← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال: قيّدوهما! - فقيّدا، وانهزم أهل مصر. ثمّ قتله يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شوّال سنة ثمان وعشرين ومائة. وقيل: قتل رجاء بن أشيم وعدّة من أعيان [٤١٣ ب] الجند. وكان زبان بن عبد العزيز بن مروان شديد التحريض عليه حتى قتل. فقال مسوّر الخولانيّ [الطويل] (١): فإيّاك لا تجني من الشرّ غبطة ... فتودي كحفص أو رجاء بن أشيم فلا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم ... وكيف وقد أضحوا بسفح المقطّم؟ وقال آخر [يبكي حفصا وأصحابه- الكامل] (٢): يا عين لا تبقي من العبرات ... جودي على الأحياء والأموات بكّي الذين مضوا فهم ساداتنا ... قتلوا فلم نطلب لهم بترات يا حفص يا كهف العشيرة كلّها ... يا ذا النوال وساتر العورات إمّا قتلت فأنت كنت عميدهم ... والكهف للأيتام والجارات ٥ أودى رجاء لا كمثل رجائنا ... رجل، وعقبة فارج الكربات وشبابنا عمرو وفهد ذو الندى ... وابن السليط وعامر الغارات قتلوا ولم أسمع بمثل مصابهم ... سروات أقوام بنو سروات طلّت دماؤهم فلم تفرغ لهم ... محن ولم يطلب لهم بجناة ١٢٧٦ - أبو الثناء الفضيليّ [٥١١ - ٥٩٨] (٣) [٤٧٤ أ] حمّاد بن هبة الله بن حمّاد بن الفضيل، أبو الثناء، الفضيليّ، الحرّانيّ، التاجر، من أهل حرّان. رحل في طلب الحديث، وسمع الكثير بالشام والعراق ومصر وخراسان. وكتب بخطّه، وحصّل النسخ. وكان فيه فضل وأدب، ويقول الشعر. سمع ببغداد أبا القاسم ابن السمرقنديّ، وأبا بكر ابن الزاغونيّ، وغيرهما. وبالإسكندريّة الحافظ السلفيّ. وكان صدوقا حسن الطريقة. ومن شعره فيمن تزوّج عمياء قوله [بسيط]: قالوا: تزوّجت عمياء فقلت لهم ... ما في تزوّجي العمياء من عيب أقلّ ما في عماء العمي فائدة ... أن لا يطالعن منّي مطلع الشّيب وقوله [بسيط]: تنقّل المرء في الآفاق يكسبه ... محاسنا لم تكن فيه ببلدته أما ترى بيدق الشطرنج أكسبه ... حسن التنقّل فيما فوق رتبته؟ ومولده بعد ستّين يوما من سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وتوفّي بحرّان يوم الأربعاء الثاني من ذي الحجّة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وجمع تاريخا لحرّان [وجمع من اسمه حمّاد] (٤).

стр. 1297

١٢٧٧ - حمزة ابن اللبّاد «هادي المستجيبين» [- ٤١٠] (١) [٤٧٥ أ] حمزة بن أحمد اللبّاد، الملقّب «هادي المستجيبين»، الزوزنيّ، العجميّ. ظهر في أوّل سنة عشر وأربعمائة، وأظهر الدعاء إلى الحاكم بأمر الله أبي علي منصور، وصرّح بحلول الإله سبحانه فيه، ولازم الجلوس في المسجد الذي كان عند سقاية ريدان بظاهر القاهرة خارج باب النصر، وتلقّب بهادي المستجيبين. فاجتمع إليه جماعة من غلاة الإسماعيليّة. وصار الحاكم إذا ركب إلى تلك الجهة خرج إليه من المسجد وانفرد به، ووقف الحاكم له راكبا فيحادثه طويلا. واستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم الثاني عشر من صفر سنة عشر وأربعمائة: فاجتمع جماعة من أصحاب حمزة على خيول وبغال، ودخلوا الجامع العتيق بمصر، وهم معلنون بمذهبهم. فثار العوامّ وقتلوهم شرّ قتل. فحنق الحاكم على أهل مصر وسلّط العبيد فأحرقوا مصر. وذكر بعضهم أنّ محمد بن إسماعيل الدرزيّ العجميّ الداعي- وبعضهم يسمّيه آنوش تكين- قدم إلى مصر في سنة ثمان وأربعمائة، واتّصل بالحاكم. فدعا الناس إلى القول بإلهيّة الحاكم وأعلن بذلك. فثار به رجل من الأتراك وقتله. وثارت بسببه فتنة مدّة ثلاثة أيّام قتل فيها جماعة من الدرزيّة. فظهر [٤١٤ أ] بعد ذلك حمزة بن أحمد العجميّ الداعي وتلقّب بالهادي وسكن مسجد تبر ودعا الناس إلى مقالة الدرزيّ المقدّم ذكره، وبثّ عدّة دعاة بأرض مصر والشام، ودعا إلى الرخصة والإباحة، وفسح في نكاح المحارم من الأمّهات والبنات والأخوات، وأسقط التكاليف الشرعيّة من الصلاة والصوم والحجّ، فاستجاب لدعاته خلق كثير. وعني الحاكم بحمزة هذا. فخاف حمزة على نفسه واستدعى من الحاكم بسلاح كثير علّقه على باب المسجد، فارتفع قدره، واتّخذ له خاصّة لقّبهم بألقاب عديدة. فلقّب أحدهم ب «سفير القدرة» وجعله رسوله في أخذ البيعة على الأعيان. فلم يقدر أحد على مخالفته. ومن حمزة هذا ظهر مذهب الدرزيّة واشتهر بوادي التيم وشرق صيدا وجبل بيروت وما جاوره من بلاد الشام. وقال الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد الكتّانيّ في كتاب الوفيات (٢): قال شيخنا هبة الله (٣): ثنا أحمد بن محمد بن الأكفانيّ الدمشقيّ [ثنا] أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغداديّ الحافظ إجازة ونقلته من خطّه، قال (٤): ظهر في آخر أيّام الحاكم رجل سمّى نفسه «هادي المستجيبين» وكان يدعو إلى عبادة الحاكم. وحكي عنه أنّه [٤٧٥ ب] سبّ رسول الله ﷺ وبصق على المصحف، وسار في البوادي يدعوهم، إلى أن قتله الله بمكّة: فكتب رجل من الصوفية كان يكنّى أبا الوفاء من مكّة إلى أبي الفتح بن أبي الفوارس البغداديّ الحافظ يشرح له قصّة قتله، وذلك في سنة عشر وأربعمائة. فذكر أبو الوفاء في كتابه أنّ المسمّى بهادي المستجيبين وصل إلى مكّة واجتمع مع أبي الفتوح أميرها فنزل عليه. فرآه المجاورون يطوف بالكعبة. فمضوا إلى

стр. 1298

أبي الفتوح وذكروا له شأنه فقال: هذا [الرجل] قد نزل عليّ، وأعطيته الذّمام. فقالوا: إنّه سبّ النبيّ ﷺ وبصق على المصحف. فسأله عن ذلك، فأقرّ به وقال: قد تبت. فقال المجاورون: إنّ توبة هذا لا تصحّ، وقد أمر النبيّ ﷺ بقتل ابن خطل (١) وهو متعلّق بأستار الكعبة. وهذا لا يصحّ أن يعطى الذمام ولا يسع إلّا قتله. فدافعهم أبو الفتوح عنه. فاجتمع الناس عند الكعبة وضجّوا إلى الله سبحانه وبكوا. وكان من فضل الله تعالى أن أرسل ريحا سوداء حتى أظلمت الدنيا. ثم تجلّت الظلمة وصار على الكعبة فوق أستارها كهيئة الترس له نور كنور الشمس دون سقف الكعبة بنحو القامة. فلم يزل كذلك يرى ليلا ونهارا. (قال كاتب الكتاب إلى أبي الفوارس: ) وكتبت هذا الكتاب وذلك النور على حاله منذ سبعة عشر يوما. فلمّا رأى أبو الفتوح ذلك أمر بالمسمّىبهادي المستجيبين وغلام له كان يصحبه مغربيّ إلى باب العمرة فضربت أعناقهما وصلبا. ثمّ لم يزل المجاورون يرجمونهما بالحجارة حتّى سقطا إلى الأرض. فجمعوا لهما الحطب والعظام وأحرقوهما. وكان كتاب أبي الوفاء الوارد بهذا يقرأ في حلقة الحديث بحضرة ابن أبي الفوارس يوم الجمعة في جامع المهديّ. ١٢٧٨ - الصاحب عزّ الدين ابن القلانسيّ [٦٤٩ - ٧٣٩] (٢) [٤٧٦ أ] حمزة بن أسعد بن المظفّر بن أسعد بن حمزة، الصاحب عزّ الدين، أبو يعلى، ابن مؤيّد الدين، ابن مظفّر الدين، ابن الوزير مؤيّد الدين، القلانسيّ، الدمشقيّ. ولد سنة تسع وأربعين وستّمائة. سمع من ابن عبد الدائم، والرضيّ ابن البرهان، وابن أبي اليسر. وحدّث بمصر والحجاز. وقدم مصر غير مرّة. ولمّا ولي الأمير حسام الدين لاجين نيابة دمشق في الأيام المنصوريّة قلاوون، صحبه. فعند ما استقرّ نائب السلطنة بديار مصر أيّام سلطنة الملك العادل كتبغا، قدم عليه بمصر فيمن قدم من أعيان دمشق لأيّام بقيت من المحرّم سنة أربع وتسعين وستّمائة. فأخذ هديّته وأكرمه وأعاده إلى دمشق. وقدم أيضا في سنة ستّ وسبعمائة، وعاد إلى دمشق في شهر رمضان بعد ما خلع عليه بطرحة (٣). فلمّا كان في [ ... ] ذي القعدة لبس خلعة وزارة دمشق [٤١٤ ب] وكتب في تقليده: «الجناب العالي»، كما يكتب للنائب، تعظيما له. فاستمرّ إلى أن أوقع الأمير كراي نائب الشام الحوطة عليه وعلى غيره في يوم الأحد سابع شهر رجب سنة إحدى عشرة. واستمرّ نحو شهرين هو وحواشيه في الترسيم (٤). وادّعي عليه بربع (٥) ملكه. وقاسى شدّة، إلى أن قبض السلطان على كراي [ف] أفرج

стр. 1299

عنه من الاعتقال، ثمّ أعيد إلى الاعتقال من غد، فأقام زيادة على عشرين يوما. فلمّا ولي الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك دمشق، وصل إليه مرسوم بإعفائه من الوزارة واستقراره في وكالة السلطان. فسار إلى القاهرة. وعاد منها بعد شهر إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان بأنّه باق على وكالته، وأنّ القضاة يحترمونه ويسمعون كلامه، والإنكار لما ثبت عليه في أيّام اعتقاله. ثمّ خلع عليه في سابع عشرين ذي الحجّة سنة أربع عشرة وسبعمائة باستقراره على نظر الخاصّ بدمشق. وتوفّي يوم [ ... ] سادس ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وكان رئيس الشام وعلم أعيانها وعين أعلامها، ذا رأى وبصيرة ومكارم وتجارب قد عركته الحوادث، وقالب (١) الدول وعرف ترتيبها مع الحزم والهمّة والخبرة والذكاء والمعرفة ورصانة العقل وتحرّي الصواب وكثرة المهابة والحرمة والوجاهة بمصر والشام، بحيث لا تردّ شفاعته [٤٧٦ ب] ولا مراسمه، ولا يتخطّاه أحد في مجلس فيجلس فوقه. وكانت سعادته عظيمة وأمواله جمّة، ما بين صامت وناطق وعقار. وأنشأ ناسا كثيرا وقدّمهم في الخدم وغيرها. ١٢٧٩ - ابن أبي الجنّ الحسينيّ [٣٦٩ - ٤٣٤] (٢) حمزة بن الحسن بن العبّاس بن الحسن بن أبي الجنّ بن عليّ بن محمد بن علي بن محمد بن عليّ بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف، القاضي أبو يعلى، فخر الدولة، ابن أبي محمد، الحسينيّ، المعروف بابن أبي الجنّ. ولد في المحرّم سنة تسع وستّين وثلاثمائة. وسمع أبا عبد الله الحسين بن عبد الله ابن أبي كامل في سنة سبع وأربعمائة. وولي النقابة بمصر. وولي قضاء دمشق بعد أبي الحسن سلمان بن علي بن النعمان من قبل أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ابن الحاكم بأمر الله في [سنة ستّ عشرة] (٣) وأربعمائة، فجدّد بدمشق مساجد ومنابر وقنى. وأجرى الفوّارة التي في جيرون، وأنشأ قيساريّة عرفت بالفخريّة. ووجدت تذكرة صدقته في كلّ سنة سبعة آلاف دينار. وفي ولايته نزل سنان بن علوان بالعرب على مدينة دمشق وحصرها حتّى ضيّق على أهلها في سنة خمس عشرة وأربعمائة، ثمّ ألزمهم بثلاثين ألف دينار يقومون له بها. فمنعهم [القاضي أبو يعلى] من ذلك، وجمع المال المذكور وأنفقه في قتال سنان، وحلّف الناس على القيام معه. وهدم دروب (٤) البلد وحملها إلى الجامع خشية امتناع الناس بدروبهم (٤) وتركهم القتال. ثمّ زحف بالناس وقاتل العرب قتالا شديدا قتل فيه منهم نحو المائتين، وأصيب سنان بسهم. فطلب الصلح على ترك الحرب أربعين يوما. فخرج إليه الشريف ومعه شيوخ دمشق ووجوه الجند، وحلّفه وحلّف أعيان من معه من العرب، وعاد. فبعث حسّان بن الجرّاح يوبّخ سنانا على مصالحته ويحثّه على محاربة أهل دمشق. فعاد إلى

стр. 1300

القتال بعد ما كان انصرف عن المدينة. فهادنه الشريف على ترك الحرب مدّة أشهر (١). ولم يزل بدمشق حتى مات بها يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. وولي بعده نقابة الطالبيّين وقضاء دمشق أخوه لأمّه الشريف أبو تراب محسن بن محمد بن العبّاس بن أبي الجنّ. وذكر الشريف أبو الغنائم عبد الله بن الحسن بن محمد، النسّابة الحسينيّ قال: أردت المسير إلى دمشق فودّعت الشريف فخر الدولة، وكان إذ ذاك بمصر، وقلت وقت توديعي له [البسيط]: أستودع الله مولاي الشريف وما ... يحويه من نعم تبقى ويوليها فإنّني عند توديعي لحضرته ... ودّعت من أجله الدنيا وما فيها [٤١٥ أ] فلمّا سمع البيتين أقسم عليّ أن أقيم، فأقمت، وأنعم عليّ، وأنشدني أبياتا لقسّ بن ساعدة الإيادي [الكامل]: علم النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيء أغلقت ... من دونه الأبواب والأقفال افهم: فما أحد بغامص فطنة ... يدري متى الأرزاق والآجال (٢) إلّا الذي من فوق سبع عرشه ... فلوجهه الإكرام والإجلال ١٢٨٠ - الأجلّ الأشرف الكاتب [٥٤٧ - ٦١٥] (٣) حمزة بن علي بن عثمان بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن يعقوب بن مسلم بن منبّه، القرشيّ، المخزوميّ، أبو القاسم، الكاتب، من ولد عبد الله ابنأبي ربيعة المخزوميّ- ويلقّب بالأجلّ الأشرف، ابن القاضي أبي الحسن، ابن أبي عمرو. كان أبوه صاحب ديوان مصر في أيّام الخلفاء الفاطميّين. وولي هو الديوان في أيّام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وولي الأحباس بالقاهرة وديار مصر. وكان كاتبا سديدا حاذقا بليغا، له الإنشاء الحسن، والنظم والنثر الجيّدان. وكان ينشئ الكتاب من أسفله إلى رأسه على أحسن قانون من غير توقّف. واشتغل بالحديث فسمع منه الكثير على أبي طاهر السلفيّ ومن دونه. وحصل الأصول الملاح وفهم منه طرفا صالحا. ولمّا ولي الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن علي الدميريّ المعروف بابن شكر (٤) الوزارة في أيّام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب خاف منه أن يقصده بمكروه، فإنّه كان مغرى بقلع البيوت الأصيلة في التقدّم. فهرب من القاهرة إلى الشام واتّصل بخدمة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف، فأكرمه وأحسن إليه وبعثه عنه رسولا إلى الأطراف وأرسله إلى بغداد مرّتين، إحداهما في سنة اثنتين وستّمائة، وحدّث بها. ومن شعره [بسيط]:

стр. 1301

زيادة الطول نقص ظاهر الأثر ... وقد سرى ذاك حتّى كان في الشجر انظر إلى الجوز لمّا عاد معتليا ... كيف اغتدى وهو خالي الغصن من ثمر ومولده بمصر يوم الأحد عاشر شعبان سنة سبع وأربعين وخمسمائة. وتوفّي بالقاهرة فجأة يوم الاثنين سلخ ذي الحجّة سنة خمس عشرة وستّمائة. ودفن بالقرب من الشافعيّ. ١٢٨١ - أبو القاسم الغلبونيّ الورّاق [- بعد ٣٩٩] (١) حمزة بن علي بن يعقوب، أبو القاسم، الغلبونيّ، الورّاق. كان صديقا لأبي الحسن مالك بن سعيد الفارقيّ. فلمّا ولي قضاء القضاة استخلفه على قضاء القاهرة وجعله واسطة بينه وبين الشهود كلّهم، يمضي ما أمضاه ويوقف ما أوقفه، وخلع عليه (٢) وحمله على بغلة مسرجة ملجمة. فعلت منزلته وتردّد إليه وجوه الناس لقضاء أشغالهم. فكثرت دالّته على القاضي وزاد في سؤاله قضاء الأشغال ونحوها. فحسده الجماعة وألّبوا عليه وشنّعوا بذكر قبائح نسبوها إليه. ورفعوا ذلك للقاضي غير مرّة، وهو يغضي عنه. فلمّا طال ذلك منعه من حضور مجلسه. فلم يمتنع وحضر، فانتهره وصرفه. فاستتر في داره من طلب الناس له، فلم يوجد. فكتب عليه محضر باستتاره، شهد فيه جماعة من الشهود، وأطلقوا فيه القول بالعظائم. وكان القاضي قد رضي بأن غيّب شخصه، فلم يرض ذلك غرماءه وأبوا إلّا سفك دمه. ونصّ المحضر المكتتب بعد البسملة (٣): هذا ما شهد به الشهود المسمّون في هذا الكتاب: شهدوا جميعا أنّهم يعرفون حمزة بن علي بن يعقوب الغلبونيّ الورّاق معرفة صحيحة يقينيّة باسمه ونسبه. ويشهدون أنّهم انكشف لهم من حاله من قلّة الأمانة، وظهور الخيانة، ورقّة الدين، واغتصاب مال من قدر على اغتصاب ماله من المسلمين، وأخذ الرّشى على الأحكام الشرعيّة، والتسوّر على المستورين بمقربة من القضاة حتى ظهرت [٤١٥ ب] أفعاله وبانت أعماله، وكثر الخوض فيه بما يعلمه ويصحّ عندهم من ذلك أجمع. وعلموا أنّ في بعده عن باب الحكم طهارة له وصلاحا للمسلمين وصونا لحرمهم وأموالهم. وفي قربه منه فساد كبير وضرر عظيم، مع مخالفته لمذهب الأئمّة ﵈، وتظاهره بخلافهم في هذا الوقت، واختلائه مع المرجفين وسعيه مع الأمور العظائم، والأحوال الجسائم، التي لا يكاد ينطق بها اللسان. وأنّ قاضي القضاة لم يزل، كلّما اتّصلت به هذه البلاغات، يزجره، وينهاه، ويحذّره، فيعلمه أنّه قد رجع عن ذلك وأناب لوقته، ويعاود بعد إظهار توبته، إلى ارتكاب مثل ذلك لا يرتدع عمّا يأتيه، ولا يخاف الله بارية. وأنّه غير موضع للقضاء ولا لقبول الشهادة، ولا يرضون فعله، ولا يثقون بقوله، لا لهم ولا لأحد من سائر الناس كافّة، ولا عليهم ولا على أحد من سائر الناس أجمعين. وأنّ من أسقطه ونزع عنه قميص الأمانة مثاب من الله تعالى في خلقه. يعلمون ذلك كلّه من حاله ويقفون عليه من أمره. وسألهم من جاز له سؤالهم إثبات شهاداتهم بما علموه من حاله وانكشف لهم

стр. 1302

من أمره، فأجابوه إلى ما سأل. وكتبوا خطوطهم على علم منهم بذلك في ذي الحجّة سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ثمّ إنّهم زادوا في القبيح عليه، وجدّوا في إحضاره وأشاعوا أنّه قد اختفى عند أبي القاسم الحسين بن علي ابن المغربيّ (١) ليشفع فيه. وظفروا بأخيه وأهانوه. ففرّ منهم وهم في الطلب، إلى أن ظفروا به وبأخيه معا في ثاني عشرين المحرّم سنة تسع وتسعين. فاعتقلا في قصر الإمارة إلى خامس صفر منها. فأخرجا ومعهما رجل آخر في ليلة الثلاثاء تاسعه إلى ناحية المقس وحملوا في مركب ليتوجّهوا إلى الصعيد. فقدمت رءوسهم من بعض النواحي بعد أن أقاموا في المطبق ينزل إليهم في كلّ يوم بالطعام مدّة [ ... ]. ١٢٨٢ - أبو القاسم الكنانيّ الحافظ [٢٧٥ - ٣٥٧] (٢) حمزة بن محمد بن علي بن العبّاس، أبو القاسم، الكنانيّ، الحافظ، المصريّ. ولد سنة خمس وسبعين ومائتين في شعبان. وسمع الحديث أوّل ما سمع سنة خمس وتسعين. ودخل إلى العراق سنة خمس وثلاثمائة. وسمع بدمشق. ثمّ قدمها مرّة أخرى وحدّث بها. حدّث عن جماعة من أهل مصر، ومن الغرباء، منهم الحسن بن أحمد بن سليمان، وعمران بن موسى بن حميد الطبيب، ومحمد بن إسماعيل المعدّل، ومحمد بن سعيد بن عثمان بن عبد السلام السرّاج، وسعيد بن عثمان الحرّانيّ، وعبدان [بن أحمد] الأهوازيّ، وأبو عبد الله محمد بن داود بن عثمان بن سعيد ابن أسلم الصدفي، وأبو بكر أحمد بن محمد بن نافع، وأبو يعلى الموصليّ، وعبد السلام بن سهل السكّريّ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد العرينيّ، ومحمد بن عون الكوفيّ، وأبو الحسن محمد بن عون الوحيديّ، وأبو سعيد محمد بن أحمد بن عبيد بن فيّاض، وجماهر بن [محمد بن] أحمد الزملكانيّ، وأبو الوليد عبد الملك بن محمود بن سميع، وأبو عبد الله محمد المعافى الصيداويّ. روى عنه تمّام بن محمد، وعبد الرحمن بن عمر بن نصر، وأبو عبد الله شعيب بن عبد الله بن أحمد بن المنهال بن معمّر بن حبيب الجوهريّ، وأبو الحسن الدارقطنيّ، وأبو عبد الله بن مندة، وعلي بن عمر بن محمد بن حمّصة (٣) الحرّانيّ، وهو آخر من حدّث عنه. وكان حافظ مصر بعد أبي سعيد بن يونس وجمع وصنّف. وكان ثقة مأمونا. قال عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ: لمّا قدم أبو الحسن الدارقطنيّ مصر أدرك حمزة بن محمّد الكنانيّ الحافظ في آخر عمره. فاجتمع معه وأخذا يتذاكران. فلم يزالا كذلك حتّى ذكر حمزة عن أبي العبّاس بن عقدة (٤) حديثا. فقال له أبو الحسن: أنت ههنا.- ثمّ فتح ديوان أبي العبّاس ولم يزل يذكر من حديثه ما أبهر حمزة وحيّره. وقال البيهقيّ: نا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أبو القاسم حمزة بن محمد بن عليّ بن

стр. 1303

محمد بن العبّاس الكنانيّ المصريّ: هو على تقدّمه في معرفة الآثار أحد من يذكر بالزهد والورع وكثرة العبادة. سمع أبا عبد الرحمن النسائيّ، وأبا خليفة القاضي، وأبا يعلى الموصليّ، وأقرانهم، بالحجاز والعراقين. توفّي بعد الخمسين وثلاثمائة بمصر. وقال أبو ال [و] ليد سليمان بن خلف الباجي: أبو القاسم حمزة بن محمّد: أحد الحفّاظ المتقنين. وقال الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد: كان حافظا ثقة ثبتا. ويحكى أنّه لمّا بلغه قدوم عساكر [٤١٦ أ] المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ إلى الإسكندريّة، قال: اللهمّ لا تحيني حتى تريني الرايات الصفر! فمات، ودخل عسكره بعد موته بثلاثة أيّام (١)، وذلك في يوم الأربعاء [ ... ] من ذي الحجّة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وذكر [هـ] الحافظ أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي الكتّانيّ في [ ... ] (٢) وقا [ل] إنّه توفّي سلخ شهر ربيع الأوّل سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. ١٢٨٣ - الصاحب ابن الأسفونيّ [- ٦٨٢] (٣) [٥١٥ أ] حمزة بن محمد بن هبة الله بن عبد المنعم، من بني جميلة، إحدى بطون هلال بن عامر بن صعصعة، الصاحب، الوزير، نجم الدين، ابن الأسفوني. تقلّب في الخدم الديوانية بقوص من صعيد مصر، فخدم مشارفا ثمّ صاحب ديوان ثمّ ناظرا. وبنى بها مدرسة. ثمّ ولي نظر الأعمال الإخميميّة، وتنقّل في الخدم إلى أن ولي نظر النظّار بالديار المصريّة. ثمّ فوّض إليه الملك المنصور قلاوون الوزارة في حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وستّمائة، فصلحت الدولة بوزارته، فإنّه كان خبيرا بأوضاع الحساب، عارفا، سيوسا. فغصّ الأمير علم الدين سنجر الشجاعيّ- وكان مشدّا معه فلم تمتدّ له بمرافقته يد. ويقال إنّه كان أعطى عبدا له مائة دينار حتّى دسّ عليه سمّا في كعكة ليطعمها له بكرة يكون فطره عليها وأوهمه أنّها عملت للتأليف بينهما، فأطعمها ذلك العبد الجاهل سيّده فمات في يوم [ ... ] ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين وستّمائة. وتولّى دفنه الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم. واحتاط الشجاعيّ على تركته، وأمسك العبد وقتله وأخذ ما كان بملكه فوجد الدنانير بصرّتها فأخذها. وكان الأصفوني (٤) فقيها شافعيّا كاتبا، عارفا بأمور الديوان ضابطا للأموال. وكان يحبّ القرآن والحديث النبويّ ويكرم أهل العلم. وكتب بخطّه القرآن الكريم في

стр. 1304

ربعة (١) وهو بقوص. وللكمال محمد بن بشائر الإخميميّ فيه، وقد وقع بينه وبين أبي طالب ابن النابلسيّ وهو يلي نظر الدواوين [الطويل]: أبا طالب ما أنت قرن لحمزة ... لأنّكما في الدين مختلفان دعاك النبيّ الهاشميّ فلم تجب ... وحمزة لبّاه بكلّ لسان (٢) ولمّا مات طلب الشجاعيّ أصحابه بكلّ مكان ونادى عليهم بالمشاعليّة (٣)، ففرّ شرف الدين محمد النصيبي واختفى مدّة. ثمّ كتب إلى الشجاعيّ بهذه الأبيات [الكامل]: دع عنك عذلي يا عذول فإنّ بي ... من فرقة الأحباب ما يكفيني لا تلح في حرقي وفيض مدامعي ... القلب قلبي والجفون جفوني أنكرت منّي غير وقفة ساعة ... والركب مرتحل أبثّ شجوني هي وقفة قصرت وطال بلاؤها فكأنّما هي دولة الأسفوني ... يا حمزة بن محمد ألقيتنا في ذلّ أحزان وضيق سجون ... لم تمش هونا في الأمور فكلّنا من شؤم رأيك في عذاب الهون ... ما بين مطرود عن الأوطان لا يأوي بها خوفا وبين رهين ... تجني ونؤخذ بالجناية هكذا ال عقلاء مأخوذون بالمجنون ومن شعر الأسفونيّ [كامل]: ولقد أحنّ إلى العقيق ويثرب ... وقبا، وهنّ منازل الورّاد وأحبّهنّ وليس هنّ منازلي ... وأودّهنّ وليس هنّ بلادي ١٢٨٤ - حميد بن أحمد الزهري [٥١٦ أ] من ولد عبد الرحمن بن عوف. حدّث. ١٢٨٥ - حميد بن الجون الإسكندرانيّ [٥١٦ أ] يروي حديثا منكرا عن ابن وهب عن مالك لم يتابع عليه. ١٢٨٦ - حميد بن أبي حفصة [٥١٦ أ] روى عن منصور بن وردان الحضرميّ مولى قريش. ١٢٨٧ - حميد بن أبي حميد [تيرويه الطويل (٦٨ - ١٤٠)] (٤) [٥١٦ أ] حدّث عن رجل من أهل حمص عن

стр. 1305

عوف بن مالك. حدّث عنه منصور ابن وردان. ١٢٨٨ - حميد بن أبي الصعبة [٥١٦ أ] روى عنه عبيد الله بن أبي جعفر المصريّ. ١٢٨٩ - حميد بن أفلح الخولانيّ [٥١٦ أ] يحدّث عن عبد الرحمن بن مريح الخولانيّ. حدّث عنه حرملة بن عمران. ١٢٩٠ - حميد بن ثوابة (١) [٥١٦ أ] حميد بن ثوابة، أبو القاسم، الجذاميّ، الأندلسيّ، الدمشقيّ. قدم مصر وسمع بها أبا جعفر الطحاويّ وأبا الحسن المصرانيّ. وسمع بدمشق أبا الجهم بن طلاب وأبا الحسن بن جوصا. وببغداد أبا بكر بن أبي داود، وأبا بكر أحمد بن محمد بن أبي شيبة. وكانت له عناية بالعلم ورحلة. سمع الكثير، وكان عالما بالحديث بصيرا به. سمع منه أحمد بن سعيد، وأحمد بن محمد بن معروف وغيرهما. ١٢٩١ - حميد بن زنجويه [١٨٠ - ٢٥١] (٢) [٥١٦ ب] حميد بن زنجويه- واسمه مخلد- بن قتيبة بن عبد الله- وزنجويه لقب مخلد، أبو أحمد، الأزديّ، النسائيّ، الحافظ، صاحب كتاب الأموال وكتاب الترغيب [والترهيب وكتاب] الآداب [النبويّة]. محدّث مشهور. سمع بدمشق أبا مسهر، وهشام بن عمّار وزيد بن عبد الرحمن، ودحيما. وبمصر عبد الله بن صالح، وأبا الأسود النضر بن عبد الجبّار، وعثمان بن صالح، وعبد الله بن يوسف، وسعيد بن عفير، وسعيد بن أبي مريم. وبحمص يحيى بن صالح، وأحمد بن خالد الوهبيّ. وبقيساريّة (٣) محمد بن يوسف الفريابي. وبالعراق يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد وأخاه يعلى، وعبيد الله بن موسى، وبشر بن عمر الزهرانيّ، وهاشم بن القاسم، وجعفر بن عون، والنضر بن شميل، وسعيد بن عامر، وعثمان بن عمر بن فارس، وأبا نعيم، وأبا عاصم النبيل. وبمكّة أبا عبد الرحمن المقرئ. روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وعبد الله بن عتّاب، وأبو زرعة النصريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وجماعة. قال البيهقيّ: ثنا عبد الله الحافظ قال: حميد بن زنجويه النسويّ، أبو أحمد: محدّث كثير الحديث، قديم الرحلة في طلبه إلى الحجاز ومصر والشام والعراقين- فذكر تسواحه ثمّ قال: روى عنه جماعة من أئمّة الحديث: بالعراق، إماما الحديث: إبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل. وبخراسان محمد بن

стр. 1306

إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج. حدّث بنيسابور. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: وكان ثقة ثبتا حجّة. وقال النسائيّ: حميد بن مخلد: نسائيّ ثقة. وقال أحمد بن سيّار: كان لا يخضب. وكان حسن الفقه قد كتب الحديث. وقد رحل إلى الشامات. وكان رأسا في العلم حسن الموقع عند أهل بلده. وقال القاسم بن سلّام: ما قدم علينا من فتيان خراسان مثل ابن شبّويه وابن زنجويه. وذكر ابن مندة عن ابن يونس أنّه قال عنه: قدم إلى مصر وكتب بها. وكتب عنه عن عبد الرحمن وعن أبي عبيد القاسم بن سلّام كتبه المصنّفة، وحدّث بها. وخرج عن مصر. توفّي سنة إحدى وخمسين ومائتين. وقال ابن حيّان: كان من سادات أهل بلده فقها وعلما، وهو الذي أظهر السنّة بنسا. ومات سنة تسع وأربعين ومائتين. ١٢٩٢ - حميد بن زياد الأصبحيّ [٥١٧ أ] وفد على عمر بن عبد العزيز من مصر ببشارة فزاده في عطائه عشرة دنانير. روى عنه ضمّام بن إسماعيل. ١٢٩٣ - حميد بن سعيد المغربيّ (الشاعر) [- نحو ٥٠١] (١) [٥١٧ أ] حميد بن سعيد [بن يحيى] الخزرجيّ المغربيّ. قال أبو عبد الله محمد بن حبيب المهدويّ [القلانسيّ]: حضرت ليلة مجلس تميم ابن المعزّ [بن باديس بالمهديّة]، فالتفت حميد بن سعيد إلى غلامين من المماليك متناجيين قد ضمّا خدّا إلى خدّ، فقال [منسرح]: انظر إلى لمّتين قد حكتا فقلت: جنحي ظلام على صباحين فقال حميد: واعجب لغصنين كلّما انعطفا فقلت: ماسا من اللين في وشاحين فقال حميد: ظبيان يحمي حماهما أسد فقلت: لولاه كانا لنا مباحين فقال حميد: فلو تدانيت منهما لدنت فقلت: منّي في الحين أسهم الحين [٤١٧ أ] ١٢٩٤ - حميد ابن مسروق الجيشانيّ [- ٢٠٨] حميد بن سلامة بن عبد الأعلى بن سعيد بن عبد الله بن مسروق، الجيشانيّ. حدّث عنه سعيد بن عفير، ويونس بن عبد الأعلى. توفّي يوم الأحد لثلاث خلون من شوّال سنة ثمان ومائتين.

стр. 1307

١٢٩٥ - حميد بن صهيب مولى مراد [٧٠ - نحو ١٠٥] [٥١٧ أ] كان معلّما لبعض ولد بني أميّة بمصر. حدّث عنه عبد الله بن لهيعة أنّه قال: إنّ ملحمة دمياط قبل ملحمة الإسكندريّة. وولد سنة سبعين ومات في ولاية ابن الحبحاب خراج مصر. ١٢٩٦ - حميد بن عبد الله العدويّ [٥١٧ أ] حميد بن عبد الله بن أبي جهم بن حذيفة، العدويّ. يحدّث عن عبد الله بن أبي حذيفة العدويّ عن رويفع بن ثابت. وعنه إسحاق بن عبد الله. وفيه نظر. ١٢٩٧ - حميد بن عبد الله بن وهب [- ٢١٨] حميد بن عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو عمر. يحدّث عن أبيه (١). حدّث [٥١٧ ب] عنه يحيى بن سليمان الجعفيّ، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ. توفّي عشيّة الجمعة مستهلّ شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين. ١٢٩٨ - ابن عرابيّ الحضرميّ [٥١٧ ب] حميد بن عرابيّ بن نعيم الحضرميّ، أحد شهود ابن لهيعة، له ذكر في الأخبار. ١٢٩٩ - حميد بن علي البجليّ [٥١٧ ب] روى عن ابن لهيعة. وعنه أحمد بن محمد بن رشدين. ١٣٠٠ - ابن فضالة الأنصاريّ [٥١٧ ب] حميد بن فضالة بن عبيد الأنصاريّ. أمّه أمّ صفوان بنت خداش بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. كان بمصر والشام. والرواية عنه شاميّة. ١٣٠١ - حميد بن قحطبة الطائيّ [- ١٥٩] (٢) [٤١٩ أ] حميد بن قحطبة- واسمه زياد- بن شبيب بن خالد بن معدان بن شمس بن قيس بن أكلب بن سعد بن عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ، أبو [ ... ] الطائيّ، أحد قوّاد بني العبّاس وأحد أمراء مصر. كان أبوه قحطبة من جملة دعاة بني العبّاس، وأحد النقباء الاثني عشر الذين اختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس من الشيعة الذين استجابوا له حين بعث رسوله إلى خراسان سنة ثلاث- أو أربع- ومائة، وشهد مع أبي مسلم الخراسانيّ حروبه، وكان في مقدّمته وإليه العدل والاستعمال، وكانت له أخبار كثيرة حتى هلك في المحرّم سنة اثنتين وثلاثين ومائة في وقعة مع حوثرة بن سهيل بجانب الفرات. فبايع حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، فقام الحسن بأمر الحرب بعد أبيه. وتوجّه حميد إلى

стр. 1308

المدائن في عدّة قوّاد من قبل وزير آل محمد، أبي سلمة حفص بن سليمان الخلّال. فلمّا بويع السفّاح أبو العبّاس عبد الله بن محمد، سار حميد بن قحطبة مع عبد الله بن عليّ لحرب مروان بن محمد، وشهد وقعة الزاب، ثمّ حصر دمشق فيمن حصرها، ونزل على باب توما- وقيل: على باب الفراديس. ثمّ ولّاه أبو جعفر المنصور الجزيرة. ثمّ ولّاه مصر صلاتها وخراجها، فدخلها في عشرين ألفا من الجند يوم الجمعة لخمس خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائة. فجعل على شرطه محمد بن معاوية [بن بجير]، ثمّ صرفه بمحمّد بن بجير. فقدم إلى مصر علي بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب داعية لأبيه وعمّه، فذكر ذلك صاحب السكّة لحميد وقال: ابعث إليه فخذه! فقال: هذا كذب- ودسّ إليه أن يغيب، فتغيّب. ثمّ بعث إليه من الغد فلم يجده. فقال لصاحب السكّة: ألم أعلمك أنّه كذب؟ فكتب صاحب السكّة بذلك إلى المنصور فعزل حميدا وسخط عليه. فخرج من مصر يوم الاثنين لثمان بقين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين. ثمّ ولّاه خراسان بعد خازم بن خزيمة، فقدم مرو يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان سنة إحدى وخمسين ومائة، فبقي عليها إلى أن مات يوم الأحد مستهلّ شعبان سنة تسع وخمسين ومائة. فبعث المهديّ محمد بن أبي جعفر إلى عبد الله بن حميد، فعمل بعد أبيه ستّة أشهر، ثمّ صرفه بأبي عون عبد الملك بن يزيد. ١٣٠٢ - حميد بن مخراق، مولى الأنصار (١) [٤١٩ أ] رأى أنس بن مالك. حدّث عنه عمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيّوب، وابن لهيعة مدنيّا (٢). قدم مصر. ١٣٠٣ - حميد بن مسلم القرشيّ (٣) [٤١٩ ب] حميد بن مسلم، أبو عبد الله [٤١٧ ب]، القرشيّ. ويقال: أبو عبيد الله. رأى واثلة بن الأسقع (٤). وروى عن مكحول، وبلال بن أبي الدرداء. حدّث عنه سعيد بن أبي أيّوب. قال البخاري: هو من أهل دمشق. وقال ابن يونس: أراه ناقلة من الشام إلى مصر فسكنها. ١٣٠٤ - حميد بن نجيح المعافريّ حدّث عن سعيد بن المسيّب، ومحمد بن شهاب. وعنه العطّاف بن جندل، ويحيى بن أيّوب، وابن لهيعة. ١٣٠٥ - حميد بن هاني الخولانيّ [- ١٤٢] (٥) حميد بن هاني، الخولانيّ، أبو هاني.

стр. 1309

أدرك سليم بن عتر (١). وحدّث عن أبي قبيل (٢)، وعبد الله بن يزيد [المعافري] الحبليّ (٣)، وشفي (٤) بن ماتع الأصبحيّ، وجماعة. حدّث عنه حيوة بن شريح، وخالد بن حميد، ونافع بن يزيد، وسعيد ابن أبي أيّوب، والليث بن سعد، وابن لهيعة، ورشدين بن سعد، وابن وهب، وإسحاق بن الفرات، وغيرهم. قال النسائيّ: ليس به بأس. توفّي سنة اثنتين وأربعين ومائة. خرّج له مسلم. ١٣٠٦ - أبو خليفة الرعينيّ العبليّ [- ٢٤٧] (٥) [٤١٩ ب] حميد بن هشام بن حميد بن خليفة بن زرعة بن قرّة بن الينجر بن رقيّ بن زيد بن ذي العابل بن رحيب بن ينحض بن تزايد بن العبل بن عمرو بن مالك بن زيد بن رعين، الرعينيّ، ثمّ العبلي- بفتح الباء- أبو خليفة. شهد جدّه زرعة بن قرّة فتح مصر، ومعه أخوه نمران بن قرّة [أبو خليفة] حدّث عن الليث وابن لهيعة، وعمّر طويلا ومات في شوّال سنة سبع وأربعين ومائتين. وحضر الليث جنازته فقال لابنه حميد بن هشام: لا يصلّي على أبيك غيرك (٦). وكان [٤٢٠ أ] مستجاب الدعوة: لقي مرّة عبد الله بن عبد الحكم، وكان على مسائل عيسى ابن المنكدر القاضي، فعدّل أقواما ليسوا من أهل العدالة: فلان الحائك، وفلان البيّاع، وفلان المسلمانيّ (٧)، فقال له: يا ابن عبد الحكم، كان هذا الأمر مستورا فهتكته وأدخلت في الشهادة من ليس لها بأهل. فقال له ابن عبد الحكم: إنّما هذا دين، وإنّما فعلت ما يجب عليّ. فقال له أبو خليفة: أسأل الله ألّا يرفعك بالشهادة لا أنت ولا أحدا من ولدك. قال ابن قديد (٨): فلقد أجيبت دعوته: بلغ هو [و] ولده في مصر ما لم يبلغه أحد، ما قبلت لأحد منهم شهادة قطّ. قال ابن يونس: ولا أراها تقبل أبدا لأحد منهم. ١٣٠٧ - حميد بن هشام القنائيّ [٤٢٠ أ] حميد بن هشام القنائيّ، الإسكندرانيّ، أبو المنذر. حدّث عن سليمان بن القاسم الزاهد. وعنه العبّاس ابن الوليد الزوفيّ، وعن العبّاس سعيد بن عفير. ١٣٠٨ - حميد بن يحيى الغافقيّ [- ٢٥٥] [٤٢٠ ب] حميد بن يحيى بن يوسف بن

стр. 1310

يحيى بن مالك، أبو يحيى، مولى غافق. يروي عن هارون بن عبد الله الزهريّ وغيره. وآخر من حدّث عنه بمصر محمد بن الربيع بن سليمان الجيزيّ. وكان فقيها يغلب عليه الفقه. توفّي يوم الجمعة لخمس خلون من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. ١٣٠٩ - حميد بن مكّيّ القصّار [- ٥١٧] (١) [٤٢١ أ] حميد بن مكّيّ، الإطفيحيّ، القصّار. كان رفيقا لبركات (٢) الذي استغوى الناس بمصر في أيّام الأفضل ابن أمير الجيوش. فلمّا مات بركات وقتل أصحابه بعد غلق دار العلم (٣)، فرّ حميد. فلمّا مات الأفضل عاد حميد وسكن مصر، يدقّ الثياب. وصار يتردّد إلى دار العلم بعد ما فتحها الوزير المأمون أبو عبد الله محمد بن فاتك البطائحيّ، ويفسد عقول الناس. وادّعى الربوبيّة فاتّبعه أستاذ وخيّاط وجماعة. فقام في أمره داعي الدعاة وليّ الدولة أبو البركات ابن عبد الحقيق وصار إلى الوزير المأمون وعرّفه عن حميد بأنّه قد عرف طرفا من علم الكلام على مذهب الأشعريّ، ثمّ إنّه انسلخ من الإسلام وسلك طريق الحلّاج في التمويه، واستهوى من ضعف عقله وقلّت بصيرته. فقبض على حميد وعلى جميع أصحابه، ما خلا الخيّاط، فإنّه فرّ. فنودي عليه وبذل لمن يحضره المال فلم يقدر عليه. وأودع حميد وأصحابه السجن، وقرّروا فلم يعترفوا بشيء. فلمّا كان بعد أيّام تماوت فأمر بدفنه، فإذا به حيّ. فترك في السجن. وعرضت البراءة منه على أصحابه، فمن تبرّأ منهم، خلّي عنه، ومن أصرّ ترك في السجن. وعرضت البراءة على الأستاذ فقال: إنّ القتل لا يصل إليه. فأمر بقطع لسانه فقطع ورمي قدّامه. فلم يرجع. وأخرج بحميد والخصيّ في من بقي من أصحابه فصلبوا وضربوا بالنشّاب حتى ماتوا، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة سبع عشرة وخمسمائة. ثمّ ظفر بالخيّاط فلم يتبرّأ من حميد، فصلب بجانبه. وصار [٤٢١ ب] أصحابه [٤١٨ أ] يأتونبالكافور ويلقونه قريبا من خشبته سرّا، حتّى إنّ من مرّ هناك يشمّ ريح الكافور، فيشيع أصحابه أنّ هذا من كراماته التي ظهرت بعد صلبه. فلمّا اشتهر هذا أمر المأمون بحطّ رممهم عن الخشب ودفنهم [متفرّقين]، بحيث لم يعرف قبر حميد [من قبور أصحابه]. وكان حميد قصيرا دميم الخلقة، يتنمّس (٤) بالدين ويواصل طلوع الجبل في عدّة من أصحابه، ويصلّي ركعتين ثمّ يحضر إليهم المأكل من الجبل، فيرى أصحابه أنّه أحضر إليهم ذلك من الغيب. وكانوا يبالغون في تعظيمه حتى إنّهم يخافون الإثم في تأمّل صورته فلا يزالون مطرقين بين يديه. وهم مع ذلك يسألونه الحوائج، فما منهم أحد إلّا ويستدعي منه بالجبل شيئا على سبيل الامتحان فيحضره إليه لوقته.

стр. 1311

وكانت معه سكّين لا تقطع إلّا بيده. فإذا أمسك طائرا أو قبضه أحد ممّن عنده، يدفع السكّين التي معه إليه ويقول: اذبحه! - فلا تمشي في يده حتى يأخذها هو ويذبحه بها، فيجري دم الطائر. ثمّ يعود فيمسكه بيده ويسرّحه فيطير. وكان أصحابه يزعمون فيه أنّ الحديد لا يؤثّر في جسمه. ١٣١٠ - حميدان بن حوّاس العقيليّ [- ٣٦٨] (١) ويقال فيه حمدان، والأوّل أشهر. ولي دمشق من قبل العزيز بالله أبي منصور نزار ابن المعزّ لدين الله سنة ثمان وستّين وثلاثمائة، بعد ظفره بهفتكين الشرابيّ. بعثه إليها في نحو مائتي رجل. وكان قسّام (٢) إذ ذاك متغلّبا على دمشق، فلم يكن لحميدان مع قسّام أمر. ولم تطل مدّته حتى وقع بينه وبين قسّام، فأطرده العيّارون من أصحاب قسّام، وخرج هاربا من البلد، فنهبوا داره. وقوي أمر قسّام. فجاءت القرامطة، جعفر وإخوته، فنزلوا على دمشق فمنعهم قسّام من البلد وعمل على قتالهم فساروا إلى الرملة. فولي دمشق بعد حميدان أبو محمود (٣). ويقال إنّه ولي دمشق في سنة واحدة، وهي سنة ثمان وستّين هذه، ظالم بن مرهوب العقيلي، والقرمطي، ووشّاح (٤) وحميدان وأبو محمود. ١٣١١ - حميضة ابن أبي نميّ [- ٧٢٠] (٥) [٥٣٦ أ] حميضة بن محمد بن حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليم بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵇، الشريف الأمير عزّ الدين، أبو [ ... ] ابن الشريف الأمير أبي مهدي وأبي نميّ، ابن أبي سعد، الحسنيّ. ولي إمارة مكّة شرّفها الله، هو وأخوه أسد الدين رميثة، قبل موت أبيهما أبي نميّ، في ثاني صفر سنة إحدى وسبعمائة. فانتظر إلى الموسم- وكان قد حجّ من مصر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير. فلمّا رجع من منى ليطوف طواف الوداع، وقف له أبو الغيث وعطيفة، ابنا أبي نميّ، وشكيا من أخويهما حميضة ورميثة شكوى طويلة، منها أنّهما منعاهما إرث أبيهما وسجناهما مدّة حتى فرّا منهما. فقال بيبرس لحميضة: ألا تسمع ما يقول أخواك؟ فقال: يا أمير، نحن نتصرّف في إخوتنا، وأنتم فقد قضيتم حجّكم، فلا تدخلوا بيننا. فغضب بيبرس، وأشار إلى الأمير سيف الدين طاش تمر الجمقدار، فلكم حميضة [و] ألقاه إلى الأرض، وللحال كتفت يداه ويدا أخيه رميثة وجعل في أعناقهما الحديد. فطار الخبر بمكّة، فركب الأشراف والعبيد، وصاح النساء من أعلى البيوت، ورموا بالحجارة. فثار أمراء مصر وأتباعهم مستعدّين للحرب. فجرح ثلاثة عشر

стр. 1312

رجلا- وقيل ستّة- وثمانية أفراس. وخرجوا بحميضة ورميثة في الحديد إلى ظاهر مكّة. وأقيم في إمارة مكّة عوضهما أخواهما أبو الغيث وعطيفة. وساروا بحميضة ورميثة إلى مصر، وصعدوا بهما في الحديد إلى قلعة الجبل أوّل يوم من المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة. فسجنا إلى صفر سنة ثلاث وسبعمائة. [ثمّ] أفرج عنهما وأحضرا بين يديّ الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأعيد حميضة إلى إمرة مكّة، ومعه أخوه رميثة على عادتهما، وخلع عليهما، وأريد حميضة أن يلبس كلفتاه زركش فامتنع من ذلك. فهدّد بعوده إلى السجن إن لم يفعل، فلبسها، وأجلس هو ورميثة فوق الأمراء. وانصرفا. فبعث إليهما [٤١٨ ب] الأميران بيبرس وسلّار وسائر الأمراء الهدايا، وأجريت عليهما الرواتب السنيّة. وصارا يركبان بالميدان مع السلطان. ولعب حميضة بالكرة مع الأمراء والسلطان، وبالغ الجميع في تعظيمه وإكرامه، إلى أن سافر بأخيه، ومعهما عزّ [٥٣٦ ب] الدين أيدمر الكوندكي ليسلّمهما مكّة. فأقام بمكّة إلى أن خرج بالركب من مصر الأمير سيف الدين نوغاي القبجاقي في سنة سبع وسبعمائة، وقدم به إلى مكّة. فبلغه أنّ عبيد حميضة تتخطّف من التجّار أموالها وتتعرّض للحجّاج وتأخذ منهم ما أرادت غصبا. فأرسل جماعة لتقبض على واحد منهم. ففرّ من كان معه من رفاقه وأخذ. فثارت العبيد وأركبوا حميضة ومعه الأشراف بالسلاح يريد الحرب، وكان شجاعا مقداما متهوّرا لا يحسب أنّ أحدا يقف له. فركب نوغاي أيضا بأصحابه وثبت موضعه ونادى بالأمان وأن لا يخرج أحد من موضعه، ومن عدم له شيء كان على أمير الركب، ثمّ ساق بمن معه. فإذا طائفة من أهل الستر والحجّاج قد تعلّقوا بالجبل خوفا من الشرّ أن يدركهم. فوضع السيف فيهم وقتل منهم خلقا كثيرا على أنّهم من العبيد. وأعلم بهم فلم يكفّ عنهم. وأقبل يريد حميضة بمكّة، فانهزم عنه لكثرة من معه. وخرج شيوخ الحرم والمجاورون إلى نوغاي، وما زالوا به حتّى رجع. واستمرّ حميضة فكثر ظلمه. وبلغ ذلك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجرّد إليه الأمير سيف الدين طقصبا الناصريّ على جماعة من أمراء مصر، وجرّد من دمشق الأمير بلبان البدريّ، ووصلوا جميعا مع ركبي مصر ودمشق في موسم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. ففرّ حميضة إلى جهة اليمن ونزل حيّ بني يعقوب. فرتّب طقصبا عوضه أخاه أبا الغيث بن أبي نميّ، وأقام العسكر معه بعد الموسم شهرين، وعادوا. فجمع حميضة وقدم مكّة بعد ما استمال بني حسن، فتركوا أبا الغيث وانهزم إلى وادي نخلة، واستقرّ حميضة بمكّة. فبعث إلى السلطان باثني عشر فرسا قودا وسأل العفو. فلم يعف عنه وحبس رسوله. فقطع حميضة اسم السلطان من الخطبة ودعا لصاحب اليمن، وأخرج أخاه رميثة. فقدم مصر في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة، فجرّد السلطان معه عسكرا. ثمّ أخرج حميضة أخاه أبا الغيث من مكّة أيضا، فنزل وادي نخلة. فخرج إليه وقاتله فقتل أبو الغيث. وعقيب قتله قدم العسكر مع رميثة، ففرّ منهم مختفيا في زيّ امرأة وسار إلى العراق ولحق بخربندا، فاحتفل به وتلقّاه وبالغ في إكرامه وأجرى له الرواتب، ووعده أن يردّه إلى إمارة مكّة بجيش يبعثه معه ليقيم له الخطبة بالحجاز. وندب [٥٣٧ أ] معه أربعة آلاف فارس ليوصلوه إلى مكّة، ويقيم بها معه ألف فارس ويعود بقيّتهم.

стр. 1313

فسار في رجب سنة ستّ عشرة وسبعمائة يريد مكّة. فبلغ خبره محمد بن عيسى أخا مهنّا بن عيسى- وقد بلغه موت خربندا- وبيّت عسكر حميضة فقتل كثيرا من المغل. وفرّ حميضة، وأسر محمد منهم أربعمائة وغنم سائر ما معهم، وكان شيئا كثيرا، وبعث يبشّر السلطان بذلك. فنجا حميضة ومعه أميران من أمراء المغل في نحو خمسين من التتر، ومضى إلى مكّة. فلمّا قاربها بعث يرغّب أخاه رميثة في إقامته معه شريكا له. فأبى عليه وبعث يستأذن السلطان في ذلك. فأجابه بأن لا يمكّن من مكّة حتى يحضر إلى مصر، ويقيم بها تحت ظلّ السلطان وله الأمان. فاستمال حميضة قوّاد مكّة حتى وافقوه وقاموا معه ففرّ رميثة إلى مصر ودخل حميضة إلى مكّة عنوة وقطع اسم الملك الناصر من الخطبة، ودعا لأبي سعيد بن خربندا صاحب العراق، ومدّ يده فأخذ أموال التجّار ومياسير الناس. فلمّا قدم رميثة إلى مصر وأعلم السلطان بذلك، جرّد معه الأمير صارم الدين أزبك الجرمكي وبهادر الإبراهيمي على ثلاثمائة فارس. فساروا به مع الركب في شوّال سنة سبع عشرة، فانهزم حميضة بين أيديهم من غير قتال حتى انقضى الموسم وعاد العسكر من مكّة. [ف] قدم إليها وأقام خارجها [٤١٩ أ]، وأخوه رميثة بها، وبعث يسأل أن يعفى عنه. فبعث السلطان في سنة ثماني عشرة الأمير أيتمش المحمّديّ، ومعه بهادر السعيديّ الكركي، أمير علم، على خمسين جنديّا، وكتب أمانا لحميضة. فلمّا نزلوا بطن مرّ تلقّاهم رميثة، ووقف على أمان أخيه [ف] سرّ به وأعلمهم أنّه نازل عند بني شعبة. فبعث إليه أيتمش يخبره بأنّه حضر بالأمان حسب سؤاله، ودعاه إلى الحضور. فتعلّل بأنّه لا يجد ما يتركه عند أهله إذا فارقهم، وأنّه مقيم بهم في جوار بني شعبة. فبعث إليه أيتمش حملين بشماط (١) وحملين دقيقا وحمل سكّر وألف درهم فضّة. فقبل ذلك وامتنع بقلعة منيعة على مسافة ثلاثة أيّام من مرّ تعرف بريمة. فشقّ ذلك على أيتمش، وركب إليه. ومرّ على وادي نخلة وعبر الوادي حتى نزل تحتها في اليوم الثاني، فإذا هي فوق جبل عال، وبها حميضة في ألفي رجل، وتحته فرس. فتلقّوا أصحاب أيتمش بالحجارة حتّى كادوا أن يهلكوا، وأحجمت خيلهم عن اقتحام الأوعار. فترجّل أيتمش بمن معه، ووالوا رشقهم بالسهام وقتلوا منهم خمسين [٥٣٧ أ] وجرحوا مائتين. فانهزم حميضة، وصعد القوم الجبل فلم يقفوا له على خبر. وأسروا كثيرا من رجاله ثمّ أفرجوا عنهم، وعادوا. وكتب أيتمش بذلك إلى السلطان. فلمّا رجع أيتمش وقع الصلح بين حميضة وأخيه رميثة فغضب السلطان على رميثة وجرّد الأمير بدر الدين محمد بن عيسى بن التركمانيّ فقبض على رميثة وحمل إلى مصر، وولّى السلطان عوضه عطيفة بن أبي نميّ. فسار حميضة إلى البرّ وأقام به، يتنقّل فيه إلى عدّة مواضع. فلمّا حجّ السلطان في سنة تسع عشرة وعاد، هرب منه ثلاثة مماليك وقصدوا اللحاق بالسلطان أبي سعيد بن خربندا ملك التتار، وأعطوا بدويّا مائتي دينار، فسلك بهم من بطن مرّ على وادي نخلة، فصدفهم حميضة وهو يتصيّد. فسلّم عليهم وسألهم عن خبرهم ومال بهم إلى بيوته وأضافهم. فأعلموه بأنّهم يريدون العراق، فوعدهم أن يسير بهم إلى أبي سعيد ويجعلهم من جملة أمرائه، فأقاموا عنده. وكان أحدهم شابّا جميلا، فاختصّ

стр. 1314

به حميضة وصار يركب معه للصيد ويبيت عنده. فشقّ ذلك على صاحبيه. وأقاما على مضض، إلى أن بلغهما أنّ السلطان بعث إلى مكّة الأمير بيبرس الحاجب بدلا من آق سنقر شادّ العمائر، ليقيم عند الشريف عطيفة، حماية له من هجوم حميضة عليه. [ف] أخذا في تعنيف الشابّ وحسّنا له قتل حميضة. فمال إلى قولهما وترصّد حميضة حتّى نام، وجلس يغمز رجليه. فلمّا تمكّن منه النوم أشار لصاحبيه، فدخل أسندمر منهما وضربه بسيفه فقدّه نصفين وحزّ رأسه. وركب فرسه «جمعة» - وكانت من عتاق الخيل- وسار برفيقيه إلى مكّة. فسرّ الشريف عطيفة والأمير بيبرس بقتل حميضة. وبعث بأسندمر ورفيقيه مع ولده ناصر الدين محمد بن بيبرس إلى السلطان. فأنكر قتل حميضة وقال: كنت أريد حضوره حيّا، وما أحبّ أن يقال إنّي عجزت عنه حتّى قتله غيري. وأمر بقتل الثلاثة فما زال الأمراء به حتى عفا عن الاثنين وضرب عنق أسندمر قاتل حميضة. وكان قتل حميضة [ ... ] سنة عشرين وسبعمائة. وكان كريما شجاعا وافر الحرمة لا يتجاسر أحد في أيّامه أن يتعدّى طوره، حتّى إنّه قتل إنسانا لكونه أخذ رطبا من نخل وجده مطروحا بالبرّيّة. فكان الناس بعد ذلك يمرّون بالذهب فلا يتعرّضون له خوفا من سطوته. ١٣١٢ - حمير بن سبإ (١) حمير- ويقال له: العرنجح- بن سبإ الأكب- وهو عامر عبد شمس- ابن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود- نبيّ الله-[و] أخو عاد بن عابر بن شامخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. عهد إليه أبوه عبد شمس بالملك، وجعل لأخيه كهلان بن عبد شمس المشورة كما قد ذكرته في ترجمة سبأ (٢). فكان حمير أوّل من لبس التاج الذهب. ورثى أباه بأبيات طويلة- وهي أوّل مرثية قيلت في العرب وأوّلها [متقارب]: عجبت ليومك ماذا فعل ... وسلطان عزّك كيف انتقل [٤١٩ ب] ثمّ جمع الجيوش، وسار من اليمن يطأ الأمم ويدوس الأرضين وهو يوغل في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس. ثمّ قفل نحو المغرب، فأتته قبائل من اليمن من بني هود النبيّ ﵇، يشكون إليه ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، وما نزل بهم من ظلمهم وعسفهم. ووافاه رسول أخيه بابليون بن سبإ يستدعيه لنصرته على بني حام، فإنّهم لمّا أتاهم موت سبإ عتوا على مدينة مصر واستعانوا بإخوتهم بني ماريع بن كنعان بن حام، فأتوهم من الشام- وبها كانت منازلهم- وبعثوا إلى إخوتهم الحبشة أولاد كوش بن حام، وهم نزول على النيل، إلى بلاد النوبة، فصاروا يدا واحدة يريدون خراب مصر. فبعث حمير بنقل ثمود وإنزالهم بأيلة فنزلوها وامتدّوا من أيلة إلى ذات الإصاد إلى أطراف جبل نجد، فقطعوا الصخور ونحتوا من الجبال بيوتا. ونزل حمير بدمشق ونصب لحرب بني ماريع بن كنعان حتّى أثخن فيهم، وأجرى على من بقي منهم الخراج وفرض عليهم الإتاوة في كلّ سنة يحملونها إليه. ففرّت الحبشة من أرض مصر حتى نزلت حيث هي الآن.

стр. 1315

وسار حمير في بلاد المغرب يوقع بالأمم حتى بلغ البحر المحيط. وأجرى على القبط وهم بقمونية الخراج، ورجع إلى مصر بعد ما أقام في بلاد المغرب مائة عام بيني المدن ويتّخذ المصانع. فمات أخوه بابليون بمصر فولي بعده ابنه امرؤ القيس ابن بابليون على مصر. وفي أثناء ذلك تكبّرت ثمود وطغت على بني كنعان وغيرهم من الأمم المجاورة لها. فبعث الله إليهم صالح بن عرم بن شاهد بن هميسع بن هرير بن عميل بن عابر بن أرفخشد بن سام بن نوح [٤٧١ ب] رسولا، فعصوه وعقروا الناقة التي سألوه أن يخرجها لهم من الصخرة، فأهلكهم الله بالصيحة. وكانت كتابة حمير بالمسند. وسمّي بذلك لأنّه أسند (١) إلى نبيّ الله هود ﵇، فأمر في منامه بأن ينزّه الكتاب المسند عن أن يرقم على الحديد والأعلام التي ينصبها على الأقاليم بالحجارة وعلم في منامه الخطّ الحميريّ، وصورته: خط الحميري ص ٦٩٣ فلمّا ملك الأرض بأسرها وطال عمره حتّى بلغ أربعمائة وخمسا وأربعين سنة، مات. وقد أقام في الملك أربعمائة سنة. وقام من بعده ابنه وائل بن حمير، واستمرّ الملك في عقبه. وكان حمير إذا قعد في مجلس الملك قعد أخوه كهلان عن يمينه وإذا أتاه كهلان لطعام، قعد إلى جانبه، ثمّ أتى بطشتين وإبريقين فصبّ عليهما معا، ثمّ أدني للأيمن يمنة وللأيسر يسرة حتّى يعمّالغسل جميع الجلساء. فكانا أوّل من أحدث في غسل الأيدي طشتين لليمين والشمال. واقتصر كهلان على ما حكم له به أبوه سبأ، وتسلّم الأعنّة وملك الأطراف والثغور، فقام به أحسن قيام، ورتّب الولاة. وسأل أخاه حمير في إعانته، فأمر له بالأموال والخيول والإبل والطعام والأسلحة والروايا ونحو ذلك. وتقدّم إلى أهل المملكة بامتثال ما يأمر به كهلان. فندب كهلان إلى أرض الحجاز جرهم ولفيفها وولّى عليهم سيّدهم هيّ بن بيّ بن جرهم بن الغوث بن يشدد بن سعد بن جرهم بن قحطان بن غابر، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا أمره، وقسم عليهم الخيل والعدد والسلاح والزاد والروايا، وأعطاهم. وكتب هيّ بن بيّ كتابا إلى ساكني الحجاز من العمالقة، وهب وسعد بن هزّان الأولى وبني مطر وبني الأزرق وغفار، بالسمع والطاعة ودفع الإتاوة، فكان كتاب عهده الذي كتبه هي بن بيّ [طويل]: ألائك من كهلان عن أمر حمير ... لعامله هيّ بن بيّ بن جرهم (٢) إلى من بأعراض الحجاز محلّه ... من الناس طرّا من فصيح وأعجم [٤٢٠ أ] على أنّ هيّا ليس يعصى وأنّه ... لديهم لذو أمر أثير مقدّم وإلّا فلا يلحون إلّا نفوسهم ... إذا ما منوا بالقيروان العرمرم (٣)

стр. 1316

فخرج [٤٧٢ أ] هي بن بيّ إلى الحجاز بمن معه، ووليها وتمكّن بها، حتّى غلبت جرهم العماليق الأولى على الحجاز. ثمّ جهّز كهلان إلى أرض نجد ممّا تياسر من الطائف إلى حضن فإلى ضربة فإلى حدود اليمامة، وندب الهميم بن عاصم بن جلهمة الجديسي في قومه جديس الذين تخلّفوا باليمن وولّاه على ساكني هذه البلاد من أهل الوبر، وأمرهم بالسمع والطاعة، وكتب إليهم وإلى ساكني نجد من ظاهرة العمالقة وعبد الأولى وعبد بن ضخم كتابا وهو: باسمك اللهمّ [الطويل]: من ابن سبأ كهلان عن أمر حمير ... إلى أهل نجد للهميم بن عاصم على أنّ لا يعصى الهميم وأنّه ... يطاع ويعطى الخرج خرج السوائم وإلّا فلا يلحون إلّا نفوسهم ... إذا ما منوا بالخيل تحت الضراغم فسار الهميم في جديس حتّى توسّط بلاد نجد ما بين اليمامة وجبلي طيّئ والطائف وملكها وأخذ من أهلها الإتاوة وأنفذها إلى كهلان. ثمّ دعا كهلان لعمرو بن جحدر، أحد من تخلّف باليمن من ثمود بن غابر، فجرّده إلى تيماء فالوادي فخيبر إلى ما قارب أيلة، وعقد له الولاية على ساكني تلك البلاد من ثمود وزهرة بن عمليق، وكان كتابه [الطويل]: من ابن سبأ كهلان عن أمر حمير ... إلى ساكني الوادي لعمرو بن جحدر على طاعة منهم لعمرو بن جحدر ... وللقيل كهلان وللملك حمير ودفع الإتاوات التي يسألونها ... إلى عاملي عمرو الهمام الغضنفر وإلّا فلا يلحون إلّا نفوسهم ... إذا زارهم بالبيض والسمر عسكري فسار عمرو وقطن تيماء. ويقال إنّ حمير توفّي لسبع مائة واثنتين وأربعين سنة قمريّة من الطوفان. ويذكر أنّه لمّا احتضر قال لابنه وائل بن حمير وقد أقامه في الملكبعده وأنزل قصر غمدان: يا بنيّ، إنّي لا أحبّ ثقل الثرى وغمّ الضريح، ولكن اجعلوا لي نفقا في هذا الجبل، جبل عبقر، ثم أقعدوني فيه.- ففعل به ابنه وائل ذلك. فكان حمير أوّل من جعل في مغارة، ووضع ابنه وائل معه جميع لأمته غيرة وأنفة أن يلبسها أحد من بعده. وكتب في لوح من رخام، وعلّقه عند رأسه، هذه الأبيات [كامل]: غبر العرنجج مدّة من دهره ... بعد الإقامة والأسى لم يغبر (١) وأراش دهرا لا تطيش سهامه ... ورمى فأثبت في العلى من حمير قبر الندى والجود عند محلّه ... والشخص باد فيهم لم يقبر [٤٧٢ ب] ماتت لميتته المعالي جمّة ... والعزّ أصبح ثاويا في عبقر ويقال إنّ أولاد حمير هم: وائل، والعدد في بنيه، ومنهم عامّة التبابعة- ومالك، وعامر، وعوف، وسعد، وعمرو. فولد وائل بن حمير: السكسك، ورعين الأكبر، وأوزاع، وذا الكلاع. وولد مالك بن حمير: قضاعة بن مالك بن حمير، وهوازن، والعفو، والأسطور، ويغفر. وولد عامر بن حمير: دهمان. وولد دهمان يحصب. وولد سعد بن حمير: السّلف وأنعام.

стр. 1317

وولد عمرو بن حمير: الحرث. وولد الحرث [ ... ]. وولد السكسك بن وائل بن حمير: زهران بن سكسك، ولهم كانت اليمامة. وولد يعفر بن مالك بن حمير: العافر، وشرعت، ووهب، وصوّان. وولد شعبان أقهوب، وولد أقهوب قهبان. وولد مالك بن حمير: قضاعة بن مالك. فولد قضاعة عشرة، وهم: كلب، [٤٢٠ ب] وخولان، ومرّة، وعمرو، وتنوخ، وبليّ، وراسب، ونهداء، وعذرة، وجهينة. ويقال: إنّ حمير لمّا جوّز مائة سنة من عمره قال [الكامل]: ملّكت من عدد السنين هنيدة ... ذا الملك عمرك زينة الأيّام (١) وأرى الشباب يميل في لهو الصبا ... ومع الشباب غواية الآثام فلمّا بلغ من عمره مائتي سنة قال [الكامل]: ساميت عن مائتين ملكا باذخا ... والعمر لا يبقى مع الأعوام قالوا: لحمير مدّة محجوبة ... والغيب لا يخفى عن العلّام فلمّا بلغ ثلاثمائة سنة قال [الكامل]: لمّا بلغت من المئين ثلاثة ... كان الذي أمضيت كالأحلام والعمر يدأب، والمشيب، كلاهما ... يتسابقان إلى محلّ حمام فلمّا بلغ أربعمائة سنة قال [الكامل]: وبدّلت من ذي أربع ملكتها ... عوضا من الأيّام بالأسقام (٢) هيهات من حكم الخلود فقد أبى ... من أن أخلّد حاكم الحكّام فلمّا بلغ أربعمائة وخمسا وأربعين سنة قال، وقد جمع بنيه: يا بنيّ، إنّكم لم تصحبوني على أن لا أموت، بل كنتم تنتظرونه فيّ صباحا وأنتظرهفيكم مساء. وقد حلّ ما كنتم تنتظرونه، وأتى الوقت وأمري لك يا وائل، وأنشد [كامل]: يا من رأى صرف الزمان مصوّرا ... يغدو على الآباء والأعمام غدر الزمان بعهد ملكك فانقضى ... وبعبد شمس قبل ذاك وسام وأمنت دهرك بالمنى، وخطويه ... بالغدر دانية إليك روام هجم المنون على زمانك بغتة ... فغدوت مرتحلا بغير ذمام يبكون إن مرّوا عليك، وقلّما ... يغني البكاء على مدى الأيّام ولانت بعد حلوله مستيقظ ... من ضنك فاقرة لفصل مقام ١٣١٣ - حنظلة بن صفوان [- بعد ١٢٧] (٣) (والي إفريقية) [٤٢٥ أ] حنظلة بن صفوان بن تويل (٤) بن

стр. 1318

بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحيل بن عرير بن أبي جابر بن زهير بن جنّاب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب، الكلبيّ، أبو حفص، الدمشقيّ، أمير مصر وإفريقيّة. [ولايته مصر] قدم مصر مع أخيه بشر بن صفوان الكلبيّ (١)، واستخلفه عليها عند ما سار إلى إفريقيّة. فأقرّه يزيد بن عبد الملك بن مروان على الصلاة بمصر، فجعل على شرطه محمد بن أبي مطير البلويّ، ثمّ صرفه في سنة ثلاث ومائة بالقاسم بن أبي القاسم السبائيّ. وخرج إلى الإسكندريّة واستخلف على الفسطاط عقبة بن مسلم التجيبيّ. وكتب إليه يزيد بن عبد الملك في سنة أربع ومائة بكسر الأصنام والتماثيل فكسرت الأصنام كلّها ومحيت التماثيل. وقدم عليه أخوه بشر من إفريقيّة يريد الشام، فبلغه موت يزيد بن عبد الملك في شعبان سنة خمس ومائة واستخلاف هشام بن عبد الملك بعده. فصرف هشام حنظلة عن مصر في شوّال منها فكانت ولايته عليها ثلاث سنين. وولّى عوضه أخاه محمد بن عبد الملك بن مروان. ثمّ أعاد هشام حنظلة إلى ولاية مصر بعد عزل عبد الرحمن بن خالد بن مسافر [٤٢١ أ] فقدمها يوم الرهان وهو يوم الجمعة لخمس خلون من المحرّم سنة تسع عشرة، وقد فرش منبر الخيل لابن مسافر. فجلس حنظلة في مجلس ابن مسافر. وأقبل ابن مسافر حتى بلغ جبل يشكر، فقيل له ذلك، فقال: لا إله إلّا الله! هكذا تقوم الساعة. ومضى كما هو إلى المنبر. فاعتذر إليه حنظلة وقال: لو علمت أنّك هو، ما وليت عليك. ونزل حنظلة دار الإمارة، وجعل على شرطه عياض بن حريبة (٢) بن سعد الكلبيّ. فانتقض أهل الصعيد، وحارب القبط عمّالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة. فبعث حنظلة أهل الديوان فقتلوا منهم أناسا كثيرا وعادوا ظافرين. وقدم إلى مصر رأس زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب في سنة اثنتين وعشرين. وصرف عياض بن حريبة عن الشرط بقيس بن الأشعث التجيبيّ. فمات قيس في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين، فجعل بعده عقبة بن نعيم بن صائد الرعينيّ. وكان لحنظلة ريطة يلبسها ويصلّي فيها فإذا كان يوم الجمعة احتزم بها على قبا أبيض وتقلّد السيف، ثمّ صعد المنبر فخطب ثمّ صلّى بالناسالجمعة. [ولايته على إفريقيّة (سنة ١٢٤)] وبينا هو إذ قدم عليه كتاب [٤٢٥ أ] هشام بأن يستخلف على مصر ويسير إلى إفريقيّة واليا عليها عوضا عن كلثوم وقد قتل. فاستخلف حفص بن الوليد وسار إلى إفريقيّة يوم الاثنين لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، وكانت ولايته الثانية خمس سنين وثلاثة أشهر. فلمّا قدم إفريقيّة للنصف من جمادى الأولى كتب إليه أهل الأندلس وأهل الشام وغيرهم يسألونه أن يبعث إليهم واليا. فبعث أبا الخطّار حسام بن ضرار الكلبيّ، فدانوا له. [قتاله للصفريّة] وأخرج عبد الرحمن بن عتبة إلى عكاشة بن

стр. 1319

أيّوب الفزاريّ، وقد جمع جمعا وافرا. فلقيه وهزمه وقتل عامّة أصحابه. فجمع جمعا آخر فلقيه عبد الرحمن وهزمه. فجمع جمعا ثالثا، وأتاه عبد الواحد بن يزيد الهواري ثمّ المدهميّ (١) - وكان صفريّا- عونا له على حنظلة، فقاتلهما عبد الرحمن فقتل وأصحابه. ومضى عبد الواحد فأخذ تونس، وسلّم عليه بالخلافة، وخرج يريد القيروان. ومضى الفزاريّ إليها أيضا، كلّ منهما يبادر أن يسبق صاحبه. فلمّا رأى حنظلة ما غشيه من جموع البربر احتفر على القيروان خندقا. وزحف عبد الواحد وكتب إلى حنظلة يأمره أن يخلّي له القيروان ومن فيه. فأسقط في يده، وظنّ أهل القيروان أنّهم سيسبون. وصار حنظلة إذا بعث الرسول ليأتيه بالخبر لا يخرج إلى مسيرة ثلاثة أيّام إلّا بخمسين دينارا. [وقعة القرن والأصنام (سنة ١٢٥)] فلمّا غشيه عبد الواحد نزل من القيروان على نحو مرحلة بمكان يقال له: الأصنام. ونزل الفزاريّ على ستّة أميال. فكتب حنظلة إلى الفزاريّ كتابا يثبّطه ويمنّيه، رجاء أن لا يجتمعا عليه فلا يطيقهما. وكان عكاشة أقرب إلى حنظلة. فصبح عبد الواحد الأصنام بجموعه، وزحف حنظلة إلى الفزاريّ لقربه منه، ومعه أهل القيروان وقد أيسوا من الحياة لما كانوا يتخوّفونه من سبي الذاريّ وذهاب النساء والأموال. فلقيهم بالأصنام فهزم الله عبد الواحد وجمعه، وقتل من معه قتلا لا يدري ما هو، وهرب من بقي منهم وعجز عن إحصاء من قتل فعدّهم بالقصب فبلغت عدّتهم مائة ألف وثمانين ألف قتيل. وعاجل عكاشة الفزاريّ من ليلته فقاتله بالقرن وهو على غرّة لم يبلغه ما أصاب عبد الواحد، فهزمه الله ومن معه وأخذ أسيرا فقتله حنظلة. وكانوا كلّهم صفريّة يستحلّون سبي النساء. وكان ذلك في سنة خمس وعشرين [ومائة]. فلمّا بلغ الليث بن سعد خبر هذه الوقعة قال: ما غزوة أحبّ إليّ أن أشهدها بعد غزوة بدر من [٤٢٦ أ] غزوة العرب بالأصنام (٢)! وكان حنظلة كتب إلى معاوية بن صفوان [٤٢١ ب] عامله على أطرابلس يأمره أن يخرج إليه بمن معه، فسار إلى قابس، فبلغه خبر الوقعة. فكتب إليه حنظلة في بربر خرجوا بنفزاوة وسبوا أهل الذمّة أن يسير إليهم، فمضى بمن معه وقاتلهم فقتل بعد ما قتل الصفريّة واستنقذ ما كانوا أصابوا من أهل الذمّة. فبعث حنظلة زيد بن عمرو الكلبيّ إلى جيش معاوية فعاد بهم إلى إطرابلس. [ثورة عبد الرحمن بن حبيب] فلمّا قدم خبر قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، خرج من إفريقيّة عامّة القوّاد، وفيهم ثعلبة بن سلامة، إلى الشرق. فثار عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهريّ بتونس وجمع لقتال حنظلة وإخراجه من إفريقيّة. فأرسل إليه حنظلة لمّا بلغه ذلك وجوه إفريقيّة يدعوه إلى الدعة والكفّ عن الفتنة. فأتاهم في طريقهم [خبر] ولاية مروان بن محمد الخلافة فهمّوا بالانصراف. فبعث إليهم عبد الرحمن خيلا صرفهم إليه. وكانوا قد كاتبوه سرّا، فبعث بهم في الحديد إلى تونس، حنقا من خروجهم إليه. وكتب إلى حنظلة أن يخلّي له القيروان، وأجّله ثلاثا وكتب إلى صاحب بيت المال [أن] لا يعطيه

стр. 1320

دينارا ولا درهما إلّا ما حلّ له من أرزاقه. فهمّ حنظلة بقتاله، ثمّ حجزه عنه الورع، فإنّه كان ورعا لا يرى القتال إلّا لكافر أو خارجيّ. [رجوع حنظلة إلى الشام (سنة ١٢٧)] وخرج بمن خفّ معه من أهل الشام في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة، ودخل عبد الرحمن القيروان. فدعا حنظلة على أهل إفريقيّة وعلى عبد الرحمن فاستجيب له فيهم: فوقع الطاعون سبع سنين لم يفارقهم إلّا في أوقات متفرّقة، وقتل عبد الرحمن. وكان حنظلة لمّا مضى من إفريقيّة قدم مصر ونزل بالجيزة وقد امتنع أهل مصر من ولاية حسّان بن عتاهية عليهم. فكتب مروان بن محمد إليهم: أمّا إذا أبيتم ولاية حسّان فقد أمّرت عليكم حنظلة بن صفوان.- فلم يرضوا به وخلعوا مروان، وجاء رجاء بن الأشيم في عدّة إلى حنظلة وأخرجه إلى الحوف الشرقيّ ومنعه المقام بالفسطاط. فلحق بالشام وأقام بها حتى شهد حصار دمشق مع عبد الله بن عليّ. وذكر البلاذريّ أنّه مات بالقيروان وهو وال عليها. وقد روى عنه أبو قبيل، وحكى عنه محمد بن شعيب بن شابور [الدمشقيّ المحدّث]. وكان حسن السيرة في سلطانه. ١٣١٤ - حنين البدويّ [- بعد ٦٧٨] كان ينوب في ناحيتي مليج وشطنوف وهما في إقطاع الأمير سيف [الدين] قلاوون الألفيّ. فلمّا تسلطن (١) قدم عليه، ومعه هديّة الريف، بدا له أنّه له عليه خدم بتقدمة ومعرفة قديمة. ووقف له بالإصطبل وباس الأرض، فبشّ له وقال له: إيش حسك؟ قال: يا خوند، والله طيّب، لكن يا خوند، عليه الطلاق: إن امرأتي بصرت مناما للسلطان وكذبتها. فلمّا سمعت بالسلطان بقيت تهارتني (٢) وتقول: كذبتني! فقال له: وا لك! وإيش رأت امرأتك؟ قال: رأت كأنّك قاعد على كرسيّ السلطنة وأنّي قد حضرت إليك، فقلت لي: وا لك يا حنين، اذني (٣) قد صرت سلطانا فتمنّ عليّ! - فقلت: يا خوند. أتمنّى أن تولّيني الغربيّة.- فخلعت عليّ وولّيتني، فعند ما رأتني امرأتي بالخلعة أخذتها وقال: هذه حقّ منامي. فتبسّم السلطان وقال: لتروح إلى الشجاعيّ يخلع عليك ويولّيك. فذهب إلى الشجاعيّ وحكى له ما جرى. فنهره وطرده عنه. فعاد إلى السلطان وعرّفه. فطلب الشجاعيّ وقال له: لم لا خلعت على حنين ما حكى لك منام امرأته؟ فقال: يا خوند، وبمنام يتولّى حنين الغربيّة، وقد كان يتولّاها الأمير شهاب الدين ابن يغمور، تبقى بعده بيد بدويّ فلّاح؟ فصمّم على ولايته، فما وسعه إلّا أنّه ولّاه. فباشر الولاية بحرمة عظيمة وسطوة زائدة، وسفك دماء كثير من المفسدين لمعرفته بهم وبمظانّهم. ولم يغيّر زيّه. وشغف باللهو والطرب. ومن نوادره أنّه سمع بجماعة من كتّاب المحلّة وأعيانها قد اجتمعوا على لهو. وعندهم مغنّيتان

стр. 1321

مشهورتان. فمشى في الليل وحده ومعه خرج صغير وطرقهم على غفلة وقال: جئناكم حرفاء- ثمّ جلس معهم على شرابهم وغنائهم. فقام الجماعة يرقصون واحدا بعد واحد حتّى رقص جميعهم. فقام حنين ووضع الخرج في عنقه [٤٢٢ أ] وقال، وهو يرقص، والمغنّيتان تزفّ [ان] هـ: قد جئتكم، وأنا حنين، في بيتكم ... أملأ خرجي من أين؟ من عندكم! وصار يكرّر ذلك حتّى فهموا قصده، فما منهم إلّا من وضع في الخرج مبلغا من ذهب أو فضّة، وألق [ت] المغنّيتان ما عليهما من الحلي والتفاصيل (١) وألقتاه في الخرج. وكمّل ليلته عندهم ثمّ خرج عنهم. ولم يزل في ولايته حتّى مات ودفن في موضع بناحية مليج يقال له «بولة» فقال فيه [الطويل]: لقد دفنوا ذاك الخراء ببولة ... يحقّ لتلك الميتة ذاك الخرا (٢) ١٣١٥ - حوثرة بن سهيل الباهليّ [- ١٣٢] (٣) [٤٠٩ أ] حوثرة (٤) بن سهيل بن العجلان بن سهيل بن كعب بن عامر بن عمير بن رباح بن عبد الله بن عبد بن فرّاص بن باهلة، أبو المثنّى، الباهليّ، أخو عجلان بن سهيل، من أهل قنّسرين. كان مع مروان بن محمّد يوم غلب على دمشق، في جنده. ثمّ ولّاه مصر فسار إليها، ومعه عمرو بن الوضّاح في الوضاحيّة، وهم سبعة آلاف، وعلى أهل حمص نمير بن يزيد بن حصين بن نمير الكندي، وعلى أهل الجزيرة موسى بن عبد الله التغلبيّ، وعلى أهل قنّسرين أبو حمل بن عمرو بن قيس الكنديّ. وقدّم أبا الجرّاح بشر بن أوس الحرشيّ إلى مصر فقدمها يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرّم سنة ثمان وعشرين ومائة. فاجتمع الجند إلى حفص بن الوليد وسألوه أن يمانع حوثرة فلم يوافقهم، وسلّم لأبي الجرّاح واعتزل. فخاف أهل مصر حوثرة فبعثوا إليه يزيد بن مسروق الحضرميّ فلقيه بالعريش وسأله الأمان لأهل مصر على ما أحدثوه من خلع مروان. فأجابه وكتب لهم كتابا بعهد وأمان قدم به إليهم. فاطمأنّوا. ثمّ بعث حوثرة إليهم يستأذنهم في المسير إليهم والدخول إلى مصر، فأذنوا له. فسار إليها ونزل خارج المدينة، وبعث إليهم: إن كنتم في طاعتي فآلقوني في الأردية! - فخرج إليه حفص بن الوليد ورجاء بن الأشيم في وجوه الجند. فلمّا دخلا عليه فسطاطه قيّدهما، فانهزم الناس. ودخل حوثرة الفسطاط على الصلاة والحرب، ومعه عيسى بن أبي عطاء على الخراج في يوم الأربعاء لثنتي عشرة خلت من المحرّم سنة ثمان وعشرين. فجعل على شرطه حسّان بن عتاهية. وقدم كتاب مروان إلى أهل مصر: إنّي قد بعثت إليكم رجلا أعرابيّا بدويّا فصيح اللسان، من حاله ومن حاله، فاجمعوا له من فيه مثل خصاله،

стр. 1322

يسدّده في القضاء ويصونه في المنطق ويسدّده. فأجمع رأيهم على الليث بن سعد. وجمع حوثرة الجند إلى المسجد وخطبهم بشعر بلعاء (١) بن قيس [الطويل]: دعوت أبا ليلى إلى الصلح كي يبو ... برأي أصيل أو يردّ إلى حلم (٢) دعاني لشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له: مهلا، هلمّ إلى السلم وبعث الخيل في طلب رؤساء الفتنة ووجوههم. فجمع عامّتهم وضرب عنق رجاء بن الأشيم [الحميريّ] (٣) في عدّة، لثنتي عشرة بقيت من المحرّم. وعزل خير بن نعيم عن القضاء، وفرض لشيعة مروان ومن كان يكاتبه، وصافى الخاصّة، وفرض لزيان بن عبد العزيز في بني أميّة ألفا، وفي قيس ألفا، وفرض لجماعة، وعقد لمحمّد بن [٤٠٩ ب] زيان بن عبد العزيز على الجند وأنفذ معه أهل الديوان إلى العريش، فطلبوا ثابت ابن نعيم الجذاميّ حتى أسروه وبعثوا به إلى مروان [بن محمد]. ثمّ قتل حفص بن الوليد، ويزيد بن موسى بن وردان لليلتين من شوّال. وقدم داعية عبد الله بن يحيى طالب الحقّ أحد الخوارج إلى مصر ودعا إليه فبايعه أناس من تجيب وغيرهم. فاستخرجهم حسّان بن عتاهية، فقتلهم حوثرة. ثمّ صرف حوثرة عن مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبعث به مروان مددا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة بالعراق. فاستخلف على مصر حسّان بن عتاهية- وقيل: بل [٤٢٢ ب] استخلف أبا الجرّاح بشر بن أوس- وخرج من مصر لعشر خلون من رجب سنة إحدى وثلاثين. وكانت ولايته على مصر ثلاث سنين وستّة أشهر. ولحق حوثرة بابن هبيرة فسار معه يريد محاربة قحطبة بن شبيب أحد دعاة بني العبّاس، وقد استولى على عامّة أنعامه ونزل جلولاء. فأقبل إليه قحطبة وعبر دجلة ونزل دون الأنبار. فقدّم ابن هبيرة حوثرة في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة فارتحل في أثره- وقيل: إنّ حوثرة لم يفارق ابن هبيرة. وقيل: إنّ مروان لمّا استبطأ ابن هبيرة في مناجزته قحطبة كتب إليه: كأنّك لا ترى أنّ زامل بن عمرو قبلي، فو الله ما أعلم مكان عربيّ على وجه الأرض لو كانت الخلافة تصلح له أولى بها منه (٤). فقال ابن هبيرة: يرحم الله أمير المؤمنين: ما يدع المحسن حتّى يسيء! فبعث مروان الحوثرة على العراق وقال له: لا تظهر عهدك حتى تقدم على يزيد، فإنّي أخاف أن يمتنع عليك. فخرج وهو لا يشكّ في العراق أنّه قد وليها فكان إذا كتب إلى يزيد بن هبيرة يبدأ بنفسه. فبلغ ذلك مروان فكتب إليه: بلغني كتابك إلى يزيد وأنّك بدأت بنفسك. فإذا جاءك كتابي هذا

стр. 1323

فالحق بأميرك يزيد بن عمر بن هبيرة. فقدم على يزيد فلم يذكر له شيئا ولا عاتبه على ما كان منه. ومضى معه يريد الكوفة. فقال حوثرة لابن هبيرة: إنّ قحطبة قد مضى يريد الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان، فإنّك تكسره وبالحريّ أن يتبعك. فقال: الرأي أن أبادره إلى الكوفة (١). وعبر دجلة، وعلى مقدّمته حوثرة يريد الكوفة، والفريقان يسيرون على جانبي الفرات. ثمّ عبر قحطبة من مخاضة وقاتل حوثرة فهزم أهل الشام. وفقد قحطبة فقام من بعده حميد بن قحطبة وبايع لأخيه الحسن بن قحطبة، وكان غائبا على سريّة. ولحق حوثرة بابن هبيرة، فانهزم [٤١٠ أ] ابن هبيرة بهزيمة حوثرة إلى واسط وتركوا عسكرهم بما فيه من سلاح ومال وغيره. فاحتوى عليه الحسن بن قحطبة. وقيل إنّ الحوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة ابن هبيرة فسار إليه بمن معه. ويروى أنّ ابن هبيرة كتب إلى مروان يخبره بقتل عامر بن ضبارة بنهاوند. فوجّه إليه الحوثرة في عشرة آلاف من قيس خاصّة. فاجتمعت الجيوش بنهاوند. وكتب ابن هبيرة بعهد مالك بن أدهم عليها كلّها. فحاصر قحطبة أهل نهاوند نحوا من أربعة أشهر حتّى أكلوا دوابّهم وأصابهم جوع وجهد شديد. ثمّ صالح مالك بن أدهم قحطبة وفتحت المدينة في شوّال سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقتل قحطبة أهل خراسان الذين خرجوا مع نصر بن سيّار وقال: إنّي لم أصالح على أهل خراسان إنّما صالحت على أهل الشام- وادّعى مالك أنّه صالح على أهل خراسان وأهل الشام. فلمّا كان يوم الاثنين لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، بعث أبو جعفر المنصور خازم بن خزيمة، فقتل ابن هبيرة وأخذ بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وأبان بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وابنين لأبان ابن عبد الملك بن بشر، والحوثرة بن سهيل هذا، ومحمد بن نباتة. وقعد الحسن بن قحطبة في مسجد حسّان النبطيّ على الدجلة ممّا يلي المدائن، فحملوا إليه فضرب أعناقهم. قال ابن يونس عنه: كان رجل سوء سفّاكا للدماء، تحكى عنه حكايات في خطبه. وذكر المدائنيّ أنّ عثمان بن نهيك تولّى قتله بأن أدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه وقال: يا عدوّ الله أنت الكاتب إلى مروان: إنّ الله مخزيهم، ثمّ لم يرضك إلّا شتمنا. ١٣١٥/ ٢ - حوشب بن يزيد الحميريّ [- بعد ٦٤] (٢) [٥٣٤ ب] كان من كتّاب الخوارج. [ ... ] عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم [الفهريّ] أمير مصر لعبد الله بن الزبير. فلمّا استقرّ بها في شعبان سنة أربع وستّين أظهر التحكيم فاجتمع إليه من كان على رأي الخوارج وأظهروا بدعتهم ودعوا إليها. وكان ابن جحدم يتقوّى بهم [ ... ] متّبعا لابن الزبير لأنّهم لمّا مات يزيد بن معاوية قدموا مكّة فأظهر ابن الزبير موافقتهم على الطعن على بني أميّة و [ ... ] الخوارج فأحبّوه وظنّوا أنّه يرى رأيهم فاستمرّ ابن جحدم على [ ... ] إلى أن تقرّر أمره بمصر.

стр. 1324

١٣١٥/ ٣ - أبو مذحج الزبيديّ [- ٢٥] (١) [٥٣٤ ب] حومل، أبو مذحج، الزبيديّ. دخل مصر مع عمرو بن العاص وشهد معه القتال بالإسكندريّة مع الروم سنة خمس وعشرين. فبرز بعض شجعان البطارقة فدعا إلى البراز فخرج إليه حومل فتجاولا ساعة بالرمحين ثمّ أخذا السيفين فتضاربا بهما إلى أن هجم البطريق على حومل فاحتمله من قريب وكان نحيفا، فأخذ حومل خنجرا كان معه فضرب العلج في نحره فسقط ميتا، فنزل عليه وأخذ سلبه. وحصل النصر. ورحل حومل بعد ذلك فمات بعد قليل فحمل عمرو بن العاص نعشه. ١٣١٦ - حويّ بن حويّ بن معاذ [- ٢٠٠] (٢) [٤١١ أ] حويّ بن حويّ بن معاذ بن عبد الله بن قيس بن عبد هلال بن العلمّس بن مدلج بن ميزن بن ضتّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أبو [ ... ]، العذريّ، من أهل وادي القرى. ترقّت حاله إلى أن ولي الخراج بمصر خلافة لعبيد الله بن محمد المهدي أمير مصر للرشيد في سنة إحدى وثمانين ومائة. ومات بمصر سنة مائتين. وكان له أولاد ولوا الولايات بمصر. ١٣١٦/ ٢ - حيّار بن مهنا [- ٧٧٦] (٣) [٥٢٩ أ] حيّار بن مهنّا أمير عرب آل فضل. [ ... ] واجتهد الناصر محمد [بن قلاوون] في أن يقيم بمصر فلم يفعل. ثمّ قدم بعد وفاته بمدّة في صفر سنة سبع وأربعين وقدّم خيولا وجمالا فأكرمه الكامل شعبان. وعاد إلى بلاده فاستقرّ في إمرة آل فضل بعد أخيه أحمد في رجب سنة تسع وأربعين. ثمّ قدّم عليه قريبه سيف بن فضل (٤) فاستقرّ في الإمرة في المحرّم سنة إحدى وخمسين وقدم حيّار فتعذّر عليه ذلك فرجع. ١٣١٦/ ٣ - حيّان بن أعين الحضرميّ [٥٢٩ أ] حيّان بن أعين بن نمير بن سليمان، الحضرميّ، المصريّ. حدّث عن عبد الله بن عمرو بن العاص. روى عنه ابنه خالد وعمير الحضرميّ. وكان ممّن قام بنصرة عبد الله بن الزبير، هو وحجر بن الأسود الصدفيّ لمّا دعا إلى بيعته. ١٣١٧ - القاضي النفيس السراج القوصيّ [- ٥٨٤] (٥) حيدرة بن الحسين بن حيدرة بن عليّ [٤٢٣ أ] بن أحمد بن الغمر، أبو المناقب، القاضي

стр. 1325

النفيس، ثقة الخلافة، عمدة الإمام، شرف الأحكام، أمين الملك، عزّ القضاة، سراج الدين، وليّ أمير المؤمنين. توفّي في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ومن شعره يرثي بحريّا [خفيف]: من لجرّ اللبان في النعلين ... ولإلقا المرسى على الأنبطين؟ (١) واعتقال المدرى وقد سكن الري ... يح برغم السفّار في تشرين (٢) والمجاديف من بها يستقلّ ... بعد ما قد أتاك ريب المنون؟ من يرصّ اليروق في الجنب رصّا ... ويسدّ المأوات بالسّرقين؟ (٣) ٥ من تراه من بعد فقدك أضحى ... حامل العبء ماسك النقرون؟ (٤) من يلالي لصحبه كلّ وقت ... بنشيد جذل وصوت حنين؟ (٥) يطرب الأروع الحليم فيلهو ... ويسلّي بالحسن قلب الحزين وإذا ما صعدت فوق القرايا ... قلت: مدّوا إليّ حبل القوتين (٦) وامسكوا الراجع القويّ وشدّوا ... طرفيه بالجدّ والتمكين (٧) فتنادي بالهال والهين صوتا ... منه تنهدّ شاهقات الحصون (٨) ١٠ وإذا ما الرياح هبّت شمالا ... صحت فيهم: أرخوا حبال القرون! وإذا ما الرياح هبّت جنوبا ... واستمرّت أقلعت بالدّلون (٩) وترى في البحار ليلا وصبحا ... طافيا راسيا كمثل النون كنت في الصيف في نعيم مقيم ... والشتا أنت في العذاب الهون كم لعمري سريت من تحت بوش ... في الدياجي أصبحت في الطلموني (١٠) ١٥ تهتدي في الظلام بالقطب والجد ... ي، وفي الصبح بالضياء المبين

стр. 1326

فتشقّ البحار في الليل شقّا ... حركات تولّدت من سكون لك في الخنّ حين تنزل فيه ... نفثات شبيهة بالجنون (١) وكأنّ القمتر في يدك اليم ... نى بليل عكاز أعمى مهين (٢) ٢٠ تحرث الأرض بالمنابل حرثا ... وتدقّ الأوتاد دقّ القيون (٣) بسواري سنط غلاظ جفاة ... قطّعت من حراج سفط رشين (٤) تحمل القمح للرّحا في قفاف ... عملت في رشيد أو سنديون (٥) فإذا ما انتهى وصار دقيقا ... صرت للفرن في محلّ العجين فتهيّي خبزا غليظ الحواشي ... فيه طعم الكمّون والأنسون (٦) ٢٥ كم لعمري حملت حملا ثقيلا ... لم تقل عند ذاك: هل من معين؟ فالجواعيس والدواميس تشكو ... شجوها دائما إلى القطقون (٧) والأروبات والطوانس تبكي ... بدموع تزري بدمع العيون (٨) كانت المركب التي كنت فيها ... حرما آمنا كحصن حصين وهي اليوم بعد فقدك عطل ... بل حطام ملقى ليوم الدين وقال يرثي قزّازا اسمه ياسين [طويل]: بكى فقدك المكّوك والمقبض السّنط ... وناح عليك النير والتخت والمشط وتنتحب المطوى عليك، وطالما ... توسّدتها، والزور يدفعه القطّ (٩) وأعولت الألطاخ والمغزل الذي ... تدوّره فيها أناملك السّبط (١٠) أنامل لم تخلق لشيء سوى السّدى ... وللّقط والتخليص، يا حبّذا اللقط! وصائحة ولهى عليك حزينة ... مدلّهة والحقّ أحكمه الخرط (١١) ٥ وتحسب أصوات اللطوخ لدى السّدى ... حمائم برج طرن نفّرها القطّ وقاعدة، والعود منها مجدّد ... كشمعة صبح لم يش [ن] رأسها القطّ

стр. 1327

وناصح ما ينفكّ يرنو كأنّه ... إذا ما بدا في أذن غانية قرط (١) بكتك المواسير الصغار صبابة ... وحقّ لكلّ منهم النّوح والغطّ (٢) ١٠ تفرّق شمل الكلّ منهم فأصبحوا ... لفقدك كالأيتام وافقهم قحط لئن صرت في لحد من الأرض ضيّق ... فإنّك في الحانوت مقتدر سلط ويندبك المتّيت والبكر التي ... إذا ما المجرّات انعصرن لها لغط (٣) ويسمع للوقيق صوت ورنّة ... وترجيع لحن ما ترجّعه القبط (٤) ترى الزعجل المنصوب يهتزّ خيفة ... وفي جيده حبل، به أحكم الرّبط (٥) ١٥ كأنّك فوق النول عمور بن هندة ... وعمرو بن كلثوم إذا ما غدا يسطو (٦) تدلّي بها رجليك في قاع حفرة ... ترى الزرزرايا فيه تعلو وتنحطّ (٧) وتختلف الأنيار، والصّفق واحد ... فتأتي برفع لم ير مثله قطّ (٨) إذا ما استقام الشغل غنّيت دائبا ... وإن ينقطع خيط بدا الكفر والسخط ومن حسن أخلاق له فوق نوله ... إذا سمع التكبير قال له: ازط! (٩) كأنّك في ترجيع صوتك بالغنا ... فتى مسّه طيف وهاج به خلط تميل مع المكّوك زهوا كأنّما ... سقيت سلافا مرّة الطعم إسفنط ٢٠ تظلّ مدى الأيّام عريان واقفا ... ولا مئزر فرد عليك ولا مرط كأنّك قد نوديت للبعث والقضا ... وأسلمك الجيران والأهل والرهط كأنّك سبّاح مقيم بلجّة ... وليس لها قاع وليس لها شطّ تصول على الصبيان صولة مغضب ... ألا دوّروا أو حوّلوا الغزل يا زطّ! فمن ذا بسيف الشمع بعدك ضارب ... إذا أقبلت خيل الطوارد تمتطّ؟ (١٠) ٢٥ ومن طاعن بالقرق [في] حلبة العدى ... صدور ثياب القطن، لا الدرق اللمط؟ (١١) وأرملة جاءتك في نقص غزلها ... فبادرت للأيمان مستعجلا تخطو

стр. 1328

وجمّعت ما في النول من زيبر السدى ... ومن طرف أسق [ا] ط وقلت: كذا الشرط (١) سقى وابل الوسميّ قبرك دائما ... فما كنت ذا حيف وما كنت تشتطّ ٣٠ فما تنتج الأيّام مثلك آخرا ... إلى أن يبيض الذئب أو ينبح البطّ! ١٣١٨ - الأمير المؤيّد [- بعد ٤٥٥] (٢) [٤١٥ أ] حيدرة بن حسين بن مفلح، الأمير المؤيّد، مصطفى الملك، معزّ الدولة، ذو الرئاستين، ابن الأمير عضب الدولة. ولّاه المستنصر بالله إمرة دمشق، فخرج من القاهرة في مستهلّ شهر رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وصرف بناصر الدولة أبي عبد الله الحسن، ابن ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن الحسين بن حمدان في نصف رجب سنة خمسين وأربعمائة (٣). ١٣١٩ - حيدرة بن محمود [٥٤٥ - ٦٢٠] حيدرة بن محمود بن عليّ، أبو تراب، الأنصاريّ. ولد في نصف رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وتوفّي بالقاهرة ليلة الجمعة السادس عشر من شهر رمضان سنة عشرين وستّمائة، ودفن بسفح المقطّم. ١٣٢٠ - ابن الضيف [(- ٥٢٠)] (٤) حيدرة بن عبد الظاهر بن الحسن بن علي، الربعي، المعروف بابن الضيف، أحد دعاة الخلفاء الفاطميّين [ ... ]. ومن شعره [كامل]: يا ليلة عمر الزما ... ن بطولها مثل العلامة يثني عليّ ظلامها ... وغرامها ثني العمامة حتّى كأنّ نهارها ... يبدو به فجر القيامة وقال [كامل]: طال النهار على المحبّ كأنّه ... يوم الحساب بآخر الدهر وكأنّ ليلته وقد طلعت [له] ... عقد العشاء بها مع الفجر ١٣٢١ - المؤتمن ابن البطائحيّ [- ٥٢٢] (٥) حيدرة بن فاتك بن مختار بن حسن بن تمّام، المؤتمن، سلطان الملوك، نظام الدين، أبو تراب، ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع، ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن، ابن الأمير أمين

стр. 1329

الدولة أبي عليّ، أخي الوزير المأمون ابن البطائحيّ. نشأ بالقاهرة. فلمّا اتّصل أخوه أبو عبد الله محمد بن فاتك بالأفضل ابن أمير الجيوش، استعان به وبأخيهما أبي الفضل جعفر. فاستصوب الأفضل فعله، ورتّب لهما الرواتب الدارّة في اليوم والشهر والسنة. فلمّا استقرّ أبو عبد الله بعد قتل الأفضل في الوزارة، صار إليه تقدمة العساكر وزمّ الأزمّة. ثمّ ولّاه الخليفة الآمر بأحكام الله الإسكندريّة والأعمالالبحريّة والغربيّة والبحيرة والجزيرتين والدقهليّة والمرتاحيّة في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وخلع عليه بدلة مذهّبة من خاصّ لباسه وطوق ذهب، وقلّد بسيف قرابه وسقطه (١) ذهب بغير منطقة. وشرّف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه، وسلّم إليه تقليده في لفافة مذهّبة. وشدّت الأعلام والقضب الفضّة والعماريّات، وحمل على يديه أكياس المال برسم التفرقة، وحجبه الأمراء المطوّقون والأساتذة المحنّكون. وقبّل أبواب القصور ومضى إلى داره. وأطلق له من ارتفاع الإسكندريّة على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار. فورد الخبر بأنّ رزين الدولة علي بن تراب والي الصعيد الأدنى وضامنه قتلته لواته وعاثت في البلاد. فخرج المؤتمن ومعه طائفة من المأمونيّة، وتاج الدولة بهرام زمام الأرمن وجميع طائفته، وجرّد معه مائة فارس من خيرة (٢) الأجناد ومن أغنيائهم، وأضاف إليه أمثالهم مثل علي بن السلّار، وتاج الملوك قايماز، وسيف الملك الجمل، ودرّيّ الحرون، وحسام الملك بسيل، وكلّ واحد من هؤلاء له جيش بمفرده. وسارت لواته إلى الفيّوم ونهبوها وأحرقوها ومضوا مغرّبين. فأخذ مواشيهم، وتبعهم إلى الموضع الذي يقال له الحمّام وأخذ أموالهم وعزم على استئصالهم. فبلغه أنّه قد وصل إلى الإسكندريّة من مراكب الروم والبنادقة نيف وعشرون مركبا. فبادر إلى الثغر ودخله، فرأى الروم من عسكره ما هالهم فأقلعوا عن الثغر. وأتاه مشايخ لواته ومقدّموهم وسألوه الوساطة بينهم وبين أخيه الوزير المأمون في الصفح عنهم، على أن يقوموا عن جناياتهم بثلاثين ألف دينار عينا، أحضروها مع رهائنهم. فقرّر أمرهم على ذلك وقبض المال. ولمّا اتّصل بأهل الإسكندريّة قدومه خرج إليه الفقهاء والقاضي والشهود والتجّار [٤٢٤ ب] وكافّة الناس، حتى النساء، ومعهم المصاحف والشموع، وسلّموا عليه. فخيّم بظاهر المدينة وخرج إليه الإمام أبو بكر الطرطوشيّ للسلام عليه. فلم يقبل من أحد شيئا سوى من القاضي مكين الدولة أبي طالب أحمد بن حديد قاضي الإسكندريّة وناظرها، فإنّه قبل ما حمل إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيّام. ثمّ أمره بأن لا يعود إلى حمل شيء. وأخرج كتابين من الوزير المأمون، أحدهما يتضمّن أنّ الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة، وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان. فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة، ويأمره فيه أن لا يقبل من أحد من التجّار ضيافة ولا هديّة. والكتاب الآخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كلّ يوم من ارتفاع الثغر ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر، وأن يستخدم عليها من

стр. 1330

يراه من الشهود. وكان التجّار قد جمعوا من بينهم ثلاثة آلاف دينار ضيافة للمؤتمن وحملوها إلى مكين الدولة. فلمّا أحضرها إلى المؤتمن أنكر عليه وأمره بردّها إلى أربابها. فأخذ مكين الدولة يتلطّف به ويقول: نجعل عوضها طيبا وطرفا ممّا عند التجّار فإنّه لا كلفة عليهم في ذلك. فأقسم أن لا يقبل منهم شيئا، فأعادها إلى أربابها. واستمرّت الأسمطة في كلّ يوم تعمل من مال الارتفاع. وشرع المؤتمن في ترتيب أحوال الثغر وعمارة ما تشعّت منه، ولم يقبل لأحد هديّة. ثمّ خلع على مكين الدولة وسار لتمهيد ما اختلّ من البلاد فسدّد الأمر في ذلك، وعاد إلى القاهرة. فمدحه عدّة من الشعراء، منهم أبو الفتح محمد بن قادوس، وأبو القاسم عليّ بن الصيرفيّ. وكان سبب عوده أنّ (١) الخليفة الآمر لمّا تغيّر على الوزير المأمون، بعث أستاذا من ثقاته في أمر ندبه إليه، وأسرّ له أن يجتمع بعليّ بن السلّار في خفية، ويبلّغه سلام الخليفة ويقول له: إنّنا ما زلنا نلتفت إليك وندّخرك لمهمّاتنا ونتحقّق فيك الموافاة لنا. وإنّا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا. وقد تلوّنت أحوال المأمون، وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتّسع لنا ذكرها. ومقصودنا أن تكتم ما نقول لك. فلمّا بلّغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال: السمع والطاعة لمولانا وأنا مملوكه وباذل نفسي في خدمته. فقال له الأستاذ: هكذا والله قال عنك. قال: فما يأمر به؟ قال: تحدّث رفقتك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن. ثمّ تركه. ففارق ابن السلّار المؤتمن، ومعه قايماز، ودرّيّ الحرون. فتبعهم بقيّة الأمراء، وصار المؤتمن مستوحشا، وكتب إلى أخيه المأمون بذلك، وكان يشعر بتغيّر الخليفة عليه فلم يحرّك ساكنا. وتقدّم إلى الخليفة عند حضوره على العادة وقال: يا مولانا، صلوات الله عليك. وصل كتاب عبدك أخي وهو يشكو من طول مقامه خارج القاهرة، وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة، ويسأل الفسحة له في العود إلى الباب الكريم. فقال: مرحبا وأهلا! وهذا كان رأينا، ونحن مشتاقون إليه، وإنّما قصدنا رضاك فيما رتّبته له، يقدم على بركة الله. فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتّب في ولاياته من يختار. فلمّا دخل جلس له الخليفة في غير وقت الجلوس تشريفا له وخلع عليه. فلمّا دخل شهر رمضان سنة [تسع] عشرة وخمسمائة، حضر المأمون والمؤتمن السماط بقاعة الذهب من القصر في أوّل ليلة. فأكرمهما الخليفة بما أخرج إليهما ممّا كانت يده فيه. وبعث يستأنس بالمؤتمن لحضوره السماط مع أخيه. فعاد في الليلة الثانية فزاد الخليفة في إكرامهما، وأذن للمأمون أن يدخل إليه ليؤاكله، ولم يتقدّمه أحد من الوزراء لذلك، فدخل. وهنّأه الناس بهذه المنزلة وخلع عليه وعلى أخيه المؤتمن من داخل الدار ثيابا داريّة. فلمّا حضرا في الليلة الثالثة السماط بالقاعة استدعي [٤٢٥ أ] المأمون ليؤاكل الخليفة كما آكله البارحة. فعند ما جلس على المائدة قال له: قد جفونا المؤتمن.- واستدعاه فدخل وصارا في القبضة. وكان قد رتّب لهما من يأخذهما. فلمّا فرغ الأكل وخرجا قبض عليهما واعتقلا في خزانة البنود وأحيط بدورهما. ثمّ قتل مع أخيه في ليلة العشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.

стр. 1331

حرف الخاء

стр. 1332

آخر الجزء الثالث حرف الخاء المعجمة ١٣٢٢ - خارجة بن حذافة [- ٤٠] (١) خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب، القرشيّ، أحد أصحاب النبيّ ﷺ . أمّه فاطمة بنت عمرو بن بجرة العدويّة. كان أحد فرسان قريش. يقال إنّه كان يعدل بألف فارس. ولمّا حصر عمرو بن العاص القصر (٢)، وأبطأ عليه الفتح وهو يقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم، كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ يستمدّه ويعلمه ذلك فأمدّه عمر بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف، وهم: الزبير بن العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وخارجة بن حذافة هذا في قول. وقيل: الرابع مسلمة بن مخلد. وشهد خارجة فتح مصر مع عمرو بن العاص. وقيل إنّه كان قاضيا لعمرو بمصر. وذكر أبو عمر الكنديّ (٣) أنّه كان على شرطة عمرو في مدّة ولايته الأولى كلّها، وهي أربع سنين وأشهر. ونقل عن سعيد بن عفير أنّ عمرو بن العاص دخل مصر وعلى شرطه زكريا بن جهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار (٤)، ثمّ عزله بخارجة. فلمّا ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر بعد عزل عمرو بن العاص عنها، جعل على شرطه هشام بن كنانة. فلمّا عاد عمرو إلى مصر في أيّام معاوية جعل خارجة على شرطه واستخلفه على مصر لمّا خرج منها للحكومة. وقيل: بل استخلف ابنه عبد الله بن عمرو. ولم يزل خارجة بمصر إلى أن قتل بها. وذلك أنّ بني ملجم: عبد الرحمن، وقيسا ويزيد، تعاقدوا على قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ﵄، وتواعدوا ليلة من شهر رمضان سنة أربعين. فمضى كلّ واحد منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هو صاحب عمرو. فعرضت لعمرو تلك الليلة علّة منعته من حضور المسجد، فصلّى خارجة بالناس، فشدّ عليه يزيد فضربه حتّى قتله. فدخل به على عمرو، فقال: أما والله ما أردت غيرك يا عمرو! فقال عمرو: ولكنّ الله أراد خارجة. هذا قول الكندي. وذكر أبو عمر يوسف بن عبد البرّ أنّ الذي قتل خارجة رجل من بني العنبر يقال له زاذويه. وقيل: إنّه مولى لبني العنبر. وقيل: إنّ خارجة الذي قتله الخارجيّ بمصر على أنّه عمرو بن العاص رجل اسمه خارجة، من

стр. 1333

بني سهم. وليس بشيء. ولأهل مصر عن خارجة بن حذافة حديث واحد مرفوع وهو حديث الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن عبد الله بن راشد الزوفي (١) عن عبد الله بن أبي مرّة الزوفي عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النّعم: الوتر جعله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر. ولهم عنه حكايات في نفسه (٢)، وإيّاه عنى أبوه حذافة بن غانم في قوله يمدح عبد المطّلب بن هاشم وابنه أبا لهب في أبيات (٣) [الطويل]: أبو عتبة الملقي إليّ حباءه ... أغرّ هجان اللون من نفر زهر أبوهم قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر أخارج إمّا أهلكنّ فلا تزل ... لهم شاكرا حتّى تغيّب في القبر وكان سبب هذا المدح أنّ نفرا من جذام خرجوا من مكّة قد قضوا نسكهم ففقدوا صاحبا لهم [٤٢٥ ب] فلقوا حذافة بن غانم فأخذوه فانطلقوا به معهم. فلقي عبد المطّلب بعد ما كفّ بصر عبد المطّلب، ومعه ابنه أبو لهب، فصاح به حذافة بن غانم، فقال لأبي لهب: ارجع إليه فائتني به. فانطلق أبو لهب فكلّم الجذاميّين وقال: قد عرفتم مالي وتجارتي، وأنا ضامن لصاحبكم، فأطلقوا هذا الرجل. فأطلقوه، فأقبل به إلى عبد المطّلب، فقال له: هذا حذافة بن غانم. فقال عبد المطّلب: أسمعني صوتك يا أبا المثلّم. فكلّمه فانطلق به معه. قال الزبير بن بكّار: وقد انقرض ولد حذافة بن غانم فلم يبق منهم أحد. كان آخرهم امرأة يقال لها قديسة بنت عون بن خارجة بن عون بن خارجة بن حذافة، هلكت بمصر وتركت مالا عظيما وموالي، وورثها ابنها عبد الرحمن بن إبراهيم بن الزبير بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. ١٣٢٣ - خاصّ ترك السفياني [- ٥٩٣] لقبه همام الدين. كان والي القاهرة ومات في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ١٣٢٤ - خالد بن أيّوب الوشقيّ (٤) خالد بن أيّوب، أبو عبد السلام، الأندلسيّ، الوشقيّ. ١٣٢٥ - خالد بن ثابت الفهميّ [- بعد ٥٤] (٥) خالد بن ثابت بن ظاعن بن العجلان بن عبد الله بن كعب بن صبح بن والبة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن القين بن فهم بن عمرو بن سعد بن قيس بن عيلان، الفهميّ، تابعيّ من أهل الشام.

стр. 1334

شهد الجابية مع عمر بن الخطّاب ﵁، وبعث به إلى بيت المقدس لفتحها. حدّث عن عمرو بن العاص، وكعب الأحبار. روى عنه أبو إبراهيم المعافريّ. قال الليث عن يزيد بن أبي حبيب: إنّ عمر ﵁ بعث خالد بن ثابت الفهميّ إلى بيت المقدس في جيش، وعمر بالجابية (١)، فقاتلهم، فأعطوه أن يكون لهم ما أحاط به حصنها على كلّ شيء يؤدّونه ويكون للمسلمين ما كان خارجا منها. فقال خالد: بايعناكم على هذا إن رضي به أمير المؤمنين. وكتب إلى عمر يخبره بالذي صنع الله له. فكتب إليه أن قف على حالك حتى أقدم عليك. فوقف خالد على قتالهم وقدم عمر، ففتحوا له بيت المقدس على ما بايعهم عليه خالد بن ثابت. (قال) فبيت المقدس يسمّى فتح عمر. وقال الليث: وفي سنة أربع وخمسين غزا خالد بن ثابت إفريقيّة. وقال خليفة بن خيّاط: وفيها- يعني سنة أربع وخمسين- أغزى مسلمة بن مخلد [الأنصاريّ خالد] بن ثابت الفهميّ بلاد المغرب، وأمره أن يستخلف أبا المهاجر دينار مولى الأنصار، فانصرف وخلّف أبا المهاجر. وعن الليث قال: كان ابن أبي الكنود الأزديّ يسمع قراءة خالد بن ثابت الفهميّ من الليل إذا صلّى على ظهر بيته، وكان بين منزليهما دور في البعد. وعن أبي إبراهيم المعافريّ أنّ خالد بن ثابت أخبره أنّ كعب الأحبار أوصاه وتقدّم إليه عند خروجه مع عمرو بن العاص إلى مصر: ألّا يقرب المكس، ونهاه عن ذلك. وقال ابن يونس: خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي: ولي بعض السرايا بالشام لعمر بن الخطّاب، وشهد فتح مصر. يروي عن عمرو بن العاص، وعن كعب بن ماتع الحميريّ. وله حديث في كتاب الزكاة من موطإ ابن وهب الكبير. وهو جدّ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر بن خالد بن ثابت، وجدّ عبد الملك والوليد ابني رفاعة بن خالد بن ثابت أمراء مصر. وولي بحر مصر سنة إحدى وخمسين. ١٣٢٦ - خالد بن جبير، مولى غفار يروي عن ابن عمر. وعنه جعفر بن ربيعة. ١٣٢٧ - خالد بن حميد المهريّ [- ١٦٩] (٢) خالد بن حميد بن خالد، المهريّ، أبو حميد، الإسكندرانيّ. يروي عن أبي هاني حميد بن هاني، وبكر بن عمرو المعافريّ، وأبي عقيل زهرة (٣)، وقيس بن الحجّاج. وعنه بقيّة بن الوليد، ومحمد بن حميد، وعبد الله بن صالح، وإدريس بن يحيى، وروح بن صلاح المراد [ي]، وابن وهب، وعبد الملك بن أبي كريمة، وسعيد بن أبي سعيد الزبيديّ (٤)، ومسكين بن عبد الرحمن. توفّي بالإسكندريّة سنة تسع وستّين ومائة.

стр. 1335

قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال محمد بن عبادة بن زياد المعافريّ: كنّا عند أبي سريج فكدّت (١) المسائل. فقال أبو سريج: قد درنت قلوبكم. فقوموا إلى [٤٢٦ أ] أبي حميد خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم وتعلّموا هذه الرغائب، فإنّها تجوّد العبادة، وتورّث الزهادة، وتجرّ الصداقة، وأقلّوا المسائل، إلّا ما نزل، فإنّها تقسّي القلب، وتورّث العداوة. ١٣٢٨ - خالد بن حيّان الحضرميّ (٢) خالد بن حيّان بن الأعين، الحضرميّ، من وجوه مصر. يروي عن أبيه. وعنه يحيى بن أيّوب، وعبد الله بن لهيعة، وعبد الرحمن بن ميسرة. وخرج به صالح بن عليّ إلى دمشق. ١٣٢٩ - أبو أيّوب الأنصاريّ [- ٥٢] (٣) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجّار، أبو أيّوب، الأنصاريّ، أحد أصحاب رسول الله ﷺ . أمّه هند بنت سعد بن قيس بن عمرو بن امرئ القيس بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحرث بن الخزرج الأكبر. عقبيّ، شهد المشاهد كلّها. قدم مصر غازيا، وشهد مع رسول الله ﷺ العقبة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وسائر المشاهد. وعليه نزل رسول الله ﷺ في خروجه من بني عمرو بن عوف حين قدم المدينة مهاجرا من مكّة: واحتمل أبو أيّوب رحله ﷺ فوضعه في يته، فنزل عليه ﷺ شهرا حتى بنى مسجده ومساكنه. ثمّ انتقل ﵇ إلى مساكنه من بيت أبي أيّوب. روى يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنيّ عن أبي رهم السّماعي (٤) قال: حدّثني أبو أيّوب قال: لمّا نزل عليّ رسول الله ﷺ نزل في السّفل، وأنا وأمّ أيّوب في العلوّ. فقلت له: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمّي! إنّي أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكنفي العلوّ، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: يا أبا أيّوب، إنّ [هـ] أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت. (قال) فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنّا فوقه في المسكن. فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأمّ أيّوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشّف بها الماء خوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه. (قال) وكنّا نصنع له العشاء فنبعث به، فإذا ردّ علينا فضلة تيمّمت أنا وأمّ أيّوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتّى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما. فردّه، ولم أر ليده فيه أثرا. فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا وأمّ أيّوب موضع يدك، نبتغي بذلك البركة. قال: إنّي وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وإنّي رجل أناجي- وفي رواية: أناجي من لا يناجون- أمّا أنتم فكلوه. (قال) فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.
следующие страницы →