← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

حرف الخاء

стр. 1332

آخر الجزء الثالث حرف الخاء المعجمة ١٣٢٢ - خارجة بن حذافة [- ٤٠] (١) خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب، القرشيّ، أحد أصحاب النبيّ ﷺ . أمّه فاطمة بنت عمرو بن بجرة العدويّة. كان أحد فرسان قريش. يقال إنّه كان يعدل بألف فارس. ولمّا حصر عمرو بن العاص القصر (٢)، وأبطأ عليه الفتح وهو يقاتلهم قتالا شديدا يصبحهم ويمسيهم، كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ يستمدّه ويعلمه ذلك فأمدّه عمر بأربعة آلاف رجل، على كلّ ألف رجل منهم رجل مقام الألف، وهم: الزبير بن العوّام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وخارجة بن حذافة هذا في قول. وقيل: الرابع مسلمة بن مخلد. وشهد خارجة فتح مصر مع عمرو بن العاص. وقيل إنّه كان قاضيا لعمرو بمصر. وذكر أبو عمر الكنديّ (٣) أنّه كان على شرطة عمرو في مدّة ولايته الأولى كلّها، وهي أربع سنين وأشهر. ونقل عن سعيد بن عفير أنّ عمرو بن العاص دخل مصر وعلى شرطه زكريا بن جهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار (٤)، ثمّ عزله بخارجة. فلمّا ولي عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر بعد عزل عمرو بن العاص عنها، جعل على شرطه هشام بن كنانة. فلمّا عاد عمرو إلى مصر في أيّام معاوية جعل خارجة على شرطه واستخلفه على مصر لمّا خرج منها للحكومة. وقيل: بل استخلف ابنه عبد الله بن عمرو. ولم يزل خارجة بمصر إلى أن قتل بها. وذلك أنّ بني ملجم: عبد الرحمن، وقيسا ويزيد، تعاقدوا على قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ﵄، وتواعدوا ليلة من شهر رمضان سنة أربعين. فمضى كلّ واحد منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هو صاحب عمرو. فعرضت لعمرو تلك الليلة علّة منعته من حضور المسجد، فصلّى خارجة بالناس، فشدّ عليه يزيد فضربه حتّى قتله. فدخل به على عمرو، فقال: أما والله ما أردت غيرك يا عمرو! فقال عمرو: ولكنّ الله أراد خارجة. هذا قول الكندي. وذكر أبو عمر يوسف بن عبد البرّ أنّ الذي قتل خارجة رجل من بني العنبر يقال له زاذويه. وقيل: إنّه مولى لبني العنبر. وقيل: إنّ خارجة الذي قتله الخارجيّ بمصر على أنّه عمرو بن العاص رجل اسمه خارجة، من

стр. 1333

بني سهم. وليس بشيء. ولأهل مصر عن خارجة بن حذافة حديث واحد مرفوع وهو حديث الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن عبد الله بن راشد الزوفي (١) عن عبد الله بن أبي مرّة الزوفي عن خارجة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: إنّ الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النّعم: الوتر جعله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر. ولهم عنه حكايات في نفسه (٢)، وإيّاه عنى أبوه حذافة بن غانم في قوله يمدح عبد المطّلب بن هاشم وابنه أبا لهب في أبيات (٣) [الطويل]: أبو عتبة الملقي إليّ حباءه ... أغرّ هجان اللون من نفر زهر أبوهم قصيّ كان يدعى مجمّعا ... به جمع الله القبائل من فهر أخارج إمّا أهلكنّ فلا تزل ... لهم شاكرا حتّى تغيّب في القبر وكان سبب هذا المدح أنّ نفرا من جذام خرجوا من مكّة قد قضوا نسكهم ففقدوا صاحبا لهم [٤٢٥ ب] فلقوا حذافة بن غانم فأخذوه فانطلقوا به معهم. فلقي عبد المطّلب بعد ما كفّ بصر عبد المطّلب، ومعه ابنه أبو لهب، فصاح به حذافة بن غانم، فقال لأبي لهب: ارجع إليه فائتني به. فانطلق أبو لهب فكلّم الجذاميّين وقال: قد عرفتم مالي وتجارتي، وأنا ضامن لصاحبكم، فأطلقوا هذا الرجل. فأطلقوه، فأقبل به إلى عبد المطّلب، فقال له: هذا حذافة بن غانم. فقال عبد المطّلب: أسمعني صوتك يا أبا المثلّم. فكلّمه فانطلق به معه. قال الزبير بن بكّار: وقد انقرض ولد حذافة بن غانم فلم يبق منهم أحد. كان آخرهم امرأة يقال لها قديسة بنت عون بن خارجة بن عون بن خارجة بن حذافة، هلكت بمصر وتركت مالا عظيما وموالي، وورثها ابنها عبد الرحمن بن إبراهيم بن الزبير بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف. ١٣٢٣ - خاصّ ترك السفياني [- ٥٩٣] لقبه همام الدين. كان والي القاهرة ومات في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. ١٣٢٤ - خالد بن أيّوب الوشقيّ (٤) خالد بن أيّوب، أبو عبد السلام، الأندلسيّ، الوشقيّ. ١٣٢٥ - خالد بن ثابت الفهميّ [- بعد ٥٤] (٥) خالد بن ثابت بن ظاعن بن العجلان بن عبد الله بن كعب بن صبح بن والبة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن القين بن فهم بن عمرو بن سعد بن قيس بن عيلان، الفهميّ، تابعيّ من أهل الشام.

стр. 1334

شهد الجابية مع عمر بن الخطّاب ﵁، وبعث به إلى بيت المقدس لفتحها. حدّث عن عمرو بن العاص، وكعب الأحبار. روى عنه أبو إبراهيم المعافريّ. قال الليث عن يزيد بن أبي حبيب: إنّ عمر ﵁ بعث خالد بن ثابت الفهميّ إلى بيت المقدس في جيش، وعمر بالجابية (١)، فقاتلهم، فأعطوه أن يكون لهم ما أحاط به حصنها على كلّ شيء يؤدّونه ويكون للمسلمين ما كان خارجا منها. فقال خالد: بايعناكم على هذا إن رضي به أمير المؤمنين. وكتب إلى عمر يخبره بالذي صنع الله له. فكتب إليه أن قف على حالك حتى أقدم عليك. فوقف خالد على قتالهم وقدم عمر، ففتحوا له بيت المقدس على ما بايعهم عليه خالد بن ثابت. (قال) فبيت المقدس يسمّى فتح عمر. وقال الليث: وفي سنة أربع وخمسين غزا خالد بن ثابت إفريقيّة. وقال خليفة بن خيّاط: وفيها- يعني سنة أربع وخمسين- أغزى مسلمة بن مخلد [الأنصاريّ خالد] بن ثابت الفهميّ بلاد المغرب، وأمره أن يستخلف أبا المهاجر دينار مولى الأنصار، فانصرف وخلّف أبا المهاجر. وعن الليث قال: كان ابن أبي الكنود الأزديّ يسمع قراءة خالد بن ثابت الفهميّ من الليل إذا صلّى على ظهر بيته، وكان بين منزليهما دور في البعد. وعن أبي إبراهيم المعافريّ أنّ خالد بن ثابت أخبره أنّ كعب الأحبار أوصاه وتقدّم إليه عند خروجه مع عمرو بن العاص إلى مصر: ألّا يقرب المكس، ونهاه عن ذلك. وقال ابن يونس: خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي: ولي بعض السرايا بالشام لعمر بن الخطّاب، وشهد فتح مصر. يروي عن عمرو بن العاص، وعن كعب بن ماتع الحميريّ. وله حديث في كتاب الزكاة من موطإ ابن وهب الكبير. وهو جدّ عبد الرحمن بن خالد بن مسافر بن خالد بن ثابت، وجدّ عبد الملك والوليد ابني رفاعة بن خالد بن ثابت أمراء مصر. وولي بحر مصر سنة إحدى وخمسين. ١٣٢٦ - خالد بن جبير، مولى غفار يروي عن ابن عمر. وعنه جعفر بن ربيعة. ١٣٢٧ - خالد بن حميد المهريّ [- ١٦٩] (٢) خالد بن حميد بن خالد، المهريّ، أبو حميد، الإسكندرانيّ. يروي عن أبي هاني حميد بن هاني، وبكر بن عمرو المعافريّ، وأبي عقيل زهرة (٣)، وقيس بن الحجّاج. وعنه بقيّة بن الوليد، ومحمد بن حميد، وعبد الله بن صالح، وإدريس بن يحيى، وروح بن صلاح المراد [ي]، وابن وهب، وعبد الملك بن أبي كريمة، وسعيد بن أبي سعيد الزبيديّ (٤)، ومسكين بن عبد الرحمن. توفّي بالإسكندريّة سنة تسع وستّين ومائة.

стр. 1335

قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال محمد بن عبادة بن زياد المعافريّ: كنّا عند أبي سريج فكدّت (١) المسائل. فقال أبو سريج: قد درنت قلوبكم. فقوموا إلى [٤٢٦ أ] أبي حميد خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم وتعلّموا هذه الرغائب، فإنّها تجوّد العبادة، وتورّث الزهادة، وتجرّ الصداقة، وأقلّوا المسائل، إلّا ما نزل، فإنّها تقسّي القلب، وتورّث العداوة. ١٣٢٨ - خالد بن حيّان الحضرميّ (٢) خالد بن حيّان بن الأعين، الحضرميّ، من وجوه مصر. يروي عن أبيه. وعنه يحيى بن أيّوب، وعبد الله بن لهيعة، وعبد الرحمن بن ميسرة. وخرج به صالح بن عليّ إلى دمشق. ١٣٢٩ - أبو أيّوب الأنصاريّ [- ٥٢] (٣) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجّار، أبو أيّوب، الأنصاريّ، أحد أصحاب رسول الله ﷺ . أمّه هند بنت سعد بن قيس بن عمرو بن امرئ القيس بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحرث بن الخزرج الأكبر. عقبيّ، شهد المشاهد كلّها. قدم مصر غازيا، وشهد مع رسول الله ﷺ العقبة، وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، وسائر المشاهد. وعليه نزل رسول الله ﷺ في خروجه من بني عمرو بن عوف حين قدم المدينة مهاجرا من مكّة: واحتمل أبو أيّوب رحله ﷺ فوضعه في يته، فنزل عليه ﷺ شهرا حتى بنى مسجده ومساكنه. ثمّ انتقل ﵇ إلى مساكنه من بيت أبي أيّوب. روى يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزنيّ عن أبي رهم السّماعي (٤) قال: حدّثني أبو أيّوب قال: لمّا نزل عليّ رسول الله ﷺ نزل في السّفل، وأنا وأمّ أيّوب في العلوّ. فقلت له: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمّي! إنّي أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكنفي العلوّ، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: يا أبا أيّوب، إنّ [هـ] أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت. (قال) فكان رسول الله ﷺ في سفله وكنّا فوقه في المسكن. فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأمّ أيّوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشّف بها الماء خوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه. (قال) وكنّا نصنع له العشاء فنبعث به، فإذا ردّ علينا فضلة تيمّمت أنا وأمّ أيّوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتّى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما. فردّه، ولم أر ليده فيه أثرا. فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا وأمّ أيّوب موضع يدك، نبتغي بذلك البركة. قال: إنّي وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وإنّي رجل أناجي- وفي رواية: أناجي من لا يناجون- أمّا أنتم فكلوه. (قال) فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد.

стр. 1336

وآخى رسول الله ﷺ بين أبي أيّوب ومصعب بن عمير. ولم يزل مع رسول الله ﷺ بالمدينة. فلمّا توفّي النبيّ ﷺ لم يخرج منها حتّى كانت خلافة عليّ بن أبي طالب ﵁. فسار معه من المدينة وشهد معه الجمل وصفّين والنهروان. وذكر أبو سليمان بن زبر (١) أنّه سكن دمشق وشهد فتح مصر. وقال شعبة: سألت الحكم: أشهد أبو أيّوب صفّين؟ قال: لا، ولكنّه شهد النهروان. وقال الكلبي وابن إسحاق، وغيره: شهد أبو أيّوب مع عليّ الجمل وصفّين، وكان على مقدّمته يوم النهروان. ومات بالقسطنطينيّة في زمن معاوية بن أبي سفيان سنة خمسين- وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين وخمسين- تحت راية يزيد بن معاوية. وله عن رسول الله ﷺ عدّة أحاديث، لأهل مصر عنه سبعة أحاديث أغربوا بها، إلّا حديثا واحدا رواه الناس معهم، وهو حديث البصل. وحدّث عن أبيّ بن كعب، وأبي هريرة. وحدّث عنه البراء بن عازب، وأبو أمامة، وأسلم التجيبيّ، وأفلح مولاه، وجبير بن نفير، وعبد الله بن حنين، وعبد الله بن يزيد الخطميّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وحدّث عنه [٤٢٦ ب] من أهل مصر أبو رهم السماعيّ، وجبريل بن هاغان الناشريّ، ومرثد بن عبد الله اليزنيّ، وعبد الرحمن بن جبريل بن ناشرة الكنعيّ، وزياد بن أنعم الشعبانيّ (٢)، وأسلم مولى تجيب. وحدّث عنه سوى من ذكرنا خلق. وأخباره كثيرة. قال مرثد بن عبد الله اليزنيّ: قدم علينا أبو أيّوب مصر غازيا، وعلينا عقبة بن عامر، فحبس عقبة المغرب. فلمّا صلّى قام إليه أبو أيّوب: يا عقبة، [أ] هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلّي المغرب؟ أما سمعته يقول: لا تزال أمّتي بخير- أو: على الفطرة- ما لم يؤخّروا المغرب حتى تشتبك النجوم؟ قال: بلى. قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: شغلت. فقال أبو أيّوب: أما والله، ما بي إلّا أن يظنّ الناس أنّك رأيت النبيّ ﷺ فعل هذا. وقال الليث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ: قال أبو أيّوب: من أراد أن يكثر علمه، ويعظم حلمه، فليجالس غير عشيرته. وقال حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن عبد الله بن عبّاس: إنّ أبا أيّوب غزا الروم، فمرّ على معاوية فجفاه. فلمّا مرّ من غزوته جفاه ولم يرفع به رأسا. فقال: إنّ رسول الله ﷺ أنبأني أنّا سنرى بعده أثره. فقال معاوية: فبم أمركم؟ فقال: أن نصبر. قال: فاصبروا إذن! فأتى ابن عبّاس بالبصرة وقد وليها لعليّ ﵁، فقال: يا أبا أيّوب، إنّي أخرج [لك] عن مسكني كما خرجت عن مسكنك لرسول الله ﷺ فأمر أهله فخرجوا وأعطاه كلّ شيء أغلق عليه

стр. 1337

الدار. فلمّا كان انطلاقه قال: حاجتك؟ قال: حاجتي عطائي، وثمانية أعبد يعملون في أرضي- وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له مرّات: فأعطاه عشرين ألفا وأربعين عبدا. وقال ابن سيرين: قدم أبو أيّوب على معاوية فأجلسه معه على السرير. فجعل معاوية يقول: فعلنا وفعلنا- وأهل الشام حوله. فقال: يا أبا أيّوب، من قتل صاحب الفرس أنذيا يوم كذا؟ قال أبو أيّوب: أنا قتلته إذ أنت وأبوك على الجمل الأحمر، معكما لواء الكفر! فنكس معاوية رأسه. وتنمّر أهل الشام، فرفع معاوية رأسه وقال: مه! مه! وإلّا فلعمري ما عن هذا سألناك، ولا هذا أردنا منك. وقال الأعمش عن أبي ظبيان: غزا أبو أيّوب الروم فمرض. فلمّا احتضر قال: إذا متّ فاحملوني، فإذا أصففتم للعدوّ فارموني تحت أقدامكم. وقال سعيد بن عبد العزيز: أغزى معاوية بابنه يزيد في سنة خمسين في البرّ والبحر حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينيّة على بابها، ثمّ قفل. وعن أبي بليان: أتيت مصر فرأيتهم قد قفلوا من غزوتهم، فأخبروني أنّه لمّا كان عند انقضاء مغزاهم بحيث يراهم العدوّ واحتضر أبو أيّوب قال: إن قبضت فاركبوا الخيل ثمّ القوا العدوّ فيردّونكم حتّى لا تجدوا مقدما، فاحفروا لي حينئذ قبرا ثمّ ادفنوني ثمّ سوّوه، ولتطإ الرجال والخيل عليه حتى لا يعرف.- وقيل إنّ يزيد أمر بالخيل فجعلت تقبل وتدبر حتّى عفا أثره (١). وقد قيل: إنّ الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيّوب: لقد كان لكم الليلة شأن؟ فقالوا: هذا رجل من أكابر أصحاب نبيّنا ﷺ وأقدمهم إسلاما. وقد دفنّاه حيث رأيتم. والله لئن نبش لا ضرب لكم بناقوس في أرض العرب ما كانت لنا مملكة- قال مجاهد: فكانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فمطروا. وقال مالك: بلغني عن قبر أبي أيّوب أنّ الروم يستفلحون به ويستسقون. وقال الواقديّ: توفّي سنة ثنتين وخمسين، وصلّى عليه يزيد بن معاوية. وقبر [هـ] بأصل حصن القسطنطينيّة. ولقد بلغني أنّ الروم يتعاهدون قبره ويستسقون به. وقال أبو عبد الله الحسين بن نصر بن مزاحم المنقريّ في كتاب صفّين (٢): وكتب معاوية إلى أبي أيّوب: حاجيتك: ما تنسى شيباء أبا عذرتها ولا قاتل بكرها. فلم يدر ما هو، فأتى عليّا ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ معاوية كتب إليّ بكتاب لا أدري [٤٢٧ أ] ما هو! فقال عليّ: أرن [يه]. فأتاه به. فقال: هذا مثل ضربه. يقول: لا تنسى شيباء- والشيباء العروس أوّل ما يدخل بها زوجها الذي أخذ عذرتها: كذلك لا أنسى قتلة عثمان.

стр. 1338

وكتب معاوية في أسفل كتاب أبي أيّوب [البسيط]: أبلغ لديك أبا أيّوب مألكة ... أنّا وقومك مثل الذئب والنّقد (١) إمّا قتلتم أمير المؤمنين فلا ... ترجوا الهوادة عندي آخر الأبد إنّ الذي نلتموه ظالمين له ... أبقت حزازته صدعا على كبدي إنّي حلفت يمينا غير كاذبة ... لقد قتلتم إماما غير ذي أود لا تحسبوا أنّني أنسى مصابته ... وفي البلاد من الأنصار من أحد أعزز عليّ بأمر لست نائله ... واجهد علينا فلسنا بيضة البلد قد أبدل الله منكم خير ذي كلع ... واليحصبيّين أهل الحوف والجند إنّ العراق لنا فقعا بقرقرة ... أو شحمة بزّها شاق ولم يكد والشام ينزلها الأبرار، بلدتها ... أمن، وحومتها عريسة الأسد فلمّا قرأ أبو أيّوب الكتاب على عليّ ﵁، قال: لشدّ ما شحذكم به معاوية يا معشر الأنصار! أجيبوا الرجل! فقال أبو أيّوب: يا أمير المؤمنين، ما أشاء أن أقول من الشعر ما يعيى الرجل به إلّا قلته. فقال: أنت إذن أنت! فكتب أبو أيّوب إلى معاوية: لا تنسى الشيباء الشمطاء ثكل ولدها ولا أبا عذرتها فضربتها مثل [ابقتل] عثمان. وما نحن وقتل عثمان؟ إنّ الذي تربّص بعثمان وثبّط يزيد بن أسد وأهل الشام عن نصرته لأنت، وإنّ الذين قتلوه لغير الأنصار- وكتب في آخره: لا توعدنّا ابن حرب، إنّنا بشر ... لا نبتغي ودّ ذي البغضاء من أحد فاسعوا جميعا بني الأحزاب كلّكم ... لسنا نريد ولاكم آخر الأبد نحن الذين ضربنا الناس كلّهم ... حتّى استقاموا وكانت عرضة الأود والعام قسرك منّا إن أقمت لنا ... ضربا يزيّل بين الروح والجسد أمّا عليّ فإنّا لن نفارقه ... ما رقرق الآل في الداويّة الجرد وما تبدّلت منّا بعد نصرتنا ... دين الرسول أناسا ساكني الجند لا يعرفون- أضلّ الله سعيهم ... إلّا اتّباعكم يا راعي النقد فقد برى الحيّ ولاقيا وذي كلع ... واليحصبيّين طرّا بيضة البلد (٢) ألّا ندافع كفّا دون صاحبها ... حدّ الشقاق ولا أمّ على ولد فلمّا أتى معاوية كتاب أبي أيّوب كتمه. ١٣٣٠ - ابن حبيش الصدفيّ [- بعد ١٦٠ (٣) خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش، الصدفيّ، أحد وجوه مصر. كان جدّه ربيعة من خاصّة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ وشيعته، وحضر الدار.

стр. 1339

ونشأ خالد بن سعيد بمصر، وقام بأمر دعوة بني حسن، وقد قدم عليّ بن محمد بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب إلى مصر، وبايعه كثير من أهلها. فاستشار خالد أصحابه الذين بايعوا عليّا، وفيهم دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان، ومنصور بن الأصبغ، وزيد بن الأصبغ، ابنا عبد العزيز. فأشار دحية أن يبيّت يزيد بن حاتم الأمير في العسكر فيضرمه عليه نارا. وقال أهل الديوان: نرى أن [٤٢٧ ب] نحرز بيت المال وأن يكون قيامنا في الجامع. فوشي بهم إلى عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، وهو يومئذ يخلف يزيد بن حاتم على الفسطاط. فمضى إلى يزيد بالعسكر ليخبره، وذلك لعشر خلون من شوّال سنة خمس وأربعين ومائة. وسار خالد بمن معه، وعليه قباء أصفر وعمامة خزّ أصفر وقد سوّم فرسه بعمامة، وقصد المسجد نصف الليل. فانتهبوا بيت المال ثمّ تضاربوا عليه بسيوفهم فلم يصل إليهم منه إلّا اليسير. وبعث يزيد مع ابن حديج بطائفة ليكشف الخبر. فصار إلى يزيد نفر من أهل مصر، وجمع قوّاده وأصحابه وسيّرهم في طلب خالد. ففرّ منهم وقد أصابه سهم. فاختفى عند أبي كنانة يحيى بن جابر الحضرميّ سبعين ليلة. وكان من القوم ما ذكر في موضعه، فلم يزل خالد مستخفيا زمنا طويلا. ثمّ مات في زمن المهديّ بعد الستّين ومائة بالإسكندريّة. ١٣٣١ - خالد بن ضماد الصدفي شهد فتح مصر. ١٣٣٢ - خالد بن عائذ الزوفيّ [- ٢٣١] خالد بن عائذ بن يحيى بن صالح، الزوفيّ. حدّث عنه يحيى بن عثمان بن صالح. يروي عن [٤٢٧ ب] رشدين بن سعد وابن وهب. توفّي يوم الخميس لتسع خلون من رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ١٣٣٣ - خالد بن عامر الزياديّ الإفريقيّ حدّث عنه عيّاش بن عبّاس القتبانيّ (١). وحدّث عن خالد بن يزيد بن معاوية. ١٣٣٤ - خالد بن عبد الرحمن البصريّ [- ٢١٢] خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن سلمة، المخزوميّ، البصريّ. قدم مصر وحدّث بها، وتوفّي بها سنة اثنتي عشرة ومائتين. ١٣٣٥ - أبو الدرّيّ المعافريّ خالد بن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أبو الدرّيّ، المعافريّ. روى عنه عبد الله بن يوسف التنيسيّ. ١٣٣٦ - أبو الهيثم العبديّ (٢) خالد بن عبد الرحمن العبديّ، البصريّ، أبو الهيثم. قدم مصر. يروي عن سماك بن حرب، وعنه إسحاق بن الفرات. ١٣٣٧ - خالد بن عبد السلام الصدفيّ [- ٢٤٤] خالد بن عبد السلام بن خالد بن يزيد بن أسد بن هدبة، أبو يحيى، الصدفيّ. ثقة. رأى عبد الله بن لهيعة، وجالس الليث بن

стр. 1340

سعد. آخر من حدّث عنه بمصر محمد بن محمد بن الأشعث الكوفيّ. توفّي في المحرّم سنة أربع وأربعين ومائتين، وكان يتشيّع. ١٣٣٨ - خالد بن عبد الله بن باقل الحضرميّ حدّث عنه زياد بن يونس الحضرميّ. وكان يرابط ببرقة وكان رجلا صالحا. ١٣٣٩ - خالد بن عبد الله الزياديّ يحدّث عن أبي عثمان الأصبحيّ وغيره. حدّث عنه عيّاش القتبانيّ وعمرو بن الحرث. ١٣٤٠ - خالد بن عبد [ ... ] المعافريّ يروي عن شعيب بن زرعة المعافريّ ومشرح بن هاعان. وعنه حيوة بن شريح (١). ١٣٤١ - خالد بن عثمان المعافريّ الإفريقيّ [حدّث] عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (٢). وعنه، جماعة. ١٣٤٢ - خالد بن عقبة الأمويّ (٣) خالد بن عقبة بن أبي معيط- واسم أبي معيط أبان- بن عمرو- واسمه ذكوان- بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ، الأمويّ. أسلم هو وأخواه الوليد وعمارة يوم فتح مكّة. ولا تحفظ له عن رسول الله ﷺ رواية. وشهد الدار مع عثمان ﵁. وقال لأزهر بن سيحان المحاربيّ، وكان من أصحاب عثمان يوم الدار فانفلت يومئذ [طويل]: لعمرك ما نادى ولكن رأيته ... بعينيك أن مسعاك في الدار واسع فأجابه أزهر بن سيحان: يقول رجال: قد دعاك فلم تجب ... وذاك دعاء من خليليّ رائع (٤) فإن كان نادى دعوة فسمعتها ... فشلّت يدي واستكّ منّي المسامع (٥) وإلّا فكانت بالذي هو قالها ... ودارت عليه الدائرات القوارع يلومونني أن جلت في الدار حاسرا ... وقد فرّ عنه خالد وهو دارع وكان خالد أيضا في جيش مروان بن الحكم الذي سار به إلى مصر. فلمّا جزع مروان من مسير الأكدر بن حمام على مراكب مصر ليخالف أهل الشام إلى بلادهم وعيالاتهم- وكان قد نزل عريش مصر- قال خالد يخاطبه [٤٢٨ أ] [بسيط]: أوردت قومك يا مروان صاخبة ... فهل لقومك إذ أوردتهم صدر؟ صبرا أميّ على ما كان من حدث ... إنّ الكرام على ما نابهم صبر ١٣٤٣ - خالد بن عفري المعافريّ يحدّث عن عبد الله بن الزبير. حدّث عنه

стр. 1341

عبد الله بن شرّاح المعافريّ. ١٣٤٤ - خالد بن عقيل الليثيّ روى عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﵁. [وعنه] ابنه عقيل بن خالد (١). ١٣٤٥ - خالد بن [أبي] عمران قاضي إفريقيّة [- ١٢٩] (٢) خالد بن [أبي] عمران، التجيبيّ، مولى عمرو بن حارثة، من تجيب، أبو عمر (٣) التونسيّ، قاضي إفريقيّة. سمع من عبد الله بن حمزة الزبيديّ. وروى عن ابن عمر ولم يسمع منه، وعن حنش الصنعانيّ، وعروة، والقاسم، وعكرمة، ونافع، وجماعة. وعنه أبو شجاع سعيد بن يزيد القتبانيّ (٤)، وعبيد الله بن زحر، وعمرو بن الحرث، وخلّاد بن سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وليث بن سعد، وابن لهيعة. خرّج له مسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ. قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب، ومفتي أهل مصر والمغرب. وكان يقال إنّه مستجاب الدعاء. توفّي بإفريقيّة سنة تسع وعشرين- وقيل: خمس وعشرين- ومائة. ١٣٤٦ - خالد بن العنبس بن ثعلبة البلويّ (٥) له صحبة. شهد فتح مصر. قال ابن يونس: لا أعلم له رواية. ١٣٤٧ - خالد بن قيس، سيّد بني حيّ (٦) خالد بن قيس، سيّد بني حيّ. خرج بهم من اليمن إلى مصر. قال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانيّ (٧): فأولد خولان بن عمرو بن الحافي بنقضاعة سبعة نفر: حيّ، وهو الأكبر، وفيهم البيت والرئاسة. وسعد، وهو الذي ملك قصر واح سبعين عاما. ورشوان، وهاني، ورازح، والأزمع، وصحار. فأولد حيّ بن خولان سعد عديّ، وزيد، وشعب، ومزيد، وغنم، والمقدام، ونوف، بطون كلّها، وصار أكثر بني حيّ بصعيد مصر. وكان سبب خروجهم من اليمن إلى مصر أنّ رجلا من بني سعد بن سعد بن خولان خطب إليهم بعض كرائمهم فأكبروا نفوسهم عليه فدافعوه. فلمّا ألحّ خصوه. فغضبت بنو سعد بن خولان وحاربوهم مدّة حتّى أخرجوهم من صعدة فلحقوا بمصر. وفي ذلك يقول عمرو بن زيد بن مالك بن أسامة [كامل]: أبلغ بني زيد وأسرة راسب ... إخواننا في كلّ يوم حابس

стр. 1342

إنّ الغواة من آل حيّ قلّدوا ... إخوانهم عارا بفعل بائس مثلوا بأمثلنا وجاءوا سبّة ... لم يأتها يوما جبابر فارس يا ابني قضاعة فاغضبا: لا خير في ... ركن ذليل [ ... ] واهس وقال يعلى بن سعد بن عمرو [بن زيد بن مالك بن زيد بن أسامة] (١) المالكي فيهم، من أبيات [الكامل]: وصدعن متن صفاة حيّ بالقنا ... والمشرفيّة في رفيع المنظر من حيّ سعد يوم سار خميسهم ... وأتى أسامة في زهاء العسكر ما زال يصدعهم بها عمرو الندى ... فرقا كأسراب القطا المتبكّر حتى أتوا مصرا وقد ذبلت بهم ... هودات عيس كالحنايا ضمّر وقال عمرو بن الحرث بن عديّ، أحد شعراء بني عديّ بن حيّ [الكامل]: برك الزمان على ابن هاتك عرشه ... وابني أذينة غدوة ورواحا (٢) وأزال عزّ ملوك ناعظ صرفه ... لمّا سقوا كأس المنون ذباحا [٤٢٨ ب] ورمى بني حيّ ففرّق شملهم ... واجتثّ من عرقاتهم وأجاحا حلّوا بمصر فاستعادوا ملكهم ... عرشا وأصبح ذكره قد طاحا (قال) وأولد نشوان بن خولان حقّا، وملحفا، وخليفة، وسعدا، ومنبّها، وحرصا، وخوليّا. فمن خوليّ البيت، وأكثر هذه البطون بمصر، خرجوا مع بني حيّ مغاضبين لبني سعد بن خولان. وذلك أنّ مالك بن عمرو سيّدهم لمّا هاجت الحرب بين بني حيّ وبني سعد اعتزل. فلمّا وقعت الدائرة على بني حيّ قال: لا سكنت بلد خولان بعد خالي خالد بن قيس! - وكانت ابنة خالد تحته. وقال مالك يعاتب الربيعة في قيامها معبني سعد بن سعد على بني حيّ [طويل]: يراسلني سعد بن عمرو معدّدا ... ولست لأفعال العشير بحامد فخلد باع الذلّ بالعزّ وانثوى ... إلى أرض خير غاد ورائد حميتم على سعد وسعد مصرّة ... على حسد ما منهم غير حاسد وليست بنو سعد بشاكرة لكم ... وما كلّ من أوليت عرفا بحامد (قال) وأمّا عقرب والجابر وكني وخفاجي فإنّهم من ولد كامل بن ربيعة بن سعد بن خولان، وأكثرهم خرج مع خالد بن قيس سيّد بني حيّ إلى مصر. ١٣٤٨ - خالد بن كليب العكّي خالد بن كليب بن إبراهيم بن محمد، العكّي. روى عن أبيه عن جدّه عن أبي قبيل. روى عنه ابنه محمد بن خالد. ١٣٤٩ - خالد بن لقيط خالد بن لقيط بن مريح بن حجية بن شرحبيل بن الحرث بن مالك بن سلمة بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار. شهد فتح مصر، وبها مات. له أخبار.

стр. 1343

١٣٥٠ - ابن عين الغزال الدمياطيّ [- بعد ٣٣٠] خالد بن محمد بن عبيد بن خالد، الدمياطيّ، عرف بابن عين الغزال (١)، التجيبيّ، من أنفسهم. كان يتفقّه على مذهب مالك. وكانت له حلقة بدمياط في مسجدها. حدّث عن عبيد الله بن أبي جعفر الدمياطيّ، وعبيد بن خنيس، وبكر بن سهل، ومحمد بن إسحاق بن يزيد الأنطاكيّ، قدم عليهم. وكان موثّقا. توفّي بدمياط بعد سنة ثلاثين وثلاثمائة. ١٣٥١ - ابن القيسرانيّ الكاتب [- ٥٨٨] (٢) خالد بن محمد بن نصر بن صغير بن خالد، موفّق الدين، أبو البقاء، ابن عدّة الدين شرف المعالي أبي عبد الله، المخزوميّ، الخالديّ، الحلبيّ، المعروف بابن القيسرانيّ، الكاتب البارع، وزير السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي. كان أبوه شاعرا مجيدا (٣). ولد بعكّا ونشأ بقيساريّة من سواحل الشام فنسب إليها. وسكن دمشق، وتولّى إدارة الساعات التي على باب الجامع أيّام تاج الدولة تتش. ثمّ تحوّل إلى حلب وولي بها خزانة الكتب. وتردّد إلى دمشق وبها مات سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وولد الموفّق في [ ... ] وعمل له أبوه مولدا رصديّا فدلّه على سعادة جليلة حتى إنّه كان يقول: أبطأت عليّ سعادة خالد.- ومات ولم يرها. فاتّفق أنّ نور الدين الشهيد أراد كتابة ربعة محقّقة، فوصف له خالد وكان قد برع في الكتابة وانفرد بعلم المحقّق في زمانه. فأحضره واستكتبه، فأعجب له. فاستدعى له بالورق والحبر والأقلام، وأفرد له مكانا يكتب فيه فأقام عنده سنة إلى أن فرغت كتابة الربعة، ولم يقل للسلطان [بسيط]: يوما من الدهر لا أهلي ولا ولدي ثمّ انصرف بعد السنة إلى داره، فوجد الخدم على بابها، فدخلها فإذا البيت [فيه] كلّ ما يحتاج إليه، وعلى أهله كسوة وبزّة فاخرة، فسألهم عن ذلكفقالوا: يوم طلبت إلى السلطان جاءتنا هذه الخدم والجواري والقماش، ورتّب لنا ما يكفينا من اللحم والخبز والإدام وغير ذلك. فلازم السلطان مدّة حتى جعله مستوفيا. ثمّ رتّبه في كتابة الإنشاء واختصّ به. وتقدّم عنده تقدّما زائدا. وبعث به إلى مصر [٤٢٩ أ] في سنة تسع وستّين وخمسمائة ليطالب صلاح الدين يوسف بن أيّوب بحساب مصر عن جميع ما أخذ من القصور وحصل من الارتفاع. فلمّا وصل إلى القاهرة أقبل عليه صلاح الدين إقبالا زائدا وتلقّاه أكرم تلقّ وبالغ في تعظيمه، إلى أن طلب منه الحساب. [ف] شقّ عليه [ذلك] وقال: إلى هذا الحدّ وصلنا؟ - وأوقفه على ما تحصّل له وعرض عليه الأجناد وعرّفه مبالغ إقطاعاتهم وجامكيّاتهم ورواتب نفقاتهم، ثمّ قال له: وما يضبط هذا الإقليم العظيم إلّا بالمال الكثير. وأنت تعرف أكابر الدولة، وعظماءها، وأنّهم معتادون بالنّعمة والسعة، وقد تصرّفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها

стр. 1344

منهم، ولا يسمحون بأن ينقص من ارتفاعها. وأخذ يجمع المال. وتقدّم إلى الموفّق بالتوجّه إلى الإسكندريّة ليسترفع حسابها وخراجها حتى يتهيّأ ما يحمل للسلطان. فمضى إلى الإسكندريّة وعاد. فجهّز صلاح الدين صحبته هديّة جليلة- وهي: خمس ربعات شريفة، منها ربعة في ثلاثين جزءا بغشاء أطلس أزرق مضبّب بينها بصفائح ذهب وأقفال ذهب وجلّها جميعه بالذهب. وربعة في عشرة أجزاء بغشاء ديباج فستقيّ. وربعة في سفر بخطّ ابن البوّاب عليها قفل من ذهب وثلاثة أحجار بلخش (١) زنة أحدها اثنان وعشرون مثقالا، وزنة الآخر اثنا عشر مثقالا، وزنة الآخر عشرة مثاقيل ونصف. وستّ قصبات زمرّد زنة الواحدة ثلاثة مثاقيل. وحجر ياقوت أحمر زنته سبعة مثاقيل. وحجر ياقوت أزرق زنته ستّة مثاقيل. ومائة عقد جوهر زنتها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا. وخمسون قارورة ذهب بلسان. وعشرون قطعة بلّور، وأربع عشرة قطعة جزع ما بين زيادي وسكارج. وإبريق بشم، وطشت بشم، وسقرق منيا مذهّب بعروة فيها حبّتا لؤلؤ، وفي الوسط فصّ ياقوت أزرق. وأربعون قطعة صينيّ ما بين زيادي وسكارج وصحون. وقطعتان عود كبيرتان جدّا. وعنبر كثير، من جملته قطعة زنتها ثلاثون رطلا، وقطعة زنتها عشرون رطلا. ومائة ثوب أطلس، وأربعة وعشرون بقيار مذهب. وأربعة وعشرون ثوب وشي حريريّة بيض. وحلّة فلفلي مذهبة، وحلّة مرايش أصفر مذهّبة، وحلّة مرايش أزرق مذهّبة، وحلّة مرايش بقصب أحمر وأبيض، وحلّة فستقي بقصب مذهّبة، وقماش كثير- بلغت قيمتها مائتي ألف دينار. ومن العين خمسة وعشرون ألف دينار. وسار بذلك. فقدم الخبر بموت نور الدين في حادي عشر شوّال، فأمر بالهديّة فأعيدت. ويقال إنّ خبر موت نور الدين قدم والموفّق بالإسكندريّة. فلمّا قدم على صلاح الدين، لم ير منه ذلك الاحتفال. فقال له: يا خوند، أحسن الله عزاءك في مخدوم المملوك! فقال: من أعلمك بذلك؟ قال: أنت، لأنّك عاملتني تلك المرّة باحتفال لم أره الآن. فسأله صلاح الدين الإقامة عنده، فأبى وقال: ما أخرج عن أولاد أستاذي- ومضى إلى دمشق. ثمّ صار إلى حلب، وبها مات في يوم [ ... ] جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وكان صدرا نبيلا وافر الجلالة. سمع من عبد الله بن رفاعة، وأبي الطاهر السلفيّ، وابن عساكر. وحدّث بحلب. روى عنه الموفّق ابن يعيش وغيره. وكتب إليه القاضي الفاضل الرسالة الذهبيّة، وقد وقف له على خطّ بسطور ذهب وهي (٢): وقف الخادم على ما دبّجته أنامل الحضرة التي إذا صاب سحابها روّض لساعته، وإذا عدمت حقيقة السحر فهي التي نفثها بيانه في روع يراعته، فانتقل من الاستحسان إلى التسبيح لأنّ حروفه شذور السبح، وخلص للتفضيل من الترجيع بأوّل ما صافح الطرف من الطرف، واللمح من اللمح،

стр. 1345

فتناول منها جنّة قد زخرفت بنار، وليلة قد وشّمت بنهار، وروضة قد سقيت بأنها [ر] عقار، وعارض ذهب [٤٢٩ ب] قد أذيب يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: ٤٣]، فتعالى من ألان لداود الحديد، ولها (١) الذهب، وأيقظ به جدّ هذه الصناعة بعد أن نام بين الأنام، فهبّ، وأعلم الناس أنّ القلم في يد ابن البوّاب (٢) للضرب لا للطرب، وأنّ قيمة كلّ منها ومنه ما به في هذه الصناعة كثب، وجلاها بتمام البدور، وأعطاه ما أعطى أباه من المحاق، وأخّر زمانها وقدّم زمانه ورزقها السبق وحرمة اللحاق: فمن ألفات ألفت همزات غصونها حمائم، ومن لا مات بعدها يحسدها المحبّ على عناق قدودها النواعم، ومن صادات نقعت غلل القلوب الصوادي والعيون الحوائم، ومن واوات ذكرت ما في حيّة الأصداغ من العطفات، ومن ميمات دنت الأفواه من ثغورها لتنال جنى الرشفات، ومن سينات كأنّها التباشير في تلك الثغور، ومن دالات على الطاعة لكاتبها بانح [ن] اء الظهور، ومن جيمات كالمناسر تصيد القلوب التي تخفق لروعات الاستحسان كالطيور. وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١]، وخالد فيها خالد (٣)، وتحييه فيها المحامد، ويده تضرب في ذهب ذائب والحلق تضرب في حديد بارد. فهي اليد التي تنظم تيجان الملوك بدرّها، وتظهر آية الكرم على قراطيسها لما تظهره من تبرها. وما كنت قبل يدها أحسب أنّ سحابا يمطر نضارا، ولا أنّ ماء يستمدّ (٤) نارا، ولا أنّ أقلامها سفكت دم المال فأجرته أنهارا، ولا قبل لحظها أنّ الشفق لا يشفق من طلوع الفجر، ولا أنّ لون اللوصل ينقضّ على لون الهجر، ولا أنّ الليل يتشبّت بعطف البرق فلا يريم، ولا أنّ ذهب الأصيل يجري به سواد الليل البهيم، ولا أنّ يدا كريمة تدّعي من آيات قلمها وكرمها أنّ الجلمود بها يقارن الجمود، وأنّ اليراعة تسترفد محلها (٥) على الظمأ فتشافه منهل النضارة المورود. وما كانت خطوط الفضلاء إلّا تجربة بين يدي تحريرها الآن، ولا أقلامها إلّا حطبا أو قدته علي الذهب فذاب لها ولان. ولا تحسب (٦) الخطّ إلّا بحبسها فغيّرت له أثواب الحداد، وجلت عرائس حروفه مضمّخة الأجساد بالجساد، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلّا في سواد، وسجد له والسجود فرضه لأنّه ثوب التيجان، وقبّله والتقبيل حقّه لأنّ الجفان تجاور منه حور الجنان. كيف لا يفضّل جوهرها بأن يفضّل، وتقابل حروفها بأن تقبّل، وقد كتب الناس باليد وكتب بالعين، وحصل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خفّي حنين، وفازت بما أظهرت من ثروتها للنطارس (٧) النضار، وصحّت لها الكيمياء لأنّه كتب بشطر دينار سطرا بألف دينار، وإنّ له في نهارها، بل في أنهارها «سبحا طويلا» (٨)، وإنّها على خفّة وزنها وقلّة أسطرها لتكلّف من الشكر ثقيلا. وكيف لا يخفّ ميزان الثناء على أنهار رجّحته بذائب ذهب، وكيف يضلّ وفد الشكر وقد هدته بذوائب لهب، وقد نشره وطواه حتى كاد أن يحلقه، وأسام فيه

стр. 1346

ناظرا لا يسأمه، فكان آخر ما يأمله أوّل ما رمقه، أمسى لافتتانه يعبد مذهبة على حرف أو على ورقة، وورده إذ ورده فازداد عطشا على كثرة العلّ والنهل، وأغشاه إذ أغشاه، وكثرة النور تعشي ناظر المقل. ١٣٥٢ - خالد بن مهاجر المهلّبيّ خالد بن مهاجر بن عبد الرحمن، المهلّبيّ، من أهل المهلّب، مولى بني الأعجم، من تجيب. يروي عن القاسم بن محمد. وعنه عبد الرحمن بن شريح، ونافع بن يزيد، وطلحة بن أبي سعيد. ١٣٥٣ - خالد بن ميمون الخولانيّ يحدّث عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكنانيّ (١). وعنه ابن لهيعة. ١٣٥٤ - خالد بن نجيح [- ٢٥٤] (٢) خالد بن نجيح، مولى بني كعب بن عديّ بن كعب، ثمّ لآل عمر بن الخطّاب ﵁. يكنّى أبا يحيى. منكر الحديث. روى عن حيوة بن شريح، وموسى بن علي، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، ومعاوية بن صالح. توفّي في شوّال سنة أربع [وخمسين] ومائتين. ١٣٥٥ - أبو يزيد الغسّانيّ [- ٢٢٢] (٣) خالد بن نزار بن المغيرة بن سليم [٤٣٠ أ]، أبو يزيد، الغسّانيّ، مولاهم، الأيليّ. يروي عن إبراهيم بن طهمان وغيره. توفّي سنة اثنتين وعشرين ومائت [ين]. ١٣٥٦ - خالد بن نعيم الحبشيّ خالد بن نعيم، المعافري، الحبشيّ، ينسب إلى حبش، بطن من حمير. حدّث عنه أبو قبيل (٤)، وكان فارس الناس يوم قاتل مروان بن الحكم أهل مصر، فشدّ على رجل وقتله ولبس لأمته ووقف ناحية، وإذا برجلين من أصحاب مروان قد اكتنفا رجلا من أهل مصر وهو يلوذ منهما. فشدّ عليهما فصرعهما، وقال للمصريّ: اركب أحد فرسيهما، فإذا انتهيت إلى البيوت فاقتحم أدنى جدار وجدته وخلّه.- ففعل. ١٣٥٧ - خالد بن نعيمان الأنصاريّ خالد بن نعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحرث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك ابن النجّار، الأنصاريّ. أبوه نعيمان من قدماء الصحابة (٥). وسأل ابنه خالد عمر ﵁ أن يحمله على بعير. روى عنه أبو قبيل. ١٣٥٨ - خالد بن وهب بن صغير الأندلسيّ [- ٣٠٢] (٦) مولى بني تيم. حدّث.

стр. 1347

١٣٥٩ - خالد بن يزيد الصدفي خالد بن يزيد بن أسيد بن هدبة بن الحرث، الصدفيّ. يحدّث عن أبيه. وعنه حيوة بن شريح، وخالد بن حميد (١). ١٣٦٠ - خالد بن يزيد بن دينار أبو الهيثم. كوفيّ قدم مصر. روى عنه الهيثم بن عديّ. وعنه سعيد بن كثير بن عفير. ١٣٦١ - خالد بن يزيد بن سهيل التجيبيّ [- ١٦٨] حكى عنه ابن وهب، ومسكين بن عبد الرحمن. توفّي في شوّال سنة ثمان وستّين ومائة. ١٣٦٢ - خالد بن يزيد الأيلي خالد بن يزيد بن عبد الله، أبو يزيد، الأيلي، مولى قريش. حدّث عنه موسى بن الحسن الكوفيّ. ١٣٦٣ - أبو الوليد الأيلي خالد بن يزيد بن محمد الأيلي، أبو الوليد. حدّث. ١٣٦٣/ ٢ - خديجة البعلبكيّة [- ٨٠٣] (٢) [٥٤٨ ب] خديجة بنت إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن سلطان، البعلبكيّة، الدمشقيّة. ولدت قبل سنة عشرين وسبعمائة وأحضرت على القاسم بن مظفّر بن عساكر فكانت آخر من حدّث عنه بالسماع. وأجاز لها أبو نصر ابن الشيرازيّ وإسحاق الآمديّ وآخرون. ومن أهل مصر الواني والدبّوسيّ وابن سيّد الناس، والقطب الحلبيّ، وعبد الله بن علي الصنهاجيّ وغيرهم. وحدّثت بكثير من مرويّاتها حتى ماتت سنة ثلاث وثمانمائة. ١٣٦٣/ ٣ - خديجة بنت أحمد ابن الحلبيّة [- ٧٧٩] (٣) [٥٤٨ أ] خديجة بنت أحمد بن الطنبا بن عبد الله، الحلبيّ ال [ ... ]، أمّ أحمد، بنت الشيخ الصالح المسند، شهاب الدين عرف بابن الحلبيّة. سمعت على العماد البالسيّ وابن مشرّف، والقاضي سليمان، وأبي بكر بن عبد الدائم، وجماعة. وحدّثت فسمع عليها الفضلاء. توفّيت في شهر رجب سنة [٥٤٨ ب] تسع وسبعين وسبعمائة، وكانت صالحة خيّرة. ١٣٦٣/ ٤ - خديجة بنت أحمد النويريّة [- ٧٧٧] [٥٤٨ أ] خديجة بنت أحمد بن عبد العزيز بن القاسم بن عبد الرحمن، أمّ الفضل، ابنة شهاب الدين النويري، القرشيّة، العقيليّة، المكيّة.

стр. 1348

أمّها وأمّ أخويها: قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن [أحمد] ونور الدين عليّ بن أحمد كماليّة ابنة قاضي القضاة نجم الدين محمد بن محمد الطبري المكّي. كانت من سروات (١) النساء دينا وعفّة وكرما وعبادة. وكانت تخلو عدّة ليال للعبادة وتلازم الذكر دائما، ولا ترغب فيما يميل إليه النساء. وكانت تكتب وتقرأ ولها فضائل، وتنظم الشعر الجيّد، وبينها وبين علماء عصرها وصلحائه مكاتبات، ولها نظم كثير منه قصيدة نبويّة أوّلها [الكامل]: حمل الغرام عليّ ما لا أحمل ... فرثى لحالي من يلوم ويعذل وكتبت إلى الشيخ بهاء الدين أحمد بن السبكي (٢) وقد أهدت له عقيدا وهي وهو سائران في رفقة من مكّة إلى المدينة النبويّة للزيارة [الوافر]: بعثت لكم بشيء من عقيد ... هديّته لقلّته فضيحة ولكن لنخبركم بأنّا ... عقيدة ودّنا فيكم صحيحة (٣) فأجابها بأبيات، منها [كامل]: بركات أمّ المؤمنين خديجة ... عمّت قوافلنا وفاض نداها ولها قصائد في النبيّ محمّد ... ستنال في الجنّات طيب جناها فالله يقبلها ويشكر سعيها ... ويدوم (٤) في طيب الهنا أخواها ويعزّ للإسلام هذا البيت إذ ... عمّت مكارمه وطاب حلاها توفّيت بمكّة سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وكانت صالحة عالمة. ١٣٦٣/ ٥ - خديجة الصالحيّة [- ٨٠٣] (٥) [٥٤٨ ب] خديجة بنت أبي بكر بن عليّ بن أبي بكر بن عبد الملك، الصالحيّ، الكوري. حدّثت عن محمد بن يوسف الحرانيّ وزينب بنت الكمال. ماتت في سنة ثلاث وثمانمائة. ١٣٦٣/ ٦ - خديجة الخليليّة [- ٨٠١] (٦) [٥٤٨ ب] خديجة بنت أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر بن يوسف بن مسعود بن سعد الله الخليليّة. حدّثت عن عبد الله ابن قيّم الضيائيّة. ماتت في أواخر سنة إحدى وثمانمائة.

стр. 1349

١٣٦٣/ ٧ - خديجة البالسيّة [- ٨٠٣] (١) [٥٤٨ ب] خديجة بنت نور الدين محمد بن أبي بكر بن محمد بن قوام، أمّ القاسم، البالسيّة ثمّ الصالحيّة. سمعت من زينب بنت الخبّاز. ماتت في سادس عشر شوّال سنة ثلاث وثمانمائة. ١٣٦٣/ ٨ - خديجة اليونينيّة [- ٨٠٠] (٢) [٥٤٨ ب] خديجة بنت تقيّ الدين محمد ابن الحافظ أبي الحسين، ابن الفقيه أبي عبد الله اليونينيّ. سمعت من ابن أبي السائب. وماتت قبل الثمانمائة تخمينا. ١٣٦٤ - الملك المسعود [- ٧٠٨] (٣) خضر بن بيبرس، الملك المسعود، نجم الدين، ابن الملك الظاهر ركن الدين البندقداريّ. وخرج مع أخيه الملك السعيد محمد بركة خان إلى الكرك. فلمّا [ما] ت السعيد اتّفق نائبه بالكرك، الأمير علاء الدين آي دغدي الحرّانيّ الظاهريّ ومن معه على إقامة الملك المسعود خضر مكان أخيه. فشرع من حوله في سوء التدبير، وحسّنوا له القيام. ففرّق الأموال، وانضمّ إليه كلّ من قطع رزقه. واستولى على الصلت (٤)، وبعث طائفة إلى صرخد فعجزوا عنها. وأتته العربان والطمّاعة من أطراف البلاد، فأخذوا منه شيئا كثيرا. وكاتب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب دمشق. فجرّد إليه الملك المنصور قلاوون الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم على عسكر. فلمّا بلغ المنصور قيام سنقر الأشقر بدمشق اشتغل به عن الملك المسعود، إلى أن تمّ الصلح بينه وبين سنقر. فبعث الملك المسعود رسله إلى المنصور وهو بدمشق في طلب الصلح والزيادة على الكرك، وأن يكون له ما كان للملك الناصر صلاح الدين داود الأيّوبيّ. فلم يجب المنصور إلى شيء من ذلك، وأبى إلّا أن يخرج من الكرك. فتردّدت الرسل بينهما إلى أن تقرّر الصلح بينهما على أن يقرّ بيده الكرك وأعمالها من حدّ الموجب إلى الحسا (٥)، وأن يجهّز إليه إخوته الذكور والإناث وتردّ عليهم الأملاك والأوقاف الظاهريّة. وحلف المنصور على ذلك. وتوجّه إليه الأمير بدر الدين بيليك المحسنيّ السلاح دار والقاضي تاج الدين أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير وحلّفاه. وكوتب من ديوان الإنشاء كما يكاتب صاحب حماة، وتمّ الصلح ونودي بذلك في دمشق. فلم يزل الحال جميلا إلى أن دخلت سنة اثنتين وثمانين [وستّمائة] فبلغ الملك المنصور أنّ الأمراء بالكرك نقضوا ما تقرّر من الصلح. وقدم الأميرعلاء الدين آي دغدي الحرّانيّ نائب الملك المسعود، وبلّغ السلطان ما غيّره. فكتب إلى المسعود ينهاه فلم ينته. فجرّد إليه الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ على عسكر في المحرّم سنة ثلاث وثمانين، ونزل على الكرك ورعى زرعها ثمّ عاد عنها.

стр. 1350

فلمّا كان في المحرّم سنة خمس وثمانين وستّمائة خرج عسكر من القاهرة عليه الأمير حسام [الدين] طرنطاي نائب السلطنة بمصر والتقى مع الأمير بدر الصوابيّ بجيش دمشق فنازلها وقطع [٤٣٠ ب] الميرة عنها، وأرسل [إلى] أهل الكرك حتّى استمالهم إليه. فلم يجد المسعود بدّا من طلب الأمان، فبعث السلطان إليه أمانا. فنزل إلى الأمير طرنطاي ومعه أخوه سلامش في يوم الثلاثاء خامس صفر وسلّمه الكرك. فرحل بهما إلى القاهرة وبجميع عيالهما، وخرج السلطان إلى لقائهم في ثاني عشر ربيع الأوّل، وأكرم المسعود وسلامش وأعطى كلّا منهما إمرة مائة فارس، وصارا يركبان معه في الموكب والميدان بمنزلة أولاده. ثمّ بلغه عنهما تنكّر له فقبضهما واعتقلهما. فأقاما في الاعتقال إلى أن أخرجهما الملك الأشرف خليل بن قلاوون في أوّل سنة تسعين وستّمائة [فأرسلهما] ومعهما أمّهما إلى الإسكندريّة مع الأمير عزّ الدين أيبك الموصليّ الأستادار، فسفّرهم من الإسكندريّة في البحر الملح إلى مدينة القسطنطينيّة فأحسن إليهم الأشكريّ (١) ملك الروم بها وأجرى لهم ما يقوم بحالهم، إلى أن تسلطن الملك المنصور لاجين فبعث في طلبهم فحملهم الأشكري في البحر إلى الإسكندريّة، وقد مات الملك العادل سلامش (٢) وحمل مصبّرا [في تابوت] ودخل خضر إلى القاهرة في أوائل سنة سبع وتسعين وستّمائة. فأكرمه الملك المنصور ودفن أخاه بالقرافة، ثمّ جهّزه إلى مكّة بجميع ما يحتاج إليه. فقضى حجّه وعاد في سنة ثمان وتسعين فسكن القاهرة. فلمّا قتل لاجين قبض عليه وأسكن في برج بالقلعة إلى أن أفرج عنه في ربيع الأوّل سنة ثمان وسبعمائة، فسكن بدار الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم بمدينة مصر قليلا ومات خامس شهر رجب منها. ١٣٦٥ - الخضر المهرانيّ شيخ الظاهر بيبرس [- ٦٧٦] (٣) الخضر بن أبي بكر بن موسى، أبو العبّاس، المهرانيّ، العدويّ، شيخ الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ. قدم من جبال الأكراد، وأصله من قرية يقال لها المحمّديّة من أعمال جزيرة ابن عمر. ونزل بجبل المزّة خارج دمشق، فعرفه الأمير سيف الدين قشتمر العجميّ وتردّد إليه. فقال له: لا بدّ أن يتسلطن الأمير بيبرس البندقداريّ- فأخبر البندقداريّ بذلك، فاعتقده وتردّد إليه. فلمّا تسلطن بعد قتل المظفّر قطز، صار له فيه عقيدة عظيمة، وقرّبه وأدناه وبنى له زاوية بجبل المزّة، وزاوية بظاهر بعلبك، وزاوية بحماه، وزاوية بحمص، وزاوية خارج القاهرة بخطّ زقاق الكحل، ووقف عليها أحكارا [يجيء منها] في السنة ثلاثون ألف درهم، وجعل لجميع هذه الزوايا أوقافا دارّة. وكان ينزل إليه ويزوره في الأسبوع مرّة ومرّتين وثلاثا على قدر ما يتّفق، ويطلعه على غوامض أسراره ويستشيره في أموره ولا يخرج عن رأيه ويستصحبه في سائر أسفاره وغزواته. وفي ذلك يقول الشريف شرف الدين [محمد] بن رضوان الناسخ [الكامل]:

стр. 1351

ما الظاهر السلطان إلّا مالك ال ... دنيا: بذاك لنا الملاحم تخبر ولنا دليل واضح كالشمس في ... وسط السماء لكلّ عين تنظر: لمّا رأينا الخضر يقدم جيشه ... أبدا، علمنا أنّه الإسكندر وكان يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها فتقع على ما يخبر به. فلمّا حاصر الملك الظاهر أرسوف- وهي من أوائل فتوحاته- سأله متى تؤخذ؟ - فعيّن له اليوم الذي تؤخذ فيه فوافق. وكذلك في قيساريّة وصفد. ولمّا عاد الظاهر من دمشق إلى جهة الكرك سنة خمس وستّين وستّمائة، استشاره في قصده. فأشار عليه أن لا يقصده وأن يتوجّه إلى الديار المصريّة. فلم يوافق قوله غرضه، فخالفه وقصده. فلمّا كان ببركة زيزاء (١) تقطّر فانكسرت فخذه وأقام مكانه أيّاما كثيرة، ثمّ حمل في محفّة إلى غزّة، ثمّ إلى الديار المصريّة على أعناق الرجال. ولمّا قصد الظاهر منازلة حصن الأكراد ومحاصرته اجتاز الشيخ خضر ببعلبك ونزل [٤٣١ أ] بالزاوية التي عمّرت له بظاهرها، وخرج نوّاب السلطنة وبعض أهل البلد إلى خدمته. قال [ابن] اليونيني: وكنت فيمن خرج. فسمعت كمال الدين إبراهيم بن شيت يسأله عن أخذ حصن الأكراد فقال ما معناه: تؤخذ في مدّة أربعين يوما- أو قال: قلت لابني- يشير إلى الملك الظاهر- إنّك تأخذه في أربعين يوما. فوافق ذلك وأخذه في مدّة أربعين يوما. ولمّا توجّه الملك الظاهر إلى الروم، سأل الشيخ خضر بعض أصحابه عمّا يتمّ للملك الظاهر فأخبر بأنّه يظفر ثمّ يعود إلى دمشق ويموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما- فاتّفق ذلك. فلهذا وأشباهه تمكّن من السلطان حتّى أطلق يده وصرّفه في مملكته، يحكم ولا يحكم عليه ولا يخالف أمره في جليل ولا حقير. فاتّقى جانبه الخاصّ والعامّ، حتّى الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة، والصاحب بهاء الدين عليّ بن حنّا، وملوك الأطراف، وملوك الفرنج وغيرهم. وكان يكتب إلى صاحب حماة وجميع الأمراء إذا طلب حاجة: الشيخ خضر نيّاك الحمارة. وهدم بدمشق كنيسة اليهود ونهبها. وكان فيها من الآلات والفرش ما لا يعبّر عنه، وصيّرها مسجدا، وبنى بها المحاريب، وعملها سماعا (٢)، ومدّ بها سماطا. ودخل كنيسة الإسكندريّة، وهي معظّمة عند النصارى ويعدّونها كرسيّا من كراسيّهم ويعتقدون فيها البركة ويزعمون أنّ رأس يحيى بن زكريا فيها وهم يسمّونه يحيى المعمداني، فنهبها وصيّرها مسجدا وسمّاها المدرسة الخضراء وأنفق في تعميرها من بيت المال مالا كثيرا. وهدم بالقدس كنيسة النصارى المعروفة بالمصلّبة، وهي جليلة عندهم، وقتل قسّيسها بيده وعملها زاوية. وكان ربع القامة كثّ اللحية يتعمّم عشراوي (٣)، وفي لسانه عجمة. وكان واسع الصدر كريم الشمائل يعطي ويفرّق الدراهم والذهب ويعمل الأطعمة الفاخرة في قدور مفرطة

стр. 1352

في الكبر بحيث يحمل القدر الواحدة الجماعة من الحمّالين. وكانت أحواله عجيبة لا تكيّف ولا تنتظم والأقوال فيه مختلفة: فمن الناس من أثبت صلاحه، ومنهم من رماه بالعظائم [والله أعلم بحقيقة حاله]. وما برح على ذلك إلى ثاني عشر شوّال سنة إحدى وسبعين وستّمائة. فبعث إليه الملك الظاهر الأمير قشتمر العجميّ لإحضاره. فلمّا طلبه للحضور إلى القلعة أنكر ذلك لأنّه لم يكن له به عادة. فعرّفه ما هم فيه فحضر معه. فلمّا دخل لم يجد ما يعهده، وكان السلطان قد تغيّر عليه، وأحضر من دمشق من أصحابه من يحاقفه على أمور نقلت إليه ويقابله عليها. وقد قعد وعنده من أكابر الأمراء فارس الدين الأتابك، وبدر الدين بيسريّ، وسيف الدين قلاوون. فقعد الشيخ خضر منتبذا منهم. فأحضر السلطان الذين أحضرهم من أصحابه من دمشق. فشرعوا في القول ونسبوه إلى قبائح من الزنا واللواط، ورموه بأمور عظيمة لا تكاد تصدر من مسلم. فقال: ما أعرف ما تقولونه. ومع هذا فأنا ما قلت لكم إنّي رجل صالح. فأنتم قلتم هذا. فإن كان ما يقول هؤلاء صحيحا فأنتم كذبتم. فقام السلطان ومن معه من عنده وقالوا: قوموا بنا لا نحترق بمجاورته! - وتحوّلوا إلى طرف الإيوان بعيدا منه. فقال السلطان: إيش رأيكم في أمره؟ فقال الأتابك: هذا مطّلع على أسرار الدولة وبواطن أحوالها وما ينبغي إبقاؤه في الوجود، فإنّه لا يؤمن أن يصدر منه ما لا يمكن تلافيه. فوافقه الحاضرون على ذلك، وقالوا: ببعض ما قد قيل عنه يباح دمه. ففهم ما هم فيه. فقال للسلطان: اسمع ما أقول لك: أنا أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك مدّة أيّام يسيرة، من مات لحقه صاحبه عن قريب. فوجم السلطان لذلك وقال للأمراء: ما ترون في هذا؟ فلم يقل أحد منهم شيئا. فقال: هذا يحبس في موضع لا يسمع له فيه حديث فيكون [٤٣١ ب] مثل من قد قبر وهو حيّ. فقالوا: الذي رآه مولانا السلطان. فحبسه في مكان مفرد بقلعة الجبل. ولم يمكّن أحدا من الدخول إليه إلّا من يثق به السلطان غاية الوثوق. ويدخل إليه بالأطعمة الفاخرة والأشربة والفواكه، والملابس تغيّر عليه كلّ وقت. وكان حبسه في ثاني عشر شوّال المذكور [سنة إحدى وسبعين وستّمائة]. فلم يزل في سجنه على ذلك إلى أن خرج السلطان لأخذ بلاد الروم في العشرين من شهر رمضان سنة خمس وسبعين وتركه محبوسا. فمات يوم الخميس سادس المحرّم سنة ستّ وسبعين وستّمائة. وأخرج يوم الجمعة من سجنه بقلعة الجبل ميّتا، فسلّم إلى أهله فحملوه إلى زاويته خارج باب الفتوح بخطّ زقاق الكحل قريبا من الجامع الظاهريّ. فغسّل بها، وقد نيّف على خمسين سنة. واتّفق أنّ السلطان لمّا عاد من بلاد الروم كتب بالإفراج عنه وجهّزه على البريد، فوصل البريد بعد موته. ولم يعش السلطان بعده سوى عشرين يوما ومات في سابع عشرين محرّم المذكور، فكان كما قال الشيخ خضر. ويقال إنّ سبب تغيّر السلطان عليه مع ما تقدّم ذكره أنّه أعطاه من تحف قدمت عليه من اليمن

стр. 1353

كرّا (١) يمانيّا مليحا إلى الغاية فدفعه الشيخ خضر لشابّ أمرد، فبلغ ذلك الأمير بدر الدين بيليك النائب، وكان قد ثقل عليه أمر الشيخ خضر لكثرة تسلّطه حتى لقد قال له مرّة بحضرة السلطان: كأنّك تشفق على السلطان وعلى أولاده مثلما فعل قطز بأولاد المعزّ أيبك؟ - فأسرّها النائب في نفسه، وعرّف السلطان خبر الكرّ. وقال الشهاب أحمد بن يحيى بن فضل الله كاتب السرّ: حكى لي والدي قال: كان الشيخ خضر عظيم المكانة عند الملك الظاهر لا يخالفه في شيء. وكان جريئا باللسان واليد إلى غاية، فضاق منه الوزير بهاء الدين عليّ بن حنّا ضيقا عظيما ولم يجد له سبيلا إلى إبعاده. فشرع في التحيّل عليه. وكانت بدمشق امرأة تعرف ببنت ابن نظيف بارعة في الحسن خالية من الزوج محبّة لأهل الخير. فأتى الشيخ خضر دمشق في بعض أسفاره، فسمعت به وبعثت إليه بأنواع من المأكل، ثمّ دعته إلى دار لها لضيافة عملتها له. فجاءها وأقام عندها أيّاما في مآكل وأوقات طيّبة لا ريبة فيها. فبلغ ذلك ابن حنّا فجعله سلّما إلى ما يريد، تسلّق منه على الشيخ خضر. وذلك أنّه خلّى ابن ابنه تاج الدين تزوّج بالمرأة وأبقاها في عصمته مدّة طويلة وحملها بالرغبة والرهبة على ما تقوله في الشيخ خضر، ثمّ طلّقها سرّا. وتحيّل جدّه على الملك الظاهر حتّى ألقى في أذنه أنّ الشيخ خضر يشرب الخمر ويزني، وأنّه كان قد أحبّ امرأة من بنات ابن نظيف وأفسدها، وأنّتاج الدين تزوّجها ثمّ لم ينته عنها الشيخ خضر وبقي يأتيها، فطلّقها، وأنّها لو سئلت لأخبرت بالخبر. فبعث الظاهر إلى نائبه بدمشق في ذلك فأحضر المرأة وسألها وهي لا تعلم بتطليق تاج الدين لها، فقالت ما قرّر معها أن تقوله. فكتب بذلك إلى الظاهر. ثمّ أضيف إلى الشيخ خضر أقوال أخر ورتّبت له ذنوب لم تكن، وكان منه ما كان. وقد رأيت أنا في أوراق عمّي ﵀ يعني شرف الدين عبد الوهّاب (٢) ابن فضل الله كاتب السرّ- نسخة المطالعة التي كتبت في ذلك، وفيها عظائم وممّا قيل فيها: وهذه المرأة باقية في عصمة الصاحب تاج الدين- لأنّهم لم يكونوا علموا بإيقاع الطلاق عليها-. وقال فيه الشهاب ابن فضل الله: قدم من جبال الأكراد، وورد الحياض وراد، فاستخصب المرعى واستنجب المسعى، وتأكّدت له بالملك الظاهر صحبة نفعته لديه، ورفعته عند إفضاء الملك إليه، وحمد به زمانه النضر، وكان [ا] الملك الإسكندر والشيخ الخضر، ووسائله مقبولة، ورسائله للمصائد أحبولة، والأيّام معه، والأنام لدعوته مستمعة، حتى هبّت له بنكباء البأساء، ودبّت إليه دبيب ظلماء المساء، وأنبتت له من الوزراء الظاهريّة أصلالا أراقم، وأسقاما [٤٣٢ أ] داؤها متفاقم، وكان قد ثقلت عليهم شفاعاته، ونقلت إليهم شناعاته، وما زالوا به حتى أخرجوا خبأه، وأسمعوا منه أيّ نبأة، وأحضرت امرأة تعرف ببنت ابن نظيف فقالت فيه كلاما، وقادت إليه ملاما، فحمل إلى قلعة الجبل (٣)، واعتقل حتى هيّئ له بيته في المقابر ونقل، إلّا أنّه مات غير مخترم [وتاب و] لم ير غير مبجّل محترم. وكان موته بدنّو أجل الملك الظاهر منذرا، وكان قد أنذره به وكان منه حذرا.

стр. 1354

١٣٦٦ - قاضي القضاة برهان الدين السنجاريّ [٦١٠ - ٦٨٦] (١) خضر بن الحسن بن علي بن خضر [ ... ]، الوزير الصاحب، قاضي القضاة، برهان الدين، السنجاريّ، الزرزاريّ، الشافعيّ. ولد في سنة عشر وستّمائة. فلمّا مات الصاحب بهاء الدين علي ابن حنّا، فوّض إليه الملك السعيد بركة ابن الظاهر الوزارة في [ ... ] سنة سبع وسبعين وستّمائة. وكانت بينه وبين [ابن] حنّا عداوة ظاهرة وأحقاد باطنة. فبلغ من التمكّن في أولاده وأحواله ما كان يؤمّله. ولم يزل في الوزارة إلى أن عزله الملك المنصور قلاوون في يوم الجمعة آخر شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وستّمائة، وقبض عليه وعلى ولده شمس الدين عيسى، وأخذت خيولهما وتسلّمها الأمير سنجر الشجاعيّ. وتتبّع أسبابهما وحواشيهما وألزمهما بمال. فحمل مائتي ألف وستّة وثلاثين ألف درهم. ثمّ أفرج عنه فلزم مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر الدين بالقرافة، إلى أن أعيد في أوّل شهر رجب إلى الوزارة بعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان. فباشر الوزارة مرّة ثانية. وقبض عليه وعلى ولده في ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين فاعتقلا بالقلعة على مال، ثمّ خلّي عنهما. ولزم داره إلى عاشر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين. [ف] فوّض إليه النظر والتدريس بالمدرسة الناصريّة من القرافة بجوار قبّة الإمام الشافعيّ رحمة الله عليه. ورسم له بالمعلوم والجراية على ما في كتاب الوقف الصلاحيّ وهو: عن معلوم التدريس في كلّ شهر مبلغ أربعين دينارا معاملة، صرف كلّ دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم. وعن النظر عشرة دنانير، والجراية والمرسوم في كلّ يوم من الخبز ستّون رطلا مصريّا (٢) وراويتان من ماء النيل. وكانت هذه المدرسة قد خلت من مدرّس مدّة ثلاثين سنة واكتفي فيها بالمعيدين وهم عشرة. واستمرّ الحال على هذا إلى سنة ثمان وسبعين وستّمائة، فولي تدريسها الشيخ تقيّ الدين محمد بن رزين بعد عزله عن القضاء وقرّر له نصفالمعلوم. ثمّ وليها بعده تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد بربع المعلوم، فباشرها إلى أن استقرّ الصاحب برهان الدين السنجاريّ. فلمّا مات بهاء الدين يوسف ابن يحيى ابن الرقّيّ، قاضي القضاة الشافعيّ بدمشق، رسم الملك المنصور قلاوون بتعيين قاض عوضه، فعيّن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد الخوييّ قاضي القاهرة نائبه بالشرقية شرف الدين محمد بن عتيق، وأحضره. فسعى قاضي القضاة تقيّ الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعزّ قاضي مصر أن ينتقل شهاب الدين الخويّيّ من قضاء القاهرة إلى قضاء دمشق، وأن يضاف إليه موضعه من قضاء القاهرة ليجتمع له قضاء القضاة بديار مصر كلّها. فلمّا حضر الخوييّ بقلعة الجبل ومعه ابن عتيق ليلي قضاء دمشق، وقد حضر ابن بنت الأعزّ، وفي ظنّه أنّه يستقرّ في قضاء القاهرة وينتقل الخوييّ إلى قضاء دمشق، استدعى السلطان البرهان السنجاريّ وخلع عليه وفوّض إليه قضاء القاهرة عوضا عن

стр. 1355

الخوييّ. وخلع على الخوييّ واستقرّ به في قضاء دمشق، وذلك في يوم الأحد خامس عشر المحرّم سنة ستّ وثمانين وستّمائة. ورسم له أن يجلس بدار العدل فوق ابن بنت الأعزّ. فباشر الحكم وسكن بالمدرسة المنصوريّة بين القصرين. فلم تطل أيّامه ومات بعد أربعة وعشرين يوما في تاسع صفر سنة ستّ وثمانين وستّمائة. فاستقرّ في قضاء القاهرة بعده ابن بنت الأعزّ، وحضر جنازته بالخلعة وصلّى عليه، ودفن بمدرسة أخيه من القرافة. ١٣٦٧ - الزّين خضر كاتب الدست [٧١٠ - ٧٥٦] (١) خضر بن محمد بن خضر بن عبد الرحمن بن سليمان بن عليّ [٤٣٢ ب]، زين الدين، ابن تاج الدين، ابن زين الدين، ابن جمال الدين، ابن علم الدين، ابن نور الدين، عرف بالزين خضر، المصريّ، كاتب الدست. ولد ليلة الأحد رابع ذي الحجّة سنة عشر وسبعمائة. ختم القرآن وهو صغير. وسمع صحيح البخاريّ على الحجّار، وستّ الوزراء. وأخذ النحو عن ابن المرحّل، وحفظ ألفيتي ابن مالك وابن معط. وبحث مقرّب ابن عصفور وصناعة الكتاب لابن النحّاس، وحفظ عروض ابن الحاجب وقصيدة ابن مالك في الفرق بين الظاء والضاد، وشدا شيئا من الفقه على مذهب الشافعيّ. ودخل دار العدل في سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة عوضا عن أبيه بحكم انتقاله لكتابة السرّ بحلب. وكتب الإنشاء فأبان عن اقتدار وسرعة بحيث إنّه كان يكتب من رأس قلمه التواقيع والمناشير بديها من غير رويّة. فاعتمد عليه القاضي علاء الدين علي بن يحيى بن فضل الله كاتب السرّ وأجلسه بين يديه ينفّذ المهمّات السلطانيّة، فقلّ ما رؤي مثله في الصبر على كتابة الأشغال الديوانيّة. ولم يزل على ذلك حتّى مات في ربيع الآخر (٢) سنة ستّ وخمسين [وسبعمائة]. ١٣٦٨ - أبو المغيرة القرمونيّ [٢٩٤ - ٣٧٢] (٣) خطّاب بن مسلمة بن محمد بن سعيد بن بتريّ بن إسماعيل بن سليمان بن منتقم بن إسماعيل بن عبد الله، أبو المغيرة، الإياديّ، القرمونيّ، من أهلها. سكن قرطبة وسمع من محمد بن عمر بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وأحمد بن خالد، وعثمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن يونس، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ. ورحل فحجّ سنة اثنتين وثلاثين [وثلاثمائة] هو ومحمد بن إسحاق بن السليم. فسمع بمكّة من ابن الأعرابيّ، وبمصر من أحمد بن مسعود الزنبريّ، وأحمد بن بهزاد الفارسيّ، وأبي جعفر أحمد بن محمد بن النحّاس، وعبد الله بن جعفر بن الورد البغداديّ، ومحمد بن أيّوب الصموت، وغيرهم. وكان من الأبدال. [قال فيه محمد بن إسحاق بن السليم] (٤):

стр. 1356

كان حافظا للرأي، بصيرا بالنحو الغريب، نبيلا. سمعت منه أكثر روايته، وسمع منه الناس كثيرا. ولد سنة أربع وتسعين ومائتين، وتوفّي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شوّال سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة بقرطبة. وشهدت جنازته (١). ١٣٦٩ - خلصة بن موسى بن عمران الرييّ الزاهد [- ٣٧٦] (٢) أصله من ريّة من كور الأندلس، وسكن قرطبة. وكان مشهورا بالخير. وحجّ مرّة. ورجع إلى قرطبة فمات بها في رجب سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة. وكانت جنازته حافلة جدّا. ١٣٧٠ - ابن الحصّار القرطبيّ المقرئ [٤٢٧ - ٥١١] (٣) خلف بن إبراهيم بن [خلف بن] سعيد، العلّامة أبو القاسم ابن النحّاس، القرطبيّ، الحصّار، المقرئ، خطيب قرطبة. رحل وحجّ فقرأ بمكّة على أبي معشر عبد الكريم الطبريّ. وبمصر على نصر بن عبد العزيز الشيرازيّ. وروى عن [صهره] أبي القاسم بن عبد الوهّاب المقرئ، ومحمد بن عابد، وحاتم بن محمد، وكريمة المروزيّة، وعدّة. وعاد إلى قرطبة. وطال عمره وبعد صيته. وكان مدار الإقراء عليه بقرطبة. قرأ عليه أبو عبد المنعم يحيى ابن الحلوانيّ الغرناطيّ، ويحيى بن سعدون القرطبيّ وجماعة. قال ابن بشكوال: كان ثقة صدوقا بليغ الموعظة فصيح اللسان حسن البيان جميل المنظر والملبس فكه المجلس. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة ومات في صفر سنة إحدى عشرة وخمسمائة. ١٣٧١ - أبو القاسم ابن خاقان المقرئ [- ٤٠٢] (٤) خلف بن إبراهيم بن محمد بن خضر بن خاقان، أبو القاسم، المصريّ، المقرئ، أحد الحذّاق في قراءة ورش. قرأ على أحمد بن أسامة التجيبيّ، وأحمد بن محمد بن أبي الرجاء، ومحمد بن عبد الله المعافريّ، وأبي سلمة الحمزاويّ. وسمع من عبد الله بن جعفر ابن الورد، وأحمد بن الحسن الرازيّ، وابن أبي الموت، وجماعة. قال أبو عمرو الدانيّ: كان ضابطا لقراءة ورش، متقنا لها، مجوّدا، مشهورا بالفضل والنسك، واسع الرواية، صادق اللهجة. كتبنا عنه الكثير من القراءات والحديث والفقه. سمعته يقول: «كتبت العلم ثلاثين سنة». وذهب بصره ثمّ عاد إليه. وكان يؤمّ بمسجد. مات بمصر سنة اثنتين وأربعمائة، وهو في عشر الثمانين. ١٣٧٢ - أبو القاسم الحوفيّ [- ٤٥٥] خلف [٤٣٣ أ] بن أحمد بن الفضل بن جعفر بن يعقوب بن إبراهيم، أبو القاسم، التميميّ، الحوفيّ.

стр. 1357

سمع من عبد الغنيّ بن سعيد وغيره. مات سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ١٣٧٣ - خلف بن خير [- ٣٦٤] (١) أحد ثوّار المغرب. صعد في بني هراش (٢) إلى قلعة منيعة واجتمع إليه خلق كثير من قبائل البربر. فزحف إليه أبو الفتوح يوسف بن زيري بن مناد خليفة المعزّ على إفريقيّة وبلاد المغرب في عساكر عظيمة ونزل عليه فقاتله أربعة أيّام فمات من الطرفين خلق عظيم حتى أخذ القلعة في يوم الأربعاء عاشر شعبان سنة أربع وستّين وثلاثمائة ودخلت إليه خيله وقد فرّ خلق. فقتل فيها من الخلق ما لا يحصى عددهم وبعث منها سبعة آلاف رأس طيف بها في القيروان. ثمّ حمل منها إلى مصر عدد كبير طيف به في القاهرة وغنم أصحاب أبي الفتوح ما كان بالقلعة. ووصل خلف إلى بلاد كتامة فقبضوا عليه وعلى ابنه وأخيه وخمسة من بني عمّه وحملوهم إلى أبي الفتوح فبعث بهم إلى مدينة القيروان فشهّروا بالمنصوريّة يوم الانين لخمس خلون من شهر رمضان ثمّ قتلوا وصلبوا وحملت رءوسهم إلى مصر فطيف بها في القاهرة في شوّال، فلذلك ذكرت خلفا هذا، وهو من شرط هذا الكتاب (٣). ١٣٧٣/ ٢ - خلف ملك التجّار [٧٩٠ - ] (٤) [٥٤٩ أ] خلف بن حسن بن مهيوب بن ناصر بن مقدّم، القحطانيّ، ملك التجّار، القائم بدولة السلطان شهاب الدين أبي المغازي أحمد شاه متملّك كلبرجة (٥) وغيرها من بلاد الهند. ولد في حدود سنة تسعين وسبعمائة بحصن القرمطيّ من الأحساء- وهي هجر- ونشأ في كفالة أبيه، وكان من شيوخها. فلمّا بلغ مبالغ الرجال مضى إلى جزيرة هرمز بفرسين ربّاهما حتى صارا من عتاق الخيل، واستدان ما اشترى به معهما أربعة أفراس أخر، وعبر البحر إلى كلبرجة من بلاد الهند، فاشتراها منه الفقيه شمس الدين محمد الميمونيّ وهو يومئذ القائم بأمر الدولة، وتوسّم فيه النجابة فدفع إليه أربعة آلاف تنكة (٦) ليشتري له بها خيلا. فمضى إلى هرمز وعاد فابتاع اثني عشر فرسا ورجع إلى كلبرجة بها وبما اشتراه لنفسه، فوجد الميموني قد مات. فأخذها منه نور الدين عليّ ابن الفقيه شمس الدين محمد الميمونيّ [ ... ] وهو يومئذ رئيس كلبرجة بعد أبيه على سعر ألف تنكة رابح (٧) كلّ فرس، وقدّمها نور الدين إلى السلطان

стр. 1358

فيروز شاه ومطل بثمنها خلفا، ثمّ أبى أن يعطيه إلّا من حساب كلّ فرس سبعمائة وخمسين تنكة رابح. فوقع ما بينهما وتشاجرا. ولم يكن لخلف به طاقة فترامى على الخان أحمد المكنّى بأبي المغازي وشكا إليه حاله مع نور الدين فرحّب به ووعده بالقيام معه. فلازمه خلف يتردّد إليه حتّىعرّف الخان أحمد أخاه السلطان فيروز شاه (١) بأمره وتعصّب له بحيث قال للخان: كيف يحلّ لك أن تغزو الكفّار على خيل تاجر لم يأخذ ثمنها؟ فدافع السلطان عن نور الدين وطلب من يشهد بما كان بينه وبين خلف، فأعلمه الخان بأنّ السيّد الشريف طعمة ابن أبي القاسم ابن الرضيّ الحسينيّ كان بينهما في ذلك فرضيه واستدعاه ليخبره الخبر فترامى نور الدين على ملك التجّار يومئذ- ويقال له: بايزيد- فطلب السيّد طعمة وقرّر معه أن لا يشهد بينهما إلّا بأنّ الفرس بسبعمائة وخمسين تنكة وأنّه متى يشهد بغير ذلك تغيّر خاطره عليه. فلمّا دخل على السلطان والخان أبو المغازي قائم في الخدمة بين يديه، ونور الدين وملك التجّار أيضا قائمان في الخدمة سأله السلطان عمّا كان بين نور الدين وخلف، فقال: كنت حاضرا وقد طلب نور الدين خلفا، فلمّا جاء توسّطت بينهما على سعر ثمانمائة وخمسين تنكة كلّ فرس فلم يرض خلف بذلك وخرج من بيت نور الدين. فقال السلطان لنور الدين: إذا كان السيّد قد شهد بأنّ خلفا لم يرض بسعر ثمانمائة تنكة كلّ فرس كيف يكون قد أخذ على سعر سبعمائة وخمسين؟ وأمره أن يدفع إلى خلف ثمن خيله على سعر ألف تنكة الفرس. فشقّ ذلك على ملك التجّار وخجل خجلا ما فوقه خجل من أجل أنّه كان قد قرّر مع السلطان فيروز شاه أنّ أخاه أحمد خان كذب وأنّ السيّد طعمة ما يشهد إلّا على سعر سبعمائة وخمسين. فلمّا انفضّوا من الخدمة السلطانيّة قبّل الخان أحمد ما بين عيني السيد طعمة وشكره وأثنى عليه. فتنكّر الملك (٢) بايزيد على السيّد طعمة وقطع له سبعة آلاف تنكة كانت له عنده، فلم يمهل بعد ذلك إلّا نحو سنة حتى مات، فأخذ الخان للسيّد ذلك من تركته. وتقدّم السلطان فيروز شاه إلى الخان أحمد بأن يكون خلف يجلب الخيل للسلطان، فامتثل ذلك وبعث به إلى جزيرة هرمز ليأتيه بالخيول العربيّة، وأرسل صحبته خادما له يقال له مبارز وكتب إلى صاحب مهايم (٣) يأمره بخدمته ويوصيه به فلم يعبأ بذلك وحمله في مركب إلى هرمز فاستخفّ أهل المركب به وألقوا بعض متاعه في البحر. فلمّا وصل بندر هرمز واشترى ما أراد من الخيل وركب البحر ومضى في البحر نحو يوم انفتح المركب فعاد إلى هرمز وأقام بالبندر نحو خمسة عشر يوما. ثمّ سار في مركب آخر حتّى أرسى على بندر مهايم وطلب من أهلها ما رماه صبيانهم من قماشه فغاضبوه ونالوا منه فمضى عنهم إلى كلبرجة وقاد الخيل إلى السلطان فيروز شاه فأعجب بها إعجابا كثيرا وثمّنها له بثلاثة وأربعين ألف تنكة رابح. فاتّفق [أن] تحدّث وزراء السلطان فيروز معه

стр. 1359

في الخان أحمد حتى تغيّر عليه كما تقدّم في ترجمته (١). فلمّا خرج الخان أحمد من كلبرجة سار خلف معه إلى ظاهر المدينة فأمره بالعود فلم يفعل وقال: لا أبرح في خدمتك. فقال له: أنت رجل تاجر، ما عليك من هذا الأمر. ادخل وخذ مالك الذي بالديوان- يعني ثمن الخيل الذي تقدّم ذكره. فقال خلف: أنا ومالي فداء رأسك، إن شاء الله (تع) بسعادتك آخذ مالي من خزانتك- يريد أنّه يأخذ السلطنة- فألحّ عليه الخان في العود عنه إلى المدينة وهو لا يقبل، ثمّ سار معه وترك زوجته وجواريه وعبيده ومتاعه، فحظي بذلك عند الخان، ووعده إن أظفره الله ليجعلنّه ملك التجّار ولا ي [تغ] يّر عليه أبدا ويكون أعزّ الناس عنده. فقدّر الله (تع) بأنّه تسلطن [٥٥٠ أ] كما ذكر في ترجمته (٢)، فوفّى له بما عاهده عليه ووعده به وجعله ملك التجّار فصار في اليوم إنّما يقال له: الملك خلف وحمل إليه ثمن خيله وأضعف له أثمانها ثلاثة أمثالها ومبلغه مائة ألف [و] تسعة وعشرون ألف تنكة رابح عنها ثلاثة لكوك (٣) تنكة، وأنعم عليه بجواري السلطان فيروز شاه اللاتي كنّ عنده أعزّ من زوجاته، وكتب له مرسوما بإسقاط العشور عن جميع ما هو له وينسب إليه وأقطعه أربعين بلدا وقفها عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده وعقبه ونسله. ويتحصّل من هذه البلاد في كلّ سنة أربعون ألف تنكة رابح وفوّض إليهأن يفعل جميع ما يرى فيه المصلحة. ولم يتّفق ذلك لأحد سواه، فصار يقتل ويصلب وينهب بغير مراجعة السلطان. فلما استقرّ أمره تذكّر ما فعله به أهل مهايم فبعث إليهم مرسوم السلطان بأن يقوّموا له ثمن قماشه فدفعوا إليه أربع مراكب ثمنها عشرون ألف تنكة رابح وأهدوا إليه هديّة بنحو ثلاثين ألف تنكة فحوّل البندر إلى قريب منهم ووالى الطلب منهم ثمّ أخذ بندرهم وقتل منهم خمسة آلاف رجل وسلبهم أموالهم، كلّ ذلك لحنقه عليهم. ثمّ سار على قلعة باسوطة وملكها- وكان السلطان فيروز شاه قد عجز عنها ثمّ أخذ قلعة أخرى يقال لها كرهل سنكي وقلعة ثالثة يقال لها: تنك. فاتّفق أنّ بعض أمراء السلطان عصا عليه وكان بيده ثماني قلاع، فسار إليه وأخذه وملك قلاعه الثماني، ولم يزل مظفّرا لم يتوجّه إلى أمر إلّا وظفر منه بما يريد، هذا مع الجود والكرم والسخاء الذي يخرج فيه عن الحدّ مع محبّة العلم وأهله والاشتغال به وتعظيم السادة الأشراف وإفاضة المال الجزيل عليهم. وله في كلّ يوم عاشوراء مال يفرّقه على الأشراف وطلبة العلم والفقراء والمساكين، مبلغه اثنا عشر ألف تنكة رابح، وفي كلّ سنة يفد عليه من برّ العرب خمسمائة رجل فمنهم من يدفع إليه جائزته ويعيده إلى بلاده، ومنهم من يقيم عنده فيرتّب له ما يقوم به حتى صار له جند من العرب عدّتهم سبعمائة رجل، فعزّت به العرب في بلاد الهند حتى إنّه إذا خرج العربيّ من قبله أخذ بعصاه ما لا يأخذه العجميّ بسيفه لمهايته وعزّتهم في أيّامه. وله شعر رأيت منه قطعة بمكّة شرّفها الله، وله من قصيدة [ ... ] (٤).

стр. 1360

١٣٧٤ - أبو الغنائم القبتوريّ الكاتب [٦١٥ - ٧٠٤] (١) خلف بن عبد العزيز بن محمد بن خلف بن عبد العزيز بن محمد، أبو الغنائم، الغافقيّ، القبتوري، الإشبيليّ، الكاتب. ولد بإشبيلية سنة خمس عشرة وستّمائة، ونشأ بها. وقرأ كتاب سيبويه على الأستاذ أبي الحسن الدبّاج، وتلا عليه أيضا الروايات السبع. وقرأ كتاب الشفاء على عبد الله بن القاسم بمدينة سبتة. وروى الحديث. وكتب لأمراء سبتة وخلف بتونس عن القرافيّ، وحجّ مرّتين، وجاور بمكّة زمانا. ومات بالمدينة النبويّة في أوائل أربع وسبعمائة. وكان كاتبا مترسّلا، ينثر وينظم، مع دين وتقوى. ومن شعره قوله [الطويل]: رجوتك يا رحمان إنّك خير من ... رجاه لغفران الجرائم مرتجي فرحمتك العظمى التي ليس بابها ... وحاشاك! في وجه المسيء بمرتج وقوله [الوافر]: أسيلي الدمع يا عيني ولكن ... دما، ويقلّ ذلك لي، أسيلي فكم في الترب من طرف كحيل ... لترب لي ومن خدّ أسيل وقوله [بسيط]: ماذا جنيت على نفسي بما كتبت ... كفّي، فيا ويح نفسي من أذى كفّي ولو يشاء الذي أجرى عليّ بذا ... قضاءه الكفّ عنه كنت ذا كفّ (٢) ١٣٧٥ - خلف بن ملاعب الأشهبيّ [- ٤٩٩] (٣) خلف بن ملاعب، الأشهبيّ، الكلابيّ، الأمير أبو منصور، سيف الدولة، أصله من قبيلة من بني كلاب يقال لها الأشهب. استولى على مدينة حمص في ولاية مغلي بن حيدرة على دمشق من قبل المستنصر بالله أبي تميم معدّ ابن الظاهر، في صفر سنة ستّ وستّين وأربعمائة. فلمّا صار نصير الدولة [ ... ] بعساكر أمير الجيوش من مصر، وفتح صور وصيدا، ونزل بعلبك، قدم عليه خلف بن ملاعب ودخل في الطاعة ووجّه بابن عمّه إلى أمير الجيوش، فقبله، وبعث إلى خلف بالخلع والطوق. فأقام بحمص، وكان الضرر به عظيما، ورجاله يقطعون الطريق في جميع النواحي. وكان في صحبته جماعة من اللصوص، فشمل الناس في أيّامه مضرّة شديدة. فلمّا سار تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان من دمشق، ومعه الأمير آق سنقر صاحب حلب، والأمير بوزان صاحب حرّان، وعوّلوا على قصد مصر، مضوا إلى حمص وقبضوا على خلف هذا وعلى ولديه، وحصل في حيّز الأمير آق سنقر فبعث به إلى تركان خاتون (٤) [٤٣٣ ب] الجلاليّة زوجة السلطان ملك شاه، فاعتقله بأصبهان، ثمّ

стр. 1361

أفرج عنه بعد موت ملك شاه. فورد بغداد على أسوإ حال. فاجتمع عليه التجّار وادّعوا عليه أموالا أخذها منهم فوكّل به من دار الخلافة، فتوصّل القائد علي بن كتاش في إطلاقه وأدّى عنه من ماله ثلاثمائة وخمسين دينارا. ثمّ دبّر له في الخروج من بغداد فتمّ له ذلك، ولم يكاف [ئ] هـ عنه، وذهب ما أدّى عنه ضياعا. ومضى إلى مصر فلم يلتفت إليه، وأقام بها ومعه أهله وأولاده سنتين. فكتب القائم بفامية من جهة الملك رضوان بن تتش إلى المستنصر، وكان يميل إلى مذهب المصريّين، يستدعي من يتسلّم أفامية منه، وكانت على غاية الحصانة. فواصل ابن ملاعب السعي في ذلك، ووعد أنّه يحارب الفرنج رجاء المثوبة من الله تعالى. وكانت البلاد يومئذ أكثرها معهم. فأجيب بأنّه رجل كافر النعمة مخفر الأمانة لا يملك عنان فرسه فيرى لأحد عليه طاعة. فقال: أنا أعطي أولادي رهينة وأنصرف على السمع والطاعة لكم. فوقع الاتّفاق عليه وقلّد أفامية في سنة تسع وثمانين وأربعمائة. فلمّا وصل وتمكّن منها خلع الطاعة. فكتبوا إليه يعرّفو [ن] هـ حال رهينته وما يحلّ بولده عند معصيته. فأجاب بأنّي متمسّك بمكاني مدافع عن تسليمه وإنّني أؤثر أن تطبخوا أولادي وتنفذوا إليّ بعض أعضائهم حتى آكله. فيئسوا منه وأعرضوا عنه، وأقام بأفامية على حالته من التخليط، ومال إليه المفسدون، وعظم قطع الطريق من جهته. فاتّفق أن استولى الفرنج على سرمين فتفرّق من كان بها، وكانوا غلاة في التشيّع، وصار أكثرهم إلى رضوان متملّك حلب، وفيهم شجاعة وقوّة، والغالب عليهم حمل السلاح. ومضى قاضيهم أبو الفتح السرمينيّ إلى ابن ملاعب في فريق منهم وأقام عنده وحظي لديه وتقدّم تقدّما زائدا. فصار يطلعه على سرّه ويشاوره في أموره، والقاضي يدبّر عليه ويكاتب أبا طاهر الصائغ بحلب، وهو من خواصّ الملك رضوان ومن وجوه الباطنيّة ودعاتهم، ووافقه على إعمال الحيلة للفتك بابن ملاعب، وأن يستولي على أفامية ويسلّمها إلى الملك رضوان ليستخدمه في تدبيرها ويردّ إليه النظر في أمورها. فاتّفق أنّ أولاد ابن ملاعب تسلّلوا من مصر خفية ووصلوا إليه. فأخبروه بأنّ القاضي أبا الفتح السرميني المقيم عنده قد اشتهر عندهم أنّه يعمل عليه ويروم الفتك به، وأشاروا بإبعاده. فاستدعاه ابن ملاعبفحضر وقد أيقن بالفتك به، ومعه مصحف. فلمّا جلس اعترف بما أولاه ابن ملاعب من الجميل، وأنكر ما قيل في حقّه وحلف بالمصحف على صحّة ما يعتقده من جميل ولائه. وسأله أن يطلقه عريانا إن كان قد داخله فيه شكّ. فقبل قوله وانخدع له وتركه على حالته. فأخذ القاضي من تلك الساعة في الجدّ، وكاتب الصائغ بأن يوافق الملك رضوان على تسيير ثلاثمائة رجل من أهل سرمين وصحبتهم شيء من خيل الفرنج وبغالهم وسلاح من أسلحتهم. وعرّفه مكيدة يفهّمها لهم ليقولوها عند حضورهم. ففعل ذلك الصائغ، وحضر أولائك الخيّالة وقالوا: كنّا نخدم رضوان وفارقناه على حالة غير مرضيّة من قلّة إنصافه، وتوجّهنا نحو الفرنج فأخذنا منها براءة للأمير إن رضينا له خدما- وقدّموا له ما كان معهم من الخيل الفرنجيّة والبغال والسلاح. فتمّ ذلك عليه وظنّه صحيحا، واستخدمهم وقرّبهم و [أ] سكنهم ربض القلعة. فاجتمعوا مع القاضي أبي الفتح على التدبير، فواعدهم. فلمّا كانت تلك الليلة طاف العسس كجاري العادة ومضوا وناموا. [ف] ثار من

стр. 1362

بالحصن من أهل سرمين ودلّوا الحبال إلى الواصلين فرفعوهم. وقام السيف [٤٣٤ أ] فقتل ابن ملاعب وأولاده، لأربع بقين من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وملكت القلعة. وأفلت صبح ونصر ولدا خلف بن ملاعب، فتوجّه صبح إلى شيزر وأقام عند ابن منقذ. وبعث القاضي أبو الفتح [إلى] أبي طاهر (١) سعيد الصائغ، [فسار] إلى أفامية لا يشكّ أنّها له، فأكرمه القاضي وامتنع من تسليمها إليه وقال: هذا الموضع نحن محترمون ما دام لنا وإذا خرج إلى غيرنا امتهنّا.- فيئس منه. وكان لخلف ابن يقال له مصبح في خدمة طغدكين بدمشق قد أعطاه حصنا بالبيرة (٢) يحفظه فعرف بعده بقبّة ابن ملاعب فأفسد هناك فهدّده طغدكين. فلحق بالفرنج وأوى إلى طنكري متملّك أنطاكية، وحسّن لهم قصد أفامية. فساروا معه ونازلوها. فسيّر إليهم القاضي أبو الفتح عشرة آلاف دينار، فرحلوا. فلامهم ابن خلف، وما زال بهم حتّى أقاموا عليها إلى أن مات من بها من الجوع، فملكها الفرنج وقتلوا القاضي وأسروا الصائغ وحملوه إلى أنطاكية معهم وقتلوه بها. فأخذ رضوان ماله وأولاده بحلب. ١٣٧٦ - ناصر الدين ابن خواجا التوريزيّ [- ٧٤٩] (٣) خليفة بن خواجا علي شاه، ابن أبي بكر، التوريزي، الأمير ناصر الدين. كان أبوه علي شاه وزير أبي سعيد بن خربنده ملك العراق. قدم بعد أبيه إلى دمشق رفيقا للوزير نجم [الدين] محمود بن شروين [وزير بغداد]، وقدّم هديّة جليلة للأمير تنكز. فأكرمه وطالع السلطان بقدومه. فأكّد في الوصيّة به وتجهيزه بعد حجّه والقيام بجميع ما يحتاج إليه في حجّه ومسيره إلى مصر. فاعتمد الأمير تنكز ما رسمه، وبعث به بعد حجّه. فقدم إلى مصر في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. فأنعم عليه السلطان [الناصر محمد بن قلاوون] وخيّره فاختار دمشق. فكتب له براتب يكفيه وأطلق له إنعاما جليلا، وأنعم عليه بتقدمة برسبغا (٤) العادليّ بدمشق، وأنعم على برسبغا بإمرة آقول الحاجب بعد موته. ونال الدول وتنقّلت به الأحوال حتى مات بدمشق في سادس عشرين جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٥). ١٣٧٧ - الصفديّ صاحب الوافي [٦٩٠ - ٧٦٤] (٦) خليل بن أيبك، صلاح الدين، الصفديّ، [أبو الصفاء]. ولد سنة تسعين وستّمائة. وقرأ الفقه على مذهب الشافعيّ. وشارك في الأصول، وعرف النحو، وبرع في الأدب نظما ونثرا، وكتابة وجمعا. وعني بالحديث فسمع بأخرة من جماعة. ولازم أبا الفتح محمد ابن سيّد الناس، وبه تميّز في الأدب. وصنّف في التاريخ والأدب ما يزيد

стр. 1363

على ستّمائة مجلّد. وكتب الإنشاء بقلعة الجبل وبدمشق عدّة سنين. ثمّ ولي كتابة السرّ بحلب في [ ... ] وعزل [ ... ] فقدم دمشق على وكالة بيت المال وتوقيع الدست، واستمرّ بهما حتّى مات ليلة العاشر من شوّال سنة أربع وستّين وسبعمائة في الطاعون. وكان إماما أديبا له همّة عالية في التحصيل، إذا صنّف كتابا راجع أهل العلم فيما يحتاج إليه فيه من موادّ العلم، كالحديث والفقه والأصول. وله من المصنّفات: كتابه الوافي بالوفيات جمع فيه عدّة رجال على الحروف، وهو كبير في ثلاثين مجلّدة لطيفة. وكتاب التذكرة جمع فيه فأوعى. وكتاب قطر الغيث الذي انسجم في شرح لاميّة العجم، يشتمل على علم جمّ في أربع مجلّدات كبيرة. وكتاب أعوان النصر في ذكر أعيان العصر: أربع مجلّدات كبار، مفيد إلى الغاية في معناه. وكتاب رشف الزلال في وصف الهلال. وكتاب كشف الحال في وصف الخال. وكتاب نكت الهميان في نكت العميان. مات ليلة عاشوراء بالطاعون سنة أربع وستّين وسبعمائة (١). ١٣٧٨ - خليل بن دلغادر التركمانيّ [- بعد ٧٤٦] (٢) تحرّك لمحاربة خليل الطرفيّ، وكان قد قدّم سبعمائة فرس وسأل على لسان الأمير تنكز نائب الشام أن يقيم بأرض أبلستين (٣)، ويقيم ألف فارس [٤٣٤ ب] وعشرة أمراء. فرسم له السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بذلك، وكتب له المناشير بالأمريات والإقطاعات وبعثها إليه في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. فقام بحربه خليل بن دلغادر وهزمه وقتل كثيرا من جمائعه. وبادر بإرسال ولده وعدّة من ثقاته إلى الأمير تنكز وكتب إليه بأنّه يقدّم ألفي إكديش (٤) ويؤمّر ثلاثين أمير طبلخاناه ويلتزم بدرك البلاد. فقام تنكز في نصرته وكتب إلى السلطان في أمره. فأجيب إلى سؤاله ورسم بحضور خليل بن دلغادر والطرفيّ. فقدما في سنة ثمان وثلاثين. فأقبل السلطان على ابن دلغادر وكتب له ثلاثين منشورا بأسماء أمراء عيّنهم، وخلع عليه وعلى جميع من حضر معه. وسار فنزل أبلستين، وكثر جمعه وواقع الروم والمغل مرارا وقتل منهم كثيرا وغنم أموالهم. وكانت له هناك أخبار عديدة. ثمّ قدم إلى مصر في الأيّام الناصريّة أحمد سنة اثنتين وأربعين، فأنعم عليه بإنعامات جليلة، وأعيد إلى الأبلستين على عادته (٥). ١٣٧٩ - نجم الدين الحمويّ قاضي العسكر [- ٦٤١] (٦) خليل بن علي بن الحسين بن علي بن

стр. 1364

الحسين، الحمويّ، نجم الدين، أبو عليّ [الحنفيّ]، قاضي العسكر العادليّ (١). كان فاضلا أديبا. ١٣٨٠ - الصفيّ المراغيّ المقرئ [بعد ٥٩٠ - ٦٨٥] (٢) خليل بن أبي بكر بن محمد بن صديق، الإمام صفيّ الدين، أبو الصفاء، المراغيّ، المقرئ، الحنبليّ، المعدّل. ولد بالمراغة سنة بضع وتسعين وخمسمائة. وقرأ للعشرة على التقيّ ابن ماسويه. وسمع من القاضي أبي القاسم عبد الصمد ابن الحرستانيّ، وأبي الفتوح البكريّ، وداود بن ملاعب، وجماعة. وتفقّه على الشيخ موفّق الدين المقدسيّ. وكان مجموع الفضائل، كثير المناقب، متين الديانة، عارفا بالقراءات بصيرا بالمذهب، عالما بالخلاف والطبّ [وغير ذلك]. قرأ عليه بالروايات بدر الدين محمد ابن الجوهريّ، والشيخ أبو بكر الجعبريّ، وجماعة. وسمع منه ابن الظاهريّ وابنه أبو عمرو والقاضي سعد الدين مسعود الحارثيّ، والحافظ أبو الحجّاج يوسف المزّيّ، والشيخ أثير الدين أبو حيّان، وخلق كثير. وناب في القضاء بالقاهرة فحمدت طريقته وشكرت خلائقه. وتوفّي في سابع عشر ذي القعدة سنة خمس وثمانين وستّمائة، وقد جاوز التسعين. وهو آخر من قرأ القراءات على ابن ماسويه. ١٣٨١ - أبو الطيّب خشترين الكرديّ [٥٧٨ - ٦١٩] (٣) خشترين بن تليل بن أبي الهيجاء بن أفشين بن خشترين بن كردي بن جندي، الأمير الأديب، جمال الدين، أبو الطيّب، الكرديّ. يقال إنّه مولى مروان بن الحكم، وأصله من أعمال إربل ومن الأكراد. ومولده بمصر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وكان جنديّا كرديّا، وتخرّج على ابن سعادة الحمصيّ، وكان يقول إنّه شيخه. وتوفّي بإربل ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستّمائة. ومن شعره في رئيس افتصد [بسيط]: لله درّ جواد عند ما نفدت ... خزائن المال من إفراط أنعمه أبدى الفصاد بلا داء يخامره ... إلّا ليروي عطاش الأرض من دمه وقال [رجز]: حدّثت عن علياك ما استعظمته ... لمّا التقينا صغّر الخبر الخبر وكان طرفي يحسد السمع فمذ ... حان التلاقي حسد السمع البصر وقال عفيف الدين أبو المظفّر منصور بن محمد بن فارس الحمصيّ الشاعر: اجتمعنا بحلب في دولة الملك الظاهر غازي الشرف: راجح الحلّي، وابن سعادة الحمصيّ، وابن وهب الحمصيّ، وأنا، وغير هؤلاء. فقالوا: قد قدم هذا

стр. 1365

الكرديّ- يعنون أبا الطيّب خشترين- وهو يأتي في كلّ واقعة بأشعار في غاية الجودة وما عنده مادّة. فقال راجح الحلّيّ: أنا أعمل لكم دعوة وندعوه ونمتحنه- فعمل دعوة ودعاه. فلمّا حضرنا وأكلنا وشربنا قال الحلّيّ: يا أصحابنا، أنتم شعراء المصر، وأشتهي أن تعملوا في هذا المملوك الذي لي- وكان على جفنه جرح قد حشي [٤٣٥ أ] كحلا وبقي أخضر. فقال خشترين: ما أنا صاحب بديهة. فقالوا له: لا بدّ أن تعمل. فأخذ كلّ واحد يفكّر. فسبق الجماعة وقال: قد تهيّأ لي شيء فإن أذنتم في إيراده؟ قالوا: هات! فأنشد [الطويل]: ألا أبلغا عنّي الغزال الذي غدا ... يصيد أسود الغيل من آل عامر أما زلت في أكبادنا نون حاجر ... تصول بسيف من خلال المحاجر؟ (١) إلى أن غدا ذاك الحسام وقد علا ... على جفنه آثار بعض المرائر فأقرّ الجماعة، ولم يعمل واحد منهم شيئا جيّدا. وله من قصيدة [الكامل]: ضحكت ثغور البيض لمّا أن بدت ... حدق السوابغ بالنجيع القاني أبدا تريك من الأسنّة ألسنا ... تتلو عليك مقاتل الفرسان وتكلّمت في وجه كلّ متوّج ... خرس الرماح بألسن الخرسان (٢) وقال [رجز]: كذلك البرق اليماني إذ برق ... سحب دموع فيضها من الحرق فمن لقلب كلّما لاح له ... خفوق برق دون تيماء خفق وقال [متقارب]: سقى ليلنا بالغوير وقد ... [ ... ] الكأس فينا قلق (٣) وفي أفق مجلسنا أنجم ... بأيدي أهلّة تحت الغسق تغيب البدور بها في الشموس ... وتطلع في الوجنات الشفق وقال وقد حمل إليه طبق فيه أقداح في مجلس الشراب، وكان الحامل يلقّب شمس واسمه أبو بكر [وافر]: أبا بكر متى حملت شموس ... على رغم البدور لنا الثريّا فلا شلّت أناملك اللواتي ... حملت بها إلى نحري الحميّا ولمّا سمع الشعراء بإربل شعره أنكروا أن يكون له لجودته وعرّضوا له بذلك، وطلبوا منه أن يعمل أبياتا على وزن أبيات أوّلها [كامل]: هل من حناه إليك طول حنينه ... وجنى هواك عليه طول جنونه وكان قد امتحن بهذا الوزن والتزام التجنيس جماعة قبل خشترين، فقال:

стр. 1366

طلل يرى جسمي طلا فيريقه ... لمّا تشفّى الحزن من محزونه (١) صبّ تقاصر صبره لمّا غدا ... أبدا إلى الجنّان طول حنينه فلعلّ حاجر إن سفحت مدامعا ... بالسّفح يخبر عن محاجر عينه ولقد عهدت هناك دون طويلع ... بدرا تطلّع من خلال دجونه بدر يضلّ بغيهب من شعره ... أبدا ويهدينا بضوء جبينه وقال [البسيط]: ما كنت أعلم أنّ الشمس قد غربت ... حتى رأيت الدجى ملقى على القمر وقال [المنسرح]: تسكت ألحاظه إذا سئلت ... عن قتلنا، والسكوت إقرار ١٣٨٢ - خالد بن يزيد حكيم آل مروان [- ٩٠] (٢) خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، الأمويّ، القرشيّ، أبو هاشم. [الاضطرابات بعد وفاة معاوية] أمّه فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وجدّه معاوية بن أبي سفيان أقام أميرا على دمشق في خلافة عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ﵄ نحوا من عشرين سنة، وأقام في الخلافة بعد قتل علي بن أبي طالب ومبايعة الحسن بن عليّ ﵄ نحوا من [٤٣٥ ب] عشرين سنة. ومات فقام بعده في الخلافة ابنه يزيد بن معاوية بن [أبي سفيان] ثمّ مات بعد ثلاث سنين وستّة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، فخلفه ابنه معاوية بن يزيد مدّة ثلاثة أشهر وقيل: مدّة أربعين يوما، ومات وقد بويع عبد الله بن الزبير بالخلافة في مكّة والمدينة والكوفة ومصر، وبايع الناس بدمشق الضحّاك بن قيس على أن يصلّي بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس، وكان يدعو في السرّ لابن الزبير. وكان زفر بن الحارث الكلابيّ بقنسرين، والنعمان بن بشير بحمص يدعوان لابن الزبير، ومروان قد جمع بني أميّة وغيرهم بالجابية ليختاروا رجلا، وحسّان بن مالك بن بجدل الكلبيّ قد سار من فلسطين إلى الأردنّ يدعو إلى بني أميّة. فغلب ناتل بن قيس على فلسطين ودعا لابن الزبير. فبعث حسّان إلى الضحّاك يدعوه إلى نصرة بني أميّة. فرقي المنبر يوم الجمعة وقرأ كتاب حسّان. فاختلف الناس: منهم من يريد بني أميّة وهم الأكثر. وفيهم من يريد ابن الزبير. فكانت فتنة وقام خالد بن يزيد فصعد مرقاتين من المنبر، فسكن الناس. ونزل الضحّاك فصلّى الجمعة ودخل القصر. فجاءت كلب وجاءت غسّان وجاء خالد بن يزيد وأخوه عبد الله، معهما أخوالهما من كلب، فكانت فتنة أخرى اقتتل الناس فيها. ودعت قيس لابن الزبير، ودعت كلب لخالد بن يزيد لأنّه ابن أختهم. فكانت أمور آلت إلى الاجتماع بالجابية ومخالفة الضحّاك عليهم ونزوله مرج راهط وقيام الحصين بن نمير، وروح ابن زنباع، مع مروان بن الحكم حتّى بويع بالخلافة على أن يكون خالد خليفة بعده وله إمرة حمص.

стр. 1367

فلمّا تمّ ذلك دعا حسّان [بن مالك] بن بجدل خالدا، فقال: يا ابن أختي إنّ الناس قد أبوك لحداثة سنّك، وإنّي والله ما أريد الأمر إلّا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلّا نظرا لكم. فقال خالد: بل عجزت عنّا. فقال: والله ما أنا عجزت، ولكن الرأي لك ما رأيت. [تخلّي خالد عن طلب الخلافة] ثمّ إنّ مروان تزوّج بفاختة أمّ خالد ليسقطه من أعين الناس، وقام على المنبر بعد ما بايعه الناس فقال: إنّا آمرون لكم بالعطاء، وبانون بأمّ خالد، وسائرون إلى مصر إن شاء الله.- فقدم معه خالد إلى مصر وقال، وهو بها: مضت الخمس والعشر، وبقيت العشرون يعمّ شرّها مشرقها ومغربها، لا ينجو منها إلّا أهل أنطابلس. فتقدّم إليه رجل فقال: أصلحك الله، ما هذه الخمس والعشر والعشرون؟ قال: الفتنة الأولى كانت خمسا. والثانية عشرا، فتنة ابن الزبير، ثمّ تكون الثالثة عشرين سنة يعمّ شرّها مشرقها ومغربها، لا ينجو منها إلّا أهل أنطابلس (١). ثمّ سار مع مروان إلى دمشق. وخرج مع عبد الملك بن مروان لمّا بويع بعد أبيه بالخلافة، ونزل معه على قرقيسيا، وبها زفر بن الحارث الكلابيّ يدعو إلى عبد الله بن الزبير. فجدّ خالد في قتاله وأبلى بلاء كثيرا، فقال بعض أصحاب زفر: لأقولنّ لخالد كلاما لا يعود [بعده] إلى ما يصنع. فلمّا خرج خالد للمحاربة قال له الرجل، وكان من بني كلاب [رجز]: ماذا ابتغاء خالد وهمّه ... إذ سلب الملك ونيكت أمّه؟ فاستحيى خالد ومضى من موقفه ولم يعد لقتالهم. [إشارته بإنشاء سكّة إسلاميّة] وخالد هو الذي أشار على عبد الملك بن مروان أن يترك دنانير الروم ويضرب للناس سكّة فيها ذكر الله. فضرب عبد الملك حينئذ الدنانير والدراهم. وقيل إنّ خالدا قال له: يا أمير المؤمنين، إنّ العلماء من أهل الكتاب يذكرون أنّهم يجدون في كتبهم أطول الخلفاء عمرا من قدّس الله في الدرهم.- فعزم عند ذلك عبد الملك وضرب السكّة الإسلاميّة. وكان خالد يسمّى حكيم آل مروان، فإنّه كان فاضلا في نفسه، وله همّة ومحبّة للعلوم وشغف بصنعة الكيمياء. فأحضر عنده من حكماء مصر الذين أتقنوا الفلسفة وعرفوا لغة العرب مع اللغات القديمة [لا] سيّما لغة اليونان وأمرهم [بنقل] كتب النجوم والطبّ والكيمياء من اللسان اليونانيّ والقبطيّ إلى العربيّة، فعرّبوا له ذلك، وهو أوّل نقل وقع في الإسلام [٤٣٦ أ] من لغة إلى لغة. وكان من خطباء قريش، وكان شاعرا فصيحا معا، جيّد الرأي كثير الأدب. ويروى أنّ عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالد بن يزيد فقال: يا أخي، لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك. فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين! فقال: إنّ خيلي مرّت به فعبث بها يريد حذف آذانها، وأصغرني.

стр. 1368

[مناظرة بين خالد وعبد الملك بن مروان] فقال له خالد: أنا أكفيك.- فدخل خالد على عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين مرّت به خيل ابن عمّه عبد الله بن يزيد فعبث بها وأصغره- وعبد الملك مطرق. فرفع رأسه فقال: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]. فقال خالد: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦]. فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلّمني؟ والله لقد دخل عليّ فما أقام لسانه لحنا. فقال له خالد: فعلى الوليد تقول في اللحن؟ فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن، فإنّ أخاه سليمان! فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن، فإنّ أخاه خالد! فقال الوليد: اسكت يا خالد، فو الله ما تعدّ في العير ولا في النفير! فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! - ثمّ أقبل عليه فقال: ويحك! فمن للعير والنفير غيري؟ جدّي أبو سفيان صاحب العير، وجدّي عتبة بن ربيعة صاحب النفير. ولكن لو قلت: غنيمات وجبيلات والطائف- ورحم الله عثمان! - قلنا: صدقت (١). [شعره في نسائه] وتزوّج خالد بن يزيد نساء ذوات شرف، منهنّ أمّ كلثوم (٢) بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وفيها يقول حين زفّت إليه [طويل]: [ف] جاءت بها دهم البغال وشهبها ... معتّقه في جوف قزّ مخدّر مقابلة بين النبيّ محمّد ... وبين عليّ والحواريّ جعفر منافيّة جاءت بخالص ودّها ... لعبد منافيّ أغرّ مشهّر ومنهنّ: آمنة- وقيل أمة- بنت سعيد بن العاص بن أميّة. ثمّ طلّقها فتزوّجها الوليد بن عبد الملك. ففي ذلك يقول خالد [طويل]: كعاب أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما أكفاؤها بكثير فإن تقبلنها والخلافة، تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير

стр. 1369

وفي آمنة يقول خالد حين طلّقها [الكامل]: أعطيت آمنة الطلاق كريمة ... عندي ولم يكثر عليّ طلاقها ولأضربنّ بحبل أخرى فوقها ... يوما إذا لم تستقم أخلاقها [٤٣٦ ب] ومنهنّ رملة بنت الزبير بن العوّام أخت مصعب بن الزبير، أمّهما رباب الكلبيّة، وفي ذلك يقول شديد بن شدّاد بن عامر بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، يحرّض عليه عبد الملك بن مروان [الطويل]: [و] لا يستوي الحبلان: حبل تلبّست ... قواه، وحبل قد أمرّ شديد عليك أمير المؤمنين بخالد ... ففي خالد عمّا تحبّ صدود إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد فطلّقها عند ذلك. وفي رملة بنت الزبير يقول خالد [الطويل]: تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا أحبّ بني العوّام طرّا بحبّها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا فلا تكثروا فيها الملام فإنّني ... تخيّرتها منهم زبيريّة قلبا وما ذكرت عندي لها من سميّة ... فتملك عيني من مشاربها غربا فإن تسلمي نسلم وإن تتنصّري ... يعلّق رجال بين أعينهم صلبا فيروى أنّ عبد الملك بن مروان ذكر له هذا البيت فقال: يا خالد، أتروي هذا البيت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، على قائله لعنة الله! وذكر العتبيّ أنّ الحجّاج لمّا أكره عبد الله بن جعفر على أن زوّجه ابنته (١)، استأجله في نقلها سنة. ففكّر عبد الله في الانفكاك وألقي في روعه خالد بن يزيد، فكتب إليه يعلمه ذلك- وكان الحجّاج تزوّجها بإذن عبد الملك- فورد على خالد كتابه ليلا فاستأذن من ساعته على عبد الملك فقيل له: أفي هذا الوقت؟ فقال: إنّه أمر لا يؤخّر. فأعلم عبد الملك بذلك فأذن له. فلمّا دخل عليه قال له عبد الملك: فيم السّرى يا أبا هاشم؟ فقال: أمر جليل لم آمن أن أؤخّره، فتحدث عليّ حادثة فلا أكون قضيت حقّ بيعتك. فقال: وما هو؟ فقال: أتعلم أنّه ما كان بين حيّين من العداوة والبغضاء ما كان بين آل الزبير وآل أبي سفيان؟ قا [ل]: لا. [قال: ] فإنّ تزوّجي إلى آل الزبير قد حلّل لهم ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيتي أحبّ إليّ منهم. قال: فإنّ ذلك ليكون. قال: كيف أذنت للحجّاج أن يتزوّج في بني هاشم وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجّاج من سلطانك بحيث علمت؟ فجزاه عبد الملك خيرا، وكتب إلى الحجّاج

стр. 1370

يعزمه أن يطلّقها، فطلّقها. فعدل الناس عليه يعزّونه عنها، فكان فيمن أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان. فأوقع الحجّاج بخالد فقال: كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه. فقال له عمرو بن عتبة: لا تقل ذا أيّها الأمير، فإنّ لخالد قديما [ما] سبق إليه وحديثا لم يغلب عليه (١)، ولو طلب الأمر لطلبه بحدّ وجدّ، ولكنّه علم علما فسلّم الأمر إلى أهله. فقال الحجّاج: يا آل أبي سفيان، أنتم تحبّون أن تحلموا، ولا يكون الحلم إلّا من غضب، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل. ثمّ قال الحجّاج: والله لأتزوّجنّ من هي أمسّ منها به رحما، لم يمكنه فيه شيء (٢). فتزوّج أمّ الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسعد. [اشتغاله بالكيمياء] ويذكر أنّ من جود خالد أنّه قيل له: لقد جمعت أكبر شغلك في طلب الصنعة؟ فقال: ما أطلب بذاك إلّا أن أغني أصحابي وإخواني. إنّي طمعت في الخلافة فاختزلت دوني، فلم أجد منها عوضا إلّا أن أبلغ آخر هذه الصنعة، فلا أحوج أحدا عرفني يوما أو عرفته إلى أن يقف بباب سلطان رغبة أو رهبة. ويقال إنّه صحّ له عمل الكيمياء، وله في ذلك عدّة رسائل وكتب. وله شعر كثير في هذا المعنى يبلغ نحو خمسمائة ورقة. ومن كتبه فيها (٣): كتاب الخرزات. كتاب الصحيفة الكبير. كتاب الصحيفة الصغير. كتاب وصيّته إلى ابنه في الصنعة [٤٣٧ أ]. ويقال إنّ ملك الصين كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: أمّا بعد، فإنّي قد أرسلت إليك هديّة وليست بهديّة، ولكنّها تحفة. فابعث إليّ بما جاء [به] نبيّكم من حلال وحرام (٤)، وابعث من يبيّنه لي والسلام.- وكانت الهديّة كتابا من سرائر علومهم، فصار إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وكان يعمل منه الأعمال العظيمة من الكيمياء وغيرها. ويقال إنّه هو الذي وضع ذكر السفيانيّ وكثّره، وأراد أن يكون للناس فيهم مطمع حين غلبه مروان بن الحكم على الملك. وذكر الزبير قال: حجّ خالد بن يزيد بن معاوية سنة قتل الحجّاج بن يوسف عبد الله بن الزبير. فخطب رملة بنت الزبير، فبلغ ذلك الحجّاج فأرسل إليه حاجبه وقال له: قل لخالد: ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، ولا كنت أراك تخطب إليهم وليسوا لك بأكفاء. وقد قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح. فأبلغه الرسالة. فنظر إليه خالد طويلا ثمّ قال: لو كانت الرسل تعاقب لقطّعتك آرابا ثمّ طرحتك على باب صاحبك. قل له: ما كنت أظنّ أنّ الأمور بلغت بك أن أشاورك في مناكحة قريش. وأمّا قولك أن ليسوا لك بأكفاء، فقاتلك الله يا حجّاج: يكون العوّام كفؤا لعبد المطّلب يزوّجه صفيّة، ويتزوّج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، ولا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان؟ وأمّا قولك: قارعوا
следующие страницы →