عندي الأمان والبرّ والصلة.
فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت بكتابك إليّ برّي وصلتي، فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة. وإنّه لم يشاقق مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فصلت: ٣٣)، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده.
وكتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عبّاس يخبره بخروج حسين إلى مكّة، [ويقول]: وأحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة.
وعندك منهم خبرة وتجربة. فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة. وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي إلى العراق- وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكّة والمدينة من قريش [البسيط] (١):
يا أيّها الراكب الغادي لطيّته ... على عذافرة في سيرها قحم
أبلغ قريشا على نأي المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرّحم
وموقف بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما توفي به الذمم
عنيتم قومكم فخرا بأمّكم ... أمّ لعمري عفّة كرم
٥ هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت الرسول، وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل، وغيركم ... من قومكم لهم في فضلها قسم
إنّي لأعلم أو ظنّا كعالمه ... والظنّ يصدق أحيانا فينتظم
أن سوف يترككم ما تدّعون بها ... قتلى، تهاداكم العقبان والرّخم
يا قومنا لا تشبّوا الحرب إذ سكنت ... ومسّكوا بحبال السّلم واعتصموا
стр. 1253
١٠ قد غرّت الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون، وقد بادت بها الأمم
فانصرفوا قومكم لا تهلكوا بذخا ... فربّ ذي بذخ زلّت به القدم
فكتب إليه ابن عبّاس: إنّي لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه. ولست أدع النصيحة له في كلّ ما يجمع الله به الألفة ويطفئ به النائرة.
ودخل عبد الله بن عبّاس على الحسين فكلّمه ليلا طويلا، وقال: أنشدك الله أن تهلك غدا بحال مضيعة. لا تأت العراق! وإن كنت لا بدّ فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثمّ ترى رأيك- وذلك في عشر ذي الحجّة سنة ستّين.
[اعتزامه الخروج إلى العراق]
فأبى الحسين إلّا أن يمضي إلى العراق. فقال له ابن عبّاس: والله إنّي لأظنّك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته. والله إنّي لأخاف أن تكون الذي يقاد به عثمان، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون! .
فقال: يا أبا العبّاس، إنّك شيخ قد كبرت.
فقال ابن عبّاس: لولا أن يزري ذلك بي وبك، لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنّا إذا تناصينا أقمت، لفعلت، ولكن لا إخال ذلك نافعي.
فقال له الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن تستحلّ بي مكّة.
فبكى ابن عبّاس وقال: أقررت عين ابن الزبير، فذلك الذي يسلّي نفسي عنه.
ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده وهو مغضب، وابن الزبير على الباب. فلمّا رآه قال: يا ابن الزبير، قد أتى ما أحببت. قرّت عينك: هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك في الحجاز [الرجز]:
يا لك من قبّرة بمعمر (١) ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري
ودخل محمد بن الحنفيّة على الحسين بمكّة، وأعلمه أنّ الخروج ليس له برأي. فأبى الحسين أن يقبل. فحبس محمّد [٣٩٩ ب] ولده فلم يبعث أحدا منهم، حتّى وجد حسين في نفسه على أخيه محمد وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه! .
فقال محمد: وما حاجتي أن تصاب ويصابوا معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟ .
وذكر الزبير بن أبي بكر عن أبي سعيد المقبري قال: والله لرأيت حسينا، وإنّه ليمشي بين رجلين يعتمد على هذا مرّة وعلى هذا مرّة حتّى دخلمسجد رسول الله ﷺ وهو يقول [الخفيف] (٢):
لا ذعرت السوام في غبش الصّب ... ح مغيرا، ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا
(قال) فعلمت عند ذلك أن لا يلبث إلّا قليلا حتى يخرج. فما لبث أن خرج حتّى لحق بمكّة.
وفي رواية: خرج الحسين من مكّة إلى العراق، فلمّا مرّ بباب المسجد الحرام قال ... (وذكر البيتين).
وكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد: أمّا بعد، فإنّ الحسين بن عليّ قد توجّه إليك، وهو الحسين ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتا الله ما أحد يسلمه الله أحبّ إلينا من الحسين، فإيّاك أن تهيج على نفسك ما لا يسدّه شيء ولا تنساه العامّة ولا تدع ذكره، والسلام.
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أمّا
стр. 1254
بعد، فقد توجّه إليك الحسين، وفي مثله تعتق أو تكون عبدا، تسترقّ كما يسترقّ العبيد.
وقدّم الحسين مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة وأمره أن يكتب إليه بخبرهم. فقدم الكوفة وعليها النعمان بن بشير، وكتب إليه: إنّي قدمت الكوفة فبايعني منهم إلى أن كتبت ثمانية عشر ألفا، فعجّل القدوم، فإنّه ليس دونها مانع.
فلمّا أتاه كتاب مسلم أغذّ السير حتّى انتهى إلى زبالة (١). فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف. وكان النعمان بن بشير الأنصاريّ على الكوفة. فخاف يزيد أن لا يقوم النعمان على الحسين، فكتب إلى عبيد الله بن زياد وهو على البصرة- وكان ساخطا عليه وهمّ بعزله عن البصرة- فضمّ إليه الكوفة، وكتب إليه بإقبال الحسين إليها، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها واقتل مسلم بن عقيل.
[استعداد زياد لقمع التحرّك الشيعيّ]
فأقبل عبيد الله بن زياد على الظهر سريعا حتى قدم الكوفة، فأقبل متعمّما متنكّرا حتى دخل السوق، وهم يظنّون أنّه الحسين، فجعلوا يقولون لعبيد الله: يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي أراناك- وجعلوا يقبّلون يده ورجله.
فقال عبيد الله: لشدّ ما فسد هؤلاء! - ثمّ مضى حتّى دخل المسجد فصلّى ركعتين ثمّ صعد المنبر وكشف عن وجهه. فلمّا رآه الناس مال بعضهم على بعض وأقشعوا عنه (٢).
وكان قدم مع عبيد الله من أهل البصرة شريك بن الأعور الحارثيّ، وكان شيعة لعلي بن أبي طالب.
فنزل على هاني بن عروة. فاشتكى شريك- وكان
عبيد الله يعوده في منزل هاني، ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به- فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلا يقتلونه إذا دخل عليهم. وأقبل عبيد الله فدخل على شريك يسأل عنه. فجعل شريك يقول [البسيط] (٣):
ما تنظرون بسلمى أن تحيّوها؟
اسقوني ولو كانت فيها نفسي!
فقال عبيد الله: ما تقول؟
قالوا: يهجر (٤).
وتخشخش القوم في البيت، وأنكر عبيد الله ما رأى منهم، فوثب وخرج، ودعا مولى هاني بن عروة- وكان في الشرطة- فسأله فأخبره الخبر.
فكان أوّل من مضى حتى دخل القصر وأرسل إلى هاني بن عروة وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، فقال: ما حملك على أن تجير عدوّي وتنطوي عليه؟ .
فقال: يا أخي، إنّه جاء حقّ هو أحقّ من حقّك وحقّ [صاحبك].
فوثب عبيد الله، وفي يده عنزة (٥) فضرب بها رأس هاني حتى خرج الزّجّ واغترز في الحائط ونثر دماغ الشيخ فقتله.
وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فخرج في نحو أربعمائة من الشيعة، فما بلغ القصر إلّا وهو في ستّين رجلا. وغربت الشمس وكثرهم (٦) أصحاب عبيد الله بن زياد. وجاء الليل فهرب مسلم حتى دخل على امرأة من كندة فاستجار بها. وعلم بذلك محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ فأخبر به
стр. 1255
عبيد الله بن زياد. فبعث إلى مسلم فجيء به، فأنّبه وأمر بقتله. فقال: دعني أوص.
قال: نعم.
فنظر إلي عمر [٤٠٠ أ] بن سعد بن أبي وقّاص فقال: إنّ لي إليك حاجة، وبيني وبينك رحم.
فقال عبيد الله: انظر في حاجة ابن عمّك.
فقام إليه، فقال: يا هذا، إنّه ليس ههنا رجل من قريش غيرك. وهذا الحسين بن عليّ قد ارتحل. فأرسل إليه رسولا فلينصرف فإنّ القوم قد غرّوه وخدعوه وكذبوه، وإنّه إن أتى قتل ولم يكن لبني هاشم بعده نظام. وعليّ دين أخذته منذ قدمنا الكوفة فاقضه عنّي واطلب جثّتي من ابن زياد فوارها.
فقال له ابن زياد: ما قال لك؟
فأخبره عمر بما قال.
فقال: أمّا مالك فهو لك لا نمنعك منه. وأمّا حسين فإن تركنا لم نردّه. وأمّا جثّته فإذا قتلناه لم يبال ما صنع به.
ثمّ أمر به فقتل. وقضى عمر بن سعد دين مسلم، وأخذ جثته وكفّنه ودفنه. وأرسل إلى الحسين رجلا فلقيه على أربع مراحل فأخبره.
[تقاعس أنصار الحسين]
وبعث عبيد الله برأس مسلم بن عقيل وهاني بن عروة إلى يزيد. وبلغ الحسين قتل مسلم وهاني، فقال له ابنه عليّ الأكبر: يا أبه ارجع، فإنّهم أهل العراق وغدرهم وقلّة وفائهم، ولا يفون لك بشيء.
فقالت بنو عقيل لحسين: ليس هذا حين رجوع- وحرّضوه على المضيّ. فقال حسين لأصحابه:
قد ترون ما يأتينا وما أرى القوم إلّا يستخذلوننا.
فمن أحبّ أن يرجع فليرجع.
فانصرف عنه قوم. وبقي في أصحابه الذين خرجوا معه من مكّة. وكانت خيلهم اثنين وثلاثين فرسا.
ووجّه عبيد الله بن زياد حصين بن تميم [الطهويّ] (١) إلى القادسيّة وقال: أقم بها، فمن أنكرته فخذه.
وكان الحسين قد وجّه قيس بن مسهر بن خليد بن جندب بن منقذ بن حبش بن بكرة [الصيداوي] إلى مسلم بن عقيل قبل أن يبلغه قتله، فأخذهحصين فوجّه به إلى ابن زياد. فقال له: قد قتل الله مسلما، فقم في الناس فاشتم الكذّاب ابن الكذّاب.
فصعد قيس المنبر فقال: أيّها الناس، إنّي تركت الحسين بن عليّ بالحاجر، وأنا رسوله إليكم وهو يستنصركم.
فأمر به عبيد الله بن زياد فطرح من فوق القصر فمات.
ووجّه الحصين بن تميم الحرّ بن يزيد اليربوعيّ من بني رياح في ألف إلى الحسين وقال: سايره، ولا تدعه يرجع حتّى يدخل الكوفة، وجعجع به.
فأخذ الحسين طريق العذيب حتى نزل الحوف مسقط النجف ممّا يلي المايتين. فنزل قصر بني مقاتل. فخفق خفقة ثمّ انتبه يسترجع وقال: إنّي رأيت في المنام آنفا فارسا يسايرنا ويقول: القوم يسيرون، والمنايا تسري إليهم- فعلمت أنّه نعى إلينا أنفسنا.
ثمّ سار الحسين حتى نزل كربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة وتعرف أيضا بالطفّ.
стр. 1256
فاضطرب ثمّ قال: أي منزل نحن فيه؟
قالوا: بكربلاء.
قال: يوم كرب وبلاء.
فوجّه إليه ابن زياد عمر بن سعد بن أبي وقّاص في أربعة آلاف. وكان استعمله قبل ذلك على الريّ وهمذان، وقطع ذلك البعث معه. فلمّا أمره بالمسير إلى الحسين تأبّى ذلك وكرهه واستعفى منه. فقال لها ابن زياد: أعطي الله عهدا، لئن لم تسر إليه وتقدم عليه لأعزلنّك عن عملك وأهدم دارك وأضرب عنقك.
قال: إذن أفعل.
فجاءته بنو زهرة فقالوا: ننشدك الله أن تكون أنت الذي يلي هذا من حسين، فتبقى عداوة بيننا وبين بني هاشم.
فرجع إلى ابن زياد فاستعفاه فأبى أن يعفيه فصمّم وسار إليه. ومع الحسين يومئذ خمسون رجلا، وأتاه من الجيش عشرون وكان معه من أهل بيته تسعة عشر رجلا. فلمّا رأى الحسين عمر بن سعد قد قصد له فيمن معه، قال: يا هؤلاء، اسمعوا يرحمكم الله، ما لنا ولكم؟ ما هذا الضّنّ بكم يا أهل الكوفة؟ .
قالوا: خفنا طرح العطاء.
قال: ما عند الله من العطاء خير لكم. يا هؤلاء، دعونا نرجع من حيث جئنا.
قالوا: لا سبيل إلى ذلك.
قال: فدعوني أمضي إلى الريّ فأجاهد الديلم.
قالوا: لا سبيل إلى ذلك.
قال: فدعوني أذهب إلى يزيد بن معاوية فأضع يده في يدي.
قالوا: لا، لكن ضع يدك في يد عبيد الله بن زياد.
قال: أمّا هذه فلا.
قالوا: ليس لك غيرها.
[المفاوضة بين ابن زياد والحسين]
وبلغ ذلك ابن زياد، فهمّ أن يخلّي عنه، وقال:
والله ما عرض لشيء من عملي، وما أراني إلّا مخلّي سبيله [٤٠٠ ب].
فقال له شمر بن ذي الجوشن أوس بن الأعور- وقيل: شرحبيل (١) - الضبابي: [أمكنك الله من عدوّك فتسيّره! إلّا أن ينزل في حكمك! ].
فكتب إلى عمر بن سعد [الكامل]:
الآن حين تعلّقته حبالنا ... يرجو النجاة ولات حين مناص
فناهضه.- وقال لشمر بن ذي الجوشن: سر بها إلى عمر بن سعد. فإن مضى لما أمر به وقاتل حسينا، وإلّا فاضرب عنقه، وأنت على الناس.
وجعل الرجل والرجلان والثلاثة يتسلّلون إلى الحسين من الكوفة. وبلغ ذلك ابن زياد، فخرج وعسكر بالنخيلة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث. وأخذ الناس بالخروج إلى النخيلة وضبط الجسر فلم يترك أحدا يجوزه. وعقد للحصين بن تميم الطهويّ على ألفين، ووجّهه إلى عمر بن سعد مردّا له. فقيل: خرجوا إلى الحسين على دينارين دينارين. وقدم شمر بن ذي الجوشن الضبابيّ على عمر بن سعد بما أمره به ابن زياد، عشيّة الخميس لتسع خلون من المحرّم سنة إحدى وستّين بعد العصر. فنودي في العسكر فركبوا،
стр. 1257
والحسين جالس أمام بيته محتبيا. فنظر إليهم قد أقبلوا، فقال لأخيه العبّاس بن علي بن أبي طالب:
[قم] إليهم فسلهم ما بدا لهم.
فسألهم فقالوا: أتانا كتاب الأمير يأمرنا أن نعرض عليك أن تنزل على حكمه أو نناجزك.
قال: انصرفوا عنّا العشيّة حتى ننظر ليلتنا هذه في ما عرضتم.
فانصرف عمر. وجمع الحسين أصحابه في ليلة عاشوراء ليلة الجمعة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبيّ ﷺ وما أكرمه الله به من النبوّة وما أنعم به على أمّته، وقال: إنّي لا أحسب القوم إلّا مقاتليكم غدا. وقد أذنت لكم جميعا فأنتم في حلّ منّي. وهذا الليل قد غشيكم فمن كانت له منكم قوّة فليضمّ رجلا من أهل بيتي، وتفرّقوا في سوادكم حتى يَأْتِيَ [الله] بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (المائدة: ٥٢). فإنّ القوم إنّما يطلبونني، فإذا رأوني لهوا عن طلبكم.
فقال أهل بيته: لا أبقانا الله بعدك! لا والله لا نفارقك حتى يصيبنا ما أصابك، - وكذلك قال أصحابه. فقال: أثابكم الله على ما تنوون، الجنّة.
وأتاه رجل من الأنصار فقال: عليّ دين.
فقال: لا يقاتل معي من عليه دين!
وقيل لمحمّد بن بشر الحضرميّ: قد أسر ابنك بثغر الريّ.
قال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما كنت أحبّ أن يؤسر ولا أن أبقى بعده.
فسمع قوله الحسين، فقال له: رحمك الله، أنت في حلّ من بيعتي. فاعمل في فكاك ابنك.
قال: أكلتني السّباع حيّا إن فارقتك!
قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه- وأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
[استعداد الحسين للقتال]
فلمّا أصبح الحسين يومه الذي قتل فيه ﵁، قال: اللهمّ، أنت ثقتي في كلّ كرب، ورجائي في كلّ شدّة وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، وأنت وليّ كلّ نعمة وصاحب كلّ حسنة.
ثمّ قال الحسين لعمر بن سعد وأصحابه: لا تعجلوا حتّى أخبركم خبري: والله ما أتيتكم حتى أتتني كتب منكم (١) بأنّ السنّة قد أميتت، والنفاق قد نجم، والحدود قد عطّلت، فاقدم لعلّ الله ﵎ يصلح بك أمّة محمد ﷺ .
[فانسبوني فانظروا من أنا] (٢) وارجعوا إلى أنفسكم فانظروا هل يصلح لكم قتلي ويحلّ لكم دمي.
ألست ابن بنت نبيّكم وابن ابن عمّه وابن أوّل المؤمنين إيمانا؟ أو ليس حمزة والعبّاس وجعفر بعمومتي؟ أولم يبلغكم قول رسول الله ﷺ فيّ وفي أخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدّقتموني، وإلّا فاسألوا جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وزيد بن الأرقم.
فقال شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول.
وأقبل الحرّ بن يزيد أحد بني رياح بن يربوع على عمر بن سعد، فقال: أمقاتل أنت هذا الرجل؟
فقال: نعم.
[فقال]: أما لكم في واحدة من هذه الخصال التي عرض رضى [٤٠١ أ]؟
قال: لو كان الأمر إليّ لفعلت.
فقال: سبحان الله! ما أعظم هذا! أن يعرض ابن بنت رسول الله عليكم ما يعرض فتأبونه.
стр. 1258
ثمّ مال الحرّ إلى الحسين فقاتل معه حتّى قتل.
ففي ذلك يقول الشاعر المتوكّل الليثيّ [الوافر]:
لنعم الحرّ حرّ بني رياح ... وحرّ عند مختلف الرماح
ونعم الحرّ ناداه حسين ... فجاد بنفسه عند الصباح (١)
فلمّا علم الحسين أنّهم قاتلوه قام في أصحابه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: قد نزل بنا ما ترون من الأمور. وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واشمعلّت (٢) حتّى لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء الأخنس (٣)، عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون الحقّ لا يعمل به والباطل لا ينهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا [ذلّا] وندما.
وناهض عمر بن سعد حسينا. وكان أوّل من قاتل مولى لعبيد الله بن زياد يقال له سالم. فصل من الصفّ، فخرج إليه عبد الله بن تميم الكلبي فقتله، والحسين جالس، عليه جبّة خزّ دكناء، قد وقعت النبل عن يمينه وعن شماله، وابن له ابن ثلاث سنين بين يديه، فرماه عقبة بن بشر الأسديّ فقتله.
ورمى عبد الله بن عقبة الغنويّ أبا بكر بن الحسين بن عليّ فقتله. فقال سليمان [بن قتة] فيه [الطويل]:
وعند غنيّ قطرة من دمائنا ... وفي أسد أخرى تعدّ وتذكر (٤)
ولبس حسين لأمته وطاف به أصحابه يقاتلون
دونه حتّى قتلوا جميعا وحمل عليّ بن الحسين الأكبر وهو يقول:
أنا عليّ بن حسين بن عليّ ... نحن وبيت الله أولى بالنبيّ
من شمر وعمر وابن الدعيّ (٥)
وطعنه مرّة بن منقذ بن النعمان بن عبد القيس، فحمل فوضع قريبا من أبيه فقال: قتلوك يا بنيّ! على الدنيا بعدك العفاء.- وضمّه أبوه إليه حتّى مات. فجعل الحسين يقول: اللهمّ، دعو [ن] نا لينصرونا فخذلونا وقتلونا، اللهمّ فاحبس عنهم قطر السماء وامنعهم بركات الأرض! فإن متّعتهم إلى حين ففرّقهم شيعا واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا! .
[قساوة أصحاب ابن زياد]
وجاء صبيّ من صبيان الحسين يشدّ حتى جلس في حجره. فرماه رجل بسهم فأصاب ثغرة نحره فقتله. فقال الحسين: اللهمّ، إن كنت حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير في العاقبة، وانتقم لنا من القوم الظالمين.
وخرج القاسم بن الحسين بن علي وهو غلام، فحمل عليه عمرو بن سعيد [بن نفيل] الأزديّ فضربه فسقط [الغلام لوجهه فقال: يا عمّاه! فشدّ الحسين شدّة ليث غضب فضرب عمرا بالسيف].
وجاءت خيل الكوفيّين [ليستنقذوا عمرا من الحسين]، فحمل عليهم الحسين، فجالوا ووطئوه حتّى مات. ووقف الحسين على القاسم فقال: عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك يوم كثر واتره وقلّ ناصره، وبعدا لقوم قتلوك! - ثمّ أمر به فحمل ورجلاه تخطّ في الأرض حتّى وضع مع علي بن الحسين.
стр. 1259
وعطش الحسين فاستسقى، وليس معهم ماء.
فجاء رجل بماء فتناوله ليشرب. فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فيه فجعل يلقي الدم بيده. وحمد الله وتوجّه نحو المسنّاة يريد الفرات. فقال رجل من بني أبان بن دارم: حولوا بينه وبين الماء! .
فعرضوا له فحالوا بينه وبين الماء وهو أمامهم.
فقال الحسين: اللهمّ، أظمئه! .
ورماه الأبانيّ بسهم فأثبته في حنكه، فنزع السهم وتلقّى الدم وملأ كفّه وقال: اللهمّ، إنّي أشكو إليك ما فعل هؤلاء.
فما لبث الأبانيّ إلّا قليلا حتّى رؤي وإنّه ليؤتى بالقلّة والعسّ إن كان ليروي عدّة فيشربه فإذا نزعه من فيه قال: اسقوني فقد قتلني العطش! - فما زال بذلك حتّى مات.
وجاء شمر بن ذي الجوشن فحال بين الحسين وبين ثقله. فقال الحسين: رحلي لكم عن ساعة مباح، فامنعوه من جهّالكم وطغامكم، وكونوا في دنياكم أحرارا إذ لم يكن لكم دين.
فقال شمر: ذلك لك يا ابن فاطمة.
فلمّا قتل أصحاب الحسين وأهله بقي عامّة النهار، ولا يقدم عليه أحد إلّا انصرف، حتى أحاطت [٤٠١ ب] به الرجّالة، فما رؤي مكثورا (١) أربط جأشا منه. فصاح بهم شمر: ثكلتكم أمّهاتكم، ماذا تنتظرون به؟ أقدموا عليه! - فكان أوّل من انتهى إليه زرعة بن شريك التميميّ، فضرب كفّه اليسرى، وضربه الحسين على عاتقه فصرعه. وبرز له سنان بن أنس بن عمرو بن حيّ بن الحارث بن غالب بن مالك بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع النخعيّ فطعنه في ترقوته، ثمّ انتزع الرمح فطعنه في صدره، فخرّ صريعا.
ونزل إليه ليحزّ رأسه فنزل معه خولي بن يزيد الأصبحيّ فاحتزّ رأسه. وأتى به عبيد الله بن زياد وقال [الرجز] (٢):
أوقر ركابي فضّة وذهبا ... أنا قتلت الملك المحجّبا
قتلت خير الناس أمّا وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فلم يعطه ابن زياد شيئا.
وروى حمّاد بن سلمة: ثنا عمّار بن أبي عمّار أنّ ابن عبّاس ﵁ قال: رأيت النبيّ ﷺ فيما يرى النائم ذات يوم نصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمّي، ما هذه؟
قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم.
فأحصي ذلك الوقت، فوجد قد قتل الحسين ذلك اليوم.
ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون جراحة، ووجد في ثوبه مائة وبضعة عشر خرقا من السهام وأثر الضرب.
[مقتل الحسين]
وقتل رحمة الله عليه يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرّم سنة إحدى وستّين من الهجرة، وهو ابن ستّ وخمسين سنة وخمسة أشهر. وكان عليه يوم قتل جبّة خزّ دكناء، وهو صابغ بالسواد.
وذكر الواقديّ أنّه قتل في صفر وهو ابن خمس وخمسين سنة، والأوّل أثبت.
وقال جعفر بن محمد الصادق: قتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
стр. 1260
وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا وقد اختلف في قاتل الحسين. قال أبو عمر بن عبد البرّ: قتله سنان بن أنس النخعيّ- ويقال له أيضا: سنان بن أبي سنان النخعيّ- وهو جدّ شريك القاضي.
ويقال: بل الذي قتله رجل من مذحج، وقيل:
قتله شمر بن ذي الجوشن- وهو شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن نضر بن نزار بن معدّ بن عدنان (١) - وكان أبرص .. وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحيّ من حمير وحزّ رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وقال: أوقر ركابي ... البيتين.
وقال يحيى بن معين: أهل الكوفة يقولون: إنّ الذي قتل الحسين رحمة الله عليه عمر بن سعد بن أبي وقّاص. قال يحيى بن معين: وكان إبراهيم بن سعد يروي فيه حديثا أنّه لم يقتله عمر بن سعد.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: إنّما نسب قتل الحسين إلى عمر بن سعد لأنّه كان الأمير على الخيل التي جهّزها عبيد الله بن زياد إلى قتل الحسين وأمّر عليهم عمر بن سعد ووعده أن يولّيه الريّ إن ظفر بالحسين وقتله. وكان في تلك الخيل قوم من مضر ومن اليمن. وفي شعر سليمان بن قتّة الخزاعيّ- وقيل إنّها لأبي الرميح الخزاعيّ- ما يدلّ على الاشتراك في دم الحسين. فمن ذلك قوله [الطويل]:
مررت على أبيات آل محمّد ... فلم أر من أمثالها حيث حلّت (٢)
فلا يبعد الله البيوت وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
وكانوا لنا غنما فعادوا رزيّة ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت
أولائك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تنك في أعدائهم حين سلّت
٥ وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشم ... أذلّ رقابا من قريش فذلّت
إذا افتقرت [قيس] جبرنا فقيرها ... وتقتلنا قيس إذا النعل زلّت
وعند سنان قطرة من دمائنا ... سنجزيهم يوما بها حيث حلّت
ألم تر أنّ الأرض أضحت مريضة ... لفقد الحسين، والبلاد اقشعرّت
[٤٠٢ أ] وقد أعولت تبكي السماء لفقده ... وأنجمها ناحت عليه وصلّت
وقال: حليفه الذي ولي قتل الحسين شمر بن ذي الجوشن، وأمير الجيش عمر بن سعد.
وقال مصعب: الذي تولى قتل الحسين سنان بن أبي سنان، ويصدّق ذلك قول الشاعر [الوافر]:
وأيّ رزيّة عدلت حسينا (٣) ... غداة شطت به كفّا سنان
انتهى [قول ابن عبد البرّ].
[المقتولون معه]
وقتل مع الحسين ﵀ جماعة من أهل بيته. فقتل من إخوته لأبيه: عبّاس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، وأبو بكر [ومحمّد].
وقتل من ولده: عبد الله، وعلي، وإبراهيم.
وقتل من ولد أخيه الحسن: القاسم، وأبو بكر، وعبد الله.
стр. 1261
وقتل من ولد أخيه العبّاس: محمد بن العبّاس.
ومن ولد عبد الله بن جعفر: محمد وعون.
ومن ولد عقيل: مسلم، وعبد الرحمن، وجعفر، وعبد الله، بنو عقيل وعبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل.
فهؤلاء واحد وعشرون رجلا، رحمة الله عليهم.
فالعبّاس بن عليّ بن أبي طالب قتله زيد بن وقّاد الجنبيّ وحكيم السنبسيّ (١) من طيّئ.
وقتل أيضا جعفر بن علي بن أبي طالب، قتله هاني بن ثبيت الحضرميّ.
وقتل عبد الله بن علي بن أبي طالب، قتله هاني أيضا.
وعثمان بن عليّ بن أبي طالب، رماه خولي بن يزيد بسهم فأثبته، وأجهز عليه رجل من أبان بن دارم.
وأبو بكر بن عليّ بن أبي طالب، قتل في ساقية، [لا يدرى من قتله].
ومحمد بن علي بن أبي طالب الأصغر، قتله رجل من بني أبان بن دارم.
وعلي بن الحسين بن علي، الأكبر، قتله مرّة بن منقذ بن النعمان العبديّ.
وعبد الله بن الحسين، قتله هاني بن الحضرميّ.
وجعفر بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن، قتلهما عبد الله بن عقبة الغنويّ.
وعبد الله بن الحسن، قتله ابن حرملة الكاهليّ (٢) من بني أسد.
والقاسم بن الحسن، قتله سعد بن عمرو [بن نفيل] الأزديّ.
وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قتله عامر بن نهشل التميميّ (٣).
ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة صبرا.
وجعفر بن عقيل، قتله بشر بن حوط الهمداني، ويقال: عروة بن عبد الله الخثعميّ.
وعبد الرحمن بن عقيل قتله عثمان بن خالد بن أسيد الجهنيّ وبشر بن حوط.
وعبد الله بن عقيل- أمّه أمّ ولد- قتله عمرو بن صبيح الصدّائيّ.
وعبد الله [بن مسلم] بن عقيل الآخر- أمّه رقيّة بنت علي بن أبي طالب، قتله عمرو بن صبيح الصدّائي، ويقال: قتله أسيد بن مالك الحضرميّ.
ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، قتله لقيط [بن ياسر] الجهنيّ ورجل من آل أبي لهب لم يسمّ.
وقتل أيضا رجل من آل أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب يقال له: أبو الهياج، وكان شاعرا.
وقتل سليمان مولى الحسين بن عليّ، قتله سليمان بن عوف الحضرميّ.
ومنجح، مولى الحسين أيضا.
وعبد الله بن بقطر، رضيع الحسين، قتل بالكوفة: رمي به من فوق القصر فمات.
وقد كان ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لجآ إلى امرأة عبد الله بن قطبة الطائيّ ثمّ النبهانيّ، وكانا غلامين لم يبلغا الحلم. وقد كان عمر بن
стр. 1262
سعد أمر مناديا فنادى: من جاء برأس فله ألف درهم. فجاء ابن قطبة إلى منزله فقالت له امرأته، إنّ غلامين لجآ إلينا، فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة؟ .
قال: نعم، أرنيهما.
فلمّا رآهما ذبحهما وجاء برءوسهما إلى عبيد الله بن زياد فلم يعطه شيئا. فقال عبيد الله:
وددت أنّه كان جاءني بهما حيّين فمننت بهما على أبي جعفر، يعني عبد الله بن جعفر. وبلغ ذلك ابن جعفر أباهما فقال: وددت أنّه كان جاءني بهما فأعطيته ألفي ألف درهم.
[من نجا من القتل]
ولم يفلت من أهل الحسين الذين معه إلّا خمسة نفر، وهم: عليّ بن الحسين، الأصغر، وهو أبو ولد الحسين كلّهم الذين انتشروا في أقطار الأرض. وكان مريضا مع النساء.
وحسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وله عقب.
وعمر بن حسن بن عليّ، ولا عقب له.
والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، الأصغر.
فإنّ هؤلاء استصغروا. فقدم بهم، وبنساء الحسين بن عليّ، وهنّ: زينب وفاطمة ابنتا عليّ بن أبي طالب، وفاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليّ، والرباب بنت امرئ القيس الكلبيّة، امرأة [٤٠٢ ب] الحسين.
وامرؤ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم رأس هو وأبوه عديّ بن أوس، ووفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ وهو نصرانيّ، فأسلم، وعقد له عمر على جنود قضاعة، فما رئي كافر لم يصلّ قطّ عقد له على مسلمين غيره. وتزوّج بناته أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، والحسن والحسين ﵉: فتزوّج عليّ محيّاة [ف] ولدت له بنتا.
وتزوّج الحسين بن عليّ أختهما الرباب فولدت له عبد الله، قتل معه. وولدت له سكينة بنت الحسين.
وتزوّج الحسن بن عليّ أختها زينب.
وامرؤ القيس هذا هو الذي أسر الدّعاء بن عمرو، أخا مفروق الشيبانيّ، وهو الذي أغار أبوه أبو حجير عديّ بن أوس على بني أسد يوم الرحبة. وامرؤ القيس هذا هو الذي لطم القعقاع بن حريث بن حكم بن سلامة بن محصن بن جابر بن كعب بن عليم فلم يعط بظنّة (١) فلحق ببني مختر من طيّئ ونزل بأنيف ابن مسعود بن قيس في الجاهليّة فنظر إلى أهله فقال- يريد امرأ القيس [الوافر]:
تبصّر يا ابن مسعود بن قيس ... بعينك هل ترى ظعن القطين
خرجن من الغمار مشرّقات ... تميل بهنّ أزواج العهون
بذمّك يا امرأ القيس استقلّت ... رعال غوارب الجبلين دوني
وهذا القعقاع يقال له: القعقاع بن درما. ودرما هي أمّ حصن بنت جابر، سبيّة من بني تميم، وعبد الله المقتول ابن الحسين.
وأمّ محمد بنت الحسن بن عليّ امرأة عليّ بن الحسين.
стр. 1263
وموال لهم ومماليك وعبيد وإماء، قدم به على عبيد الله بن زياد مع رأس الحسين ورءوس من قتل معه، رضوان الله عليهم.
ولمّا قتل الحسين انتهب رحله وثقله. فأخذ سيفه القلانس النهشليّ.
وأخذ سيفا له آخر جميع بن الخلق الأزديّ.
وأخذ سراويله بحر بن كعب التميميّ وتركه مجرّدا.
وأخذ قطيفته قيس بن الأشعث بن قيس الكنديّ، فكان يقال له «قيس قطيفة».
وأخذ نعليه الأسود بن خالد الأوديّ.
وأخذ عمامته جابر بن يزيد.
وأخذ برنسه- وكان من خزّ- مالك بن بشير الكنديّ.
وأخذ رجل من العراق حلي فاطمة بنت الحسين، وهو يبكي. فقالت له فاطمة: لم تبكي؟ .
فقال: أسلب بنت رسول الله ولا أبكي؟
فقالت: دعه.
قال: إنّي أخاف أن يأخذه غيري.
وكان علي بن الحسين، الأصغر، مريضا نائما على فراش. فقال شمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا! .
فقال له رجل من أصحابه: سبحان الله! نقتل فتى حدثا مريضا لم يقاتل؟
وجاء عمر [بن سعد] بن أبي وقّاص فقال: لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض.
وقال عليّ بن الحسين: قصدني رجل منهم وأكرم نزلي واختصّني وجعل يبكي كلّما خرج ودخل حتى كنت أقول: إن لم يكن عند أحد من الناس وفاء فعند هذا! - إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد عليّ بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم.
قال عليّ: فدخل والله عليّ وهو يبكي، وجعل يربط يديّ إلى عنقي وهو يقول: أخاف! - فأخرجني والله إليهم مربوطا حتّى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا انظر إليه. فأخذت فأدخلت على ابن زياد فقال: ما اسمك؟
فقلت: علي بن حسين.
فقال: أولم يقتل الله عليّا؟
قلت: كان لي أخ يقال له عليّ، أكبر منّي، قتله الناس.
قال: بل الله قتله.
قلت: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (الزمر: ٤٢).
فأمر بقتله. فصاحت زينب بنت عليّ: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا! أسألك الله إن قتلته إلّا قتلتني معه.- فتركه.
[حمل بقيّة أهله إلى الشّام]
ولمّا أمر عمر بن سعد بثقل الحسين أن يدخل الكوفة، تقدّم به إلى عبيد الله بن زياد. وبعث إليه بالرأس مع خولي بن يزيد الأصبحيّ. فلمّا حملالنساء والصبيان ومرّوا بالقتلى، صرخت زينب بنت علي: يا محمّداه! هذا حسين بالعراء، مزمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء! يا محمّد، وبناتك سبايا وذرّيّتك مقتّلة! .
فما بقي [٤٠٣ أ] صديق ولا عدوّ إلّا أكبّ باكيا.
وقدم بهم إلى عبيد الله بن زياد فقال عبيد الله بن زياد: من هذه؟
فقالوا: زينب بنت عليّ بن أبي طالب.
فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟
стр. 1264
فقالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون.
قال: الحمد لله الذي قتلكم وأكذب حديثكم.
فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد وطهّرنا تطهيرا.
(وفي رواية: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم).
وقال: قد شفى الله نفسي من طاغيتك وأهل بيتك.
فبكت وقالت: لعمري، لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي.
فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فقال: هذه سجّاعة، وقد كان أبوها شاعرا سجّاعا.
فقالت: ما لي وللسجاعة؟ إنّ لي لشغلا، ولكن نفثي (١) ما أقول.
فلمّا وضعت الرءوس بين يدي ابن زياد، جعل يضرب بقضيب معه على في الحسين وهو يقول [الطويل]:
يفلّقن هاما من رجال أعزّة ... علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما (٢)
فقال له زيد بن أرقم: لو نحّيت هذا القضيب، فإنّ رسول الله ﷺ كان يضع فاه على موضع هذا القضيب.
وقالت حفصة بنت سيرين عن أنس بن مالك:
جيء برأس الحسين إلى ابن زياد. فقال: ما رأيت مثل هذا حسنا.
قلت له: أما إنّه كان أشبههم برسول الله ﷺ .
وقال أنس بن مالك: شهدت عبيد الله بن زياد حيث أتى برأس الحسين. فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول: إنه كان لحسن الثغر.
(قال: فقلت: والله لأسوأنّك! ) فقلت: أما إنّي قد رأيت رسول الله ﷺ يقبّل موضع قضيبك من فيه.
فأمر ابن زياد برأس الحسين فنصب على خشبة.
قال الشعبيّ: رأس الحسين أوّل رأس حمل في الإسلام.
وأمر ابن زياد بحبس من قدم به عليه من بقيّة أهل الحسين معه في القصر.
فقال ذكوان أبو خالد: خلّ بيني وبين هذه الرءوس فأدفنها.
ففعل. فكفّنها ودفنها بالجبّانة. وركب إلى أجسادهم فكفّنهم ودفنهم.
قال المسعوديّ: ودفن أهل الغاضريّة- وهم قوم من بني أسد- الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم (٣).
وأقبل عمر بن سعد فدخل الكوفة وقال: ما رجع رجل إلى [٥٠١ أ] أهله بشرّ ممّا رجعت به:
أطعت ابن زياد، وعصيت الله، وقطعت الرحم.
وقدم رسول يزيد بن معاوية يأمر ابن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين، ومن بقي من ولده وأهل
стр. 1265
بيته ونسائهم. فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهّزوا بها.
وقد كان ابن زياد لمّا قتل الحسين بعث زحر بن قيس الجعفيّ إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم عليه، فقال: ما وراءك؟
[حسن معاملة يزيد بن معاوية لأهل الحسين]
قال: يا أمير المؤمنين ابشر بفتح الله ونصره:
ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته، وفي سبعين من شيعته، فسرنا إليهم فخيّرناهم الاستسلام والنزول على حكم عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام. فناهضناهم عند شروق الشمس وأطفنا بهم من كلّ ناحية. ثمّ جرّدنا عليهم السيوف اليمانيّة، فجعلوا يبرقطون (١) إلى غير وزر، ويلوذون منّا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ [ت] الحمائم من صقر، فنصرنا الله عليهم. فو الله يا أمير المؤمنين ما كان إلّا جزر جزور أو نومة قائل حتى كفى الله المؤمنين مؤونتهم، فأتينا على آخرهم. فهاتيك أجسادهم مطرّحة مجرّدة، وخدودهم معفّرة، ومناخرهم مرمّلة تسفي عليهم الريح ذيولها بقيّ (٢) سبسب تنتابهم عرج الضبّاع، زوّارهم العقبان والرّخم.
فدمعت عينا يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
ثمّ قال: كذلك عاقبة البغي والعقوق- وتمثّل [السريع]:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرّا وتتركه بجعجاع
وقيل: قال يزيد وقدم برأس الحسين محفّز [٤٠٣ ب] العائذيّ- عائذة قريش- على يزيد فقال:
أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم.
فقال يزيد: ما ولدت أمّ محفّز (٣) ألأم وأحمق لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب الله تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: ٢٦].
ثمّ قرع بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشد بيت الحصين بن الحمام المريّ: يفلّقن هاما ...
إلى آخره.
فقال له رجل من الأنصار: ارفع قضيبك، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يقبّل الموضع الذي وضعته عليه.
ثمّ أتى يزيد بثقل الحسين ومن بقي من أهله ونسائه، فأدخلوا عليه وقد قرنوا بالحبال فوقفوا بين يديه. فقال له عليّ بن الحسين: أنشدك الله يا يزيد، ما ظنّك برسول الله [٥٠١ ب] لو رآنا مقرّنين في الحبال، أما كان يرقّ لنا؟
فأمر يزيد بالحبال فقطعت- وعرف الانكسار فيه. وقالت له سكينة بنت الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا؟
قال: يا ابنة أخي، هو والله عليّ أشدّ منه عليك- ثمّ قال: أقسمت بالله، لو أنّ بين ابن زياد وبين