← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

١٤٢٢ - طقزتمر الساقي الناصريّ [- ٧٤٦] (١) الأمير سيف الدين نائب السلطنة. بعث به الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فاختصّ به وما زال في الخدم حتى صار من جملة أمراء مصر. ثم خلع عليه في يوم السبت تاسع بيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، واستقرّ به أمير مجلس عوضا عن الأمير طرجي الساقي (٢) بعد وفاته. فلمّا قام الملك المنصور أبو بكر في السلطنة بعد موت أبيه الملك الناصر [محمد بن قلاوون] أقيم طقزتمر في نيابة السلطنة، وكانت معطّلة مدّة سنين، وذلك في يوم الاثنين الثالث والعشرين من المحرّم سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة]، وجلس في دست النيابة وحكم بين الناس. وكانت ولايته النيابة بوصيّة السلطان الناصر بعد أن امتنع منها. تمّ عزله الأمير قوصون (٣) لمّا خلع أبا بكر، وولّاه نيابة حماة في سابع عشر ربيع الأوّل عوضا عن الملك الأفضل [الذي نقل إلى إمرة دمشق] حتّى نقله الصالح إسماعيل لنيابة حلب عوضا عن آي دغمش [الناصريّ] (٤) فلمّا مات آي دغمش نقل ومن نيابة حلب إلى نيابة الشام عوضا عن أيد غمش فدخلها في نصف شهر رجب سنة ثلاث وأربعين [وسبعمائة]. واستمرّ بها حتّى تسلطن الكامل شعبان في ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين [ف] كتب بإحضاره إلى مصر وولّى عوضه يلبغا اليحياوي نائب حلب. فخرج من دمشق، وهو مريض في محفّة يوم السبت خامس جمادى الأولى حتى نزل بلبيس. فركب الأمير أرغون العلائيّ (١*) إلى لقائه. وقدم إلى القاهرة وقد تزايد مرضه حتى مات مستهلّ جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين وسبعمائة. ودفن بخانقاته بالقرافة. وكان عاقلا وادعا عديم الشرّ. وإليه ينسب حكر طقزتمر خارج القاهرة (٢*) وربع طقزتمر خارج باب زويلة، وحمّام طقزتمر عند قبو الكرمانيّ. ١٤٢٣ - طقصبا الحساميّ التتريّ [- ٧٤٥] (٣*) [١٤ أ] الأمير سيف الدين، التتريّ، الظاهريّ، أحد المماليك الظاهريّة بيبرس. ترقّى في الخدم إلى أن ثار الأمير حسام [الدين] لاجين نائب السلطنة على السلطان الملك العادل كتبغا (٤*) بالعوجاء (٥*) من طريق الشام وهزمه إلى دمشق

стр. 1437

وتسلطن بعده (١) [ف] خاف من الأمير شمس الدين كرتاي التتري (٢) نائب الغيبه بقلعة الجبل أن يقيم الملك المجاهد أنص (٣) ابن العادل كبتغا في السلطنة إذا بلغه ما وقع فأشار الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب (٤) بإرسال طقصبا إليه ليعده عن السلطان كلّ جميل، فإنّ الجنس يميل إلى الجنس [ ... ]. فطلب طقصبا وعرف ما يقوله ووعد بأنّه إذا تمّ الأمر بمصر على يديه أنعم عليه بإمرة. فتوجّه من العوجاء يريد القاهرة، وكان قد سبق الخبر إلى المجاهد ابن كتبغا ووافقه كرتاي وقطلوبرس العادليّ (٥) وشرعوا في تدبير أمورهم وتحليف العسكر للمجاهد. فوافى طقصبا بكرتاى حموّه (٦) حتى دخل في طاعة المنصور لاجين، وكتب بذلك هو والأمراء، ونودي في القاهرة بسلطنة لاجين، وأمر الخطباء بالدعاء له على المنابر. وأذعن المجاهد أنص وسلّم بغير مدافعة، فعاد طقصبا بكتب الأمراء إلى لاجين فعظم سروره وخلع عليه. وسار إلى القاهرة فملك قلعة الجبل وتمّ له أمره في صفر سنة [ستّ] وتسعين وستّمائة كما ذكر في ترجمته (٧). فلمّا تمكّن أمّر جماعة من أتباعه، منهم طقصبا. وولي بعد ذلك قوص، وغزا النوبة في سنة خمس وسبعمائة وعبر إلى دنقلة (١*) وعاد بعد غيبته بالعسكر تسعة أشهر. ثمّ جرّده الملك الناصر إلى مكّة في شوّال سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، ومعه من الأمراء بيدرا (٢*) وآي دغدي الخوارزمي (٣*) وصاروجا الحساميّ (٤*) في عدّة من الأحناد ليقبض على الشريف حميضة بن أبي نميّ (٥*) لكثرة ظلمه. فلمّا قدم مكّة فرّ حميضة إلى جهة اليمن، فأقام عوضه أبا الغيث ابن أبي نميّ، وأقام بالعسكر شهرين بعد الموسم. وعاد إلى القاهرة، ومضى إلى قوص (٦*). وغزا النوبة، ومعه من أمراء مصر مغلطاي (٧*) أمير مجلس، وساطي السلاحدار (٨*) وأزبك الجرمكي (٩*)، وأيدمر الدوادار (١٠*)، وعلي بن

стр. 1438

قراسنقر (١)، وشيخو الدميثري (٢) في عدّة من أجناد الحلقة. وتقدّمها فمرّوا على صحراء عيذاب إلى سواكن (٣)، وأوقعوا بالسودان، وقتلوا منهم عددا كبيرا، ومرّوا إلى دنقلة. وعاد العسكر إلى القاهرة في أوّل جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة [١٤ ب] وسبعمائة بعد ما غابوا ثمانية أشهر. ثمّ جرّده إلى عيذاب في سنة تسع عشرة. ومات عن مائة وعشرين سنة في [ ... ] سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وهو يركب الخيل ويرمي بالنشّاب، ويأكل بنهم أكلا جيّدا. ١٤٢٤ - طلحة ابن دقيق العيد [٦٦٨ - ٦٩٦] (٤) [١٥ أ] طلحة بن محمد بن علي بن وهب بن مطيع، وليّ الدين، أبو محمد، ابن قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد. ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستّين وستّمائة. وسمع من الحافظ عبيد الأسعرديّ (٥)، وبهاء الدين القفطيّ، وعزّ الدين الحرّاني وغيره. وبرع في الفقه وكتب وعلّق وأفاد. وناب عن أبيه في الحكم. توفّي سنة ستّ وتسعين وستّمائة. وكان فقيها نبيلا ذكيّا. وقال عنه أبوه إنّه يعرف مذهب الشافعيّ. ١٤٢٥ - طهمان بن عمرو الكلابيّ [- (٨٠)] (١*) أحد بني بكر بن كلاب. كان راميا فكان يضع السهم حيث يريد فلا [١٦ أ] يخطئ. وكان مع الضحّاك بن قيس يوم مرج راهط (٢*)، فأشجى مروان ابن الحكم. فلمّا هزمت قيس كان مع ناتل (٣*) بن قيس بفلسطين. فلمّا هزمهم مروان أيضا لحق بمصر فيمن صار إليها من أصحاب ناتل، فكان مع بني فهم. وكان رأسا في أيّام الخندق، فلقي أصحاب مروان منه ما لم يلقوا من أحد، وكانت سهامه تأتيهم قد كتب عليه اسمه. فيقال إنّه قتل يوم الخندق من أهل الشام اثني عشر عريفا سوى من قتل من سائر الناس. فلمّا صلح حال أهل مصر مع مروان لحق طهمان بعبد الله بن الزبير وكان معه حتّى قتل (٤*). فطلبه عبد الملك بن مروان وأهدر دمه. ففرّ إلى نجران، فوجد رجلا من بني عبس طريدا فاصطحبا وكانا يتوحّشان ولا يقربا [ن] الناس. فقال طهمان في ذلك [طويل]: فإنّي والعبسيّ في أرض مذحج ... لما كانت الدنيا لمغتربان (٥*)

стр. 1439

طريدان مجفوّان في مثل عيشنا ... وخيف مكانانا بكلّ مكان فمن ير ممسانا وملقى رحالنا ... من الناس يحسب أنّنا سبعان فأخذه نجدة بن عامر أحد الخوارج فقال له: ارم، وأرني رميك. قال: مر بقربة تملأ، ثم ضع عليها ثلاث بعرات، ثمّ سلني أيّهنّ شئت أرميها، ولا أصيب القربة. ففعل ذلك وقال: ارم الوسطى. فرماها ولم يصب القربة. ثمّ الثانية، ثمّ الثالثة فقال نجدة: لا ترمنا مع المشركين أبدا! -[١٦ ب] وقطع يده. فقال [الطويل]: يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها (١) ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها ١٤٢٦ - طوطيس بن ماليا (٢) [١٧ أ] طوطيس بن ماليا بن فربتا بن ماليق بن تدارس بن صابن مرقوس بن صا ابن قبط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. ملك بعد ما قتل أباه ماليا، وجلس على تخت الملك بمدينة منف. وكان جبّارا جريئا شديد البأس مهابا. فلمّا دخل عليه أشراف مدينة منف للهناء، أمرهم بالإقبال على ما يعنيهم، واشتغالهم بمصالحهم. ووعدهم بالإحسان إليهم. وتزعم القبط أنّ طوطيس هذا أوّل الفراعنة السبعة، وهو فرعون بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه. وقبل: بل فراعنة مصر من ولد دان بن فهلوج بن أمراز بن أشوذ بن سام بن نوح. والمشهور أنّهم من العماليق، منهم الربان بن الوليد، وهو فرعون إبراهيم. ومنهم الوليد بن مصعد، فرعون موسى. ومنهم سنار بن علوان. ويقال فرعون إبراهيم اسمه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقيل: فراعنة مصر من عملاق الأوّل بن لاوز بن سام بن نوح. وقيل: فرعون إبراهيم هو سنان الأسل بن علوان بن عبيد بن عريج بن عمليق بن بلقع بن عابر بن اشليحا بن لوذ بن نوح. وكان من خبر إبراهيم- سلام الله عليه- معه، أنّه قدم إلى مصر بزوجته سارّة. فعند ما رآها الحرس الموكّلون بأبواب مدينة منف عجبوا من حسنها فرفعوا خبرها إلى طوطيس. فأمر وزيره فأحضر إبراهيم ﵇، وسأله عنها. وبعث بها إلى طوطيس. فأكرمها الله وكفّ عنها طوطيس، وجفّت يده لمّا مدّها إليها حتى دعت الله سبحانه فخلّصها. وهابها طوطيس وبعث بها إلى ابنته حوريا فأكرمتها وأعادتها إلى إبراهيم (عم). ووهبتها «هاجر» أمّ إسماعيل. وخرج بها إبراهيم (١*). من مصر كما ذكر في خبر إبراهيم وسارّة وهاجر من هذا الكتاب. وطوطيس هو الذي [١٧ ب] حفر الخليج من النيل حتّى صبّ في بحر الملح لتصل السفن فيه حتّى تصل إلى مكّة بالغلال وغيرها توسعة على

стр. 1440

هاجر، فأحيى أرض الحجاز وأهلها مدّة حتّى سمّته العرب من جرهم وغيرها بالصادق. ويقال إنّه إنّما سمّي فرعون لإسرافه في القتل وخروجه فيه عن الحدّ حتى قتل أقاربه وأهل بيته ونساءه وخدمه وكثيرا من الكهنة والحكماء. ولم يرزق ولدا قطّ سوى ابنته حوريا، وكانت عاقلة فخافت خروج الملك منهم لشدّة عتوّ أبيها، ومنعته مرارا حتّى توحّش ما بينها وبينه. فلمّا أعياها أمره رشّت إليه سمّا فهلك بعد ما أقام بعد أبيه في ملك مصر سبعين سنة. فاختلف الناس بعد مهلكه وقامت طائفة وقالت: «لا نملّك علينا أحدا من أهل بيته» ودعوا لبعض أولاد أتريب (١). وقامت طائفة بدعوة حوريا ونصبوها على تخت الملك بعد أبيها فتمّت لها الكلمة وقامت بتدبير الأمور. ويقال إنّه نقل كتب العلوم من بلاد الكلدانيّين إلى مصر وأنّه أوّل من دوّن الكتب في علم النجوم وفي السحر بمصر، وأوّل من أظهر بها علم الحساب. وهو قول بعيد من الصحّة. ١٤٢٧ - طوغان المنصوريّ [- ٧٢٤] (٢) أحد مماليك الملك المنصور قلاوون. تنقّل في خدمته إلى أن ولّاه نيابة البيرة (٣) فاستمرّ فيها مدّة طويلة إلى أن ثقل على الملك الناصر محمد بن قلاوون، فإنّه كان عظيم الكبر عظيم النفس، فيه جاهليّة وحمق، وقصد عزله. فلمّا ورد عليه كتاب السلطان لم يعبأ به وقال: لا أخرج من هنا إلى أن أموت، فإنّ السلطان الشهيد- يعني قلاوون- أعطاني هذه القلعة، وعهد إليّ أن لا أخرج منها. فخاف السلطان غائلته، وأعرض عنه، إلى أن بعث الأمير كراي (١*) على عسكر [و] قبض على أسندمر كرجي (٢*) نائب حلب، [ف] كتب إليه بإعمال الحيلة على طوغان. فكتب إليه كراي بأنّ عدّة من مماليك أسندمر نائب حلب تسحّبوا عند قبضه إلى جهة بلاد الشام (٣*)، فتركب بمن معك وتقبض عليهم. ودسّ إلى نقيب قلعة البيرة ورجّالته بمنع طوغان إذا خرج منها أن يعود إليها، وأن يقبضوا عليه. فمشى ذلك (٤*) على طوغان، وخرج بمماليكه إلى ظاهر البيرة في طلب مماليك أسندمر فلم يقف لأحد منهم على خبر، وعاد بعد يومين فإذا برجال القلعة قد استعدّوا له ومنعوه من القلعة. فعلم أنّ الحيلة تمّت عليه. وأحاطوا به فأخذوه وحملوه مقيّدا إلى حلب فسيّره كراي إلى السلطان. فلمّا قدم عليه في أخريات ذي الحجّة سنة عشر وسبعمائة عنّفه وحبسه أيّاما. ثمّ أفرج عنه وولّاه شدّ الدواوين بدمشق (٥*). ثمّ صرف بالأمير بدر الدين بكتوت القرماني (٦*) في ثاني شهر رمضان

стр. 1441

سنة إحدى عشرة وسبعمائة. ثمّ قبض عليه في ربيع الآخر سنة ثنتي عشرة وسجن بالكرك فلم يفرج عنه إلى سنة عشرين. ١٤٢٨ - طوغان الشمسيّ [- ٧٤١] (١) أحد مماليك شمس الدين سنقر الطويل المنصوريّ. تنقّل في الخدم، وولي الأشمونين من الوجه القبلي. ثم نقل إلى شدّ الدواوين في وزارة الجمالي (٢). وأخرج إلى دمشق لتغيّر السلطان عليه، ثمّ ولّاه شدّ الدواوين بها، حتى مات في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وكان ظالما غشوما سفّاكا للدماء. يتكلّم بعظائم ويتّهم في اعتقاده ودينه. ١٤٢٩ - ظافر الحدّاد [- ٥٢٩] (٣) [١٨ أ] ظافر بن القاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغنيّ، أبو القاسم وأبو المنصور، الجذامي، الجرويّ، البرقي، الإسكندرانيّ، المعروف بالحدّاد، الشاعر المشهور. أحد الشعراء المجيدين. قال فيه الرشيد (٤) في كتاب الجنان: «شاعر مجيد مستعذب النظم موصوف بالفهم». وقال الإمام أبو الطاهر ابن عوف: «لم يعرف لظافر الحدّاد خربة (١*) في دينه». ولظافر ديوان شعر أكثره جيّد، ومعظمه في مديح وزراء الدولة الآمريّة والحافظيّة وأعيان مصر. وكان كثير الاختصاص بأبي علي بن الفضل (٢*)، فنوّه به لمّا وزر في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وله فيه قصائد عديدة. وقد روى عنه الحافظ السّلفي وغيره من الأعيان. فمن مختار شعره قصيدته الذاليّة وهي [الكامل]: لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما سحّ وابل دمعه ورذاذه ما زال جيش الحبّ يغزو قلبه ... حتّى وهى وتقطّعت أفلاذه لم يبق فيه للغرام بقيّة ... إلّا رسيسا يحتويه جذاذه من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه لا تخدعنّك بالفتور فإنّه ... نظر يضرّ بقلبك استلذاذه ٥ يا أيّها الرشأ الذي في لحظه ... سهم إلى حبّ القلوب نفاذه درّ يلوح بفيك، من نظّامه؟ ... خمر يجول عليه، من نبّاذه؟ وقناة ذاك القدّ كيف تقوّمت؟ ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه؟ رفقا بجسمك لا يذوب فإنّني ... أخشى بأن يسطو عليه لاذه (٣*) هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام، فمن ترى أستاذه؟ ١٠

стр. 1442

تالله ما علقت محاسنه امرأ ... إلّا وعزّ على الورى استنقاذه أغريت حبّك بالقلوب فأذعنت ... طوعا وقد أودى بها استحواذه ما لي أتيت الحظّ من أبوابه ... جهدي فدام نفوره ولواذه؟ إيّاك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله، وغنيّه شحّاذه ١٥ ذاليّة ابن دريد استهوى بها ... قوما غداة نبت به بغداذه (١) دانوا لزخرف قوله فتفرّقت ... طمعا بهم صرعاه أو جذّاذه من قدّر الرزق السني لك انّما ... قد كان ليس يضرّه إنفاذه وقال [كامل]: لا يسكن اللفظ البديع حلاوة ... حتى يكون ثناك من أركانه [١٩ ب] ويظلّ بيت الشعر قفرا خاليا ... ما لم تكن بالمدح من سكّانه وقال يعزّي الأفضل ابن أمير الجيوش بأخيه المظفّر، وهي طويلة [طويل]: إذا كان عقبى ما يسوء التصبّر ... فتقديمه عند الرزيّة أجدر وليس الشجاع النّدب من يضرب الطّلى ... دراكا ونار الحرب تذكى وتسعر ولكنّه من يؤلم الثكل قلبه ... ويعرف أحداث الزمان فيصبر (١*) لئن عظم الخطب الشديد محلّه ... فحكمك أعلى منه قدرا وأكبر وبعض الذي يحويه صدرك همّة ... تضيق بها الدنيا جميعا وتصغر ٥ لقد زعزعت شمّ الجبال رزيّة ... ألمّت، ولكن طود حلمك أوقر بعلمك تستهدي نفوس ذوي النّهى ... وأنت بما قال المعزّون أخبر وحكم التعازي شيمة نبويّة ... وإلّا فمنك الحزم يبدو ويصدر (٢*) وتوفي في المحرّم سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقال السلفي: في ذي الحجّة سنة ثماني وعشرين. قال ابن ميسّر: وأنا أعتقد أنّه وهم في ذلك.

стр. 1443

[حرف العين]

стр. 1444

١٤٣٠ - عبّاس بن جعفر بن الفرات [- ٤٤١] (١) [٢٠ أ] عباس، ابن الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة. توفّي بمصر في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. ١٤٣١ - أبو الربيع العنزيّ [- ٢٣٣] عبّاس بن ربيع بن عبد ربّ (٢) بن مخارق بن مهران، أبو الربيع، العنزيّ، البصريّ، الفقيه الحنفيّ. قدم مصر. وتوفّي بها يوم الخميس مستهلّ ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. ١٤٣٢ - عبّاس بن شعيب العبيدي [- ٤١٥] (٣) [٢٠ ب] عبّاس بن شعيب بن داود بن عبيد الله [المهديّ]، العبيديّ، أبو هاشم، من أقارب الحاكم العبيديّ خليفة مصر. وكان ذا نعمة وسعة وكرم وإفضال. وكان الحاكم ولّاه العهد من بعده. ١٤٣٣ - عبّاس ابن أبي الفتوح الصنهاجيّ [- ٥٤٩] (١*) عبّاس ابن أبي الفتوح يحيى بن أبي يحيى تميم ابن المعزّ بن باديس، الحميريّ، الصنهاجيّ (٢*). قدم صغيرا على يدي أمّه بلّارة بنت القاسم (٣*) مع أبيه أبي الفتوح إلى الإسكندريّة لمّا أخرجه أخوه أبو الحسن عليّ بن يحيى بن تميم (٤*) من إفريقيّة. فأمر الخليفة الآمر بأحكام الله (٥*) بإكرامه. فلم تطل أيّام حياته بالإسكندريّة ومات. فتزوّجت بلّارة بعد وفاته بعليّ بن السلّار

стр. 1445

الملقّب بالعادل (١)، الوزير. فسعد بها وعلا شأنه. وشبّ عبّاس فقدّمه الخليفة الحافظ لدين لله وجعله صاحب الباب. فلمّا مات الحافظ في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة واستخلف من بعده ابنه أبو المنصور إسماعيل الظافر بأمر الله (٢)، خلع على [نجم الدين سليمان بن محمد] بن مصال وأقامه في الوزارة. [ف] سخط ذلك المظفّر عليّ بن السلّار، وهو يومئذ وإلى الغربيّة (٣). وسار فرافقه عبّاس وتوجّه معه إلى القاهرة واستقرّ في وزارة الظافر. فخرج عبّاس بعسكر إلى محاربة الوزير نجم الدين سليمان بن مصال إلى دلاص (٤)، وقاتل ابن مصال حتّى هزم من معه وحرق جامع دلاص وقد امتنع به قوم من لواته وكثير من السودان حتّى أتلفهم، وأسر ابن مصال وقتله وحمل رأسه، ودخل إلى القاهرة، وولده نصر بن عبّاس يحمل الرأس على رمح. وأقام بالقاهرة ونعت ب «ركن الإسلام» إلى أن قوي الإفرنج ونازلوا عسقلان في البرّ والبحر. فجهّز العادل ابن السلّار العساكر وسيّرها مع ركن الإسلام عبّاس. فخرج ومعه من الأمراء ملهم والضرغام وأسامة بن منقذ (٥) في عدّة. وكان أسامة خصيصا بعبّاس. فحسّن له، وقد نزلوا على بلبيس، أن يعمل في أخذ الوزارة من العادل بأن يبعث ابنه ناصر الدين نصر بن عبّاس إلى القاهرة ليتحدّث مع الظافر في ذلك، فوافق هذا غرض عبّاس. وبعث ابنه فكان من قتله العادل ما قد ذكر في ترجمته (١*). فكتب الظافر إلى عبّاس فحضر من بلبيس وتقلّد وزارة مصر بعد زوج أمّه العادل عليّ بن السلّار في يوم الجمعة سابع المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة [ ... ] والأتراك قد استوحشوا من قتل ابن السلّار، فلم يجد سبيلا إلى تلافي أمرهم. وخرجوا يدا واحدة إلى دمشق وبطل مسير العساكر إلى عسقلان. فسرّ الفرنج ما وقع بالقاهرة وقالوا لأهل عسقلان، وهم على حصارهم [٢١ ب]: إنّ سلطانكم قد قتله ابنه، فأنتم لمن تقاتلون؟ ففترت عزائمهم عن القتال إلى أن أخذ الفرنج عسقلان. واستبدّ عبّاس بأمر الدولة وضبط الأمور وأكرم الأجناد، وأحسن إلى الأمراء إلى أن قتل ابنه نصر بن عبّاس الظافر. فصعد العبّاس إلى القصر يوم الخميس على العادة وجلس في مقطع الوزارة ينتظر الخليفة الظافر حتى طال جلوسه فاستدعى بمفلح زمام القصر وقال له: إن كان لمولانا شغل عدنا إليه في الغد. فمضى الزمام وهو حائر، وأعلم أخوي الظافر يوسف وجبريل بالقصّة، فما شكّا في قتل الظافر، فعاد إليه. وكان من إقامته عيسى ابن الظافر ونعته ب «الفائز» ما ذكر في خبره (٢*). فظنّ أنّ الأمر قد استقام له، فأتاه ما لم يحتسبه، وأخذ أهل القصر في إعمال الحيلة عليه، فاختلف عليه الأمراء والسودان ونافروه لما اشتهر من قتل ابنه نصر بن

стр. 1446

عبّاس للخليفة الظافر. وهاجت الفتنة وصارت العساكر أحزابا، ولبسوا سلاحهم. فخرج عبّاس لقتالهم في يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكسرهم وقتل منهم جماعة. فبعثت عمّة الفائز إلى طلائع بن رزيّك والي الأشمونين والبهنسى تستدعيه لأخذ ثأر أخيها الظافر، فحشد وسار من منية بني خصيب. فبعث إليه عبّاس عسكرا في عاشر ربيع الآخر نزل على إطفيح، فخالف عرب إطفيح على عبّاس ولحقوا بطلائع وهو على أبويط، فسار بهم إلى دهشور (١). فاضطرب عبّاس وانحلّ عنه الناس يريدون لقاء طلائع، وناكده أهل القاهرة بحيث إنّه مرّ في يوم فألقي عليه من طاق في الشارع هاوون ورمي مرّة بقدر قد ملئت بطعام حارّ، فقال: «ما بقي بعد هذا من شيء» وهمّ بالفرار فوجد أبواب القاهرة مغلقة. ثمّ دبّر أمره وخرج ومعه ابنه نصر، وأسامة بن منقذ، ومعهم جميع أموالهم. فأخذ طلائع القاهرة، ونهبت دور عبّاس وولده وأتباعه. وسار عبّاس على طريق أيلة (٢) فبعثت عمّة الفائز إلى الفرنج بعسقلان تعلمهم الحال وتبذل لهم المال. فخرجوا إلى عبّاس وقاتلوه. ففرّ عنه أسامة بن منقذ ومعه أصحابه. وبقي يقاتل حتى قتل يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وأسر ابنه نصر وحمل إلى القاهرة. وحكي أنّ عبّاسا جلس للمنادمة. فلمّا أخذت الكأس منه قال: تبّا لمن يعتقد إمامة هؤلاء ويقول إنّه لا يكون إمام إلّا بوصيّة. والله لقد قتلت الظافر (٣) ولا علم له بذلك حتى يوصي. وقد استعرضت أقاربه كالغنم إهانة وذبحا، وقدّمت هذا الملقّب بالفائز، وعمره خمس سنين، وعلى يدينا ذهبت دولتهم بالمغرب، وكذلك تذهببالمشرق- فقتله الله وقتل ولده بالظافر. ١٤٣٤ - أبو علي ابن الجرّاح الكاتب [٢٧٥ - ٣٤٨] (١*) [٢٢ أ] عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجرّاح بن مهاجر، أبو عليّ، الكاتب، الوزير. مولده ليلة الجمعة سلخ شهر رمضان سنة خمس وسبعين ومائتين. وتصرّف بين يدي أخيه علي بن عيسى بن الجرّاح، وفي تقلّد الدواوين معه وبه. وكتب لمؤنس المظفّر، وخرج معه إلى مصر، فدخلها يوم الخميس الخامس من المحرّم سنة ثمان وثلاثمائة، وخرج في سادس ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة. فلمّا قبض على الوزير أبي علي محمد بن علي بن مقلة خلع على عبد الرحمن هذا خلع الوزارة بعده في يوم الاثنين لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وقال له أمير المؤمنين الراضي بالله أبو العبّاس محمد ابن المقتدر: قد قلّدتك وزارتي ودواويني. فركب ومعه الجيش إلى داره. وكان قد قيل لأخيه في أن يستوزر فاستعفى فأعفي. وباشر الوزارة شهرين وثلاثة أيّام فعجز عن تمشية الأمور لقلّة الأموال وانقطاع الموادّ، فإنّ أبا بكر ابن رائق (٢*) كان قد استولى على واسط والبصرة، والبريديّين (٣*) استولوا على الأهواز،

стр. 1447

وعليّ بن بويه على فارس. فقبض عليه وعلى أخيه واعتقلا في يوم الاثنين لسبع خلون من رجب وبقي إلى أن مات يوم الجمعة تاسع شعبان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. ١٤٣٥ - ابن قحزم الخولانيّ [- بعد ٨٨] (١) [٢٢ ب] عبد الرحمن بن عمر بن صعد بن قحزم الخولانيّ، أبو معاوية. روى عنه ربيعة بن سيف. ولمّا وفد عبد الله بن عبد الملك بن مروان على أخيه (٢) استخلفه على مصر، وذلك في صفر سنة ثمان وثمانين. ١٤٣٦ - ابن غنم الأشعريّ «صاحب معاذ» [- ٧٨] (٣) عبد الرحمن بن غنم بن كريب بن هاني بن ربيعة بن عامر بن [عديّ] بن وائل، الأشعريّ. اختلف في صحبته، فقال الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة إنّ له صحبة. ويقال إنّه قدم على النبيّ ﷺ . وقيل: كان مسلما على عهد رسول الله ﷺ ولم يره ولم يقدم عليه. ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبيّ ﷺ إلى اليمن، إلى أن مات في خلافة عمر ﵁، فعرف ب «صاحب معاذ» لملازمته له. وسمع من عمر بن الخطّاب. وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فقّه عامّة التابعين بالشام. وكانت له جلالة وقدر. وهو الذي عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص في انصرافهما من عند علي ﵁ رسولين إلى معاوية، فكان ممّا قال لهما: عجبت منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليّا إلى أن يجعلها شورى، وقد علمتما أنّه قد بايعه المهاجرون والأنصار وأهل الحجاز والعراق، وأنّ من رضيه خير ممّن كرهه، ومن تبعه خير ممّن لم يتابعه. وأيّ مدخل في الشورى لمعاوية، وهو من الطلقاء، الذين لا تجوز لهم الخلافة، وهو وأبوه رءوس الأحزاب؟ فندما على مسير هما وتابا منه بين يديه. وقال أبو زرعة الدمشقي (١*): ناظرت دحيما (٢*) [ف] قلت: الطبقة التي أدركت رسول الله ﷺ ولم تره، من المقدّم؟ الصنابحيّ (٣*) أو ابن غنم؟ قال: ابن غنم، وهو رجل أهل الشام. وذكره غير واحد في كبار التابعين. وقد روى عنه أبو إدريس الخولانيّ وجماعة من تابعي أهل الشام. وقدم مصر [٢٣ ب] مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين. ومات سنة ثمان وسبعين. ١٤٣٧ - ابن القاسم صاحب مالك [١٣٢ - ١٩١] (٤*) [٢٤ أ] عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن

стр. 1448

جنادة بن زبيد بن الحارث، أبو عبد الله، العتقيّ، المصريّ، الفقيه، أحد أصحاب مالك. كان زبيد من حجر حمير، وذلك أنّ العتقاء إنّما هم جمّاع (١) فيهم من حجر حمير، ومن سعد العشيرة، ومن كنانة مضر وغيرهم. وكان سعيد بن الجهم الحميري يقول لعبد الرحمن بن القاسم: «أنت منّا»، أي إنّ زبيد بن الحارث حميريّ. ولد عبد الرحمن سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وقيل: ولد في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة. وروى عن مالك، وبكر بن مضر، ونافع بن أبي نعيم القارئ، وأبي شريح عبد الرحمن بن شريح، وسفيان بن عيينة وجماعة. وروى عنه: سعيد بن عيسى بن بليد، وأصبغ بن الفرج، وعبد الله بن عبد الحكم، وولده محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن سلمة المرادي، وأبو زيد ابن أبي الغمر، وسحنون بن سعيد، وعيسى بن إبراهيم بن مثرود، وأبو الطاهر بن السرح، وآخرون. وقد خرّج له البخاري والنسائيّ. قال أبو زرعة: ثقة، رجل صالح، عنده ثلاثمائة جلد أو نحوه عن مالك، مسائل ممّا سأله أسد. كان سأل محمد بن الحسن عن مسائل. سأل ابن وهب أن يخبره بما كان عنده عن مالك وما لم يكن عنده عن مالك فمن عنده. فلم يفعل. فأتى ابن القاسم فتوسّع له فأجابه. على هذا فالناس يتكلّمون في هذه المسائل. وقال النسائيّ: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. وعن ابن القاسم أنّه قال: رأيت في النوم كأنّه يقال لي: إنّ الله يصلّي عليك وعلى سعيد بن زكريّا، يعني سعيد الأدم (١*) .. وقال: كنت بالإسكندريّة فرأيت كأنّي اصطدت بازا فقصصته فإذا جوفه مملوءا جوهرا. فجئت إلى [٢٤ ب] ابن سعيد ففسّرت عليه رؤياي، فقال: لعلّك حدّثت نفسك بشيء من طلب العلم؟ (قال) قلت: هو ذاك. قال: من الذي ذكرت؟ فقلت له: مالك. فقال لي: هو بازك الذي صدته. وقال أحمد بن معاوية عن الحرث [ ... ]- وذكر ابن القاسم-[أثنى] على علم مالك، قال: سمع من سفيان أحاديث فكتبها في ألواحه، ثم سمع من مالك شيئا فمحا أحاديث سفيان وكتب ما سمع من مالك. (قال) وقال ابن القاسم: رجلان أقتدي بهما في ديني: سليمان بن القاسم في الورع، ومالك بن أنس في العلم. وكان من دعاء ابن القاسم: اللهمّ امنع الدنيا منّي وامنعني منها بما منعت به صالح عبادك! وقال مالك، وذكر له ابن القاسم فقال: عافاه الله، مثله كمثل جراب مملوء مسكا. وعن أبي الطاهر بن السرح قال: سمعت خالي قال: رأيت في المنام قائلا يقول: لا يفتي الناس إلّا ابن القاسم المهذّب. وعن ابن القاسم أنّه قال: خرجت إلى مالك اثنتي عشرة خرجة، أنفقت في كلّ خرجة ألف دينار. وصحب مالكا عشرين سنة. وانتفع به أصحابه بعد موت مالك. وهو صاحب المدوّنة (٢*) في

стр. 1449

مذهب مالك ﵀. وكان ابن القاسم كبير أصحاب مالك ورأسهم، مع الدين والزهد. قال الحرث بن مسكين (١)، وذكر ابن القاسم: كان في الزهد والورع شيئا عجيبا. وسئل مالك عن ابن وهب وابن القاسم فقال: ابن وهب رجل عالم، وابن القاسم فقيه. وعن أسد بن الفرات: كان ابن القاسم يختم كلّ ليل ويوم ختمتين (٢)، فترك لي حين جئته ختمة رغبة في إحياء العلم. وتوفّي ابن القاسم في ليلة الجمعة لسبع مضين من صفر سنة إحدى وتسعين ومائة، ودفن بالقرافة قبالة قبر أشهب. ورآه سحنون في نومه فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: وجدت عنده ما أحببت. قال: فما وجدته أفضل؟ قال: تلاوة القرآن. قال: فالمسائل؟ فأشار بأصبعه يليّشها (٣). فسأله عن ابن وهب فقال: هو في علّيين. ١٤٣٨ - ابن المسجّف العسقلانيّ [٥٨٣ - ٦٣٦] (٤) [٢٥ أ] عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم بن يوسف، بدر الدين، أبو محمد، المعروف بابن المسجّف، العسقلانيّ. ولد في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ومات بدمشق في [ ... ] المحرّم سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. وقدم القاهرة وأقام بها. ١٤٣٩ - عبد الرحمن ابن الأشعث [- ٨٤] [٢٦ أ] عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عديّ بن ربيعة بن الحارث بن الأصغر، ابن الحارث الأكبر، ابن معاوية بن ثور بن مرفع بن معاوية بن ثور بن عفير بن عدي بن مرّة بن أدد بن زيد بن [منجب]، الكنديّ، أبو [ ... ]، ابن أبي القاسم، ابن أبي محمّد. أسلم جدّه الأشعث بن قيس سنة عشر بعد ما كان في الجاهليّة رئيسا مطاعا في كندة، فبقي في الإسلام وجيها في قومه، إلّا أنّه ارتدّ عن الإسلام بعد موت النبيّ ﷺ فأتي به أبو بكر الصدّيق ﵁ أسيرا فأسلم. وزوّجه أبو بكر بأخته أمّ فروة بنت أبي قحافة، فولدت له محمد بن الأشعث. فلمّا استخلف عمر بن الخطّاب ﵁، خرج الأشعث مع سعد بن أبي وقّاص إلى العراق فشهد القادسيّة والمدائن وجلولاء ونهاوند، ونزل الكوفة في دار اختطّها. ثمّ شهد تحكيم الحكمين. ومات بالكوفة سنة أربعين، وقيل اثنتين وأربعين. وابنه محمد روى عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعائشة. وحدّث عنه الشعبيّ ومجاهد. وخرّج له أبو داود والنسائيّ. وقتله المختار بن أبي عبيد الثقفيّ سنة سبع وستّين في محاربته لمصعب بن الزبير، وكان محمد مع مصعب

стр. 1450

يستنفر الناس لقتال المختار ويحرّض عليه ويقاتله بأصحابه وقومه. وأمّا عبد الرحمن بن محمّد فإنّه ولد [ ... ] (١). ثمّ بعثه بشر بن مروان بكتاب مددا لخالد بن عبد الله بن أسيد القسريّ، وهو يقاتل الخوارج. فسار في جيش كثيف إلى خالد وقاتل معه قطريّ بن الفجاءة وأبلى بلاء حسنا، وصرع يومئذ هو ويزيد بن المهلّب بن أبي صفرة فحامى عنهما أصحابهما حتى ركبا [٢٦ ب]. فلمّا كانت سنة تسع وسبعين أغزى الحجّاج بن يوسف عبد الله بن أبي بكرة بلّاد رتبيل (٢)، وكان على سجستان، فغنم، وهدم حصونا، وغلب على بعض أراضي الترك. ثم ألجئوه حتى صالحهم ونجا بمن بقي معه وكتب إلى الحجّاج فاستأذن عبد الملك بن مروان في تسيير العساكر فأذن له. فأخرج من أهل الكوفة عشرين ألف فارس، ومن أهل البصرة عشرين ألف فارس، وأعطاهم عطاءهم كاملا، وأنفق فيهم ألفي درهم سوىأعطياتهم، وألزمهم أن يسيروا بالخيول الرائقة والسلاح الكامل، وقدّم عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع بغضه له. وقال: «ما رأيته قطّ إلّا أردت قتله». فبلّغ عامر الشعبيّ ذلك له فقال: والله لأحاولنّ أن أزيل الحجّاج عن سلطانه. فأتى إسماعيل بن الأشعث الحجّاج وقال له: لا تبعث عبد الرحمن، فو الله ما جاز جسر الفرات فرأى لوال عليه طاعة، وإنّي أخاف خلافه. فقال: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيّره في سنة ثمانين فمضى حتّى قدم سجستان. فجمع أهلها وقام خطيبا فقال: إنّ الحجّاج ولّاني أمركم، وأمرني بجهاد عدوّكم الذي استباح بلادكم. فإيّاكم أن يتخلّف منكم أحد فتمسّه العقوبة! فعسكروا معه. وسار بهم، فبعث إليه رتبيل يعتذر ويبذل الخراج فلم يقبل منه ومضى، فلم يلقه رتبيل وترك بلاده. فاحتوى عليها عبد الرحمن، وملك حصونها وبثّ عمّاله في الأعمال وندب معهم الأعوان وأقام على العقاب والشعاب أرصادا ووضع في كلّ مكان مخوف مسلحة، فحوى أرضا عظيمة وامتلأت أيدي من معه على كثرتهم بالغنائم العظيمة. ثمّ أمسك عن المسير ومنع الناس من التوغّل في أرض الترك وقال: نكتفي بما قد أصبناه العام من بلادهم حتّى نجبيها ونعرفها ويجترئ المسلمون على طرقها. وفي العام المقبل نأخذ ما وراءها إن شاء الله تعالى حتّى نقاتلهم في آخر ذلك على كنوزهم في آخر بلادهم. وكتب بما فتح الله عليه إلى الحجّاج وعرّفه ما عزم عليه. فكتب إليه: إنّ كتابك كتاب امرئ يحبّ الهدنة ويستريح إلى الموادعة، قد صانع [عدوّا] قليلا ذليلا قد أصابوا للمسلمين جندا كان بلاؤهم حسنا وغناؤهم عظيما. وإنّك حيث تكفّ عن ذلك العدوّ بجندي وحدّي لتسخو نفسك بمن أصيب من المسلمين. فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم! ثمّ [٢٧ أ] أردفه بكتاب ثان وفيه: أمّا بعد، فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها فإنّها دارهم حتى يفتحها الله عليهم.

стр. 1451

وكتب كتابا ثالثا بمعناهما وفيه: إن مضيت لما أمرتك، وإلّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس! فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: إنّي لكم ناصح، ولصلاحكم محبّ، ولكم في كلّ ما يحيط به نفعكم ناظر. وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوّكم ما رضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم. وكتبت بذلك إلى أميركم الحجّاج، فأتاني كتابه يعجّزني ويضعّفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم إلى أرض العدوّ، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس. وإنّما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم. فثار إليه الناس وقالوا: بل نأبى على عدوّ الله ولا نسمع له ولا نطيع! وكان أوّل من تكلّم أبو الطفيل عامر بن واثلة- وله صحبة- فقال بعد حمد الله: أمّا بعد، فإنّ الحجّاج يرى بكم ما رأى القائل الأوّل: أحمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك! (١) إنّ الحجّاج لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة ويغشّي بكم اللهوب واللصوب (٢)، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه. وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم. اخلعوا عدوّ الله الحجّاج وبايعوا الأمير عبد الرحمن، فإنّي أشهدكم أنّي أوّل خالع! فنادى الناس من كلّ جانب: فعلنا! فعلنا! قد خلعنا عدوّ الله! وقام عبد المؤمن بن شيث بن ربعي ثانيا فقال: عباد الله، إنّكم إن أطعتم الحجّاج جعل هذه البلاد بلادكم وجمّركم تجمير فرعون الجنود. فإنّه بلغني أنّه أوّل من جمّر البعوث (١*). ولن تعاينوا الأحبّة أو يموت أكثركم فيما أرى. فبايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدوّ الله الحجّاج فانفوه عن بلادكم! فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجّاج ونفيه من العراق وعلى النصرة له. ولم يذكروا عبد الملك بن مروان. فجعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني، وعلى زرنج (٢*) عبد الله بن عامر التميميّ، وصالح رتبيل على أنّه إن ظهر على الحجّاج أسقط عنه الخراج أبدا ما بقي، وإن هزم وصار إليه منعه. فلمّا تمّ ذلك قفل عبد الرحمن إلى العراق، وسار وبين يديه أعشى همدان، وهو يقول [الرجز]: شطت نوى من داره بالإيوان ... إيوان كسرى ذي [القرى] والريحان من [عاشق] أمسى بزابلسان ... إنّ ثقيفا منهم الكذّابان [٢٧ ب] كذّابها الماضي وكذّاب ثان ... أمكن ربّي من ثقيف همدان (٣*) يوما إلى الليل يسلّي ما كان ... إنّا سمونا للكفور الفتّان حين طغى في الكفر بعد الإيمان ... بالسيّد الغطريف عبد الرحمن ٥ سار بجمع كالدبى من قحطان ... ومن معدّ قد أتى ابن عدنان

стр. 1452

بجحفل جمّ شديد الأركان ... فقل لحجّاج وليّ الشيطان يثبت لجمع مذحج وهمدان ... فإنّهم ساقوه كأس الذيفان (١) وملحقوه بقرى ابن مروان وجعل عبد الرحمن على مقدّمته عطيّة بن عمرو العنبريّ، وبعث على كرمان خرشة (٢) بن عمرو التميميّ. فلمّا بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: إذا خلعنا الحجّاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك. فثار أبجر (٣) بن تيم الله بن ثعلبة وقال: أيّها الناس إنّي خلعت أبا الذبّان (٤) كخلعي قميصي. فخلعه الناس إلّا قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى جهاد أهل الضلالة وخلعهم، وجهاد المحلّين. فلمّا بلغ الخبر إلى الحجّاج كتب إلى عبد الملك يعلمه، وسأله تعجيل إنفاذ الجيوش إليه. وسار إلى البصرة، وجيوش عبد الملك تصل إليه شيئا بعد شيء حتّى تكاملت عنده. فسار إلى تستر وقدّم خيلا فلقوا طليعة عبد الرحمن وقاتلوهم قتالا شديدا. فانهزم أصحاب الحجّاج في يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين وقتل منهم جمع كبير. فعاد الحجّاج إلى البصرة، وتبعه أصحاب عبد الرحمن فقتلوا منه وأصابوا بعض أثقاله، فلم ينزل بالبصرة وتركها وعسكر بالزاوية. وفرّق في أصحابه مائة وخمسين ألف ألف درهم. فأقبل عبد الرحمن إلى البصرة واستولى عليها بغير مدافع، وبايعه جميع أهلها من القرّاء والكهول وغيرهم على حرب الحجّاج وخلع عبد الملك في آخر ذي الحجّة [سنة ٨٢]. وخندق عبد الرّحمن على نفسه كما خندق الحجّاج. والتقى الجمعان في المحرّم سنة اثنتين وثمانين فاقتتلوا قتالا شديدا تزاحفوا فيه عدّة دفعات. واشتدّ قتالهم في آخر المحرّم، فانهزم أصحاب الحجّاج حتى انتهوا إليه وقاتلوا على خنادقهم. ثمّ تزاحفوا آخر يوم من المحرّم فتقوّضت صفوف الحجّاج، وجثا على ركبتيه وعزم على أن لا يفرّ. فحمل سفيان بن الأبرد [الكلبي] على ميمنة عبد الرحمن فهزمها، فانهزم الجميع وأقبلوا مع عبد الرحمن نحو الكوفة، وقد قتل منهم خلق كثير، فيهم جماعة من القرّاء- ثمّ قتل الحجّاج منهم غدرا أحد عشر ألف رجل- فسمّيت هذه الوقعة [٢٨ أ] وقعة الزاوية. فأقاموا صفر، وعبد الرحمن بالكوفة، وقد استولى على القصر، واستمرّ الحال إلى شعبان من هذه السنة [سنة ٨٢]- وقيل: من سنة ثلاث وثمانين. فسار الحجّاج من البصرة ونزل دير قرّة قريبا من الكوفة. فبرز إليه عبد الرحمن من الكوفة وعسكر بدير الجماجم فتطيّر الحجّاج على عبد الرحمن. واجتمع على عبد الرحمن أهل الكوفة والبصرة والقرّاء وأهل الثغور. واجتمع مع الحجّاج أمداده من أهل الشام، وخندق كلّ منها على نفسه، واقتتلوا كلّ يوم. فبعث عبد الملك بابنه عبد الله وبأخيه محمد،

стр. 1453

فعرضا على أهل العراق عزل الحجّاج، وأن تجرى عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن أيّ بلد شاء من العراق فيكون واليا عليه ما دام حيّا، وعبد الملك خليفة. فاجتمعوا عند عبد الرحمن فقال لهم: قد أعطيتم أمرا انتهازكم اليوم إيّاه فرصة. فإنّكم اليوم على النّصف. فإن كانوا اعتدّوا عليكم بيوم الزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر. فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، فالقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون، فو الله لا زلتم عليهم أجرياء وعندهم أعزّاء أبدا ما بقيتم إن أنتم قبلتم. فوثب الناس من كلّ جانب فقالوا: إنّ الله قد أهلكهم فأصبحوا في المجاعة والضنك والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرخيص والمادّة القريبة. لا والله، لا نقبل! وأعادوا خلعه مرّة ثانية، فكان هذا الخلع أكثر جمعا من خلعهم بفارس. وقال عبد الرحمن: ألا إنّ بني مروان يعيّرون بالزرقاء. والله ما لهم نسب أصحّ منه! ألا إنّ بني أبي العاص أعلاج من أهل صفوريّة (١). فإن يكن هذا الأمر في قريش فعنّي [تقشّرت] بيضة قريش، وإن يكن في العرب، فأنا ابن الأشعث! - ومدّ بها صوته ليسمع الناس. وبرزوا للقتال وعلى ميمنة عبد الرحمن الحجّاج بن حارثة الخثعميّ، وعلى ميسرته الأبرد بن قرّة التميميّ، وعلى خيله عبد الرحمن بن العبّاس بن ربيعة الهاشميّ، وعلى رجاله محمد بن سعد بن أبي وقّاص، وعلى القرّاء جبلة بن زحر بن قيس الجعفيّ، وفيهم سعيد بن جبير، وعامر الشعبيّ، وأبو البختريّ الطائيّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وتزاحفوا كلّ يوم، وعبد الرّحمن يأتيه مدده وموادّه من الكوفة وسوادها فهو وأصحابه في خصب، والحجّاج ومن معه في ضيق شديد قد غلت عندهم [٢٨ ب] الأسعار وفقد اللحم. وأبلى القرّاء في القتال بلاء عظيما. ونادى جبلة ابن زحر: يا عبد الرحمن بن أبي ليلى، يا معشر القرّاء، إنّ الفرار ليس بأحد أقبح به منكم. إنّي سمعت عليّ بن أبي طالب، رفع الله درجته في الصالحين وأثابه ثواب الصدّيقين والشهداء، يقول يوم لقينا أهل الشام: أيّها المؤمنون، إنّه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ. ومن أنكره بلسانه فقد أجر (١*)، وهو أفضل من صاحبه. ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر قلبه باليقين. فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحقّ فلا يعرفو [ن] هـ، وعلموا بالعدوان فلا ينكرو [ن] هـ. وقال أبو البختري: أيّها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم! وقال الشعبيّ: أيّها الناس، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فو الله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم! وقال سعيد بن جبير نحو ذلك. وقال جبلة: احملوا عليهم حملة صادقة ولا تردّوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفّهم. فحملوا حملة صادقة وضربوا الكتائب حتى أزالوها وفرّقوها. وتقدّموا إلى أن واقعوا صفّهم

стр. 1454

فأزالوه عن مكانه. فقتل جبلة ولم يعرف قاتله، وحملت رأسه إلى الحجّاج فبشّر أصحابه بذلك. وجزع القرّاء لموته فقال أبو البختريّ: لا يظهرنّ عليكم الجزع، فإنّما كان كرجل منكم أتته منيّته فلم يكن ليتقدّم ولا يتأخّر. فظهر الفشل فيهم، وناداهم أصحاب الحجّاج: يا أعداء الله، قد هلكتم وقد قتل طاغيتكم! فقدّم القرّاء عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان شجاعا. فدخل عسكر الحجّاج فأخذ أصحابه ثلاثين امرأة فأطلقهنّ فقال الحجّاج: منعوا نساءهم، لو لم يردّوهنّ لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم. واستمرّت الحرب مائة يوم وثلاثة أيّام من حين نزولهم بدير الجماجم لليلة من ربيع الأوّل إلى أن كانت الهزيمة لأربع عشرة مضت من جمادى الآخرة. فلمّا كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشدّ قتال، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجّاج، فحمل سفيان بن الأبرد من ميمنة الحجّاج على الأبرد بن قرّة صاحب ميسرة عبد الرحمن فانهزم الأبرد من غير قتال، فظنّ الناس أنّه قد بيّت معه أن ينهزم. وتقوّضت الصفوف من نحوه [٢٩ أ] فصعد عبد الرحمن المنبر فنادى الناس: إليّ عباد الله، فأتاه جماعة، وقد ثبت حتى دنا منه أصحاب الحجّاج فقاتلهم وقد دخل عليه أصحاب الحجّاج في عسكره فقال له عبد الله بن يزيد [بن المفضّل الأزدي]: انزل فإنّي أخاف عليك أن تؤسر، ولعلّك إن انصرفت أن يجتمع إليك جمع يهلكهم الله به. فنزل وانهزم بمن معه لا يلوي على شيء حتى أتى البصرة. فاجتمع إليه المنهزمون وبايعه الناس على الموت، وقد صار في جميع كبير. فعسكر بمسكن (١*) وخندق عليه وعلى أصحابه. فأتاه الحجّاج بعد ما ملك الكوفة. واقتتلوا خمسة عشر يوما من شعبان أشدّ قتال. فانهزم عبد الرحمن، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبو البختري في أربعة آلاف من الشجعان. ومرّ عبد الرحمن بن الأشعث نحو سجسجتان، فأتبعه الحجّاج بابنه محمد بن الحجّاج على جيش فقاتلوه بالسوس ساعة فانهزم إلى سابور. واجتمع إليه الأكراد فقاتله جيش الحجّاج قتالا شديدا فهزمهم ومضى إلى كرمان فلقيه عامله بالإنزال. ثمّ رحل إلى زرنج (٢*) فلم يمكّن منها، فسار إلى بست وعليها من قبله عياض بن هميان فاستقبله وأنزله: فلمّا تفرّق أصحابه قبضه وأوثقه ليبعث به إلى الحجّاج. وقد كان رتبيل ملك الترك قد سمع بمقدمه، فسار إليه ونزل على بست، وبعث إلى عياض: والله لئن آذيته بما يقذي عينه أو أخذت منه ولو حبلا لا أبرح حتّى استنزلك وأقتلك وجميع من معك وأسبي ذراريكم وأغنم أموالكم! فخلّى عنه. وخرج إلى رتبيل فسار به إلى بلاده وأكرمه وعظّمه ولحق به جماعة من أصحابه وأشاروا عليه أن يسير عن سجستان إلى خراسان، وبها يزيد بن المهلّب. فسار إلى هراة، فتركه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة في ألفين ومضى عنه. فعزم على العود إلى رتبيل، فتفرّق عنه معظم أصحابه وبقي في طائفة. فمضى إلى رتبيل، فقال له علقمة بن عمرو الأودي: ما أريد أن أدخل معك إلى رتبيل لأنّي أتخوّف عليك وعلى من معك. والله لكأنّي بالحجّاج وقد كتب إلى رتبيل يرغّبه ويرهّبه. فإذا هو قد بعث بك سلما أو قتلك.

стр. 1455

ولكنّ معي خمسمائة قد تبايعنا على أن ندخل مدينة فنتحصّن فيها حتى نعطى الأمان أو نموت كراما. ثمّ مضى بالخمسمائة. فتتابعت كتب الحجّاج إلى رتبيل في عبد الرحمن أن ابعثه [٢٩ ب] إليّ وإلّا فوالذي لا إله غيره لأوطئنّ أرضك ألف ألف مقاتل! وكان مع عبد الرحمن عبيد بن سبيع التميميّ- وكان رسوله إلى رتبيل- فخفّ عليه وتقرّب منه. فقال القاسم بن محمد بن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إنّي لا آمن غدر هذا التميميّ فاقتله! فخافه عبيد ووشى به [إلى] رتبيل وخوّفه الحجّاج، وما زال به يحسّن له الغدر بعبد الرحمن، وضمن له أن يأخذ له من الحجّاج عهدا ليكفّ عن أرضه سبع سنين حتى أجابه، وخرج سرّا إلى عمارة بن تميم اللخميّ- وكان حصر علقمة والخمسمائة الذين معه- وذكر له ما استقرّ مع رتبيل وما بذل له، فكتب عمارة بذلك إلى الحجّاج فأجابه إليه. فبعث رتبيل برأس عبد الرحمن إلى الحجّاج. ويقال إنّه كان قد أصابه السلّ فمات فقطع رتبيل رأسه قبل أن يدفن. وقيل إنّ رتبيل لمّا صالح عمارة عن ابن الأشعث كتب إلى الحجّاج بذلك فأطلق لرتبيل خراج بلاده عشر سنين فأرسل حينئذ ليأخذ عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته فحصرهم وقيّدهم وبعث بهم إلى عمارة فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصر فمات. وقيل إنّه قام في الليل وهو في السّطح ليبوّل فردى نفسه. وقيل: بل سقط بسنة النوم. فاحتزّ رأسه وبعثه إلى الحجّاج فسيّره الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان مع عرار بن عمرو بن شأس الأسدي فأرسل الرأس إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر فدفنه بها (١*). وكان مهلك عبد الرحمن سنة أربع وثمانين، وفيه يقول [بعض الشعراء] (الكامل): هيهات موضع جثّة من رأسها ... رأس بمصر وجثّة بالرخّج (٢*) قال محمد بن الأشعث: لولا أربع خصال لما أعطيت بشريّا طاعة: لو ماتت أمّ عمرو- يعني أمّه- ولو شاب رأسي، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا. وخطب الناس بالمربد فقال: أيّها الناس، إنّه لم يبق من عدوّكم إلّا كما يبقى من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا فلا تلبث أن تموت! فسمعه بعض بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فقال: قبّح الله هذا! يأمر أصحابه بقلّة الاحتراس من عدوّهم فيعدهم الغرور! ١٤٤٠ - عبد الرحمن بن ملجم [- ٤٠] (٣*) [٣٠ أ] عبد الرحمن بن ملجم- واسمه يحيى- ابن عمرو بن ملجم بن قيس بن مكشوح بن نفر بن كلدة بن خمير، المراديّ، أحد بني تدول. ويقال فيه: الحميريّ.

стр. 1456

ويقال فيه: التجوبيّ، لأنّ كلدة بن خمير أصاب دما في قومه فأتى مرادا وأقام فيهم وقال: [جبت إليكم] فسمي: تجوب. وأصله من زبير وله في مراد حلف. وذكر ابن يونس أنّه عبد الرحمن بن ملجم بن عمرو بن يزيد بن غونة بن نفر بن حجية بن تدول بن أنعم بن مراد. وتدول هو تدول بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن مراد. وتدول وأنعم أخوان ابنا زاهر. وقيل: تجوب فخذ في مراد مذحج. وتجوب هذا رجل من حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، كان أصاب دما في قومه فلجأ إلى مراد فقال: جبت إليكم الديار لأحالفكم- فقيل له: أنت تجوب.- فسمّي تجوبا (١) وهو في مراد مذحج رهط عبد الرحمن بن ملجم هذا. وعداده في مراد وهو حليف بني جبلة من كندة. وقيل: إنّ مراد أخواله. قدم مع الأمداد في خلافة عمر بن الخطّاب (رضه). وقال ابن الكلبيّ: عبد الرحمن بن ملجم بن عمرو بن يزيد بن غونة بن نفر بن حجية بن تدول، الذي قتل عليّ بن أبي طالب. وقال البلاذريّ: عبد الرحمن بن ملجم الحميريّ، وعداده في مراد. وهو حليف بني جبلة من كندة، ويقال إنّ مراد أخواله. شهد فتح مصر واختطّ بها مع الأشراف لأنّ عمرو بن العاص أمره أن ينزل قريبا منه- وكان فارس تدول المعروف فيهم بمصر، وكان من قرّاء القرآن، قرأ على معاذ بن جبل. وكان ناسكا يجلس في قومه من صلاة الغداة إلى ارتفاع النهار، والقوم يفيضون في الكلام وهو لا يتكلّم بكلمة. وهو الذي أرسل صبيغ بن عسل التميميّ إلى عمر بن الخطّاب (رضه) يسأله عن مستعجم القرآن. قال المعتمر بن سليمان: سمعت أبي يحدّث عن أبي عثمان النهديّ أنّ رجلا من بني يربوع يقال له: صبيغ، جاء إلى عمر بن الخطّاب فسأله عن النازعات والمرسلات والذاريات. فنظر إليه عمر ﵁ فقال: ضع على رأسك! - فوضع فإذا له وفرة. فقال: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك! - ثم كتب إلينا: لا تجالسوه! - فكان إذا جاء وأقبل تفرّقنا عنه ولو كنّا مائة. وابن ملجم هو أحد أصحاب عبد الله بن وهب السبائيّ المعروف بابن سبأ [٣٠ ب] وبابن السوداء. وقال بقوله في عليّ بن أبي طالب وصار من شيعته. ثم خرج على علي ﵁ مع من

стр. 1457

خرج عليه من المحكّمة وقتله. وقد نقل عن علي ﵁ من طرق كثيرة أنّه أخبر أنّ ابن ملجم هذا يقتله. قال صالح بن عبد الله مولى آل عليّ: حدثتني أمّي- وكانت خادم علي- قالت: سمعت عليا يقول: ما يحبس الأشقى. (قالت) قلت: وما الأشقى يا أبا الحسن؟ قال: الذي يضرب هذا حتى يبلّ منها هذا. وإنّها كانت تسمع عليّا يقول ذلك بالمدينة قبل أن يقدم العراق. وقال أبو عثمان الأعرج: قال علي ﵁: لتخضبنّ هذه من هذا! - وأومأ إلى لحيته ورأسه. وفي رواية: ألا ينبعث أشقاها فتخضب هذه من دم هذا؟ - يعني لحيته من رأسه. وقال يونس بن بكير: حدثني عنبسة بن الأزهر قاضي جرجان قال: إنّما منع عليّا أن يخضب قول رسول الله ﷺ : تخضب هذه من هذه- ووضع يده على هامته. وقال سعيد بن المسيّب: إنّ عليا كان يقول: ألا ينبعث أشقاها؟ والله لتخضبنّ هذه من هذه! وقال أبو عوانة عن أبي حمزة الأسديّ: حدّثني أبي قال: سمعت عليّا يقول: يا للدماء! - ويمسح لحيته بيده ويقول: متى تخضب بالدماء؟ - فكنّا نعجب. فما كان إلا قليل حتّى جاء شقيّ مراد فضربه بسيف مسموم فأصابه. فأرادوا أن يقتلوه فقال: لا، إنّ الجروح قصاص. ألينوا فراشه، وأحسنوا طعامه وأحسنوا إليه، فإن أعش، فإنّه عفو أو قصاص. وإن [٣٢ أ] أمت فعجّلوه أخاصمه عند خالقي! وقال الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة الحماني: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار»! وأشهد أنّه ممّا كان يشير [به] إليّ: لتخضبنّ هذه من هذا! - وأشار إلى لحيته ورأسه. وقال ابن سيرين: بلغني أنّ عليّا قال: والله لتخضبنّ هذه من هذا! - ووضع يده على لحيته ثم رفعها إلى رأسه- إذا انبعث أشقاها. وقال أبو مطر عن عليّ أنّه كان يقول: متى يبعث أشقاها يخضب هذه من هذه؟ قال [قلت: ] وإنّه لكائن يا أمير المؤمنين؟ قال: ما كذبت ولا كذبت. وقال أبو الطفيل: شهدت عليّا، وأتاه عبد الرحمن بن عبد الله بن ملجم فقال: يا أمير المؤمنين، امدد يدك أبايعك! فكفّ عليّ يده. فقال ذلك ثلاثا، ومدّ عليّ يده ثلاثا. فقال في الرابعة؛ ما يحبس أشقاها، لتخضبنّ هذه من هذه! [الهزج]: (اشدد) حيازيمك للموت! ... فإنّ الموت آتيك ولا تجزع من القتل ... إذا حلّ بواديك (١*) وقال سفيان عن عمّار الدهني إنّ عليّا قال على المنبر وهو يخطب إنّ رسول الله ﷺ قال: هل

стр. 1458

تدري أيّ الناس أشقى؟ صاحب الناقة، والذي يخضب هذه من هذه- وأشار إلى اللحية والرأس. وكان عليّ يقول: ما يحبس أشقاها! فيقولون له: لا والله، لا يقتلك أحد إلّا أبدنا عترته؟ (١) فقال: أذكر الله مؤمنا أن [لا] يقتل بي إلّا قاتلي. وقال المعلّى بن زياد عن بعض أصحابه قال: جاء عبد الرحمن بن ملجم [٣٢ ب] إلى عليّ يستحمله، قال: احملني يا أمير المؤمنين! فنظر إليه علي، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الرحمن بن ملجم المرادي. قال: أنت عبد الرحمن بن ملجم؟ قال: نعم. قال: أأنت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال: نعم. قال: أنت عبد الرحمن بن ملجم المرادي؟ قال: نعم. قال: يا عزوان، احمله على الأشقر. (قال: ) فجيء به فدفع إليه فأخذ بعنانه فجعل يقوده. فلمّا مضى نظر إليه عليّ فقال (الوافر): أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد (٢) وكان سبب قتل ابن ملجم عليّا ﵁ أنّه اجتمع هو والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي- واسمه الحجّاج- ومعهما عمرو بن بكير التميميّ السعدي بمكّة فتذاكروا أهل النهروان الذين

стр. 1459

خرجوا على عليّ وكفّروه بتحكيم الرجال وقالوا: «لا حكم إلّا لله! ». فخرج إليهم عليّ وقاتلهم وقتلهم. فترحّموا عليهم وقالوا: ما نعبأ بالبقاء في الدنيا شيئا بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، الذين كانوا مصابيح الهدى. ثم ذكروا الناس فعابوا عليهم أعمالهم، وعابوا عمل ولاتهم، وقالوا: لو شرينا لله أنفسنا والتمسنا غرّة هؤلاء الأئمّة الضّلّال فثأرنا بهم إخواننا وأرحنا منهم العباد؟ فقال ابن ملجم: أنا لكم بعليّ. وقال البرك: وأنا لكم بمعاوية. وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص (١). فتعاهدوا على ذلك وتعاقدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي سما إليه، ويتوجّه حتى يقتله أو يموت دونه. فاتّعدوا بينهم في شهر (٢) ... [رمضان، ثم توجّه كلّ رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه. فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة ... فزار نفرا من بني تيم الرباب، فرأى امرأة منهم يقال لها: قطام بنت شجنة. قطام هذه بنت شجنة بن عمرو بن عامر بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذهل بن تيم بن عبد مناة أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. قتل أبوها شجنة وأخوها الأخضر بن شجنة يوم النهروان سنة سبع وثلاثين]. ١٤٤١ - ابن أبي حاتم الرازيّ [٢٤٠ - ٣٢٧] (١*) [٣٥ أ] عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو محمد، ابن أبي حاتم، التميميّ، الحنظليّ، الرازيّ. ولد [ ... ] سنة أربعين ومائتين. وارتحل به أبوه في طلب الحديث. فسمع بالعراق ومصر ودمشق، من أبيه، وأبي زرعة الرازيّ، ومحمد بن مسلم بن وارة (٢*)، وعبد الله وصالح، ابني أحمد بن حنبل، ويونس بن حبيب، ومحمد بن يعقوب الدمشقيّ، وإسماعيل بن يحيى المزنيّ، ومحمد بن نصر الخولانيّ، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان، وجماعة كثيرة. روى عنه أبو الحسين محمد بن عبد الله، والد تمّام، وأبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسين بن البصير، وخلق كثير. قال أبو يعلى الخليليّ (٣*): أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال. صنّف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين.

стр. 1460

وكان زاهدا يعدّ من الأبدال. وكتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ. وكتابه في التفسير عدّة مجلّدات. وله مصنّف كبير في الردّ على الجهميّة يدلّ على إمامته. قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيت أحدا ممّن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قطّ. ويروى أنّ أباه كان يعجب من تعبّد عبد الرحمن ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن؟ لا أعرف له ذنبا! وقال علي بن إبراهيم الرازي الخطيب: كان عبد الرحمن قد كساه الله بهاء ونورا يسّر به من نظر إليه. سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين وما احتلمت بعد. فلمّا بلغنا ذا الحليفة (١) احتلمت فسرّ أبي حيث أدركت حجّة الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: كنّا بمصر سبعة أشهر لم نشرب فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ ونقابل. فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل. فرأينا سمكة أعجبتنا فاشتريناها. فلمّا صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا. فلم تزل السمكة ثلاثة أيّام وكادت تتغيّر فأكلناها نيّة، ولم نتفرّغ نشويها. ثمّ قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. وقال: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقائي حبوبا (٢) من أصبهان. فبعته بعشرين ألفا، وقال لي: اشتر لي بها دارا. فأنفقتها على الفقراء، وكتبت إليه: اشتريت لك بها قصرا في الجنّة. فقال: رضيت إن ضمنت! فكتبت على نفسي صكّا بالضمان. فرأيت في المنام: قد قبلنا ضمانك، ولا تعد لمثل هذا! [٣٥ ب] وقال محمد بن مهرويه: سمعت ابن الجنيد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّا لنظعن عن أقوام لعلّهم قد حطّوا رحالهم في الجنّة من مائتي سنة (قال محمد بن مهرويه): فدخلت على ابن أبي حاتم وهو يحدّث بكتاب الجرح والتعديل، فحدّثته بهذا فبكى وارتعدت يداه وسقط الكتاب وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية. توفّي في المحرّم من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. ١٤٤٢ - زين الدين الرّشيدي [٧٤١ - ٨٠٣] (١*) عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم [بن لاجين]، الرّشيدي، [زين الدين، الموقّت]. ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. و] سمع على الميدوميّ وابن عبد الهادي، واشتغل في الفرائض فاشتهر بها، وولي رئاسة المؤذّنين. وكان أحد عدول القاهرة. وله شرح الجعبرية والياسمينية [في الجبر والمقابلة] (٢*). وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانمائة، وله اثنتان وستّون سنة.

стр. 1461

الصفحة ٣٥ ب من مخطوط باريس ويظهر فيها الفرق بين الخطّ المتأنّي والخطّ المتسرّع.

стр. 1462

١٤٤٣ - ابن يزيد الشاعر [- بعد ٣٦٢] (١) [٣٦ أ] عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن خالد ابن يزيد. ونسب إليه أنّه قائل الأبيات التي وجدت في بطاقة ملصقة على المنبر بعد أوّل جمعة صلّاها المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ بمصر، وهي [السريع]: إنّا سمعنا نسبا مضمرا ... نصّ على المنبر في الجامع يكتمه مخبره جاهلا ... رجاء أن يخفى على السامع إن كنت فيما قلته صادقا ... فاذكر أبا بعد الأب الرابع وائت بجدّ خامس بعده ... وانسب لنا نفسك كالطائع (٢) أو فدع الأشياء مستورة ... وادخل إذن في نسب واسع فإنّ أنساب بني هاشم ... يضيق عنها طمع الطامع ١٤٤٤ - ابن أبي منصور النصوليّ [- ٦٣٤] (٣) عبد الرحمن بن محمد بن أبي منصور، الحنفيّ، النصوليّ. سمع بمصر من أبي القاسم البوصيريّ (١*)، وأبي عبد الله محمد بن حمد الأرتاحيّ. وبدمشق من علي بن صدقة الحرّانيّ، وأبي سعد عبد الله بن أبي عصرون، وأبي طاهر الخشوعيّ. وببغداد من أبوي القاسم ذاكر بن كامل الخفّاف ويحيى [بن أسعد] بن بوش، وأبي الفرج [عبد المنعم] بن كليب. وحدّث. مات بدمشق ليلة الثامن من ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستّمائة، ودفن بسفح قاسيون. ١٤٤٥ - أبو القاسم اللّخمي النحويّ [- ٥٥٥ - ٦٤٣] (٢*) [٣٦ ب] عبد الرحمن بن حمد بن عبد العزيز، أبو القاسم، اللخميّ، النحويّ، الفقيه الحنفيّ. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وأخذ عن ابن برّي (٣*). وتفقّه على أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعد البجلي (٤*). وروى عن أبي محمد القاسم بن علي بن عبد الرحمن. وكان شيخا فاضلا شاعرا متبحّرا في مذهب أبي حنيفة. درس بالمدرسة العاشوريّة (٥*) بحارة زويلة، حتى مات في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. وله مصنّفات في فنون، نظما ونثرا، في الفقه واللغة والتفسير والوعظ والإنشاء. وكتب خطّا حسنا.

стр. 1463

الصفحة [٣٦ أ] من مخطوط باريس، ويظهر فيها البياض المتعمّد من المؤلف.

стр. 1464

١٤٤٦ - أبو القاسم الكنانيّ الكاتب [٥٧١ - ] [٣٧ أ] عبد الرحمن بن موسى بن حجّاج، أبو القاسم، ابن أبي عمران، الكنانيّ، الكاتب. ولد في صفر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بالإسكندريّة (١). [ ... ] ومن شعره [البسيط]: يا قلب مالك باللذّات مشغول ... حتّام أنت بسيف اللهو مقتول؟ فاترك مناهيه وافعل ما أمرت به ... لعلّه منك يوم الحشر مقبول ١٤٤٧ - عبد الرحمن بن موسى الهواري [- بعد ٢١٦] (٢) هو أوّل من جمع الفقه في الدين وعلم العرب بالأندلس. ورحل في أوّل خلافة عبد الرحمن بن معاوية الداخل، فلقي مالكا ونظراءه، ولقي الأصمعيّ وأبا زيد الأنصاريّ (٣) وأمثالهما، وداخل العرب في محالّها. وعاد إلى الأندلس فعطب بجهة تدمير فذهبت كتبه. فقصده أهل إستجة (٤) يهنّئونه بقدومه ويعزّونه بذهاب كتبه، فقال لهم: ذهب الخرج وبقي ما في الدرج! أنا شعبيّ (٥) زماني، فليسألني من شاء منكم عمّا شاء! وكان إذا قدم قرطبة لم يفت مفتوها عيسى ويحيى وسعيد بن حسّان حتى يرحل عنها. وكان يسكن بقرية من قرى موزور (١*). ولمّا وقع الاختلاف بين العرب والمولّدين (٢*) بأستجة بسبب تحريش قعنب بينهم- وكان سبب ذلك إباية المولّدين من الصلاة خلف الإمام العربيّ، وكان (٣*) خلفاء الأندلس لا يقدّمون للصلاة إلّا العرب- ترافعوا إلى السلطان يومئذ. فقال لهم الوزر [اء]: أترضون بأبي موسى الهواري؟ فأجمع الفريقان على الرضى به. فوجّهوا فيه وحضّوه على صلاح ذات البين. فأجاب بأن يصلّي بلا رزق يجرى عليه. فكان يركب من باديته كلّ جمعة فيأتي أستجة فيصلّي بأهلها. ثم ثقل في آخر عمره فاحتاج إلى شراء دار على مقربة من الجامع فسكنها إلى أن توفّي. وكان له كتاب في القراءات وكتاب في تفسير القرآن، وكان ابن لبابة يرويه عن العتبيّ عنه. وكانت العبادة أغلب عليه من العلم. وتوفّي [ ... ]. ١٤٤٨ - ابن موهب المعافريّ [- بعد ٦٥] (٤*) [٣٨ أ] عبد الرحمن بن موهب بن عامر، المعافريّ، أبو [ ... ]. شهد فتح مصر، وكان شريفا بها في أيّامه. روى عن معاوية وابن عبّاس.

стр. 1465

روى عنه أبو قبيل حيّ بن هاني (١). وكان على المعافر في أيّام محاربة مروان بن الحكم (٢) لأهل مصر، وشهدها منهم عشرون ألفا. فلمّا طالت الأيّام وكثرت القتلى بين الفريقين، مضى كريب بن أبرهة [الأصبحيّ] (٣) وزياد بن حناطة [التجيبيّ]، وعبّاس بن سعيد، وعبد الرحمن بن موهب إلى مروان في الصلح، على أن يدفع لابن جحدم مالا ويهدر ما كان، فكره ذلك. فقال عبد الرحمن لأصحابه: قوموا فإنّا لا نسلّم ابن جحدم، وليعلمنّ أمير المؤمنين من يغدو إليه من أبناء الموت! وفي رواية أنّه قال لكريب: قم يا أبا رشدين! ثمّ والله لتغدونّ عليه خيل ما كان رآها أمس! فقال مروان: من هذا يا أبا رشدين؟ قال: غلام إذا غضب غضب لغضبه عشرون ألفا من قومه. فأمضى مروان الصلح (٤). ١٤٤٩ - ابن منيع الزاوية [٥٣٧ - ] (٥) [٣٨ ب] عبد الرحمن بن ناصر بن منيع الفيضيّ، المقدسيّ الأصل، المصريّ الدار، العدّاس، المعروف بالزاوية. ولد في نصف رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. تعلّق بالأدب والمعقول. وهو القائل [الطويل]: إذا ضمّنا جنس ونوع ووالد ... وعمر حثيث للمنيّة أوصل فلا فضل إلّا في العقول التي بها ... يفضّل ذو لبّ ويدحض جاهل ١٤٥٠ - الناصح ابن الحنبليّ [٥٥٤ - ٦٣٤] (١*) [٣٩ أ] عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد، الشيخ ناصح الدين، أبو الفرج، ابن أبي العلاء، ابن شرف الإسلام أبي البركات، ويقال: أبو القاسم، ابن الفقيه أبي الفرج ابن الشيخ أبي عبد الله، الأنصاريّ الخزرجيّ، السعديّ، العبادي، الشيرازيّ الأصل، الدمشقيّ المولد، المعروف بابن الحنبلي. ولد بدمشق ليلة السابع عشر من شوّال سنة أربع وخمسين وخمسمائة. سمع ببغداد من أبي شاكر يحيى بن يوسف بن أحمد السقلاطوني، وأبي الحسين عبد الحقّ بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وأبي عبد الله مسلم بن ثابت بن زيد المعروف بابن جوالق، وشهدة (٢*)، وتجنّي الوهبانيّة (٣*)، ونعمة بنت

стр. 1466

القاضي أبي خازم محمد بن محمد بن الفرّاء، وجماعة. وسمع بأصبهان من الحافظ أبي موسى، وأبي العبّاس أحمد بن أبي منصور أحمد بن محمد بن ينال المعروف بالترك (١). وسمع بهمذان من أبي محمد عبد الغنيّ بن الحافظ أبي العلاء الهمذاني. وقدم مصر مرّتين. وحدّث بدمشق وبغداد وأربد والموصل وغيرها. وتوفّي بدمشق في ثالث المحرّم سنة أربع وثلاثين وستّمائة. ودفن بسفح قاسبون. ١٤٥١ - الديباجيّ [- ٥١٢] (٢) [٣٩ ب] عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل العثمانيّ الديباجيّ. حدّث عن جدّه لأمّه البوصيري. حدّث عند ولده أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثمانيّ. وكانت وفاته في أوائل المحرّم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. ١٤٥٢ - العفيف النشاوريّ [٧٠٥ - ٧٩١] (٣) [٤٠ أ] عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان، الشيخ عفيف الدين، أبو محمد، ابن أبي الفضل، النيسابوري الأصل، المكّيّ المولد والوفاة، المعروف بالنشاوري. ولد بمكّة سنة خمس وسبعمائة، وحدّث بها عن الرضيّ إبراهيم بن محمد الطبريّ، وكان خاتمة أصحابه بالسماع. وحدّث عن عيسى الحجّي، ونجم الدين محمد الطبريّ. وأجاز له القاضي سليمان بن حمزة وعيسى المطعّم، وإسماعيل بن مكتوم، وأبو بكر بن عبد الدائم، وجماعة من شيوخ الشام في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. وكان خيّرا ساكنا. سمعت عليه صحيح البخاري بمكّة (١*). وقدم القاهرة مرارا، آخرها سنة تسعين وسبعمائة. وحدّث بها وعاد إلى مكّة، فمات بها- وقد تغيّر عقله- في أوائل ذي الحجّة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ﵀. ١٤٥٣ - القاضي زين الدين الكفريّ [٧٥٠ - ٨٠٩] (٢*) [٤١ أ] عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف، قاضي القضاة الحنفيّة بدمشق، زين الدين، أبو هريرة، الكفريّ، الدمشقيّ، الحنفيّ. ولد سنة خمسين وسبعمائة تخمينا. وأحضر على محمد بن إسماعيل ابن الخبّاز وغيره. وقدم القاهرة بعد كائنة تيمور، وولي قضاء دمشق مرارا. ومات في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانمائة.

стр. 1467

ولم تحمد سيرته في القضاء. ١٤٥٤ - النجم الأصفونيّ [٦٧٧ - ٧٥٠] (١) عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن عليّ، أبو القاسم، نجم الدين، الأصفونيّ. ولد سنة سبع وسبعين وستّمائة. وتفقّه ببلاده وعلى البهاء القفطيّ (٢)، وقرأ بالروايات، وبرع في الفقه. وحجّ مرارا وجاور. وله مختصر الروضة، أحسن فيه. ومات بمنى في ثالث عشر ذي الحجّة سنة خمسين وسبعمائة. ١٤٥٥ - علم الرؤساء القاضي السديد [- ٥٧٧] (٣) عبد الرحمن بن هبة الله بن حسن بن رفاعة، المصريّ، أبو القاسم، علم الرؤساء، كاتب الإنشاء. وصفه القاضي الفاضل [بكلام] من جملته: ومكانه من الفضل مشهور، واحتواؤه على الخلال الجميلة معلوم. مات في سادس عشر شعبان سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ١٤٥٦ - ضياء الدين الورّاق [- ٥٤٦ - ٦١٦] (١*) [٤٢ أ] عبد الرحمن بن محمد بن إسماعيل بن خالد بن الحسين، أبو القاسم، ضياء الدين، ابن الوزير، الورّاق، القرشيّ، المصريّ، الفقيه الشافعيّ. ولد يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجّة سنة ستّ وأربعين وخمسمائة. تفقّه على شهاب الدين الطوسيّ. وأعاد عنده بمنازل العزّ بمصر. وسمع من عبد الله بن برّي وغيره. وتفقّه عليه الحافظ زكيّ الدين عبد العظيم، وقال: كان عالما صالحا حسن الأخلاق تاركا لما لا يعنيه. كتب الكثير بخطّه. قيل إنّه كتب أربعمائة مجلّد. توفّي يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ستّ عشرة وستّمائة بمصر. وكان من أعيان الفقهاء وأكابرهم، منقطعا عن التردّد إلى الأعيان. وولي قضاء الجيزة مدّة ثم تركه. ودرّس بالمدرسة الناصريّة بمصر. ١٤٥٧ - أبو القاسم ابن المسيري فلك الدين [- ٦٤٣] (٢*) [٤٣ أ] عبد الرحمن بن هبة الله بن علي، الصاحب الوزير، أبو القاسم، فلك الدين، ابن المسيري، [ ... ].

стр. 1468

خدم الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل. ثمّ نكبه في سنة أربع وثلاثين وستّمائة، واحتاط على ماله. وسبب سخطه عليه أنّه وشي به أنّه كاتب الملك الكامل. فقدم إلى مصر وما زال بها حتى مات في يوم الجمعة التاسع من شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. وكان صدرا كبيرا محتشما وافر الحرمة، ظاهر الفخامة، كثير التيه والصلف مع جهل إلى الغاية. ولمّا اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل في مصر، ركبا في يوم كسر الخليج، ودخل الفلك المسيري بينهما، ثمّ التفت إلى الملك الكامل وقال، يا خوند، ترى أيّ شيء يقول الناس إذا رأوا المملوك بين السلطان وبين الملك الأشرف؟ قال الملك الأشرف: يقولو [ن]: نصفع الفلك. فقال: يا خوند، كنت غنيّا عن هذا السؤال. ولبعض الأدباء فيه [المتقارب]: غدا ابن المسيريّ في عصرنا ... لنا ضحكة أينما قد سلك إذا ما تجعمص في منصب ال ... وزارة فاضرط له في الحنك يقول الأنام إذا ما رأوه ... من الغبن بظر عيال الفلك وفيه أيضا، ويقال إنّ فخر القضاة ابن بصاقة (١) نظمها وعزاها إلى النصير الأخميمي: صعب القيادة يا فلك ... تنقاد لك إيش هو فلك، وإيش هو مسير ... حتى يجي منها وزير؟ والله ولا راعي حمير ... كنت أجعلك! ترضي غلامك بالنهار ... مرّات وبالليل زاد مرار بالصاحب ازعق لي جهار ... قع طز في جوف لحيتك اسمك مقار ما تعربه ... والمال بالفول تحسبه لو كان في الدنيا خبير ... كان ركبك فوق الحمير والسرج بالصاد [ت] كتبه ... ما أجهلك! والبوق خلفك والنفير ... وأنا أندلك خلّي القيادة والفضول ... كم ذا تخاصم كم تصول وتدّعي أنك رسول ... من أرسلك؟ لو كنت أملك يا قبق ... أمرك جعلتك في الحلق عريان وفي عنقك حلق ... وأنا أنطلك وكان له غلام في غاية الحسن والجمال، يعلّمه الغناء، سمّاه أزبك ولقّبه بدر الدين. فقال فيه عماد الدين أبو محمد القاسم ابن شمس الدين أبي بكر محمد بن [٤٣ ب] سعيد بن ندي الجزري دو بيت، وهو: البدر بدا من صدغه في حلك ... والعقل غدا من حبّه في شرك تحت الفلك الخلق كثير لكن ... ما مثلك يا أزبك تحت الفلك

стр. 1469

فبلغا الملك الأشرف موسى ابن العادل أبي بكر ابن أيّوب، وكان الفلك معه في سنجار فاستحسنهما وقال: يا عماد الدين، ما قصّرت في هذين الدوبيتين، لكن عليك فيه أخذ. قال: وما هو يا مولانا؟ قال: قولك: تحت الفلك. وكان ينبغي أن تقول: فوق الفلك، لأنّ هذا الفلك لا يكون تحته أحد. فقال: أمّا أنا فهذا الذي وقع لي. وأمّا هذه التتمّة فهي للسلطان أعلى الله شأنه. وقال فيه محيي الدين محمد بن حيدر بن مسعود الدّنبدار الواسطيّ وقد عمل في داره سماعا عند ما فرغت (المنسرح): الله يا دار من بناك فقد ... سلكت نهجا من قبل ما سلكا أما كفاك الذي منحت به ... حتّى أظلّت سقوفك الفلكا! وقال فيه مجد الدين أبو المجد أسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الأربلي المعروف بالمجد النشّابيّ (١) [الطويل]: غدا ابن المسيريّ الملقّب صاحبا ... بجهل بعيد العرض منه حذاذا (٢) فلا صاحب على، ولا صاحب حجى ... ولا صاحب فضلا، فصاحب ماذا؟ واتّفق أنّ شهاب الدين يوسف ابن عزّ الدين مسعود ابن سابق الدين عثمان صاحب [شيزر]، وكمال الدين [عمر] (٣) ابن العجمي أرسلا الفلك المسيريّ من حلب سنة أربع وثلاثين وستّمائة إلى الملك الأشرف (١*) يطمعانه في ملك حلب ووعداه بالمساعدة فأبى ذلك، فبلغ الخبر الصاحبة ضيفة خاتون ابنة املك العادل أبي بكر بن أيّوب، ووالدة الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الظاهر غازي، وهي يومئذ تدبّر دولة ابن ابنها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن العزيز. فسيّرت من وقف الفلك في طريقه، فلمّا رجع إلى حلب قبض عليه وأصعد إلى القلعة، وسئل عن الحديث فاعترف به، فحلقت لحيته وحمل إلى دربساك (٢*) فاعتقل هناك. ١٤٥٨ - صدر الدين ابن مهران [- ٦٣٤] (٣*) [٤٤ أ] عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن علي ابن مهران بن علي بن مهران، أبو القاسم، ابن أبي الحسن، ابن أبي عبد الله، ابن أبي الحسن، ابن أبي الفرج، القرميسيني الأصل، الإسكندرانيّ المولد والدار، الفقيه الشافعيّ، العدل الحاكم، صدر الدين، ابن الإمام محيي الدين. ولد بالإسكن [دريّة ... ]. وتفقّه على مذهب الشافعيّ، وسمع الحديث وتأدّب، وقال الشعر الحسن. وتولّى الحكم بالأعمال الغربيّة من ديار مصر مدّة. ثمّ ولي نظرها وولي نظر ثغر الإسكندريّة. وكان وجيها عند الملك الكامل ودرّس بالزاوية المجديّة (٤*) من جامع مصر مدّة.

стр. 1470

وتوفّي بمصر في أوّل صفر سنة أربع وثلاثين وستّمائة، ودفن بسفح المقطّم. ومن شعره (السريع): من يكره العزل فانّي امرؤ ... أعدّه من جملة الأنعم لو لم يكن فيه سوى أنّني ... نزّهت عن لفظة مستخدم ومدحه الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزّار (١) بقصيدة، فلمّا فرغ من إنشادها أنشده لنفسه ارتجالا (الرمل): وقريض راح من إعجازه ... يصلح الصبّ ويصبي الصّلحا يا له شعر [ا] تناهى حسنه ... حسد الممدوح فيه المادحا وله (الكامل): بالمنطق اشتغلوا ويكفي قولهم ... «إنّ البلاء موكّل بالمنطق» (٢) ١٤٥٩ - مجد الدين ابن العديم [٦١٤ - ٦٧٧] (٣) [٤٥ أ] عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة، العقيليّ، الحلبيّ، أبو المجد، مجد الدين، ابن الصاحب كمال الدين أبي القاسم ابن العديم، الحنفيّ. ولد بحلب في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وستّمائة. وسمع من ثابت بن مشرّف حضورا، ومن عمّ أبيه القاضي أبي غانم هبة الله، وأبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان، وأبي حفص السهرورديّ، وعبد الرحمن بن بصلا، وابن شدّاد، والحاكم، وعبد اللطيف بن يوسف وابن روزبة، وجماعة بحلب وبمكّة ودمشق وبغداد ومصر والإسكندريّة. وقرأ السبع على الفاسيّ. وخرّج له الحافظ أبو العبّاس ابن الظاهري (١*) معجما في عشرة أجزاء ذكر فيه شيوخه، وحدّث به بدمشق ومصر. وانتهت إليه رئاسة الحنفيّة في وقته. وكان صدرا معظّما محتشما ذا دين وتعبّد وأوراد وسيرة جميلة لولا [غرور] باد فيه وتيه. وكان إماما مفتيا مدرّسا عالما بمذهبه عارفا بالأدب. وولي خطابة الجامع الحاكميّ في سنة ثلاث وستّين وستّمائة، وهو أوّل حنفيّ تولّى خطابة الجامع الحاكميّ (٢*) بالقاهرة. ودرّس بالمدرسة الظاهرية (٣*)، وحضره السلطان فقيل: حتّى يقضي ورد الضحى. ثمّ جاء

стр. 1471

وقد تكامل الناس فقام كلّهم، [ولم يقم هو لأحد]. ثم قدم على قضاء دمشق بعد موت شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء (١) في [جمادى الأولى] سنة ثلاث وسبعين وستّمائة، وهو بزيّ الوزراء فلم يعبأ بالمنصب ولا غيّر زيّه ولا وسّع كمّه. ودرّس بعدّة مدارس بدمشق حتى مات في سادس عشر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وستّمائة. ومن شعره، وكتبها إلى خاله عون الدين أبي المظفّر سليمان بن بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الرحمن ابن العجميّ الحلبي في حقّ الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّانيّ النحويّ (الطويل): أمولاي عون الدين يا من روى لنا ... حديث المعالي عن عطاء ونافع بعيشك حدّثني حديث ابن مالك ... فأنت له يا مالكي خير شافع وكتب إلى خاله عون الدين أيضا [البسيط]: رحا المنون غدت بالقطب دائرة ... والصبر من بعده قد عزّ إلماما فقلت للنفس: ما هذا الغرور؟ أما ... علمت حقّا بكون الكون أحلاما! ولست آسى لخال كان لي حسن ... فإنّ لي الآن خالا جمّل الشاما ومن نثره: فلا يفقد المولى صبرا جميلا إن فقد حسنة، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]. ١٤٦٠ - عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب [- ١٤] [٤٦ أ] عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن روّاح بن عديّ بن كعب، القرشي، العدويّ، أبو شحمة، ابن أمير المؤمنين أبي حفص الفاروق، وهو الأوسط. قدم مصر، وحدّ بها في الخمر. قال ابن شهاب: حدّثني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: شرب أخي عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه ابن عقبة بن الحارث شرابا فسكرا منه بمصر في خلافة عمر ﵁. فلمّا صحوا أتيا عمرو بن العاص وهو أمير بمصر فقالا: «طهّرنا! ». فذكر أخي أنّه سكر، فقلت: ادخل الدار أطهّرك. فقال: قد حدّثت الأمير. فقلت: لا والله، لا تحلق على رءوس الناس! (قال) - وكانوا يحلقون. (قال) فحلقت أخي بيدي. وجلدهم عمرو. فسمع بذلك عمر. فكتب إلى عمرو: ابعث إليّ عبد الرحمن على قتب! ففعل. فلمّا قدم عليه جلده لمكانه منه ثمّ أرسله. فمكث شهرا صحيحا فأصابه قدره. فحسب عامّة الناس أنّه مات من جلده. وقال الشعبيّ: ضرب عمر ابنا له في حدّ، فأتاه وهو يموت فقال: يا أبت قتلتني. فقال: إذا لقيت ربّك فأخبره أنّا نقيم الحدود. قال ابن عبد البرّ: وأمّا أهل العراق فيقولون إنّه مات تحت سياط عمر، وذلك غلط. قال الزبير بن بكّار: أقام عليه عمر حدّ الشراب، ومرض ومات. ويقال إنّ جلده كان في

стр. 1472

سنة أربع عشرة. وقال الطبريّ: المجلود عبد الله بن عمر. وقد روي عن سعيد بن مسروق أنّه قال: كانت امرأة تدخل منزل عمر ﵁ ومعها صبيّ. فقال عمر: من هذا الصبيّ معك؟ فقالت: هو من ابنك. وقع عليّ أبو شحمة، فهو ابنه- فأرسل عمر إليه فأقرّ، فقال لعليّ ﵁: اجلده! فضربه [٤٦ ب] عليّ خمسين. فقال: يا أبتي قتلتني! فقال: إذا لقيت ربّك فأخبره أنّ أباك يقيم الحدود! قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: هذا حديث موضوع، وضعه القصّاص فأبدوا فيه وأعادوا، وشرحوا فأطالوا. وروي عن مجاهد أنّه قال: تذاكر الناس فضل عمر ﵁ في مجلس عبد الله بن عبّاس ﵄، فبكى ابن عبّاس وقال: ﵀ رجلا لم تأخذه في الله لومة لائم: أقام الحدود كما أمر، لم يزدجر عن قريب لقرابته، ولم يجنف على البعيد لبعده. ولقد أقام الحدّ على ولده حتّى قتله. بينما نحن عنده ذات يوم بالمسجد إذا بجارية قد أقبلت تتخطّى رقاب المهاجرين والأنصار، ومعها ولد تحمله، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، خذ هذا لولد، فأنت أحقّ به منّي. قال: ومن أين؟ قالت: هو ولد ولدك أبي شحمة. مررت في بعض الأيّام لحاجتي عند حائط لبني النجّار إذا بصائح يصيح من ورائي فالتفتّ فإذا بابنك أبي شحمة يتمايل سكرا- وكان قد شرب عند سبكّة اليهوديّ- فجرّني إلى الحائط وتوعّدني فأغمي عليّ، فما أفقت إلا وقد نال منّي ما ينال الرجل من امرأته. ثمّ كتمت أمري عن أهلي، وإذا بي حامل، فوضعت هذا الغلام. فأردت قتله ثمّ تديّنت. وقد أتيتك به فاحكم بيني وبين ولدك بحكم الله. فأمر عمر مناديه، فنادى معاشر المهاجرين والأنصار. فأقبلوا مسرعين. فقام وأتى بيت أبي شحمة، وأنا معه، فدخل عليه فقال: يا بنيّ، ما لي طاعة. قال: بل طاعتان: طاعة الوالد وطاعة الخلافة. قال: بالله، وبحقّي عليك، هل كنت ضيفا لسبكّة اليهوديّ فشربت عنده الخمر، وواقعت امرأة في وقت كذا؟ فقال: يا أبت، قد كان ذلك، وأنا تائب. فقال عمر: التوبة رأس مال المذنبين- وقبض عمر على يده ولحيته، وجرّه إلى المسجد، فقال: يا أبت، لا تفضحني على رءوس الناس! اقتلني ههنا! فقال: أما سمعت قول الله تعالى: [٤٧ أ] وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]. ثم جاء به المسجد، وأمر غلاما له يقال له أفلح فقال: انزع ثيابه وافعل ما آمرك به. اضرب مائة سوط، ولا تقصّر في ضربه! فبكى أفلح وقال: ليتني لم تلدني أمّي حيث أكلّف ضرب ولد سيّدي! فقال: اضربه! وضجّ الناس بالبكاء والنحيب. وجعل الغلام يقول: «يا أبت، ارحمني! » وعمر يبكي ويقول: يرحمك ربّك. فلمّا ضربه السوط الأوّل قال الغلام: باسم الله. فقال عمر: نعم الاسم سمّيت!

стр. 1473

فلمّا ضربه ثانيا قال الغلام: ما أمّره! قال: اصبر كما عصيت. فلمّا ضربه ثالثا قال: الأمان! الأمان! فقال عمر: ربّك يعطيك الأمان. فلمّا ضربه رابعا قال: وا غوثاه! قال عمر: الغوث عند الشدّة. فلمّا ضربه خمسا قال: الحمد لله. قال عمر: حمد الله واجب. فلمّا ضربه عشرا قال: يا أبت قتلتني. قال: ذنبك قتلك. فلمّا ضربه ثلاثين قال: أحرقت قلبي. فقال عمر: النار أشدّ حرّا. فلما ضربه أربعين قال: يا أبت، دعني أستريح أذهب على وجهي. فقال: يا بنيّ، إذا أخذت حدّ الله منك فاذهب حيث شئت. فلمّا ضربه خمسين قال: نشدتك بالقرآن لما خلّيتني. فقال: بنيّ هلّا وعظك القرآن عن المعاصي؟ فلما ضربه ستّين قال: يا أبت أغثني! فقال: إنّ أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا. فلما ضربه سبعين قال: يا أبت اسقني شربة من ماء. قال: يا بني، إن كان الله يطهّرك فسيسقيك محمد ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبدا. فلمّا ضربه ثمانين قال: يا أبت، السلام عليك. فقال: يا بنيّ، إذا لقيت محمّدا ﷺ فاقرأه مني السلام وقل له: خلّفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود. فلمّا ضربه تسعين ضعف وانقطع كلامه. فوثب أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا أمير المؤمنين، أخّر ما بقي إلى وقت آخر! فقال عمر: كما لم تؤخّر المعصية لا تؤخّر العقوبة! وبلغ أمّ الغلام فجاءت صارخة تقول: يا عمر، [٤٧ ب] أحجّ بكلّ سوط حجّة ماشية وأتصدّق بكذا وكذا درهما. فقال عمر: الحجّ والصدقة لا ينوبان عن الحدّ. فضربه مائة، فمات الغلام. فجعل عمر رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: يا من قتله الحقّ، بأبي من لم يرحمه أبوه ولا أقاربه! فضجّ الناس بالبكاء والنحيب. وجاء حذيفة بن اليمان ﵁ بعد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت الغلام في المنام، وعليه حلّتان خضراوان وهو مع رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : يا حذيفة، اقرأ على عمر منّي السلام، وقل له: هكذا أمرك ربّك أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود. وقال الغلام: قل لأبي: طهّرك الله كما طهّرتني. والوضع على هذا الحديث لائح. وذكر الزبير بن بكّار أنّ عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يكنّى أبا شحمة. وعبد الرحمن هذا كان بمصر، فخرج غازيا، واتّفق أنّه شرب نبيذا فسكر، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال: «أقم عليّ الحدّ» فامتنع فقال له: «إنّي أخبر أبي إذا قدمت عليه». فضربه عمرو الحدّ في داره ولم يخرجه. وبلغ عمر فكتب إلى عمرو يلومه في مراعاته عبد الرحمن ويقول له: ألا فعلت به ما يفعل بجميع المسلمين؟ فلمّا قدم على عمر ضربه. واتفق أنّه مرض فمات.

стр. 1474

وقال أبو الفرج ابن الجوزي: يحتمل أنّه شرب النبيذ متأوّلا فسكر من غير اختيار، وأنّ عمر ﵁ ضربه ضرب تأديب لا ضرب حدّ، فمرض لسبب آخر ومات، لا من الضرب. ١٤٦١ - شمس الدولة ابن منقذ [٥٢٣ - ٦٠٠] (١) [٤٨ أ] عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن عليّ ابن مقلد بن منقذ، أبو الحسين، وأبو الحرث، ابن أبي عبد الله، ابن أبي سلامة، الشيزريّ، أمير أديب فاضل. مولده بشيزر يوم الأحد سابع شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وقدم إلى القاهرة، وبعثه السلطان صلاح الدين يوسف رسولا إلى المغرب (٢) عند حصار عكّا، فنزل الإسكندريّة وسمع الحافظ السّلفيّ. وسمع بفاس من أبي الحسن علي بن محمد بن فرحون، وعاد. وكتب من الإسكندريّة إلى سيف الدولة عند عوده من المغرب إليها [الوافر]: ذكرتك في سلا او القلب عنكم ... على فرط التنائي غير سال وفي أسفي خلى أسف عليكم ... وأشواق تجدّدها الليالي (٣) على البحر المحيط حططت رحلي ... منازل لم تكن يوما ببالي بلاد لو سرى طيف إليها ... لأعجزه الوصول من الكلال ولو ريح الصبا طلبت هبوبا ... إليها لاستعانت بالشمال تملّ من المسير الشمس حتّى ... توافيها على فرط الملال وأعجب ما رأيت بها رجوعي ... إليكم وهو أغرب ما جرى لي وكتب إلى مجد الدين أسامة بن منقذ [الطويل]: أأحبابنا عزّ اللقاء وما أرى ... تمادي هذا البين يفضى إلى حدّ إذا قلت قد آن التداني تجدّدت ... خطوب من الأيّام تحكم بالبعد ولست ألوم الدهر فيما أصابني ... لأنّ التنائي كان منّي على عمد وبعدك مجد الدين أعظم خطّة ... لقيت، وما حال المفارق للمجد؟ وكتب إليه [البسيط]: إن كانت الكتب فيما بيننا انقطعت ... فإنّ حبل ودادي غير منقطع وإن تصدّع شملي عن جنابكم ... فإنّ شمل ثنائي غير منصدع وقال [الطويل]: يقولون: لو كان الهوى منه صادقا ... لأصبح مغرّى بالفراق وذمّه ولولا احتجاجي بالتفرّق والنوى ... لما فزت في يوم الوداع بلثمه وكانت وفاته بالقاهرة أوّل سنة ستّمائة. ١٤٦٢ - أبو القاسم الحضرميّ [٤٦٦ - ٥٤٤] (١*) [٤٨ ب] عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن الفضل، أبو القاسم، الحضرميّ، حدّث عن

стр. 1475

الحبّال (١) وغيره. وتوفّي في يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ومولده في رابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وأربعمائة. ١٤٦٣ - تقيّ الدين الزبيريّ قاضي القضاة [٧٤١ - ٨١٣] (٢) [٤٩ أ] عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن تاج الرئاسة، قاضي القضاة، تقيّ الدين، أبو محمد، الزبيريّ، نسبة إلى الزبيريّة قرية من قرى المحلّة الغربيّة. قدم صغيرا إلى القاهرة، وسمع على أبي الفتح الميدومي وغيره. واشتغل بالفقه. ووقّع على القضاة نحوا من خمسين سنة، وفاق في معرفة السجلّات، وناب في الحكم بالقاهرة عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء ومن بعده. فعرف بالضبط والعفّة والدربة بالأحكام إلى أن استدعاه السلطان الملك الظاهر برقوق على حين غفلة وخلع عليه في يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. فباشر القضاء أحسن مباشرة بتواضع ولين مع تثبّت زائد وتصميم إلى الغاية ودربة بالأحكام ومداراة مع عفّة وسهولة حجاب. وعزل في يوم الاثنين من شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة فلزم داره وصار يمشي في الأسواق لحوائجه على قدميه، ولم يعهد ذلك لقاض قبله، حتى مات في ليلة الأحد أوّل شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثماني مائة. وقد حدّث ودرّس شيئا في الفقه. ١٤٦٤ - عبد الرحمن بن محمود النصوليّ: انظر رقم ١٤٤٤ (١*) ١٤٦٥ - محيي الدين الربعيّ [٦٢٧ - ٧٢٢] (٢*) عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة بن [رجاء]، أبو القاسم، المالكيّ، الربعيّ، الإسكندريّ، يلقّب محيي الدين. ولد سنة سبع وعشرين وستّمائة، وسمع من حمد بن عليّ بن عبد الوهّاب بن رواج، وغيره. وعمّر حتى صار سند بلده. [وكان] ذا مروءة ورئاسة [وكانت له معرفة بالشروط] مع العدالة والصلاح والخير. ومات في الثامن من ذي الحجّة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. ١٤٦٦ - أبو سهل ابن مدرك المعرّي [- ٥٥٣] (٣*) [٥٠ أ] عبد الرحمن بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان، أبو سهل، التنوخيّ، المعرّيّ.
следующие страницы →