طلل يرى جسمي طلا فيريقه ... لمّا تشفّى الحزن من محزونه (١)
صبّ تقاصر صبره لمّا غدا ... أبدا إلى الجنّان طول حنينه
فلعلّ حاجر إن سفحت مدامعا ... بالسّفح يخبر عن محاجر عينه
ولقد عهدت هناك دون طويلع ... بدرا تطلّع من خلال دجونه
بدر يضلّ بغيهب من شعره ... أبدا ويهدينا بضوء جبينه
وقال [البسيط]:
ما كنت أعلم أنّ الشمس قد غربت ... حتى رأيت الدجى ملقى على القمر
وقال [المنسرح]:
تسكت ألحاظه إذا سئلت ... عن قتلنا، والسكوت إقرار
١٣٨٢ - خالد بن يزيد حكيم آل مروان [- ٩٠] (٢)
خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، الأمويّ، القرشيّ، أبو هاشم.
[الاضطرابات بعد وفاة معاوية]
أمّه فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وجدّه معاوية بن أبي سفيان أقام أميرا على دمشق في خلافة عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان ﵄ نحوا
من عشرين سنة، وأقام في الخلافة بعد قتل علي بن أبي طالب ومبايعة الحسن بن عليّ ﵄ نحوا من [٤٣٥ ب] عشرين سنة. ومات فقام بعده في الخلافة ابنه يزيد بن معاوية بن [أبي سفيان] ثمّ مات بعد ثلاث سنين وستّة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، فخلفه ابنه معاوية بن يزيد مدّة ثلاثة أشهر وقيل: مدّة أربعين يوما، ومات وقد بويع عبد الله بن الزبير بالخلافة في مكّة والمدينة والكوفة ومصر، وبايع الناس بدمشق الضحّاك بن قيس على أن يصلّي بهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس، وكان يدعو في السرّ لابن الزبير.
وكان زفر بن الحارث الكلابيّ بقنسرين، والنعمان بن بشير بحمص يدعوان لابن الزبير، ومروان قد جمع بني أميّة وغيرهم بالجابية ليختاروا رجلا، وحسّان بن مالك بن بجدل الكلبيّ قد سار من فلسطين إلى الأردنّ يدعو إلى بني أميّة. فغلب ناتل بن قيس على فلسطين ودعا لابن الزبير. فبعث حسّان إلى الضحّاك يدعوه إلى نصرة بني أميّة. فرقي المنبر يوم الجمعة وقرأ كتاب حسّان. فاختلف الناس: منهم من يريد بني أميّة وهم الأكثر. وفيهم من يريد ابن الزبير.
فكانت فتنة وقام خالد بن يزيد فصعد مرقاتين من المنبر، فسكن الناس. ونزل الضحّاك فصلّى الجمعة ودخل القصر. فجاءت كلب وجاءت غسّان وجاء خالد بن يزيد وأخوه عبد الله، معهما أخوالهما من كلب، فكانت فتنة أخرى اقتتل الناس فيها. ودعت قيس لابن الزبير، ودعت كلب لخالد بن يزيد لأنّه ابن أختهم. فكانت أمور آلت إلى الاجتماع بالجابية ومخالفة الضحّاك عليهم ونزوله مرج راهط وقيام الحصين بن نمير، وروح ابن زنباع، مع مروان بن الحكم حتّى بويع بالخلافة على أن يكون خالد خليفة بعده وله إمرة حمص.
стр. 1367
فلمّا تمّ ذلك دعا حسّان [بن مالك] بن بجدل خالدا، فقال: يا ابن أختي إنّ الناس قد أبوك لحداثة سنّك، وإنّي والله ما أريد الأمر إلّا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلّا نظرا لكم.
فقال خالد: بل عجزت عنّا.
فقال: والله ما أنا عجزت، ولكن الرأي لك ما رأيت.
[تخلّي خالد عن طلب الخلافة]
ثمّ إنّ مروان تزوّج بفاختة أمّ خالد ليسقطه من أعين الناس، وقام على المنبر بعد ما بايعه الناس فقال: إنّا آمرون لكم بالعطاء، وبانون بأمّ خالد، وسائرون إلى مصر إن شاء الله.- فقدم معه خالد إلى مصر وقال، وهو بها: مضت الخمس والعشر، وبقيت العشرون يعمّ شرّها مشرقها ومغربها، لا ينجو منها إلّا أهل أنطابلس.
فتقدّم إليه رجل فقال: أصلحك الله، ما هذه الخمس والعشر والعشرون؟
قال: الفتنة الأولى كانت خمسا. والثانية عشرا، فتنة ابن الزبير، ثمّ تكون الثالثة عشرين سنة يعمّ شرّها مشرقها ومغربها، لا ينجو منها إلّا أهل أنطابلس (١).
ثمّ سار مع مروان إلى دمشق. وخرج مع عبد الملك بن مروان لمّا بويع بعد أبيه بالخلافة، ونزل معه على قرقيسيا، وبها زفر بن الحارث الكلابيّ يدعو إلى عبد الله بن الزبير. فجدّ خالد في قتاله وأبلى بلاء كثيرا، فقال بعض أصحاب زفر:
لأقولنّ لخالد كلاما لا يعود [بعده] إلى ما يصنع.
فلمّا خرج خالد للمحاربة قال له الرجل، وكان
من بني كلاب [رجز]:
ماذا ابتغاء خالد وهمّه ... إذ سلب الملك ونيكت أمّه؟
فاستحيى خالد ومضى من موقفه ولم يعد لقتالهم.
[إشارته بإنشاء سكّة إسلاميّة]
وخالد هو الذي أشار على عبد الملك بن مروان أن يترك دنانير الروم ويضرب للناس سكّة فيها ذكر الله. فضرب عبد الملك حينئذ الدنانير والدراهم. وقيل إنّ خالدا قال له: يا أمير المؤمنين، إنّ العلماء من أهل الكتاب يذكرون أنّهم يجدون في كتبهم أطول الخلفاء عمرا من قدّس الله في الدرهم.- فعزم عند ذلك عبد الملك وضرب السكّة الإسلاميّة.
وكان خالد يسمّى حكيم آل مروان، فإنّه كان فاضلا في نفسه، وله همّة ومحبّة للعلوم وشغف بصنعة الكيمياء. فأحضر عنده من حكماء مصر الذين أتقنوا الفلسفة وعرفوا لغة العرب مع اللغات القديمة [لا] سيّما لغة اليونان وأمرهم [بنقل] كتب النجوم والطبّ والكيمياء من اللسان اليونانيّ والقبطيّ إلى العربيّة، فعرّبوا له ذلك، وهو أوّل نقل وقع في الإسلام [٤٣٦ أ] من لغة إلى لغة.
وكان من خطباء قريش، وكان شاعرا فصيحا معا، جيّد الرأي كثير الأدب. ويروى أنّ عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالد بن يزيد فقال: يا أخي، لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك.
فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين!
فقال: إنّ خيلي مرّت به فعبث بها يريد حذف آذانها، وأصغرني.
стр. 1368
[مناظرة بين خالد وعبد الملك بن مروان]
فقال له خالد: أنا أكفيك.- فدخل خالد على عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين مرّت به خيل ابن عمّه عبد الله بن يزيد فعبث بها وأصغره- وعبد الملك مطرق.
فرفع رأسه فقال: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤].
فقال خالد: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء:
١٦].
فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلّمني؟ والله لقد دخل عليّ فما أقام لسانه لحنا.
فقال له خالد: فعلى الوليد تقول في اللحن؟
فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن، فإنّ أخاه سليمان!
فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن، فإنّ أخاه خالد!
فقال الوليد: اسكت يا خالد، فو الله ما تعدّ في العير ولا في النفير!
فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! - ثمّ أقبل عليه فقال: ويحك! فمن للعير والنفير غيري؟
جدّي أبو سفيان صاحب العير، وجدّي عتبة بن ربيعة صاحب النفير. ولكن لو قلت: غنيمات وجبيلات والطائف- ورحم الله عثمان! - قلنا:
صدقت (١).
[شعره في نسائه]
وتزوّج خالد بن يزيد نساء ذوات شرف، منهنّ أمّ كلثوم (٢) بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وفيها يقول حين زفّت إليه [طويل]:
[ف] جاءت بها دهم البغال وشهبها ... معتّقه في جوف قزّ مخدّر
مقابلة بين النبيّ محمّد ... وبين عليّ والحواريّ جعفر
منافيّة جاءت بخالص ودّها ... لعبد منافيّ أغرّ مشهّر
ومنهنّ: آمنة- وقيل أمة- بنت سعيد بن العاص بن أميّة. ثمّ طلّقها فتزوّجها الوليد بن عبد الملك. ففي ذلك يقول خالد [طويل]:
كعاب أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما أكفاؤها بكثير
فإن تقبلنها والخلافة، تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير
стр. 1369
وفي آمنة يقول خالد حين طلّقها [الكامل]:
أعطيت آمنة الطلاق كريمة ... عندي ولم يكثر عليّ طلاقها
ولأضربنّ بحبل أخرى فوقها ... يوما إذا لم تستقم أخلاقها [٤٣٦ ب]
ومنهنّ رملة بنت الزبير بن العوّام أخت مصعب بن الزبير، أمّهما رباب الكلبيّة، وفي ذلك يقول شديد بن شدّاد بن عامر بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، يحرّض عليه عبد الملك بن مروان [الطويل]:
[و] لا يستوي الحبلان: حبل تلبّست ... قواه، وحبل قد أمرّ شديد
عليك أمير المؤمنين بخالد ... ففي خالد عمّا تحبّ صدود
إذا ما نظرنا في مناكح خالد ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد
فطلّقها عند ذلك. وفي رملة بنت الزبير يقول خالد [الطويل]:
تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
أحبّ بني العوّام طرّا بحبّها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
فلا تكثروا فيها الملام فإنّني ... تخيّرتها منهم زبيريّة قلبا
وما ذكرت عندي لها من سميّة ... فتملك عيني من مشاربها غربا
فإن تسلمي نسلم وإن تتنصّري ... يعلّق رجال بين أعينهم صلبا
فيروى أنّ عبد الملك بن مروان ذكر له هذا البيت فقال: يا خالد، أتروي هذا البيت؟
فقال: يا أمير المؤمنين، على قائله لعنة الله!
وذكر العتبيّ أنّ الحجّاج لمّا أكره عبد الله بن جعفر على أن زوّجه ابنته (١)، استأجله في نقلها سنة. ففكّر عبد الله في الانفكاك وألقي في روعه خالد بن يزيد، فكتب إليه يعلمه ذلك- وكان الحجّاج تزوّجها بإذن عبد الملك- فورد على خالد كتابه ليلا فاستأذن من ساعته على عبد الملك فقيل له: أفي هذا الوقت؟
فقال: إنّه أمر لا يؤخّر.
فأعلم عبد الملك بذلك فأذن له. فلمّا دخل عليه قال له عبد الملك: فيم السّرى يا أبا هاشم؟
فقال: أمر جليل لم آمن أن أؤخّره، فتحدث عليّ حادثة فلا أكون قضيت حقّ بيعتك.
فقال: وما هو؟
فقال: أتعلم أنّه ما كان بين حيّين من العداوة والبغضاء ما كان بين آل الزبير وآل أبي سفيان؟
قا [ل]: لا.
[قال: ] فإنّ تزوّجي إلى آل الزبير قد حلّل لهم ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيتي أحبّ إليّ منهم.
قال: فإنّ ذلك ليكون.
قال: كيف أذنت للحجّاج أن يتزوّج في بني هاشم وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجّاج من سلطانك بحيث علمت؟
فجزاه عبد الملك خيرا، وكتب إلى الحجّاج
стр. 1370
يعزمه أن يطلّقها، فطلّقها. فعدل الناس عليه يعزّونه عنها، فكان فيمن أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان. فأوقع الحجّاج بخالد فقال: كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه.
فقال له عمرو بن عتبة: لا تقل ذا أيّها الأمير، فإنّ لخالد قديما [ما] سبق إليه وحديثا لم يغلب عليه (١)، ولو طلب الأمر لطلبه بحدّ وجدّ، ولكنّه علم علما فسلّم الأمر إلى أهله.
فقال الحجّاج: يا آل أبي سفيان، أنتم تحبّون أن تحلموا، ولا يكون الحلم إلّا من غضب، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل.
ثمّ قال الحجّاج: والله لأتزوّجنّ من هي أمسّ منها به رحما، لم يمكنه فيه شيء (٢).
فتزوّج أمّ الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسعد.
[اشتغاله بالكيمياء]
ويذكر أنّ من جود خالد أنّه قيل له: لقد جمعت أكبر شغلك في طلب الصنعة؟
فقال: ما أطلب بذاك إلّا أن أغني أصحابي وإخواني. إنّي طمعت في الخلافة فاختزلت دوني، فلم أجد منها عوضا إلّا أن أبلغ آخر هذه الصنعة، فلا أحوج أحدا عرفني يوما أو عرفته إلى أن يقف بباب سلطان رغبة أو رهبة.
ويقال إنّه صحّ له عمل الكيمياء، وله في ذلك عدّة رسائل وكتب. وله شعر كثير في هذا المعنى يبلغ نحو خمسمائة ورقة. ومن كتبه فيها (٣):
كتاب الخرزات. كتاب الصحيفة الكبير. كتاب الصحيفة الصغير. كتاب وصيّته إلى ابنه في الصنعة [٤٣٧ أ].
ويقال إنّ ملك الصين كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: أمّا بعد، فإنّي قد أرسلت إليك هديّة وليست بهديّة، ولكنّها تحفة. فابعث إليّ بما جاء [به] نبيّكم من حلال وحرام (٤)، وابعث من يبيّنه لي والسلام.- وكانت الهديّة كتابا من سرائر علومهم، فصار إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وكان يعمل منه الأعمال العظيمة من الكيمياء وغيرها.
ويقال إنّه هو الذي وضع ذكر السفيانيّ وكثّره، وأراد أن يكون للناس فيهم مطمع حين غلبه مروان بن الحكم على الملك.
وذكر الزبير قال: حجّ خالد بن يزيد بن معاوية سنة قتل الحجّاج بن يوسف عبد الله بن الزبير.
فخطب رملة بنت الزبير، فبلغ ذلك الحجّاج فأرسل إليه حاجبه وقال له: قل لخالد: ما كنت أراك تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني، ولا كنت أراك تخطب إليهم وليسوا لك بأكفاء. وقد قارعوا أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح.
فأبلغه الرسالة. فنظر إليه خالد طويلا ثمّ قال:
لو كانت الرسل تعاقب لقطّعتك آرابا ثمّ طرحتك على باب صاحبك. قل له: ما كنت أظنّ أنّ الأمور بلغت بك أن أشاورك في مناكحة قريش. وأمّا قولك أن ليسوا لك بأكفاء، فقاتلك الله يا حجّاج:
يكون العوّام كفؤا لعبد المطّلب يزوّجه صفيّة، ويتزوّج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد، ولا تراهم أكفاء لآل أبي سفيان؟ وأمّا قولك: قارعوا
стр. 1371
أباك على الخلافة ورموه بكلّ قبيح: فهي قريش، يقارع بعضها بعضا حتّى إذا أقرّ الله الحقّ مقرّه عادت إلى أحلامها وفضلها.
فرجع إليه وأعلمه ذلك.
وكان خالد بن يزيد يتعصّب لأخوال أبيه من كلب، ويعينهم على قيس في حرب كانت بين قيس عيلان وكلب، فقال شاعر قيس [البسيط]:
يا خالد بن أبي سفيان قد قرحت ... منّا القلوب وضاق السهل والجبل
أأنت تأمر كلبا أن تقتّلنا ... جهلا، وتمنعهم منّا إذا قتلوا؟
ها إنّ ذا لا يقرّ الطير ساكنة ... ولا تبرّك من نكرائه الإبل
وقال الحرمازي عن العتبيّ (١) عن أبيه قال:
وقف عليّ بن عبد الله بن عبّاس وخالد بن يزيد بن معاوية على باب عبد الملك بن مروان فجرى بينهما قول تغالظا فيه، فقال له عليّ: ما الظالم بسالم، ولا السيف عنه بسائم.
وخرج آذن عبد الملك فدعا بخالد، فقال له عبد الملك: ما لي أراك كالغضبان؟
قال: لست بغضبان، ولكنّي محجوج.
قال: ومن يحجّك وبيانك بيانك ولسانك لسانك؟
قال: ابن عبد الله: متّ بحرمة أعرفها، وذكر القرابة التي لا أدفعها، وأعلمني أنّ عليه دينا وأنّ له عيالا. وما للصنيعة عند مثله مترك.
فأمر له عبد الملك بمائة ألف درهم. فخرج إليه
خالد وهو يضحك ويقول: تخطّينا ما نكره إلى ما نحبّ: قد أمر لك أمير المؤمنين بمائة ألف درهم.
فقال له خيرا.
١٣٨٣ - خالد بن يزيد الخولانيّ
خالد بن يزيد بن أبي الهذيل، الخولانيّ، أبو يزيد.
يروي عن عبد الملك بن أيّوب الصدفيّ.
حدّث عنه يحيى بن عثمان بن صالح (٢).
١٣٨٤ - خالد بن يزيد الجمحيّ [- ١٣٩] (٣)
خالد بن يزيد أبي الصبيغ، مولى عمير بن وهب الجمحيّ، يكنّى أبا عبد الرحيم.
كان أبوه بربريّا. وكان فقيها مفتيا. آخر من حدّث عنه بمصر المفضّل بن فضالة.
توفّي سنة تسع وثلاثين ومائة.
ومن كلامه: إنّ الله لا يعذّب قوما بسبب أعمالهم حتى يكون رأيهم على أنّه صواب.
١٣٨٥/ ١٣٨٧ - خالد بن يزيد الفارسيّ الإفريقيّ [- ٢٢٨] (٤)
أبو القاسم. توفّي سنة ثمان وعشرين ومائتين.
حدّث.
١٣٨٦ - خالد بن يزيد المهلّبي
أبو الهيثم. بصريّ قدم مصر وحدّث.
стр. 1372
١٣٨٥/ ١٣٨٧ - خالد بن يزيد اللؤلؤيّ [- ٢٢٨] (١)
أبو الهيثم [وأبو القاسم]، من أهل فارس. قدم مصر وكتب عنه بها. وخرج إلى المغرب.
توفّي بإفريقيّة سنة ثمان وعشرين ومائتين.
١٣٨٨ - خالد بن يعفر السبائيّ
خالد بن يعفر بن اسميفع بن وعلة، السبائيّ (٢). كان شريفا [٤٣٧ ب] بمصر.
حدّث عنه سعيد [بن كثير] بن عفير (٣).
١٣٨٩ - ابن الزرّاد المقدّم [- ٧٤٥] (٤)
خالد بن الزرّاد المقدّم. كان رقّاصا بدار الولاية، ثمّ قدّمه الأمير علم الدين سنجر الخازن فصار مقدّم دار الوالي زمانا، إلى أن نقله الأمير علاء الدين هلال الدولة من تقدمة الولاية إلى تقدمة الخاصّ.
ثمّ ولي تقدمة الدولة وخلاص المعاملات من الضّمان ونحوهم. فكثرت أمواله ومتاجره، وتزايد لهوه وانهماكه في الترف والفساد، إلى أن قبض على ابن هلال الدولة فقبض عليه أيضا وضرب بالمقارع.
فالتزم أن يحمل كلّ يوم عشرة آلاف درهم. فحمل في مدّة شهر ثلاثمائة ألف درهم، وبعدها خمسة وثلاثين ألفا، سوى ما غرمه من برطيل وغيره.
وأفرج عنه وألزم أن يعود إلى تقدمة دار الوالي، فباشرها أنحس مباشرة. فصودر وأخذ منه نحو عشرين ألف درهم. وتعطّل حتّى قبض على جمال الكفاة، فكتب قصّة والتزم أن يخلّص من حواشيه مالا كثيرا (٥). فأعيد لتقدمة الدولة فاشتدّ ظلمه وعتوّه، إلى أن سلّط الله عليه أغرلو شادّ الدواوين فعاقبه حتى هلك يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخرج على لوح.
١٣٩٠ - أبو المجد خزعل الشنائيّ [- ٦٢٣] (٦)
خزعل بن عسكر بن خليل، الشيخ الفاضل، أبو المجد، الشنائيّ، المقرئ، النحويّ، اللغويّ.
سمع من الحافظ السّلفي. ودخل بغداد، وقرأ على الكمال أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباريّ (٧) أكثر مصنّفاته. وعند عوده من بغداد قطع عليه الطريق، وأخذ ما كان معه من الكتب.
وأقرأ القرآن مدّة ببيت المقدس. ثمّ تحوّل إلى دمشق، فسكنها إلى أن مات في الثالث أو الثاني والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستّمائة.
١٣٩١ - خسروان الأستاذ [- بعد ٥٤١]
خسروان الأستاذ، شقيق الملك، صاحب بيت المال.
كان فيه كرم وسموّ همّة، وعنده وقار. وكان لمساجد القرافة والجبل عنده روزنامج بأسماء
стр. 1373
أربابها ينفذ إليهم في أيّام العنب والتين، لكلّ مسجد قفص تين وقفص عنب، وأيّام الرطب رطبا، وفي ليالي الوقودات لكلّ مسجد خروف شواء وسطل جوذاب (١)، وجام حلواء، لا سيّما إذا كان يعمل جفان القطائف المحشوّة باللوز والسكّر والكافور والمسك، وفيها شيء بالفستق.
ويستدعي من لا يقدر على ذلك من أهل الجبل والقرافة وذوي البيوتات والمنقطعين. ويأمر بسكب الخلّ والشيرج (٢) عليها ويأمرهم بالقعود عليها والأكل والحمل منها. وكان يلتذّ بمن يأكل طعامه ويستدعي برّه.
وأنشأ مسجدا (٣) بالجبل الذي يقال له سطح الجرف حيث قلعة الجبل الآن. وحلف على الخليفة الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد فيه في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وعمل له فيه ضيافة للعسكر وسماطا للأمراء وكافّة الرؤساء، وكان شيئا عظيما أنفق فيه جملا مستكثرة.
وتوفّي [ ... ].
١٣٩٢ - الخضر ﵇ (٤)
الخضر، صاحب موسى ﵇.
اختلف في اسمه وفي اسم أبيه فقيل: خضر بن آدم ﵇ لصلبه. وقيل: اسمه معمّر بن
مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد. وقيل:
الخضر من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه. وقيل: اسمه بليا (٥). وقيل: إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل: اسمه إرميا بن طيغا. وقيل: بل هو من الفرس.
وقيل: هو الخضر بن ملكاني بن فالغ. وقيل:
اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ. وقيل: هو خضرون بن عمائيل بن الغزّ (٦) بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
وعن ابن عبّاس ﵁ أنّه قال: الخضر ابن آدم لصلبه، ونسئ له في أجله حتى يكذّب الدجّال.
وقيل: إنّما سمّي الخضر خضرا لأنّه إذا صلّى في مكان اخضرّ ما حوله.
وقيل: سمّي الخضر خضرا لحسنه وإشراق وجهه. وقيل: اسمه خضرون بن قابيل بن آدم.
وذكر ابن إسحاق أنّ آدم ﵇ لمّا حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بنيّ، إنّ الله منزل على أهل الأرض عذابا، فليكن جسدي معكم في المغارة حتّى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام- فكان جسده معهم. فلمّا بعث الله نوحا ضمّ ذلك الجسد. وأرسل الله الطوفان على أهل الأرض [٤٣٨ أ] فغرقت الأرض زمانا. فجاء نوح حتى نزل ببابل وأوصى بنيه الثلاثة- وهم سام وحام ويافث- أن يذهبوا بجسد آدم إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه فيه. فقالوا: الأرض وحشة لا أنيس بها ولا نهتدي الطريق، ولكن نكفّ حتى
стр. 1374
يأمن الناس ويكثروا وتأنس البلاد وتجفّ.
فقال لهم نوح: إنّ آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة.
فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولّى دفنه. وأنجز الله ما وعده: فهو يحيى إلى ما شاء الله له أن يحيى.
وعن سعيد بن المسيّب أنّه قال: الخضر أمّه روميّة وأبوه فارسيّ.
وقال عبد الرزّاق بن همّام: ثنا معمّر عن همّام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لم يسمّ خضرا إلّا لأنّه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتزّ خضراء- قال عبد الرزّاق: الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه.
وقال عبد الرحمن السلميّ: سمعت محمّد بن عبد الله الرازيّ يقول: سمعت بلال الخوّاص يقول: كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يمشي، فتعجّبت. ثمّ ألهمت أنّه الخضر ﵇ فقلت له: بحقّ الحقّ، من أنت؟
فقال: أنا أخوك الخضر.
قلت: أريد أن أسألك.
قال: سل.
قلت: ما تقول في محمد بن إدريس الشافعيّ؟
فقال لي: هو من الأوتاد.
قلت: فما تقول في أحمد بن حنبل؟
قال: رجل صدّيق.
قلت: فما تقول في بشر بن الحارث؟
فقال: رجل لم يخلف بعده مثله.
فقلت له: بأيّ وسيلة رأيتك؟
قال: ببرك [ة] أيّامك.
وعن ابن عبّاس ﵁ قال: سأل موسى ﵇ ربّه تعالى: أيّ عبادك أعلم؟
قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو تردّه عن ردى.
قال: ربّي، فمن هو؟
قال: الخضر.
قال: وأين أطلبه؟
قال: على ساحل البحر، عند الخضرة التي يتقلّب عندها الحوت.
فخرج موسى يطلبه حتّى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلّم كلّ واحد منهما على صاحبه.
وعن ابن عبّاس ﵁ أنّه قال: ما رآني رجل من بني فزارة في الرحل [ ... ] (١).
١٣٩٣ - «شلّحوه» الحلبيّ [- ٧٠٧] (٢)
خضر بن إبراهيم، الأمير شمس الدين، الحلبيّ، المعروف بشلّحوه.
كان أبوه أمير جاندار الملك الناصر يوسف صاحب حلب. وقدم القاهرة وهو بعمامة مدوّرة بلا كلفتاه، وهي هيئة الدولة الأيّوبيّة. فترقّى في الخدم واستقرّ في ولاية القاهرة عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الصوابيّ، بعد عزله، في أوّل شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وتسعين وستّمائة.
فسمّاه عامّة مصر: عرّوه شلّحوه! - يعني: انزعوا ثيابه- فاشتهر بهذا وعرف به. وباشر بأمانة وحرمة. وأضيفت له أيضا ولاية مصر مع القاهرة،
стр. 1375
يحكم في المدينتين، إلى أن صرفه الملك المنصور لاجين أوّل ذي الحجّة بناصر الدين ذبيان الشيخيّ، وولّاه شدّ الدواوين عوضا عن الشيخي.
وتسلّم حاشية الأمير قراسنقر نائب السلطنة ليستخرج منهم المال، وذلك في وزارة فخر الدين عمر بن الخليفي.
وتوفّي [ ... ] سنة سبع وسبعمائة.
١٣٩٤ - أبو المعالي ابن الرفّاء [- ٧٣٩] (١)
خضر بن إبراهيم بن عمر بن محمد بن يحيى، أبو المعالي، ابن الرفّاء، الخفاجيّ، الأديب.
توفّي في يوم [ ... ] سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
١٣٩٥ - كمال الدين الكرديّ، قاضي المقس [- ٦٥٩] (٢)
خضر بن أبي بكر بن أحمد، كمال الدين، الكرديّ، قاضي المقس.
شدا شيئا من الفقه، ودرّس بالمدرسة المسرو [ر] يّة (٣) من القاهرة. وناب عن القضاة في المقس ظاهر القاهرة. واتّصل بالسلطان المعزّ عزّ الدين أيبك، فقرّبه وأدناه ونوّه بذكره ولازم مجلسه. فكان يحترمه إلى أن انقضت أيّامه، وقام السلطان الملك المظفّر سيف الدين قطز، واستقرّ في قضاء القضاة تاج الدين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ. [ف] صرفه عن الحكم بالمقس. فشقّ عليه
العزل، وقصد مكايدة القاضي، وكتب في ورق الطير: المودع عند فلان كذا- وسمّى عدّة أناس، منهم ابن بنت الأعزّ. وجعل الورقة تحت فصّ خاتم وأوصله إلى السلطان، وزعم أنّه وجد هذا الخاتم عند بعض خدّام شجر الدرّ، وأقام شخصا يعرف [٤٣٨ ب] بابن الطرائقي في إيصال ذلك إلى السلطان. فلم تتمّ له مكيدته، وأخذ بعض أكابر الأمراء يتلطّف بابن الطرائقيّ ويخوّفه عاقبة ذلك ويمنّيه حتّى اعترف أنّ الكمال خضرا أمره بذلك، وأنّه بعثه إلى صفيّ الدين إبراهيم بن مرزوق حتّى أخذ له ورق الطير وأتاه به فكتب فيه ما كتب، وأنّه مضى إلى فلان الصائغ فصاغ له هذا الخاتم، وحمل إليه ورقة الطير المكتوبة حتّى عملها تحت فصّ الخاتم.
فأوصل الأمير خبره إلى السلطان. فرسم بعقد مجلس بحضرة القضاة والمشايخ والفقهاء مع الوزير والأمراء عند نائب السلطان، وأن يحكم في هذه الواقعة شيخ الإسلام (٤) بقلعة الجبل. وأحضر الصائغ فذكر كما ذكر ابن الطرائقيّ. وأخذ الشيخ عزّ الدين في استيفاء الكشف عن هذه القضيّة، حتّى ظهر له ولجميع من حضر افتراء الكمال خضر. فطولع السلطان بذلك، فرسم أن يعتمد في أمر الكمال ما يقتضيه رأي ابن عبد السلام: فأمر بتعزيره وعزله عن التدريس وصرفه عن القضاء وإسقاط عدالته. فأقيم من المجلس وعزّر وصفع وأخرج عنه التدريس وأسقط وحبس فقال فيه [بعض شعراء عصره] [رجز]:
ما وفّق الكمال في أفعاله ... كلّا، ولا سدّد في أقواله
стр. 1376
يقول من أبصره يصكّ تأ ... ديبا على ما كان من محاله
قد كان مكتوبا على جبينه ... فقلت: لا بل كان في قذاله
فلم ينته (١). وقال- وقد قيل له: ما لك والتعرّض لهذا القاضي وقد جرى ما جرى؟ فارجع عن التعرّض له-: والله لا تركته حتى أموت وأشنق من هذه الرقبة- وأشار إلى عنقه. فما كان غير أيّام حتى عمل أذيّة (٢) أخرى: وهو أنّه كان في الحبس شخص يزعم أنّه من أولاد الخلفاء فمات وترك ولدا. فلمّا خرج الكمال من الحبس شرع في السعي لهذا الولد، وتحدّث مع جماعة من الأعيان في إقامته خليفة، وأنّه ولد الخليفة الناصر العبّاسيّ، وحلّف له كثيرا من الطائفة الشهرزوريّة، وكتب مناشير وتواقيع بولايات وإقطاعات، وعمل بنودا وصناجق سودا، وواعد أصحابه على التوجّه إلى ناحية الواح بهذا الصبيّ وإظهار خلافته هناك.
ودعا الناس لطاعته والقيام بنصرته. فعثر عليه ووشي به إلى السلطان فقبض عليه. وشنق في رقبته كما قال. وعملت نسخ الأيمان في عنقه والصناجق على رأسه، وذلك في سنة تسع وخمسين وستّمائة.
١٣٩٦ - خضر بن بدران الشاعر التركيّ [٥٤٣ - ٦٣١] (٣)
خضر بن بدران بن بغرا بن حطّان بن كمشتكين بن عبد الله، الأديب الأجلّ، أبو العبّاس، التركيّ.
مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وتوفّي
في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين وستّمائة بمصر.
ومن شعره [رجز]:
عرّج بسكّان الغضا ... وقل لهم معرّضا:
متى ترقّوا في الهوى ... لعاشق لن يغمضا
هجرانكم ما ينقضي ... ووصلكم لا يقتضى
يا قاتلي بهجره ... دون الورى، متى الرّضا؟
متى أرى لسوء ح ... ظّي الوصل منكم أبيضا؟
١٣٩٧ - الأشرف خليل بن قلاوون [٦٧٠ - ٦٩٣] (٤)
خليل بن قلاوون، السلطان الملك الأشرف، صلاح الدين، ابن الملك المنصور سيف الدين الألفيّ الصالحيّ النجميّ.
ولد [ ... ] سنة سبعين وستّمائة. وأحبّه [ ... ] وفوّض إليه ولاية العهد وأركبه بشعار السلطنة من قلعة الجبل في يوم الجمعة حادي عشر شعبان سنة سبع وثمانين وستّمائة فسار إلى باب النصر من خارج السور، وشقّ القاهرة وصعد القلعة من باب زويلة، وسائر الأمراء في خدمته، ودقّت البشائر وخلع على أهل الدولة، وخطب له بعد أبيه على منابر مصر والشام، وكتب بتقليده فتوقّف السلطان عن الكتابة عليه وقال لدغدي الدوادار لمّا قدم معه ليكتب عليه: طيّبه عندك حتّى أطلبه.
стр. 1377
فلمّا سافر السلطان في المحرّم سنة ثمان وثمانين وستّمائة لأخذ طرابلس [٤٣٩ أ] من الفرنج، استخلفه على مصر وجعل معه الأمير الوزير بدر الدين بيدرا إلى أن عاد.
[تولّيه السلطنة بعد قلاوون (سنة ٦٨٩)]
فلمّا مات أبوه الملك المنصور جلس بعده على تخت الملك بقلعة الجبل في يوم الأحد سابع شوّال سنة تسع وثمانين وستّمائة، ولم يختلف أحدعليه. وحلف له الأمراء وأهل الدولة في يوم الاثنين ثامنه، وخطب له على منابر مصر في يوم الجمعة ثاني عشرة. فطلب من القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر كاتب السرّ تقليده بولاية العهد.
فأحضره إليه مكتوبا وليست عليه علامة السلطان.
وكان قد طلبه الأشرف في حياة أبيه مرارا، وابن عبد الظاهر يقدّمه إليه، ويأبى أن يكتب عليه علامته. فلمّا تكرّر تقديمه للعلامة ردّه وقال: يا فتح الدين، أنا [ما] (١) أولّي خليلا على المسلمين!
وبلغ ذلك الأشرف. فلمّا أحضر إليه ابن عبد الظاهر تقليد العهد ورآه بغير علامة، قال: يا فتح الدين، إنّ السلطان امتنع من أن يعطيني، فقد أعطاني الله وألقى إليّ التقليد!
ثمّ خلع على سائر الأمراء وجميع أهل الدولة.
وركب من قلعة الجبل بشعار السلطنة في يوم الجمعة المذكور، وسيّر بالميدان الأسود (٢) تحت القلعة على العادة وعاد سريعا: فقد بلغه أنّ طرنطاي (٣) النائب يريد الفتك به. فعند ما استقرّ
بالقلعة استدعى طرنطاي وقبض عليه. ثمّ قبض على سنقر الأشقر وجرمك الناصريّ، وكانا أكبر أمراء دولة أبيه.
[فتح عكّا (جمادى ٦٩٠)]
وتجرّد للغزو فندب العساكر من البلاد الشاميّة للجهاد وكتب إليهم بتجهيز الزردخاناه وأعواد المجانيق والحجّارين. وخرج الأمير أيبك الأفرم لذلك فجهّز أعواد المجانيق من دمشق حتى كمل في ثاني عشر ربيع الأوّل وسيّرها مع الأمير علم الدين سنجر الدواداريّ. وخرج الأمير لاجين نائب دمشق بعساكرها، وقدم صاحب حماة ونوّاب الممالك. وبرز السلطان من قلعة الجبل في يوم الثلاثاء ثالث ربيع الأوّل سنة تسعين وستّمائة، وسار بعساكر مصر، وقدّم حريمه إلى دمشق.
فوصل إلى عكّا في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر. وقدمت عليه المجانيق يوم الجمعة وعدّتها اثنان وتسعون منجنيقا، فتكامل نصبها وأقيمت الستائر في أربعة أيّام.
وكان الفرنج قد استنصروا بأهل الجزائر فقدمت إليهم جموع كثيرة، وأغلقوا أبواب عكّا.
فوقع الحصار وعملت النقوب إلى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى. فركب السلطان ورتّب الكوسات على ثلاثمائة جمل وأمر أن تضرب جملة واحدة. وزحف بعساكر المسلمين عند طلوع الشمس ودقّت الكوسات فارتجّت الأرض وهال الفرنج ما سمعوه من ضرب الكوسات ومشاهدة الكماة. وأنزل الله نصره على المؤمنين، فلم ترتفع الشمس حتى علت الصناجق السلطانيّة على أسوار عكّا، وانهزم الفرنج إلى المراكب بالبحر، فهلك منهم في الزحام خلق كثير، والمسلمون تقتل وتأسر وتنهب وتسبي النساء والأولاد، فقتل وأسر وسبي ما لا يحصى كثرة.
стр. 1378
وأمر السلطان بتخريب عكّا، فابتدأ هدمها وإحراقها في يوم السبت ثامن عشره. فكانت مدّة حصارها أربعة وأربعين يوما (١).
وأكرم الله بالشهادة من الأمراء كشتغدي الشمسيّ، وأيبك العزيّ نقيب الجيوش، وآقوش الغتميّ (٢)، وبيليك المسعوديّ، وقيران السكريّ، وأربعة من مقدّمي الحلقة، وجماعة يسيرة من الأجناد.
وفتح الله تعالى أيضا صور في تاسع عشره، وصيدا في عشرينه، وحيفا وعثليت (٣)، كلّ ذلك بغير قتال. فأمر بهدم صور وحيفا وعثليث فهدمت كلّها.
وقبض على الأمير لاجين نائب دمشق وبعثه إلى قلعة الجبل. ثمّ رحل عن عكّا إلى دمشق فدخلها يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة وقد زيّنت زينة عظيمة وكان يوما مشهودا. وفيه ولّى الأمير سنجر الشجاعيّ نيابة دمشق.
وخرج السلطان من دمشق في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب، وسار إلى القاهرة، فوصلها يوم الاثنين تاسع شعبان ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة [٤٣٩ ب] إلى القلعة، وقد زيّنت القاهرة زينة عظيمة لم ير قبلها مثلها، وكان من الأيّام المذكورة.
[تطهير الساحل من الصليبيّين (سنة ٦٩١)]
وخرج الشجاعيّ من عكّا فأخذ بيروت من الفرنج في شعبان، ولم يبق في جميع الساحل أحد من الفرنج.
وفي يوم السبت ثامن شهر ربيع الآخر سار السلطان من قلعة الجبل إلى الشام بعساكر مصر، ومعه الأمير لاجين بعد ما أفرج عنه وأعاد إليه الأمر بمصر. فدخل دمشق يوم السبت سادس جمادى الأولى، وأنفق في العساكر يوم الاثنين ثامنه.
وخرج في سادس عشره إلى حلب فدخلها في ثامن عشرينه. وسار منها يريد أخذ قلعة الروم في يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة. فنزل عليها يوم الثلاثاء ثامنه وحاصرها ونصب عليها عشرين منجنيقا، وعملت النقوب وتحيّل الأمير سنجر الشجاعيّ نائب دمشق في عمل سلسلة شبك طرفها بالغرب من شراريف القلعة وطرفها الآخر بالأرض، وطلع فيها المقاتلة وقاتلوا أهل القلعة قتالا شديدا. ففتحها الله في يوم السبت حادي عشر رجب عنوة، فقتلت المقاتلة وسبيت النساء والذراريّ، وأسر بطرك الأرمن. فكانت مدّة الحصار ثلاثا وثلاثين يوما. وسمّى السّلطان هذه القلعة قلعة المسلمين فعرفت بذلك إلى اليوم.
وكثرت الأسرى في أيدي العسكر، فكانت حصّة الزردخاناه السلطانيّة من الأسرى ألفا ومائتي أسير. واستشهد من الأمراء شرف الدين الخطير وابن أمير جاندار. وكتب بالفتح إلى البلاد، فزيّنت دمشق ودقّت البشائر.
ورحل السلطان عنها يوم السبت ثامن عشره، وأقام نائب دمشق لعمارة ما تهدّم منها بالمجانيق والنقوب، وتخريب ربضها وإعادته قريبا منها.
فأقام بحلب إلى نصف شعبان وعزل قرا سنقر نائبها وولّى عوضه بلبان الطباخي.
وخرج من حلب إلى دمشق فقدمها في العشرين منه، وبين يديه البطرك والأسارى، فكان يوما عظيما. ونزل القلعة، وجرّد الأمير بيدرا النائب بديار مصر على عسكر كبير إلى جبال كسروان
стр. 1379
فرجع بغير طائل. ووقع في جمال العسكر وباء كثير فسار أكثر العسكر من دمشق إلى القاهرة في العشرين من رمضان.
فلمّا كانت ليلة عيد الفطر هرب الأمير لاجين الصغير [من داره بدمشق] خوفا من القبض عليه.
فنودي بدمشق: من أحضر لاجين فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق- وركب السلطان في خاصّكيّته وجماعة من الأمراء، وترك سماط العيد وساق في طلبه وبعث الأمراء يمينا وشمالا فلم يظفر به، وعاد آخر النهار وقد بلغ من التعب مبلغا مشقا، فزاد قلقه. واتّفق أنّ لاجين نزل عند العرب فأخذوه برمّته وحملوه إلى دمشق. فقبض السلطان على الأمير بيبرس طقصو حمي لاجين، وبعثهما إلى قلعة الجبل. وعزل سنجر الشجاعيّ عن نيابة دمشق وولّى أيبك الحموي.
[وفي الثلث الآخر من ليلة الثلاثاء تاسعه] خرج من دمشق [عائدا إلى مصر، بعد ما رسم لجميع أهل الأسواق] (١) أن يقفوا من باب النصر إلى جامع القدم (٢) وبيد كلّ منهم شمعة. فلمّا ركب أشعلوا الشموع كلّها وسار السلطان بين صفّين من شموع مشعلة من باب النصر إلى مسجد القدم، ونزل مخيّمه. ثمّ سار فدخل القاهرة من باب النصر، وخرج من باب زويلة وصعد قلعة الجبل في يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة، وقد عمل من الزينة والقلاع والتهاني، وأوقد من الشموع ما يجلّ وصفه.
ثمّ خرج إلى بلاد الصعيد في المحرّم سنة اثنتين وتسعين فانتهى إلى مدينة قوص ونادى بها في العسكر أن يتجهّزوا لغزو اليمن، وعاد إلى قلعة الجبل.
[أخذه لقلاع الأرمن (جمادى ٦٩٢)]
ثمّ خرج إلى بلاد الشام مخفّا على الهجن في خواصّه، وسيّر العساكر والخزائن صحبة الأمير بيدرا نائب السلطنة والوزير شمس الدين محمد بن السلعوس، فدخل السلطان إلى مدينة الكرك وسلك البرّيّة إليها، فأقام بها حتى رتّب أحوالها.
وخرج إلى دمشق فقدمها في تاسع جمادى الآخرة، وقد وصل النائب والوزير قبله بثلاثة أيّام. وأمر بالتجهيز لأخذ بهسنا (٣) ومرعش وتلّ حمدون من الأرمن [٤٤٠ أ]. فقدم عليه رسل سيس فسألوا العفو عنهم و [اتّفق الحال معهم] أن يسلّموا البلاد المذكورة، فأجيبوا إلى سؤالهم وسافروا ومعهم الأمير طوغان والي برّ دمشق ليتسلّم ذلك. فقدم البريد بأنّه تسلّمها في أوائل رجب، ودقّت البشائر بقلعة دمشق. وبعث إليها (٤) النوّاب والقضاة والرجال، ثمّ قدم طوغان بالرسل ومعهم تقادم سيس والحمل في ثامن عشرينه بعد ما توجّه السلطان من دمشق في ثاني رجب إلى حمص فأدركوه. وسار من حمص إلى سلميّة مخفّا ونزل بغتة على الأمير مهنّا بن عيسى وقبض عليه وعلى إخوته وبعث بهم إلى دمشق في سابعه. وبعث الأمير أيبك الأفرم فهدم قلعة الشوبك. وخرج الأمير بيدرا والوزير ابن السلعوس من دمشق بالعسكر والخزانة في حادي عشره. وخرج السلطان يوم السبت ثالث عشره في عدّة من خواصّه فدخل غزّة في سابع عشره، وقدم إلى القاهرة في ثامن عشرينه.
[تدبير بيدرا لقتله]
ثمّ خرج من قلعة الجبل في ثالث المحرّم سنة
стр. 1380
ثلاث وتسعين وستّمائة وعدّى النيل إلى برّ الجيزة وصحبته الأمير بيدرا النائب وغيره من الأمراء.
وسار إلى الطرّانة. فقدّم منها الوزير شمس الدين محمد بن السلعوس إلى الإسكندريّة لتحصيل الأموال وتجهيز تعابي الثياب، فوجد نوّاب بيدرا قد استولوا على المتاجر والاستعمالات وغيرها، فكتب يعرّف السلطان أنّه لم يجد بالثغر ما يكفي الإطلاقات الجاري بها العادة، وأنّ الصنف كلّه قد استولى عليه نوّاب الأمير بيدرا نائب السلطنة.
فاشتدّ غضب [السلطان] وطلب بيدرا وشتمه وأخرق به بحضور الأمراء. فدارى أمره حتّى خرج من بين يديه، وجمع الأمراء أصحابه وشاورهم، فأشاروا عليه بقتل السلطان.
وكان السلطان قد نزل بأرض الحمّامات للصيد، وأقام إلى يوم السبت ثاني عشر المحرّم.
واتّفق أنّ السلطان كان قد أذن لأمرائه الخاصّكيّة أن يتوجّهوا إلى إقطاعاتهم، وانفرد بمماليكه.
وركب من تروجة ليتصيّد. وبعث إلى بيدرا أن يسير تحت الصناجق بالأمراء الذين تأخّروا وبقيّة العسكر. وحملت الزردخاناه وسار بها أمير جاندار.
وسار السلطان في وقت العصر وليس معه غير الأمير شهاب الدين أحمد بن الأشلّ أمير شكار فقط، يريد طيرا سمع به في ناحية تروجة. وساق ليسبق خاصّكيّته إلى أن رأى طيرا كثيرا فصرع منه بالبندق ما شاء الله، والتفت إلى أمير شكار وقال:
أنا جيعان، فهل معك ما آكل؟
فقال: والله ما معي سوى رغيف واحد وفرّوج في صولقي (١) ادّخرته لنفسي.
فقال: ناولنيه!
فتناوله وأكله جميعه. ثمّ قال لأمير شكار:
امسك فرسي حتى أنزل أبول- وكان أمير شكار كثير التبسّط مع السلطان، فقال: ما فيها حيلة:
السلطان على حصان، وأنا على حجرة وما يتّفقان!
فقال السلطان: انزل أنت واركب خلفي حتّى أنزل أنا.
فنزل أمير شكار وناول السلطان عنان فرسه وأمسكه، ثمّ ركب خلف السلطان ونزل [السلطان] فقضى حاجته. ثمّ قام وركب حصانه ومسك فرس أمير شكار حتّى ركب، وإذا بغبار عظيم قد ثار إلى جهته فقال لأمير شكار: امض اكشف الخبر!
[قتله بيد بيدرا (محرّم ٦٩٣)]
فساق يريده وإذا هو بالأمير بيدرا في طائفة من الأمراء. فسألهم عن سبب مجيئهم فلم يجيبوه، ومرّوا كما هم إلى السلطان، وبدره بيدرا بالسّيف فقطع يده وثنّى في ضربه فألقى كتفه. فتقدّم الأمير حسام الدين لاجين وقال: يا بيدرا، من يريد ملك مصر والشام تكون هذه ضربته! - وضرب السلطان على كتفه فحلّه، فسقط إلى الأرض. وجاء بهادر رأس نوبة فوضع السيف في دبره وأخرجه من حلقه. وتناوبه قراسنقر، وأقسنقر الحساميّ، ونوغاي، ومحمد خواجا، وطرنطاي الساقي، والطنبغا رأس نوبة حتّى شفوا أنفسهم، وذلك يوم السبت المذكور، وتركوه وانصرفوا (٢). فبقي مطروحا في موضعه يومين حتى جاء الأمير أيدمر العجميّ متولّي تروجة وحمله في تابوت إلى تروجة وغسّله في الحمّام وكفّنه وخلّاه في بيت
стр. 1381
المال بدار الولاية [٤٤٠ ب] إلى أن حضر الأمير سعد الدين كوجبا الناصريّ وحمله في تابوته إلى المدرسة الأشرفيّة بجوار المشهد النفيسيّ خارج مدينة مصر، ودفنه بها سحر يوم الجمعة ثاني عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستّمائة، وكانت مدّة سلطنته ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيّام.
ومات عن ابنتين من زوجته خاتون أردكين فورثه معهنّ أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون.
[بعض صفاته]:
وكان كريما شجاعا مقداما خفيف الركاب مظفّرا في حروبه. نظّف الساحل الشاميّ من الفرنج، وفتح عكّا وصور وبيروت وصيدا وبهسنا وقلعة الروم وجميع الساحل في أقرب مدّة. وكان حسن النادرة يطارح الأدباء بذهن رائق وذكاء مفرط. واتّفق له أنّه جلس في أيّام أبيه بالميدان والقرّاء يقرءون القرآن، وكان أبوه يحاصر طرابلس، فقال الأشرف: في هذه الساعة أخذت طرابلس! - فضبط ذلك فكان كما قال.
وقال محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر: ما رأيت وما سمعت أسبق من ذهن الملك الأشرف إلى فهم، ولا أدرك منه إلى ما يريد الوهم. لقد كتبت عنه واستكتبت فما علّم على مكتوب قطّ إلّا وقرأه جميعه، وفهم أصول المكتوب وفروعه، لا بل استدرك عليّ وعلى الكتّاب، وخرّج أشياء كثيرة معه فيها الصواب، وذلك بحسن تعطّف وكثير تلطّف.
وعظم الأشرف في نفسه حتّى صار في آخر أيّامه يكتب موضع العلامة «خ»، إشارة إلى الحرف الأوّل من حروف اسمه. ومنع كتّاب الإنشاء أن يكتبوا لأحد من الأمراء والنوّاب «الزعيميّ» وقال: من زعيم الجيوش غيري؟
وكان يؤخذ في باب الجابية أحد أبواب مدينة دمشق على كلّ حمل من القمح خمسة دراهم، فأمر بإبطال ذلك، وكتب مرسوم المسامحة بهذاالمكس، فكتب بخطّه بين الأسطر بقلم العلامة:
ولنكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب لنا الدعاء من الخاصّة والعامّة! [البسيط]:
وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... وأوّل الغيث قطر ثمّ ينسكب
إلّا أنّه رمي بأنه يشرب الخمر في رمضان، وأنّه يفسق بالمردان، ولا يصلّي، فاستفتى بيدرا الفقهاء في قتله فأفتوا بإراقة دمه. وذكر أنّ بيدرا جلس معه على الأكل. فلمّا فرغ من أكله لعق أصابعه فأنكر عليه الأشرف ذلك، فقال: يا خوند، السنّة لعق الأصابع بعد الأكل- وذكر له قول رسول الله ﷺ :
«إذا أكل أحدكم فلا يغسل يده- أو قال: أصابعه- حتى يلعقها! ».
فلمّا قال بيدرا الحديث، قال الأشرف بالتركيّة:
هي طاط- فسأل بيدرا الفقهاء ممّن ذكر له حديث رسول الله ﷺ ، فقال: كذا، وهذا معناه بالعربيّة:
فلّاح- يعني أنّ قائل هذا فلّاح- فقالوا: هذا تنقيص، ويقتل قائله لفساد طويّته وخبث نيّته.
[فراسته]:
ومن غريب ما وقع له أنّه كان مرّة راكبا للصيد، ولاجين يومئذ من جملة السلاح داريّة، وهو نوبته في حمل السلاح. فلمّا أقام السلطان الحلقة دفع لاجين السلاح السلطانيّ إلى بدر الدين بكتوت أحد السلاح داريّة ومضى في شغل ندب إليه.
فوقف بكتوت بالسلاح على العادة، وأطرق السلطان ساعة كالمفكّر، ثمّ قال لبكتوت: يا بكتوت، والله لقد التفتّ ورائي فرأيت لاجين خلفي وهو حامل سلاحي والسيف في يده، فخيّل
стр. 1382
لي أنّه يريد أن يضربني به. فنظرت إليه وقلت له:
يا شقير أعط السلاح لبكتوت يحمله، وتوجّه أنت مكانه!
قال بكتوت: فقلت للسلطان: أعيذ مولانا بالله أن يخطر بباله! ولاجين أقلّ من هذا وأضعف نفسا أن يخطر هذا بباله، فضلا أن يقدم عليه، وهو مملوك مولانا السلطان ومملوك الشهيد وتربية بيته الشريف.
فقال: ما عرّفتك إلّا ما خطر لي.
ثمّ إنّي اجتمعت بلاجين في خلوة، وقلت له:
بالله، تجنّب السلطان ولا تكثر من حمل السلاح! - وأخبرته بما قال: فضحك وقال: والله لمّا نظر إليّ وقال لي: «يا شقير»، كنت قد عزمت على تجريد سيفه وقتله به.
فعدّ هذا من أعجب العجب [٤٤١ أ]، وصدق حدس السلطان وتولّى لاجين قتله.
[تحدّيه لابن هولاكو]
ومن شجاعته أنّ كيختوا بن هولاكو ملك التتار بعث في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة رسله بكتابه، وقالوا له مشافهة: القان يقصد دخول حلب والإقامة بها، فإنّها ممّا فتحه أبوه هولاكو بسيفه، وهي في ملكه. وإن لم يسمح بها، عبر إلى الشام.
فأجابهم في الحال من غير توقّف، وهو يبتسم وقال: الحمد لله قد وافق أخي القان ما كان في نفسي وتحدّثت به مع أمراء دولتي: أنّي أسير أطلب من أخي بغداد، فإن لم يسمح بها ركبت وأخذتها بعسكري وخربت بلاده وقتلت رجاله وفتحتها قهرا وأقمت بها نائبا عنّي، فإنّ بغداد هي دار الإسلام، وأرجو أن أعيدها للإسلام كما كانت. ولكن عرّفوه: سننظر من يسبق إلى بلاد صاحبه ويدخل إليها!
وأخرجهم إلى حيث أنزلهم، وكتب في الحال إلى نوّاب الشام بتجهيز الإقامات وأخذ العساكر الأهبة لعبور الفرات وغزو بغداد. وتقدّم إلى أمراء مصر وعساكرها بلبس آلة الحرب والحضور إلى الميدان. وأنزل بالرسل لمشاهدة العسكر، فخرج معظم أهل القاهرة ومصر ليروا عرضالعساكر وكان يوما مشهودا، ركب فيه السلطان بعد أذان الظهر وعليه قرقل (١) وفوق رأسه كوفيّة وبيده شطفة. ودخل الميدان، وبعده الأمراء واحدا بعد واحد وعليهم أفخر آلات الحرب، وكلّ منهم يحمل شطفة فيها رنكه. فكرّوا وفرّوا وأظهروا أعمالهم الحربيّة، إلى أن أذّن العصر، فدهش الرسل لما رأوا.
وكان هذا ثالث عرض عرضه في مدّة سلطنته، فلمّا انقضى أمرهم نزل وخلع وأنعم، واستدعى الرسل وقال لهم: أعلموا أخي كيختوا أنّ من يكون معه مثل هذا العسكر [لا] يتوقّف في دخول بلادك أو بلاد غيرك. والله، وتربة أبي، لأدخلنّ إليه وأخرّب بيوت جميع المغل وأجعلها بلاد إسلام إلى يوم القيامة، إلّا أن يدركني أجلي!
ثمّ خلع عليهم وردّهم، وكتب يستحثّ النوّاب فعاجلته منيّته قبل بلوغ أمله عقيب ذلك.
[تأهّب مماليكه للثأر من قاتليه]
وكان عزاؤه من الأمور المذكورة: فإنّ زوجته الخاتون أردكين (٢) بنت نوكاي استأذنت في عمل العزاء، فمرّت في القاهرة ومعها مائة جارية وثلاثون خادما وعدّة بابيّات (٣)، ومماليك صغار،
стр. 1383
وقد حسر الجواري عن وجوههنّ وأرسلن شعورهنّ من ورائهنّ محلولة وعليهنّ جلال سود وعبى مخرّقة في أعناقهنّ، ومعهنّ عدّة جوق من النوائح المحزنة وقد أشعلت معهنّ ستّين شمعة، وعدّة كبيرة من الفوانيس يحملها الخدم والبابيّة والنوائح يندبن، والجواري يصحن، وكان من قول النوائح بالأصوات الشجيّة:
جدّدوا همّي وأحزاني ... وافرحة الأعدا بسلطاني!
يا ضاربه بالسيف شلّت يداك ... قد بلغت يمناك منه مناك
لا ماتني ربّي حتى أراك ... قد سمّروا عينيك وهذا جزاك
إلى غير هذا. فأقمن على هذا ستّ ليال، كلّ ليلة من العشاء إلى السحر حتى قلق الناس وكثر توجّعهم وبكاؤهم. فهاجت حفائظ المماليك الأشرفيّة واجتمعوا إلى الأمير سنجر الشجاعيّ وبكوا عنده فهيّجه بكاؤهم، واجتمع بكتبغا النائب وغيره من الأمراء، حتى كان من قتل الأمراء ما ذكر في موضعه.
[صفاته الجسميّة]
وكان بطلا شجاعا مهابا عالي الهمّة، يملأ العين ويرجف القلب. وكان ضخما سمينا كبير الوجه بديع الجمال مستدير اللّحية على وجهه رونق الحسن وهيبة السلطنة.
وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى، تخافه الملوك في أقطارها، [و] أباد جماعة من كبار الدولة.
وكان منهمكا على اللذّات لا يعبأ بالتحرّز على نفسه لفرط شجاعته. وكان كرمه زائدا وإطلاقاته عظيمة.
وكانت واقعته تسمّى وقعة الأيدي والأكتاف، لأنّ جميع من وافق على قتله قطعت أيديهم أوّلا، وفيهم من سمّر، وفيهم من أحرق، وفيهم من قتل.
[نماذج من توقيعاته]
ولم يجدّد في زمانه مظلمة ولا استجدّ ضمان مكس. وكان يحبّ الشام وأهله. وكان عند ما أقيم سلطانا، منع أن يكتب إلى أحد بدعاء في أوّل المكاتبة مثل: حرس الله نعمة المجلس، وما أشبه ذلك، وقال: من هو الذي افتتح خطابه بالدعاء له؟
ولمّا توفّي فتح الدين ابن عبد الظاهر (١)، وأقام بعده عماد الدين ابن الأثير في كتابة السرّ بعث إليه ورقة بخطّة فيها: يا عماد، اكتب كيت وكيت! - ثمّ بعد مدّة جاءت إليه منه ورقة فيها بخطّه: يا عماد الدين، اكتب بكذا وكذا! - ثم بعد مدّة جاءته ورقة فيها: يا عماد الدين كاتب سرّنا، اكتب بكذا وكذا!
وكان الموقّعون يكتبون في الطرّة إشارة إلى ما يعلّمه السلطان، على قدر المكاتبة، إمّا أن يكتب:
«آمره»، أو يقولون «بيبرس» أو «قلاوون» أو «خليل» بحسب اسم السلطان. فأبطل ذلك ابن عبد الظاهر في أيّام الأشرف- أعني كتابة «خليل» - وكتب: «الاسم الشريف»، فأعجب السلطان ذلك وأمر له لكلّ حرف بألف درهم. ووجدت أوراق كثيرة عند شرف الدين فضل الله كاتب السرّ بخطّ الأشرف إليه فيها مقاصد ما يكتبه عنه بعبارة
стр. 1384
مسدّدة، ومقاصد مستوفاة للغرض المقصود، وفي بعضها بخطّ يده: عجبا عجبا لذهنك الوقّاد وفكرك النقّاد، كيف فاتك هذا؟ - وكان فيها ما يكتب إلى أبي نميّ، ومن جملته: فركنت إلى الظاهر وهو أخبث الطير، وأنت أحذر الوحش.
[ما قيل فيه من شعر]
وفيه يقول شمس الدين محمد بن سليمان بن غانم [المتقارب]:
مليكان قد لقّبا بالصّلاح ... فهذا خليل وذا يوسف
فيوسف لا شكّ في فضله ... ولكن خليل هو الأشرف
وذكر ابن عبد الظاهر أنّ شرف الدين البوصيريّ رأى في منامه قبل الحركة إلى عكّا في شوّال سنة تسع وثمانين وستّمائة- وقال ذلك لجماعة شهدوا بصحّة ذلك- وكأنّ قائلا ينشد: [من مخلّع البسيط]:
قد أخذ المسلمون عكّا ... وأشبعوا الكافرين صكّا
وساق سلطاننا إليهم ... خيلا تدكّ الجبال دكّا
وأقسم التّرك منذ سارت ... لا تركوا للفرنج ملكا
وقال فيه ابن دانيال لمّا فتح عكّا: [من الخفيف]:
ما رأى الناس مثل ملكك ملكا ... ملأ الخافقين للحرب تركا
وجيوشا لو صادمت جبل الشّر ... ك لدكّته بالسّنابك دكّا
منها:
قد رأينا وأنت أنت صلاح ال ... دين ما كان عن سميّك يحكى
صدت صيدا قنصا وصور وعثلي ... ث وبيروت بعد فتح [ك] عكّا
وله فيه أمداح كثيرة، من ذلك من قصيدة مدحه بها لمّا عمّر الإيوان الذي بالقلعة وقد زخرفه وعليّ قبّته: [من البسيط]:
وقبّة هي للأفلاك عاشرة ... ودونها في علوّ الشأن كيوان
كأنّها العالم العلويّ تحرسها ... الأملاك لم يدن منها ثمّ شيطان
علت فأفلاكها الأفلاك في شرف ... وتبرها الشّهب والأركان أركان
وأنت يا أشرف الأملاك شمس علا ... سمائها وعلى ظنّي سليمان
وتحت دهليزك الزاهي بزركشه ... من كلّ ما تتمنّى النفس ألوان
والجيش بالقبق المنصور قد ولعوا ... بكلّ طائشة والقوس مرنان [٤٤٢ أ]
كأنّما العرض يوم العرض إذ عرضوا ... عليه صفّا وللإعطاء ميزان
وكان مغرى بالهدم، لأنّه هدم أماكن، وفيه يقول علاء الدين الوداعيّ لمّا أمر بهدم الأماكن التي تجاور الميدان بدمشق، ووزّع عمارته على الأمراء. ومن خطّه نقلت [من السريع]:
إن أمر السلطان في جلّق ... بهدم ما ضايق ميدانه
فإنّه قد غار لمّا رأى ... غير بيوت الله جيرانه
وقال أيضا [من الوافر]:
стр. 1385
جزيتم أيّها الأمراء خيرا ... على إتقانكم هذي البنيّه
فلا تخشوا على الميدان شيئا ... سوى سيل العطايا الأشرفيّه
فاتّفق أنّ السلطان حضر بعد ذلك، وأنفق في العساكر.
وقال الشهاب محمود، لمّا فتح السلطان عكّا، قصيدته البائيّة المشهورة، يمدح [هـ] بها، وهي [البسيط]
الحمد لله زالت دولة الصّلب ... وعزّ بالتّرك دين المصطفى العربي
هذا الذي كانت الآمال لو طلبت ... رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب
ما بعد عكّا وقد هدّت قواعدها ... في البحر للشّرك عند البرّ من أرب
عقيلة ذهبت أيدي الخطوب بها ... دهرا وشدّت عليها كفّ مغتصب
٥ لم يبق من بعدها للكفر مذ خربت ... في البرّ والبحر ما ينجي سوى الهرب
كانت تخيّلنا آمالنا فنرى ... أنّ التفكّر فيها غاية العجب
أمّ الحروب فكم قد أنشأت فتنا ... شاب الوليد بها هولا ولم تشب
سوران، برّا وبحرا حول ساحتها ... دارا وأدناهما أنأى من القطب
خرقاء أمنع سوريها وأحصنها ... غلب الرجال وأقواها على النّوب
١٠ مصفّح بصفاح حولها أكم ... من الرّماح وأبراج من اليلب
مثل الغمائم تهدي من صواعقها ... بالنّبل أضعاف ما تهدي من السّحب
كأنّما كلّ برج حوله فلك ... من المجانيق يرمي الأرض بالشّهب
ففاجأتها جنود الله يقدمها ... غضبان لله لا للملك والنّشب
ليث أبى أن يردّ الوجه عن أمم ... يدعون ربّ العلى سبحانه بأب
كم رامها ورماها قبله ملك ... جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يجب ١٥
لم يلهه ملكه بل في أوائله ... نال الذي لم ينله الناس في الحقب
لم ترض همّته إلّا الذي قعدت ... للعجز عنه ملوك العجم والعرب
فأصبحت وهي في بحرين ماثلة ... ما بين مضطرم نارا ومضطرب
جيش من التّرك ترك الحرب عندهم ... عار وراحتهم ضرب من الضّرب (١)
خاضوا إليها الرّدى والبحر فاشتبه ال ... أمران واختلفا في الحال والسّيب ٢٠
تسنّموها فلم يترك تسنّمهم ... في ذلك الأفق برجا غير منقلب
تسلّموها فلم تخل الرقاب بها ... من فتك منتقم أو كفّ منتهب
[٤٤٢ ب] أتوا حماها فلم يمنع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيئا ولم تثب
يا يوم عكّا لقد أنسيت ما سبقت ... به الفتوح وما قد خطّ في الكتب
لم يبلغ النّطق حدّ الشكر منك فما ... عسى يقوم به ذو الشعر والخطب ٢٥
كانت تمنّي بك الأيّام مبعدة ... فالحمد لله نلنا ذاك عن كثب
стр. 1386
أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم ... لله أيّ رضى في ذلك الغضب
وأطلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلائع الفتح بين السّمر والقضب
وأشرف المصطفى الهادي البشير على ... ما أسلف الأشرف السلطان من قرب
٣٠ فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت ... بفتحه الكعبة الغرّاء في الحجب
وسار في الأرض سير الريح سمعته ... فالبرّ في طرب والبحر في حرب
وخاضت البيض في بحر الدماء وما ... أبدت من البيض إلّا ساق مختضب
وغاص زرق القنا في زرق أعينهم ... كأنّها شطن تهوي إلى قلب
توقّدت وهي غرقى في دمائهم ... فزادها الطّفح منها شدّة اللهب
٣٥ أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم ... فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب
وذاب من حرّها عنهم حديدهم ... فقيّدتهم به ذعرا يد الرّهب
تحكّمت وسطت فيهم قواضبها ... قتلا وعفّت لحاويها عن السّلب
كم أبرزت بطلا كالطّود قد بطلت ... حواسّه فغدا كالمنزل الخرب
كأنّه وسنان الرمح يطلبه ... برج هوى ووراه كوكب الذّنب
٤٠ بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الرّتب
ما بعد عكّا وقد لانت عريكتها ... لديك شيء تلاقيه على تعب
فانهض إلى الأرض فالدّنيا بأجمعها ... مدّت إليك فواصلها بلا نصب
كم قد دعت وهي في أسر العدى زمنا ... صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب
أتيتها يا صلاح الدين معتقدا ... بأنّ داعي صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهم ... من قبل إحرازها بحرا من الذهب ٤٥
أدركت ثأر صلاح الدين إذ غصبت ... منه لسرّ طواه الله في اللّقب
وجئتها بجيوش كالسيول على ... أمثالها بين آجام من القضب
وحطتها بالمجانيق التي وقفت ... إزاء جدرانها في جحفل لجب
مرفوعة نصبوا أضعافها فغدا ... للكسر والحطم منها كلّ منتصب
ورضتها بنقوب ذلّلت شمما ... منها وأبدت محيّاها بلا تعب ٥٠
وغنّت البيض في الأعناق فارتقصت ... أبراجها لعبا منهنّ باللّعب
وخلّقت بالدم الأسوار فانفغمت ... طيبا ولولا دماء الخبث لم تطب
وأبرزت كلّ خود كاعب نثرت ... رءوسهم حين زفّوها بلا طرب [٤٤٣ أ]
باتت وقد جاورتنا ناشزا وغدت ... طوع الهوى في يدي جيرانها الجنب
بل أحرزتهم ولكن للسيوف لكي ... لا يلتجي أحد منهم إلى الهرب ٥٥
وجالت النار في أرجائها وعلت ... فأطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
وأفلت البحر منهم من يخبّر من ... يلقاه من قومه بالويل والحرب
стр. 1387
وتمّت النعمة العظمى وقد كملت ... بفتح صور بلا حصر ولا نصب
٦٠ أختان في أنّ كلّا منهما جمعت ... صليبة الكفر لا أختان في النّسب
«لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب» (١)
الله أعطاك ملك البحر إذ جمعت ... لك السعادة ملك البرّ والعرب
من كان مبدؤه عكّا وصور معا ... فالصين أدنى إلى كفّيه من حلب
علا بك الملك حتى إنّ قبّته ... على البرايا غدت ممدودة الطّنب
٦٥ فلا برحت قرير العين مبتهجا ... بكلّ فتح مبين المنح مرتقب
١٣٩٨ - بهاء الدين الحنفيّ [٧١٣ - ٧٦٩] (٢)
خليل بن محمد بن أحمد، الحنفيّ [الدمشقيّ الأصل، بهاء الدين، المصريّ].
ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وسمع الكثير، وكتب بخطّه وتفقّه حتّى أفتى ودرّس، و [ناب في] الحكم إلى أن مات في حادي عشر شعبان سنة تسع وستّين وسبعمائة.
١٣٩٩ - أبو الجيش خمارويه [٢٥٠ - ٢٨٢] (٣)
خمارويه بن أحمد بن طولون، الأمير أبو
الجيش، ابن الأمير أبي العبّاس.
أمّه ميّاس [أمّ ولد] وهبها أمير المؤمنين المستعين بالله أبو العبّاس أحمد لأحمد بن طولون، فولدته للنصف من المحرّم سنة خمس [ين] ومائتين بسرّمن رأى، وسمّاه خمار.
وقدم إلى مصر في أوّل سنة سبع وخمسين، فأقام في كنف أبيه إلى أن خرج إلى الشام في صفر سنة تسع وخمسين، فاستخلفه على الفسطاط إلى أن عاد، وهو مريض، في جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين.
[مبايعة الخدم الطولونيّة له]
فلمّا مات أبوه اجتمع الأولياء والغلمان وقبضوا على العبّاس بن أحمد بن طولون وبايعوا أبا الجيش بعهد أبيه إليهم بذلك قبل موته بأيّام، فلم يرحل نهار الأحد العاشر من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين حتّى اتّسقت بيعته، وطاف خاصّة الغلمان لردع الرجّالة وأهل الدعارة وهم يعجّون بالبكاء في الطرقات، والرعايا يبكون معهم.
وأخرج أحمد بن طولون مع العصر، وخرج الأولياء والغلمان وأحمد بينهم على سرير مدرج في ثوب وشي، وأبو الجيش وحده راكب خلفه.
فصلّى عليه وواراه، وصار يروح إلى قبر أبيه ومعه الأولياء بسوادهم وسيوفهم ومناطقهم، فيقولون:
السلام على الأمير ورحمة الله وبركاته! - ويقفون كما كانوا وهو حيّ، لا يجلس عند القبر إلّا من كان رسمه أن يجلس في مجلسه وهو حيّ، فلم يزل على ذلك سنة ثمّ ترك.
وكان ما بدأ به أبو الجيش إخراج القاضي بكّار ابن قتيبة من الحبس، وكلّ من كان في الحبس من أهل الجرائم والتّهم. وكاتب أبا أحمد الموفّق في الصلح حتّى تمّ بينهما. وكتب كتابا قرئ على عامّة أوليائه ورعيّته عزّاهم فيه بأبيه ووعدهم الإحسان
стр. 1388
وذكّرهم أيّام الماضي.
[دفاعه عن أعماله الشاميّة]
فلمّا بلغ ذا السيفين إسحاق بن كنداج، ومحمّد بن ديوداذ (١) أبي الساج موت أحمد بن طولون طمعا في مملكته ومدّا أيديهما إلى ما قرب منهما من أعماله، وساعدهما على قصدهما [ ... ] ابن بدغياش المستخلف على دمشق.
فخافت غلمان ابن طولون، ومضى أحمد بن صعوبة عن أنطاكية، وأبو جعفر محمد بن إسماعيل العجميّ عن حمص وسارا إلى مصر [٤٤٣ ب].
وكان أمر الشام أهمّ شيء عند أبي الجيش.
وعقد لأبي عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ (٢) على جيش يسير به إلى الشام يوم الخميس سادس ذي الحجّة. ثمّ عقد لسعد الأيسر على جيش آخر في سلخ ذي الحجّة. وبعث بمراكب كثيرة في البحر فأقامت بسواحل الشام. فنزل الواسطيّ فلسطين وهو خائف من أبي الجيش أن يوقع به لأنّه كان أشار بقتل [أخيه] العبّاس بن [أحمد] بن طولون.
فكتب إلى أبي العبّاس أحمد بن أبي أحمد الموفّق يصغّر أمر أبي الجيش ويحرّضه على المسير إليه.
واختلف سعد مع الواسطيّ فتأخّر الواسطيّ بطبريّة، وعبر سعد إلى دمشق وقد انهزم عنها ابن بدغياش. وبعث أبو الجيش بعسكرين آخرين، على أحدهما أبو جعفر أحمد بن أبّا، وقلّده دمشق. فلمّا قدم ابن أبّا طبريّة وبها الواسطيّ دافعه حتى أيس منه وسار إلى دمشق. فرحل سعد بمن معه من العساكر إلى شيزر واجتمع بها زهاء خمسين ألف رجل من البربر وسائر الناس. وكان قد نزل إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي الساج
بحلب، فأقام ابن أبّا بدمشق ولم يظهر ولايته ولا أسقط لسعد دعوة ولا دعا لنفسه، فسار أحمد ابن الموفّق من العراق نحو ابن كنداج وابن أبي الساج حتّى قدم عليهما. فوافاه كتاب الواسطيّ يحرّضه على المسير ويعده بالنصر له. فسار، وإسحاق وابن أبي الساج معه، وطوّقوا عساكر سعد بشيرز على غرّة، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. وفرّ من نجا منهم- وفيهم سعد- إلى دمشق، فاجتمع به ابن أبّا. ولم يكن بأسرع من هجوم أبي العبّاس [أحمد بن الموفّق على] دمشق فانهزموا عنها إلى طبريّة، وقتل كثير ممّن كان معهم. فأعنتهم الواسطيّ بتوعيره الطرق عليهم فتركوه وساروا إلى الرملة. ثمّ عادوا إلى الواسطيّ وأوقعوا به، فهرب منهم ابن الموفّق. وعادوا إلى الرملة وبعثوا إلى أبي الجيش بالخبر مع ابن أبّا.
[خروجه إلى الشام وهزيمته بالطواحين سنة ٢٧١]
فاستخلفه على الفسطاط، وخرج يوم الخميس لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين، وقد اختلف ابن الموفّق مع إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي الساج فتركاه وعادا. وأقام بدمشق إلى أن وافى أبو الجيش الرملة، ونزل على نهر أبي فطرس (٣) الذي يعرف اليوم بالطواحين.
وأقبل ابن الموفّق فهاله جيش أبي الجيش، وكانت عدّتهم نحو سبعين ألفا، وليس معه إلّا أربعة آلاف. وقال لابن الواسطيّ: ويحك! غررتني ولم تنصحني، ما تفي عدّتي والله بهذه العدّة!
فقال له الواسطي: لا يغرّنّك هذا، ولا يكثر في عينك! أكثرهم عامّة ما بين بقّال وحائك وفاعل.
стр. 1389
أنا أبنتهم وعلى يدي جرى أمرهم.
وكان في عسكر ابن الموفّق دبادب، وهي جفان جوز قد طبّق مفتوحها بجلود إذا ضربت كان لها جلبة شديدة. فسمع عسكر المصريّين ما لا عهد لهم به، فنفرت الجنائب وجالت الخيل متحيّرة بفرسانها، واضطرب العسكر. وحمل عسكر ابن الموفّق على ميمنة المصريّين فانهزمت.
فلم يثبت أبو الجيش ومرّ على وجهه إلى مصر في ثلاثة أيّام وهو راكب حمارا، وتبعه من كان في القلب.
وتقدّم (١) ابن الموفّق وابن الواسطيّ فملكا السواد ودخلا مضرب أبي الجيش فركع ابن الموفّق فيه ركعتين، وعنده أنّه قد تمّ له الظفر.
فخرج سعد الأيسر وكان في الكمين والتقى مع طبارجي وقد ثبت في الميسرة، ونادوا بشعارهم وصاحوا: الرجعة! قد عاد الأمير إلى الضرب! وأكبّوا على العرائش بالسيوف والرماح، فانهزم ابن الموفّق وابن الواسطيّ، فسار ابن الموفّق إلى دمشق فلم يمكّن من المدينة فصار إلى طرسوس، ولحق ابن الواسطيّ بمدينة أنطاكية.
ودخل أبو الجيش إلى مصر يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الأوّل، وأقبل العسكران يقتتلان ليس لواحد منهما أمير. فظفر قوّاد المصريّين وهم: سعد الأيسر، وأحمد بن إسماعيل العجميّ، وتشركين وخوطامش، وطبارجي.
وأقام طبارجي وسعد أبا العشائر مضر بن أحمد بن طولون وناديا في الناس: هذا أخو أميركم، وهذه الأموال تنفق فيكم- ووضعا العطاء. فلمّا قبض الناس أرزاقهم سكنت [٤٤٤ أ] نفوسهم. وسار العسكر إلى دمشق مع سعد الأيسر. وأخذ
طبارجي الأسرى من العراقيّين والرءوس، وكرّ راجعا إلى مصر، بعد ما كتب لأبي الجيش بالفتح، فشكر الله وتصدّق بمال كثير. وقدم طبارجي فطاف البلد بالرءوس والأسرى، وخلع عليه، وكان يوما مشهودا. فلمّا فرغ الأسرى من التطواف قال خمارويه للقوّاد: هؤلاء الضعفاء أسراكم وضيوفكم، فتفرّقوهم وأحسنوا إليهم. فمن أحبّ المقام أجرينا عليه رزقا يسعه. ومن أحبّ اللّحاق بوطنه، كتبنا له جوازا وأطلقنا له نفقة.
ففعل القوّاد ذلك، وخيّروهم: فمنهم من أقام ومنهم من مضى، واستولى عمّال خمارويه على أعمال الشام، ودعي له على منابرها.
[تصدّيه لأهل الشغب]
ووقع بمصر غلاء، فمنع من حمل القمح والدقيق إلى الحجاز. وأمر أبو الجيش سريّ بن سهل متولّي الشرطة السفلى أن يتولّى تفرقة القمح على الطحّانين حتّى يعمّ البلد بالخبز. فسأل سودان أبي الجيش السريّ أن يزيد الطحّانين الذين يشترون منهم زيادة على غيرهم، فزادهم. فأرادوا أكثر ممّا زادهم، فامتنع عليهم. فغضبوا وشغبوا وأقبلوا إلى الشرطة فامتنع السريّ بها ورماهم من أعلاها. فركب أبو الجيش من وقته فرس النوبة، وأقبل بمفرده وفي يده مستوف فلم يلق أحدا إلّا ضربه ضربة تأتي عليه أو يكاد. فانهزم السودان وهو من ورائهم، ثمّ رجع على الحمراء وقد نهبت طائفة من السودان ثياب القصّارين فأوقع بهم.
وتلاحقت به الغلمان من كلّ جهة، فكان يوما مهولا سكن في قلوب العسكر من أبي الجيش فيه هيبة عظيمة ومسح عنه عار هزيمته بوقعة الطواحين.
ثمّ خرج من الفسطاط يوم السبت لتسع بقين من رمضان سنة إحدى وسبعين وسار إلى
стр. 1390
فلسطين، ثمّ عاد لعشر بقين من شوّال.
[محاربته لإسحاق بن كنداج]
وعزم على مطالبة إسحاق بن كنداج بما غلب [عليه] من الأعمال بعد موت أحمد بن طولون.
فكتب إليه في ذلك ثمّ خرج إليه في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين. فقتل سعد الأيسر [في شيء ظهر منه من خلاف] (١)، ومضى إلى دمشق فدخلها يوم الثلاثاء لسبع خلون من المحرّم سنة ثلاث وسبعين. وخرج منها وقد سار ابن كنداج إلى لقائه فتوافقا بأرض الرافقة، فكانت على أبي الجيش، فانهزم أصحابه، وثبت هو في طائفة من حماته، وهزم ابن كنداج وتبعه حتى عبر الفرات. فعقد أبو الجيش جسرا على الفرات وعبر إليه يقفو أثره حتى بلغ أصحابه إلى سامرّا. فبعث يسأل في الصلح وأن يكون من جملة أبي الجيش ويخطب له على منابره، فأجابه. وأقيل إليه ابن كنداج وأقام في عسكره فأكرمه وعاهده وخلّى عنه، فدعا له على منابره في أعماله التي بيده. وكان القائم في هذا الصلح يحيى كاتب أبي الجيش، وفي ذلك يقول القاسم بن يحيى المريمي [الطويل]:
هي النعمة العظمى فقد وجب الشكر ... وما حقّ ذي الإنعام جحد ولا كفر
هي النعمة الكبرى التي جلّ قدرها ... وكاد سواها لا يكون له قدر
أتانا أبو الجيش الأمير بيمنه ... فشرّد عنّا الجور وافتقد العسر
فإن تك [أرض] الرقّتين اكتست به ... ضياء وإشراقا لقد أظلمت مصر
٥ أليس ترى ذلّ العراق وكيف لا ... يذلّ، وقد أضحى يجاوره البحر؟
فسائل به إسحاق إذ سار نحوه ... بجيش كعرض النيل يقدمه النصر
تباعدت الأقطار منه كثافة ... ففي مشرق قطر وفي مغرب قطر
فأبلس إذ قيل: الأمير ببالس ... وأضحى ضعيف العقد إذ عقد الجسر
[٤٤٤ ب] ولمّا أتى الجسر ابن كنداج مقبلا ... أرته المنايا الحمر أعلامه الحمر
فولّى شريدا ذا ارتياع كأنّه ... بكلّ بلاد طائر ما له وكر ١٠
لئن سرّ إسحاق النجاة بنفسه ... لقد ساءه في جمعه القتل والأسر
فلا يغبطن بالعيش من بعد هذه ... فقد كسرته كسرة ما لها جبر
[التصالح مع خليفة بغداد]
ثمّ إنّ أبا الجيش كاتب أبا محمد الموفّق طلحة يسأله الصلح، على مال يقوم به عمّا في يده من الأعمال، فأجابه إلى ذلك. وكتب إليه كتاب الصلح وبعثه مع فائق الخادم. فقدم على [أبي الجيش] وهو بدمشق، ومعه الخلع، وهي:
خلعتان من خلع العامّة، وسيفان من سيوفهم، وخلعة من خلع الخاصّة، وخاتم من خواتيم العامّة، وتاج، ومنطقة، ووشاحان، فأنفذ فائقا إلى الفسطاط فقدمها في رجب بكتاب الصلح، وذكر أنّ أمير المؤمنين المعتمد على الله وأخاه أبا أحمد الموفّق وابنه أبا العبّاس أحمد ابن الموفّق كتبوه بأيديهم. وفيه ولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على المعادن والخراج والضياع والقضاء والبريد، ببرقة ومصر والإسكندريّة وأسوان والمعادن وطريق الحجاز، وأجناد الشام وفلسطين والأردنّ وصور ودمشق وحمص وقنّسرين والعواصم والثغور الشاميّة وديار مضر وما يتّصل
стр. 1391
بها، وكنّي في هذا الكتاب بأبي الجيش. فقرئ على منبر الجامع وحضر الناس قراءته وأنفذ نسخة إلى الأعمال. ثمّ قدم خمارويه إلى مصر سلخ رجب، فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفّق وترك الدعاء عليه.
[بعض أعماله المعماريّة: البستان ... ]
وأقبل على قصر أبيه فزاد فيه، وجعل ميدان أبيه كلّه بستانا زرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، وحمل إليه كلّ صنف من خراسان وغيرها وتأنّق فيه تأنّقا زائدا قد ذكرته في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (١). وبنى برجا من الخشب الساج للطيور جمع فيه أنواع الطير.
[ ... وبركة الزئبق]
وعمل في داره مجلسا برواق سمّاه بيت الذهب- وكان إحد [ى] عجائب الدنيا- وجعل بين يدي هذا البيت فسقيّة، يقال: ذرعها خمسون ذراعا في خمسين ذراعا وملأها من الزئبق، واتّخذ له فرشا من أدم يحشى بالريح ويربط بحبال من حرير قد عملت في حلق من فضّة حتى تصل إلى أقياد.
فكان ينام على هذا الفراش فوق الزئبق، ولم يسبقه أحد لعمل بركة من زئبق.
[ ... ودار السباع]
وبنى دارا للسباع فيها عدّة بيوت، في كلّ بيت سبع ولبوة. واتّخذ لنفسه سبعا سمّاه زريق لزرقة عينيه، وكان مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا، فإذا جلس أبو الجيش على المائدة ربض بين يديه، وصار يرمي له ممّا قدّامه. وإذا نام ربض بين يدي سريره يراعيه نظره حتى ينتبه، خوفا ممّن يعتاله.
وبلغ رزق جيش خمارويه في كلّ سنة تسعمائة
ألف دينار، وقائم مطبخه المعروف بمطبخ العامّة في السنة ثلاثة وعشرين ألف دينار، سوى مطبخه الخاصّ وما هو لداره وأرزاق من يخدمجواريه.
[اتّخاذه حرسا خاصّا]
وأعدّ لنفسه من مولّدي الضياع وشناتره (٢) الحوف قوما سمّاهم «المختارة» أصحاب شجاعة وبأس شديد وخلق تامّ، ألبسهم الأقبية والخفاتين الديباج والمناطق الثقال العراض، وقلّدهم سيوفا محلّاة على أكتافهم ودرقا من حديد مصقول، وصاروا يمشون بين يديه محيطين به، وعدّتهم ألف. فكان إذا ركب أطاقوا به، وقدّامهم على قدر نصف رمية سهم، ألف أسود عليهم البيض الحديد المصقولة من فوق رءوسهم، وعلى أكتافهم الدرق، وثيابهم أقبية سود بعمائم سود، فتكون له هيبة عظيمة، وكان تامّ الظهر إذا ركب كأنّه قطعة جبل في وسط هؤلاء.
[تغلّبه على ابن أبي الساج (جمادى ٢٧٦)]
فبينا هو في لذّاته إذ ورد الخبر بأنّ محمد بن ديوداذ المعروف بابن أبي الساج قد خلع طاعته، وكان عاهد أبا الجيش وبعث إليه ابنه رهينة عنده.
فوصله أبو الجيش عند قدوم ابنه بما قيمته ثلاثون ألف دينار. فقال ابن أبّا: لقد خدعكم محمد بن أبي الساج: أعطاكم بولة يبوّل مثلها [٤٤٥ أ] في الليلة مرّات، وأخذ منكم ثلاثين ألف دينار، فخرج أبو الجيش من الفسطاط في ذي القعدة سنة أربع وسبعين، ولقيه عند ثنيّة العقاب خارج دمشق. فحملت أصحاب ابن أبي الساج على
стр. 1392
ميسرة أبي الجيش فزحزحتها. وحمل أبو الجيش بنفسه من القلب يريد ابن أبي الساج فانهزم وتبعه (١) جيشه. وعاد أبو الجيش إلى دمشق وبين يديه خلق كثير من الأسرى وعدّة عظيمة من رءوس القتلى.
وكتب إلى ابن أبي الساج يوبّخه بعد ما خلع على ابنه ووصله وردّه إليه. وعاد إلى مصر فدخلها يوم الخميس لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين.
ثمّ خرج إلى الإسكندريّة يوم الأحد لأربع خلون من شوّال منها، ورابط أيّاما وعاد إلى مصر.
وأتى الخبر بأنّ يازمان الخادم دعا لخمارويه بطرسوس والثغور في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين. فبعث إليه بثلاثين ألف دينار ليفرّقها في سبيل الله، وخمسين ثوبا ديباجا، وخمسمائة درّاعة صوف تفرّق في المطوّعة، وسلاح كثير.
ثمّ خرج إلى الشام يوم الثلاثاء لسبع عشرة من ذي القعدة منها، وقد ورد الخبر بخروج ابن أبي الساج، فسار حتّى بلغ الرقّة، فعبر ابن أبي الساج الفرات وأخذ على أبي الجيش مواضع العبور ولم يدع مركبا حتّى جعله عنده. فأقام أبو الجيش على الفرات، وقد عجز عن العبور مدّة أيام، ثمّ ظفر بسفينتين فركب فيهما ومعه نحو ألف من خاصّته، وسار، والعساكر كلّها قد عبرت الفرات إلى أن وافى ابن أبي الساج سحرا على حين غفلة. ففرّ بمن معه على وجهه، وأبو الجيش على أثره، وفي مقدّمته كوثر الخادم، وأحمد بن جمعويه، إلى أن بلغا سرّ من رأى، ودخل بعض أصحابهما إلى السوق بها واشترى منه. فبعث الموفّق إلى ابن أبي الساج: ويلك! إلى أين تطرد بين يديه وتجرّه إلينا؟ أظنّ هذا عن تواطؤ بينكما. ارجع، لعنك الله، إليه، فقد فضحك!
وبعث إلى أبي الجيش: إلى أين عافاك الله؟ قد بلغت مرادك وحسبك. قد بلغت أكثر ما في نفسك.
[تودّده للمعتضد]
فرجع، ومات أبو أحمد الموفّق في صفر سنة ثمان وسبعين وعهد إلى ابنه أبي العبّاس أحمد.
ومات أمير المؤمنين المعتمد على الله لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين. فقام من بعده في الخلافة أمير المؤمنين أبو العبّاس أحمد المعتضدبالله ابن الموفّق. فبعث إليه خمارويه بالهدايا مع الحسين بن عبد الله بن منصور الجوهريّ المعروف بابن الجصّاص، وهي: عشرون حملا من المال، وعشرون خادما على الخيول بسروج ولجم محلّاة ثقال ونحوتا كثيرة من الطراز، وعشرون غلاما فحولا على نجب بجاويّة (٢) بسروج محلّاة ومقاود حرير محلّاة، بأيديهم حراب من فضّة، وعليهم الديباج ومناطق الفضّة والذهب، وسبعة عشر فرسا مسرجة ملجمة، منها خمسة سروجها ذهب خالص وبقيّتها فضّة، وخمس بغلات مسرجة ملجمة، وثلاثون فرسا قوداء (٣) بجلال ديباج، وزرافة، فوصل في شوّال وخلع عليه وعلى من معه.
وقدم أبو الجيش إلى الفسطاط يوم السبت لستّ خلون من ربيع الأوّل سنة ثمانين ومائتين.
وقدم ابن الجصّاص من العراق إلى الفسطاط لخمس بقين منه، ومعه أجوبة الكتب وتجديد العهد لخمارويه وولده مدّة ثلاثين سنة بالولاية من الفرات إلى برقة. وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل في كلّ عام من المال مائتي ألف دينار عمّا مضى وثلاثمائة ألف عن كلّ عام للمستقبل.
стр. 1393
[وتزويجه قطر الندى (سنة ٢٨١)]
ثمّ قدم رسول المعتضد في شهر رمضان بالخلع، وهي: اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح مع خادم يدعى شنيف.
وعقد المعتضد نكاح أسماء بنت أبي الجيش المعروفة بقطر الندى في سنة إحدى وثمانين.
وخرج في نزهته بترنوط لأربع بقين من شعبان، ومضى إلى الصعيد حتى بلغ [أ] سيوط. ثمّ رجع من الشرق إلى الفسطاط، فقدم مستهلّ ذي القعدة [٤٤٥ ب] منها.
وماتت حظيّته بوران، فتكدّرت حياته، وانكسر لموتها كسرة تبيّنت عليه.
وأخذ في تجهيز ابنته، فجهّزها جهازا يضاهي نعمة الخلفاء، فأنفذ في ذلك بيوت أمواله حتى حملها إلى العراق.
وخرج إلى الشام يوم الخميس لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فنزل منية الأصبغ ومنية مطر. ثمّ سار يوم الثلاثاء لعشر بقين منه حتى قدم دمشق، فأقام بها. وسعي عنده بأنّ جواريه قد اتّخذن خدّاما كالزوج لكلّ منهنّ. فأمر بحملهنّ من مصر، واتّفق أنّ الخدّام سألوا أبا زرعة القاضي فقالوا: ما تقول أيّها القاضي في رجل يكره غلمانه على أنفسهم حتى يفسق بهم وربّما جاء إلى أحدهم في صلاته وهو راكع أو ساجد، فيكرهه على نفسه ويفسق به؟
فقال: لعنه الله! من هذا؟ لو أنّي تحقّقت أمر إنسان على هذه الصفة لأمرت بقتله.
[مؤامرة غلمانه عليه وقتله]
فاجتمع الخدّام وقالوا: متى حضرت الجواري حتّى تقرع واحدة منهنّ بمقرعة فإنّها تقرّ فتقتل بهم- وتحالفوا على ذلك. فلمّا سكر- وكان يشرب ثلاثين رطلا- أقبلوا إليه وهو بقصره من دير مرّان ظاهر دمشق، وليس عنده سبعه زريق لغيبته عن مصر. فذبحوه وفرّوا. فلمّا علم بمقتله طلب الخدّام فلم يوجدوا فتسرّع النظر إليهم وخرجت الخيل في طلبهم حتى أدركوا وضربت أعناقهم، وعدّتهم نيّف وعشرون خادما، منهم غلام يقال له طاهر، ولؤلؤ، وباشي، وسابور، ومحافظ.
وبعث برءوسهم إلى مصر فنصبت على الجسر.
وغسّل أبو الجيش وكفّن وصلّى عليه القاضي أبو زرعة، وحمل في صندوق إلى مصر. وكان دخوله يوما عظيما تلقّاه غلمانه وجواريه ونساءالقطائع بالصياح، وما يصنع في المآتم، وقد شقّ الغلمان الأقبية وسوّد بعضهم ثيابه، وشقّقوا جيوبهم إلى أن واروه في قبره. وكانت قتلته ليلة الأحد لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وعمره اثنتان وثلاثون سنة، ومدّته اثنتا عشرة سنة وثمانية عشر يوما. وترك: طولون بن خمارويه، وقطر الندى.
[شيء من أخباره]
ومن أخبار أبي الجيش أنّه مرّ بقرية وهو سائر إلى الشام، فخرج إليه أهلها وشكوا سبعا في جوارهم، وأنّهم قد عزموا، من خوفهم منه، على الهرب من أوطانهم؛ لأنّه ما يظفر برجل أو امرأة أو بهيمة إلّا ويدقّه ويأكله. فقال: وأين هو؟
قالوا: بين يدي الأمير.
[الأسد الذي اصطيد باليد]
فقصده وأمر أن يصاح به ليظهر، وأقبلوا يصيحون حتّى ظهر لهم، وهو بقدر الحمار العظيم. فأمر أن يثيروه فأثاروه حتى غضب وتقدّم إليهم. فأمر أبو الجيش أصحابه بالنزول فنزلوا إليه. وكان فيهم رجل قد سقط ترسه منه في
стр. 1394
الطريق ولم يشعر به، فنزع جبّته ولفّها على يده عوضا عن الترس، وكانت محشوّة قطنا، وقال لرفقائه: استروني من الأمير لئلّا يراني بلا ترس فيحرد عليّ. فستروه إلى أن تأمّله الأسد فيما بينهم بلا ترس، فقصده من بينهم وطلبه وطمع فيه.
وأقبل الرجل إليه، وانكشف لأبي الجيش فرآه بلا ترس فاغتاظ وأنكر سقوط ترسه، وأمر رفقاءه بأن لا يعاونوه ويتركوه مع الأسد، فامتثلوا أمره وخلّوا بينه وبين الأسد، فلم يزل يعاركه ويراوغه حتى تهيّأ السبع ووثب عليه، فوضع كفّه على كتف الرجل وفتح فمه، فأدخل الرجل ذراعه في فيه بالجبّة ثمّ سلّ ذراعه من الجبّة وأخرجه من فيه، وبقيت الجبّة في حلق الأسد، فاشتغل بإخراجها من حلقه. فلمّا رآه الرجل وقد اشتغل بإخراج الجبّة قبض بيديه جميعا على أذني السبع وأقبل يجذبه يمينا وشمالا ويزيله عن موضعه من بقعة إلى بقعة، وليس في الأسد فضل ولا وكد إلّا إخراج الجبّة من حلقه، وقد تشبّكت في فيه وغاصت أسنانه وأنيابه في القطن برطوبة زبده ولعابه وحصل أكثرها في حلقه، وكلّما أدخل الأسد يده إلى فيه ليجذبها لا تخرج معه إلّا قطعا قطعا، والرجل يجذبه بأذنيه فكانا كالرجلين يصطرعان ويتعاركان. فصاح أبو الجيش: زه والله زه [٤٤٦ أ] والله! خلّوه معه فما يخاف بعد هذا عليه. ثمّ قال: يا غلام، رطل! - فجاءه برطل نبيذ فشربه. وكان معه محمد بن إسحاق بن كنداج وأحبّ أن يريه أنّ معه في رجاله من ينازع السباع هذه المنازلة، وأمر أن يؤتى برطل فأتي به فشربه.
فلمّا بقي السبع في يدي الرجل ساعته، قيل لأبي الجيش: أيّها الأمير، ما بقي على هذا الرجل حجّة، وقد وجب أن يعاون على قتل هذا الأسد.
فقال أبو الجيش لرفقائه: عاونوا صاحبكم فقد استحقّ ذلك.- فدخلوا إلى السبع فلم يزالوا يضربونه بأسيافهم حتى قطّعوه قطعا. وحزّ ذلك الرجل رأسه وأقبل به يحمله بأذنيه إلى أبي الجيش فرماه بين يديه، فضحك أبو الجيش وقال له: بارك الله فيك! يا غلام، بدرة! - فأتي ببدرة دراهم فدفعت إليه. فقال الرجل: تقطّعت جبّتي أيّها الأمير حتّى ما أرجع منها إلى شيء.- فضحك أبو الجيش وأمر له بثوب ديباج وعمامة خزّ وشقّتين ديبقيّ وثوب شرب، وقال: كم رزقك في الشهر؟
قال: عشرة دنانير.
فأمر أن تجعل ثلاثين دينارا، وزاد لكلّ واحد من رفقائه في رزقه عشرة دنانير. وانصرف أبو الجيش، وأهل القرية مبتهلون له بالدعاء، إلى أن انصرف إلى الرملة.
وكان أبو الجيش يجري الحلبة في أيّامه.
وكانت إذا أجريت في أيّام الطولونيّة قامت مقام الأعياد. وكان يجلس في المنظر يتأمّل الخيل كيف تقبل. فجلس يوما على عادته، فإذا بفرسين قد أقبلا [و] قد رمى أحدهما بفارسه، وقد قربا من باب المدينة. فنظر الفرس الذي رمى بفارسه سائسه الذي ربّاه وعني به، وهو راكب. فمرّ حتّىسايرهما قليلا قليلا، وترفّق حتى أنسا به وصار ثالثهما، وقد جعل الفرس بينه وبين الآخر، وهو يحرّك معهما. واستشرفه الناس ورموه بأبصارهم واشتغلوا به حتى إذا كان بينه وبين المنظر مقدار غلوة سهم، جمع رجليه فوق ظهر دابّته ووثب، فإذا هو على الفرس العربيّ الذي رمى بصاحبه.
وحثّه بالسوط وأحرقه وحرّكه، فدخل سابقا، ودخل صاحبه مصلّيا بعد أن كان يقدّر فيه أنّه هو السابق. فعجب الناس من حيلته، وأعجب ذلك أبا الجيش وسرّه وضحك وأمر له بجائزة غير السبق، وسأل عن رزقه فزاد فيه.
стр. 1395
وذكر أبو القاسم يحيى بن عليّ الحضرميّ، المعروف بابن الطحّان في كتاب «ذيل تاريخ ابن يونس»، قال: قتل أبو الجيش خمارويه وهو في ثلاثين أو إحدى وثلاثين سنة.
قال سعيد بن نفيس: تنزّهنا إلى دير القصير في عقب نزهة الأمير خمارويه إليه (قال): فقرأت في الحائط بخطّ حسن ما رأيت أحسن منه ولا أتمّ حروفا [الخفيف]:
أيّها العاشق المعذّب أبشر ... فخطايا ذوي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى [أ] حطّ لذنب ... من غزاة وحجّة مبرورة
وتحت ذلك: وكتب خمارويه بن أحمد بخطّه.
ولمّا مرض أبو يعقوب إمام خمارويه وجّه بفتى بصريّ للصلاة بخمارويه، فتقدّم أوّل صلاة صلّاها به لصلاة المغرب. فافتتح الصلاة وقرأ الفاتحة ثمّ قرأ: قل أعوذ بربّ الناس. فقطع خمارويه الصلاة وقال: أبا القاسم بأي شيء تراه يثنّي؟ بأبي جاد (١) أو بألف باء تاء ثاء؟
[الشيخ تاجر السنانير]
ومن طريف أخباره، ممّا يدلّ على كرمه وطيب نجاره، ما حكاه أبو الحسن علي بن أحمد قال:
رأيت بالرملة رجلا جليلا ذا نعمة حسنة، ورأيت له أولادا وحشما، فسألته يوما: من أين أصل هذه النعمة؟
فقال: أحدّثك عن أصل ذلك، وهو من أطرف الأحاديث: وذلك أنّه كان جدّي رجل [ا] فقير [ا] ليس له معاش إلّا في بيع السنانير. وكان يخرج في كلّ وقت إلى مصر، فيجمع من السنانير
ملء قفص ويحمله على رأسه إلى الرملة فيبيعها، ويعيش هو وأولاده من ثمنها. فاشترى منها على جاري عادته وحمله وسار حتّى بلغ إلى الحوف، فلقيه فارس متلثّم يسير وحده. فلمّا رآه قال له: يا شيخ، ما في قفصك؟
قال: سنانير.
قال: وما تصنع بها؟
قال: أبيعها وأعيش من ثمنها.
فقال له: وما لك معاش [٤٤٦ ب] سواها؟
قال: لا.
قال: فاختر لي منها واحدا فرها صيودا.
فحطّ القفص وأخرج منه سنّورا كبيرا حسن الصورة، فقال: هذا أحسنها وأجودها.
فقال له: ناولني إيّاه.
(قال): فناولته إيّاه. فلمّا أخذه جعله في حجر [هـ] وأقبل يمسحه. ثمّ زجّ به فأطلقه في الصحراء، فلمّا أحسّ بالانفلات مرّ يعدو.
فارتجف الشيخ ومرّ خلفه. فلمّا مرّ الشيخ خلف السنّور ضرب الفارس أبواب القفص بطبرزين (٢) في يده فكسرها، وصاح بالسنانير فخرجت وأقبلت تعدو في الصحراء. وعاد الشيخ فرآها على هذه الحالة فصاح: أفقرتني أفقرك الله! قتلتني قتلك الله! طالبك الله! لحاك الله! خذلك الله! لا أحسن الله جزاءك! عجّل الله عليك العقوبة! - وطرح على رأسه التراب، والفارس قد كاد أن يسقط عن فرسه من الضحك، وهو يقول له: يا شيخ، لاتشتغل بالدعاء والحماقة، الحق السنانير! هذاك واحد، اعد خلفه!
فقال الشيخ: يا سفلة، يا خسيس، يا جاهل،
стр. 1396
اعد أنت خلفها! أنا شيخ ضعيف، كيف ألحقها؟
والفارس مع ذلك يضحك ضحكا شديدا، فبينما هما على هذه الحالة إذ أقبل العسكر والغلمان والخدم يطلبون الفارس. فلمّا رأى الشيخ الجيش قال: الحمد لله! أرجو أن يكون هذا الأمير قد وافى فأتظلّم إليه منك.
وتقدّم وصاح: أنا بالله وبالأمير!
فقالوا له: ما لك؟
فقال: أنا رجل فقير أشتري السنانير وأحملها إلى الرملة من مصر وأبيعها وأكسب فيها ما يكون ستري وستر عيالي. فلقيني الساعة بعض خدمكم، سفلة، قليل الدين، ظالم، الله بيني وبينه، فكسر قفصي وأطلق سنانيري.
فقالوا له: وأين هذا؟
فأشار بيده إلى الفارس، فقالوا له: اسكت يا شيخ، هذا هو الأمير أبو الجيش ابن طولون.
فلمّا سمع الشيخ مقالهم صاح: واخراب بيتي! ومرّ يعدو هاربا، فقال الأمير أبو الجيش: ردّوه عليّ!
فردّوه، فلمّا قرب منه، صاح: أيّها الأمير، الله فيّ! والله ما عرفتك. فاعذرني، وأنت في حلّ من السنانير وممّا جرى عليّ منك. فاعف عنّي، عفا الله عنك، ولا واخذك (١)، ولا عرّفك قبيحا!
وبكى، فلمّا سمع الأمير أبو الجيش قوله، قال: عفا الله عنك أيّها الشيخ- وكلّما دعا له الشيخ يقول الأمير: آمين ربّ العالمين، وبكى- وكان رقيق القلب إذا سمع شيئا فيه ذكر الوعظ، ثمّ قال له: لا بأس عليك ولا خوف. وقد عذرناك لأنّك ما عرفتنا وضحكنا منك وطابت نفسنا معك
وأنسنا بك في هذه المفازة، ألك عيال؟
قال: نعم، لي والدة مسنّة وزوجة وثلاثة بنين صغار وأربع بنات كبار، والاختلال قد عمّنا، وسوء الحال قد شملنا، وأنا أحمد الله على كلّ حال.
فقال له أبو الجيش: أحسنت أيّها الشيخ- ثمّ أمر له بألف دينار وقال له: هذا ثمن سنانيرك، أرضيت؟
فقال: والله إنّ عشرها يرضيني ويغنيني.
الصواب أن أقول: ما رضيت.
فقال له أبو الجيش: حقّك أن تقول: ما رضيت. يا غلام، إيش معك؟
قال: عشرة آلاف درهم.
قال: ادفعها إليه.
فقبّل الشيخ الأرض، وقال: والله العظيم، أيّها الأمير، ما قلت «ما رضيت» حقيقة، وإنّما قلت ذلك على جهة التعجّب؛ لأن بعض ما أعطيتني فيه برّي وصيانتي عن هذه الحالة، وقد أزالها الله، وله الحمد، ببركة الأمير أيّده الله، وإحسانه وإنعامه ومعروفه، شكر الله له، فقد سترني وستر حرمي وأولادي. والله لا قصّرنا ولا غفلنا عن الدعاء له في الليل والنهار بطول البقاء، وكفاية الأعداء.
وفي كرم الله جلّ اسمه ما يحبّب ذلك.
فقال أبو الجيش: أحسن الله جزاءك! ما نريد منك غير هذا، فلا تغفله!
ثمّ قال: اجلس، أيّها الشيخ- فجلس، وكتب له توقيعا بخطّه إلى عامل الرملة، نسخته: باسم الله الرحمن الرحيم، يصل توقيعنا هذا إليك، أسعدك الله، من يد شيخ قد حصلت له بنا حرمة وتجدّدت له منّا عناية حتّى صار في جملة خاصّتنا، ومن قرب من قلوبنا ونؤثر صلاحه
стр. 1397
ونراعي أموره. فاعرف له هذه المنزلة، وأظهر من برّه وإكرامه وإعزازه في بلده، ولكلّ من في جملته ومن يلوذ به. واقض حوائجه وحوائج من يسأله، وراع أموره، وأجر له من مالنا دائبا يكون له ولفقيه ما بقينا [٤٤٧ أ] وبقي ومن بعده من ولده خمسمائة دينار في كلّ سنة. وأقطعه ضيعة يقع اختياره عليها يكون فضله منها في كلّ سنة خمسمائة دينار.
واكتب إلينا بشرح ما تأتيه في أمره وما تمتثله من أمرنا فيه، فإنّا نراعيه إلى أن يرد إلينا منك ما نقف عليه إن شاء الله.
وكتب يوم كذا من سنة كذا وكذا. ودفعه إليه وقال: اقرأه!
فقال: والله ما أحسن الخطّ.
فقرأه عليه الأمير بنفسه. فأقبل الشيخ يدعو ويبكي فرحا وسرورا. فأمر له الأمير ببغل حملت عليه البدرة، وغلام راكب معه، وحلّفه أن لا يأخذ منه شيئا، وقال لخادمه: في الصناديق شيء صحيح؟
قال: نعم.
قال: هاته! - فأخرج خمسة شقاق ديبقي، وخمسة شرب وخمسة أثواب ديباج، وخمس عمائم.
فدعا له الشيخ حتّى كاد أن يسقط على وجهه. ثمّ قال له: يا مولانا، أخذي لهذه الثياب يصبح بي استغتام [ا] (١)، والأمير أحوج منّي [إليها].
فقال له: إذا كانت لا تصلح لك، فهي تصلح لبناتك. وإذا أردت أن تزوّجهنّ فصر إلينا حتّى نعطيك ما تجهّزهنّ به إن شاء الله.
فقال الشيخ: أنا أسأل الله أن يحييك حتّى أزوّجهنّ ويلدن وآتيك بخبرهم.
فضحك الأمير وقال: تعالى الله! امض مصاحبا
في حفظ الله، واكتب إليّ بخبرك، وما يجري عليه أمرك، [فإنّي م] توقّع كتابك، واحذر أن تؤخّره، إلى أن أوافي الرملة قريبا إن شاء الله.
وأمر بعض غلمانه أن يسير معه إلى الرملة، وأمره أن يحضر معه حتّى يوصل التوقيع وينجز له كلّ ما أمر به.
فلمّا دخل الشيخ الرملة وأوصل التوقيع إلى العامل وعرّفه منزلته من الأمير، وأنّه أنفذه معه لينجز له جميع ما أمر به، قال له العامل: السمع والطاعة.
ووقع اختيار الشيخ على ضيعة، فأمر له بها.
ووصله العامل من ماله بمائتي دينار وثياب كثيرة وحصل له محلّ عظيم. وركب قاضي الرملة إليه مهنّئا له. وكان إذا حضر عند العامل أو عند القاضي أو عند صاحب المعونة، فلا يسأل حاجة إلّا قضيت، ولا يشفع في شيء إلّا شفع فيه.
قال الرجل الذي من أولاده المخبر بهذه الحكاية: وجميع ما تراه، من هذه النعمة: فهي بسبب السنانير التي أطلقها الأمير أبو الجيش ﵀.
وكان خمارويه ما يأكل مع أحد، فعوتب في ذلك، فقال: أكثر من يجوز أن نؤاكله قوّادنا، وقلّ من تجد منهم إلّا مفزور (٢) الأظافر بالوسخ يرى أنّ من أكبر شجاعته ترك نظافته.
وأجاز يوما لمغنّ غنّاه صوتا، بمائة ألف دينار، وأمر له بها. فاستفظع ذلك وزيره وقال له: يسمع الموفّق بهذا فتنحطّ منزلتك عنده- فصولح على مائة ألف درهم.
وكان قد أثخن في الأعراب وأفناهم قتلا وأسرا
стр. 1398
حتى طارت عقول العربان فرقا منه، ولم يكن يوجد أعرابيّ ومعه شيء من السلاح إلّا قتل به، حتى كانت الأعراب في الأرياف بمصر أذلّ من القبط.
[استتباب الأمن في أعماله بمصر والشام]
وبلغه عن رفقة أقبلت [من] الشام فقطع عليها الطريق بناحية الحوف من أرض مصر. فجرّد قائدا من قوّاده إليهم وأمره بطلب قطّاع [ال] طريق حيث حلّوا وأين سلكوا وأقسم لئن قصّر عنهم لا أعطاه من رزقه شيئا أبدا. فخرج ومعه الأدلّاء وسائر ما يحتاج إليه لسلوك البرّيّة. وطلبهم حتى قيل له: إنّهم (١) من أعراب الكوفة جازوا عابري سبيل، فلقوا [هـ] ذه الرفقة فأخذوا منها ما أخذوا وعادوا إلى وطنهم، فمضى القائد في أثرهم إلى أن لحقهم بأوائل اعمال الكوفة، فردّهم في القيد أسرى وجميع ما أخذوه. فردّ المتاع إلى أصحابه وضرب أعناق الأعراب وصلبهم على باب مدينة مصر، وخلع على القائد ورفع قدره. فكانت أعماله كلّها سالمة من العيث وقطع الطريق لشدّة مهابته في قلوب أهل الفساد، مع عدله في الرعيّة ورأفته بهم وقبوله لمن قصده، حتّى إنّ بعض نصارى الفيّوم [أراد] أن يتقبّل ضيعة، فشجر بينه وبين بعض من يتقبّل الضياع من المسلمين في شرب، وتحاملا إلى أحمد بن علي الماذرائيّ، فلمّا صارا في ديوانه تلاحيا. فقال النصرانيّ لخصمه: أنت مسلم تصول عليّ بعزّ الإسلام وتقول أنا أحقّ وأولى. وما [٤٤٧ ب] أقدر أنا أقول كما تقول. ولكنّ أميرنا، أطال الله بقاءه، لا يحبّ أن يكون معامله إلّا مليّا (٢) بما يجب عليه من الخراج. فيرسل الأمير أيّده الله إلى منزلي
ومنزلك، ونتكايل الدنانير فأيّنا كان أكثر مالا، فالأمير في معاملته أرغب.
فرفع صاحب الخبر ذلك إلى خمارويه، فخرّ لله ساجدا وقال: الحمد لله الذي وفّق لنا من العدل ما بسط بهذا القول ألسن معاملينا!
وقصده البحتريّ، وهو بدمشق، واستأذن عليه مع الحسين بن أحمد الماذرائيّ، فقال له خمارويه: يا حسين، هذا قد عاشر الخلفاء ورأى نعمهم. وإن دخل إلينا استصغر نعمتنا. ولكن سله حاجته.
فذكر أنّ له ضياعا بنواحي حمص وغيرها ممّا أقطعه المتوكّل، وقد عمل قصيدة يسأل فيها الإيعاز (٣) عن الضياع، فوقّع له بذلك وأمر له بخمسمائة دينار.
[تأثّره بالمواعظ]
ووجد خمارويه مرّة في [٤٤٩ أ] جيبه رقعة لم يعرف من رفعها، ولا من قالها، فإذا فيها مكتوب: أمّا بعد، فإنّكم ملكتم فأسرتم، وقدرتم فأشرتم، ووسّع عليكم فضيّقتم، وعلمتم عاقبة الدعاء فما ارعويتم ولا أشفقتم. اشتغلتم بلذّاتكم عن مهمّاتكم حتى هجرتكم خاصّتكم وكرهتكم عامّتكم. أو ما علمتم أنّ الدنيا لو دامت على العاقل لما وصل إليها الجاهل، ولو دامت على من مضى لما وصل إليها من بقي؟ فاحذروا سهام السحر، فإنّها أنفذ من وخز الإبر، لا سيّما وقد جرّحتم قلوبا قد أوجعتموها، وأكبادا أجعتموها، وأحشاء أنكيتموها، ومقلا أبكيتموها. ومن المحال أن يهلك المنتظرون ويبقى المنتظرون.
فاعملوا إنّا عاملون، وجوروا فإنّا بالله مستجيرون، واظلموا فإنّا إلى الله متظلّمون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
стр. 1399
أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧].
فبكى خمارويه لمّا قرأها بكاء شديدا، وجعل يتعهّد قراءتها في غالب أوقاته، ويستعين بها على إجراء عبراته.
١٤٠٠ - خيثمة الأطرابلسيّ [٢٥٠ - ٣٤٣] (١)
خيثمة بن سليمان بن حيدرة، أبو الحسن، الأطرابلسيّ.
ولد سنة سبع وعشرين ومائتين. وسمع الحديث على كبر بعد الستّين ومائتين. حدّث عن شيوخ الشام والساحل وحمص ودمشق وغيرهم، من الكوفيّين والبغداديّين، عن العبّاس بن الوليد بن يزيد البيروتيّ، ومحمّد بن عوف الطائيّ الحمصيّ، وإسحاق بن سنان النصيبيّ، وهو ثقة مأمون، من العبّاد. ورماه بعضهم بالتشيّع.
حدّث عنه صدقة بن محمّد بن مروان القرشيّ، وأبو نصر حديد بن جعفر الرمّانيّ، وعبد الرحمن بن عمر بن نصر، وعدّة غيرهم.
توفّي في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
وحدّث قال: كنّا في بلاد الروم في الحبس عشرة أنفس، فبينا أنا نائم إذا بإنسان يقول: اقرأ!
قلت: ما أقرأ؟
قال: اقرأ: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... فقرأت إلى أن بلغت: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ [التوبة: ١ - ٢]، فانتبهت فقال لي أصحابي: يا أبا الحسن، سمعناك تقرأ [سورة] براءة.
فقلت لهم: سمعتموني؟
قالوا لي: نعم، تصيح.
وبعد ثلاثة أيّام جاء فرسان فحملونا إلى رسل الملك ابن طولون خمارويه، فلم أزل أعدّ الأيّام يوما يوما إلى تمام أربعة أشهر، [ف] صرت إلى طرابلس.
١٤٠١ - خير بن نعيم قاضي مصر [- ١٣٧] (٢)
خير بن نعيم بن مرّة بن كريب بن عمرو بن خزيمة بن أوس، الحضرميّ، ثمّ الأجذوميّ، من بني ناهض- يكنّى أبا نعيم، ويقال: أبا إسماعيل- قاضي مصر.
روى عن عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن هبيرة السبائيّ، وأبي الزبير المكّي، وجماعة.
روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وهو أكبر منه، وحيوة بن شريح، وبكر بن عمرو، وعمرو بن الحارث، وسعيد بن أبي أيّوب، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم. وخرّج له مسلم والنسائيّ. قال أبو زرعة: صدوق، وولي قضاء برقة.
وقال يزيد بن أبي حبيب: ما أدركت من قضاة مصر أفقه من خير بن نعيم.
[تولّيه قضاء مصر]:
وولّاه حنظلة بن صفوان أمير مصر القضاء بإشارة توبة بن نمر الحضرميّ (٣) - وكان يكتب لتوبة- وذلك بعد استعفاء توبة، في شهر ربيع الآخر سنة
стр. 1400
عشرين ومائة. وجعل إليه القصص أيضا. ثمّ صرفه حوثرة بن سهيل عن القضاء مستهلّ سنة ثمان وعشرين ومائة وصيّره كاتبا على الرسائل، وولّى عوضه أبا سلمة عبد الرحمن بن سالم الجيشانيّ. وسبب عزله أنّ حوثرة أكثر من قتل [٤٤٨ أ] أشراف مصر، فقال له حسّان بن عتاهية:
لم يبق لحضرموت إلّا هذا القرن، فإن قطعته [قطعتها] (١) - يعني خير بن نعيم- فصرفه عن القضاء وصيّره كاتبا على الرسائل.
فلمّا ولي عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير مصر، ولّاه ديوان أسفل الأرض.
فلمّا زالت دولة بني أميّة، ولّى أبو عون عبد الملك بن يزيد خير بن نعيم القضاء مستهلّ شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فأدخل أموال اليتامى بيت المال بكتاب أبي جعفر المنصور، وسجّل في كلّ مال منها سجلّا بما يدخل منها وما يخرج. واستكتب فيها عوف بن سليمان، وصيّره يقضي بين الناس على بابه:
وذلك بأنّه عرضت له علّة الجذام فثقل [عليه] كثرة الجلوس للخصوم، وكان قد استعفى أبا عون من القضاء فلم يعفه. وكان عوف ربّما كفاه بعض التطويل.
[اعتزاله القضاء رفضا لتدخّل الأمير]
ثمّ صرف نفسه في شعبان سنة خمس وثلاثين ومائة، فكانت ولايته هذه سنتين، وسبب صرفه نفسه أنّ رجلا من الجند قذف آخر فخاصمه إلى خير وأقام عليه شاهدا واحدا. فأمر بحبسه إلى أن يأتي عليه بشاهد آخر. فأرسل أبو عون فأخرجه من الحبس. فاعتزل خير في بيته وترك الحكم.
فأرسل إليه أبو عون فقال: لا، حتى تردّ الجنديّ
إلى مكانه- فلم يردّه.
ومات خير بمصر في سنة سبع وثلاثين ومائة، وقبره يزار بالقرافة، وله أخبار متعدّدة.
[بعض أحكامه]
منها أنّ هشام بن عبد الملك كتب إليه: أيّ امرأة أرادت قبض صداقها المؤخّر على زوجها [ ... ]: لن تعطاه إلّا أن يكون شرط عند الإملاك أن تعطى على شرط مسمّى (٢).
وحضر إليه رجل تزوّج امرأة وشرط لها طلاقها في شيء إن فعله.
فقال له: أراض أنت بهذا الشرط؟
قال: نعم.
فقال له: انظر! إنّ الشرط لازم لك، وهو الطلاق.
وقال يحيى بن سعيد: قلت لربيعة: إنّ أهل أنطابلس حدّثوني أنّ خير بن نعيم كان يقضي عندهم بأن لا يجوز السلف في الحيوان. وقد يجالسك، فلا أحسبه قضى به إلّا عن رأيك؟
فقال لي ربيعة: كان عبد الله بن مسعود يقول ذلك. وقال ابن وهب: حدّثني الليث بن سعد أنّ رجلا سلف في نحل العسل فقضى خير بن نعيم بردّ ذلك البيع وكره السلف فيه. (قال الليث):
والتقيت أنا وخير بن نعيم فقلت: بلغني أنّك كرهت السلف في الحيوان ورددته. ولا أراك أخذت ذلك إلّا من ربيعة؟
قال: لا، ولكنّ عطاء بن أبي رباح حدّثني عن جابر بن عبد الله أنّه كان يكره السلف في الحيوان.
ودفع رجل إلى آخر ثلاثة دنانير، فدفعها إلى
стр. 1401
رجل يبتاع بها حمارا، فدفعها إلى رجل فلم يجد بالثلاثة حمارا، ولم يجده إلّا بأربعة. فقال الرسول: أنا أدفع إليك الدينار الرابع، فإن رضي صاحب الحمار أخذت منه الدينار، وإن كره أخذت الحمار لنفسي. فاشترى الحمار على ذلك الشرط. فسرق بالطريق، فقضى خير أنّ الحمار للرسول وأنّ الثلاثة إلى صاحبها ردّ.
وتخاصم عنده اثنان، فادّعى أحدهما على الآخر بعشرين دينارا، فسكت المدّعى عليه، فقال له خير: ما تقول؟
فلم يجب. فقال: ما يخلّصك السكوت!
فناوله رقعة وقال: استرها سترك الله!
فسترها بكمّه وقرأها، فإذا فيها: العشرون دينارا في ذمّتي، وما عليّ بها شاهد ولا بيّنة. وأنا حائر اليوم في حقّ الرسول: فإن اعترفت اعتقلني.
وإن أنكرت استحلفني، افتنا يرحمك الله!
فبكى خير وأخرج منديل كمّه، واستدعى ميزان الذهب، فوزن عشرين دينارا لربّ الدّين. فقال له ربّ الدّين: ما هذا؟
قال: خلاص هذه المسألة- وقرأ الورقة عليه.
فقال: وأيّ شيء أردت بهذا؟
قال أجرها وثوابها.
قال: أنا أحقّ بالأجر والثواب، والله لا طليتها أبدا!
فقال خير: هؤلاء (١) خرجوا، والله ما بقي لها رجعة!
فتخلّص الرجل من الدّين وربح عشرين دينارا.
وحضر عنده اثنان عند صلاة المغرب ومعهما جمل يتحاكمان فيه. ففزع إلى الصلاة وتركهما.
فلمّا أصبح دخلا إليه بغير جمل، فقال أحدهما:
اشتريت من هذا جملا باثنى عشر دينارا، فخرج به عيب واضح، فأبى أن يردّه إلّا بحكم حاكم.
فجئناك البارحة فلم نجدك. فمضينا بالجمل فمات. أيكون في كيسي أو كيسه؟ [٤٤٨ ب]
قال: لا، بل في كيس القاضي الذي لم يبتّ الحكم بينكما- ووزن له ثمن الجمل.
ومات رجل عن غير وصيّة، وعنده بضاعة لرجل، وقبله شركة لرجل في متاع، وعنده وديعة يتيم، وعليه صداق لامرأته. فقضى خير أنّ ما كان قبله من شركة أو بضاعة فإنّها تردّ إلى أصحابها، وأنّ صداق امرأته والوديعة إذا لم توجد أسوة الغرماء.
وذكر مخرمة بن بكير أنّ مكاتبا لهم بزويلة كان له ولد أحرار من امرأة حرّة. فهلك المكاتب، فاختلفوا في ميراثه، فقال خير: لا يرثه ولده الأحرار حين مات وهو مكاتب.
(قال): ثمّ قدمت المدينة فسألت سعد بن إبراهيم قاضي المدينة، فقال مثل ذلك.
وكان خير يرخّص لمن توفّي عنها زوجها من نساء الغزاة الذين يغزون بأهلهم المواحيز (٢)، فيتوفّى أزواجهنّ في المواحيز قبل انقضاء الرباط أن ينصرفن فيعتددن في بيوت أزواجهنّ التي خرجوا منها إلى الرباط.
وكان يقضي في المواريث أنّ الخيار للمشتري في ردّ ما اشترى حتّى يباع شيء غيره ويكتبه الكاتب.
[كان يعرف القبطيّة]
وكان يدخل إليه الخصمان فيخاطبانه بالقبطيّة ويردّ عليهما بها. ويشهد عنده الشهود بالقبطيّة فيسمع منهما ويحكم بها.
стр. 1402
وكان يقضي فيمن اعترف لرجل بحقّ له عليه ثمّ ادّعى أنّه قد قضاه إيّاه، ولا يبيّنه عنده، أنّه يلزمه ما اعترف به. وكان يقول: من اعترف عندنا بشيء، أخذناه به.
وكان يقضي بالمتعة على من طلّق امرأته، وقال الليث: لا أعلم أحدا قضى بذلك غيره.
وقضى بالشفعة للشركاء على قدر حصصهم.
فيدفع الربع لمن له الربع، والثلث لمن له الثلث.
وكان يقضي بشهادة الصبيان في الجراح التي تكون بينهم. وأجاز شهادة ذي الرحم لرحمه إذا كان معروفا بالعدالة.
وكان يسجن في الديون، ثمّ يكشف عن أمره إذا ادعى العدم: فإن شهد له جيرانه بالعدم أطلقه من ساعته. وكان يطلّق على المعدم امرأته إذا خاصمته في النفقة عليها، وقال: لا أجد ما أنفق.
وكان يقبل شهادة النصارى على النصارى واليهود على اليهود ويسأل عن عدالتهم في أهل دينهم. وكان يقضي بين المسلمين في المسجد، ثمّ يجلس على باب المسجد بعد العصر على المعاريج فيقضي بين النصارى. وكان له مجلس يشرف على الطريق على باب داره، فكان يجلس فيه يسمع ما يجري بين الخصوم من الكلام.
ودخل عليه رجل فأطعمه طعاما وهو على القضاء. وإذا الرجل مخاصم. فأحضر خصم الرجل وأحضر الطعام فعرضه عليه لئلّا ينقطع الخصم عن حجّته.
وقال سهيل بن عليّ: كنت ألازم خير بن نعيم وأجالسه وأنا حدث السنّ، وكنت أراه يتجر في الزيت، فقلت له: وأنت أيضا تتجر؟ - فضرب بيده على كتفي ثمّ قال: انتظر حتّى تجوع ببطن غيرك!
فقلت: وكيف يجوع إنسان ببطن غيره؟
فلمّا اب [ت] ليت بالعيال، إذا أنا أجوع ببطونهم.
وأتاه عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير أمير مصر يخاصم ابن عمّ له، فقعد على مفرشة.
فقال خير: قم مع ابن عمّك!
فقال: كأنّك وجدت علينا أن صيّرناك كاتبا بعد القضاء؟ - وقام ولم يخاصم.
والله أعلم. تمّت.
وبعده حرف الدال (١)
١٤٠١/ ٢ - الرضيّ ابن مقدام المحليّ
داود بن مقدام بن مظفّر، أبو سليمان، رضيّ الدولة، المحلّيّ، من أبناء الجند. قال فيه القاضي الفاضل: شاعر ملئ فطنة [ ... ].
ومن شعره [الطويل]:
لئن لذّ لي طول المقام ببلدة ... لدى ملك يثني عليه المهاجر
ففي الناس من يقضي من الحجّ فرضه ... وآخر من طيب المقام يجاور
ومنه: [المتقارب]:
إذا كنت في الليل تخشى الرقي ... ب إذ أنت كالقمر المشرق
وكان النهار لنا فاضحا ... فبالله قل لي متى نلتقي؟
стр. 1403
ترا ج م الجزء الثالث كما وردت في المخطوط
رقم الترجمة/ اسم المترجم/ لقبه أو نسبة/ ولادته ووفاته/ الصفحة
- ج-
١٠٤٨/ جابر بن محمد بن محمد بن عبد العزيز/ افتخار الدين الكاثيّ/ ٦٦٧ - ٧٤١/ ٩
١٠٤٩/ جابر بن منصور الجوذريّ/-/ بعد ٣٩٠/ ٩
١٠٥٠/ جاغان الحساميّ، الأمير سيف الدين//- ٦٩٩/ ٩
١٠٥١/ جامع بن باقي بن عبد الله/ ابن باقي الأندلسيّ/- ٦٠٢/ ١٠
١٠٥٢/ جانك الإخشيديّ//- ٣٤٣/ ١٠
١٠٥٣/ جبر بن القاسم الكتاميّ//- بعد ٣٧٤/ ١٠
١٠٥٣/ ٢/ جبريل بن جميل الحنفيّ//- ٦١٠/ ١٠
١٠٥٤/ جبريل بن عبد الله، أبو الأمانة//- ٦٣٧/ ١١
١٠٥٥/ جبلة بن عمرو الساعديّ الأنصاريّ/ جبلة بن عمرو الصحابيّ/- بعد ٥٠/ ١١
١٠٥٦/ جيرفين الخازن، الأمير سيف الدين//- ٧١٥/ ١١
١٠٥٧/ جرجس بن ميخائيل بن الفارس، علم الدين/ ابن أبي حليقة/ ٦٢٦ - ٦٨٤/ ١١
١٠٥٨/ جعفر بن إسماعيل بن خلف أبو الفضل/ علم البريّة الأندلسيّ المقرئ/- ٥١٦/ ١٢
١٠٥٩/ جعفر بن أحمد بن جعفر أبو الفضل/ الورّاق النحويّ/ ٥٧٥ - ٦١٣/ ١٢
١٠٦٠/ جعفر بن بدر ابن أمير الجيوش/ المظفّر ابن بدر الجماليّ/- بعد ٥١٢/ ١٢
١٠٦٢/ جرجس المكين ابن أبي ياسر/ المكين ابن العميد النصرانيّ/ ٦٠٢ - ٦٧٢/ ١٣
١٠٦٣/ جرجي بن ميخائيل الأنطاكيّ/ وزير رجار/- ٥٤٦/ ١٤
١٠٦٤/ جرجي الناصريّ، الأمير سيف الدين//- ٧٧٢/ ١٥
١٠٦٥/ جركتمر بن بهادر، الأمير سيف الدين//- ٧٤٢/ ١٥
١٠٦٦/ جرمك الناصريّ، الأمير سيف الدين//- ٦٩٢/ ١٦
١٠٦٧/ جريج بن مينا بن قرقب/ المقوقس/// ١٦
١٠٦٨/ جعفر بن حبيب القائد//- ٤٠١/ ٢٠
١٠٦٩/ جعفر بن الحسين بن جوهر//- بعد ٤٠١/ ٢١
١٠٧٠/ جعفر بن عبد الغفّار الكاتب//- بعد ٢٧١/ ٢٢
١٠٧١/ جعفر بن عبد الله بن سيّد بونة/ ابن سيّد بونة المقرئ/- ٦٢٤/ ٢٣
стр. 1404
١٠٧٢/ جعفر بن عبد الله بن ثعلب/ الأدفويّ صاحب الطالع السعيد/ ٦٨٥ - ٦٤٨/ ٢٣
١٠٧٣/ جعفر بن علي بن هبة الله/ أبو الفضل الإسكندرانيّ المقرئ/ ٥٤٦ - ٦٣٦/ ٢٤
١٠٧٤/ جعفر بن عمر، أمير برقة//- بعد ٧٣٦/ ٢٤
١٠٧٥/ جعفر بن علوان/ ذخيرة الملك/- بعد ٥١٢/ ٢٥
١٠٧٦/ جعفر بن فاتك بن مختار/ أخو المأمون البطائحيّ/- ٥٤٩/ ٢٥
١٠٧٧/ جعفر بن الفضل بن جعفر، أبو الفضل/ ابن الفرات/ ٣٠٨ - ٣٩٢/ ٢٦
١٠٧٨/ جعفر بن فلاح بن مروان، أبو الفضل/ جعفر بن فلاح الكتاميّ/- ٣٦٠/ ٣١
١٠٧٩/ جعفر بن القاسم بن جعفر بن علي، أبو الفضل/ ابن الدبوقا الدمشقيّ/ ٦٢١ - ٦٩١/ ٣٦
١٠٨٠/ جعفر بن محمد بن أحمد أبو القاسم/ ابن خدار الكاتب/- ٢٦٨/ ٣٦
١٠٨١/ جعفر بن محمد بن الحسن الكلبيّ/ جعفر بن محمد الكلبي الصقليّ/- ٣٧٥/ ٣٦
١٠٨٢/ جعفر بن محمد بن هبة الله أبو الفضل/ ابن سناء الملك القاضي/ ٥٢٥ - ٥٩٢/ ٣٨
١٠٨٣/ جعفر بن محمد بن عبد الرحيم، أبو الفضل/ صدر الدين القنائيّ/ ٦١٩ - ٦٩٦/ ٣٨
١٠٨٤/ جعفر بن محمد بن مختار، أبو الفضل/ الأفضليّ الشاعر/ ٥٤٣ - ٦٢٢/ ٣٨
١٠٨٥/ جعفر بن مفضّل بن زيد/ المهذّب شلعلع/// ٣٩
١٠٨٦/ جعفر بن يحيى بن جعفر/ ظهير الدين التزمنتيّ/- ٦٨٢/ ٣٩
١٠٨٧/ جعفر بن يوسف بن عبد الله، أبو محمد/ تاج الدولة الكلبيّ/- بعد ٤١٠/ ٤٠
١٠٨٨/ جلدك بن عبد الله، شجاع الدين/ جلدك التقويّ، والي دمياط/ ٥٤٠ - ٦٢٨/ ٤٠
١٠٨٩/ جمّاز بن شيحة بن هاشم/ جمّاز الحسينيّ أمير المدينة/- ٧٠٤/ ٤١
١٠٩٠/ جلاح الضبّيّ/// ٤١
١٠٩١/ حمدان بن صلغاي//- بعد ٦٩٨/ ٤٢
١٠٩٢/ جميل بن عبد الله بن معمر/ جميل بثينة/- ٨٢/ ٤٢
١٠٩٣/ جناب بن مرثد بن زين الرعينيّ/ نائب أمير مصر/- ٨٣/ ٤٣
١٠٩٤/ جنادة بن أبي أميّة الأزديّ//- ٨٠/ ٤٣
١٠٩٥/ جنادة بن محمد الأزديّ الهرويّ اللغويّ//- ٣٩٩/ ٤٤
١٠٩٦/ جني الصفوانيّ الخادم//- بعد ٣١٢/ ٤٤
١٠٩٧/ جنكلي بن محمد بن البابا//- ٧٤٦/ ٤٤
١٠٩٨/ جوّاز الضبيّ رأس الخوارج/// ٤٦
١٠٩٩/ جوامرد، الأمير الأفضل/ هزار الملوك/- ٥٢٤/ ٤٧
١١٠٠/ جوّاس بن القعطل/// ٤٩
١١٠١/ جوبان المنصوريّ//- ٧٢٨/ ٤٩
١١٠٢/ جوهر بن عبد الله، أبو الحسن/ جوهر الصقلّيّ/ ٣١٢ - ٣٨١/ ٤٩
стр. 1405
١١٠٣/ جوهر الطواشي صفيّ الدين//- ٧٢١/ ٦٥
١١٠٤/ جوهر بن لؤلؤ بن عبد الله/ أبو الدرّ القرميّ المقرئ/- ٥٦٣/ ٦٥
١١٠٥/ جوهر الجدّالي/ مؤسّس دولة المرابطين/- قبل ٤٦٠/ ٦٥
١١٠٦/ جيشس بن خمارويه أبو العساكر//- ٢٨٣/ ٦٧
١١٠٧/ جيش بن الصمصامة أبو الفت ح //- ٣٩٠/ ٦٨
- ح-
١١٠٨/ حاجّي بن محمّد بن قلاوون سيف الدين/ المظفّر حاجّيّ/ ٧٣٢ - ٧٤٨/ ٧٣
١١٠٩/ الحرث بن الأبيض بن الأسود/ أبو القاسم الفهريّ/- ٢٧٦/ ٧٥
١١١٠/ الحرث بن أسد بن معقل/ أبو الأسد الهمدانيّ/- ٢٥٦/ ٧٥
١١١١/ الحرث بن أسد الإفريقيّ/ صاحب مالك بن أنس/- ٢٠٨/ ٧٥
١١١٢/ الحرث بن أسد العتكيّ أبو عليّ//- ٢٢٠/ ٧٥
١١١٣/ الحرث بن العبّاس بن عبد المطّلب أبو الفضل/// ٧٦
١١١٤/ الحرث بن مسكين بن محمد أبو عمر/ ١٥٤ - ٢٥٠/ ٧٦
١١١٥/ الحارث بن مهلّب بن حسن أبو الأشبال/ مجد الدين البهنسيّ/ ٥٥٥ - ٦٢٨/ ٨٤
١١١٦/ حاطب بن أبي بلتعة//- ٣٠/ ٨٥
١١١٧/ حبشيّ بن أحمد السلميّ/ رأس المغاربة/- ٣٢٤/ ٨٧
١١١٧/ ٢/ حبش بن الفرّاء//- ٦٣٣/ ٨٩
١١١٨/ حبيش بن دلجة//- ٦٥/ ٨٩
١١١٩/ حباسة بن يوسف الكتاميّ//- ٣٠٧/ ٩٠
١١٢٠/ حجّاج بن عمرو بن غزيّة الأنصاريّ/// ٩٢
١١٢١/ الحجّاج بن يوسف/ ٤٠ - ٩٥/ ٩٣
١١٢٢/ حجر بن الحارث بن قيس/ أبو الورد المذحجيّ/- بعد ٦٤/ ١٤٧
١١٢٣/ الحرّ بن يوسف بن يحيى/ الحرّ الأمويّ أمير مصر/- ١١٣/ ١٤٨
١١٢٤/ حرملة بن عبد العزيز بن الربيع/ أبو عمر الجهنيّ المحدّث/- ٢٠٤/ ١٤٨
١١٢٥/ حرملة بن عمران بن قراد/ أبو حفص الحاجب/ ٨٠ - ١٦٠/ ١٤٩
١١٢٦/ حرملة بن معن بن جشم المدلجيّ/// ١٤٩
١١٢٧/ حرملة بن يحيى بن عبد الله أبو حفص/ الزميليّ صاحب الشافعيّ/ ١٦٦ - ٢٤٣/ ١٤٩
١١٢٨/ حرمي بن عبد الغنيّ/ أبو الكرم الورّاق/ ٥٥٩ - ٦٣٩/ ١٥١
١١٢٩/ حرمي بن محمد بن عبد الله/ أبو الحرم الدقيقيّ/ ٥٥٩ - ٦٣٩/ ١٥١
١١٣٠/ حرمي بن موسى بن عبد الله أبو مسعود/ أبو موسى الخرّاط/ ٥٥٩ - ٦٤١/ ١٥١
١١٣١/ حرمي بن قاسم بن يوسف/ أبو اليمن الفاقوسيّ/ ٦٤٩ - ٧٣٤/ ١٥١