← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقد تكامل الناس فقام كلّهم، [ولم يقم هو لأحد]. ثم قدم على قضاء دمشق بعد موت شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء (١) في [جمادى الأولى] سنة ثلاث وسبعين وستّمائة، وهو بزيّ الوزراء فلم يعبأ بالمنصب ولا غيّر زيّه ولا وسّع كمّه. ودرّس بعدّة مدارس بدمشق حتى مات في سادس عشر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وستّمائة. ومن شعره، وكتبها إلى خاله عون الدين أبي المظفّر سليمان بن بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الرحمن ابن العجميّ الحلبي في حقّ الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّانيّ النحويّ (الطويل): أمولاي عون الدين يا من روى لنا ... حديث المعالي عن عطاء ونافع بعيشك حدّثني حديث ابن مالك ... فأنت له يا مالكي خير شافع وكتب إلى خاله عون الدين أيضا [البسيط]: رحا المنون غدت بالقطب دائرة ... والصبر من بعده قد عزّ إلماما فقلت للنفس: ما هذا الغرور؟ أما ... علمت حقّا بكون الكون أحلاما! ولست آسى لخال كان لي حسن ... فإنّ لي الآن خالا جمّل الشاما ومن نثره: فلا يفقد المولى صبرا جميلا إن فقد حسنة، لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]. ١٤٦٠ - عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب [- ١٤] [٤٦ أ] عبد الرحمن بن عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن روّاح بن عديّ بن كعب، القرشي، العدويّ، أبو شحمة، ابن أمير المؤمنين أبي حفص الفاروق، وهو الأوسط. قدم مصر، وحدّ بها في الخمر. قال ابن شهاب: حدّثني سالم بن عبد الله عن أبيه قال: شرب أخي عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه ابن عقبة بن الحارث شرابا فسكرا منه بمصر في خلافة عمر ﵁. فلمّا صحوا أتيا عمرو بن العاص وهو أمير بمصر فقالا: «طهّرنا! ». فذكر أخي أنّه سكر، فقلت: ادخل الدار أطهّرك. فقال: قد حدّثت الأمير. فقلت: لا والله، لا تحلق على رءوس الناس! (قال) - وكانوا يحلقون. (قال) فحلقت أخي بيدي. وجلدهم عمرو. فسمع بذلك عمر. فكتب إلى عمرو: ابعث إليّ عبد الرحمن على قتب! ففعل. فلمّا قدم عليه جلده لمكانه منه ثمّ أرسله. فمكث شهرا صحيحا فأصابه قدره. فحسب عامّة الناس أنّه مات من جلده. وقال الشعبيّ: ضرب عمر ابنا له في حدّ، فأتاه وهو يموت فقال: يا أبت قتلتني. فقال: إذا لقيت ربّك فأخبره أنّا نقيم الحدود. قال ابن عبد البرّ: وأمّا أهل العراق فيقولون إنّه مات تحت سياط عمر، وذلك غلط. قال الزبير بن بكّار: أقام عليه عمر حدّ الشراب، ومرض ومات. ويقال إنّ جلده كان في

стр. 1472

سنة أربع عشرة. وقال الطبريّ: المجلود عبد الله بن عمر. وقد روي عن سعيد بن مسروق أنّه قال: كانت امرأة تدخل منزل عمر ﵁ ومعها صبيّ. فقال عمر: من هذا الصبيّ معك؟ فقالت: هو من ابنك. وقع عليّ أبو شحمة، فهو ابنه- فأرسل عمر إليه فأقرّ، فقال لعليّ ﵁: اجلده! فضربه [٤٦ ب] عليّ خمسين. فقال: يا أبتي قتلتني! فقال: إذا لقيت ربّك فأخبره أنّ أباك يقيم الحدود! قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: هذا حديث موضوع، وضعه القصّاص فأبدوا فيه وأعادوا، وشرحوا فأطالوا. وروي عن مجاهد أنّه قال: تذاكر الناس فضل عمر ﵁ في مجلس عبد الله بن عبّاس ﵄، فبكى ابن عبّاس وقال: ﵀ رجلا لم تأخذه في الله لومة لائم: أقام الحدود كما أمر، لم يزدجر عن قريب لقرابته، ولم يجنف على البعيد لبعده. ولقد أقام الحدّ على ولده حتّى قتله. بينما نحن عنده ذات يوم بالمسجد إذا بجارية قد أقبلت تتخطّى رقاب المهاجرين والأنصار، ومعها ولد تحمله، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، خذ هذا لولد، فأنت أحقّ به منّي. قال: ومن أين؟ قالت: هو ولد ولدك أبي شحمة. مررت في بعض الأيّام لحاجتي عند حائط لبني النجّار إذا بصائح يصيح من ورائي فالتفتّ فإذا بابنك أبي شحمة يتمايل سكرا- وكان قد شرب عند سبكّة اليهوديّ- فجرّني إلى الحائط وتوعّدني فأغمي عليّ، فما أفقت إلا وقد نال منّي ما ينال الرجل من امرأته. ثمّ كتمت أمري عن أهلي، وإذا بي حامل، فوضعت هذا الغلام. فأردت قتله ثمّ تديّنت. وقد أتيتك به فاحكم بيني وبين ولدك بحكم الله. فأمر عمر مناديه، فنادى معاشر المهاجرين والأنصار. فأقبلوا مسرعين. فقام وأتى بيت أبي شحمة، وأنا معه، فدخل عليه فقال: يا بنيّ، ما لي طاعة. قال: بل طاعتان: طاعة الوالد وطاعة الخلافة. قال: بالله، وبحقّي عليك، هل كنت ضيفا لسبكّة اليهوديّ فشربت عنده الخمر، وواقعت امرأة في وقت كذا؟ فقال: يا أبت، قد كان ذلك، وأنا تائب. فقال عمر: التوبة رأس مال المذنبين- وقبض عمر على يده ولحيته، وجرّه إلى المسجد، فقال: يا أبت، لا تفضحني على رءوس الناس! اقتلني ههنا! فقال: أما سمعت قول الله تعالى: [٤٧ أ] وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]. ثم جاء به المسجد، وأمر غلاما له يقال له أفلح فقال: انزع ثيابه وافعل ما آمرك به. اضرب مائة سوط، ولا تقصّر في ضربه! فبكى أفلح وقال: ليتني لم تلدني أمّي حيث أكلّف ضرب ولد سيّدي! فقال: اضربه! وضجّ الناس بالبكاء والنحيب. وجعل الغلام يقول: «يا أبت، ارحمني! » وعمر يبكي ويقول: يرحمك ربّك. فلمّا ضربه السوط الأوّل قال الغلام: باسم الله. فقال عمر: نعم الاسم سمّيت!

стр. 1473

فلمّا ضربه ثانيا قال الغلام: ما أمّره! قال: اصبر كما عصيت. فلمّا ضربه ثالثا قال: الأمان! الأمان! فقال عمر: ربّك يعطيك الأمان. فلمّا ضربه رابعا قال: وا غوثاه! قال عمر: الغوث عند الشدّة. فلمّا ضربه خمسا قال: الحمد لله. قال عمر: حمد الله واجب. فلمّا ضربه عشرا قال: يا أبت قتلتني. قال: ذنبك قتلك. فلمّا ضربه ثلاثين قال: أحرقت قلبي. فقال عمر: النار أشدّ حرّا. فلما ضربه أربعين قال: يا أبت، دعني أستريح أذهب على وجهي. فقال: يا بنيّ، إذا أخذت حدّ الله منك فاذهب حيث شئت. فلمّا ضربه خمسين قال: نشدتك بالقرآن لما خلّيتني. فقال: بنيّ هلّا وعظك القرآن عن المعاصي؟ فلما ضربه ستّين قال: يا أبت أغثني! فقال: إنّ أهل النار إذا استغاثوا لم يغاثوا. فلما ضربه سبعين قال: يا أبت اسقني شربة من ماء. قال: يا بني، إن كان الله يطهّرك فسيسقيك محمد ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبدا. فلمّا ضربه ثمانين قال: يا أبت، السلام عليك. فقال: يا بنيّ، إذا لقيت محمّدا ﷺ فاقرأه مني السلام وقل له: خلّفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود. فلمّا ضربه تسعين ضعف وانقطع كلامه. فوثب أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: يا أمير المؤمنين، أخّر ما بقي إلى وقت آخر! فقال عمر: كما لم تؤخّر المعصية لا تؤخّر العقوبة! وبلغ أمّ الغلام فجاءت صارخة تقول: يا عمر، [٤٧ ب] أحجّ بكلّ سوط حجّة ماشية وأتصدّق بكذا وكذا درهما. فقال عمر: الحجّ والصدقة لا ينوبان عن الحدّ. فضربه مائة، فمات الغلام. فجعل عمر رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: يا من قتله الحقّ، بأبي من لم يرحمه أبوه ولا أقاربه! فضجّ الناس بالبكاء والنحيب. وجاء حذيفة بن اليمان ﵁ بعد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، رأيت الغلام في المنام، وعليه حلّتان خضراوان وهو مع رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : يا حذيفة، اقرأ على عمر منّي السلام، وقل له: هكذا أمرك ربّك أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود. وقال الغلام: قل لأبي: طهّرك الله كما طهّرتني. والوضع على هذا الحديث لائح. وذكر الزبير بن بكّار أنّ عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يكنّى أبا شحمة. وعبد الرحمن هذا كان بمصر، فخرج غازيا، واتّفق أنّه شرب نبيذا فسكر، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال: «أقم عليّ الحدّ» فامتنع فقال له: «إنّي أخبر أبي إذا قدمت عليه». فضربه عمرو الحدّ في داره ولم يخرجه. وبلغ عمر فكتب إلى عمرو يلومه في مراعاته عبد الرحمن ويقول له: ألا فعلت به ما يفعل بجميع المسلمين؟ فلمّا قدم على عمر ضربه. واتفق أنّه مرض فمات.

стр. 1474

وقال أبو الفرج ابن الجوزي: يحتمل أنّه شرب النبيذ متأوّلا فسكر من غير اختيار، وأنّ عمر ﵁ ضربه ضرب تأديب لا ضرب حدّ، فمرض لسبب آخر ومات، لا من الضرب. ١٤٦١ - شمس الدولة ابن منقذ [٥٢٣ - ٦٠٠] (١) [٤٨ أ] عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن عليّ ابن مقلد بن منقذ، أبو الحسين، وأبو الحرث، ابن أبي عبد الله، ابن أبي سلامة، الشيزريّ، أمير أديب فاضل. مولده بشيزر يوم الأحد سابع شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. وقدم إلى القاهرة، وبعثه السلطان صلاح الدين يوسف رسولا إلى المغرب (٢) عند حصار عكّا، فنزل الإسكندريّة وسمع الحافظ السّلفيّ. وسمع بفاس من أبي الحسن علي بن محمد بن فرحون، وعاد. وكتب من الإسكندريّة إلى سيف الدولة عند عوده من المغرب إليها [الوافر]: ذكرتك في سلا او القلب عنكم ... على فرط التنائي غير سال وفي أسفي خلى أسف عليكم ... وأشواق تجدّدها الليالي (٣) على البحر المحيط حططت رحلي ... منازل لم تكن يوما ببالي بلاد لو سرى طيف إليها ... لأعجزه الوصول من الكلال ولو ريح الصبا طلبت هبوبا ... إليها لاستعانت بالشمال تملّ من المسير الشمس حتّى ... توافيها على فرط الملال وأعجب ما رأيت بها رجوعي ... إليكم وهو أغرب ما جرى لي وكتب إلى مجد الدين أسامة بن منقذ [الطويل]: أأحبابنا عزّ اللقاء وما أرى ... تمادي هذا البين يفضى إلى حدّ إذا قلت قد آن التداني تجدّدت ... خطوب من الأيّام تحكم بالبعد ولست ألوم الدهر فيما أصابني ... لأنّ التنائي كان منّي على عمد وبعدك مجد الدين أعظم خطّة ... لقيت، وما حال المفارق للمجد؟ وكتب إليه [البسيط]: إن كانت الكتب فيما بيننا انقطعت ... فإنّ حبل ودادي غير منقطع وإن تصدّع شملي عن جنابكم ... فإنّ شمل ثنائي غير منصدع وقال [الطويل]: يقولون: لو كان الهوى منه صادقا ... لأصبح مغرّى بالفراق وذمّه ولولا احتجاجي بالتفرّق والنوى ... لما فزت في يوم الوداع بلثمه وكانت وفاته بالقاهرة أوّل سنة ستّمائة. ١٤٦٢ - أبو القاسم الحضرميّ [٤٦٦ - ٥٤٤] (١*) [٤٨ ب] عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن الفضل، أبو القاسم، الحضرميّ، حدّث عن

стр. 1475

الحبّال (١) وغيره. وتوفّي في يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة أربع وخمسين وخمسمائة. ومولده في رابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وأربعمائة. ١٤٦٣ - تقيّ الدين الزبيريّ قاضي القضاة [٧٤١ - ٨١٣] (٢) [٤٩ أ] عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن تاج الرئاسة، قاضي القضاة، تقيّ الدين، أبو محمد، الزبيريّ، نسبة إلى الزبيريّة قرية من قرى المحلّة الغربيّة. قدم صغيرا إلى القاهرة، وسمع على أبي الفتح الميدومي وغيره. واشتغل بالفقه. ووقّع على القضاة نحوا من خمسين سنة، وفاق في معرفة السجلّات، وناب في الحكم بالقاهرة عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء ومن بعده. فعرف بالضبط والعفّة والدربة بالأحكام إلى أن استدعاه السلطان الملك الظاهر برقوق على حين غفلة وخلع عليه في يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. فباشر القضاء أحسن مباشرة بتواضع ولين مع تثبّت زائد وتصميم إلى الغاية ودربة بالأحكام ومداراة مع عفّة وسهولة حجاب. وعزل في يوم الاثنين من شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة فلزم داره وصار يمشي في الأسواق لحوائجه على قدميه، ولم يعهد ذلك لقاض قبله، حتى مات في ليلة الأحد أوّل شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثماني مائة. وقد حدّث ودرّس شيئا في الفقه. ١٤٦٤ - عبد الرحمن بن محمود النصوليّ: انظر رقم ١٤٤٤ (١*) ١٤٦٥ - محيي الدين الربعيّ [٦٢٧ - ٧٢٢] (٢*) عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة بن [رجاء]، أبو القاسم، المالكيّ، الربعيّ، الإسكندريّ، يلقّب محيي الدين. ولد سنة سبع وعشرين وستّمائة، وسمع من حمد بن عليّ بن عبد الوهّاب بن رواج، وغيره. وعمّر حتى صار سند بلده. [وكان] ذا مروءة ورئاسة [وكانت له معرفة بالشروط] مع العدالة والصلاح والخير. ومات في الثامن من ذي الحجّة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. ١٤٦٦ - أبو سهل ابن مدرك المعرّي [- ٥٥٣] (٣*) [٥٠ أ] عبد الرحمن بن مدرك بن علي بن محمد بن عبد الله بن سليمان، أبو سهل، التنوخيّ، المعرّيّ.

стр. 1476

قدم مصر في صحبة عمّه القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد، وعاد إلى دمشق ثمّ إلى بلده المعرّة. ومات في الزلزلة في رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. ومن شعره قوله [الطويل]: تعمّم رأسي بالمشيب فساءني ... وما سرّني تفتيح نور بياضه وقد أبصرت عيني خطوبا كثيرة ... فلم أر خطبا أسودا كبياضه وقوله [الكامل]: غربت بهم نوب الليالي فاغتدوا ... ما تستقرّ لهم بأرض دار حتى كأنّهم طريق بضائع ... وكأنّ أحداث الزمان تجار وقوله [المتقارب]: جرحت بلحظي خدّ الحبيب ... فما طالب المقلة الفاعلة ولكنّه اقتصّ من مهجتي ... كذاك الديات على العاقلة ١٤٦٧ - تقيّ الدين الناشريّ المقرئ [٥٨٠ - ٦٦١] (١) [٥٠ ب] عبد الرحمن بن مرهب بن عبد الله بن يحيى، الإمام تقيّ الدين، أبو القاسم، الناشريّ، المقرئ، الفقيه الشافعيّ. ولد سنة ثمانين وخمسمائة. وقرأ القراءات على أبي الجود غياث بن فارس. وسمع من الحافظ علي بن المفضّل (٢) وغيره. وانتصب للإقراء مدّة بجامع عمرو بن العاصي بمصر. واشتهر اسمه، وقرأ عليه جماعة، منهم التقيّ محمد بن أحمد الصائغ (١*). وكان عارفا بالقراءات صالحا فاضلا وافر الحرمة. توفّي يوم [ ... ] شوّال سنة إحدى وستّين وستّمائة. ١٤٦٨ - شمس الدين الحارثيّ [٦٧١ - ٧٣٢] (٢*) [٥١ أ] عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد، العلّامة شمس الدين، ابن قاضي القضاة سعد الدين، الحارثيّ، الحنبليّ. ولد سنة إحدى وسبعين وستّمائة. سمع من العزّ الحرّاني، وغازي [الحلاوي] وجماعة. وبرع في الفقه والنحو والأصول، وأفتى وناظر، وتصدّر للإفادة، مع الديانة والصيانة والوقار والسمت الصالح والصدق. وتوفّي بالقاهرة في يوم [الجمعة سادس عشري] ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ١٤٦٩ - أبو معاوية ابن حديج [- ٩٥] (٣*) [٥٢ أ] عبد الرحمن بن معاوية بن حديج بن جفنة بن قتيرة بن جارية بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد بن أشرس بن

стр. 1477

شبيب بن السّكون بن أشرس، الكنديّ، أبو معاوية، ابن أبي نعيم. سكن هو وأبوه مصر. وروى عن عبد الله بن عمر، وأبي بصرة كميل بن يزيد الغفاري، وأبيه معاوية بن حديج، وعبد الله بن عمرو. وروى عنه يزيد بن أبي حبيب، وعقبة بن مسلم، وواهب بن عبد الله المعافريّ، والحسن بن ثوبان وجماعة. خرّج له البخاري في كتاب الأدب المفرد. وجعله عبد العزيز بن مروان أمير مصر على الشرط في أوّل سنة ستّ وثمانين عوضا عن يونس بن عطيّة بن يونس الحضرميّ. ثم جمع له معالشرطة القضاء في ربيع الأوّل منها، فنظر فيهما جميعا. ونظر في أموال اليتامى، وضمّن عريف كلّ قوم أموال يتامى تلك القبيلة، وكتب بذلك كتابا، وكان أوّل قاض نظر في أموال اليتامى. وجرى الأمر بعده على ذلك. فلمّا مات عبد العزيز بن مروان وقدم عبد الله بن عبد الملك بن مروان أميرا على مصر، أقرّه على القضاء والشرط. وأراد عزله فلم يجد عليه مقالا ولا متعلّقا، فولّاه مرابطة الإسكندريّة في شهر رمضان، فكانت ولايته ستّة أشهر. وتوفّي عبد الملك بن مروان، وبويع بعده ابنه الوليد بن عبد الملك، فخرج عبد الرحمن ببيعة أهل مصر وافدا إليه، وعاد إلى مصر. فلمّا ولي قرّة بن شريك إمارة مصر استخلفه عند ما خرج إلى الاسكندريّة على الفسطاط (١). وتوفّي سنة خمس وتسعين. ١٤٧٠ - عبد الرحمن الداخل [[١١٣ - ١٧١]] [١١٣ - ١٧١] (١*) [٥٣ أ] عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو المطرّف (٢*)، (الأمير) الأمويّ الداخل إلى الأندلس. يقال له صقر قريش. كان أبوه معاوية وليّ عهد أبيه هشام بن عبد الملك، وقاد إلى الروم خمس عشرة صائفة، ومات في حياة أبيه سنة ثماني عشرة- وقيل اثنتين وعشرين- ومائة، وعمره إحدى وعشرون سنة. وترك من الأولاد عبد الرحمن ويحيى شقيقه، وأبان، وعبيد الله، وهشاما، والمنذر، وعبدة، وأمّ الأصبغ. وولد عبد الرحمن سنة ثلاث عشرة ومائة بدير حنيناء (٣*) من عمل دمشق- وقيل بالعلياء من عمل تدمر- وأمّه أمّ ولد اسمها راح، بربريّة. فدخل يوما على جدّه هشام بن عبد الملك، وعنده أخوه مسلمة بن عبد الملك، وكان حينئذ عبد الرحمن صبيّا. فأمر هشام أن ينحّى عنه، فقال له مسلمة: دعه يا أمير المؤمنين، وضمّه إليه، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين هذا صاحب بني أميّة، ووزرهم عند زوال دولتهم، فاستوص به خيرا! (قال عبد الرحمن): فلم أزل أعرف من جدّي مزيّة بعد ذلك.

стр. 1478

وما زال عبد الرحمن بالشّام إلى أن ظهرت الدولة العبّاسية، وقتل من قتل من بني أميّة، وفرّ من نجا منهم، وكان عبد الرحمن بذات الزيتون (١) ففرّ منها إلى فلسطين فقدمها آخر سنة ستّ وثلاثين. وقيل إنّه عبر الفرات يشقّها عوما بذراعيه، ثمّ قطع الفلاة بمفرده. وأقام هو ومولاه بدر يتجسّس الأخبار. فحكي عنه أنه قال: لمّا أعطينا الأمان، ثم نكث بنا بنهر أبي فطرس (٢) وأبيحت دماؤنا، أتاني الخبر- وكنت منتبذا عن الناس- فرجعت إلى منزلي آيسا، ونظرت فيما يصلحني وأهلي، وخرجت خائفا حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض. فبينا أنا ذات يوم بها، وولدي سليمان يلعب بين يديّ- وهو يومئذ ابن أربع سنين- فخرج عنّي ثم دخل من باب البيت باكيا فزعا فتعلّق بي. وجعلت أدفعه وهو يتعلّق بي. فخرجت لأنظر، وإذا بالخوف قد نزل بالقرية، وإذا بالرايات السود منحطّة عليها، وأخ لي حدث السنّ يقول لي: النجاة! فهذه رايات المسوّدة. فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي، وأعلمت أخواتي بمتوجّهي وأمرتهنّ أن يلحقنني مولاي بدرا. وأحاطت الخيل بالقرية فلم يجدوا لي أثرا. فأتيت رجلا من معارفي وأمرته فاشترى لي دوابّ وما يصلحني. فدلّ عليّ عبد له العامل فأقبل في خيله يطلبني، فخرجنا على أرجلنا هرابا والخيل تبصرنا فدخلنا في بساتين على الفرات فسبقنا الخيل إلى الفرات فسبحنا. أمّا أنا فنجوت، والخيل ينادوننا بالأمان ولا أرجع. وأمّا أخي فإنّه عجز عن السباحة [٥٣ ب] في نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان فأخذوه فقتلوه وأنا انظر إليه، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فاحتملت فيه ثكلا آخر. ومضيت لوجهي فتواريت في غيضة أشبة حتى انقطع الطلب عنّي وخرجت فقصدت المغرب. وقدم مصر ثم صار منها إلى أرض برقة فأقام بها خمس سنين. ثم رحل من برقة يريد الأندلس. ثم إنّ أخته أمّ الأصبغ بعثت إليه مولاه أبا الغصن بدرا، ومعه نفقة له وجوهر. فبلغ عبد الرحمن إفريقيّة، وعليها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري متولّي إفريقيّة من قبل مروان. فظنّ عبد الرحمن أنّه يرعاه ويحسن مجاورته. فلمّا علم ابن حبيب بقتل مروان كتب إلى أبي العبّاس السفّاح بالسّمع والطّاعة، وأراد قتل عبد الرحمن بن معاوية تقرّبا إلى بني العبّاس. فهرب منه إلى مكناسة من قبائل البربر فلقي عندهم شدّة. ثم هرب من عندهم فأتى نفزاوة وهم أخواله- لأنّ أمّه كانت بربرية منهم سبيت في غزاة إفريقيّة- ومعه مولاه بدر. فأحسنوا إليه. فاطمأن فيهم وأخذ في التدبير ومكاتبة أهل الأندلس من موالي بني أميّة يعلمهم بقدومه ويدعوهم إلى نفسه. ووجّه مولاه بدرا إليهم. وكان أمير الأندلس إذ ذاك أبو زيد يوسف بن عبد الرحمن بن أبي عبيدة بن نافع الفهري. فأخذ بدر يتجسّس عن الخبر، فرأى القوم وبأسهم، وكانوا يمانيّة ومضريّة يقتتلون على العصبيّة. فقال للمضريّة: لو وجدتم رجلا من أهل بيت الخلافة، أكنتم تبايعونه وتقومون به؟ فقالوا: وكيف لنا بذلك؟ فقال بدر: هذا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك- ودعاهم إليه فأجابوه.

стр. 1479

ووجّهوا إليه مركبا فيه تمّام بن علقمة وجماعة. فوصلوا إليه وأبلغوه طاعتهم له، وأخذوه إلى الأندلس، فأرسى بالمنكّب (١) في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين ومائة. فأتاه جمع من رؤسائهم من أهل إشبيلية. وكانت نفوس اليمن حنقة على الصميل بن حاتم الكلابيّ ويوسف الفهريّ، فأتوه أيضا وبايعوه. فسار وجمعه يكثر حتى نزل إشبيليّة. ثم نهد إلى قرطبة، وكان يوسف غائبا بنواحي طليطلة. فأتاه الخبر وهو عائد إلى قرطبة، وكان قد بلغه خبر عبد الرحمن فلم يعبأ به ولم يكترث. فلمّا قرب عبد الرحمن منه تراسلا في الصلح، فخادعه يومين أحدهما يوم عرفة. فاطمأنّ أصحاب يوسف، ثقة منهم بأنّ الصلح قد انبرم. وأقبل يوسف يهيّئ الطّعام ليأكله الناس على سماطه يوم الأضحى، وعبد الرحمن يرتّب خيله ورجله. وعبر النّهر ليلا في أصحابه، فنشب القتال ليلة الأضحى وصبر الفريقان إلى أن ارتفع النّهار، وقد ركب عبد الرحمن بغلا يري الناس أنّه يثبت ولا يفرّ. فسكنت قلوب أصحابه واشتدّ قتالهم فانهزم يوسف، وبقي الصميل فقاتل في عصبة من عشيرته ثم انهزموا [٥٤ أ]. فمضى يوسف إلى ماردة. وأتى عبد الرحمن قرطبة فدخلها من يوم الجمعة عاشر ذي الحجّة يوم النحر سنة ثمان- وقيل تسع- وثلاثين ومائة، والناس في المصلّى يصلّون العيد. وأخرج حشم يوسف وأهله من القصر ودخله بعد ذلك. وشبّهت واقعة عبد الرحمن بيوم مرج راهط (١*)، فإنّها كانت يوم عيد النّحر وكانت بين أمويّ وفهريّ، وكان على مقدّمة مروان حسّان بن بجدل الكلبي. وكذلك كانت هذه يوم الأضحى وهي بين أمويّ وفهريّ، وكان على مقدّمة عبد الرحمن حسّان بن مالك الكلبيّ. وكانت سنّ عبد الرحمن يومئذ تسعا وعشرين سنة. ثم سار (عبد الرحمن) في طلب يوسف. فلمّا أحسّ به يوسف خالفه إلى قرطبة وأخذها وملك قصرها واحتوى على جميع أهله وماله، وأسر أبا عثمان جعدة صاحب الأرض، وهو يخلف عبد الرحمن على قرطبة، ولحق بمدينة إلبيرة وكان الصميل بمدينة شوذر (٢*). فلما بلغ عبد الرحمنالخبر رجع إلى قرطبة طمعا في لحاق يوسف. فلمّا لم يجده سار إلى إلبيرة، وقد قدم الصميل إليها واجتمع بيوسف وصارا في جمع كثير. وآل الصلح على أن ينزل يوسف بأمان هو ومن معه وأن يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة، ويرهنه يوسف ابنيه أبا الأسود محمد وعبد الرحمن. فسار يوسف مع عبد الرحمن ونزل معه بقرطبة. فلمّا استقرّ أمر عبد الرحمن بنى القصر بقرطبة، وبنى المسجد الجامع، وأنفق فيه ثمانين ألف دينار، وبنى مساجد الجماعات، وأتاه جماعة من أهل بيته. وكان يدعو لأبي جعفر المنصور مدّة عشرة أشهر ثمّ قطع اسمه من الخطبة. فلمّا كانت سنة أربعين- وقيل إحدى وأربعين-

стр. 1480

نكث يوسف الفهريّ عهد عبد الرحمن، وصار إلى ماردة فاجتمع عليه عشرون ألفا، وقصد محاربة عبد الرحمن. فسار إليه من قرطبة. فمضى يوسف إلى إشبيليّة، وعليها عبد الملك بن عمر بن مروان، فحاربه وهزمه (١) وقتل كثيرا من أصحابه، وبقي يوسف متردّدا في البلاد حتى قتله بعض أصحابه في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين بنواحي طليطلة وحمل رأسه إلى عبد الرحمن. فنصبه بقرطبة، وقتل ابنه أبا زيد عبد الرحمن بن يوسف الذي كان رهينة عنده ونصب رأسه مع رأس أبيه. وبقي أبو الأسود بن يوسف عنده رهينة. وقبض على الصميل وسجنه حتى مات في سجنه. ثم خرج العلاء بن مغيث (اليحصبيّ) من إفريقيّة في سنة ستّ وأربعين إلى باجة، ولبس السواد ودعا لبني العبّاس. فسار إليه عبد الرحمن ولقيه بنواحي إشبيلية وحاربه أيّاما حتى هزمه وقتل سبعة آلاف من أصحابه في المعركة، ثم قتل العلاء. وأمر بعض التجّار بحمل رءوس جماعة من مشاهيرهم إلى القيروان وإلقائها في السوق سرّا، ففعل ذلك. ثم حمل منها إلى مكّة عدّة فوصلت، وقد حجّ أبو جعفر المنصور، وكان مع الرءوس لواء أسود وكتاب كتبه المنصور [٥٤ ب] للعلاء فأنكى بذلك المنصور. وخرج أيضا سعيد اليحصبيّ المعروف بالمطريّ بمدينة لبلة غضبا للعلاء، فاجتمعت إليه اليمنيّة، وقصد إشبيلية وتغلّب عليها فكثر جمعه فبادره عبد الرحمن، وما زال يحاصره حتى قتل وقتل كثير ممّن كان معه، وعاد عبد الرحمن إلى قرطبة. فخرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة جيّان، وأغار على قرطبة في جمع كثير. فندب لقتاله جيشا فتفرّق جمعه، وطلب الأمان فأمّنه. ثم خرج في سنة إحدى وخمسين بشرق الأندلس رجل من بربر مكناسة يقال له شقنا بن عبد الواحد، وادّعى أنّه من ولد عليّ بن أبي طالب، وتسمّى بعبد الله بن محمد ورفع نسبه إلى الحسين بن عليّ. فاجتمع عليه خلق كثير من البربر وعظم أمره. فخرج إليه عبد الرحمن، وكانت له معه أخبار وحروب إلى أن كانت سنة ستّ وخمسين، فخرج إليه لمحاربته فخرج أهل إشبيلية عن طاعته، فرجع وقد هاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم. وقدم ابن عمّه عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم فقاتل اليمانيّة وأهل إشبيلية، فلم تقم بعدها لليمانيّة قائمة. وعاد عبد الرحمن إلى قرطبة فقتل في سنة سبع وخمسين خلقا كثيرا ممّن كان من الخارجين عليه، ومال من حينئذ إلى اقتناء العبيد لما بلي به من غشّ العرب. وثار عليه في سنة ستّين- وقيل إحدى وستين- عبد الرحمن بن حبيب الفهريّ المعروف بالصقلّيّ، وعبر إفريقيّة إلى الأندلس محاربا لهم ليدخلوا في طاعة الدولة العبّاسيّة، فلم يزل عبد الرحمن يدبّر عليه حتى اغتاله رجل من البربر فقتله وحمل رأسه إليه فأعطاه ألف دينار، وذلك سنة اثنتين وستّين. ثم ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهريّ بالأندلس في سنة ثمان وستّين بعد ما فرّ من السجن بقرطبة إلى طليطلة، واجتمع عليه خلق كثير، وسار لحرب عبد الرحمن فلقيه واشتدّ القتال. ثم انهزم وقتل من أصحابه أربعة آلاف، وغرق في النهر كثير. ثمّ بقي يحارب عبد الرحمن إلى أن هلك سنة سبعين. فقام من بعده أخوه قاسم وجمع فقاتله عبد الرحمن حتى قتله بعد أن ظفر به.

стр. 1481

ولم يزل عبد الرحمن مظفّرا إلى أن توفّي يوم الثلاثاء لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة (١)، وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر، بقرطبة، وصلّى عليه ابنه عبد الله وأخذ البيعة لأخيه هشام، وكان غائبا. وقيل: مات وسنّه ( ... ) وستّون سنة. وكانت إمارته ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوما، بعد ما قطع القفر، وركب البحر، ودخل بلدا أعجميّا وهو وحده فغلب عامله، ومصّر الأمصار وجنّد الأجناد ودوّن الدواوين وأقام ملكا بحسن تدبيره وشدّة شكيمته. فولي بعده ابنه هشام بن عبد الرحمن. وكان أصهب خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم [٥٥ أ] سناطا (٢) أعور، له ظفيرتان وبوجهه خال. وكان أخشم لا يشمّ شيئا (٣). وكان شديد البأس سريع الغضب سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، لا يخلد إلى راحة، شديد الحذر. وكان نقش خاتمه: بالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم (٤). وكان فصيحا لسنا شاعرا حليما عالما حازما ورعا سخيّا جوادا، يكثر لبس البياض. وكان يقاس بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدّته وضبط المملكة. ووافقه في أشياء: منها أنّ كلّا منهما أمّه بربريّة. وكان الناس يقولون: ملك الأرض ابنا بربريّة، يعنون عبد الرحمن والمنصور، وذلك أنّ أمّ المنصور سلامة البربريّة، وأمّ عبد الرحمن راح البربريّة. ومنها أنّ المنصور قتل ابن أخيه السفّاح، وقتل عبد الرحمن ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية. وهو الذي بنى الرصافة بقرطبة تشبّها برصافة جدّه هشام بن عبد الملك بدمشق. وكان عبد الرحمن لمّا سار يريد قرطبة في ابتداء أمره قيل له: «كيف تسير بلا لواء؟ » فأتى بقناة وأرادوا إمالتها ليعقد عليها، فأبى أن يميلها كراهة الطيرة وعمد إلى شجرتين بين زيتون متجاورتين فركز القناة بينهما ثم أطلع أبا عثمان فعقد اللواء على القناة وسار به فلم يزل هذا اللواء على تلك القناة عند خلفاء بني أميّة بالأندلس يتباركون به. وإذا أرادوا عقد لواء عقدوه على هذه القناة، إلى أن كانت آخر أيّام عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، فأراد الوزراء عقد لواء فأحضروا القناة فإذا عليها عقدة خلقة فلم يدروا ما هي فأنفوا منها وألقوها عن القناة. فبلغ ذلك شيخ الوزراء الوزير جهور بن يوسف فشقّ عليه فعلهم وقال: إنّما تركت للتبرّك بها- وتطلّبها فلم توجد. ومن حينئذ دخل الوهن في مملكة بني أميّة حتى زالت وانقرضت. والأمير عبد الرحمن أوّل من رتّب الحجابة بالأندلس. وكان حاجبه تمّام بن علقمة. ولم يكن له وزير وإنّما كان له أهل مشورة. وكان على قضائه يحيى بن يزيد التّجيبي ثم معاوية بن صالح الحضرميّ وعمر بن شراحيل، وعبد الرحمن بن طريف اليحصبيّ. وقصده رجل فمثل بين يديه يستجديه وقال: يا

стр. 1482

ابن الخلائف الراشدين والسادات الأكرمين، إليك فررت وبك عذت من زمن ظلوم ودهر غشوم قلّل المال وشعّت الحال وصيّر إلي نداك المآل. فأنت وليّ الحمد وربّي المجد المرجوّ للرّفد. فقال له مسرعا: قد سمعنا مقالتك وقضينا حاجتك وأمرنا بعونك على دهرك، على كرهنا لسوء مقالك. فلا تعودنّ- ولا سواك- لمثله من إراقة ماء [٥٥ ب] وجهك بتصريح المسألة والإلحاف في الطلبة. وإذا ألمّ بك خطب أو حزبك أمر فارفع إلينا في رقعة كيما تستر عليك خللك وتكفّ شماتة العدوّ عنك بعد رفعها إلى مالكنا ومالكك عزّ وجهه بإخلاص الدعاء وحسن النيّة. وأمر له بجائزة حسنة. فخرج الناس يعجبون من حسن منطقه. وكان معاوية بن صالح يتناوب خطّة القضاء للأمير عبد الرحمن هو وعبد الرحمن بن طريف على قرطبة، فأبطأت على معاوية في بعض السّنين فقلق وكتب إلى الأمير يستعيدها ويذكّره وجوبها، فلهي عنه، وأمضي ابن طريف على حاله. فأعاد معاوية الكتاب إليه، فعاتبه الأمير عبد الرحمن وقال: مثلك يستحثّ في عمل طالما لاذ الصالحون منه وفرّوا عنه. فكان من عذره: فإن كنت سألتك الولاية فقد سألها من كان ظلّه في الأرض خيرا منّي، وذاك يوسف النبيّ ﷺ في قول الله تعالى عنه: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف، ٥٥]. وكان ابن طريف عادلا صالحا ورعا، إذا شغل عن القضاء يوما لم يأخذ لذلك اليوم أجرا. ومن شعر الأمير عبد الرحمن، وقد رأى نخلة بالأندلس في الرصافة التي بناها فقال [الطويل]: تبدّت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل فقلت: شبيهي في التغرّب والنوى ... وطول اكتئابي عن بنيّ وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي سقتك غوادي المزن من صوبها اللذي ... يسحّ ويستمري السماكين بالوبل ويذكر أنّه نزل وهو متوجّه في مبدإ أمره بقوم يقال لهم بنو ماسين فأقام عندهم وقال للّذي كان عنده: إن سمعت بأوّل وال ولي الأندلس فارحل إليه-. فلمّا تمّ أمره أتاه الرجل فأقام ببابه مدّة لا يصل إليه حتى ركب عبد الرحمن ذات يوم، فعرض له من بعد، فعرفه ووكّل به من أحضره عنده. وسأله عن أهله وعياله وأمره بطلب ما يريد. فقال: تهب لي غلاما وجارية يرعيان علينا. فقال: نعطيك عشرة من الغلمان وعشرا من الجواري! ثمّ أنزله وأكرمه وبعث في إحضار أهله فلم يشعر البربريّ إلّا بأهله وولده وجميع حشمه عنده، فوسّع عليهم عبد الرحمن وغمرهم بفضله. وكان أبو جعفر المنصور يثني على عبد الرحمن ويقول: ذاك صقر قريش [٥٦ أ] دخل المغرب، وقد قتل قومه، فلم يزل يضرب العدنانيّة بالقحطانيّة، ويكبس القحطانيّة بالعدنانيّة حتى ملك. وكان يدعو لأبي جعفر على المنابر حتى قدم عليه عبد الملك بن عمر بن مروان بن الحكم. فلمّا حضر معه الجمعة وسمع الدعاء لأبي جعفر، أنكره. وقال: إنّ من الحلم لجهلا! وأي هوادة بيننا وبين هؤلاء؟ عدوا علينا فلم يرقبوا فينا إلّا ولا ذمّة واستحلّوا منّا كلّ حرمة وأخرجونا من أرض

стр. 1483

الله الواسعة فألجئوا فلّنا إلى هذه القاصية الشاسعة، ثم ها نحن نساترهم فيها ونمدّ لهم خيط باطلهم بالدعاء لهم؟ أعطي الله عهدا: لئن لم تحوّل الدعوة لهم إلى البراءة منهم لأنقلبنّ على وجهي مبادرا في هذه الأرض العريضة! وقد كان ذلك من هوى عبد الرحمن، إلّا أنّه آثر الأناة إلى أن استضاء برأي ابن عمّه، فترك الخطبة لأبي جعفر وتفرّد بالدعاء لنفسه، وذلك بعد سنة من دخوله الأندلس. ثم شرع في تعظيم قرطبة فجدّد مغانيها وشيّد مبانيها وحصّنها بالسور، وابتنى قصر الإمارة والمسجد الجامع ووسّع فناءه، وأصلح مساجد الكور. ثمّ ابتنى مدينة الرّصافة منتزها له واتّخذ بها قصرا حسنا وجنانا واسعة نقل إليها غرائب الغراس وأكارم الشّجر من بلاد الشام وغيرها من الأقطار. ورأى أوّل ما نزل هذه الرصافة نخلة فذّة فذكّرته باغترابها غربته فقال: تبدّت ... الأبيات. وأشاع في سنة ثلاث وستّين ومائة الرّحيل إلى الشام لانتزاعها من بني العبّاس، وذلك أنّ كتب جماعة ممّن بها من أهل بيته ومواليه وشيعتهتوالت عليه بضعف المسوّدة وفتور فورتهم وثقل دولتهم على الناس. فعمل على أن يستخلف ابنه سليمان بالأندلس في طائفة ويذهب بعامّة من أطاعه، وكمّل من ضروب المماليك أربعين ألفا، فاخترم دون ذلك. ١٤٧١ - النجم البادرائيّ [٥٩٤ - ٦٥٥] (١) [٥٧ أ] عبد الله بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن عثمان بن أحمد، أبو محمد، ابن أبي الوفاء، ابن أبي محمد، ابن أبي سعد، الشيخ نجم الدين، البادرائيّ، البغدادي، الشافعي. ولد ببادرايا (١*) من عمل العراق في صفر سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وسمع من عبد العزيز بن منينا، وأبي منصور [ابن] الرزّاز (٢*)، وتفقّه وبرع في الفقه. ودرّس بالنظاميّة ببغداد، وترسّل عن الديوان العزيز غير مرّة. وحدّث ببغداد ومصر وحلب [ ... ] (٣*). وولي قضاء بغداد كرها فأقام بعد ولايته سبعة عشر يوما. ومات ببغداد في ذي الحجّة سنة خمس وستّين وستّمائة. وكان فاضلا بارعا رئيسا وقورا متواضعا. وله بدمشق مدرسة تعرف بالبادرائيّة كانت تعرف بدار أسامة (٤*)، عمل بها درسا وشرط على المقيم بها أن يكون غير متزوّج، وأن لا تكون كغيرها من المدارس. فلمّا كملت وحضر بها وحضر عنده الملك الناصر يوسف ابن العزيز، قرئ كتاب الوقف فكان من جملته: ولا تدخلها امرأة. فقال السلطان: ولا صبيّ. فقال البادرائيّ: يا مولانا، ربّنا ما يضرب بعصاتين. وجعل عليها أوقافا حسنة، ووقف بها خزانة كتب نافعة. وأوّل من درس فيها الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن التاج الفزاريّ.

стр. 1484

١٤٧٢ - أبو القاسم القزوينيّ [- ٣١٥] (١) [٥٨ أ] عبد الله بن محمد بن جعفر، أبو القاسم، القزوينيّ، الفقيه الشافعيّ. ولي قضاء دمشق نيابة عن محمد بن العبّاس الجمحيّ. وولي قضاء الرملة. وسكن مصر. وحدّث عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عوف، وأبي حفص عمر بن مقلاص، ومحمد بن إسحاق الصاغانيّ، وإبراهيم بن سليمان بن حيّان، والربيع بن سليمان، ومحمد بن اصبغ بن الفرج. وروى عنه أبو بكر المقرئ، وعبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ، عرف بابن السقّاء الواسطيّ، والجيش بن حبيب، وأبو دفافة أسلم بن محمد بن سلامة العثمانيّ، وأبو الحسن عبد الرءوف بن الحسن الدمشقيّ، وأبو الحسين الرازيّ، وأبو القاسم ابن أبي العقب، وأبو الطيّب أحمد بن عديّ، وأبو الحسين بن المظفّر الحافظ، وأبو سعيد ابن الأعرابيّ. قال ابن يونس: كان فقيها على مذهب الشافعيّ. وكانت له حلقة بمصر. وكان قد تولّى قضاء الرملة، فكان محمودا فيما يتولّى. وكان يظهر عبادة وورعا. وكان قد ثقل سمعه شديدا. وكان يفهم الحديث ويحفظ. وكانله مجلس إملاء في داره. وكان يجتمع إليه حفّاظ الحديث وذوو الأسنان منهم. وكان مجلسه وقورا ويجتمع فيه جمع كبير. فخلط في آخر عمره ووضع أحاديث على متون محفوظة معروفة، وزاد في نسخ معروفة مشهورة فافتضح وحرّقت الكتب في وجهه وسقط عند الناس وترك مجلسه، فلم يكن يجيء إليه كبير أحد. وتوفّي بعد ذلك بيسير. وقال عبد الغني بن سعيد الحافظ: سمعت عليّ بن زريق بن إسماعيل يقول: آخذ ما أخذ على عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينيّ روايته عن أبي قرّة عن سعيد بن تليد عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن الزهري عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : «إذا قرب العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء». وأخذ [٥٨ ب] عليه أنّه كان إذا حدّث يقول لأبي جعفر ابن البرقيّ في حديث بعد حديث: كتبت هذا عن أحد؟ فكان ذاك يقول له: نعم كتبته عن فلان وفلان. فلمّا كثر هذا منه قال له القزويني: ما مثلي ومثلك إلّا كشاعر جاء إلى رجل فمدحه بقصيدة. فلمّا فرغ منها وانتظر الجائزة قال له: هذه قصيدة مقولة. فحلف ذلك أنّه ما قالها إلّا هو وأنّه سهر فيها حتى نظمها، فقال له الممدوح: أنا أنشدك إيّاها حتى تعلم أنّها مقولة، فأنشده إيّاها. فأنكر الناس هذا على القزوينيّ مع ما أنكروا عليه واتّهموه بأنّه يفتعل الأحاديث وأنّها ليست عند أحد. ووقّع له البرقيّ: هذا يدّعيها كعادته الكذب. قال عبد الغني: وسمعت أبا الحقّ إبراهيم بن محمد الرغني العدل يقول: قدم علينا ابن مظفّر، وكان رجلا أحول أشجّ فحضر عند القزوينيّ فقال له: إنّ هذا الذي تمليه علينا هو عندنا كثير بالعراق- يريد حديث مصر. فكان ذلك مبتدأ إخراج القزويني حديث عمرو بن الحرث، فكان منه الذي كان من نكير الناس عليه أحاديث أملاها من حديث عمرو. وقال أبو عبد الله الحافظ: سألت أبا الحسن

стр. 1485

الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن جعفر القزوينيّ المحدّث بمصر، فقال: «كذّاب يصنع الحديث، وضع لعمرو بن الحرث أكثر من مائة حديث». وقال لي أبو إسحاق الشيباني: أفسده علينا ابن المظفّر. قلت: وكيف؟ قال: كان يحدّثنا ولم نقف على حاله حتى جاء فقال له: «أين حديث المصريّين: عمرو بن الحرث، وحيوة، وهؤلاء؟ » فوقع في هذه البلايا. وقال أبو جعفر الطحاويّ: «إن كان أبو القاسم قدم إلى مصر فكتب عن شيوخها هذه الأحاديث، ونحن بها لم نكتبها، فما كنّا إلّا بياطرة! ». قال عبد الغني بن سعيد: وممّا أنكر عليه أنّه حدّث عن عبيد الله بن سعيد بن عفير عن أبيه رشدين بن سعد عن عقيل ويونس وعمرو بن الحرث وقرّة عن الزهري فزاد فيها عمرو بن الحرث، والناس يروونها وليس فيها عمرو بن الحارث. فقال حمزة بن يوسف: سألت الدارقطني عن عبد الله بن محمد القزويني القاضي فقال: ضعيف. وقال [٥٩ أ] (١) إبراهيم بن عبد الله بن حصن الأندلسيّ (٢) محتسب دمشق: سألت الدارقطني- يعني: عنه- فقال: «ضعيف كذّاب يضع الحديث. ألّف كتاب سنن الشافعيّ، وفيها مائتا حديث أقلّ أو أكثر لم يحدّث بها الشافعيّ». ثم ذكر عنه الدارقطني مواضع كان يصحّف فيها. وقال عبد الغني بن سعيد: وممّا جرى منه أيضا أنّه كان يصحّف في أسماء شيوخه الذي حدّث عنهم. وقال ابن زبر: مات في سنة خمس عشرة وثلاثمائة. ١٤٧٣ - الحافظ النيسابوريّ [٢٣٨ - ٣٢٤] (١*) [٦٠ أ] عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، أبو بكر، النيسابوريّ، الفقيه الشافعي، الحافظ، مولى [آل] عثمان بن عفّان. سمع بالعراق وبمصر والجزيرة والشام من العبّاس بن الوليد بن مزيد، وأحمد بن محمد بن أبي الحناجر، وأب [ي] بكر محمد بن عبد الرحمن بنالأشعث الدمشقي وأب [ي] حميد عبد الله بن محمد بن تميم، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، والربيع بن سليمان، ووفاء بن سهل وأب [ي] زرعة الرازي وجماعة. وكتب عنه موسى بن هارون الجمّال، وهو أكبر منه. وروى عنه أبو العبّاس بن سعيد، وحمزة بن محمد الكنانيّ، ودعلج بن أحمد، وأبو حفص بن شاهين، وطائفة. وسكن بغداد. وكان إمام الشافعيّين في عصره بالعراق، ومن أحفظ الناس للف [ق] هيّات واختلاف الصحابة. وكان حافظا للحديث متقنا عالما بالفقه والحديث موثّقا في روايته. قال الدارقطني: «ما رأيت أحفظ منه». وفي رواية: «لم نر مثله في مشايخنا، لم نر أحفظ منه للأسانيد

стр. 1486

والمتون. وكان أفقه المشايخ. جالس الربيع والمزنيّ، وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون. ولمّا قعد للحديث قالوا: حدّث! قال: بل سلوا! فسئل عن أحاديث فأجاب فيها وأملاها. ثم بعد ذلك ابتدأ فحدّث. وقال يوسف بن عمر بن مسرور: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: «من الناس من أقام أربعين سنة لم ينم الليل ويتقوّت كلّ يوم بخمس حبّات ويصلّي صلاة الغداة على طهارة العشاء الآخرة». ثم قال: «أنا هو، وهذا كلّه قبل أن أعرف أمّ عبد الرحمن، إيش لمن زوّجني؟ » ثم قال: ما أراد إلّا الخير. وتوفّي في رابع ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ومولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين. ١٤٧٤ - موفّق الدين الحجّاويّ ٦٩١ - ٧٦٩] (١) [٦١ أ] عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي، قاضي القضاة، موفّق الدين، أبو محمد، ابن أبي عبد الله، الحجّاوي، المقدسي، الحنبلي. ولد بعد سنة تسعين وستّمائة. وقدم دمشق سنة سبع عشرة وسبعمائة، فسمع من أبي بكر ابن عبد الدائم، وعيسى المطعّم وجماعة، وعني بالرواية، وبرع في المذهب. وقدم القاهرة فوّلاه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء القضاة الحنابلة بالقاهرة ومصر بعد عزل تقيّ الدين أحمد بن عزّ الدين بن عمر بن عبد الله في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بسفارة الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا (١*). وقد اشتهر بمعرفة الفقه والحديث، فباشر القضاء بقوّة وصرامة وعفّة زائدة ونزاهة، وتخشّن في معيشته، واقتصاد في ملبسه، ومهابة وديانة، وأوصاف كلّها جميلة، إلى أن مات يوم الخميس سابع عشر من المحرم سنة تسع وستّين وسبعمائة عن ثمانين سنة أو تسع وسبعين سنة لأنّه كان يشكّ في مولده. وكان رجلا عاقلا سيوسا، صدرا من صدور أهل الإسلام، ورأسا من رءوس الأئمّة الأعلام، غير محاب لأحد ولو جلّ قدره ونفذ أمره. يؤاخذ حتى بالكلمة الواحدة، مع قوّة النفس وإمضاء الحكم وعدم مراعاة الجاه: رفع إليه أنّ الشيخ مغلطاي المحدّث (٢*) صنّف كتاب «الواضح المبين فيمن استشهد من المحبّين»، وأنّه ذكر في حقّ أمّ المؤمنين ﵂، وحبّ رسول الله ﷺ إيّاها، ما يجلّ مقامهما عن إيراد ذلكفي جملة أخبار المحبّين. فاستدعاه إلى مجلس حكمه ومعه الكتاب المذكور. فلمّا اعترف أنّه صنّفه بطريقة (٣*)، أمر به فضرب وكشف رأسه وسجن، ولم يخش فيه جاها. ورفع إليه الشيخ أثير الدين أبو حيّان على الشيخ جمال الدين بن عبد الله بن هشام أنّه كتب على بعض مصنّفاته: «كذب أبو حيّان» في كلام

стр. 1487

من جنس ذلك. فأقامه وكشف رأسه وبعثه إلى السجن. وقدم إليه مرّة مكتوب ليثبته، فأدّى الشهادة فيه ثلاثة، فقبل منهم اثنين وردّ واحدا. فأتاه بعد انفضاضهم من مجلس قضائه، وسأله عن موجب ردّ شهادته، فقال: رأيتك منذ أيّام مارّا بأرض الطّبالة [٦١ ب] وأنا راكب لحاجة لي. فقال: يا مولانا، هب أنّي كنت هناك لما ظننتموه بي، فمولانا قاضي القضاة كان هناك، ما يصنع؟ فأطرق ساعة ثم طلب المكتوب واستعاده الشهادة، وأعلم له تحت خطّه وصرفه مكرّما. وهذا من إنصافه، فإنّ أرض الطبّالة خارج القاهرة موضع مشهور بالفساد. فلمّا علم أنّه كان مرّ لحاجة، فإنّ الشاهد يجيب بأنّه أيضا إنّما مرّ لحاجة، ومهما لزمه في مروره من هناك لزم القاضي حمل مروره على وجه جميل وقب [و] ل شهادته. ١٤٧٥ - ابن حزم القلعي الأندلسيّ [- ٣٨٣] (١) [٦٢ أ] عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف، أبو محمد، القلعيّ، من قلعة أيّوب بالأندلس، الثغريّ. كان فقيها فاضلا ورعا صليبا في الحقّ لا يخاف في الله لومة لائم. كان يشبه سفيان بن سعيد الثوري في زمانه. استقضاه الحكم المستنصر بالله الأمويّ في موضعه. ثم استعفاه فصرفه. سمع بالأندلس كثيرا. ودخل العراق فسمع من أبي علي ابن الصوّاف العلل لأحمد بن حنبل وغير ذلك، ومن أبي بكر أحمد بن جعفر بن مالك بن حمدان. وبالبصرة من أبي إسحاق الهجيميّ ونظرائه. وبدمشق من أبي العقب الدمشقي وغيره. وبمصر من عبد الله بن جعفر بن الورد وطبقته. وعاد إلى الأندلس فلزم العبادة والجهاد. وبعد انصرافه كانت ولايته القضاء (١*) وكان صرفه لإنكاره بعض أسباب السلطان. فأقام بقرطبة يقرئ الناس، فسمع عليه محمد بن أحمد بن يحيى القاضي، وأحمد بن عون الله، وعبّاس بن أصبغ، وإسماعيل بن إسحاق، وجماعة. ونفع الله به عالما كثيرا. وتوفّي لثماني عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة عن ثلاث وستّين سنة بقلعة أيّوب. ١٤٧٦ - ابن قاضي دارا الكاتب [٥٨١ - ٦٤٤] [٦٣ أ] عبد الله بن المختار بن محمد بن محمد ابن شريف، فخر الدين، أبو محمد، ابن القاضي شمس الدين أبي محمد، الزهري، الكاتب، المعروف بابن قاضي دارا. ولد في سابع عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بدارا. وتوفّي في شوّال سنة أربع وأربعين وستّمائة [ ... ] (٢*). ومن شعره ما كتب به إلى الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن شكر، وقد تغيّر على أخيه شهاب الدين أبي عبد الله محمد ابن قاضي دارا [الكامل]:

стр. 1488

عفوا فمثلك من يقيل ويغفر ... وتجاوزا، فبك التجاوز أجدر! لا تأخذنّي إن جنى غيري، فما ... غيري أنا، ولكلّ عود مخبر فأخو الشقا قابيل أشهر قصّة ... وأخوه من تثنى عليه الخنصر وكذا ابن نوح وهو أقرب نسبة ... ما ضرّ نوح [ا] كفره إذ يكفر (١) ومن شعره قوله [السريع]: أتعبني الحرص على أنّني ... أعلم أنّ الخالق الرّازق فليبك منّي أمل كاذب ... يضحك منه أجل صادق وقال (الكامل): أخلاق صاحبنا كشتوة عامنا ... لا يستقيم على نظام ناضد بينا نرى منها السماء نقيّة ... جاءت ببرق زائد ورواعد ومن البليّة أن تعاشر صاحبا ... يرضى ويسخط في زمان واحد وكتب إلى فخر القضاة نصر الله بن بصاقة (٢) [الكامل]: عجبا لمثلك كيف ينسى ذاكرا ... وكذا لمثلي كيف يذكر ناسيا؟ بعد المدى ورزقت قلبا ليّنا ... يشكو الجوى ورزقت قلبا قاسيا شتّان بيني في الوفاء وبين من ... آسى عليه ولا أراه آسيا ١٤٧٧ - الخليفة أبو العبّاس السفّاح [- ١٣٦] (١*) [٦٤ أ] عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو العبّاس السفّاح أمير المؤمنين، ابن أبي عبد الله [محمد] ذي الثفنات (٢*)، ابن أبي محمد [علي] السجّاد ، ابن حبر الأمّة وترجمان القرآن أبي العبّاس [عبد الله] ابن أبي الفضل [العبّاس] عمّ رسول الله ﷺ ، الهاشميّ العبّاسي، المعروف بابن الحارثيّة (٣*)، أوّل خلفاء بني العبّاس. قدم مصر قبل أن يلي الخلافة هو وأخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد وعمّهما عبد الله بن علي، وقد تقدّم ذكر جدّ أبيه عبد الله بن عبّاس ﵁ (٤*). [عليّ السجّاد] ولد جدّه علي بن العبّاس- وهو السجّاد- ليلة قتل ابن عمّ أبيه علي بن أبي طالب ﵁ في شهر رمضان سنة أربعين، فسمّاه أبوه عليّا. وقيل: ولد في حياة عليّ فحنّكه (٥*) ودعا له، ثم قال لأبيه: خذ إليك أبا الأملاك، وقد سمّيته عليّا- وفي هذا نظر. وكان عليّ بن عبد الله أصغر بني أبيه، وفيه

стр. 1489

الجمهرة والعدد والبيت والخلافة، ولا عقب لعبد الله بن عبّاس إلّا منه. وكان إماما عالما محدّثا زاهدا يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة- ويقال: ألف سجدة. وولد [له] أبو عبد الله محمد بن عليّ، وهو ذو الثفنات، شبّه أثر السجود بجبهته وأنفه ويديه بثفنات البعير. وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة وأشهر (١). فلمّا شابا خصّب علي بالسواد، وخضّب محمد بن عليّ بالحنّاء فلم يكن يفرّق بينهما إلّا بخضابهما لتشابههما وقرب سنّ بعضهما من بعض. وكان عليّ أثيرا عند عبد الملك بن مروان، كريما عليه، حتّى طلّق عبد الملك «أمّ أبيها» (٢) بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فتزوّجها عليّ، فتغيّر له وثقل عليه فبسط لسانه بذمّه وقال: إنّما صلاته رياء. وكان الوليد بن عبد الملك سمع ذلك من أبيه، فلمّا ولي الخلافة أقصاه وشتمه. فرأى عبد الملك في منامه يقول له: يا هذا، ما تريد من علي بن عبد الله؟ قد ظلمته. والله لا يبتزّكم أمركم ولا يسلب ملككم إلّا ولده! فازداد بذلك بغضه له، وتجنّى عليه حتى ضربه بعد ما أقامه في الشمس، وصبّ عليه الزيت فوق رأسه، وألبسه جبّة صوف وحبسه. وجعل يخرجه كلّ يوم فيقام في الشمس. وكتب إلى الآفاق بأنّ عليّ بن عبد الله قتل أخاه سليطا. ثم أمر أن ينفى إلى دهلك (٣). فكلّمه أخوه سليمان بن عبد الملك فيه وسأله ردّه. فأرسل من يحبسه حيث لحقه، وأذن له أن ينزل الحجر (١*). فلمّا هلك الوليد وولي سليمان بن عبد الملك الخلافة بعده. ردّ عليّ بن عبد الله إلى دمشق. وكان يروي أثرا في نزول الشّراة (٢*) فانتقل إليها، ونزل الحميمة. وكان يوما عنده ابنه محمد بن عليّ، وأبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة، فقال: يا أبا هاشم، إنّ أهل المغرب يؤمّلونك. وقال [٦٤ ب] لابنه محمد بن علي: «إنّ أهل المشرق يلومونك». ثم نظر إلى حمار بين شجرتين فقال: والله لا تليان حتى يلي هذا الحمار! كبرتما عن سنّ صاحب هذا الأمر. وتوفّي علي بالحميمة سنة ثماني عشرة ومائة. وكانت الشيعة تروي أنّ الإمام محمد بن علي، فتظنّ أنّه ابن الحنفيّة. فلمّا مات ابن الحنفيّة قالوا: الإمام ابنه أبو هاشم عبد الله بن محمد. فلمّا سمّ أبو هاشم في طريقه وهو يريد الحجاز عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بالحميمة فأوصى إليه وأعطاه كتبه وجمع بينه وبين قوم من الشيعة فقال: «إنّا كنّا نظنّ أنّ الإمامة والأمر فينا. فقد زالت الشّبهة وصرّح اليقين بأنّك الإمام وأنّ الخلافة في ولدك. فعليك بالكوفة فإنّ فيها شيعتك وأهل مودّتك. واجتنب الشام، فليس يحتمل دعاتك ولا يصلح لهم. وعليك بخراسان! ». فوجّه إلى خراسان رجلا وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد ولا يسمّي أحدا. ويقال إنّه قال له: إنّي ميّت، وقد صرت إليك. وهذه وصيّة أبي، وفيها أنّ الأمر صائر إليك وإلى

стр. 1490

ولدك، والوقت الذي يكون فيه ذلك، والعلامات، وما ينبغي لكم أن تعملوا به، على ما سمع وروى عن أبي، عليّ بن أبي طالب ﵁. فاقبضها إليك، واعلم أنّ صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله ابن الحارثيّة، ثم عبد الله أخوه. فإذا مضت سنة الحمار فوجّه رسلك بكتبك نحو خراسان والعراق. وعرّفه ما يعمل. وكان أبو هاشم قد أعلم شيعته من أهل خراسان والعراق عند تردّدهم إليه أنّ الأمر صائر إلى محمد بن عليّ، وأمرهم بقصده. فلمّا مات أبو هاشم في سنة تسع وتسعين قصدت الشيعة محمد بن علي ومالت إليه. وثبّتت إمامته وإمامة ولده، وبايعوه، وبايعوا ابنه إبراهيم الإمام على ذلك. وكان الخراسانيّون الذين قدموا لطلب الإمام يقولون: هذا أمر لا يصلح إلّا لذي شرف ودين وسخاء، فيتبعه قوم لشرفه وآخرون لدينه وآخرون لسخائه. فأتوا رجلا من ولد علي بن أبي طالب ﵁ فدلّهم على محمد بن عليّ ذي الثفنات وقال: هو صاحبكم ومن أفضلنا. فأتوه. واختار خراسان وقال: لا أرى بلدا إلّا وأهله يميلون إلى غيرنا: أمّا أهل الكوفة فميلهم إلى ولد عليّ بن أبي طالب. وأما أهل البصرة فعثمانيّة. وأما أهل الشام فسفيانيّة مروانيّة. وأمّا أهل الجزيرة فخوارج. وأما أهل المدينة فقد غلب عليهم حبّ أبي بكر وعمر ﵄، ومنهم من يميل إلى الطالبيّين. ولكنّ أهل خراسان قوم فيهم الكثرة والقوّة والجلد وفراغ القلوب من الأهواء. ٢ فبعث إلى خراسان محمد بن حبيش، وأبا عكرمة السرّاج- وهو أبو محمد الصادق- وحيّان العطّار (١*). [وبعث] أبا رباح ميسرة مولى بني أسد إلى الكوفة بمشورة أبي هاشم. وقد كان أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة سمّى له قوما من أهل الكوفة. فقدم على محمد بن عليّ ناس من أهل خراسان من الشيعة بعد مولد أبي العبّاس عبد الله بن محمد فأخرجه إليهم في خرقة، وعمره خمسة عشر يوما، وقال: «هذا صاحبكم الذي يتمّ الأمر على يده! » فقبّلوا أطرافه. وكانت ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فمات عنها، فتزوّجها بعده الحجّاج بن عبد الملك بن مروان، فطلّقها، فقدم محمد بن عليّ السجّاد من الشّراة (٢*) وهو يريد الصائفة، فسأل عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ خليفة، أن يأذن له في تزوّجها، فقال: «ومن يمنعك- رحمك الله! - من ذلك، إن رضيت؟ هي أملك لنفسها». فتزوّجها بحاضر قنّسرين في دار طلحة بن مالك الطائيّ، واشتملت منه على أبي العبّاس عبد الله بن محمد- السفّاح- وولدته في سنة مائة، ويقال: في سنة إحدى ومائة (٣*). وكان [٦٥ أ] محمد بن عليّ يقول: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية يزيد، ورأس المائة، وفتق بإفريقيّة. فعند ذلك تدعو لنا الدعاة ثمّ يقبل أنصارنا من المشرق حتّى يوردوا خيولهم أرض المغرب، وسيخرجون ما كنز الجبّارون فيها.

стр. 1491

فلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقيّة سنة اثنتين ومائة (١)، وانتقضت البربر، بعث محمد بن عليّ إلى خراسان وأمر أن يدعى إلى الرّضى من آل محمّد ولا يسمّى أحد. فاستجاب لهم من استجاب [و] دفعوا كتبهم إلى ميسرة فبعثها إلى محمد بن عليّ. فلمّا صاروا سبعين اختار منهم أبو محمد الصادق اثني عشر نقيبا، وهم: أبو علي سليمان بن كثير مولى خزاعة، وقيل: هو سليمان بن كثير بن أميّة بن إسماعيل بن عبد الله بن المؤتنف بن عمرو بن عامر بن ملك بن أفصى، من أنفسهم. وأبو موسى بن كعب التميميّ، وأبو نصر مالك بن الهيثم [الخزاعيّ]، وأبو حامد القاسم بن مجاشع التميميّ، وأبو النضر لاهز بن قريظ [التميميّ]، وأبو الحكم عيسى بن أعين، وأبو حمزة عمرو بن أعين الخزاعيّ، وأبو عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائيّ، واسمه زياد، وأبو إسماعيل شبل بن طهمان الربعيّ، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى [آل] أبي معيط، وأبو داود خالد بن إبراهيم [، من بني شيبان بن ذهل] وأبو منصور طلحة بن رزيق [الخزاعيّ]. (ومنهم من يجعل زياد بن صالح مكان أبي النجم عمران بن إسماعيل (٢)، ويجعل العلاء بن حريث مكان عيسى بن أعين). وكتب لهم محمد بن [علي] كتابا ليسيروا بسيرته ويكون لهم مثالا يقتدون به (٣). ووفد محمد ذو الثفنات على هشام بن عبد الملك. فلمّا دخل عليه قال له: ما جاء بك؟ قال: حاجة يا أمير المؤمنين. قال: انتظر بها دولتكم التي تتوقّعونها وترودون فيها الأحاديث وترشّحون لها أحداثكم. فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين. فقال هشام: إنّ عامل ناحيتك كتب يعلمنا أنّ الولاة قبله تركوا لكم من الخراج مائة ألف درهم في سنين بغير حقّ واجب، فأدّ ذلك! وأمر أن يؤخذ بالمائة الألف ويقام في الشمس ويبسط عليه العذاب. [أبو مسلم الخراسانيّ] وكان في عسكر هشام يومئذ أبو موسى عيسى ابن إبراهيم السّراج، ومعه أبو مسلم، يتعلّم منه السّراجة ويخدمه. وكان عيسى من رؤساء الشيعة بالكوفة، وكان موسرا يأتي بالسروج وآلتها أصبهان والرقة والجبال ونصيبين وآمد ونواحي البلاد فيبيعها بها. فجمع نفرا من الشيعة ذوي يسار، وانطلق بهم إلى سالم كاتب هشام، فضمنوا ما على محمد بن عليّ، وجعلوا يردون عليه الأوّل فالأوّل، وأبو مسلم يأتي محمدا برسالة صاحبه وألطافه وما يجب من الأخبار. فلمّا أدّيت المائة الألف كلّم هشام في محمد فخلّى سبيله [٦٥ ب] فرجع إلى الحميمة. ورجع أبو موسى السرّاج إلى الكوفة، ومعه أبو مسلم، وهو يومئذ ابن عشرين سنة، واسمه إبراهيم بن حيكان، فتسمّى عبد الرحمن بن مسلم. ويقال إنّ الذي سمّاه عبد الرحمن وكنّاه أبا مسلم إبراهيم بن محمد الإمام. وكان هشام أراد أن يحبس محمدا وولده وقال إنّهم يزعمون أنّ الخلافة تصير إليهم، وقد استشرف الناس لهم. فقال له سعيد بن الوليد بن عبد عمرو [بن

стр. 1492

جبلة] المعروف بالأبرش الكلبيّ (١): إن كان في المقدور أن ينالوا الخلافة، فلا بدّ والله من أن ينالوها! فلا تقطع أرحامهم، وتأثم بربّك فيهم، بل صانعهم، فإنّ مصانعتك إيّاهم خير لعقبك. هذا هو الرأي والحزم. وإلّا يكونوا من هذا الأمر في شيء، فما خوفك لما ليس بمقدور؟ على أنّ إظهارك التخوّف لهم تنبيه للناس عليهم. فأمسك هشام عند ذلك عن محمد. وكان عبد الملك بن مروان قد نظر إلى محمد وهو غلام، وكان محمد جميلا، فقال: هذا والله يفتن المرأة الشريفة! فقال خالد بن يزيد بن معاوية (٢): أمّا والله إنّ ولده لأصحاب هذا الأمر. فقال عبد الملك: كلّا! فقال خالد: هو والله ذاك. إنّ تبيعا (٣) أخبرني عن كعب أنّ هذا الأمر يصير إلى بني العبّاس، وأنّه لا يليه رجل من آل أبي طالب إلّا أن يخرج على وال فيقتل، وأنّها لولد العبّاس إلى أن ينزل المسيح. وقعد هشام بن عبد الملك يوما في منظرة له فرفع له ركب، فقال: يا غلام، ائتني بخبر هؤلاء. فمضى بعض من كان بين يديه حتى تلقّاهم فقال: من أنتم؟ قالوا: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس وإخوته. قال: فما أقدمكم؟ قالوا: قدمنا لنشكو إلى أمير المؤمنين حالنا وديننا. فرجع إلى هشام فأخبره فقال: ارجع فقل لمحمد بن عليّ: ارجع من حيث جئت وانتظر أن يقضي دينك ودين أخويك ابن الحارثيّة- يعني أبا العبّاس. فقال محمد: قل لأمير المؤمنين: إن كان صائرا إلى ابن الحارثيّة، فما عليك أن يكون لكم عنده يد؟ وإلّا يكن ذلك، فعلام تحرمنا فضلك وصلتك وعائدتك؟ فقال هشام للرسول: قل له ما قلت لك وأزعجهم حتى يرجعوا عودهم على بدئهم. فقال محمد: دعونا لنريح فقد نصبنا وتعبنا. فأبلغ قوله هشاما فأذن لهم فأراحوا. فلمّا جنّ الليل أتى محمد بعض جلساء هشام فعرض عليه مالا، فلم يقبله. وسأله عن ابن الحارثيّة فأراه إيّاه، وهو صبيّ. ثم رجع إلى الشراة [٦٦ أ] وقال: اللهمّ، إنّ هذا بعينك. وكانت له بالحميمة خمسمائة شجرة، فكان يصلّي تحت كلّ شجرة ركعتين. وكان إماما عالما محدّثا عدلا. أخرج له مسلم في صحيحه. وفيه البيت والعدد والخلافة. [دعاة بني العبّاس] وكان محمد بعث رجلا إلى خراسان كما تقدّم ذكره. فما زال بها حتى مات. فقدم قحطبة وسليمان بن كثير إلى الكوفة فلم يعرفا الإمام. فأتيا المدينة فسألا محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عن الإمام فقال: هو منّا، وهو بالشام.

стр. 1493

فلقيا محمد بن علي بن عبد الله فذاكراه أمرهم وسألاه أن يبعث إلى خراسان رجلا معهما. [ف] كتب إلى أبي عكرمة الصادق- واسمه زياد بن درهم- وهو بالكوفة، فخرج معهما إلى خراسان. ويقال: بل كتب إلى ميسرة في توجيه رجل يثق به، فوجّه أبا عكرمة. فلمّا صار بخراسان اكتنى بأبي محمد وتسمّى «ماهان». فلم يزل حتى قدم أسد بن عبد الله، أخو خالد بن عبد الله القسريّ، واليا على خراسان من قبل أخيه في أيّام هشام بن عبد الملك. فسعى إليه جبلة بن أبي داود حسين بأبي عكرمة وأصحابه. فقتل أسد أبا عكرمة وضرب أبا داود خالد بن إبراهيم ألفا- ويقال ثلاثمائة- وأمر به فضرب حتّى عمش. ثم كلّم فيهم ورشا بعضهم حتّى تخلّصوا. ومكث محمد لا يبعث أحداسنة. ثم بعث أبا الحسن كثير بن سعد فأقام ثلاث سنين ثمّ قدم. فبعث محمد بن عليّ عمّار بن يزداد فتسمّى بخمّاش بن يزيد. ويقال إنّ عمّارا هذا كان فاخرانيّا من أهل الحيرة نصرانيّا، ثم أظهر الإسلام وصار معلّما بالكوفة. فلمّا مات ميسرة صيّر محمد بن علي بكير بن ماهان أبا هاشم مكانه- ويقال: بل صيّر سالما الأعمى أبا الفضل بالكوفة بوصيّة ميسرة، وصار بكير بعده بالكوفة فوجّه بكير عمّارا هذا، فغيّر سنن الإمام وبدّل ما كان من سيرة من قبله وحكم بأحكام منكرة مكروهة- فقيل: خدّش خدّاش الدين- ثم وثب به أصحاب محمد بن عليّ فقتلوه. ويقال: بل قتله أسد بن عبد الله وصلبه. وكان هشام بن عبد الملك عزل خالدا فانصرف أسد عن خراسان معزولا وولّى هشام الجنيد [٦٦ ب] بن عبد الرحمن، ثم ولّى هشام أشرس بن عبد الله السلميّ، ثم عاصم بن عبد الله الهلالي. ثم أعيدت خراسان إلى خالد بن عبد الله فولّى أسدا، فكان لا يظفر بداعية ولا مدعوّ إلّا ضرب عنقه وصلبه، حتى أخذ سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، ولاهز بن قريط، وخالد بن إبراهيم، وطلحة بن رزيق. فأتي بهم فقال: يا فسقة، ألم أظفر بكم في مرّتي الأولى فعفوت عنكم؟ (١*). فقالوا: والله ما نعرف إلّا طاعة أمير المؤمنين هشام، وإنّه لمكذوب علينا. فدعا بموسى بن كعب فقال: يا ذا الثنايا، أعليّ تتوثّب، وفي سلطاني تدغل ثم تدعو هذه السّفلة إلى هذه الدعوة الضالّة؟ وألجمه بلجام حمار- ويقال بإيوان (٢*) - ثم أمر به فجذب حتّى حطّمت أسنانه، ثم أمر به فرتم (٣*) أنفه. وأمر بلاهز فضرب ثلاثمائة سوط وحبس. ثم طلب فيهم نفر من الأزد وشهدوا لهم بالبراءة فخلّى سبيلهم. وشخص بكير إلى خراسان فأصلح ما كان خدّاش أفسده، وردّ الناس إلى أمر الإمام وسنّته. [أبو سلمة الخلّال] فلمّا احتضر أوصى إلى أبي سلمة حفص بن سليمان الداعية مولى همدان (٤*)، وهو صهره، وكان صيرفيّا، ويقال: خلّالا. وكتب إلى محمد بن علي الإمام باستخلافه إيّاه لرضا [ئ] هـ مذهبه وثقته ونصيحته. فكتب إليه محمد بن علي بالقيام بما كان بكير بن ماهان يقوم به.

стр. 1494

وكان سليمان بن كثير القائم بأمر خراسان. فلمّا مات أسد (١) بخراسان ولّى خالد أمرها جعفر بن حنظلة البهراني. ثم عزل خالد عن العراق بيوسف بن عمر [الثقفيّ]. فولّى هشام خراسان نصر بن سيّار وأمره بمكاتبة يوسف. وقدم على الإمام محمد بن عليّ سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب في رجال آخرين، ومعهم أموال وكسى فأوصلوا ذلك إليه. فقال لهم: ما أظنّكم تلقو [ن] ني بعد عامي هذا. فإن حدث بي حدث فصاحبكم إبراهيم بن محمد، وأنا أوصيكم به خيرا، فقد أوصيته بكم. ومات محمد بن علي سنة أربع وعشرين ومائة، وترك أولادا، منهم عبد الله أبو العباس ابن الحارثيّة، وعبد الله أبو جعفر، وإبراهيم الإمام فيآخرين. فصار الأمر إلى إبراهيم الإمام، ابن محمد ذي الثفنات، ابن عليّ السجّاد. [إبراهيم الإمام وابتداء أمر أبي مسلم] وكان أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم من أهل ضياع بني معقل العجليّين بأصبهان أو غيرها من الجبل، يسمّى إبراهيم بن جيكان، فسمّاه الإمام إبراهيم عبد الرحمن وكنّاه أبا مسلم. وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين بالكوفة مع قوم حبسهم [٦٧ أ] يوسف بن عمر من أهل الجبل بسبب الخراج، فكان أبو مسلم يخدمهما ويقضي حوائجهما. وهو في ذلك مع أبي موسى السرّاج صاحبه يخرز الأعنّة ويعمل السروج، وله بضاعة في الأدم. وكان عاصم بن يونس العجليّ محبوسا بسبب فساد، فكان يخدمه أيضا، وكان شيعيّا. فقدم سليمان بن كثير ولاهز وقحطبة الكوفة يريدون الحجّ، فدخلوا على عاصم مسلّمين فوافوا أبا مسلم عنده، فأعجبهم عقله وظرفه وأدبه وشدّة نفسه وذهابه بها. ومال إليهم فعرف أمرهم فقال: أنا أصاحبكم وأكون معكم. فسألوا أبا موسى السرّاج أن يعينهم به- وكان من كبار الشيعة- ففعل. وكتب معه كتابا إلى إبراهيم الإمام، وقد كان علم أنّ إبراهيم يريد الحجّ في سنته، وأنّ القوم واعدوه الالتقاء بمكّة فأعطوه عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأوصلوا إليه كسى حملوها له. ورأى إبراهيم الإمام فعرفه وأثبته لأنّه كان يراه أيّام اختلافه إلى أبيه في محبسه. وتأمّل أمره وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وجزالته فقال: «هذا عضلة (١*) من العضل! » ومضى به فكان يخدمه. ثم إنّ هؤلاء النقباء قدموا على إبراهيم [مرّة أخرى] يطلبون رجلا يتوجّه معهم إلى خراسان. فعرض على سليمان بن كثير أن يكون ذلك الرجل فأبى، وعرض مثل ذلك على قحطبة فأبى. فأراد توجيه رجل من أهل بيته فكره ذلك. وذكرا أبا مسلم فأطرياه ووصفا عقله وعلمه بما يأتي ويذر. فاستخار الله ووجّهه إلى خراسان. فنزل على سليمان بن كثير، فكان- والشيعة جميعا- له مكرمين مبجّلين سامعين مطيعين. وجعل أمره ينمي (٢*) حتى كان منه ما كان. ويقال: كان أبو مسلم لبعض أهل هراة أو بوشنج (٣*). فقدم مولاه على الإمام وقدم به معه، فأعجبه عقله فابتاعه منه بألفين وعشرين درهما وأعتقه. ومكث عنده سنين، ثم وجّهه إلى خراسان.

стр. 1495

وقال هشام بن الكلبي: كان أبوه من خول آل معقل، فأسلم إلى أبي موسى السرّاج، فكان معه، وقدم أبو موسى الكوفة. فبينا أبو مسلم يخرز شيئا في يده إذ رأى الناس يتعادون فقال: ما هذا؟ قالوا: ههنا فيل ينظر الناس إليه. فقال: وأيّ عجب في الفيل؟ إنّما العجب أن تروني وقد قلبت دولة وقمت بدولة. ويقال: كانت أمّه أمة لبني معقل، وكان أبوه من ضياعهم [٦٧ أ] فأتى الكوفة معهم، فابتيع للإمام. ويقال: إنّه من أهل أصبهان، وأنّ رجلا من ضبّة اختدمه وهو صبيّ فأقدمه الكوفة. ويقال: إنّ أباه كان من أهل بابل أو خطرنيه (١) وكيلا للعجليّين، وكان اسمه زاذان بن بيداد هرمز، وأمّه وشيكة. فقدم العراق مع عيسى بن معقل، فكان يخدمه في سجن الكوفة ويسمع قول الشيعة فمال إليهم (٢). ويقال إنّه كان يسمّى إبراهيم وكان يقال لأبيه عثمان، وأنّه من ولد كسرى (٣)، وأنّ الإمام كان يبعثه إلى خراسان بكتبه إلى سليمان بن كثير فيمضي على حمار له، ثمّ أنّه عزم على توجيهه إلى خراسان. وذكر قوم أنّه كان عبدا للعجليّين فأسلموه إلى أبي موسى فتعلّم منه السّراجة، فابتيع للإمام بسبعمائة درهم وأهدي إليه، وأنّ اللذين أهدياه سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ. فكان يختلف إلى خراسان يبعثه الإمام بكتبه إلى سليمان بن كثير على حمار له. فجاءه مرّة وقد غاب [سليمان] فلم يعرض عليه خادم سليمان الطعام احتقارا له، فلامه سليمان على ذلك. ولمّا وجّهه إبراهيم إلى خراسان قال له (١*): إنّك منّا أهل البيت. انظر هذا الحيّ من اليمن فأكرمهم واسكن بين أظهرهم، فإنّ الله لا يتمّ هذا الأمر إلّا بهم. واتّهم ربيعة في أمرهم. وأمّا مضر فإنّهم العدوّ القريب الدار. واقتل [من] شككت فيه. وإن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل. وأيّما غلام بلغ خمسة أشبار تتّهمه فاقتله. ولا تخالف هذا [الشيخ]- يعني سليمان بن كثير- ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به. وبعث براية النصر إليه، فسار إلى خراسان، وقد كتب محمد بن علي معه إلى من بها من أوليائه بالسمع والطاعة، وإلى أبي سلمة حفص بن سليمان الخلّال الداعية يعلمه توجيهه إيّاه، ويأمره بإنفاذه إلى خراسان. فنزل على سليمان بن كثير فكان يجلّه ويوقّره ويعظّم أمره، حتى إذا ظهر أمر أبي مسلم والدعاة بخراسان، وعليها نصر بن سيّار، دسّ نصر رجلا استأمن إلى أبي مسلم وأظهر الدخول معه في أمره، فعرف أنّ الذي يكاتبهم ويكاتبونه ويدعون له [هو] إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس فكتب بذلك نصر بن سيّار إلى مروان بن محمد. فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك- وقد نفى بعضهم أن يكون لمعاوية ابن يقال له الوليد- عامله على دمشق أن يكتب إلى عامله على البلقاء (٢*) في المسير إلى كداد (٣*) والحميمة وأخذ إبراهيم بن محمد بن علي وشدّه وثاقا وحمله إليه

стр. 1496

في خيل كثيفة تحتفظ به، فإذا وافى إلى ما قبله أنفذه إليه مع من يقوم بحفظه وحراسته. فأتي إبراهيم وهو في مسجد القرية فأخذ ولفّ رأسه وحمل إلى دمشق فأنفذه الوليد بن معاوية إلى مروان. وكان معه عدّة من أهله قد شيّعوه، فيهم عبد الله بن عليّ، وعيسى بن علي، وعيسى بن موسى، فانصرفوا من حرّان. ووبّخ مروان إبراهيم حني أدخل إليه فاشتدّ لسان إبراهيم عليه فيما [٦٨ أ] خاطبه به. وقال له مروان: أيرجو مثلك أن ينال الخلافة؟ فقال: رجوتها وقلّدتها، وأنت ابن طريد رسول الله ﷺ ولعينه، ولا أرجوها، وأنا ابن عمّه ووليّه؟ ولقد علمنا أنّ الذي يذكر من بغضك بني هاشم ومن شرفوا حقّ. فأمر به إلى الحبس فحبس بحرّان في سجنها، وكان فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. ثم بعث مروان في بعض الليالي حاجبه صقلاب، ومعه عشرون من مواليه، خزر وصقالبة وروم، إلى السجن، ومعهم صاحب السجن ففتح لهم فدخلوا ثم خرجوا، فأصبح إبراهيم وعبد الله بن عمر بنعبد العزيز ميّتين. فقيل: ديست بطونهما. ويقال: عمّا. ويقال: سمّا. ويقال: عصر ما تحت سراويليهما حتى ماتا. وقال الهيثم بن عديّ (١): عمّ إبراهيم الإمام في جراب نورة (٢) وعمّ الآخر بمرفقة فيها ريش. وكان مهلهل مولاه يقول: كنت أخدمه وهو محبوس بحرّان وأشتري حوائجه، وكان شراحيل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك محبوسا في حجرة غير حجرة إبراهيم التي كان محبوسا بها، وكان صديقا لإبراهيم فكانا يتلاطفان ويتهاديان في محبسهما. فأتي إبراهيم بلبن مسموم- أو غير لبن- وقيل له: بعث إليك بهذا أخوك شراحيل- ولم يكن شراحيل بعث به، فشربه فتوفّي، وأنا الذي صلّيت عليه. وقيل إنّه أخرج فوضع على باب السجن فأخذه رجل من بني سهم فكفّنه وصلّى عليه ودفنه. ويقال: كان أبو العبّاس عبد الله بن محمد [بن عليّ] أشبه بأخيه إبراهيم الإمام. فلمّا جاء الرسول لحمل إبراهيم وجد إبراهيم متغيّبا فأخذ أبا العبّاس. فلمّا علم إبراهيم بأخذه قال: «ما من الموت مفرّ ولا لأمر الله مدفع». فخرج فقال للرسول: «أنا بغيتك فخلّ عن أخي». فحمله. وكان لإبراهيم يوم مات تسع وأربعون سنة. وقيل: أربع وثلاثون سنة. وهرب أبو العبّاس بعد مقتل إبراهيم إلى الكوفة ومعه أهل بيته. فأخفاهم أبو سلمة الداعية في سرداب في دار بني أود حتى قدم المسوّدة. فكان يقال: ما رأى الناس أبعد همّا ولا أكبر نفسا من قوم خرجوا على تلك الحال يطلبون الخلافة. وقال الهيثم بن عديّ: لمّا وقعت العصبيّة بخراسان، وتحرّك أمر الدعاة، كتب إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم [الرجز]: دونك أمرا قد بدت أشراطه ... لم يبق إلّا السيف واختراطه إنّ السبيل واضح صراطه وكان يدعو في [٦٨ ب] حبسه: اللهم ربّ السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، وربّ العرش العظيم، والآيات والذكر الحكيم، صلّ على نبيّك ونجيّك محمد وعلى آله، وأخلفه

стр. 1497

علينا وعلى أهل ملّتنا ودعوتنا بما ينعش العاثر، ويبرئ السقيم، ويفكّ الأسير، ويشفي المريض. اللهمّ، العن أهل بيت اللعنة، وأنزل بهم النّقمة، وحقّق فيهم الرواية، واحصدهم بالسيف حصدا، إنّك على كلّ شيء قدير وبكلّ شيء عليم. وكان يصلّي في كلّ يوم خمسمائة ركعة ويقول: هذه صلاة أبي وجدّي. وتحيّن غفلة ممّن كان وكّل به حين حمل فكتب كتابا إلى أبي العبّاس ورفعه إلى سابق مولاه وأمره أن يوصله إليه. فلمّا وقف بباب مروان بحرّان أسرّ إلى سابق شيئا سئل سابق عنه بعد ذلك فقال: أمرني أن أقرأ على أبي العبّاس السلام وأعلمه أنّه وصيّه بأمر الإمام محمد بن علي. وكانت نسخة الكتاب بعد البسملة: حفظك الله يا أخي بحفظ أهل الإيمان، وتولّاك بالخير والإحسان. كتابي إليك وقد وردت حرّان، والرجل قاتلي لا محالة. فإذا أنا هلكت فأنت الإمام الذي يقيم أمرنا ويرعى حرمة أوليائنا ودعاتنا. ويتمّ الله به وعلى يديه ما أثّلنا وأثّل أوائلنا. فعليك، أي أخيّ، بتقوى الله وطاعته في قولك وفعلك، وإصلاح نيّتك ليصلح الله لك عملك. واستوص بأهل دعوتنا وشيعتنا، واحفظ عبد الرحمن أميننا والساعي في أمورنا، وعرّف أهل خراسان ما توجبه له بإيثاره طاعتنا. ولا يكوننّ لك رأي ولا لأهلنا إلّا الشخوص عن الحميمة وكداد إلى أوليائنا وشيعتنا بالكوفة مخفين لأشخاصكم مستترين عمّن تخافون غيلته لكم وسعيه بكم إن شاء الله. وأنا أستودعكم الله وحده وأسأله لكم الصنع والكفاية، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. [خروج أبي العبّاس إلى الكوفة] ويقال: لمّا قتل إبراهيم الإمام كان أبو العبّاس أوّل من خرج من الحميمة لخوفه على نفسه بمصير الإمامة إليه. فلقيه عمّه داود بن علي بدومة الجندل فقال: يا ابن أخي، أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: أتأتي الكوفة وشيخ بني مروان (١*) بحرّان مطلّ على العراق في خيل العرب ورجالها؟ فقال: يا عمّ، إنّ الله إذا أراد أمرا بلّغه، ومن أحبّ الحياة ذلّ. ثم تمثّل [ببيت الأعشى- طويل]: وما ميتة إن متّها غير عاجز ... [بعار] إذا ما غالت النفس غولها [٦٩ أ] (٢*) فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق ابن عمّك! فارجع بنا معه نحيا أعزّاء أو نموت كراما. فلم يزل أبو العبّاس وأهل بيته بالكوفة حتّى ولي الخلافة. وقال الهيثم بن عديّ عن معن بن يزيد الهمداني: كنا نتحدّث أنّ الجعديّ قتيل ابن الحارثيّة. [ظهور أبي مسلم] وكان ممّا زاد أمر أبي مسلم بخراسان قوة العصبيّة التي وقعت بين مضر وبين ربيعة واليمن بسبب تقديم نصر بن سيّار الكنانيّ بني تميم وتوليته إيّاهم وتعصّبه على ربيعة واليمن، حتى غضب جديع بن سعيد (٣*) بن قبيصة بن سرّاق الأزديّ- المعوف بالكرمانيّ لأنّه ولد

стр. 1498

بجيرفت (١) من كرمان- وكلّم نصرا مرّة بعد مرّة فأغلظ له حتى أمر بحبسه. فأخرجه غلام له من مجرى ماء وهو متسلّح، فاجتمعت إليه اليمن وربيعة. فلم يزل نصر يحاربه. ثم انفرد بمحاربته الحرث بن سريج (٢) بن يزيد المجاشعيّ فقتله الحرث وصلبه نصر بن سيّار وعلّق معه سمكة يعيّره بعمان وصيد السمك. فقام علي بن جديع مقام أبيه فقاتله الحرث بن سريج فقتل الحرث (٣). وقيل: إنّ الحرث قاتل جديع بن سعيد فقتله جديع. ثمّ وثبت تميم وفيهم حاتم بن الحرث بن سريج فقتلوا جديعا. فكان تشاغل نصر بن سيّار بهذه الحروب فرصة انتهزها أبو مسلم. فقوي فيها أمره حتى أظهر دعوته في شعبان سنة تسع وعشرين ومائة، وكانت من قرب ومن بعد، وأمر أصحابه بإظهار أمرهم والدفع عن أنفسهم وتجريد السيوف وجهاد أعداء الله. فأتاه في ليلة واحدة أهل ستّين قرية. فعقد اللواء الذي بعث به الإمام- ويقال له: الطّلّ- على رمح طوله أربع عشرة ذراعا (٤)، وعقد الراية التي بعثها الإمام أيضا- وتدعى «السحاب» - على رمح ارتفاعه ثلاث عشرة ذراعا، وهو يتلو قول الله سبحانه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩]. ولبس السواد هو والدعاة ومن أجابهم، وأشعلوا النيران، وذلك في ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان [سنة ١٢٩] وهو يومئذ بقرية من قرى مرو. فاجتمع الناس إليه في يوم الخميس [و] قد استعدّوا. وتأوّل أبو مسلم الطلّ والسحاب بأن السحاب يطبّق [٦٩ ب] الأرض، فكذلك دعوته تطبّق الأرض، وأنّ الأرض كما أنها لا تخلو من الطلّ فكذلك لا تخلو من خليفة عبّاسيّ آخر الدهر. وقدمت الدعاة عليه بمن أجاب الدعوة فحصّن قريته وسدّ دروبها. وأتاه سليمان بن كثير في يوم عيد الفطر فصلّى به وبالشيعة، ونصب له منبرا في عسكره، وبدأ بالصلاة قبل الخطبة من غير أذان ولا إقامة وكبّر ستّا تباعا، ثم قرأ وركع، وكبّر في الثانية خمسا، ثم قرأ. وافتتح خطبته بالتكبير وختمها بالقراءة، على ما رسمه لهم الإمام، وهو سنّة رسول الله ﷺ ، فخالف بذلك ما أحدثه بنو أميّة من تقديم الخطبة على الصلاة، ومن تكبيرهم أربعا في الأولى وثلاثا في الثانية بعد القراءة. فلمّا قضى سليمان بن كثير الصلاة والخطبة؛ انصرف أبو مسلم والشيعة إلى طعام قد أعدّه فأكلوا واستبشروا بنصر الله وتأييده. ثم كتب أبو مسلم إلى نصر بن سيّار يدعوه، وتعاظم في مكاتبته، فندب نصر لقتاله عسكرا، فأخرج لهم أبو مسلم طائفة من أصحابه فهزموهم وقتلوا منهم. وكان الكرمانيّ لمّا قتل قام بأمر عسكره ابنه عليّ بن جديع، وأظهر خلع مروان [بن محمد]، فانضمّ إليه خلق كثير. هذا وقد سار شيبان الصغير ابن عبد العزيز الخارجيّ من سجستان إلى خراسان، فكتب إليه عليّ ابن الكرمانيّ: إنّك ونحن خالعون لمروان، فصر إلى التجمّع على محاربة أوليائه أولياء الشيطان.

стр. 1499

فقدم عليه ووافقه فقاما بحرب نصر بن سيّار، فازداد بذلك أبو مسلم قوّة إلى قوّته وتمكّنا في بلاد خراسان لاشتغال نصر عنه بما دهمه. ثم إنّ أبا مسلم مال إلى ابن الكرمانيّ وأظهر طاعته وسلّم عليه بالإمرة فانخدع له وركن إليه. فقال له أبو مسلم: إنّه قد قوي أمرك ووهن أمر نصر، فابعث الآن عمّالك على النواحي. فمشى ذلك عليه (١) وبعث ثقاته. فكان إذا بعث برجل إلى ناحية في جماعة، بعث أبو مسلم إليها مع أحد أصحابه بأضعاف ما بعث ابن الكرمانيّ فيدعون إلى الرضى من آل محمد، والناس تستجيب لهم حتّى كثف جمع أبي مسلم فانفرد بعسكره. وبعث إلى نصر بن سيّار وإلى عليّ ابن الكرمانيّ يقول لهما: إنّي رجل يدعو إلى الرضا من آل محمد، ولست أعرض لكم ولا أعين [٧٠ أ] منكم أحدا على صاحبه. فلمّا رأى قوّة أبي مسلم بعث إليه يسأله موادعته وأن يدخل مرو. فاغتنم ذلك ومضى إليها وزوى أصحاب ابن الكرماني وأصحاب نصر عنها فدخلها في ربيع الأوّل سنة ثلاثين ومائة، وهو يقرأ: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها [القصص: ١٥]. فلمّا تمكّن من مرو واستولى عليها قال نصر: «لا مقام لنا معه لما أرى من إقبال هذا الرجل وإدبار أمرنا». وبعث إلى ابن الكرمانيّ: «هذا رجل يظهر الميل إليك وإنّما يريد ختلك، فصالحني». فصالحه على أن يكون أمرهما واحدا، وإن حاربه أبو مسلم رجعا إلى ناحية مرو. وكان أبو مسلم يظهر لابن الكرمانيّ إعظاما وإجلالا، حتى إذا ضبط أمر خراسان، وغلب أصحابه ودعاته عليها، ومال الناس إليه من كلّ أوب، اشتدّ حجابه، وغلظ أمره واستفحل، وبعث رسله إلى نصر بن سيّار، وقد آنسه وبسطه وضمن له أن يكفّ عنه ويقوم بشأنه عند الإمام. وأعلمه أنّ كتابا أتاه من الإمام يعده فيه ويمنّيه ويضمن له الكرامة. وكان رسله لاهز بن قريظ وسليمان بن كثير وعمران بن إسماعيل وداود بن كراز، وقال لهم: إنّي أريد مشافهته و [أن] أقرأ عليه كتاب الإمام. فلمّا أتوه تلا [٧٠ ب] إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص: ٢٠]. فتنبّه نصر على ما أراد من تحذيره فقال: «أنا صائر معكم إلى الأمير أبي مسلم». ودخل بستانا كأنّه يلبس ثيابه، ثم ركب وابنه وهرب إلى الريّ فمات. وسأل أبو مسلم: «هل أنذره أحد؟ - فأخبر بتلاوة لاهز الآية. فدعاه وقال: «يا لاهز، أعصبيّة في الدين؟ قوما فاضربا عنقه»، فضربت عنقه. وبعث أبو مسلم إلى ابن الكرمانيّ من قبض عليه وأتاه به فحبسه. وكان أخوه عثمان بن جديع بناحية هراة. فكتب أبو مسلم إلى أبي داود خالد بن إبراهيم في أمره، فقال لهأبو داود: إنّ الأمير أبا مسلم كتب إليّ في عبور النهر لأمر ستعرفه، فإذا عبرناه خلّيت بينك وبين ما وراء النهر وانصرفت أنا إليه. فمشت حيلته على عثمان ومضى معه، فقال: «لا يعبر إلّا أصحاب عثمان». فعدوا حتى إذا بقي في نفر وثب به أبو داود فقتله، وبعث برأسه إلى أبي مسلم. فأخرج عند ذلك عليّا وقتله. وكان قد وادع شيبان إلى مدّة، فوجّه له جيشا فواقعوه فكشفوه. وصار إلى ناحية أبيورد، وأهلها أوّل من سوّد. فكتب إليه أبو مسلم أن بايع للرضى من آل محمد حتى لا أعرض لك. فبعث إليه: بل بايعني [٧١ أ] أنت.

стр. 1500

فكتب أبو مسلم إلى بسّام بن إبراهيم مولى بني ليث بن بكر، وهو بأبيورد في مناهضته فناهضه وقتله وأصحابه إلّا عدة تفرّقوا في البلاد. ويقال: بل صاروا إلى نصر بن سيار قبل هربه. وما أحسن ما كتب به نصر بن سيّار إلى ربيعة واليمن عند ما ظهر أبو مسلم [البسيط]: أبلغ ربيعة في مرو وذا يمن ... أن اغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب (١) ما بالكم تنشبون الحرب بينكم ... كأنّ أهل الحجى عن رأيكم غيب وتتركون عدوّا قد أحاط بكم ... ممّن تأشّب لا دين ولا حسب لا عرب مثلكم في الناس نعرفهم ... ولا صريح موال إن هم نسبوا من كان يسألني عن أهل دينهم ... فإنّ دينهم أن تهلك العرب قوم يقولون قولا ما سمعت به ... عن النبيّ ولا جاءت به الكتب وكان ممّا صنع الله لأبي مسلم أنّ يزيد بن عمر بن هبيرة عامل مروان على العراق كان مبغضا لنصر بن سيّار مستثقلا لولايته خراسان فكتب إليه نصر [البسيط] (٢): أبلغ يزيد، وخير القول أصدقه ... وقد تيقّنت أن لا خير في الكذب بأنّ أرض خراسان رأيت بها ... بيضا لو افرخ قد حدّثت بالعجب وقد وجدنا فراخا بعد قد كثرت ... لمّا يطرن، وقد سربلن بالزّغب إلّا تدارك بخيل الله معلمة ... ألهبن نيران حرب أيّما لهب (١*) فقال يزيد: لا عليه، فما عندي واحد أمدّه به. وكتب نصر إلى مروان يستمدّه فأمدّه بنباتة بن حنظلة الكلابيّ فقتل بجرجان. وكتب نصر إلى مروان [الوافر]: أرى خلل الرماد وميض جمر ... حريّ أن يكون له ضرام فقلت من التعجّب: ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام؟ فإلّا تطفئوه يجرّ حربا ... يكون وقودها قصر وهام (٢*)

стр. 1501

فلم يعبأ بكلامه. [غزو قحطبة بن شبيب العراق بجيوش أبي مسلم (١)] ووجّه أبو مسلم في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائة قحطبة بن شبيب إلى العراق، ومعه أبو غانم عبد الحميد بن ربعيّ بن خالد بن معدان [٧١ أ] والمسيّب بن زهير بن عمرو بن جميل الضبّيّ، وعبد الجبّار بن عبد الرحمن الأزديّ، وموسى بن كعب بن عيينة بن عائشة بن سريّ التميميّ، وحيّة بن عبد الله بن حدره بن النطّاق، ومالك بن الطوّاف بن حضرميّ بن مالك بن كباثة، والقاسم بن مجاشع بن تميم بن حبيب، وأبو عون عبد الملك بن يزيد، ومقاتل بن حكيم بن عبد الرحمن العكّي وغيرهم، وحمل معهم مالا عظيما لأعطياتهم. وكان على مقدّمة قحطبة ابنه الحسن بن قحطبة. فلمّا وافى جرجان قال: يا أهل خراسان إنّ النصر مع الصبر، والتنازع فشل، وإنّكم تقاتلون بقيّة قوم حرّقوا بيت الله وكتابه، واغتصبوا هذا الأمر فانتزوا عليه بغير حقّ. وكان مروان قد أمر ابن هبيرة أن يمدّ نصر بن سيّار بنباتة بن حنظلة فلقي سليمان بن حبيب بن المهلّب بن أبي صفرة بالأهواز، وهو واليها من قبل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب حيث خرج عبد الله ودعا لنفسه. فقاتله نباتة فانهزم منه سليمان وصار إلى فارس. فكتب إليه ابن هبيرة في المصير إلى خراسان مددا لنصر بن سيّار. فأتى أصبهان ثمّ الريّ، ومضى إلى قومس فلم تحمله، فصار إلى جرجان فلقيه قحطبة في [يوم الجمعة] مستهلّ ذي الحجّة سنة ثلاثين [ومائة] وقال: «هذا يوم يرجى فيه النصر وتزول الرحمة! » وجعل يدعو إلى الرضا من آل محمد. ونادى هو وأهل خراسان: «يا محمّد! يا منصور! » ونادى أهل الشام: «يا مروان! يا منصور! » فاقتتلوا طويلا فقتل نباتة، وانهزم أهل الشام أقبح هزيمة، فوضع السيف فيهم فقتل منهم عشرة آلاف- وقيل ستّة آلاف- وبعث قحطبة برأس نباتة إلى أبي مسلم فأمر فطيف به في كور خراسان. وقدم قحطبة الريّ فكتب إلى أبي مسلم يستمدّه، فأمدّه بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة- وقيل في ألف وسبعمائة- وكان عامر بن ضبارة المريّ قد وجّه لمحاربة شيبان الخارجي ففاته ولحق بكرمان، فأتى كرمان فأوقع به واستباح عسكره. فأتى شيبان سجستان، ثمّ صار إلى خراسان. وواقع عامر عبد الله بن معاوية قبل ذلك بفارس فهزمه. فكتب ابن هبيرة إليه بأمره بالمسير إلى قحطبة، ووجّه معه ابنه داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة فسارا في خمسين ألفا حتّى نزلا أصبهان [٧٢ أ]، وانضمّ إليهم ولد نصر بن سيّار وجماعة من المروانيّة من أهل خراسان. فوافاهم قحطبة (١*) وعلى ميمنته مقاتل بن حكيم العكّي وخالد بن برمك، وعلى ميسرته أبو غانم عبد الحميد بن ربعي الطائيّ ومعه مالك بن الطوّاف التميمي فلم يلبث أهل الشام أن انهزموا فقتلوا قتلا ذريعا، وقتل عامر بن ضبارة، وقتل مساور وقدير ومبشّر بنو نصر بن سيّار، وخالد بن سريج المجاشعيّ. وحوى قحطبة عسكر ابن ضبارة، وبعث برأسه إلى أبي مسلم مع عيسى بن هامان مولى خزاعة. وهرب داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبيه، وهرب مالك بن أدهم بن محرز الباهليّ والي الريّ إلى نهاوند، فأمّنه قحطبة وفتح نهاوند. وهرب عبيد الله بن العباس الكندي

стр. 1502

عامل حلوان عنها. ووجّه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي ومالك بن الطوّاف في أربعة آلاف إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان، وهو على مقدّمة عبد الله بن مروان بن محمد، فناهضا عثمان فقتلاه في العشرين [من ذي الحجّة] سنة إحدى وثلاثين (١). وتوجّه قحطبة يريد ابن هبيرة حتى أتى الأنبار، وقدم ابنه الحسن بن قحطبة، وهو يريد الكوفة، فواقعه ابن هبيرة ومعه محمد بن نباتة بن حنظلة وحوثرة بن سهيل الباهليّ، فهزمهم أهل خراسان. وفقد قحطبة (٢)، فقيل: غرق في مخاضة، وقيل: وجد مقتولا. وقيل إنّه سقط من جرف فغرق. وكان قد أوصى، إن حدث به حادث، فالأمير الحسن بن قحطبة. فبعثوا إليه فردّوه وبويع. فسار بالناس، وواقع ابن هبيرة بالنخيلة، فقتل من أهل الشام أكثر من ثلاثة آلاف. وسوّد (٣) محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة، وخرج في أحد عشر رجلا فدعا الناس إلى الرضى من آل محمد، وضبط الكوفة حتى دخل الحسن بن قحطبة، والناس في السواد. [تصرّف أبي سلمة الخلّال في الدولة] فسألوا عن أبي سلمة الخلّال وزير آل محمد فدلّوا عليه. فخرج إليهم فقدّموا له دابّة من دوابّ الحسن بن قحطبة فركبها وجاء حتى وقف بجبّانة السبيع فبايعه أهل خراسان والناس، ثم وجّه أبو سلمة بالحسن بن قحطبة إلى ابن هبيرة، وقد صار إلى واسط، وضمّ إلى الحسن خازم بن خزيمة التميميّ، ومقاتل بن حكيم العكّيّ، وزياد بن مشكان، وعثمان بن نهيك وغيرهم. وولّى الكوفة محمد بن خالد القسريّ. ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن، ووجّه خالد بن برمك والمسيّب بن زهير إلى دير قنّى، وبعث [٧٢ ب] يزيد بن حاتم في أربعمائة إلى عين التمر، وبعث بسّام بن إبراهيم إلى الأهواز، ففرّ منها عبد الواحد بن عمر ابن هبيرة إلى البصرة. واقتتل أهل خراسان وأهل الشام بواسط مرّات، في جميعها ينهزم أهل الشام. [ظهور أبي العبّاس السفّاح وبيعته] هذا وأبو العبّاس السفّاح وأهل بيته بالكوفة قد أخفاهم أبو سلمة الخلّال في دار في بني أود (١*) مذ قدموا في صفر سنة اثنتين وثلاثين. فكان إذا بعث إليه أبو العبّاس يسأله عن خبرهم عنده قال: «لم يئن لظهوركم». فمكثوا بعد ظهور أبي سلمة كذلك أربعين يوما، وهو يريد أن يصرفها عنهم إلى ولد فاطمة ﵍. وكان أهل خراسان يسألونه عن الإمام فيقول: نحن نتوقّعه ولم يئن لظهوره (٢*). ثم أرسل أبو العبّاس إلى أبي سلمة: إنّي على إتيانك الليلة، فقد عرفت أنّي صاحب هذا الأمر.

стр. 1503

فقال لسلم مولى قحطبة ولأسد بن المرزبان: إنّ رجلا يأتيني الليلة. فإن قمت وتركته فاقتلوه، فإنّه يحاول فساد ما نحن فيه. فلمّا صار أبو العبّاس إليه ناظره. فغضب أبو سلمة وأراد القيام فتعلّق أبو العبّاس بثوبه وضاحكه، ثم خرج فركب ولم يعرض له. فلمّا لقي أبو العبّاس أهل بيته حدّثهم حديثه وقال: والله ما أفلتّ منه حتّى ساعدته على ما يريد، وإنّه لعلى صرف الأمر عنّا. فقال داود بن عليّ: الرأي أن نرجع إلى المدينة. وقال عبد الله بن عليّ: اخرج فأعلم الناس أنّك ههنا. وخرج صالح بن الهيثم رضيع أبي العبّاس ومعه مولى لهم أسود يقال له سابق (١)، فلقيهما أبو حميد السمرقندي (٢) فعرفهما لأنّه كان يأتي الإمام، فقال لصالح: ألست رضيع ابن الحارثيّة؟ وقال لسابق: ألست مولى الإمام؟ فقالا: بلى. فقال: فما تصنعان ههنا؟ قالا: أبو العبّاس ابن الحارثيّة ورجال من أهل بيته بالكوفة منذ كذا وكذا. فأتى أبو حميد أبا الجهم بن عطيّة بهما، فصار معهما إلى بني أود في جماعة، ثم دخل دار الوليد (٣) فقال: أيّكم أبو العبّاس عبد الله ابن الحارثيّة؟ فقالوا: هو هذا. فسلّم عليه أبو الجهم بالخلافة، ثم بكى. فقالوا له: تركنا أبو سلمة هنا، وأنتم حضور فلم يعلمكم خبرنا. وبعث أبو الجهم إلى وجوه الناس، فأتاه عبد الحميد بن ربعيّ، وإبراهيم بن سلمة، وشبيب بن واج في جماعة، فسلّموا على أبي العبّاس بالخلافة وبايعوه. فبلغ الخبر أبا سلمة فسقط في يده. ثم أتى أبا العبّاس فسلّم عليه بالخلافة، فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ابن الخلّال. فقال أبو العبّاس: منه! وجعل أبو سلمة يقول: إنّما أردت إظهار أمير المؤمنين [٧٣ أ] بعد أن أحكم له الأمور. ومنع أبو الجهم وأصحابه أبا سلمة من الدخول على أبي العبّاس إلّا وحده. وأتى أبو العبّاس ببرذون أبلق، وأتى أهل بيته بدوابّ، فركب وركبوا، وداود بن عليّ يسايره، وهو عن يساره. فجعل الناس يقولون لداود: «هذا أمير المؤمنين» وهم لا يعرفونه. فقصّر دون أبي العبّاس حتى عرف أنّه الخليفة. وكان أبو الجهم وعبد الله بن بسّام يمشيان بين يديه، وأبو سلمة يسير خلفه على فرس، والوجوم يتبيّن فيه. وصار أبو العبّاس إلى المسجد فصعد المنبر وصعده داود بن علي فصار دونه بمرقاة، فخطب أبو العبّاس فقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا لنفسه فكرّمه وشرّفه وعظّمه، فاختاره لنا وأيّده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوّام به والذابّين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحقّ بها وأهلها. خصّنا برحم رسول الله ﷺ وقرابته، ونسلنا من آبائه، وأنشأنا من شجرته، واشتقّنا من نبعته، وجعلنا من أنفسه فوضعنا من

стр. 1504

الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وذكرنا في كتابه المنزّل فقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: ٣٣]. ثم جعلنا ورثته وعصبته فزعمت السبائيّة (١) الضّلّال والمروانيّة الجهّال أنّ غيرنا أحقّ بالأمر منّا، فشاهت وجوههم بقولهم (٢). وبنا هدي الناس بعد ضلالتهم وبصّروا بعد جهالتهم وأنقذوا بعد هلكتهم، فظهر الحقّ وأدحض الباطل ورفعت المحنة (٣) وتمّمت النقيصة وجمعت الفرقة، وذلك بالنبيّ محمد ﷺ . فلمّا قبض الله نبيّه قام بالأمر بعده أصحابه فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا من الدنيا خماصا. ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزّوها أهلها فجاروا فيها وأساءوا وظلموا فأملى الله لهم حين آسفوه فانتقم منهم بأيدينا وردّ علينا حقّنا وتدارك أمّتنا وولي نصرنا والقيام بأمرنا كما قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ (٤) عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: ٥]. وإنّي لأرجو أن يتمّ لنا ما افتتح بنا، وسيأتيكم العدل والخير بعد الجور والشرّ، وما توفيقنا إلا بالله. يا أهل الكوفة، [٧٣ ب] إنّكم محلّ دعاتنا وأوليائنا. وأهل محبّتنا، فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا. وقد زدتكم في أعطياتكم مائة مائة، فاستعدّوا فإنّي السفّاح المنيح (٥) والثائر المبير! وكان موعوكا فجلس على المنبر وأشار لداود بن عليّ بالكلام فقام دونه فقال: شكرا شكرا! شكرا شكرا! إنّا والله ما خرجنا فيكم لنحفر نهرا ولا نبني قصرا ولا نسير سير الجبّارين الذين ساموكم السخف ومنعوكم النصف. أظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه؟ أرخي له في زمامه حتّى عثر في

стр. 1505

فضل خطامه. ألا وإنّ العرب أطبقت على إنكار حقّنا ومعاونة الظالمين من بني أميّة علينا، حتى أتاح الله لنا بهذا الجند من أهل خراسان فأجابوادعوتنا وتجرّدوا لنصرتنا. (ثم قال) الآن عاد الأمر إلى نصابه! الآن طلعت الشمس من مطلعها! الآن أخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه (١) ورجع الأمر إلى مستقرّة في أهل بيت نبيّكم وورثته، أهل الرأفة والرحمة. والله لقد كنّا نتوجّع لكم ونحن على فرشنا. أمن الأبيض والأسود بأمان الله وذمّته وذمّة رسوله وذمة العبّاس بن عبد المطّلب عمّ رسول الله ﷺ أنّه والله ما بينكم وبين رسول الله ﷺ خليفة هاشميّ إلّا [ ... ] علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين، وما بايعتم قطّ بيعة هي أهدى من بيعتكم هذه. ونزلا. وأجلس أبو العبّاس موسى بن كعب (٢) لأخذ البيعة له على الناس، وذلك كلّه يوم الخميس. قال هشام ابن الكلبيّ: ولد أبو العبّاس في أوّل أيّام يزيد بن عبد الملك، وظهر بالكوفة عشيّة يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وبعضهم يقول: ظهر يوم الأربعاء بالعشيّ. وبويع باقي يومه ويوم الخميس، وبات ليلة الجمعة بالكوفة ثمّ صلّى بالناس يوم الجمعة وندب أهل بيته لقتال مروان بن محمد، فلم ينتدب له إلّا عبد الله بن عليّ، فوجّهه لحربه، وكان من أمره ما ذكر في ترجمته (٣). وكان الذين اختفوا بالكوفة مع أبي العبّاس أخوه أبو جعفر عبد الله بن محمد، وعمّه داود بن عليّ وابنه موسى بن داود، وعيسى وإسماعيل وعبد الصمد وعبد الله وسليمان وصالح أولاد عليّ، والعبّاس بن محمد، ويحيى بن محمد، وعبد الوهّاب بن إبراهيم الإمام، وعيسى بن موسى، ويحيى بن جعفر بن تمّام بن العبّاس، ومحمد بن جعفر بن [٧٦ أ] عبد الله، وبعض ولد معبد بن العبّاس. وخطب بعد قيامه بأيّام بين الكوفة والحيرة فقال: والله لأعملنّ باللين حتى لا تنفع إلّا الشدّة، ولأكرمنّ الخاصّة ما أمنتهم على العامّة، ولأغمدنّ سيفي حتّى يسلّه الحقّ، ولأعطيّن حتى لا أرى للعطيّة موضعا. إنّ أهل بيت اللعنة كانوا عليكم عذابا ساموكم الخسف ومنعوكم النصف، وأخذوا الجار منكم بالجار، وسلّطوا شراركم على خياركم. وقد محا الله جورهم وأزهق باطلهم، وأصلح بأهل بيت نبيّه ما أفسدوا منكم. ونحن متعهّدوكم بالأعطية والصدقة والمعروف غير مجمّرين لكم (١*) بعثا ولا راكبين بكم خطرا. [قتل يزيد بن هبيرة] ثم وجّه أبو العبّاس أخاه أبا جعفر إلى واسط. فلمّا قدمها تحرّك له الحسن بن قحطبة عن مضرب. وكتب أبو العبّاس إلى الحسن: إنّي إنّما وجّهت أخي إلى ما قبلك ليسكن الناس إليه ويثق ابن هبيرة بأمانه إن طلب الأمان. وأنت على أمرك وجيشك، والتدبير لك. فالتقوا وأهل الشام، فانهزم أهل الشام. واستمرّوا على الحصار أحد عشر شهرا حتى

стр. 1506

جاءهم قتل مروان [ف] طلبوا الصلح. فأمّن أبو جعفر معن بن زائدة ثم ابن هبيرة، واشترط عليه أنّه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسطيغدو ويروح إلى أبي جعفر في جماعة كثيرة ويتغدّى عنده ويتعشّى إذا حضر في وقت غدائه وعشائه، وهو في ذلك يدسّ إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁، ويهمّ بالدعاء لآل أبي طالب وخلع أبي العبّاس. فتيقّن أبو العبّاس ذلك من أمره، وكتب إليه أبو مسلم يشير بقتله ويقول: إنّ الطريق إذا كثرت حجارته فسد وصعب سلوكه. فكتب أبو العبّاس إلى أخيه أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، فأبى ذلك وكره لما أعطاه من الأمان. فكتب إليه: إنّ هذا الرجل قد غدر ونكث، وهو يريد بنا العظمى، وما لكتاب عبد الرحمن (١) فيه أقتله، ولكن لما بان من نكثه وفجوره، فلا تراجعني في أمره، فقد أحلّ لنا دمه. فأمر أبو جعفر الحسن بن قحطبة فأبى. فقال خازم بن خزيمة: «أنا أقتله». وساعده على ذلك الأغلب بن سالم التميميّ، والهيثم بن شعبة وغيرهما. فقتلوه وقتلوا ابنه وحوثرة [٧٦ ب] بن سهيل ومن كان معه في القصر، وهم خمسون، وأتوا برءوسهم أبا جعفر. وكان معن بن زائدة وفد إلى أبي العبّاس ببيعة ابن هبيرة وأقام بالكوفة فسلم. واستخلف أبو جعفر بواسط الهيثم بن زياد الخزاعي وانصرف هو والحسن بن قحطبة ومن معهما إلى أبي العبّاس. [تحوّل السفّاح من الكوفة إلى الأنبار] وكتب أبو مسلم إلى أبي العبّاس: إنّ أهل الكوفة شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم وخالفوهم بالفعل، ورأيهم في آل عليّ الرأي الذي يعلمه أمير المؤمنين. وإنّما يؤتى فسادهم من قبلهم بإغوائهم إيّاهم وإطماعهم فيما ليس لهم. فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ولا تؤهّلهم لجوارك. فليست دارهم لك بدار. وأشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو ذلك. فابتنى مدينة بالأنبار وتحوّل إليها. وأخذ يوما بيد عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ [بن أبي طالب] فجعل يطوف به فيها. وكان له مكرما، فجعل عبد الله يتمثّل [الوافر]: ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... منازل نفعها لبني بقيلة يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كلّ ليلة فتطيّر أبو العبّاس وقال: أفّ! لقلّما يملك الحسود نفسه ولسانه. فقال عبد الله: أقلني! فقال: لا أقالني الله إذن. اخرج عنّي! فخرج إلى المدينة. ويقال إنّه أنشده هذا الشعر وقد طوّفه بالهاشميّة حين استتمّ بناءها. واستعمل أبو العبّاس أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان في ذي القعة سنة اثنتين وثلاثين. وولّى يحيى بن محمد بن عليّ الموصل. وخرج بالجزيرة بريكة بن حميد الشيبانيّ في قوم من الخوارج فحوربوا وقتلوا. [قتل أبي سلمة الخلّال] وأراد أبو العبّاس قتل أبي سلمة الخلّال لميله

стр. 1507

إلى آل أبي طالب. فقال له داود بن عليّ: لا تتولّ قتله فيحتجّ عليك أبو مسلم بذلك. ولكن اكتب إليه فليوجّه من يقتله. فدعا أبو العبّاس أخاه أبا جعفر وذاكره أمر أبي سلمة وقال: والله ما أدري، لعلّ الذي كان منه عن رأي أبي مسلم؟ وما لها غيرك. اخرج إلى أبي مسلم مهيبا بما وهب الله لنا وبنجح سعيه فيما قام به من أمرنا، وخذ البيعة عليه، وأعلمه ما كان من أمر أبي سلمة، واعرف رأيه، وعرّفه الذي نحن عليه من شكره ومعرفة حقّه. (قال) فخرجت إلى خراسان في ثلاثين رجلا، منهم إسحاق بن [٧٧ أ] الفضل الهاشميّ، والحجّاج بن أرطأة، ونحن على وجل. فلمّا شارفت مرو تلقّاني أبو مسلم. فلمّا دنا منّي نزل وقبّل يدي. فقلت: «اركب! » فركب. وقدمت مرو فنزلت دارا. ومكث ثلاثة أيّام لا يسألني عن شيء. ثم قال لي: ما أقدمك يا أبا جعفر؟ فأخبرته. فقال: قد تقدّمت بيعتي وأخذتها لأمير المؤمنين قبل قدومك على من قبلي. ولكنّي أماسحك له (١). فماسحني ثم قال: أفعلها أبو سلمة؟ قلت: قد فعلها. فقال: أكفيكموه. ودعا بمرّار بن أنس الضبّي فقال: انطلق إلى حفص بن سليمان (٢) فاقتله حيث لقيته! فقدم مرّار الكوفة. وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العبّاس. فقعد له في بعض الليالي على طريقه، فلمّا خرج قتله. فقالوا: قتلته الخوارج- فقال أبو اللفائف الأسديّ [الخفيف]: ويح من كان مذ ثلاثون حولا ... يبتغي حتف نفسه غير آل لم يزل ذاك دأب كفّيه حتّى ... عضّه حدّ صارم في القذال كاده الهاشميّ منه بكيد ... حيلة غير حيلة الخلّال وقال المفضّل الضبّي: كتب أبو العبّاس بخطّه أو بإملائه كتابا مع أبي جعفر بن العنات (١*) حين وجّهه إلى خراسان: إنّه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينا. وإنّ أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك. فلمّا قرأ أبو مسلم الكتاب، وجّه مرّار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه (٢*). وكتب: إنّه لا يتمّ إحسان أحد حتّى لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد قبلت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له. فقتل مرّار أبا سلمة غيلة. وقيل: قتلته الخوارج. وأمر أبو العبّاس أخاه يحيى بن محمد بالصلاة عليه. وقال الهيثم بن عديّ: كان أبو مسلم يكتب إلى أبي سلمة: «لوزير آل محمد من عبد الرحمن بن مسلم أمين آل محمّد». فكتب أبو العبّاس إلى أبي مسلم يعلمه الذي كان من تدبيره في صرف الأمر عنه ونكثه بيعة الإمام، فكتب أبو مسلم يشير بقتله، فكتب إليه: «أنت أولى بالحكم فيه، فابعث من يقتله». فوجّه مرّار بن أنس الضبّيّ فلقيه ليلا فأنزله عن دابّته ثم ضرب عنقه. ثم جمع أبو

стр. 1508

الجهم بن عطيّة- وكان عينا لأبي مسلم يكتب إليه بالأخبار- جميع القوّاد فقال: إنّ حفصا كان غاشّا [٧٧ ب] لله ورسوله والأئمّة، فالعنوه! - فلعن. وقال أبو جعفر المنصور: دوي (١) العبد فأصاب أمير المؤمنين دواءه. وقال عبد الله بن علي حين بلغه قتله: كلب أصابه قدر فطاح. ولمّا سمع أبو العبّاس الصراخ عليه قال متمثّلا [الطويل]: أفي أن أخشّ الحرب فيمن يخشّها ... ألام، وفي ألّا أقرّ المخازيا؟ ألم أك نارا يتّقي الناس حرّها ... فترهبني إذ لم تكن لي راجيا؟ وكان بقاء أبي سلمة في دولة أبي العبّاس ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر. وأعطى أبو العبّاس محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ ضياع أبيه فأعطى محمد ولد أخيه يزيد نصفها، فقال أبو العبّاس: إنّا إنّما سلّمنا هذه الضياع إليك لبلائك ومخاطرتك بنفسك، ولم نعطك إيّاها لتقسمها بينك وبين ورثة أبيك. ويقال إنّه إنّما أعطاه نصف ضياع أبيه فقال له داود بن عليّ: ما جزاؤه مع ما فعل إلّا أن نعطيه إيّاها كملا، فقد أحسن وأجمل. فأعطاه جميعها. وقال المدائني: حصر عبد الله بن عليّ إسحاق ابن مسلم العقيليّ بسميساط أو بسروج أو غيرها أيّام ولايته لأبي العبّاس فقال: إنّ في عنقي بيعة وأنا لا أنكثها ولا أزال متمسّكا بها حتّى أعلم أنّ صاحبها قد هلك. فقال له عبد الله بن عليّ: إنّ مروان قد قتل. فلمّا تيقّن ذلك طلب الصلح والأمان. فأمّن وحمل إلى أبي العبّاس فكان أثيرا عنده وعند أبي جعفر المنصور، وكانوا ينسبونه إلى الوفاء. وكان فيه جفاء يدارى له. فلمّا خالف عبد الله بن عليّ أبا جعفر المنصور وصار بكّار بن مسلم معه فكان أشدّ الناس على أهل خراسان، قال أبو جعفر: يا إسحاق، ألا تكفينا أخاك؟ قال: اكفني عمّك حتّى أكفيك أخي! فضحك لقوله. وكان أبو نخيلة (١*) يوما عند أبي العبّاس، وإسحاق بن مسلم حاضر، وذلك بعد قتل ابن هبيرة وهدم مدينة واسط وبناء أبي العبّاس مدينته بالأنبار فأنشده [الرجز]: أصبحت الأنبار دارا تعمر ... وخربت من النفاق أدؤر حمص وقنّسرينها وتدمر ... أين أبو الورد وأين الكوثر؟ وأين مروان، وأين الأشقر ... وأين أجساد رجال تبرّوا؟ هيهات لا نصر لمن لا ينصر ... وواسط لم يبق إلّا القرقر [٧٨ أ] بها وإلّا الديدبان الأخضر ... منازل كانت بهنّ العهّر (٢*)

стр. 1509

فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول. فقال أبو جعفر المنصور: إنّما أنت يا أبا نخيلة مع كلّ ريح. وأمر أبو العبّاس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم (١). وجلس أبو العبّاس يوما للنّاس، فقام رجل فذمّ أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا ابن الزانية! فقال زياد بن عبد الله: خذ للرجل بحقّه يا أمير المؤمنين. فقال أبو العبّاس: أترى قيسا ترضى بأن يضرب شيخها وسيّدها حدّا؟ لو دعوته بالبيّنة لجاء مائة من قيس يشهدون أنّ قوله حقّ. فترك الرجل مطالبته. [أصل بردة الخلفاء العبّاسيّين] وكان رسول الله ﷺ دفع بردا له إلى ناس من النصارى من أهل دومة الجندل وأهل مقنا أمانا لهم. فاشتراه أبو العبّاس من أولادهم بأربعمائة دينار. فهو [البرد الذي] يلبسه الخلفاء. وذكر الواقدي أنّ الذي [ن] دفع إليهم البرد أهل تبوك. وقال الهيثم بن عديّ: أهل أيلة. ويقال: دفن مروان بن محمد البرد والقعب والمخضب (٢) لئلّا تصير إلى بني العبّاس فدلّهم عليها خصيّ لمروان. ومن كلام أبي العبّاس: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقلّ تبرّع إلّا ومعه حقّ مضاع. وقال: إنّ من أدنياء الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما والحلم ذلّا. وقال: إذا كان الحلم مفسدة، كان العفو معجزة، والصبر حسن إلّا على من أوتغ (١*) الدّين وأوهن السلطان. والأناة محمودة إلّا عند إمكان الفرصة. ووجد على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسمّاره فحجبه. فذكر عنده وقيل إنّه لحسن العلم والحديث. فقال عيسى بن عليّ: إنّه لكذلك، أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك؟ فقال: [لا] يمنعني من ذلك إلّا أنّي لا أحبّ أن يتبيّن الناس أنّ رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به. وقالت أمّ سلمة امرأته: ما أحسن الملك لو كان يدوم! فقال: لو كان يدوم دام لمن قبلنا فلم يصل إلينا. وكان يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاريّ. وإن أردنا علم تميم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان. وإن أردنا علم الدنيا والآخرة، والجنّ والإنس، فعند أبي بكر الهذليّ. وكان هؤلاء سمّاره وحدّاثه [٧٨ ب]. وركب بالأنبار فمرّ بقوم من الفعلة، فقال لعيسى بن عليّ: يا أبا العبّاس، إنّ السعيد لمن سلم من الدنيا. ولوددت أنّي لم أتقلّد شيئا ممّا تقلّدت: أهؤلاء أحسن حالا وأخفّ ظهورا في معادهم أم أنا؟

стр. 1510

فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد أحسن الله إليك، وإلى الأمّة بك، وأنقذهم ببركتك من جور بني أميّة وجبروتهم. ودخل عليه عبد الله بن عيّاش الهمداني بعد مقتل مروان بن محمّد الجعدي (١) فقال: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة (٢) وابن أمة النخع ابن عمّ رسول الله وابن عبد المطّلب- يريد أنّ أمّ مروان كانت جارية إبراهيم بن الأشتر النخعيّ (٣)، فأخذها أبوه محمد بن مروان بن الحكم حين حارب إبراهيم أيّام مصعب بن الزبير فولدت مروان بن محمد. وكان مروان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبّارا قتّالا لا يبالي ما أقدم عليه فسمّي حمار الجزيرة (٤). ودخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: «والله ما علمنا أنّ لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه إلّا بني أميّة، حتّى وليتم». فقال إبراهيمبن مهاجر (الرمل): أيّها الناس اسمعوا أخبركم ... عجبا زاد على كلّ عجب عجبا من عبد شمس إنّهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا ... دون عبّاس بن عبد المطّلب كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلّا من قرب وكتب أبو العبّاس إلى زياد بن عبد الله الحارثيّ، وهو عامله على المدينة، أن يخرج المخنّثين عنها، فأمر بإخراجهم فقال له صاحب شرطته: إنّ في دارنا مخنّثا، فإن رأى الأمير أن يدعه؟ فقال: دع في كلّ دار مخنّثا. فقال: إذن نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق! وكانت أمّ سلمة بنت يعقوب المخزوميّة عند [ ... ] مسلمة بن هشام بن عبد الملك فطلّقها فصارت إلى فلسطين فتزوّجها أبو العبّاس قبل الخلافة، وثبت عليها بعد ما صارت إليه الخلافة فكلّمته في سليمان بن هشام بن عبد الملك وقالت إنّه كان مباينا لمروان بن محمد، فلم يعرض له. وكان يدخل عليه، فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم فأنشد (الخفيف): أصبح الدين ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العبّاس [٧٩ أ] يا كريم المطهّرين من الرّج ... س ويا رأس كلّ قرم وراس أنت مهديّ هاشم ورضاها ... كم أناس رجوك بعد أناس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعوا كلّ رقلة وغراس (١*) أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس ٥ فلقد غاظني وأوجع قلبي ... قربهم من نمارق وكراسي اذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس (٢*)
следующие страницы →