وقتل من ولد أخيه العبّاس: محمد بن العبّاس.
ومن ولد عبد الله بن جعفر: محمد وعون.
ومن ولد عقيل: مسلم، وعبد الرحمن، وجعفر، وعبد الله، بنو عقيل وعبد الله بن مسلم بن عقيل، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل.
فهؤلاء واحد وعشرون رجلا، رحمة الله عليهم.
فالعبّاس بن عليّ بن أبي طالب قتله زيد بن وقّاد الجنبيّ وحكيم السنبسيّ (١) من طيّئ.
وقتل أيضا جعفر بن علي بن أبي طالب، قتله هاني بن ثبيت الحضرميّ.
وقتل عبد الله بن علي بن أبي طالب، قتله هاني أيضا.
وعثمان بن عليّ بن أبي طالب، رماه خولي بن يزيد بسهم فأثبته، وأجهز عليه رجل من أبان بن دارم.
وأبو بكر بن عليّ بن أبي طالب، قتل في ساقية، [لا يدرى من قتله].
ومحمد بن علي بن أبي طالب الأصغر، قتله رجل من بني أبان بن دارم.
وعلي بن الحسين بن علي، الأكبر، قتله مرّة بن منقذ بن النعمان العبديّ.
وعبد الله بن الحسين، قتله هاني بن الحضرميّ.
وجعفر بن الحسن، وأبو بكر بن الحسن، قتلهما عبد الله بن عقبة الغنويّ.
وعبد الله بن الحسن، قتله ابن حرملة الكاهليّ (٢) من بني أسد.
والقاسم بن الحسن، قتله سعد بن عمرو [بن نفيل] الأزديّ.
وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قتله عامر بن نهشل التميميّ (٣).
ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة صبرا.
وجعفر بن عقيل، قتله بشر بن حوط الهمداني، ويقال: عروة بن عبد الله الخثعميّ.
وعبد الرحمن بن عقيل قتله عثمان بن خالد بن أسيد الجهنيّ وبشر بن حوط.
وعبد الله بن عقيل- أمّه أمّ ولد- قتله عمرو بن صبيح الصدّائيّ.
وعبد الله [بن مسلم] بن عقيل الآخر- أمّه رقيّة بنت علي بن أبي طالب، قتله عمرو بن صبيح الصدّائي، ويقال: قتله أسيد بن مالك الحضرميّ.
ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، قتله لقيط [بن ياسر] الجهنيّ ورجل من آل أبي لهب لم يسمّ.
وقتل أيضا رجل من آل أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب يقال له: أبو الهياج، وكان شاعرا.
وقتل سليمان مولى الحسين بن عليّ، قتله سليمان بن عوف الحضرميّ.
ومنجح، مولى الحسين أيضا.
وعبد الله بن بقطر، رضيع الحسين، قتل بالكوفة: رمي به من فوق القصر فمات.
وقد كان ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لجآ إلى امرأة عبد الله بن قطبة الطائيّ ثمّ النبهانيّ، وكانا غلامين لم يبلغا الحلم. وقد كان عمر بن
стр. 1262
سعد أمر مناديا فنادى: من جاء برأس فله ألف درهم. فجاء ابن قطبة إلى منزله فقالت له امرأته، إنّ غلامين لجآ إلينا، فهل لك أن تشرف بهما فتبعث بهما إلى أهلهما بالمدينة؟ .
قال: نعم، أرنيهما.
فلمّا رآهما ذبحهما وجاء برءوسهما إلى عبيد الله بن زياد فلم يعطه شيئا. فقال عبيد الله:
وددت أنّه كان جاءني بهما حيّين فمننت بهما على أبي جعفر، يعني عبد الله بن جعفر. وبلغ ذلك ابن جعفر أباهما فقال: وددت أنّه كان جاءني بهما فأعطيته ألفي ألف درهم.
[من نجا من القتل]
ولم يفلت من أهل الحسين الذين معه إلّا خمسة نفر، وهم: عليّ بن الحسين، الأصغر، وهو أبو ولد الحسين كلّهم الذين انتشروا في أقطار الأرض. وكان مريضا مع النساء.
وحسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وله عقب.
وعمر بن حسن بن عليّ، ولا عقب له.
والقاسم بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن عقيل، الأصغر.
فإنّ هؤلاء استصغروا. فقدم بهم، وبنساء الحسين بن عليّ، وهنّ: زينب وفاطمة ابنتا عليّ بن أبي طالب، وفاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن عليّ، والرباب بنت امرئ القيس الكلبيّة، امرأة [٤٠٢ ب] الحسين.
وامرؤ القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم رأس هو وأبوه عديّ بن أوس، ووفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ وهو نصرانيّ، فأسلم، وعقد له عمر على جنود قضاعة، فما رئي كافر لم يصلّ قطّ عقد له على مسلمين غيره. وتزوّج بناته أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، والحسن والحسين ﵉: فتزوّج عليّ محيّاة [ف] ولدت له بنتا.
وتزوّج الحسين بن عليّ أختهما الرباب فولدت له عبد الله، قتل معه. وولدت له سكينة بنت الحسين.
وتزوّج الحسن بن عليّ أختها زينب.
وامرؤ القيس هذا هو الذي أسر الدّعاء بن عمرو، أخا مفروق الشيبانيّ، وهو الذي أغار أبوه أبو حجير عديّ بن أوس على بني أسد يوم الرحبة. وامرؤ القيس هذا هو الذي لطم القعقاع بن حريث بن حكم بن سلامة بن محصن بن جابر بن كعب بن عليم فلم يعط بظنّة (١) فلحق ببني مختر من طيّئ ونزل بأنيف ابن مسعود بن قيس في الجاهليّة فنظر إلى أهله فقال- يريد امرأ القيس [الوافر]:
تبصّر يا ابن مسعود بن قيس ... بعينك هل ترى ظعن القطين
خرجن من الغمار مشرّقات ... تميل بهنّ أزواج العهون
بذمّك يا امرأ القيس استقلّت ... رعال غوارب الجبلين دوني
وهذا القعقاع يقال له: القعقاع بن درما. ودرما هي أمّ حصن بنت جابر، سبيّة من بني تميم، وعبد الله المقتول ابن الحسين.
وأمّ محمد بنت الحسن بن عليّ امرأة عليّ بن الحسين.
стр. 1263
وموال لهم ومماليك وعبيد وإماء، قدم به على عبيد الله بن زياد مع رأس الحسين ورءوس من قتل معه، رضوان الله عليهم.
ولمّا قتل الحسين انتهب رحله وثقله. فأخذ سيفه القلانس النهشليّ.
وأخذ سيفا له آخر جميع بن الخلق الأزديّ.
وأخذ سراويله بحر بن كعب التميميّ وتركه مجرّدا.
وأخذ قطيفته قيس بن الأشعث بن قيس الكنديّ، فكان يقال له «قيس قطيفة».
وأخذ نعليه الأسود بن خالد الأوديّ.
وأخذ عمامته جابر بن يزيد.
وأخذ برنسه- وكان من خزّ- مالك بن بشير الكنديّ.
وأخذ رجل من العراق حلي فاطمة بنت الحسين، وهو يبكي. فقالت له فاطمة: لم تبكي؟ .
فقال: أسلب بنت رسول الله ولا أبكي؟
فقالت: دعه.
قال: إنّي أخاف أن يأخذه غيري.
وكان علي بن الحسين، الأصغر، مريضا نائما على فراش. فقال شمر بن ذي الجوشن: اقتلوا هذا! .
فقال له رجل من أصحابه: سبحان الله! نقتل فتى حدثا مريضا لم يقاتل؟
وجاء عمر [بن سعد] بن أبي وقّاص فقال: لا تعرضوا لهؤلاء النسوة ولا لهذا المريض.
وقال عليّ بن الحسين: قصدني رجل منهم وأكرم نزلي واختصّني وجعل يبكي كلّما خرج ودخل حتى كنت أقول: إن لم يكن عند أحد من الناس وفاء فعند هذا! - إلى أن نادى منادي ابن زياد: ألا من وجد عليّ بن الحسين فليأت به، فقد جعلنا فيه ثلاثمائة درهم.
قال عليّ: فدخل والله عليّ وهو يبكي، وجعل يربط يديّ إلى عنقي وهو يقول: أخاف! - فأخرجني والله إليهم مربوطا حتّى دفعني إليهم وأخذ ثلاثمائة درهم وأنا انظر إليه. فأخذت فأدخلت على ابن زياد فقال: ما اسمك؟
فقلت: علي بن حسين.
فقال: أولم يقتل الله عليّا؟
قلت: كان لي أخ يقال له عليّ، أكبر منّي، قتله الناس.
قال: بل الله قتله.
قلت: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها (الزمر: ٤٢).
فأمر بقتله. فصاحت زينب بنت عليّ: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا! أسألك الله إن قتلته إلّا قتلتني معه.- فتركه.
[حمل بقيّة أهله إلى الشّام]
ولمّا أمر عمر بن سعد بثقل الحسين أن يدخل الكوفة، تقدّم به إلى عبيد الله بن زياد. وبعث إليه بالرأس مع خولي بن يزيد الأصبحيّ. فلمّا حملالنساء والصبيان ومرّوا بالقتلى، صرخت زينب بنت علي: يا محمّداه! هذا حسين بالعراء، مزمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء! يا محمّد، وبناتك سبايا وذرّيّتك مقتّلة! .
فما بقي [٤٠٣ أ] صديق ولا عدوّ إلّا أكبّ باكيا.
وقدم بهم إلى عبيد الله بن زياد فقال عبيد الله بن زياد: من هذه؟
فقالوا: زينب بنت عليّ بن أبي طالب.
فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟
стр. 1264
فقالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون.
قال: الحمد لله الذي قتلكم وأكذب حديثكم.
فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد وطهّرنا تطهيرا.
(وفي رواية: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم).
وقال: قد شفى الله نفسي من طاغيتك وأهل بيتك.
فبكت وقالت: لعمري، لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي.
فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فقال: هذه سجّاعة، وقد كان أبوها شاعرا سجّاعا.
فقالت: ما لي وللسجاعة؟ إنّ لي لشغلا، ولكن نفثي (١) ما أقول.
فلمّا وضعت الرءوس بين يدي ابن زياد، جعل يضرب بقضيب معه على في الحسين وهو يقول [الطويل]:
يفلّقن هاما من رجال أعزّة ... علينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما (٢)
فقال له زيد بن أرقم: لو نحّيت هذا القضيب، فإنّ رسول الله ﷺ كان يضع فاه على موضع هذا القضيب.
وقالت حفصة بنت سيرين عن أنس بن مالك:
جيء برأس الحسين إلى ابن زياد. فقال: ما رأيت مثل هذا حسنا.
قلت له: أما إنّه كان أشبههم برسول الله ﷺ .
وقال أنس بن مالك: شهدت عبيد الله بن زياد حيث أتى برأس الحسين. فجعل ينكت بقضيب معه على أسنانه ويقول: إنه كان لحسن الثغر.
(قال: فقلت: والله لأسوأنّك! ) فقلت: أما إنّي قد رأيت رسول الله ﷺ يقبّل موضع قضيبك من فيه.
فأمر ابن زياد برأس الحسين فنصب على خشبة.
قال الشعبيّ: رأس الحسين أوّل رأس حمل في الإسلام.
وأمر ابن زياد بحبس من قدم به عليه من بقيّة أهل الحسين معه في القصر.
فقال ذكوان أبو خالد: خلّ بيني وبين هذه الرءوس فأدفنها.
ففعل. فكفّنها ودفنها بالجبّانة. وركب إلى أجسادهم فكفّنهم ودفنهم.
قال المسعوديّ: ودفن أهل الغاضريّة- وهم قوم من بني أسد- الحسين وأصحابه بعد قتلهم بيوم (٣).
وأقبل عمر بن سعد فدخل الكوفة وقال: ما رجع رجل إلى [٥٠١ أ] أهله بشرّ ممّا رجعت به:
أطعت ابن زياد، وعصيت الله، وقطعت الرحم.
وقدم رسول يزيد بن معاوية يأمر ابن زياد أن يرسل إليه بثقل الحسين، ومن بقي من ولده وأهل
стр. 1265
بيته ونسائهم. فأسلفهم أبو خالد ذكوان عشرة آلاف درهم فتجهّزوا بها.
وقد كان ابن زياد لمّا قتل الحسين بعث زحر بن قيس الجعفيّ إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم عليه، فقال: ما وراءك؟
[حسن معاملة يزيد بن معاوية لأهل الحسين]
قال: يا أمير المؤمنين ابشر بفتح الله ونصره:
ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته، وفي سبعين من شيعته، فسرنا إليهم فخيّرناهم الاستسلام والنزول على حكم عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال على الاستسلام. فناهضناهم عند شروق الشمس وأطفنا بهم من كلّ ناحية. ثمّ جرّدنا عليهم السيوف اليمانيّة، فجعلوا يبرقطون (١) إلى غير وزر، ويلوذون منّا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ [ت] الحمائم من صقر، فنصرنا الله عليهم. فو الله يا أمير المؤمنين ما كان إلّا جزر جزور أو نومة قائل حتى كفى الله المؤمنين مؤونتهم، فأتينا على آخرهم. فهاتيك أجسادهم مطرّحة مجرّدة، وخدودهم معفّرة، ومناخرهم مرمّلة تسفي عليهم الريح ذيولها بقيّ (٢) سبسب تنتابهم عرج الضبّاع، زوّارهم العقبان والرّخم.
فدمعت عينا يزيد وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
ثمّ قال: كذلك عاقبة البغي والعقوق- وتمثّل [السريع]:
من يذق الحرب يجد طعمها ... مرّا وتتركه بجعجاع
وقيل: قال يزيد وقدم برأس الحسين محفّز [٤٠٣ ب] العائذيّ- عائذة قريش- على يزيد فقال:
أتيتك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم.
فقال يزيد: ما ولدت أمّ محفّز (٣) ألأم وأحمق لكنّ الرجل لم يقرأ كتاب الله تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: ٢٦].
ثمّ قرع بالخيزرانة بين شفتي الحسين وأنشد بيت الحصين بن الحمام المريّ: يفلّقن هاما ...
إلى آخره.
فقال له رجل من الأنصار: ارفع قضيبك، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يقبّل الموضع الذي وضعته عليه.
ثمّ أتى يزيد بثقل الحسين ومن بقي من أهله ونسائه، فأدخلوا عليه وقد قرنوا بالحبال فوقفوا بين يديه. فقال له عليّ بن الحسين: أنشدك الله يا يزيد، ما ظنّك برسول الله [٥٠١ ب] لو رآنا مقرّنين في الحبال، أما كان يرقّ لنا؟
فأمر يزيد بالحبال فقطعت- وعرف الانكسار فيه. وقالت له سكينة بنت الحسين: يا يزيد، أبنات رسول الله سبايا؟
قال: يا ابنة أخي، هو والله عليّ أشدّ منه عليك- ثمّ قال: أقسمت بالله، لو أنّ بين ابن زياد وبين
стр. 1266
حسين قرابة، لما أقدم عليه، ولكن فرّقت بينه وبينه سميّة.
وقال: قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين. فرحم الله أبا عبد الله! عجّل عليه ابن زياد. أما والله لو كنت صاحبه ثمّ لم أقدر على دفع القتل عنه إلّا بنقص بعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددت أنّي أتيت به سالما.
ثمّ أقبل على عليّ بن الحسين فقال: أبوك قطع رحمي ونازعني سلطاني فجزاه الله جزاء القطيعة والإثم.
فقال علي بن الحسين: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الحديد: ٢٢].
فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد: أجبه!
فلم يدر ما يردّ. فقال يزيد: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
فقام رجل من أهل الشام فقال: إنّ سبا [يا] هم لنا حلال.
فقال عليّ بن الحسين: كذبت ول [ؤ] مت! ما ذاك لك إلّا أن تخرج من ملّتنا وتأتي بغير ديننا.
فأطرق يزيد مليّا ثمّ قال للشاميّ: اجلس!
وفي رواية، قام رجل من الشام أحمر فقال: هب لي هذه الجارية- يعني فاطمة بنت عليّ. فأرعدت، فقالت زينب: كذبت والله، ما ذلك لك ولا له!
فغضب يزيد وقال: إنّ ذلك لي، لو شئت لفعلت.
فقالت: لا، إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغير ديننا.
فغضب وقال: إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك.
فقالت: بدين الله، وبدين أبي وجدّي اهتديت أنت وأبوك وجدّك.
فقال: كذبت!
فقالت: أنت أمير [مسلّط] تشتم ظالما وتقهر بسلطانك.
فكأنّه استحيى. وأعاد الشاميّ، فقال: اغرب! وهب الله لك حتفا قاضيا!
[إرجاع نساء الحسين إلى المدينة]
ثمّ أمر بالنساء فأدخلن على نسائه. وأمر نساء أبي سفيان فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيّام.
فما بقيت منهنّ امرأة إلّا تبكي وتنتحب على الحسين ثلاثا. وبكت أمّ كلثوم بنت عامر بن كريز على الحسين، وهي يومئذ عند يزيد بن معاوية. فقال يزيد: حقّ لها أن تعول على كبير قريش وسيّدها.
وقالت فاطمة بنت عليّ لامرأة يزيد: ما ترك لنا شيء.
فأبلغت يزيد ذلك فقال يزيد: ما أتى إليهم أعظم. ثمّ ما ادّعوا شيئا ذهب لهم إلّا أضعّفه لهم.
وقال: أتدرون من أين أتى حسين؟ لأنّه كان يقول: أبي خير من أبيه، وأمّي خير من أمّه، وجدّي رسول الله خير من جدّه، وأنا خير منه.
فأمّا قوله: أبي خير من أبيه، فقد حاجّ أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيّهما حكم له. [وأمّا قوله: أمّي خير من أمّه، فلعمري فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ] خير من أمّي. [وأمّا قوله: جدّي خير من جدّه، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولا ندّا]. ولكنّه إنّما أتى من قبل فقهه ولم يقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ [آل عمران: ٢٦].
ثمّ دعا بعليّ بن الحسين، وحسن بن الحسن، وعمرو بن الحسن. فقال لعمرو بن الحسن- وهو
стр. 1267
يومئذ ابن إحدى عشرة سنة: أتصارع هذا؟ - يعني خالد بن يزيد.
قال: لا، ولكن أعطني سكّينا وأعطه سكّينا حتّى أقاتله.
فضمّه إليه يزيد وقال: شنشنة أعرفها من أخزم! هل تلد الحيّة إلّا الحيّة؟
ثمّ بعث يزيد إلى المدينة فقدم [٤٠٤ أ] عليه بعدّة من ذوي السنّ من موالي هاشم، ثمّ من موالي عليّ ﵁، وضمّ إليهم عدّة من موالي أبيسفيان. ثمّ بعث بثقل الحسين ومن بقي من نسائه وأهله وولده معهم، وجهّزهم ولم يدع لهم حاجة بالمدينة إلّا أمر لهم بها.
وكان يزيد يدعو عليّ بن الحسين لغدائه وعشائه. وقال لعليّ بن الحسين: إن أحببت أن نقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقّك، فعلت. وإن أحببت أن أردّك إلى بلادك وأصلك؟
قال: بل تردّني إلى بلادي.
فردّه [٥٠٢ أ] إلى المدينة ووصله.
ويقال: لمّا أدخل ثقل الحسين على يزيد وضع رأسه بين يديه وبكى. وقال:
يفلّقن هاما من رجال أحبّة ... إلينا، وهم كانوا أعقّ وأظلما
أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا.
فقال علي بن حسين: ليس هكذا.
فقال: فكيف يا ابن آدم؟
قال: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢].
فقال عبد الرحمن بن الحكم [أخو مروان بن الحكم- طويل]:
لهام بجنب الطفّ أدنى قرابة ... من ابن زياد العبد ذي النسب الوغل
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى ... وبنت رسول الله ليس لها نسل (١)
فرفع يزيد يده فضرب صدر عبد الرحمن وقال: اسكت!
وقيل: قال يزيد [رمل]:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا ... ثمّ قالوا: يا يزيد لا تسل
لست من عتبة إن لم أثّئر ... من بني أحمد ما كان فعل (٢)
وأمر الرسل الذين وجّههم معهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا. وبعث بهم مع محرز بن حريث بن مسعود الكلبيّ، ورجل من بهراء. وكانا من أفضل أهل الشام. فلمّا مرّوا بالكوفة بكى الناس. فقالت أمّ كلثوم بنت عليّ: فمن قتلنا إذن؟ ابكوا، فلا رقأت الدمعة يا قصّة على ملحودة! (القصّ:
الجصّ والملحودة القبر) شبّهتهم بالقبر المجصّص الذي ظاهره أبيض وباطنه مخالفه.
[عداوة مروان بن الحكم لآل البيت]
وبعث يزيد برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد بن العاص، وهو عامل له يومئذ على المدينة. فقال عمرو: وددت أنّه لم يبعث به إليّ.
فقال مروان: اسكت! - ثمّ تناول الرأس فوضعه
стр. 1268
بين يديه وأخذ بأرنبته وقال [الرجز]:
يا حبّذا بردك في اليدين ... ولونك الأحمر في الخدّين
كأنّما بات بمجسدين (١)
والله كأنّي انظر إلى أيّام عثمان.
وسمع عمرو بن سعيد الصيحة من دور بني هاشم فقال متمثّلا [الكامل]:
عجّت نساء بني زبيد عجّة ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
(والشعر لعمرو بن معدي كرب في وقعة كانت بين زبيد وبين بني الحارث بن كعب) (٢).
ثمّ خرج عمرو بن سعيد إلى المنبر، فخطب الناس، ثمّ ذكر الحسين وما كان من أمره. ثمّ قال:
والله لوددت أنّ رأسه في جسده وروحه في بدنه، يسبّنا ونمدحه، ويقطعنا ونصله، كعادتنا وعادته.
فقام ابن أبي حبيش، أحد بني أسد بن عبد العزّى بن قصيّ فقال: أمّا لو كانت فاطمة حيّة لأحزنها ما ترى!
فقال عمرو: اسكت لا سكتّ! أتنازعني فاطمة، وأنا من عفر ظبائها؟ والله إنّه لابننا وإنّ أمّه لابنتنا. أجل والله، لو كانت حيّة لأحزنها قتله، ثمّ لم تسلم من قتله.
فقال ابن أبي حبيش: إنّه ابن فاطمة. وفاطمة ابنة [خديجة] بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى.
قال ابن أبي مليكة: بينما ابن عبّاس ﵁ جالس في المسجد الحرام وهو يتوقّع خبر
الحسين إذ أتاه آت فسارّه بشيء، فأظهر الاسترجاع. فقلنا: ما حدث يا أبا العبّاس؟
قال: مصيبة عظيمة عند الله نحتسبها.
ولم يبرح حتى جاء ابن الزبير فعزّاه، ثمّ انصرف. فقام ابن عبّاس فدخل منزله، ودخل عليه الناس يعزّونه. فقال: إنّه ليعدل عندي مصيبة حسين شماتة ابن الزبير. أترون مشي ابن الزبير إليّ [ل] يعزّيني؟ إنّ ذلك منه إلّا شماتة.
ولمّا بلغ قتل الحسين محمّد بن الحنيفة قال:
قد قتلوا سبعة عشر شابّا كلّهم قد [٤٠٤ ب] ارتكضوا في رحم [٤٠٤ ب] فاطمة ﵍.
وعن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن قال:
لقيني رأس الجالوت فقال: والله إنّ بيني وبين داود لسبعين أبا، وإنّ اليهود لتلقاني فتعظّمني. وأنتم ليس بينكم وبين نبيّكم إلّا أب واحد، قتلتم ولده.
قال أبو الأسود: أوّل من طعن في سرادق الحسين عمر بن سعد. (قال) فرأيته هو وابنيه ضربت أعناقهم، ثمّ علّقوا على الخشب وألهب فيهم النيران.
ولمّا بلغ مروان بن الحكم معسكر الحسين قال [الرمل]:
أوقع الروميّ فيهم وقعة ... أثبتت أوتاد ملك فاستقرّ
وفي رواية: ضربت دوسر فيهم ضربة ...
(دوسر اسم كتيبة للنعمان) (٣).
[الخوارق التي صحبت مقتل الحسين]
وقد كان قتل الحسين ﵀، من أعلام النبوّة، أخبر به النبيّ ﷺ وكان كما أخبر:
روى عبد الله بن وهب عن زمعة قال: أخبرتني
стр. 1269
أمّ سلمة ﵂، أنّ رسول الله ﷺ اضطجع ذات يوم للنوم فاستيقظ وهو خاثر. ثمّ اضطجع فرقد ثمّ استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرّة الأولى. ثمّ اضطجع واستيقظ، وفي يده تربة حمراء يقلّبها. فقلت: ما هذه التربة، يا رسول الله؟
فقال: أخبرني جبريل ﵇، أنّ ابني هذا-[وأشار] للحسين- يقتل بأرض العراق، فقلت:
يا جبريل، أرني تربة الأرض التي يقتل بها- فهذه تربتها (وتقدّم حديث أمّ الفضل).
وروى ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، قال: استأذن ملك المطران أن يأتي رسول الله ﷺ فأذن له. فقال لأمّ سلمة: احفظي علينا الباب لا يدخلنّ أحد. (قال) فجاء الحسين بن عليّ فوثب حتى دخل. فجعل يقع على منكب النبيّ ﷺ . فقال الملك: أتحبّه؟
فقال النبيّ ﷺ : نعم.
قال: فإنّ أمّتك تقتله. وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه. (قال) فضرب بيده فإذا تراب أحمر. فأخذته أمّ سلمة فصرّته في طرف ثوبها.
فكنّا نسمع أنّ الحسين يقتل بكربلاء.
وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: كان لعائشة ﵂ مشربة، فكان رسول الله ﷺ إذا أراد لقاء جبريل لقيه فيها. فرقيها مرّة وأمر عائشة أن لا يطلع إليهم أحد- وكان رأس الدرجة في حجرة عائشة. فدخل حسين بن عليّ فرقي ولم تعلم حتى غشيهما. فقال جبريل: من هذا؟
قال: ابني- وأخذه رسول الله ﷺ وجعله على فخذه.
قال جبريل ﵇: سيقتل، تقتله أمّتك.
فقال رسول الله ﷺ : أمّتي؟
قال: [٥٠٣ أ] نعم، وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها.
فأشار جبريل بيده إلى الطفّ بالعراق فأخذ تربة حمراء فأراه إيّاها.
وروى الأعمش عن أبي وائل عن أمّ سلمة ﵂، أنّها قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول الله ﷺ في بيتي. فنزل جبريل ﵇ فقال: يا محمّد، إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك.
فبكى رسول الله ﷺ وضمّه. ثمّ قال: وضعت عندك هذه التربة. فشمّها رسول الله ﷺ وقال:
ريح كرب وبلاء (وقال: ) يا أمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دما فاعلمي أنّ ابني قد قتل.
فجعلتها أمّ سلمة في قارورة ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوما تحوّلين دما ليوم عظيم- وفي الباب عن جماعة من الصحابة (١).
وروي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنّه قال: ليقتلنّ الحسين قتلا وإنّي لأعرف تربة الأرض التي يقتل بها.
ولمّا قتل الحسين ﵇، ظهرت آيات عديدة.
روى أبو نعيم: نا عبد الله بن حبيب، وروى علي بن مسهر عن جدّته قالت: كنت شابّة لمّا قتل الحسين.
فمكثت السماء سبعة أيّام بلياليها كأنّها علقة.
وروى عليّ بن مدرك عن جدّه الأسود بن قيس قال: احمرّت آفاق السماء بعد قتل الحسين ستّة أشهر كأنّها الدم.
[تلوّن الكون بدم الحسين]
وقال عيسى بن الحارث الكنديّ: لمّا قتل الحسين مكثنا سبعة أيّام إذا صلّينا العصر نظرنا إلى الشمس على أطراف الحيطان كأنّها الملاحف
стр. 1270
المعصفرة، ونظرنا إلى الكواكب يضرب بعضها بعضا.
وعن نصرة الأزديّة قالت: لمّا قتل الحسين مطرت السماء [٤٠٥ أ] دما فأصبحت وكلّ شيء لنا ملآن دما.
وعن ابن سيرين قال: لم تر هذه الحمرة في آفاق السماء حتى قتل الحسين بن علي رحمة الله عليه.
وقد نظم هذا أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّي فقال [خفيف]:
وعلى الأفق من دماء الشهيدي ... ن عليّ وصنوه شاهدان (١)
فهما في أواخر الليل فجرا ... ن وفي أولياته شفقان
وروى عبد الله بن لهيعة عن أبي قبيل قال: لمّا قتل الحسين كسفت الشمس وبدت الكواكب نصف النهار.
وروى قطن بن نسير (٢): ثنا جعفر بن سليمان:
حدّثتني خالتي قالت: لمّا قتل الحسين مطرنا مطرا كالدم.
وقال مهدي بن ميمون: سمعت مروان مولى ابنة المهلّب قال: حدّثني بوّاب عبيد الله بن زياد قال: لمّا جيء برأس الحسين فوضع، رأيت [٥٠٣ ب] حيطان دار الإمارة تسايل دما.
وقال حمّاد بن زيد عن معمّر: أوّل ما عرف
الزهريّ تكلّم في مجلس الوليد بن عبد الملك لمّا قال الوليد: أيّكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن عليّ؟
فقال الزهريّ: بلغني أنّه لم يقلب حجر إلّا وجد تحته دم عبيط.
[الانتقام الإلهيّ من قاتليه]
وروى مثله زيد بن عمرو الكنديّ، وقال:
حدّثتني أمّ حيّان قالت: يوم قتل الحسين أظلمت [الدنيا] علينا ثلاثا. ولم يمسّ أحدهم من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلّا احترق، ولم يقلب حجر بيت المقدس إلّا أصبح تحته دم عبيط.
وقال أبو بكر الحميدي: ثنا سفيان قال:
حدّثتني جدّتي قالت: لقد رأيت الورس عاد رمادا، ولقد رأيت اللحم كأنّ فيه النار حين قتل الحسين. [وأخذوا جزورا] يوم قتل فنحروها وطبخوها فصارت مثل العلقم فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا.
وقال فروة بن خالد عن أبي رجاء العطارديّ قال: لا تسبّوا أهل هذا البيت. فإنّه كان لنا جار لهج بهم فقال: أما ترون إلى هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله- يعني الحسين بن عليّ ﵉ فرماه الله بكوكبين (٣) في عينيه فعمي.
وعن السدّيّ: أتيت كربلاء أبيع البزّ بها، فعمل لنا شيخ من طيّئ طعاما. فذكرنا قتل الحسين فقلنا: ما شرك أحد في قتله إلّا مات بأسوإ ميتة.
فقال: ما أكذبكم! أنا ممّن اشترك في قتله.
فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتّقد فسقط فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه فأخذت النار منها، فذهب يطفئها بريقه فأخذت النار في لحيته، فعدا
стр. 1271
فألقى بنفسه في الماء، فرأيته كأنّه حممة (١).
وعن عطاء بن السائب أنّ رجلا قال للحسين:
ابشر بالنار!
فقال: ابشر بربّ رحيم، وشفيع مطاع! من أنت؟
قال: أنا جويرة.
فقال: اللهمّ جرّه إلى النار!
فنفرت به الدابّة فتعلّقت رجله بالركاب فو الله ما بقي عليها منه إلّا رجله.
وقال ابن عيينة: حدّثتني جدّتي أمّ أبي قالت:
شهد رجلان من الجعفيّين قتل الحسين. فأمّا أحدهما فطال ذكره [حتى] كان يلفّه. وأمّا الآخر فكان يستقبل الراوية بفيه حتى يأتي على آخرها.
(قال سفيان: ) رأيت ابن أحدهما مجنونا.
وعن سهر بن حوشب قال: إنّا لعند أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ فسمعت صارخة [٥٠٤ أ] فأقبلت حتى انتهت إلى أمّ سلمة فقالت: قتل الحسين.
قالت: فعلوها، ملأ الله بيوتهم وقبورهم عليهم نارا- ووقعت مغشيّا عليها، فقمنا.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين: ثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: أوحى الله إلى نبيّكم: إنّي قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا. وإنّي قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا- خرّجه الحاكم.
وقال حمّاد بن سلمة عن عمّار بن أبي عمّار عن أمّ سلمة أنّها سمعت الجنّ تنوح على الحسين.
وقال عمرو بن ثابت عن حبيب بن أبي ثابت عن أمّ سلمة أنّها قالت: ما سمعت نوح الجنّ منذ قبض النبيّ ﷺ إلّا الليلة، وما أرى [ابني] (٢) إلّا قد
قتل- تعني الحسين. فقالت لجاريتها: اخرجي فسلي.
فأخبرت أنّه قد قتل، وإذا جنيّة تنوح [وافر]:
أيا عيني ألا احتفلي بجهد ... ومن يبكي على الشهداء بعدي [٤٠٥ ب]
على رهط تقودهم المنايا ... إلى متجبّر في ملك عبد (٣)
وقال عطاء بن مسلم عن أبي حبال الكلبيّ قال:
أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب بها:
بلغني عنكم أنّكم تسمعون نوح الجنّ؟
فقال: ما تلقى حرّا أو عبدا إلّا أخبرك أنّه سمع ذلك.
قلت: فأخبرني ما سمعت أنت.
فقال: سمعتهم يقولون [كامل]:
سبط الرسول حبيبه ... فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قري ... ش، جدّه خير الجدود (٤)
وقال ابن لهيعة عن أبي قبيل: لمّا قتلوا الحسين احتزّوا رأسه وقعدوا في أوّل المرحلة يشربون النبيذ. فخرج عليهم قلم من حائط فكتب بسطر دم [وافر]:
أترجو أمّة قتلت حسينا ... شفاعة جدّه يوم الحساب؟ (٥)
فهربوا وتركوا الرأس. ثمّ رجعوا.
[مصير رأس الحسين]
وقد اختلف الناس في رأس الحسين ﵇. فقيل إنّ يزيد بن معاوية بعث به إلى
стр. 1272
عمرو بن سعيد بن العاص وهو عامل له يومئذ على المدينة فكفّنه عمرو ودفن [هـ] بالبقيع عند قبر أمّه فاطمة ﵍.
وقيل: بل علّق يزيد الرأس بدمشق ثلاثة أيّام، وأنّه مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة، فبعث فجيء به وقد بقي عظما أبيض، فجعله في سفط وطيّبه وكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين. فلمّا زالت دولة بني أميّة وقدم بنو العبّاس إلى دمشق، سألوا عن موضع الرأس ونبشوه وأخذوه، والله أعلم ما صنع به.
وقال قوم بأنّ الرأس صار إلى مدينة عسقلان فدفن هناك إلى أن كانت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة [ف] خرج الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ من القاهرة ودخل عسقلان [٥٠٤ ب] وأخرج الرأس من مكان دارس وعطّره وحمله في سفط إلى دار وعمّر مشهدا، وحمل الرأس على صدره وسعى به ماشيا إلى أن أحلّه في مقرّه. ثمّ نقل الرأس من عسقلان فوصل إلى القاهرة في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، أحضر الأمير سيف المملكة تميم والي عسقلان، والقاضي المؤتمن بن مسكين مشارفها، وجعل في القصر يوم الثلاثاء عاشره. وبنى له الموضع المعروف بالمشهد الحسينيّ من القاهرة. ومن الناس من يثبت أنّ هذا هو رأس الحسين، ومنهم من ينفي ذلك.
قال ابن عبد الظاهر: وسمعت من يحكي حكاية يستدلّ بها على بعض شرف هذا الرأس المبارك، وهي أنّ السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب لمّا أخذ أهل القصر وشي له بخادم له قدر في الدولة المصريّة، وكان زمام القصر. وقيل إنّه يعرف الأموال التي بالقصر والدفاتر. فأخذ وسئل فلم يجب بشيء وتجاهل فأمر نوّابه بتعذيبه، فأخذه متولّي العقوبة، وجعل على رأسه خنافس وشدّ عليها- يعني ألبسه طاسة نحاس بعد ما حلق رأسه ووضع عليها الخنافس لتنقب رأسه، وهذا أشدّ العقوبات، والإنسان لا يطيق الصبر عليها ساعة إلّا تنقب دماغه وتقتله.
ففعل ذلك به مرارا وهو لا يتأوّه، وتوجد الخنافس ميتة. فعجب من ذلك وأحضره وقال له: هذا سرّ فيك لا بدّ أن تعرّفني به.
فقال: والله ما سبب هذا إلّا أنّي لمّا وصل رأس الإمام الحسين ﵇ حملته.
قال: وأيّ سبب أعظم من هذا؟
وراجع في أمره فعفا عنه.
[إعفاء قبره بكربلاء]
وأمّا قبر الحسين فإنّ جثّته دفنت بالطفّ، وصار الناس يزورون قبره ويتبرّكون به إلى أن كانت سنة ستّ وثلاثين ومائتين [ف] أمر الخليفة المتوكّل على الله أبو الفضل جعفر ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بهدمه.
فهدم القبر وما حوله من المنازل والدور. وبذر وسقي موضع القبر ومنع الناس من إتيانه، ونودي في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثالثه بعثنا به إلى المطبق- فهرب الناس منه وامتنعوا من المصير إليه. وحرث الموضع وزرع ما حواليه. فقال عليّ بن محمد بن بسّام [كامل] (١):
[٤٠٦ أ] تالله إن كانت أميّة قد أتت ... قتل ابن بنت نبيّها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمرك قبره مهدوما
стр. 1273
أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا ... في قتله فتتبّعوه رميما
وروي عن أبي بكر بن عيّاش عن عبد الله بن عمر قال: دخلت القصر، فرأيت رأس الحسين بن عليّ على ترس.
[بعض ما رثي به]
وقال أبو الأسود الدؤليّ في قتل الحسين [الوافر]:
أقول وزادني جزعا وغيظا ... أزال الله ملك بني زياد
وأبعدهم كما غدروا وخانوا ... كما بعدت ثمود وقوم عاد
ولا رجعت ركابهم إليهم ... إذا [و] قفت إلى يوم التنادي (١)
وقال سليمان بن قتة يرثيه [الطويل]:
وإنّ قتيل الطفّ من آل هاشم ... أذلّ رقابا من قريش فذلّت
فإن يبتغوه عائذ البيت يصبحوا ... كعاد تعمّت عن هداها فضلّت
مررت على أبيات آل محمّد ... فألفيتها أمثالها حيث حلّت
وكانوا لنا غنما فعادوا رزيّة ... لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت
فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... وتقتلنا قيس إذا النعل زلّت
وعند غنيّ قطرة من دمائنا ... سنجزيهم يوما بها حيث حلّت
ألم تر أنّ الأرض أضحت مريضة ... لفقد حسين، والبلاد اقشعرّت؟ (٢)
وقال السيّد الحميريّ، واسمه إسماعيل بن [محمد بن يزيد] (٣) [كامل]:
امرر على جدث الحسي ... ن فقل لأعظمه الزكيّة
يا أعظما لا زلت من ... وطفاء ساكنة رويّة
وإذا مررت بقبره ... فأطل به وقف المطيّة
وابك المطهّر للمط ... هّر والمطهّرة التقيّة
كبكاء معولة أتت ... يوما لواحدها المنيّة
وقالت [رملة] بنت عقيل بن أبي طالب [البسيط]:
ماذا تقولون إن قال النبيّ لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي عند مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرّجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشرّ في ذوي رحمي
١٢٥١ - جمال الدّين السبكي [٧٢٢ - ٧٥٥] (٤)
[٤٢٨ أ] الحسين بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمّام، جمال الدين، أبو الطيّب، ابن
стр. 1274
قاضي القضاة تقيّ الدين، السبكيّ، الشافعيّ.
ولد في رجب سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وحضّره أبوه على جماعة من المشايخ. وحضر البخاري على الحجّار (١) لمّا ورد القاهرة. وسمع على يونس الدبابيسيّ وغيره، وطلب العلم. وتفقّه على مجد الدين الزنكلونيّ. وأخذ النحو عن أبي حيّان- أكمل عليه التسهيل- وأخذ الأصلين عن الأصفهانيّ (٢). وأحكم العروض وأتقنه على أبي عبد الله [٤٠٦ ب] بن الصائغ. وتوجّه مع أبيه إلى دمشق وطلب الحديث بنفسه، وقرأ على المزّيّ.
وقرأ الفقه على شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم ابن النقيب (٣).
ثمّ عاد إلى القاهرة ودرّس بالكهاريّة، وأعاد بدرس القلعة عند بهاء الدين بن عقيل. ومضى إلى أبيه وناب عنه في الحكم بدمشق، ودرّس بالدماغيّة والشاميّة والعذراويّة (٤).
وكان من الأذكياء يستحضر التسهيل والحاوي استحضارا عجيبا (٥).
وتوفّي يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبعمائة بدمشق، [ودفن بتربتهم بقاسيون].
ومن شعره ملغزا في ريباس (٦) [البسيط]:
لا ريب فيه وفيه الريب أجمعه ... وفيه بأس ولين البانة النضرة
وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفه ... وضيعة ببلاد الشام مشتهرة (٧)
١٢٥٢ - معزّ الدّين ابن السديد العقيليّ [- ٤٨٧] (٨)
[٥٣٩ أ] الحسين بن علي بن محمد بن الحسن بن عيسى، المنعوت بالوزير، السيّد الأجلّ الكامل الأوحد العادل، معزّ الدين، صفيّ أمير المؤمنين وخالصته، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن سديد الدولة ذي الكفايتين.
من أماثل الكتّاب وصدورهم. وله كتب مستحسنة ورسائل مدوّنة. وكان طبعه أغزر من أدبه. وكانت إقامته بدمشق.
وخرج مع الأمير المؤيّد مصطفى الملك حيدرة بن حسين بن مفلح لمّا ولي إمرة دمشق من قبل المستنصر، ناظرا في أعمال الشام لأيّام مضت من شهر رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة فأقام بها إلى أن استدعي إلى القاهرة، وقلّد الوزارة في أيّام المستنصر بالله أبي تميم معدّ في ثاني شهر ربيع الأوّل سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
وفي وزارته كانت الوقعة بين العبيد والأتراك.
ثم صرف في ثاني شعبان [سنة ٤٥٤] بأبي الفرج عبد الله بن محمد البابلي، وعاد إلى ديوان الشام.
ثم صار إلى صور وأقام بها عدّة سنين. فلمّا فتحت كان من جملة من حمل إلى مصر. وتصرّف في مشارفة الإسكندريّة ثمّ صرف.
стр. 1275
ومات في [ ... ] سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
ومن شعره [المتقارب]:
توصّل إلى ردّ كيد العدوّ ... توصّل ذي الحيلة الحازم
وصانع ببعض الذي حزته ... تعش عيشة الآمن الغانم
ودع ما تمّت به في القديم ... واعمل لذا الزمن القادم
لعلّك تسلم ممّا تخاف ... ولست إخالك بالسالم
١٢٥٣ - الحسين بن علي بن النعمان [٣٥٨ - ٣٩٥]
[٥٤٠ أ] الحسين بن علي بن النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون، قاضي القضاة، وداعي الدعاة، أبو عبد الله، ابن القاضي أبي الحسين، ابن القاضي أبي حنيفة.
[قدومه من المغرب وتولّيه القضاء]
ولد ببلاد المغرب لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة ثمان (١) وخمسين وثلاثمائة. وقدم مع أبيه وجدّه إلى القاهرة صغيرا في رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة، فنشأ بها، ونظر في فقه آل بيت الإسماعيليّة وصار من غلاة الشيعة.
واستخلفه عمّه قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن النعمان في الجامع للحكم بين الناس، ثمّ صرفه عن خلافته بابنه عبد العزيز بن محمد (٢). فلمّا مات محمد بن النعمان (٣) استدعى
الأستاذ برجوان (٤) الحسين في يوم الأحد ثالث عشرين صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة إلى حضرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله فولّاه القضاء وأضعف له أرزاق عمّه وصلاته وإقطاعاته، وقال له: قد أزحت علّتك (٥) فلا توجدني سبيلا إليك بتعرّضك لدرهم من أموال المسلمين، فقد أغنيتك عنها.
وخلع عليه في القصر ثيابا بيضا، ورداء محشّى مذهّبا، وعمامة مذهّبة، وقلّده سيفا، وحمله على بغلة، وقاد بين يديه بغلتين مسرجتين ملجمتين، وحمل بين يديه ثيابا كثيرة صحاحا (٦).
وردّ إليه الحاكم بأمر الله الحكم بالقاهرة المعزّيّة ومصر [٤٠٧ أ] وأعمالها والحرمين وأجناد الشام وأعمال المغرب كلّها، و [النظر] على (٧) المنابر وأئمّة المساجد الجامعة، والقومة عليها، والمؤذّنين بها، وسائر المتصرّفين فيها وفي غيرها من المساجد، والنظر في مصالحها جميعا، ومشارفة دار الضرب وعيار الذهب والفضّة.
ولم يظنّ أحد ذلك به لفقره وضعف حاله، وكانت ظنون الناس تسبق إلى ولاية عبد العزيز بن محمد بن النعمان لما كان أبوه قرّره له في حياته وجعله إليه من خلافته.
فنزل الحسين من القصر إلى الجامع العتيق بمصر وقرئ سجلّ ولايته على المنبر. فنظر بين
стр. 1276
الناس، وأوقف جماعة من الشهود وندب منهم أربعة لكشف أحوال بقيّة الشهود. وألزم من كان ينظر في أموال الأيتام برفع حسابهم بعد أن رفع جماعة من الناس إلى الحضرة يسألون إيصالهم إلى حقوقهم وأموالهم التي كانت مودعة عند العدول. وتولّى النظر في أمرهم فهد بن إبراهيمالنصرانيّ كاتب الأستاذ برجوان.
[محاسبته ورثة عمّه على مخلّفه]
ورفع جماعة من الناس يسألون إعطاءهم أموالهم التي كانت مودعة (١) في مودع القاضي محمد بن النعمان. فأحضر ابنه عبد العزيز وكاتبه أبو الطاهر بن السندي فسئلا عن ذلك فذكر أنّ جميع ما كان في مودعه تصرّف فيه على سبيل القرض. فأحضر الأمناء وطولبوا أشدّ مطالبة، ورسم عليهم فهد بن إبراهيم واعتقل بعضهم، وضيّق عليهم، ووكّل بهم، وطولب من في يده وديعة بحجّة، فمنهم من أحضر حجّة، ومنهم من لم يحضر حجّة فألزم بالقيام بما ثبت باسمه [٥٤٠ ب]. وأمر الحسين ببيع ما خلّفه عمّه محمد بن النعمان فحصل منه سبعة آلاف دينار وتسعة وثلاثون دينارا ونصف وثلث دينار. فخرج الأمر من الحضرة بإضافة هذا المال إلى ما صحّ من الجهات المقبوضة من الأمناء، فبلغ المجموع أحد عشر ألف دينار والكسر المذكور. وحضر القاضي الحسين مع شهوده بالقصر لقسم ذلك على الأيتام، فكانت جملته مع ما وجب لغيرهم من الغيّب تسعة آلاف دينار وأربعمائة وتسعة عشر دينارا وثلث وربع دينار. فأمر القاضي باختيار موضع يكون مودعا لأموال الأيتام، فوقع الاختيار على مكان بزقاق القناديل حمل إليه ما قبض من أموال الأيتام، ورسم بحضور خمسة من الشهود
ليكونوا شهداء على ما يرد إليه ويخرج منه بحجج تكتب في ذلك وتثبت خطوطهم عليه، فكان هذا ممّا استحسن من أعمال القاضي الحسين، وهو أوّل من عمل للأيتام مودعا توضع فيه أموالهم.
وجعل على خلافته بمصر أبا عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر (٢)، وعلى خلافته بالقاهرة أبا الحسن مالك بن سعيد الفارقي (٣) وعلى خلافته في الفرض والنظر بين المتحاكمين إذا غاب الحسين بن طاهر أبا العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوّام (٤)، واستكتب أبا طاهر زيد بن أحمد بن السندي، وأبا القاسم عليّ بن عمر الورّاق، وجعل لأخيه أبي المنذر النعمان بن علي النظر في العيار ودار الضرب وخلافته على الحكم بالإسكندريّة وأعمالها.
وانبسطت يد القاضي الحسين في الأحكام، ونظر فيها بصرامة وشدّة. ثمّ قبل شهادة كلّ من توقّف في قبول شهادته، وعدّل آخرين. وأقام على بابه حاجبا.
وفوّض إليه مع القضاء أمر الدعوة وقراءة الدعوة في المجالس بالقصر وكتابتها. وشرّفه الحاكم بأمر الله أيّام الأعياد بالصعود معه إلى المنبر وقت الخطبة مع من يصعد، فعلت منزلته إلى الغاية.
وفي ثالث جمادى الأولى زلّ لسان رجل مخاصم (٥) في مجلس القضاء، فأمر القاضي
стр. 1277
الحسين به فضرب في الشرطة ألفا وثمانمائة سوط ودرّة، وطيف به فمات. وشهد أكثر الناس من أهل البلد جنازته وزاروا قبره بكرة وعشيّا فندم القاضي على فعله فيه.
[التنافس مع ابن عمّه على القضاء]
وفي ثالث رجب سنة [٥٤١ أ] تسعين وثلاثمائة، فوّض الحاكم بأمر الله للقاضي أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان النظر في المظالم وأذن له أن يسمع البيّنة فيها، فقبل جماعة من الشهود اختارهم بعد ما راسل قوما وامتنعوا من الشهادة عنده، رغبة منهم في الشهادة عند قاضيالقضاة الحسين. فوقع بذلك بين الناس [٤٠٧ ب] اختلاف، وصار من رفع غريمه إلى الحسين يريد خصمه عبد العزيز، ومن خاصم إلى عبد العزيز طلب غريمه إلى الحسين، ولا تزال الشرور بين الناس بهذا السبب، وصار عبد العزيز إذا جلس بالجامع حضر الشهود عنده ولا يحضر أحد عند الحسين ولا يصير إلى داره.
وفي تاسع صفر سنة إحدى وتسعين [وثلاثمائة]، قام رجل مغربي (١) إلى القاضي حسين وهو في صلاة العصر بالجامع فضربه بحديدة في جبهته، وجرحه ثلاث جراحات، فثار الناس به وضجّوا ضجّة عظيمة وبطشوا بالرجل فمات لوقته وبقي مطروحا إلى العشاء ثمّ صلب فسرق بعد عشرة أيّام في الليل. ولزم القاضي داره لما به وعاده سائر أهل الدولة. ثمّ ركب في الخامس من ربيع الأوّل إلى القصر، فخلع عليه وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما، وحملت عدّة خلع على أيدي الخدّام إليه.
وقبض على رجل من أهل الشام سئل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، فقال:
«لا أعرفه». فاعتقله القاضي وبعث إليه أربعة من الشهود فسألوه عن عليّ ﵁، فأقرّ بالنبيّ ﷺ وأنّه نبيّ مرسل وقال: «لا أعرف علي بن أبي طالب». فاستدعاه قائد القوّاد الحسين بن جوهر ورفق به فلم يرجع فضرب عنقه بأمر الحاكم وصلب (٢).
стр. 1278
[إقراره على القضاء ثمّ صرفه]
وكثر كلام الناس في أمر القضايا والأحكام والظلامات، وما يجري بينهم من الاختلاف في الترافع إلى قاضي القضاة الحسين، وإلى عبد العزيز. فكتب الحاكم بخطّ يده بعد البسملة:
«يا حسين، أحسن الله إليك، اتّصل بنا ما جرى من شناعات العوامّ، ومن لا خير فيه، وإرجافهم، فأنكرنا أن يجري مثله فيمن يحلّ محلّك من خدمتنا إذ كنت قاضينا وداعينا وثقتنا. ونحن نتقدّم بما يزيل ذلك، ولم نجعل لأحد غيرك نظرا في شيء من القضايا والحكم، ولا في شيء ممّا استخدمناك فيه، ولا مكاتبة أحد من [٥٤١ ب]
خلفائك بالحضرة وغيرها وسائر النواحي، ولا يكاتب أحدا منهم غيرك. ومن تسمّى غيرك بالقضاء، فذلك على المجاز في اللفظ ولا على الحقيقة، وقد منعنا غيرك أن يسجّل في شيء فنتقدّم إلى جميع الشهود والعدول بأن لا يشهدوا في سجلّ لأحد سواك. وإن تشاجر خصمان فدعي أحدهما إليك ودعا (١) الآخر إلى غيرك، كان الداعي إلى غيرك عليه الرجوع إليك طائعا أو مكرها. فاجر على ما أنت عليه من تنفيذ القضايا والأحكام، مستعينا بالله ، ثم نناولك من جميل رأينا فيك ما يسعدك في الدنيا والآخرة.
وقد أذنّا لك أن تكاتب جميع من يكاتب القاضي ب «قاضي القضاة»، كما جعلناك، ويكاتبك جميع من تكاتبه بذلك وتكتب به في سجلّاتك. فاعلم ذلك، وأشهر أمرنا بجميع ما يقتضيه هذا التوقيع ليمتثل، ولا تتجاوز! وفّقك الله لرضاه ورضانا، وأيّدك على ذلك وأعانك عليه إن شاء الله تعالى.
وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وسلّم تسليما».
فقرأه القاضي على سائر الشهود، وأمر أن يكتب في سجلّاته «قاضي القضاة» وكوتب بذلك وكتب عنه. فلم يزل على ذلك إلى أن صرفه الحاكم بأمر الله في يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وهو جالس في داره يتصرّف في الأحكام على حين غفلة، فلم يشعر إلّا وقد قيل له: ولي عبد العزيز بن محمد بن النعمان، وقد حضر الجامع مخلوعا عليه.
فقال: يا قوم، هذا والله محال، لا حقيقة له، ولعلّه قلّد غير القضاء.
وبعث رسله فسمعوا ما في سجلّه حتى أخبروه
стр. 1279
بصرفه عن القضاء بتولية عبد العزيز، فقال: ما هذه الداهية على غفلة؟ لا حول ولا قوّة إلّا بالله!
وأغلق بابه وصرف من عليه، وسأل صاحبين له مواصلته، فلزم داره وقد اشتدّ خوفه. وكانت مدّة ولايته القضاء خمس سنين وستّة أشهر وثلاثة وعشرين يوما.
ثمّ قتله في سادس المحرّم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وأحرقه بعد قتله، وهو أوّل قاض أحرق بعد قتله.
وكانت له سير وأنباء، منها أنّه تولّى عقد نكاح حظيّة الحاكم بأمر الله فخلع عليه وحمله، ولم يحضر في ذلك غيره، فركب إليه رجال الدولة وهنّئوه.
[شيء من أخباره]
وكان يواصل الجلوس بالقصر لقراءة ما يقرأ على الأولياء [٤٠٨ أ] والدعاة والمتّصلة (١) من مجالس الحكمة، فكان يفرد للأولياء مجلسا، وللخاصّة وشيوخ الدولة ومن يختصّ بالقصور من الخدم وغيرهم مجلسا، ولعوامّ الناس والطارئين على البلد من النواحي مجلسا، وللنساء في جامع القاهرة مجلسا، وللخدم وخواصّ نساء القصر مجلسا. وكان يعمل مجالس الحكمة في داره ثمّ ينفذها إلى من يختصّ بخدمة الدولة. واتّخذ لهذه المجالس كتّابا يبيّضونها بعد عرضها على الحاكم بأمر الله. وكان يثبت في كلّ مجلس منها ما يتحصّل من مال النجوى (٢)(٣) من كلّ منيدفع
شيئا من ذلك عينا وورقا من الرجال والنساء، وتكتب [٥٤٢ أ] أسماء من يدفع شيئا زيادة على ما يدفعه. وكذلك في عيد الفطر يكتب ما يدفع عن الفطرة، ويتحصّل من ذلك مال جليل فيحمله إلى بيت المال شيئا بعد شيء.
ثمّ شرّفه الحاكم بأمر الله بالفطر معه في ليالي شهر رمضان سنة تسعين. وأصعده معه المنبر أيّام الأعياد. وخلع عليه بعد الضربة التي ضربها في الجامع. وتقدّم إلى جماعة من شيوخ الأضياف (٤) بالركوب معه في كلّ مجلس يجلس فيه، وتقدّم إلى عدّة من الرقّاصين (٥) أصحاب السيوف المحلّاة بالمشي بين يديه في كلّ يوم. وكان إذا حضر إلى الجامع العتيق بمصر وقام يصلّي، وقف خلفه الأضياف صفّا يسترونه، ولا يصلّي أحد منهم حتى يفرغ من صلاته ويعود إلى مجلسه، فيكونون قياما عن يمينه وشماله إذا جلس، وهو أوّل قاض فعل معه هذا. وهو أيضا أوّل من كتب في سجلّاته «قاضي القضاة».
ثمّ علت منزلته وتخصّص بالحاكم. وكان له عند الحاكم من يسدّ غيبته ويذكره بالجميل ويحسّن أفعاله، وكان أشدّ الناس في ذلك الأستاذ ريدان الصقلبيّ والأستاذ ريحان اللحياني، والأستاذ مفلح اللحياني (٦)، فلا يزالون يعظّمون قدره، ويشدّون أزره. فانبسطت يده وعظم شأنه،
стр. 1280
وأخذ في تعديل من يؤثر تعديله.
وأقطعه الحاكم عدّة دور، منها دار بالقاهرة قريبة من الخليج، فكان يركب النيل في عشاريّ (١)، ويعبر الخليج إليها، ومعه جميع الشهود على دوابّهم بحافّة الخليج يسايرونه حتى ينزل بداره. ثمّ يركب منها إلى القصر، فإذا قضى الخدمة عاد إلى الدار وركب منها إلى داره بالحمراء (٢).
ولا عن في ولايته بين رجل وامرأة (٣)، وضرب جماعة وشهّرهم على التزوير.
[تشدّده وقساوته]
وساير الحاكم في الموكب وهو بجانبه، وقد شغل بمحادثته دون من عداه. فتجبّر وألزم الشهود بحضور مجلسه في داره وبالجامع على عادته، وكان من أبطأ عن وقت الحضور وكلّ من يأخذ منه جعلا جيّدا بسبب تخلّفه. وألزم كتّابه بالجلوس في داره لتوقيعات الناس وضروراتهم. وكان في داره جماعة يكتبون مجالس الحكمة. وكان يتتبّع شهادات الشهود، ويحكي في علامته بالثبوت تضمين ما يشهد به الشاهد عنده، ويتتبّع قراءة ما سجّل به عنده، ويقرؤه بنفسه قبل قراءته عليه وقبل أن يشهد به على نفسه.
وكان يتفضّل على أهل العلم والفضل والأدب وأرباب البيوتات، ويجري عليهم الجرايات، ومنهم من يحمل إليه في كلّ شهر وفي كلّ سنة القمح وغيره من الصلات والملابس. وكان
يتفضّل على حاشيته وخدمه.
ومن قبيح أفعاله أنّه اختصّ قوما من الشيعة كان عمّه لا يجيز شهادتهم فجعلهم أمناء، بهم يأخذ ويعطي، فكثرت شهادتهم [ب] الزور علىالمستورين وآذوا الناس بأنواع الأذى، واستخفّوا بهم وشتموهم. ثمّ صاروا يلقون الرجل من الناس فيلعنون الصحابة ﵃، وإن أنكر عليهم شهدوا عليه بما شاءوا ورفعوا أمره إلى القاضي حسين هذا.
[ومنها] أنّ رجلا يعرف بحسين القصير لعن من يلعن أبا بكر وعمر ﵄، فأمر به فأحضر إلى الجامع وأخبره بما شهدوا به عليه فقال: «ما لعنت أحدا وما أنا من أهل اللعن»، واستخصم من شهد عليه. فقال له القاضي:
«فالعن فلانا وفلانا». فأبى أن يلعنهما فقال له:
«الآن صدقوا فيما نقلوا عنك». وأمر به فضرب ضربا وجيعا، ثمّ استدعى صاحب الشرطة فضربه على باب الجامع وطوّفه. فأنكر الناس ذلك.
وشدّد برجوان على القاضي حتّى قال له أبو العلاء [٤٠٨ ب] فهد بن إبراهيم النصرانيّ كاتب برجوان:
وحقّ أمير المؤمنين، لو قال لي هذا- يعني برجوان-: العن أصحاب المسيح! ما خدمته أبدا ولو قتلت. وأنت تكره الناس على اللعن، فمن أمرك بهذا؟
وكان سبب قتله أنّه رفع رجل إلى الحاكم أنّ أباه توفّي وترك له عشرين ألف دينار، وأنّها في ديوان القاضي، وقد أخذ منها رزق أوقات معلومة، وعرّفه القاضي أنّ ماله نجز. فلمّا عاد الحاكم إلى القصر دعا بالقاضي ورفع إليه رقعة المتظلم. فقال كقوله للرجل من أنّه قد استوفى ماله عن آخره. فأمر بإحضار ديوان القاضي من ساعته وفتّش عن مال الرجل فوجد أنّ الذي وصل
стр. 1281
إليه أيسره. فعدّد عليه ما أقطعه وأجرى له، وما أزاح من علله لئلّا يتعرّض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتوبة! - فأمر به فضربت عنقه وأحرق بالنار. كذا ذكر الأمير المسبّحي، وهو أقعد بأخبار القوم (١).
وقال مؤلّف كتاب الكنوز (٢): ومرّ- يعني الحاكم- يوما في موكبه، ومعه قاضي قضاته الحسين بن عليّ بن النعمان، بالمكان الذي يباع فيه الحطب، وفيه من الحطب ما لا يحصى كثرة.
فوقف وأمر أن يؤجّج بالنار، ثمّ أمر بالقاضي فأنزل عن دابّته، وهو غافل لا يدري، ثمّ رمي به في تلك النار حتى هلك. ومرّ الحاكم كأنّه لم يصنع شيئا (٣).
١٢٥٤ - حسين بن ظاهر الحسنيّ [بعد ٥٧٠ - ٦٥٣] (٤)
حسين بن عمر بن ظاهر، الفارسيّ، الحسنيّ، نور الدين.
ولد سنة بضع وسبعين وخمسمائة، واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ونظر في الطبّ.
وأمّ بالحنفيّة في المدارس الصالحيّة بين القصرين حتى مات في حادي عشر المحرّم سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. وكان خيّرا عفيفا.
١٢٥٥ - ابن باز الموصليّ [٥٥٢ - ٦٢٢] (٥)
الحسين بن عمر بن نصر بن الحسن بن سعد بن عبد الله بن باز، أبو عبد الله، الموصليّ.
ولد بالموصل يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وسمع بها من أبيه وغيره. وسمع ببغداد من لاحق بن عليّ و [فخر النساء] شهدة (٦) بنت [أحمد] الأبري وجماعة.
وقدم إلى الشام ومصر تاجرا، وولي دار الحديث المظفّريّة بالموصل، وحدّث بها.
وتوفّي بها في ليلة الثاني من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وستّمائة.
١٢٥٦ - الحافظ أبو علي النيسابوري [٢٧٧ - ٣٤٩] (٧)
الحسين بن علي بن يزيد بن داود بن يزيد، أبو عليّ، النيسابوري، الصائغ الحافظ.
ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، ورحل في طلب الحديث وطوّف، وجمع فيه وصنّف، وسمع بهراة، وبنسا، وبجرجان وبغداد، والكوفة، والبصرة، وواسط، والأهواز، وأصبهان، والموصل، والشام، ومصر، وغزّة، ومكّة، من جماعة منهم: إبراهيم بن أبي طالب، وجعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، وعبد الله ابن شيرويه،
стр. 1282
والفضل بن محمد الأنطاكيّ، ومحمد بن عثمان بن أبي سويد، والحسن بن سفيان، وأبو خليفة [الجمحيّ]، وزكريا الساجيّ، وأبو يعلى [ابن المثنّى] الموصليّ، و [أبو] الحسن ابن جوصا (١)، وأبو عبد الرحمن النسائيّ وخلقا سواهم.
وكتب عنه أبو الحسن بن جوصا، وأبو محمد بن صاعد، وأبو العبّاس بن عقدة وجماعة.
وأوّل سماعه [كان] سنة أربع وتسعين ومائتين من إبراهيم بن أبي طالب بنيسابور. ثمّ خرج إلى هراة سنة خمس وتسعين. ثمّ خرج إلى العراق سنة ثلاث وثلاثمائة فدخل الريّ وبغداد، وانصرف إلى مصر ومضى إلى [بيت] المقدس، ثمّ حجّ حجّة ثانية وأتى بيت المقدس، وانصرف على طريق الشام إلى بغداد، ثمّ انصرف إلى خراسان ووصل إلى وطنه وأقام بنيسابور إلى سنة عشر وثلاثمائة يصنّف ويجمع.
ثمّ قدم بغداد فأقام بها، ثمّ خرج إلى مكّة فحجّ وعاد إلى الرملة. وقدم دمشق وجاء على حرازة (٢).
وقدم بغداد وأقام بها حتّى نقل ما استفاده. وخرج من العراق إلى سرخس وطوس ونسا.
قال الحاكم: وهو باقعة في الحفظ لا يطيق مذاكرته أحد من حفّاظنا.
وقال الدارقطني عنه: مهذّب إمام.
وقال الحافظ أبو عبد الله محمد (٣) بن إسحاق بن منده: ما رأيت أحفظ منه. (قال) وما رأيت في اختلاف الحديث والإتقان أحفظ منه.
وقال أبو بكر بن أبي دارم الحافظ: ما رأيت أبا العبّاس [٤٠٩ أ] ابن عقدة (٤) يتواضع لأحد من حفّاظ الحديث كتواضعه لأبي عليّ النيسابوريّ.
وقال أبو عبد الله الزبير بن عبد الله الحافظ: كنّا في السنّ أسنّ من أبي عليّ، وهو أحفظ منّا، وكنّا نكتب بانتخابه، وما رأيت لأبي عليّ زلّة قطّ، إلّا روايته عن عبد الله بن وهب الدينوري وابن جوصا.
وقال أبو بكر محمد بن عمر بن الجعّابي الحافظ: أبو علي أستاذي في هذا العلم.
وقال أبو يعلى حمزة بن محمّد العلويّ: ما رأيت بخراسان أحفظ للحديث من أبي عليّ.
وقال الحاكم في حقّه: أبو علي النيسابوري الحافظ واحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والرحلة. وذكره بالشرق كذكره بالمغرب، مقدّم في مذاكرة الأئمّة وكثرة التصنيف. وكان مع تقدّمه في هذه العلوم أحد المعدّلين المقبولين في البلد.
(قال) وعقد له مجلس الإملاء سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وهو ابن ستّين سنة. ثمّ لم يزل يحدّث بالمصنّفات والشيوخ مدّة عمره.
توفّي عشيّة الأربعاء الخامس عشر من جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
١٢٥٧ - أبو عليّ ابن كهمش [- بعد ٣٥٨]
[٥٤٢ أ] الحسين بن كهمش، أبو علي.
كان من القوّالين للحقّ (٥). حضر في يوم عند القائد جوهر بمجلس عقده للنظر في المظالم، قبل
стр. 1283
دخول المعزّ لدين الله إلى مصر. فجرى شيء من قول قائل يتعلّق بالتظلّم من بعض أصحاب جوهر.
فشدّد أوده (١) أبو علي ابن كهمش وأعانه. فقال له القائد جوهر: يا شيخ، هذا الطيلسان الذي عليك لنا، ونحن منننا عليك به.
فقال ابن كهمش: كيف ذاك؟
فقال جوهر: لأنّ البلد فتح بالسيف.
فقال: معاذ الله! لقد حرّم الله عليك دماءنا وأموالنا. نحن قوم مسلمون مستسلمون غير حرب لأحد، نشيّع المعزول ونستقبل الوالي.
فأطرق جوهر وأمسك عن الكلام.
١٢٥٨ - الحسين بن لؤلؤ والي الشرطة [- ٣٣٥] (٢)
[٥٤٢ ب] الحسين بن لؤلؤ والي الشرطة بمصر.
كان صارما. ثمّ جهّز على عسكر لقتال غلبون بن سعيد المغربيّ الذي ثار ببلاد الصعيد.
ومات في شعبان سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. واستمرّ بعده في ولاية الشرطة عليّ بن سهل.
١٢٥٩ - أبو البركات الجرجرائيّ [- بعد ٤٥٦] (٣)
[٥٤٣ أ] الحسين بن محمّد بن أحمد، أبو البركات، المنعوت بسيّد الوزراء، ظهير الأئمّة، سماء الخلصاء، فخر الأئمّة، ابن عماد الدولة، الجرجرائي، وهو ابن أخي الوزير صفيّ الدين أبي
القاسم علي بن أحمد الجرجرائيّ [ ... ] (٤).
ولي الوزارة للخليفة المستنصر بعد أبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ، في أوّل المحرّم سنة أربعين وأربعمائة. فساءت سيرته وكثرت المصادرات في أيّامه، وأفحش في القبض على الناس وأخذ الأموال والنفي. وصار يبطش بالناس من غير استئذان اغترارا بعادة الدولة في ترك الاعتراض (٥) على الوزراء.
فلمّا زاد في كثرة البطش وسرعة الانتقام، قبض عليه في ليلة الاثنين للنّصف من شوّال سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، ونفي إلى صور (٦)، واعتقل بها مدّة ثمّ أطلق، واستدعي إلى القاهرة، وأعيد إلى الوزارة في مستهلّ شهر رجب سنة ستّ وخمسين وأربعمائة، بعد أبي غالب عبد الظاهر بن الفضل [العجميّ] (٧). فمدحه الأديب علي بن بشر ابن الصقلّي الكاتب (٨). ثمّ صرف في آخر رمضان منها وخرج إلى دمشق وأقام بها إلى أنملكها الغزّ [ف] عاد إلى القيسريّة فمات بها.
١٢٦٠ - حسين الحلاوي]
[٥٤٣ ب] حسين بن علي بن أحمد، أبو عبد الله، الموصليّ، الحلاوي.
بعثه الملك عضد الدولة تاج الملّة شاهنشاه أبو شجاع فنّاخسرو، ابن ركن الدولة أبي علي
стр. 1284
الحسن بن بويه إلى مصر، وذلك أنّ أحد جواسيسه العائدين من مصر ذكر له أنّه تقدّم إلى شيخ حلاويّ في زقاق القناديل بمصر، ودفع إليه درهما تاجيّا (١) ليبتاع به شيئا ممّا بين يديه، فردّه إليه وتنازعا فيه، فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم، وأنّه سأل عن اسم الحلاويّ حتّى عرفه.
فبينا أبو عبد الله الحسين هذا في منزله إذ طرق بابه نقيب، ومعه نفّاط، فجزع وخرج إليه فقال له النقيب: الشيخ الجليل ابن محمان يستدعيك.
(قال) فمضيت إليه فوجدت عنده فرّاشا من دار عضد الدولة، فقال لي: «إنّ مولانا سأل عن صانع حاذق يعمل تماثيل الحلواء، فوصفت له ورسم إنفاذك [٤٠٩ ب] إليه». فقلت: السمع والطاعة!
وأخذ الفرّاش يدي وأدخلني على عضد الدولة. فلمّا رأيته قبّلت الأرض مرارا، فقال:
لعلّك ارتعت وانزعجت، فلا بأس عليك، وما دعوناك إلّا لخير، وقد احتجنا إلى استخدامك في أمر تنفذ فيه إلى الموصل، وتقدّمنا بإطلاق نفقة لك تجعلها لعيالك. فخذها من أبي الثناء شكر.
فانصرف وانظر في أمرك، وادفع النفقة لأهلك، ولا تعرض أنت لأخذ شيء منها، فإنّك في طريقك في غير حاجة إليها.
(قال) فخرجت وخرج شكر فأعطاني عشرين دينارا، وانصرفت وذكرت لأهلي ما رسم لي ودفعت إليهم الدنانير، ووصّيتهم بما أريد.
ثمّ استدعيت إلى حضرة عضد الدولة. فقال:
تخرج مع من نسلّمك إليه وتسير معه إلى مصر.
فإذا حصلت بها فاقصد باب الجامع واسأل عن منير الخادم الأبيض الذي يبيع الفراخ المسمّنة.
فإذا رأيته فقل: «صديقك يقرئك السلام». فسيقوم من موضعه ويمشي، فاتّبعه فإذا دخل إلى منزله فادخل. ولا تسأل فإنّه سيكرمك. وإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي عليك والبس الثياب التي يسلّمها إليك وخذ منه ما تريد لنفقتك ومؤونتك، واقصد بعد ذلك زقاق القناديل، فإنّك سترى فيه شيخا حلاويّا اسمه كذا، ويعرف بكذا. فاجلس عنده، واذكر له صناعتك ومعرفتك بأمر الحلواء وعمل الجيّد منه وتوصّل إلى أن تعمل عنده، وخفّف مؤونتك عليه، ولا تطالبه بشيء. وإن دعاك إلى [٥٤٤ أ] منزله فامض معه. فإذا عملت معه وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة فاستأجر بإزاء دكّانه وابتع ما تريده من آلة ومتاع، واستدع من منير الخادم ثمن ذلك. فقد تقدّمنا إليه بإزاحة علّتك. فإنّ زبون الحلاويّ سيعدل إليك ويقف أمره ويسألك الشركة، فأجبه إليها وأقم معه شهرا. ثمّ أظهر شوقك إلى بغداد وعيالك، وعظّم الكسب في عينه، وابعثه على الخروجإليها ومشاهدتها، وعده المواعيد الكثيرة فيما يتحصّل له منها وأنّك تنزله ببغداد في دارك وتجعله في دكّانك، وأنّك قد ألفته، فإن طابت بغداد له أحسنت إليه، وإن آثر العود إلى [مصر] زوّدته من طرف العراق ما يعود به إلى أهله. واجتهد في حمله معك إلى حضرتنا واخدم في ذلك خدمة تعرف جلادتك بها، وتحظى بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ما تحتاجه لنفسك وله، واحترس من حيلة تتمّ عليك، واكتمه ما تقدّمنا به إليك.
(قال) فلمّا سمعت ذلك قلت: السمع والطاعة، وأرجو أن يوفّقني الله لما أهّلت له.
стр. 1285
وأخذ شكر بيدي، وعدل بي إلى موضع فنزعت ثيابي ودفع إليّ مبطّنة ومنديلا وشمشكا (١) وقال لي: امض مصاحبا، ودفع إليّ عشرين دينارا وقال: «هذه نفقة طريقك». ثمّ استدعى أعرابيّا اسمه حسّان وسلّمني إليه وقال: هذا الرجل، فاحفظه وأوصله إلى حيث أمرت.
فخرجنا إلى رحبة الجامع، فإذا هناك أربعة أحمال ورجلان من العرب، فركبنا وسرنا.
فوصلنا إلى مصر في سبع وعشرين ليلة. فقال لي صاحبي الأعرابيّ: «امض في حفظ الله! » ولا والله ما سألوني من أنا، ولا في أيّ شيء توجّهت.
وقصدت باب الجامع، فإذا الخادم الأبيض، وبين يديه قمطرات فيها فراخ مسمّنة. فقلت له:
«صديقك يقرئك السلام». فنهض ومشيت خلفه، فدخل حجرة بالقرب من الجامع ودخلت معه فنزعت ما كان عليّ ولبست من عنده ثيابا نظافا.
ودفع إليّ دينارا وقال: «امض إلى الحمّام! » فدخلت الحمّام وخرجت، وأكلت شيئا، وقصدت زقاق القناديل، ورأيت الشيخ وعرفته. وجرى أمري وأمره كما أمر عضد الدولة.
ولم أزل ألطف به إلى أن أجاب، ودفعت إليه خمسة دنانير لنفقة عياله، وعزمنا على الخروج فعدت [٥٤٤ ب] إلى الخادم وودّعته. ولبست ثيابي التي وردت بها ورددت ما كنت لبست من عنده وأعطاني عشرين دينارا لنفقتنا وقال: الخبيث خارج معك؟
قلت: وما يدريك؟
قال: خبره عندي.
وتوجّهت [٤١٠ أ] أنا والشيخ حتى وردنا الموصل بعد أربعة وخمسين يوما، وأهلي وأقاربي
بها. فاستأجرنا ركوة (٢)، ومضى الملّاح إلى صاحب الخبر ليأخذ الكتب، وأعلمه أنّ معه الحسين الحلاويّ وشيخا آخر، وردا من مصر.
(قال) فاستدعاني صاحب الخبر فسألني عن أمري فعرّفته أنّني كنت بمصر في أمور لي. وانحدرنا ووصلنا إلى بغداد في سحرة اليوم الرابع. فما شعرت إلّا ونقيب من الدار يستدعيني ومن معي، فعجبت من ذلك، وكان صاحب الخبر قد كتب بخبرنا فبادرت، ومعي الشيخ، وعبرنا إلى الدار، وجلسنا إلى أن خلا وجه عضد الدولة.
وأدخلت، والشيخ معي، وقد طار لبّه وعظم رعبه، وأنا أسكّن منه، وعدل بي إلى موضع فيه شكر. فنزعت ما كان عليّ من الثياب، وأنا أراها وقد أخذت، وحملت إلى حضرة الملك، وأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي، ومثلت بين يدي الملك عضد الدولة، والشيخ معي.
فقال: كيف جرى الأمر؟
فقلت: على ما مثّله مولانا.
ودعوت له. فقال للشيخ: أنت فلان بن فلان الحلاويّ؟
قال: نعم.
قال: لا تخف، وإن كنت قد أسأت إلى نفسك وجشّمتها السفر عن منزلك بالفضول من قولك وفعلك.
فبكى الشيخ بكاء شديدا. وتركه قليلا ثمّ قال له: يا هذا، هبك رددت الدرهم الذي ضربناه، ولم تحبّ أخذه من الرجل الغريب الذي وقف بك. فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه؟
ولولا أنّ في تأديبك والتنكيل بك، وأنت شيخ كبير، ولعلّ وراءك من يتوقّعك ومادّته منك،
стр. 1286
بعض الإثم واللوم، لأمرنا بتقويمك. لكنّنا نهب جنايتك لمن خلّفته من عيالك، وقد تقدّمنا بإطلاق نفقة لك تزوّدك إلى بلدك، فلا تعاود مثل ما كان منك، وتحدّث في بلدك بصفحنا عن جرمك ومننّا عليك بنفسك.
فبكى الشيخ حتى كاد يموت، وخرجنا، وأعطاني شكر عشرين دينارا وقال: «اصرفها في نفقتك». وأعطى الشيخ عشرة دنانير. وعاد إلى مصر يحدّث بحديثه وشاع ذاك هناك. فكان الغريب إذا جلس إلى بعض أهل مصر صاحوا:
[٥٤٥ أ] حاذوري! فيمسك الناس عن ذكر عضد الدولة.
قال الحسين الحلاويّ: وكانت في المبطّنة التي ألبستها ملطّفات وما علمت بها إلّا بعد عودي.
١٢٦١ - أبو علي المجاور [- ٥٨٦] (١)
[٥٤٥ أ] حسين بن محمد بن حسين، أبو عليّ، الفارسيّ، المعروف بالمجاور، والد الوزير أبي الفتح يوسف [بن الحسين] بن المجاور. وكان صوفيّا.
مات بمكّة في شهر رجب سنة ستّ وثمانين وخمسمائة.
١٢٦٢ - عزّ القضاة ابن الجبّاب [٥٥٨ - ٦٢٣] (٢)
[٥٣٩ ب] حسين بن محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الجبّاب، التميميّ، الأغلبيّ، السعديّ، أبو عليّ، ابن أبي المعالي [، القاضي الأجلّ، عزّ القضاة].
ولد في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
وكان [من بيت الرئاسة والتقدّم والفضيلة، وحدّث من بيته غير واحد].
ومات في سادس عشر ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستّمائة.
١٢٦٣ - حفص الفرد [- نحو ٢٠٣] (٣)
حفص الفرد، يكنّى أبا عمر. وقيل: كنيته أبو يحيى، وهو مولى بني جشم. وكان أوّلا معتزليّا ثمّ قال بخلق الأفعال، وصار من أكابر المجبرة نظيرا للحسين بن محمد النجّار، وهو مصريّ قدم البصرة، واجتمع بأبي الهذيل محمد بن الهذيل العلّاف (٤) أحد كبراء المعتزلة وناظره.
وله كتاب الاستطاعة، وكتاب التوحيد، وكتاب الردّ على أبي الهذيل، وكتاب الردّ على النصارى، وكتاب الردّ على المعتزلة، وكتاب [الأبواب] في المخلوق.
١٢٦٤ - ابن عبّود القرشيّ [- ٧٢٢] (٥)
[٤٧٧ أ] حسين بن محمد بن إسماعيل، الشيخ نجم الدين، أبو عبد الله، ابن عبّود القرشيّ.
كانت له وجاهة في الدولة الحساميّة لاجين.
سببها أنّ الملك الأشرف خليل بن قلاوون لمّا قتل، فرّ الأمير حسام الدين لاجين واختفى بجامع
стр. 1287
أحمد بن طولون، ثمّ بزاوية ابن عبّود هذا، من القرافة.
فلمّا تسلطن رفع محلّ ابن عبّود ونوّه به. فتردّد إليه الأكابر من الأمراء وغيرهم. وأتقن عمارة زاويته، وعمل بها الأوقات (١) العظيمة، وتقرّب الناس له بكلّ ما يريد، ونفذت أوامره وقبلت شفاعته، وقصده الناس لحوائجهم، وعرف بالعصبيّة والمروءة، وأنّه إذا قام في شيء لا يرجع عنه. وكان خبيرا بطرق السعي في بلوغ مقاصده، وهو الذي قام في ولاية الشيخ [٤١٠ ب] تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد قضاء القضاة. وما زال محترما حتى مات يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوّال سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وقد أناف على السبعين.
١٢٦٥ - ابن أبي زرعة القاضي [٢٨٥ - ٣٢٧] (٢)
[٤٧٨ أ] الحسين بن محمد بن عثمان بن زرعة، أبو عبد الله، ابن أبي زرعة، الدمشقيّ، قاضي مصر والشام وابن قاضيهما.
ولد بمصر سنة خمس وثمانين ومائتين. وبرع في معرفة الأحكام. وولي قضاء دمشق بعد عزل أبي محمد عبد الله بن أحمد بن زبر في يوم الأحد لعشر بقين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وهو يومئذ ببغداد، فقدمها. ثمّ ولي قضاء مصر خلافة لقاضي القضاة أبي الحسن محمد بن الحسن ابن أبي الشوارب بكتابه إليه من بغداد.
فلبس سواده وركب وبين يديه أصحاب الشرط: جانك الإخشيديّ، وأبو الحسين سعيد بن عثمان. وقرئ كتابه على المنبر وقد جلس في الجامع العتيق. واستخلف الفقيه أبا بكر محمد بن أحمد ابن الحدّاد، وذلك في سلخ ربيع الآخر سنة خمس وعشرين [وثلاثمائة] وجمع له الحكم بمصر والإسكندريّة والرملة وطبريّة ودمشق وحمص وأعمالهنّ.
وكان ينظر في المواريث ودار الضرب والأحباس. واستكتب في الأحكام أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق الجوهريّ.
واستكتب بمكاتبة السلطان أبا يعقوب الخيزرانيّ وأبا القاسم الديباجيّ. واستقضى في الأحباس عبد الله بن حكيم، ثمّ صرفه بعتيق بن عقبة ومحمد بن إبراهيم بن زرقان، وعزّ جانبه. وكان يجلس في الجامع كلّ يوم سبت ولا يسمع الشهادات ولا يعدّل أحدا إلّا في الجامع، وكان حاجبه بسيف ومنطقة. فمضت له بمصر أحكام كثيرة وعدّل جماعة كثيرة من وجوه مصر ومن الأشراف. ثمّ تنكّر له ابن الحدّاد في مراجعة في الكلام، فانصرف مغضبا وهو ينشد [طويل]:
تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها
وما بي إن أقصيتني من ضراعة ... ولا افتقرت نفسي إلى من يضمّها
وجلس في بيته. وانقطع عن أبي زرعة (٣).
فتطاول جماعة لخلافته بدل ابن الحدّاد. وكان يجلس بنفسه للحكم غدوة وعشيّة حفاظا لابن الحدّاد وليزيد غناه عنه. فتوسّط بينهما أبو محمد الحسن بن طاهر الحسينيّ، عمّ أبي جعفر مسلّم، وجاء بابن الحدّاد عشيّة إلى منزل ابن أبي زرعة،
стр. 1288
وكان في علوّ داره. فنزل ومضى إلى صفّة فجلس بها واستدعى أبا محمد وابن الحدّاد. فلمّا رآهما قام وتلقّاهما، وكان قد كره أن يدخل عليهما، فيقوم أبو محمد الحسن له، لمكانه من رسول الله ﷺ ، فاستحسن هذا من فعل ابن أبي زرعة.
وأخذ أبو محمد في إصلاح ما بين ابن الحدّاد وبين ابن أبي زرعة حتّى اصطلحا. فقال ابن أبي زرعة: ما كان بدّ لنا (١) من نصيب- يشير بذلك إلىحدّة خلق ابن الحدّاد- والله ما أعدّه إلّا والدا.
فانكبّ ابن الحدّاد عليه يقبّله، وعاد إلى حاله حتّى فرّق الموت بينهما. ولم يكن يخالف ابن [٤٧٨ ب] الحدّاد في شيء.
ودخل عليه جماعة من الماذرائيّين- وهم أصهاره، فإنّه تزوّج بنت الحسين بن أحمد بن أبي زنبور، وأتاه منها ابنة زوّجها من أبي القاسم أحمد بن الحسين العقيقيّ- فقال له الماذرائيّون:
وعدنا القاضي بالسجلّ.
فقال: قد تقدّمت بكتبه.
ثمّ دخل عليه ابن الحدّاد فقال لهم: وأنا أتقدّم إلى الشيخ أبي بكر أيضا في أمرها- وكان المجلس حفلا. فلمّا جلس ابن الحدّاد ساعة قال له ابن أبي زرعة: أنت عارف بخديجة ابنة الحسين بن أحمد؟
قال: أعرفها- وكانت أخت زوجة ابن أبي زرعة.
فقال له: قد عزمت على الحجر عليها، فما تحوكم إليك في أمرها فلا تمضه، من بيع أو شراء وغير ذلك. [اشترت] ثيابا بثلاثمائة دينار نسيئة ما تحتاج إلى شرائها.
فقال ابن الحدّاد: إذا كان هذا الموجب للحجر عليها فاحجر عليّ: فمنذ أيّام اشتريت ثيابا
بخمسمائة دينار، وتديّنت منها مائتي دينار ما أحتاج إليها إلى [٤١١ أ] ستّين سنة.
فقال عبد الله بن أحمد طباطبا: إذا فزع الشيخ- وانصرف الماذرائيّون بغير حاجة.
فلمّا صرف محمد بن الحسين بن أبي الشوارب عن القضاء بأبي نصر يوسف بن عمر بن أبي عمر، وكان حدثا عمره عشرون سنة، ورد كتابه على ابن أبي زرعة بتقليده قضاء مصر. فقبله وقرأه على الناس، وفيه: وهذا عهدي إليك بخطّ يدي.
فقال ابن الحدّاد لابن أبي زرعة: إنّه عهد صبيّ، فكيف تقبل عهد صبيّ؟ وما على القاضي أن يأخذ هذا كلّه رئاسة من الأصل (٢).
فقال: لو أردت أن آخذ قضاء القضاة (٣) لفعلت. وقد كتبت في أمر قضاء الحرمين.
وكان ورود كتاب أبي نصر سنة سبع وعشرين.
ولم تطل أيّام ابن أبي زرعة في القضاء، حتى مات يوم الجمعة، وهو يوم النحر، سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وعمره اثنتان وأربعون سنة. فكانت ولايته ثلاث سنين.
وكان عارفا بالأحكام منفّذا فقيها على مذهب الشافعيّ مثل أبيه (٤). وكان يغتسل في وقت كلّ صلاة أو في كلّ يوم. وينفق على مائدته في كلّ شهر أربعمائة دينار.
واتّسعت ولايته وكثر خلفاؤه. وكان كثير الحباء سمحا مفضلا: بلغه أنّ ابن الحدّاد بنى دارا، فأرسل إليه ثلاثمائة دينار وقال: اشتر بها ستورا.
стр. 1289
ودخل عليه يوما وبيده قطعة عنبر، فناوله إيّاها، فشمّها ابن الحدّاد وردّها إليه. فلم يقبلها ووهبها له وكان ثمنها مائتي دينار. وكان ترفا متعاظما كثير التطيّب.
١٢٦٦ - أبو جعفر الخولانيّ المقرئ [- نحو ٣٤٠] (١)
حمدان بن عون [بن حكيم]، أبو جعفر، الخولانيّ، المصريّ، المقرئ، أحد الحذّاق.
قرأ على إسماعيل بن عبد الله النحّاس.
قرأ عليه عمر بن محمد بن عراك، وقال: قال لي حمدان بن عون بن حكيم سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة: قرأت على أحمد بن هلال ثلاثمائة ختمة. ثمّ أتى بي إلى إسماعيل النحّاس فقال: إنّ هذا تلميذي، وقد قرأ عليّ وجوّد. فخذ عليه! - فأخذ عليّ ختمتين.
توفّي حول سنة أربعين وثلاثمائة.
١٢٦٧ - عرق الموت [- بعد ٢٦٥] (٢)
[٤٢٧ أ] حسين الخادم، المعروف ب «عرق الموت».
قدم من بغداد إلى مصر متقلّدا للبريد بعد سنة خمسين ومائتين. وكان جيّد العقل، راجح الوزن. وهو الذي قدم [ب] حسن بن مهاجر (٣) وأحضره معه من الرقّة إلى مصر وسلّمه ديوان
البريد وقال له: يا بنيّ احفظ ما أوصيك به: احذر أن أراك في دار غير داري، ولا تسكن إلى أحد سكونك إليّ، فإنّ تقويمي لك يوجب لي ذلك عليك. وليكن إيثارك لحسن الذكر أكثر منه لكسب المال وطلبك للصواب وإن شقّ عليك تحمّله فإنّه أحمد عاقبة فيما تأتيه من غيره، ممّا لا مشقّة عليك فيه. ولا تسرعن إلى إنفاق ما تكسبه بابتياع الأعراض النفيسة والملابس الرائعة، فإنّك لا تزيد بذلك إلّا في عين ناقص الفهم والحال، لأنّ من قوي تمييزه إنّما يطالع ما صدر عنك من فضل، واستعرضه منك من طبع. وإذا غلب عليك إيثار شيء يحسّن ظاهرك فطالع ثمنه في حاصلك تعلم أنّه في يدك متى شئت من غير أن تغرى بكلّ عدوّ وحاسد وباغ. ولا تذكر لأحد من أمر خدمتي ما يسهل عليه إذاعته فتجرأ بذلك إلى إذاعة ما تقف عليه من سرّي. واطو ما تستعرضه منّي طيّ الصحيفة، واحذر أن يسبقك أحد إلى ما أتوكّفه (٤) من الأخبار دون مطالعتك إيّاي به. وقد أمرت لك بكذا وكذا دينار لتتأمّل بها زيادة عطيّتي على عطيّة حاشيتي (٥). واشتمل على أمري. وقابل ما ابتدأتك به بما يحرز لك حميد الذكر والعاقبة.
وفّقك الله وسدّدك.
وكان الذي أعطاه أربعة آلاف دينار.
١٢٦٨ - أبو علي الفرميّ [- ٣٣٤] (٦)
حسين بن محمد بن هارون بن يحيى بن هارون [بن] يحيى بن يزيد الفرميّ، أبو عليّ، من موالي شرحبيل بن حسنة.
стр. 1290
حدّث عن أحمد بن داود المكّي، ويحيى بن أيّوب العلّاف، والحسن بن غليب، وغيرهم، وكان موثّقا نعم الرجل.
توفّي في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
والفرميّ نسبة إلى الفرما أوّل مدن مصر من جهة الشمال، وقد خربت.
١٢٦٩ - رأس الحمار الشاعر [- ٣٣٩]
حسين بن محمد بن هارون، أبو عليّ، الملقّب برأس الحمار، الشاعر المطبوع.
كان يطعن عليه في دينه بالإلحاد. [٤١١ ب] توفّي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
ومن شعره [الكامل]:
ما لي بهجرك طاقة فصليني ... لا تفسدي دنياي فيك وديني
قطع الطريق عليّ طرفك عنوة ... والعدل في زمن الأمير تكين
١٢٧٠ - جلال الدين ابن نصير المقرئ [- بعد ٦٩٠] (١)
حسين بن نصير بن مرتضى، الكنانيّ، الشافعيّ، المقرئ، الأديب، أبو عليّ، جلال الدين.
قرأ القرآن بالقراءات على الرشيد عبد الظاهر بن نشوان السعديّ. وسمع الحديث من يوسف الساويّ وغيره. وصحب الحافظ أبا محمد المنذريّ وسمع منه. وحدّث وأقرأ القرآن تلقينا.
وهو جدّ تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن
مكتوم الحنفيّ لأمّه (٢). وكان صالحا متورّعا قليل المخالطة للناس، كثير العبادة مقبلا على شأنه ناظما ناثرا، يحترف بصناعة السيوف وبيعها.
وقتل ببعض بلاد الحوف بعد سنة تسعين وستّمائة.
١٢٧١ - أبو البركات ابن أبي عرابة [- ٤٣٨] (٣)
الحسين بن يحيى بن أبي عرابة، أبو البركات.
مات سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
١٢٧٢ - الحسين بن يوسف الناسخ [٥٦١ - ٦٣٧] (٤)
الحسين بن يوسف بن الحسن بن عبد الحقّ، الصنهاجيّ، الشاطبيّ، الإسكندرانيّ، الناسخ، السلميّ.
ولد بالإسكندريّة في المحرّم سنة إحدى وستّين وخمسمائة. وسمع من السلفيّ وغيره. وحدّث.
ومات في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّمائة.
١٢٧٣ - أمير حسين الروميّ [- ٧٢٩] (٥)
[٤٥٠ أ] حسين بن أبي بكر بن [إسماعيل بن] جندر بك، الأمير شرف الدين، المعروف بأمير حسين الروميّ.
стр. 1291
نشأ بدمشق. كان أبوه أمير جاندار صاحب الروم. وقدم إلى مصر في الأيّام الظاهريّة سنة خمس وسبعين وستّمائة فيمن قدم من الروميّين، ومعه ابنه حسين. وخدم الأمير حسام الدين لاجين أيّام كان نائب دمشق في الأيّام المنصوريّة قلاوون قبل سلطنته، ونادمه في خلواته، وخرج معه للصيد غير مرّة. فلمّا ولي السلطنة استدعاه إلى مصر وخلع عليه، ثمّ أعاده إلى دمشق. واستدعاه مرّة ثانية وأنعم عليه بإمرة عشرة.
فلمّا قتل لاجين وعاد الملك الناصر محمد بن قلاوون بعده إلى السلطنة مرّة ثانية، استمرّ على إمرته. وسار مع الأمير آقوش الأفرم إلى دمشق صحبة الطلب. وأقام بدمشق على إمرة طبلخاناه.
وأعجب به الأفرم ونادمه إلى أن فرّ من دمشق عند قدوم الملك الناصر محمد طالبا لأخذ السلطنة من الملك المظفّر بيبرس. فلحق بالسلطان ودخل معه ومع خواصّه. فجهّزه إلى الكرك ومعه الأمير تنكز حتى أحضرا الخزانة. وقدم معه إلى مصر، فكان في طريقه إليها إذا مرّ مع السلطان بصيد، أخذ الصقر وقال له: يا خوند، إن كنّا نملك مصر فهذا الطير يأخذ هذه الرميّة- ويتحيّل فيرميه لا يخطئ، ويقول: هذا بسعادة السلطان.
فحلّ من قلبه محلّا كريما: فإنّه كان محظوظا في الصيد لا يكاد يفوته شيء منه بسائر أنواعه.
فلمّا ملك مصر [بعد] فرار المظفّر، أنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف، وأفرد له زاوية من طيور الجوارح، فكان أمير شكار مع الأمير كوجري.
وسافر مع السلطان إلى دمشق سنة ثنتي عشرة [وسبعمائة] وأقام بها حتى عاد السلطان من الحجاز، لما أصابه من كسر رجله. فكان الأمير تنكز نائب الشام يحضر لزيارته وعيادته كلّ قليل.
وقدم مع السلطان إلى مصر وحظي عنده، وتوفّرت حرمته. وكان من خواصّ الأمير طغاي الكبير فحلا بقلوب الخاصّكيّة، ولذلك سلم عند القبض على طغاي، إلى أن كانت سنة إحدى وعشرين، [ف] أخرج من مصر. وسبب ذلك أنّه أنشأ جامعا بجوار بيته خارج القاهرة على ضفّة الخليج من غربيّه بحكر جوهر النوبيّ، وأنشأ على الخليج قنطرة تتّصل به من خطّ بين السورين، وقصد فتح خوخة في السور ما بين باب سعادة وباب القنطرة يتوصّل منها إلى حارة الوزيريّة. فلم يمكّنه الأمير علم الدين سنجر المسروريّ متولّي القاهرة من ذلك [٤٥٠ أ]، حتى استأذن السلطان في فتحها وأذن له. ففتح بابا كبيرا، وعمل عليه رنكه وقال للمسروريّ: قد فتحت الخوخة على رغم أنفك! - فامتعض [٤١٢ أ] لذلك، وقال للسلطان: إنّ أمير حسين قد خرق في سور القاهرة بابا نحو باب زويلة وعمل رنكه عليه وعمل سلطانا على البارد (١). وما جرت عادة قطّ بفتح باب في سور المدينة (٢).
فغضب من ذلك وأخرجه من يومه إلى دمشق على إقطاع الأمير جوبان وإمرته. ونقل جوبان إلى مصر.
ثمّ أعاده إلى مصر، فقدم يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين [وسبعمائة] وخلع عليه أطلس بطرز زركش وكلفتاه زركش وحياصة مكوسجة (٣)، وأنعم عليه بتقدمة الأمير بهاء الدين أصلم. فاستمرّ حتى مات يوم [ ... ] سادس المحرّم سنة تسع وعشرين وسبعمائة،
стр. 1292
ودفن بجامعه. وكان فيه برّ وله معروف وصدقات.
١٢٧٤ - الحصين بن نمير [- ٦٧] (١)
[٤١٣ أ] الحصين بن نمير [بن فاتك، أبو عبد الرحمن، الكنديّ، ثمّ السكونيّ].
قدم مع الأمداد في زمن عمر بن الخطّاب [ ... ].
فلمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية وجهّز إليهم يزيد مسلم بن عقبة المرّيّ قال له: إن حدث بك حادث فاستخلف الحصين بن نمير السكونيّ.
- وسيّره معه. فشهد الحصين وقعة الحرّة. وتوجّه مع مسلم من المدينة بعد قتل أهلها ونهبها يريد قتال عبد الله بن الزبير بمكّة. فلمّا كان بالمشلّل- وقيل: بثنيّة هرشي- حضر مسلم [ا] الموت.
فاستدعى الحصين إليه وقال له: يا بردعة الحمار، لو كان الأمر إليّ ما ولّيتك هذا الجند، ولكنّ أمير المؤمنين ولّاك. خذ عنّي أربعا: أسرع السير، وعجّل المناجزة، ولا تمكّن قريشا من أذنك (٢)! - ثمّ قال: اللهمّ، إنّي لم أعمل قطّ بعد شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله عملا أحبّ إليّ من قتلي [أهل] المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة.
فلمّا مات سار الحصين بالناس. فقدم مكّة لأربع بقين من المحرّم سنة أربع وستّين، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير. فقاتله وحصره حتى اشتدّ الأمر بابن الزبير وبمن معه،
واحترقت الكعبة. فبعث ابن الزبير إليه يدعوه إلى البراز، فقال الحصين: لا يمنعني من لقائك جبن، لكن لست أدري لمن يكون الظفر: فإن كان لك كنت قد ضيّعت من ورائي. وإن كان لي كنت قد أخطأت التدبير.
فبينا هم في ذلك إذ جاءهم الخبر بموت يزيد.
قدم به ثابت بن قيس- وهو المقنّع (٣) بن الحرث بن كليب بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع- فبعث الحصين إلى ابن الزبير فأتاه بالأبطح، فتحدّثا. فراث فرس الحصين، فجاء حمام الحرم يلتقط روث الفرس. فكفّ الحصين فرسه عن الحمام وقال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم.
فقال ابن الزبير: تتنزّهون عن هذا وأنتم تقتلون المسلمين في الحرم!
ثمّ عرض على ابن الزبير أن يبايعه ويسير به إلى الشام على أن يهدر الدماء. فلم يرض. فتركه ورحل بأصحابه نحو المدينة. فاجترأ أهلها على أهل الشام وأخذوا دوابّ من انفرد منهم. فلم يتفرّقوا وخرج معهم بنو أميّة من المدينة إلى الشام. فوصلوا دمشق وقد بويع معاوية بن يزيد بن معاوية بالخلافة، ومات. وقد همّ مروان بن الحكم أن يسير إلى ابن الزبير ويبايعه. فأخبره الحصين، ومعه بنو أميّة، بما كان بينه وبين ابن الزبير. وقال لمروان ولبني أميّة: نراكم في اختلاط. فأقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم في شأنكم فتكون فتنة عمياء صمّاء.
فساروا [٤١٣ ب] وكان من اجتماعهم بالجابية ما كان، ليتشاوروا فيمن يولّو [ن] هـ من بني أميّة.
وكان الحصين يهوى مروان، ومالك بن هبيرة
стр. 1293
السكونيّ يهوى خالد بن يزيد بن معاوية. فلم يزل الحصين حتى صرف مالكا عن خالد، وقام هو وروح بن زنباع في أمر مروان إلى أن بويع كما ذكرته في ترجمة مروان (١). وكان الحصين يومئذ سيّد أهل الشام وشيخهم. فلمّا تمّت بيعة مروان وكانت وقعة مرج راهط شهدها معه الحصين.
وقدم معه أيضا إلى مصر. ثمّ سار منها مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة. فمات مروان وبويع بعده ابنه عبد الملك بن مروان، وهم بالجزيرة.
فأقرّ ابن زياد على ما هو عليه، وحثّه على المسير إلى العراق. فسرّح الحصين مسرعا في اثني عشر ألفا، فلقيه أصحاب [٤١٢ ب] سليمان بن صرد [الخزاعيّ] (٢) الثائر بدم الحسين ﵇، وقد هزموا شرحبيل بن ذي الكلاع أحد أمراء عسكر ابن زياد. وتوافى الفريقان لأربع بقين من جمادى الأولى سنة خمس وستّين. فدعاهم الحصين إلى عبد الملك بن مروان ودعاه أصحاب سليمان إلى خلع عبد الملك وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم، وأنّهم يخرجون من بالعراق من أصحاب عبد الله بن الزبير، ثمّ يردّ الأمر إلى أهل بيت النبي ﷺ ، فأبى كلّ منهم.
وحملت ميمنة سليمان، وعليها عبد الله بن سعد بن نفيل، على ميسرة الحصين، وعليها ربيعة بن المخارق الغنويّ. وحملت ميسرة ابن صرد- وعليها المسيّب بن نجبة الفزاريّ- على ميمنة الحصين، وعليها جبلة بن عبد الله. وحمل سليمان بن صرد في القلب على جماعتهم، فانهزم الحصين بمن معه إلى عسكرهم. وما زال الظفر لأصحاب ابن صرد إلى أن حجز بينهم الليل.
فلمّا كان الغد صبح (٣) الحصين ثمانية آلاف أمدّه بهم ابن زياد، فقاتل بهم أصحاب ابن صرد قتالا لم يكن أشدّ منه جميع النهار. فلمّا أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين. فأتى في الصباح مدد ثان إلى الحصين مع أدهم بن محرز الباهليّ، عدّتهم عشرة آلاف، من عند ابن زياد.
فاقتتلوا يوم الجمعة قتالا شديدا إلى ارتفاع الضحى. ثمّ إنّ أهل الشام كثروهم وتعطّفوا عليهم من كلّ جانب. فنزل سليمان بن صرد ونادى: من أراد البكور إلى ربّه، والتوبة من (٤) ذنبه، فإليّ! - ثمّ كسر جفن سيفه. فنزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم [٤٢٩ أ] ومشوا معه فاقتتلوا قتالا كثيرا، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وخرجوا منهم وأكثروا الجراح. فبعث الحصين الرجّالة ترميهم [بالنبل] واكتنفتهم الخيل والرجّالة. فقتل سليمان بن صرد ﵀. فأخذ الراية المسيّب بن نجبة، وترحّم على سليمان ثمّ تقدّم وقاتل بها ساعة، ثمّ رجع ثمّ حمل، فعل ذلك مرارا، ثمّ قتل ﵀ بعد ما قتل رجالا. فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل وترحّم على صاحبيه وقرأ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] وقاتل حتّى قتل.
وبقيت الراية ليس معها أحد. ثمّ أخذها عبد الله بن وال [التيميّ] (٥) وقاتل مليّا ثمّ قال
стр. 1294
لأصحابه: من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرّب إلى الله بقتال هؤلاء المحلّين! الرواح إلى الجنّة! - وذلك عند العصر، فحمل في أصحابه حملة واحدة فقتلوا رجالا، وكشفوهم. وكاثرهم أهل الشام من كلّ جانب وقاتلهم أدهم بن محرز الباهليّ، فقتل ابن وال، فأخذ الراية رفاعة بن شدّاد البجليّ وقاتل قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، وقد قتل رجال كثير.
فعاد الحصين بأهل الشام إلى معسكرهم، وسار رفاعة بمن معه يريد الكوفة، فلم يتبعه الحصين، وعاد إلى ابن زياد فأقام معه حتّى بعث المختار بن أبي عبيد الثقفيّ إبراهيم بن الأشتر النخعيّ لقتال ابن زياد.
فلمّا التقى الجمعان (١) كان الحصين على ميمنة ابن زياد، فحمل على ميسرة ابن الأشتر فهزمها.
ثمّ حمل ابن الأشتر على القلب فقتل ابن زياد.
وحمل شريك بن جدير التغلبي على الحصين، فاعتنق كلّ منهما صاحبه فنادى التغلبي: اقتلوني وابن الزانية! - فقتلوا الحصين، وذلك في سنة سبع وستّين بأرض الموصل. وبعث المختار برأس عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير، ومعهما رأس ابن ذي الكلاع إلى محمد ابن الحنفيّة بمكّة، فنصبت الرءوس الثلاث على باب المسجد.
١٢٧٥ - حفص بن الوليد الحضرميّ أمير مصر [- ١٢٨] (٢)
حفص بن الوليد بن سيف بن عبد الله بن الحارث بن جبل بن كليب بن عوف بن معاهد بن
عمرو بن زيد بن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر بن قيس بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت، الحضرميّ، أبو [بكر، أمير مصر].
كان أشرف حضرميّ بمصر في أيّامه، ولم يكن خليفة من بعد الوليد بن عبد الملك إلّا وقد استعمله. وحدّث عنه يزيد بن أبي حبيب، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم. وشرّفه [٤١٣ أ] هشام بن عبد الملك بن مروان [فجعله] على شرط الحرّ بن يوسف [ابن يحيى بن الحكم بن أبي العاص]. وخلفه على الفسطاط مرّتين. فلمّا صرف هشام الحرّ عن مصر، ولّى حفصا بعده في ذي القعدة سنة ثمان ومائة. فكتب عبيد الله بن الحبحاب متولّي خراج مصر إلى هشام: إنّك لم تعزل الحرّ إذ ولّيت حفصا.
فردّ ولاية مصر إلى اختياره فاختار عبد الملك بن رفاعة بن خالد [الفهميّ]، وصرف حفصا يوم النحر بعد جمعتين- وقيل: بل صرفه سلخ ذي الحجّة. فوجد على هشام. فأخرجه إلى الترك فولّاه الصائفة. فغزا ثمّ رجع فولي بحر مصر من سنة تسع عشرة إلى سنة ثنتي وعشرين: أربع سنين.
ثمّ استخلفه حنظلة بن صفوان لمّا سار إلى إفريقيّة واليا عليها. فأقرّه هشام بن عبد الملك على جند مصر [وأرضها] من يوم الاثنين لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان منها. فجمع له الصلاة والخراج جميعا. فجعل على شرطه عقبة بننعيم الرعينيّ، وعلى الديوان يحيى بن عمرو، وعلى الزمام عيسى بن عمرو. وكانت أرزاق المسلمين لكلّ رجل اثني عشر إردبّا
стр. 1295
فصارت إلى عشرة لكلّ رجل. فصيّرها حفص اثني عشر كما كانت.
واستسقى بالناس. فلمّا رقي المنبر استقبل بوجهه الناس فخطب ودعا، ثمّ حوّل ظهره إلى الناس [واستقبل القبلة يدعو] ثمّ استقبل الناس بوجهه فخطب ودعا ثمّ حوّل إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، وحوّل رداءه ودعا الله، ثمّ حوّل وجهه إلى الناس، ثمّ نزل فصلّى ركعتين.
فلمّا مات هشام بن عبد الملك بن مروان في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، واستخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك، أقرّ حفصا على الصلاة والخراج، وأمره بإخراج أهل الشام الذين بمصر إلى أجنادهم. فأمرهم بالخروج فامتنعوا وحصروا حفصا في داره. فقاتلهم يوم الثلاثاء للنّصف من رجب سنة خمس وعشرين، فظفر بربيعة كبيرهم فقتله. وأخرجهم إلى أجنادهم.
وقدم عيسى ابن أبي عطاء على خراج مصر لسبع بقين من شوّال فصرف حفص عن الخراج وبقي على الصلاة. فخرج من مصر وافدا على الوليد، واستخلف عقبة بن نعيم. فقتل الوليد لانسلاخ جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين وحفص بالشام. فلمّا بويع يزيد بن الوليد، الناقص، أمر حفصا أن يلحق بمصر وأن يفرض لثلاثين ألفا. فقدم وفرض الفروض. وبعث ببيعة يزيد عقبة بن نعيم في طائفة، وجعل على فروضه قوّادا.
ومات يزيد الناقص لهلال ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين. وبويع إبراهيم بن الوليد فولي ذا الحجّة، والمحرّم من سنة سبع وعشرين. وخلعه مروان بن محمد فبويع فاستقبل بخلافته صفر.
فكتب إليه حفص يستعفيه فأعفاه. فكانت ولايته هذه الثانية سنتين إلّا شهرا.
وقدم إلى مصر [واليا] حسّان بن عتاهية فقطع فروض حفص، فوثبوا به وقالوا: لا نرضى إلّا بحفص- وحصروه. ففرّ منهم. وأعادوا حفصا بعد ستّة عشر يوما كرها. فأقام عليها رجب وشعبان.
وجرت أمور من خلع مروان، ومروان ساكت عن أهل مصر. ثمّ عزل حفصا مستهلّ سنة ثمان وعشرين بالحوثرة بن سهيل [الباهليّ].
وقال الغطريف الحميريّ لمّا بعث حفص لقتال ثابت بن نعيم الجذامي ومنعه من مصر، يهجوه [طويل]:
ومن زامل لا قدّس الله زاملا ... ومن أعبل أبناء تلك المراغل
ومن شيخ سوء حرّق الله عظمه ... حفيص وأشياع له غير طائل (١)
فلمّا قدم حوثرة إلى مصر ونزل ظاهر الفسطاط بعث إلى الناس: إن كنتم في طاعتي فالقوني في الأردية.
فقال رجاء بن الأشيم لحفص: أطعني أيّها الأمير وامنعهم.
قال: أكره الدماء.
قال: فدعني أقف في خيل، فإن رأينا ما نحبّ تفرّقنا. وإن كان غير ذلك استنقذناك منهم.
قال: قد أعطاني من العهود ما ترى، ولن أستظهر بغير الله.
فقال رجاء: والله لا رغبت بنفسي عن نفسك.
فخرج إليه حفص ووجوه الجند. فلمّا دخلوا عليه فسطاطه قال لحفص ورجاء: من أنتما؟
قالا: حفص ورجاء.
стр. 1296
قال: قيّدوهما! - فقيّدا، وانهزم أهل مصر. ثمّ قتله يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شوّال سنة ثمان وعشرين ومائة. وقيل: قتل رجاء بن أشيم وعدّة من أعيان [٤١٣ ب] الجند. وكان زبان بن عبد العزيز بن مروان شديد التحريض عليه حتى قتل.
فقال مسوّر الخولانيّ [الطويل] (١):
فإيّاك لا تجني من الشرّ غبطة ... فتودي كحفص أو رجاء بن أشيم
فلا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وكيف وقد أضحوا بسفح المقطّم؟
وقال آخر [يبكي حفصا وأصحابه- الكامل] (٢):
يا عين لا تبقي من العبرات ... جودي على الأحياء والأموات
بكّي الذين مضوا فهم ساداتنا ... قتلوا فلم نطلب لهم بترات
يا حفص يا كهف العشيرة كلّها ... يا ذا النوال وساتر العورات
إمّا قتلت فأنت كنت عميدهم ... والكهف للأيتام والجارات
٥ أودى رجاء لا كمثل رجائنا ... رجل، وعقبة فارج الكربات
وشبابنا عمرو وفهد ذو الندى ... وابن السليط وعامر الغارات
قتلوا ولم أسمع بمثل مصابهم ... سروات أقوام بنو سروات
طلّت دماؤهم فلم تفرغ لهم ... محن ولم يطلب لهم بجناة
١٢٧٦ - أبو الثناء الفضيليّ [٥١١ - ٥٩٨] (٣)
[٤٧٤ أ] حمّاد بن هبة الله بن حمّاد بن الفضيل، أبو الثناء، الفضيليّ، الحرّانيّ، التاجر، من أهل حرّان.
رحل في طلب الحديث، وسمع الكثير بالشام والعراق ومصر وخراسان. وكتب بخطّه، وحصّل النسخ. وكان فيه فضل وأدب، ويقول الشعر.
سمع ببغداد أبا القاسم ابن السمرقنديّ، وأبا بكر ابن الزاغونيّ، وغيرهما. وبالإسكندريّة الحافظ السلفيّ. وكان صدوقا حسن الطريقة.
ومن شعره فيمن تزوّج عمياء قوله [بسيط]:
قالوا: تزوّجت عمياء فقلت لهم ... ما في تزوّجي العمياء من عيب
أقلّ ما في عماء العمي فائدة ... أن لا يطالعن منّي مطلع الشّيب
وقوله [بسيط]:
تنقّل المرء في الآفاق يكسبه ... محاسنا لم تكن فيه ببلدته
أما ترى بيدق الشطرنج أكسبه ... حسن التنقّل فيما فوق رتبته؟
ومولده بعد ستّين يوما من سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وتوفّي بحرّان يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجّة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وجمع تاريخا لحرّان [وجمع من اسمه حمّاد] (٤).
стр. 1297
١٢٧٧ - حمزة ابن اللبّاد «هادي المستجيبين» [- ٤١٠] (١)
[٤٧٥ أ] حمزة بن أحمد اللبّاد، الملقّب «هادي المستجيبين»، الزوزنيّ، العجميّ.
ظهر في أوّل سنة عشر وأربعمائة، وأظهر الدعاء إلى الحاكم بأمر الله أبي علي منصور، وصرّح بحلول الإله سبحانه فيه، ولازم الجلوس في المسجد الذي كان عند سقاية ريدان بظاهر القاهرة خارج باب النصر، وتلقّب بهادي المستجيبين. فاجتمع إليه جماعة من غلاة الإسماعيليّة. وصار الحاكم إذا ركب إلى تلك الجهة خرج إليه من المسجد وانفرد به، ووقف الحاكم له راكبا فيحادثه طويلا.
واستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم الثاني عشر من صفر سنة عشر وأربعمائة: فاجتمع جماعة من أصحاب حمزة على خيول وبغال، ودخلوا الجامع العتيق بمصر، وهم معلنون بمذهبهم. فثار العوامّ وقتلوهم شرّ قتل. فحنق الحاكم على أهل مصر وسلّط العبيد فأحرقوا مصر.
وذكر بعضهم أنّ محمد بن إسماعيل الدرزيّ العجميّ الداعي- وبعضهم يسمّيه آنوش تكين- قدم إلى مصر في سنة ثمان وأربعمائة، واتّصل بالحاكم. فدعا الناس إلى القول بإلهيّة الحاكم وأعلن بذلك. فثار به رجل من الأتراك وقتله.
وثارت بسببه فتنة مدّة ثلاثة أيّام قتل فيها جماعة من الدرزيّة. فظهر [٤١٤ أ] بعد ذلك حمزة بن أحمد العجميّ الداعي وتلقّب بالهادي وسكن مسجد تبر ودعا الناس إلى مقالة الدرزيّ المقدّم ذكره، وبثّ عدّة دعاة بأرض مصر والشام، ودعا إلى الرخصة والإباحة، وفسح في نكاح المحارم من الأمّهات والبنات والأخوات، وأسقط
التكاليف الشرعيّة من الصلاة والصوم والحجّ، فاستجاب لدعاته خلق كثير.
وعني الحاكم بحمزة هذا. فخاف حمزة على نفسه واستدعى من الحاكم بسلاح كثير علّقه على باب المسجد، فارتفع قدره، واتّخذ له خاصّة لقّبهم بألقاب عديدة. فلقّب أحدهم ب «سفير القدرة» وجعله رسوله في أخذ البيعة على الأعيان. فلم يقدر أحد على مخالفته.
ومن حمزة هذا ظهر مذهب الدرزيّة واشتهر بوادي التيم وشرق صيدا وجبل بيروت وما جاوره من بلاد الشام.
وقال الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتّانيّ في كتاب الوفيات (٢): قال شيخنا هبة الله (٣): ثنا أحمد بن محمد بن الأكفانيّ الدمشقيّ [ثنا] أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغداديّ الحافظ إجازة ونقلته من خطّه، قال (٤): ظهر في آخر أيّام الحاكم رجل سمّى نفسه «هادي المستجيبين» وكان يدعو إلى عبادة الحاكم. وحكي عنه أنّه [٤٧٥ ب] سبّ رسول الله ﷺ وبصق على المصحف، وسار في البوادي يدعوهم، إلى أن قتله الله بمكّة: فكتب رجل من الصوفية كان يكنّى أبا الوفاء من مكّة إلى أبي الفتح بن أبي الفوارس البغداديّ الحافظ يشرح له قصّة قتله، وذلك في سنة عشر وأربعمائة. فذكر أبو الوفاء في كتابه أنّ المسمّى بهادي المستجيبين وصل إلى مكّة واجتمع مع أبي الفتوح أميرها فنزل عليه. فرآه المجاورون يطوف بالكعبة. فمضوا إلى
стр. 1298
أبي الفتوح وذكروا له شأنه فقال: هذا [الرجل] قد نزل عليّ، وأعطيته الذّمام.
فقالوا: إنّه سبّ النبيّ ﷺ وبصق على المصحف.
فسأله عن ذلك، فأقرّ به وقال: قد تبت.
فقال المجاورون: إنّ توبة هذا لا تصحّ، وقد أمر النبيّ ﷺ بقتل ابن خطل (١) وهو متعلّق بأستار الكعبة. وهذا لا يصحّ أن يعطى الذمام ولا يسع إلّا قتله.
فدافعهم أبو الفتوح عنه. فاجتمع الناس عند الكعبة وضجّوا إلى الله سبحانه وبكوا. وكان من فضل الله تعالى أن أرسل ريحا سوداء حتى أظلمت الدنيا. ثم تجلّت الظلمة وصار على الكعبة فوق أستارها كهيئة الترس له نور كنور الشمس دون سقف الكعبة بنحو القامة. فلم يزل كذلك يرى ليلا ونهارا. (قال كاتب الكتاب إلى أبي الفوارس: ) وكتبت هذا الكتاب وذلك النور على حاله منذ سبعة عشر يوما. فلمّا رأى أبو الفتوح ذلك أمر بالمسمّىبهادي المستجيبين وغلام له كان يصحبه مغربيّ إلى باب العمرة فضربت أعناقهما وصلبا.
ثمّ لم يزل المجاورون يرجمونهما بالحجارة حتّى سقطا إلى الأرض. فجمعوا لهما الحطب والعظام وأحرقوهما.
وكان كتاب أبي الوفاء الوارد بهذا يقرأ في حلقة الحديث بحضرة ابن أبي الفوارس يوم الجمعة في جامع المهديّ.
١٢٧٨ - الصاحب عزّ الدين ابن القلانسيّ [٦٤٩ - ٧٣٩] (٢)
[٤٧٦ أ] حمزة بن أسعد بن المظفّر بن أسعد بن حمزة، الصاحب عزّ الدين، أبو يعلى، ابن مؤيّد الدين، ابن مظفّر الدين، ابن الوزير مؤيّد الدين، القلانسيّ، الدمشقيّ.
ولد سنة تسع وأربعين وستّمائة. سمع من ابن عبد الدائم، والرضيّ ابن البرهان، وابن أبي اليسر.
وحدّث بمصر والحجاز. وقدم مصر غير مرّة.
ولمّا ولي الأمير حسام الدين لاجين نيابة دمشق في الأيام المنصوريّة قلاوون، صحبه. فعند ما استقرّ نائب السلطنة بديار مصر أيّام سلطنة الملك العادل كتبغا، قدم عليه بمصر فيمن قدم من أعيان دمشق لأيّام بقيت من المحرّم سنة أربع وتسعين وستّمائة. فأخذ هديّته وأكرمه وأعاده إلى دمشق.
وقدم أيضا في سنة ستّ وسبعمائة، وعاد إلى دمشق في شهر رمضان بعد ما خلع عليه بطرحة (٣).
فلمّا كان في [ ... ] ذي القعدة لبس خلعة وزارة دمشق [٤١٤ ب] وكتب في تقليده: «الجناب العالي»، كما يكتب للنائب، تعظيما له. فاستمرّ إلى أن أوقع الأمير كراي نائب الشام الحوطة عليه وعلى غيره في يوم الأحد سابع شهر رجب سنة إحدى عشرة. واستمرّ نحو شهرين هو وحواشيه في الترسيم (٤). وادّعي عليه بربع (٥) ملكه. وقاسى شدّة، إلى أن قبض السلطان على كراي [ف] أفرج
стр. 1299
عنه من الاعتقال، ثمّ أعيد إلى الاعتقال من غد، فأقام زيادة على عشرين يوما.
فلمّا ولي الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك دمشق، وصل إليه مرسوم بإعفائه من الوزارة واستقراره في وكالة السلطان. فسار إلى القاهرة.
وعاد منها بعد شهر إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان بأنّه باق على وكالته، وأنّ القضاة يحترمونه ويسمعون كلامه، والإنكار لما ثبت عليه في أيّام اعتقاله. ثمّ خلع عليه في سابع عشرين ذي الحجّة سنة أربع عشرة وسبعمائة باستقراره على نظر الخاصّ بدمشق.
وتوفّي يوم [ ... ] سادس ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
وكان رئيس الشام وعلم أعيانها وعين أعلامها، ذا رأى وبصيرة ومكارم وتجارب قد عركته الحوادث، وقالب (١) الدول وعرف ترتيبها مع الحزم والهمّة والخبرة والذكاء والمعرفة ورصانة العقل وتحرّي الصواب وكثرة المهابة والحرمة والوجاهة بمصر والشام، بحيث لا تردّ شفاعته [٤٧٦ ب] ولا مراسمه، ولا يتخطّاه أحد في مجلس فيجلس فوقه.
وكانت سعادته عظيمة وأمواله جمّة، ما بين صامت وناطق وعقار. وأنشأ ناسا كثيرا وقدّمهم في الخدم وغيرها.
١٢٧٩ - ابن أبي الجنّ الحسينيّ [٣٦٩ - ٤٣٤] (٢)
حمزة بن الحسن بن العبّاس بن الحسن بن أبي الجنّ بن عليّ بن محمد بن علي بن محمد بن
عليّ بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف، القاضي أبو يعلى، فخر الدولة، ابن أبي محمد، الحسينيّ، المعروف بابن أبي الجنّ.
ولد في المحرّم سنة تسع وستّين وثلاثمائة.
وسمع أبا عبد الله الحسين بن عبد الله ابن أبي كامل في سنة سبع وأربعمائة. وولي النقابة بمصر.
وولي قضاء دمشق بعد أبي الحسن سلمان بن علي بن النعمان من قبل أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله في [سنة ستّ عشرة] (٣) وأربعمائة، فجدّد بدمشق مساجد ومنابر وقنى. وأجرى الفوّارة التي في جيرون، وأنشأ قيساريّة عرفت بالفخريّة. ووجدت تذكرة صدقته في كلّ سنة سبعة آلاف دينار.
وفي ولايته نزل سنان بن علوان بالعرب على مدينة دمشق وحصرها حتّى ضيّق على أهلها في سنة خمس عشرة وأربعمائة، ثمّ ألزمهم بثلاثين ألف دينار يقومون له بها. فمنعهم [القاضي أبو يعلى] من ذلك، وجمع المال المذكور وأنفقه في قتال سنان، وحلّف الناس على القيام معه. وهدم دروب (٤) البلد وحملها إلى الجامع خشية امتناع الناس بدروبهم (٤) وتركهم القتال. ثمّ زحف بالناس وقاتل العرب قتالا شديدا قتل فيه منهم نحو المائتين، وأصيب سنان بسهم. فطلب الصلح على ترك الحرب أربعين يوما. فخرج إليه الشريف ومعه شيوخ دمشق ووجوه الجند، وحلّفه وحلّف أعيان من معه من العرب، وعاد.
فبعث حسّان بن الجرّاح يوبّخ سنانا على مصالحته ويحثّه على محاربة أهل دمشق. فعاد إلى
стр. 1300
القتال بعد ما كان انصرف عن المدينة. فهادنه الشريف على ترك الحرب مدّة أشهر (١).
ولم يزل بدمشق حتى مات بها يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
وولي بعده نقابة الطالبيّين وقضاء دمشق أخوه لأمّه الشريف أبو تراب محسن بن محمد بن العبّاس بن أبي الجنّ. وذكر الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسن بن محمد، النسّابة الحسينيّ قال: أردت المسير إلى دمشق فودّعت الشريف فخر الدولة، وكان إذ ذاك بمصر، وقلت وقت توديعي له [البسيط]:
أستودع الله مولاي الشريف وما ... يحويه من نعم تبقى ويوليها
فإنّني عند توديعي لحضرته ... ودّعت من أجله الدنيا وما فيها [٤١٥ أ]
فلمّا سمع البيتين أقسم عليّ أن أقيم، فأقمت، وأنعم عليّ، وأنشدني أبياتا لقسّ بن ساعدة الإيادي [الكامل]:
علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيء لا ينال ضلال
ماذا طلابك علم شيء أغلقت ... من دونه الأبواب والأقفال
افهم: فما أحد بغامص فطنة ... يدري متى الأرزاق والآجال (٢)
إلّا الذي من فوق سبع عرشه ... فلوجهه الإكرام والإجلال
١٢٨٠ - الأجلّ الأشرف الكاتب [٥٤٧ - ٦١٥] (٣)
حمزة بن علي بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبّه، القرشيّ، المخزوميّ، أبو القاسم، الكاتب، من ولد عبد الله ابنأبي ربيعة المخزوميّ- ويلقّب بالأجلّ الأشرف، ابن القاضي أبي الحسن، ابن أبي عمرو.
كان أبوه صاحب ديوان مصر في أيّام الخلفاء الفاطميّين. وولي هو الديوان في أيّام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وولي الأحباس بالقاهرة وديار مصر. وكان كاتبا سديدا حاذقا بليغا، له الإنشاء الحسن، والنظم والنثر الجيّدان.
وكان ينشئ الكتاب من أسفله إلى رأسه على أحسن قانون من غير توقّف.
واشتغل بالحديث فسمع منه الكثير على أبي طاهر السلفيّ ومن دونه. وحصل الأصول الملاح وفهم منه طرفا صالحا.
ولمّا ولي الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن علي الدميريّ المعروف بابن شكر (٤) الوزارة في أيّام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب خاف منه أن يقصده بمكروه، فإنّه كان مغرى بقلع البيوت الأصيلة في التقدّم. فهرب من القاهرة إلى الشام واتّصل بخدمة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، فأكرمه وأحسن إليه وبعثه عنه رسولا إلى الأطراف وأرسله إلى بغداد مرّتين، إحداهما في سنة اثنتين وستّمائة، وحدّث بها.
ومن شعره [بسيط]: