← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

جاءهم قتل مروان [ف] طلبوا الصلح. فأمّن أبو جعفر معن بن زائدة ثم ابن هبيرة، واشترط عليه أنّه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسطيغدو ويروح إلى أبي جعفر في جماعة كثيرة ويتغدّى عنده ويتعشّى إذا حضر في وقت غدائه وعشائه، وهو في ذلك يدسّ إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁، ويهمّ بالدعاء لآل أبي طالب وخلع أبي العبّاس. فتيقّن أبو العبّاس ذلك من أمره، وكتب إليه أبو مسلم يشير بقتله ويقول: إنّ الطريق إذا كثرت حجارته فسد وصعب سلوكه. فكتب أبو العبّاس إلى أخيه أبي جعفر يأمره بقتل ابن هبيرة، فأبى ذلك وكره لما أعطاه من الأمان. فكتب إليه: إنّ هذا الرجل قد غدر ونكث، وهو يريد بنا العظمى، وما لكتاب عبد الرحمن (١) فيه أقتله، ولكن لما بان من نكثه وفجوره، فلا تراجعني في أمره، فقد أحلّ لنا دمه. فأمر أبو جعفر الحسن بن قحطبة فأبى. فقال خازم بن خزيمة: «أنا أقتله». وساعده على ذلك الأغلب بن سالم التميميّ، والهيثم بن شعبة وغيرهما. فقتلوه وقتلوا ابنه وحوثرة [٧٦ ب] بن سهيل ومن كان معه في القصر، وهم خمسون، وأتوا برءوسهم أبا جعفر. وكان معن بن زائدة وفد إلى أبي العبّاس ببيعة ابن هبيرة وأقام بالكوفة فسلم. واستخلف أبو جعفر بواسط الهيثم بن زياد الخزاعي وانصرف هو والحسن بن قحطبة ومن معهما إلى أبي العبّاس. [تحوّل السفّاح من الكوفة إلى الأنبار] وكتب أبو مسلم إلى أبي العبّاس: إنّ أهل الكوفة شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم وخالفوهم بالفعل، ورأيهم في آل عليّ الرأي الذي يعلمه أمير المؤمنين. وإنّما يؤتى فسادهم من قبلهم بإغوائهم إيّاهم وإطماعهم فيما ليس لهم. فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ولا تؤهّلهم لجوارك. فليست دارهم لك بدار. وأشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو ذلك. فابتنى مدينة بالأنبار وتحوّل إليها. وأخذ يوما بيد عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ [بن أبي طالب] فجعل يطوف به فيها. وكان له مكرما، فجعل عبد الله يتمثّل [الوافر]: ألم تر حوشبا أمسى يبنّي ... منازل نفعها لبني بقيلة يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كلّ ليلة فتطيّر أبو العبّاس وقال: أفّ! لقلّما يملك الحسود نفسه ولسانه. فقال عبد الله: أقلني! فقال: لا أقالني الله إذن. اخرج عنّي! فخرج إلى المدينة. ويقال إنّه أنشده هذا الشعر وقد طوّفه بالهاشميّة حين استتمّ بناءها. واستعمل أبو العبّاس أخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان في ذي القعة سنة اثنتين وثلاثين. وولّى يحيى بن محمد بن عليّ الموصل. وخرج بالجزيرة بريكة بن حميد الشيبانيّ في قوم من الخوارج فحوربوا وقتلوا. [قتل أبي سلمة الخلّال] وأراد أبو العبّاس قتل أبي سلمة الخلّال لميله

стр. 1507

إلى آل أبي طالب. فقال له داود بن عليّ: لا تتولّ قتله فيحتجّ عليك أبو مسلم بذلك. ولكن اكتب إليه فليوجّه من يقتله. فدعا أبو العبّاس أخاه أبا جعفر وذاكره أمر أبي سلمة وقال: والله ما أدري، لعلّ الذي كان منه عن رأي أبي مسلم؟ وما لها غيرك. اخرج إلى أبي مسلم مهيبا بما وهب الله لنا وبنجح سعيه فيما قام به من أمرنا، وخذ البيعة عليه، وأعلمه ما كان من أمر أبي سلمة، واعرف رأيه، وعرّفه الذي نحن عليه من شكره ومعرفة حقّه. (قال) فخرجت إلى خراسان في ثلاثين رجلا، منهم إسحاق بن [٧٧ أ] الفضل الهاشميّ، والحجّاج بن أرطأة، ونحن على وجل. فلمّا شارفت مرو تلقّاني أبو مسلم. فلمّا دنا منّي نزل وقبّل يدي. فقلت: «اركب! » فركب. وقدمت مرو فنزلت دارا. ومكث ثلاثة أيّام لا يسألني عن شيء. ثم قال لي: ما أقدمك يا أبا جعفر؟ فأخبرته. فقال: قد تقدّمت بيعتي وأخذتها لأمير المؤمنين قبل قدومك على من قبلي. ولكنّي أماسحك له (١). فماسحني ثم قال: أفعلها أبو سلمة؟ قلت: قد فعلها. فقال: أكفيكموه. ودعا بمرّار بن أنس الضبّي فقال: انطلق إلى حفص بن سليمان (٢) فاقتله حيث لقيته! فقدم مرّار الكوفة. وكان أبو سلمة يسمر عند أبي العبّاس. فقعد له في بعض الليالي على طريقه، فلمّا خرج قتله. فقالوا: قتلته الخوارج- فقال أبو اللفائف الأسديّ [الخفيف]: ويح من كان مذ ثلاثون حولا ... يبتغي حتف نفسه غير آل لم يزل ذاك دأب كفّيه حتّى ... عضّه حدّ صارم في القذال كاده الهاشميّ منه بكيد ... حيلة غير حيلة الخلّال وقال المفضّل الضبّي: كتب أبو العبّاس بخطّه أو بإملائه كتابا مع أبي جعفر بن العنات (١*) حين وجّهه إلى خراسان: إنّه لم يزل من رأي أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن والتجاوز عن المسيء ما لم يكد دينا. وإنّ أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك. فلمّا قرأ أبو مسلم الكتاب، وجّه مرّار بن أنس إلى الكوفة لقتل حفص حيث ثقفه (٢*). وكتب: إنّه لا يتمّ إحسان أحد حتّى لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد قبلت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له. فقتل مرّار أبا سلمة غيلة. وقيل: قتلته الخوارج. وأمر أبو العبّاس أخاه يحيى بن محمد بالصلاة عليه. وقال الهيثم بن عديّ: كان أبو مسلم يكتب إلى أبي سلمة: «لوزير آل محمد من عبد الرحمن بن مسلم أمين آل محمّد». فكتب أبو العبّاس إلى أبي مسلم يعلمه الذي كان من تدبيره في صرف الأمر عنه ونكثه بيعة الإمام، فكتب أبو مسلم يشير بقتله، فكتب إليه: «أنت أولى بالحكم فيه، فابعث من يقتله». فوجّه مرّار بن أنس الضبّيّ فلقيه ليلا فأنزله عن دابّته ثم ضرب عنقه. ثم جمع أبو

стр. 1508

الجهم بن عطيّة- وكان عينا لأبي مسلم يكتب إليه بالأخبار- جميع القوّاد فقال: إنّ حفصا كان غاشّا [٧٧ ب] لله ورسوله والأئمّة، فالعنوه! - فلعن. وقال أبو جعفر المنصور: دوي (١) العبد فأصاب أمير المؤمنين دواءه. وقال عبد الله بن علي حين بلغه قتله: كلب أصابه قدر فطاح. ولمّا سمع أبو العبّاس الصراخ عليه قال متمثّلا [الطويل]: أفي أن أخشّ الحرب فيمن يخشّها ... ألام، وفي ألّا أقرّ المخازيا؟ ألم أك نارا يتّقي الناس حرّها ... فترهبني إذ لم تكن لي راجيا؟ وكان بقاء أبي سلمة في دولة أبي العبّاس ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر. وأعطى أبو العبّاس محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ ضياع أبيه فأعطى محمد ولد أخيه يزيد نصفها، فقال أبو العبّاس: إنّا إنّما سلّمنا هذه الضياع إليك لبلائك ومخاطرتك بنفسك، ولم نعطك إيّاها لتقسمها بينك وبين ورثة أبيك. ويقال إنّه إنّما أعطاه نصف ضياع أبيه فقال له داود بن عليّ: ما جزاؤه مع ما فعل إلّا أن نعطيه إيّاها كملا، فقد أحسن وأجمل. فأعطاه جميعها. وقال المدائني: حصر عبد الله بن عليّ إسحاق ابن مسلم العقيليّ بسميساط أو بسروج أو غيرها أيّام ولايته لأبي العبّاس فقال: إنّ في عنقي بيعة وأنا لا أنكثها ولا أزال متمسّكا بها حتّى أعلم أنّ صاحبها قد هلك. فقال له عبد الله بن عليّ: إنّ مروان قد قتل. فلمّا تيقّن ذلك طلب الصلح والأمان. فأمّن وحمل إلى أبي العبّاس فكان أثيرا عنده وعند أبي جعفر المنصور، وكانوا ينسبونه إلى الوفاء. وكان فيه جفاء يدارى له. فلمّا خالف عبد الله بن عليّ أبا جعفر المنصور وصار بكّار بن مسلم معه فكان أشدّ الناس على أهل خراسان، قال أبو جعفر: يا إسحاق، ألا تكفينا أخاك؟ قال: اكفني عمّك حتّى أكفيك أخي! فضحك لقوله. وكان أبو نخيلة (١*) يوما عند أبي العبّاس، وإسحاق بن مسلم حاضر، وذلك بعد قتل ابن هبيرة وهدم مدينة واسط وبناء أبي العبّاس مدينته بالأنبار فأنشده [الرجز]: أصبحت الأنبار دارا تعمر ... وخربت من النفاق أدؤر حمص وقنّسرينها وتدمر ... أين أبو الورد وأين الكوثر؟ وأين مروان، وأين الأشقر ... وأين أجساد رجال تبرّوا؟ هيهات لا نصر لمن لا ينصر ... وواسط لم يبق إلّا القرقر [٧٨ أ] بها وإلّا الديدبان الأخضر ... منازل كانت بهنّ العهّر (٢*)

стр. 1509

فغضب إسحاق وقال: والله لقد سمعته يقول فيكم مثل هذا القول. فقال أبو جعفر المنصور: إنّما أنت يا أبا نخيلة مع كلّ ريح. وأمر أبو العبّاس لأبي نخيلة بخمسين ألف درهم (١). وجلس أبو العبّاس يوما للنّاس، فقام رجل فذمّ أهل الشام والجزيرة، فقال له إسحاق: كذبت يا ابن الزانية! فقال زياد بن عبد الله: خذ للرجل بحقّه يا أمير المؤمنين. فقال أبو العبّاس: أترى قيسا ترضى بأن يضرب شيخها وسيّدها حدّا؟ لو دعوته بالبيّنة لجاء مائة من قيس يشهدون أنّ قوله حقّ. فترك الرجل مطالبته. [أصل بردة الخلفاء العبّاسيّين] وكان رسول الله ﷺ دفع بردا له إلى ناس من النصارى من أهل دومة الجندل وأهل مقنا أمانا لهم. فاشتراه أبو العبّاس من أولادهم بأربعمائة دينار. فهو [البرد الذي] يلبسه الخلفاء. وذكر الواقدي أنّ الذي [ن] دفع إليهم البرد أهل تبوك. وقال الهيثم بن عديّ: أهل أيلة. ويقال: دفن مروان بن محمد البرد والقعب والمخضب (٢) لئلّا تصير إلى بني العبّاس فدلّهم عليها خصيّ لمروان. ومن كلام أبي العبّاس: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقلّ تبرّع إلّا ومعه حقّ مضاع. وقال: إنّ من أدنياء الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما والحلم ذلّا. وقال: إذا كان الحلم مفسدة، كان العفو معجزة، والصبر حسن إلّا على من أوتغ (١*) الدّين وأوهن السلطان. والأناة محمودة إلّا عند إمكان الفرصة. ووجد على إبراهيم بن جبلة بن مخرمة الكندي، وكان من صحابته وسمّاره فحجبه. فذكر عنده وقيل إنّه لحسن العلم والحديث. فقال عيسى بن عليّ: إنّه لكذلك، أفلا تصفح عنه يا أمير المؤمنين وتعيده إلى مجلسك؟ فقال: [لا] يمنعني من ذلك إلّا أنّي لا أحبّ أن يتبيّن الناس أنّ رضاي قريب من سخطي، وسوف أدعو به. وقالت أمّ سلمة امرأته: ما أحسن الملك لو كان يدوم! فقال: لو كان يدوم دام لمن قبلنا فلم يصل إلينا. وكان يقول: إن أردنا علم الحجاز وتهامة فعند سعيد بن عمرو بن الغسيل الأنصاريّ. وإن أردنا علم تميم وعلوم فارس والعجم فعند خالد بن صفوان. وإن أردنا علم الدنيا والآخرة، والجنّ والإنس، فعند أبي بكر الهذليّ. وكان هؤلاء سمّاره وحدّاثه [٧٨ ب]. وركب بالأنبار فمرّ بقوم من الفعلة، فقال لعيسى بن عليّ: يا أبا العبّاس، إنّ السعيد لمن سلم من الدنيا. ولوددت أنّي لم أتقلّد شيئا ممّا تقلّدت: أهؤلاء أحسن حالا وأخفّ ظهورا في معادهم أم أنا؟

стр. 1510

فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد أحسن الله إليك، وإلى الأمّة بك، وأنقذهم ببركتك من جور بني أميّة وجبروتهم. ودخل عليه عبد الله بن عيّاش الهمداني بعد مقتل مروان بن محمّد الجعدي (١) فقال: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة (٢) وابن أمة النخع ابن عمّ رسول الله وابن عبد المطّلب- يريد أنّ أمّ مروان كانت جارية إبراهيم بن الأشتر النخعيّ (٣)، فأخذها أبوه محمد بن مروان بن الحكم حين حارب إبراهيم أيّام مصعب بن الزبير فولدت مروان بن محمد. وكان مروان عاتيا لا يبالي ما صنع، فكان يقال: مروان أكفر من حمار الأزد، وهو حمار بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جبّارا قتّالا لا يبالي ما أقدم عليه فسمّي حمار الجزيرة (٤). ودخل عليه مشيخة من أهل الشام فقالوا: «والله ما علمنا أنّ لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه إلّا بني أميّة، حتّى وليتم». فقال إبراهيمبن مهاجر (الرمل): أيّها الناس اسمعوا أخبركم ... عجبا زاد على كلّ عجب عجبا من عبد شمس إنّهم ... فتحوا للناس أبواب الكذب ورثوا أحمد فيما زعموا ... دون عبّاس بن عبد المطّلب كذبوا والله ما نعلمه ... يحرز الميراث إلّا من قرب وكتب أبو العبّاس إلى زياد بن عبد الله الحارثيّ، وهو عامله على المدينة، أن يخرج المخنّثين عنها، فأمر بإخراجهم فقال له صاحب شرطته: إنّ في دارنا مخنّثا، فإن رأى الأمير أن يدعه؟ فقال: دع في كلّ دار مخنّثا. فقال: إذن نحتاج إلى أن نجلبهم من الآفاق! وكانت أمّ سلمة بنت يعقوب المخزوميّة عند [ ... ] مسلمة بن هشام بن عبد الملك فطلّقها فصارت إلى فلسطين فتزوّجها أبو العبّاس قبل الخلافة، وثبت عليها بعد ما صارت إليه الخلافة فكلّمته في سليمان بن هشام بن عبد الملك وقالت إنّه كان مباينا لمروان بن محمد، فلم يعرض له. وكان يدخل عليه، فبينا هو ذات يوم عنده إذ دخل عليه سديف بن ميمون مولى بني هاشم فأنشد (الخفيف): أصبح الدين ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العبّاس [٧٩ أ] يا كريم المطهّرين من الرّج ... س ويا رأس كلّ قرم وراس أنت مهديّ هاشم ورضاها ... كم أناس رجوك بعد أناس لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعوا كلّ رقلة وغراس (١*) أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس ٥ فلقد غاظني وأوجع قلبي ... قربهم من نمارق وكراسي اذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس (٢*)

стр. 1511

والإمام الذي بحرّان أضحى ... رهن قبر مجاور الأرماس وأنشد [الخفيف]: أظمأتنا بنو أميّة حتى ... ما غبطنا مسوّغا للحياة كيف بالعفو عنهم، وقديما ... قتّلونا وهتكوا الحرمات (١) قتلوا سبط أحمد، لا عفا الرح ... مان عنهم مكفّر السيّئات أين زيد، وأين يحيى بن زيد ... يا لها من مصيبة وترات! والإمام الذي أصيب بحرّا ... ن إمام الهدى ورأس الثقات لا تزال الصدور آلمة ما ... لم تنل من أميّة الثارات وأنشد [الخفيف]: لا يغرّنك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضلوع داء دويّا فضع السيف في ذوي الغدر حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا وأنشد [الوافر]: علام وفيم نترك عبد شمس ... لها في كلّ ناحية ثغاء فما بالرمس من حرّان فيها ... ولو قتلت بأجمعها وفاء فلمّا أنشد سديف الشعر قام سليمان فقال: إنّ هذا يشحذك عليّ، وقد بلغني أنّك تريد اغتيالي. فقال: يا جاهل، ومن يمنعني منك حتّى أقتلك اغتيالا؟ خذوه! فأخذ فقتل. وكان أبو مسلم كتب إلى أبي العبّاس في أمر سليمان: إذا كان عدوّك ووليّك عندك سواء، فمتى يرجوك المطيع لك المائل إليك، ومتى يخافك عدوّك المتجانف عنك؟ ويقال: لمّا أنشد سديف شعره خرج سليمان فقال له: قتلتني قتلك الله! ثم دعا أبو العبّاس أبا الجهم بن عطية فقال له: بلغني عن سليمان بن هشام أمر أكرهه فاقتله! فأخرجه وقتله وابنا له، وصلبهما. وحضر غلام له أسود فجعل يبكي عليه ويقول: هكذا الدّنيا تصبح عليك مقبلة وتمسي عنك مدبرة. وقيل: دفع سليمان إلى عبد الجبّار صاحب الشرطة، فأمر المسيّب بن زهير فقتله. ومدح أبو العطاء السندي بني العبّاس في أوّل خلافة أبي العبّاس فقال [٧٩ ب] [الكامل]: إنّ الخيار من البريّة هاشم ... وبنو أميّة أرذل الأشرار وبنو أميّة عودهم من خروع ... ولهاشم في المجد عود نضار أمّا الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أميّة من دعاة النار فلم يصله بشيء، فقال [بسيط]: يا ليت جور بني مروان عاد لنا ... وأنّ عدل بني العبّاس في النار! وقال أيضا [الطويل]:

стр. 1512

بني هاشم، عودوا إلى نخلاتكم ... فقد عاد سعر التمر صاعا بدرهم فإن قلتم: رهط النبيّ محمد ... فإنّ النصارى رهط عيسى بن مريم فطلب فهرب ولم يظهر حتى مات. ورفع عبد الله بن عيّاش المنتوف إلى أبي العبّاس حوائج، وكان فيها أن يجزّ لحية علي بن صفوان ليشوّه به، وكان طويل اللحية. فلمّا دخل أبوالعبّاس المقصورة وصعد المنبر رأى ابن عيّاش وابن صفوان قبالته ورأى طول لحية ابن صفوان، فاستضحك فوضع كمّه على وجهه. فلمّا انصرف قال لابن عيّاش: ويلك! كدت تفضحني. فقال: والله ما أردت إلّا أن تذكر حاجتي! وقال الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش: ابتدأ أبو العبّاس آل أبي طالب بالبرّ والكرامة، فكان ذلك لا يزيدهم إلّا التواء عليه. وكان عبد الله بن حسن بن حسن أشدّهم له حسدا وأقلّهم له شكرا. فقال أبو العبّاس يوما: لقد صدق معاوية حين قال: «ما أحد من الناس إلّا وأنا أستطيع إرضاءه إلّا حاسد نعمة لا يرضيه عنّي إلّا زوال نعمتي، فلا أرضاه الله عنّي أبدا». وهؤلاء بنو أبي طالب قد وصلت أرحامهم فأحسنت برّهم يأبون بحسدهم وسوء نيّاتهم إلّا القطيعة. وإنّي أتخوّف أن يعود حلمي عليهم بما يكرهون في عواقب الأمور. والله المستعان. ويقال: أقدم أبو العبّاس عبد الله بن حسن عليه فبرّه وأكرمه وأعطاه ألف ألف درهم. فلمّا انصرف إلى المدينة أتاه أهلها مسلّمين عليه، وجعلوا يدعون لأبي العبّاس لبرّه وإجزاله صلته فقال عبد الله: يا قوم، ما رأيت أحمق منكم! تشكرون رجلا أعطانا بعض حقّنا، وترك أكثره! فبلغ ذلك أبا العبّاس فدعا إخوته وأهل بيته، وجعل يعجّبهم من قول عبد الله. فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّما تتمّ إحسانك إليه وإنعامك عليه بالصفح عنه- إلّا أخوه أبو جعفر فإنّه تكلّم فيه بكلام شديد [٨٠ أ] وقال: إنّ الحديد بالحديد يفلج! فقال أبو العبّاس: يا أبا جعفر، من تشدّد انفرد، ومن لان تألّف، والجاهل تكفيكه مساوئه. وقال الهيثم عن ابن عيّاش: كان أبو العبّاس أسخى الناس، ما وعد عدة قطّ فأخّرها عن وقتها، أو قام من مجلسه حتّى يقضيها. ولقد سمعناه يقول: إنّ المقدرة تصغّر الأمنية. ولقد كنّا نستكثر أمورا أصبحنا نستقلّها لأخسّ من صحبناه ثم نسجد لله شكرا. وقال المدائني: سمر خالد بن صفوان عند أبي العبّاس، ففخر قوم من بني الحرث بن كعب، وخالد ساكت. فقال له أبو العبّاس: تكلّم يا خالد! فقال: هؤلاء أخوال أمير المؤمنين. قال: وأنت من أعمامه، وليس الأعمام بدون الأخوال. قال: وما أكلّم من قوم إنّما هم على افتخارهم بين ناسج برد، وسائس قرد، ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وفرّقتهم فأرة! فجعل أبو العبّاس يضحك. وقال أبو العبّاس لخالد بن صفوان حين أخذ سليمان بن حبيب: أشعرت أنّ سليمان أخذ من بئر؟ فقال: هذا الذي خرج رقصا ودخل قفصا (١*). ودخل عليه خالد مرّة فقال: لقد وليت الخلافة

стр. 1513

فكنت أهلها وموضعها: رعيت الحقّ في مسارحه وأوردته موارده فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك وعدلك ورأيك ومجلسك، حتّى كأنّك من كلّ أحد أو كأنّك لست من أحد. فأعجبه قوله وأمر له بمال. وقال له أبو العبّاس مرة: ما تقول في أخوالي بني الحرث بن كعب؟ فقال: هنالك هامة الشرف، وخرطوم الكرم، وعرش الجود. إنّ فيهم لخصالا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم: إنّهم لأطولهم أمما، وأكرمهم شيما، وأطيبهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما. هم الجمرة في الحرب، والرّفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب (١). فقال: لقد وصفت، أبا صفوان، فأحسنت. وقال البلاذري: حدّثني أبو دهمان بن أبي الأسوار قال: كان أبو العبّاس يسمع الغناء، فإذا قال للمغنّي: «أحسنت» لم ينصرف من عنده إلّا بجائزة وكسوة. فقيل له: «إنّ الخلافة جليلة. فلو حجبت عنك من يشاهدك على النبيذ؟ » فاحتجب عنهم، وكانت صلاته قائمة لهم. ولمّا بلغ أبا جعفر عبد الله بن محمد استئذان أبي مسلم للحجّ، وهو يومئذ بالجزيرة واليها هي وأرمينيّة عن أخيه [٨٠ ب] أبي العبّاس، كتب إلى أبي العبّاس يسأله توليته الموسم. فكتب إليه يأمره بالقدوم ليقلّده الموسم. ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العبّاس، وأبو جعفر عنده، فسلّم على أبي العبّاس ولم يسلّم على أبي جعفر. فقال له أبو العبّاس: هذا أبو جعفر أخي. فقال: إنّ مجلس أمير المؤمنين مجلس لا تقضى فيه الحقوق. [قتل سليمان بن كثير] وكان سليمان بن كثير من النقباء. فلمّا قدم أبو جعفر أخو أبي العبّاس خراسان على أبي مسلم، قال له: إنّا كنّا نحبّ تمام أمركم، وقد تمّ بحمد الله ونعمته. فإذا شئتم قلبناها عليه. وكان محمد بن سليمان بن كثير خداشيّا (١*) فكره تسليم أبيه الأمر إلى أبي مسلم. فلما ظهر أبو مسلم وغلب على الأمر، قتل محمدا. ثم أتى سليمان الكفّيّة، وهم الذين بايعوا على أن لا يأخذوا مالا، وأن تؤخذ أموالهم إن احتيج إليها، ويدخلون الجنّة. ويقال إنّهم أعطوا كفّا من حنطة فسمّوا الكفّيّة. وقال لهم: حفرنا نهرا بأيدينا فجاء غيرنا فأجرى فيه الماء- يعني أبا مسلم. فبلغ قوله أبا مسلم فاستوحش منه، وشهد عليه أبو تراب الداعية، ومحمد بن علوان المروزيّ وغيرهما في وجهه بأنّه أخذ عنقود عنب وقال: «اللهمّ سوّد وجه أبي مسلم كما سوّدت هذا العنقود، واسقني دمه! »، وشهدوا أنّ ابنه كان خداشيّا، وأنه بال على كتاب الإمام. فقال أبو مسلم لبعضهم: خذ بيده «فألحقه بخوارزم! » وكذلك كان يقول لمن أراد قتله. فقتل سليمان بن كثير. وكتب إلى أبي العبّاس بخبره وقتله إيّاه، فلم يجبه عن كتابه. وبلغ أبا مسلم عن زياد بن صالح تنقّص له وذمّ، وأنّه يقول: «إنّما بايعنا على إقامة العدل وإحياء السّنن، وهذا ظالم يسير سير الجبابرة»، وأنّه مخالف له، قد أفسد عليه قلوب أهل خراسان. فدعا به فقتله. وكان عيسى بن ماهان مولى خزاعة صديقا لزياد ومطابقا على بعض أمره. فقال للناس: «إنّ أمير المؤمنين قد أعظم

стр. 1514

قتل زياد، وذمّ أبا مسلم وأنكر فعله وقال: إنّه قتل رجلا ذا قدم وبلاء حسن في دولتنا، وبرئ منه، وقد بعث بعهدي على خراسان». ودعا قوما إلى حرب أبي مسلم فأجابه قوم منهم سرّا. وخالفه قوم فقتلهم. وكان يومئذ بإزاء قرية وجّهه أبو مسلم إليها ليحارب أهلها. فقدم أبو حميد رسول أبي العبّاس إلى أبي مسلم [٨١ أ] بخلع وبزّ وبكتاب يلعن فيه زياد بن صالح وأشياعه، ويصوّب رأي أبي مسلم في قتله. فأمر أبو مسلم أبا داود بقتل عيسى بن ماهان. فكتب إليه: إنّ رسول أمير المؤمنين قدم على الأمير بخلع وبزّ له وللأولياء، وذكرناك له. فصر إلينا لتشركنا في أمرنا فنعرّفه حالك. فقدم على أبي داود، فقال: «خذوا ابن الفاعلة! » وأمر به فأدخل في جوالق (١)، ثمّ ضرب بالخشب حتّى قتل. فكتب أبو العبّاس إلى أبي مسلم يعظّم قتل عيسى ويأمره بقتل أبي داود به. فكتب في جواب ذلك يعذر أبا خالد بن إبراهيم، ويذكر أنّ ابن ماهان لو ترك لكان منه مثل الذي كان من زياد بن صالح من إفساد الناس وحملهم على المعصية والخلاف. وخرج أبو الورد مجزأة بن الهذيل بن زفر الكلابيّ ودعا الناس فأجابه من قيس وغيرهم زهاء سبعة آلاف. وبلغ أبا محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان فطمع وقال: «أنا السفيانيّ الذي يروى أنّه يردّ دولة بني أميّة! » ونزل دير حنينا فبايعه أبو الورد والناس. فبعث عبد الله بن علي بأخيه عبد الصمد بن عليّ إلى السفيانيّ وأصحابه، وهم بقنّسرين فاقتتلوا فانهزم أصحاب عبد الصمد. وأقبل إليه عبد الله بن علي فاقتتلوا في آخر ذي الحجّة سنة اثنتين وثلاثين، فانهزم أصحاب السفيانيّ وتوارى هو. وكان بسّام بن إبراهيم مع نصر بن سيّار. فلمّا ظهر أبو مسلم صار إليه، وقدم مع قحطبة وتوجّه مع عبد الله بن عليّ لقتال مروان. فلمّا خلع أبوالورد (١*) وبايع أبا محمد السفيانيّ، ثم هرب السفياني واختفى، صار بسّام إلى تدمر وعزم على الخلاف لأشياء أنكرها من سيرة عبد الله بن عليّ. فمنعه أهل تدمر من دخولها فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم جماعة بعث برءوسهم إلى عبد الله بن علي ليوهمه أنّه على طاعته. ثم أظهر الخلاف فانصرف عنه عامّة جنده، فأتى قرقيسيا. فكتب عبد الله بن علي بخبره إلى أمير المؤمنين أبي العبّاس. فسار بسّام إلى المدائن في جمع، فوجّه إليه أبو العبّاس خازم بن خزيمة فقاتله فانهزم بسّام وصار إلى السوس، وقد تفرّق عنه أصحابه، ثم مضى إلى ماه البصرة (٢*) وخازم يتبعه فتوارى وكتب إلى جعفر بن محمد الصادق: «إن [٨١ ب] جئتني ضرّبت بين أهل خراسان وبايعت لك». فخاف جعفر أن يكون أبو العبّاس السفّاح دسّ إليه الكتاب، فأتى أبا العبّاس بكتاب بسّام فقال له: أحسن الله جزاءك يا ابن عمّ. اكتب إليه فواعده مكانا يلقاك فيه. فواعده الحيرة، ووجّه بذلك ابنه إسماعيل بن جعفر. وأمر أبو العبّاس أبا غسّان مولاه وحاجبه بتفقّده ومراعاته. فلمّا رآه أبو غسّان مع إسماعيل بن جعفر، وقد لبس سوادا، وليس معه سيف، قال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل الحيرة من العبّاد. فرفع أبو غسّان عليه العمود فشتمه بسّام وقال:

стр. 1515

لو كان معي سيفي ما اجترأت أن ترفع عليّ عمودك. فأخذه وأتى به أبا العبّاس، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلب. وخرج على أبي مسلم ببخارى شريك بن شيخ المهريّ وقال: «إنّما بايعناكم على العدل ولم نبايعكم على سفك الدماء والعمل بغير الحقّ». فاتّبعه أكثر من ثلاثين ألفا. فبعث إليه أبو مسلم زناد بن صالح قبل قتله بسنة أو نحوها- ويقال: بعث غيره- فحاربه فأوقع بأصحابه وقتله. وكان سلم بن قتيبة بن مسلم على البصرة من قبل يزيد بن عمر بن هبيرة، فلمّا حصر ابن هبيرة وظهر أمر المسوّدة، كتب سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة إلى أبي سلمة الخلّال: «إن ولّيتني البصرة أخذتها لك». فكتب إليه بولايتها فسوّد، وجرت بينه وبين سلم مراسلات آلت إلى أن يقيما على هيئتهما حتّى ينظرا ما يصنع ابن هبيرة والمسوّدة. فبلغ ذلك أبا سلمة، فكتب إلى بلج بن المني بن مخرّبة (١) العبدي: إن قاتل سفيان سلما وإلّا فأنت أمير البصرة! فأعلم بلج سفيان ذلك فقال: لا، بل أقاتل. فأمسك بلج عن تولّي البصرة. فكتب أبو سلمة إلى الصمّة بن دريد بن حبيب بن المهلّب بعهده على البصرة. فحرّك ذلك سفيان بن معاوية، وحارب سلم بن قتيبة فانهزم. وأقام سلم بالبصرة نحوا من شهرين، ثم شخص إلى البادية، وكتب إلى أبي العبّاس ببيعته فأمّنه، وكتب عهد سفيان على البصرة باستشارة أبي سلمة. فلمّا قتل أبو سلمة الخلّال أمر أبو العبّاس بعزل سفيان وقال: «هو من عمّال الناكث أبي سلمة». وولّى البصرة عمر بن حفص بن هزارمرد. ثم ولّى سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس. واجتمع لأبي العبّاس في سنة ستّ وثلاثين [ومائة] فتح السّند وإفريقيّة، ومكاتبة صاحب الأندلس. [٨٢ أ] فقال لبعض عمومته: سمعت أنّه إذا جاء فتح السند وإفريقيّة مات القائم من آل محمّد؟ فقال له: كلّا! فما برح حتّى دعا بدواج (١*) لقشعريرة أصابته، وهاج به الدم. فأشار عليه الأطبّاء بالفصد فلم يقدم عليه فحمّ. ثم خرج به الموم (٢*) فكان يتقلّب فيبقى جلده على الفراش. فقال له بعض عمومته: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقال الطبيب: أصبح صالحا بحمد الله! فسلت (٣*) ذراعه بيده فتناثر لحمه وقال: كيف يكون صالحا من هذه حاله؟ [وفاة السفّاح] وتوفّي بالأنبار يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ستّ وثلاثين ومائة، وهو ابن ستّ وثلاثين سنة أو نحوها. ومولده في ربيع الآخر سنة أربع ومائة. فكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وأيّاما. وصلّى عليه عيسى بن عليّ- وقيل: عيسى بن موسى. وكان آخر ما تكلّم به أن شهّد ثم قال: إليك يا ربّي، لا إلى النار! وكان طويلا أبيض أقنى ذا شعر أسود جعد،

стр. 1516

حسن اللحية جعدها، سريع الغضب، قريب الرضى، سديد الرأي. وكان قاضياه [محمد بن عبد الرحمن] ابن أبي ليلى و [عبد الله] (١) بن شبرمة. وكان أراد البيعة لابنه محمّد. ثم قال: ابني حدث، فما عذري عند ربّي؟ فقالت له أمّ سلمة بنت يعقوب امرأته، وهي أمّ محمّد: «ولّ غيره واجعله ثانيا. وكلّمت أخواله في أن يسألوه ذلك، فقال: أخاف أن يقصر عمر من أجعله قبله، فتدركه الخلافة وهو صغير، فيصير الأمر إليه قبل أن يستحقّه. ولكنّي أصيّره إلى رجل من أهلي أثق بفضله واحتماله. فأثبت اسم أخيه أبي جعفر، وعيسى بن موسى ابن محمد من بعده في كتاب. وختم الكتاب وجعل في منديل وجمعت أطرافه وختم عليه بخاتم أبي العبّاس، وأخذه عيسى بن علي إليه. ويقال إنّ عيسى بن عليّ قال له: يا أمير المؤمنين، اذكر رجلا يمدّ الناس إليه أعناقهم بعدك، فإنّ ذلك لا يقدّم ولا يؤخّر. فقال: كنت وعدت عبد الله بن علي إن قام بهذا الأمر أن أولّيه الخلافة بعدي. فقال له سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ: «لا تخرجها من ولد محمد بن عليّ! » فقبل قوله. وكان له من الولد، محمد، والعبّاس، وعلي، وإبراهيم، وإسماعيل، درجوا، وريطة، وأمّهم أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ. ولم يل أحد من أولاده الخلافة، بل انتقلت الخلافة بعده إلى أخيه أبي جعفر فاستمرّت في عقبه [٨٢ ب]. ويقال إنّ أبا سلمة الخلّال وسليمان بن كثير كانا يفدان في كلّ عام على إبراهيم الإمام فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم ويستأمرانه. ولم يكن أحد من أهل بيته يعرفهما ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه. فقدما سنة من السنين فرأيا أبا العبّاس وأبا جعفر أخوي إبراهيم الإمام، وهما إذ ذاكغلامان فأعجباهما، فقال سليمان بن كثير لأبي سلمة: إنّي مسرّ إليك أمرا مهمّا من أمور الدين، فاحلف لي على كتمانه! فحلف له أبو سلمة بأيمان رضيها. فقال له سليمان بن كثير: إنّي أرى عند هذين الصبيّين من أمارات الاستقلال ما لا كفاء له. فقال له أبو سلمة: هما والله أولى بالأمر من صاحبنا إبراهيم الإمام. فقال له سليمان: ما منعني من ذكر ذلك لك إلّا التقيّة والتستّر. وبينما هما يتفاوضان في هذا إذ مرّ أبو العبّاس وأبو جعفر وهما يضربان كرة، فدعاهما أبو سلمة فأتياه، فقال لهما: إنّي أنشدت صاحبي شعرا أنا به معجب فلم يرضه، وقد رضينا بحكمكما فيه. فقالا: أنشده! فأنشدهما (الطويل): أمسلم فاسمع (١*) يا ابن كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضي ونوّهت من ذكري، وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض

стр. 1517

فقال له أبو جعفر: من يقول هذا؟ قال: يقوله أبو نخيلة. فعضّ أبو جعفر على أصبعه وقال: أآمن هذا العبد أن تدول لبني هاشم دولة فيولغوا الكلاب دمه؟ فقال له أبو العبّاس: مه يا أخي! فإنّه كان يقال: من أظهر غضبه ضعف كيده. ثم أقبل أبو العبّاس على أبي سلمة فقال له: هذا شعر أحمق في أحمق! كيف يقول لرجل هو في سلطان غيره وتابع له: يا جبل الأرض؟ وجبل الأرض مرسيها وممسكها، فلا يصحّ أن يقال هذا لمن هو في سلطان غيره وتابع له. وأين يقع تعظيمه وتفخيمه من نقص اسمه؟ وانطلق، فقال له أبو جعفر: هلمّ يا أخي نلعب! فقال أبو العبّاس: هل أولغت الكلاب دم أبي نخيلة؟ قال: لا، ولكنّك أدّبتني فتأدّبت. وذهبا. فقال أبو سلمة لسليمان: بمثل هذين يطلب الملك ويدرك الثأر! وما زالا بإبراهيم الإمام حتى عهد إلى أبي العبّاس. ويقال إنّه وعدهما أن يعهد إليه، ولم يفعل حتى قبض عليه مروان، فأمضى العهد لأبي العبّاس. ثم إنّ أبا نخيلة وفد على أبي العبّاس عند ما أفضت إليه الخلافة. فلمّا مثل بين يديه استأذنه في [٨٣ أ] الإنشاد. فقال له: من أنت؟ فقال: عبدك وشاعرك أبو نخيلة. فقال أبو العبّاس: لا قرّب الله للأبعد نوى ولعنه! ألست القائل: أمسلم فاسمع ... الأبيات؟ فقال أبو نخيلة: نعم يا أمير المؤمنين، وأنا الذي أقول [رجز]: كنّا أناسا نرهب الأملاكا ... ونركب الأعجاز والأوراكا من كلّ شيء، ما خلا الإشراكا ... وكلّ ما قد قلت في سواك زور، فقد كفّر هذا ذاكا ... إنّا انتظرنا زمنا أباك ثم انتظرنا بعده أخاكا ... ثم انتظرناك لها إيّاك فكنت أنت للرّجاء ذاك (١*) فوصله وعفا عنه. ودخل عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ إلى السفّاح، ومجلسه أحفل ما يكون بوجوه قريش وبني هاشم والشيعة وأعيان الناس، ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقّنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف! فأشفق الناس من أن يعجّل السفّاح بشيء إليه، أو يعيى بجوابه فيكون نقصا له وعارا عليه. فأقبل السفّاح عليه غير مغضب ولا مزعج وقال له: إنّ جدّك عليّا، وكان خيرا منّي وأعدل، ولي هذا الأمر فأعطى جدّيك الحسن والحسين، وكانا خيرا منكم، شيئا، وكان الواجب أن أعطيك مثله. فإن فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك، فما هذا جزاء لي منك. فما ردّ عبد الله جوابا وانصرف، والناس يعجبون من حسن جوابه له.

стр. 1518

وكان يقول: ما أبالي بالموت متى طرقني، وقد نلت أملي في بني أميّة: أحرقت هشاما بابن عمّي زيد بن عليّ، وقتلت مروان بأخي الإمام إبراهيم، ثم ينشد [البسيط]: [٨٣ أب] لو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... وما دماؤهم للغيظ ترويني ثم كان إذا ذكر بني أميّة أنشد قول جدّه العبّاس بن عبد المطّلب [الطويل]: أبى قومنا أن ينصفونا وبيننا ... قواطع في أيماننا تقطر الدما إذا خالطت هام الرجال تركتها ... كبيض نعام في الوغى قد تحطّما ولمّا اشتدّ أبو العبّاس على بني أميّة وأرهف حدّه فيهم، عمل شاعر منهم هذه الأبيات وتلطّف في إيصالها إليه، وهي [الرمل]: ولقد أبصرت لو تنفعني ... عبرا والدهر يأتي بالعجب أين زرقا عبد شمس، أين هم ... أين أهل الباع منهم والحسب؟ كلّ سار الجدّ محمود الجدى ... واضح الغرّة بدر منتخب لم تكن أيديهم عندكم ... ما فعلتم يال عبد المطّلب إن تجذّوا الأصل منهم سفها ... يا لقومي للزمان المنقلب! إنّ هذا الدهر لا بدّ له ... بخيار الناس يوما ينقلب فألان جانبه وفلّ غرب سطوته. ولمّا دخل عليه الطبيب في مرض موته، أنشأ السفّاح يقول [الكامل]: انظر إلى ضعف [ ... ] ... [ ... ] بيد السكون (١*) ينبيك قول بنانه ... هذا مقدّمة المنون فلما جسّ نبضه قال له: «أنت صالح». فقال [الوافر]: يبشّرني بأنّي ذو صلاح ... يبين لي، وبي داء دفين لقد أيقنت أنّي غير باق ... ولا شكّ، إذا وضح اليقين ١٤٧٨ - أبو جعفر المنصور [- ١٥٨] (٢*) [٨٤ أ] عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، الخليفة أمير المؤمنين، أبو جعفر المنصور، ابن الإمام أبي عبد الله ذي الثفنات، ابن الإمام أبي محمد السجّاد، ابن حبر الأمّة ترجمان القرآن أبي العبّاس، ابن عمّ رسول الله ﷺ أبي الفضل، القرشيّ، الهاشميّ، العبّاسي، ثاني خلائف بني العبّاس. ويقال له «الدوانيقي» لقبا ينبز به لبخله. أمّه أمّ ولد تدعى سلامة (٣*)، نفزيّة، وهي صنهاجيّة بربريّة. ولد في ذي الحجّة سنة [خمس وتسعين]. ووجّهه أبوه إلى البصرة ليزور من بها ويدعوهم إلى الرضى من آل محمد، فكان يأتي عمرو بن عبيد. فلمّا صار إلى الشام سمعه أبوه يتكلّم بشيء

стр. 1519

يقايس فيه فأنكره عليه وقال: هذا كلام مولى بني تميم- يعني عمرو بن عبيد. [ضرب أبي جعفر قبل الخلافة] ولمّا خرج عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل يزيد بن الوليد بن عبد الملك، سار إليه أبو جعفر فيمن أتاه من بني هاشم فولاه إيذج من الأهواز فأخذه سليمان بن حبيب بن المهلّب بن أبي صفرة عامل عبد الله بن عمر على الأهواز فحبسه وشتمه ومن هو منه وضربه وأراد قتله، فقال له سفيان بن معاوية (١) ويزيد بن حاتم: «إنّما أفلتنا من بني أميّة بالأمس. أفتريد أن يكون لبني هاشم عندنا دم؟ فخلّى سبيله. فصار إلى عمرو بن عبيد وأقام عنده. ثم سار مستترا إلى الحميمة. ويقال إنّه مرّ بالزوابي فسأل نوبخت المنجّم عمّا تؤول إليه حاله في وجهه وفيما بعد ذلك، فقال نوبخت: «سيصير إليك ملك العرب. وأمّا وجهك فسينالك مكروه». وكان من أمره مع سليمان ما كان من ضربه أسواطا يقال إنّها قدر ستّين سوطا. وقدم مصر هو وأخوه أبو العبّاس عبد الله بن محمد السفّاح، وعمّهما عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس قبل استخلافه. وسار مع أخيه من الحميمة إلى الكوفة فاختفيا بها في بني أود، ومعهما طائفة من أهل بيتهما، حتى كان من ظهور أخيه أبي العبّاس السفّاح ومبايعته بالخلافة ما كان، على ما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب. [ف] رأى أبو العبّاس توجيهه إلى واسط لمحاربة يزيد بن عمر بن هبيرة، وقد بعث إلى قتاله أبو سلمة حفص بن سلمة الخلّال وزير آل البيت، بالحسن بن قحطبة قبل ظهور أبي العبّاس. فكان في نفوس قوم من أهل خراسان على الحسن أشياء فكرهوه، وسألوا أبا العبّاس أن يوجّه رجلا من أهل بيته ليسكنوا إليه ويقاتلوا معه. فلمّا قدم أبو جعفر واسط تحرّك له الحسن بن قحطبة عن مضربه فقاتل أهل الشام أصحاب ابن هبيرة فهزمهم. وثبت معن بن زائدة الشيبانيّ وقاتل، وترجّل أبو نصر مالك بن الهيثم، ثم افترقوا. ومكثوا أيّاما. فخرج معن بن زائدة ومحمد بن نباتة بن حنظلة فقاتلا بمن معهما أهل خراسان فهزمهم إلى دجلة. فقال لهم أبو نصر: «يا أهل خراسان، ويلكم! إلى أين تفرّون؟ إنّ [٨٤ ب] الموت بالسيف خير منه غرقا! » فثابوا وحملوا فهزموا أهل الشام، فكانوا على ذلك أحد عشر شهرا. فلمّا طال عليهم الحصار وجاءهم قتل مروان ببوصير من أرض مصر، أتاهم إسماعيل بن عبد الله القسريّ فقال: «علام تقتلون أنفسكم؟ قد قتل مروان». فطلب معن بن زائدة الأمان فأمّنه أبو جعفر. [قتل ابن هبيرة] ثم طلب ابن هبيرة (١*) الأمان فأمّنه أيضا. وكتب كتابا وشرط عليه أنّه إن نكث أو غدر فلا أمان له. وكان مقيما بواسط يغدو ويروح إلى أبي جعفر في جماعة كبيرة يتغدّى عنده ويتعشّى إذا حضر في وقت غدائه وعشائه، وهو في ذلك يدسّ إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، ويهمّ بالدعاء له وخلع أبي العبّاس (٢*). فكتب أبو العبّاس إلى أبي جعفر يأمره بقتله فأبى

стр. 1520

وكره ذلك لما أعطاه من الأمان. فكتب إليه ثانيا يأمره بقتله وأن لا يراجعه في أمره. فأمر أبو جعفر الحسن بن قحطبة بقتله فأبى. فقال خازم بن خزيمة: «أنا أقتله! » وساعده جماعة، فداروا في القصر ثم دخلوا على ابن هبيرة، وعليه قميص مصريّ وملاءة مورّدة أو صفراء، ومعه ابنه داود وكاتبه عمر بن أيّوب (١) وعدّة من مواليه، وقد دعا بحجّام ليحتجم. فلمّا رآهم مقبلين نحوه سجد، فضرب بالسيوف حتى مات وقتل ابنه ومن كان معه. ويقال: بل جرّوه برجله حتى أنزلوه عن فراشه ثم قتلوه. وجاءوا برأسه ورءوس من كان معه إلى أبي جعفر. وأخذ عثمان بن نهيك سيف حوثرة بن سهيل فضرب به عنقه. وفعل بمحمد بن نباتة وبيحيى بن حضين بن المنذر مثل ذلك. وكان معن بن زائدة وفد على أبي العبّاس ببيعة ابن هبيرة وأقام بالكوفة فسلم. وكان ابن هبيرة إذا رأى وهنا وضعفا في أمره أنشد [السريع]: والثوب إن أسرع فيه البلى ... أعبى على ذي الحيلة الصانع كنّا نداريها فقد مزّقت ... واتّسع الخرق على الراقع وقال الهيثم بن عديّ: كان زياد بن صالح الحارثيّ مع ابن هبيرة فكتب إليه أبو العبّاس: إنّ لك قرابة وحقّا- وأرغبه، فخرج إليه فانكسر ابن هبيرة وطلب الأمان. (قال) ولمّا أمن ترك بواسط. فكتب أبو مسلم إلى أبي [٨٥ أ] العبّاس: «إنّه قلّ طريق سهل فيه حجارة إلّا أضرّت بأهله، ولا يصلح والله لكم أمر دونه ابن هبيرة، فاقتلوه عاجلا! فلست آمن أن يكيدكم». فوجّه أبو العبّاس رسولا إلى أبي جعفر بكتاب معه يعزم عليه فيه ليقتله. فوجّه أبو جعفر أبا خزيمة ومعه الهيثم بن شعبة والأغلب بن سالم وسلّام (١*) الحاجب في جماعة، فدخلوا رحبة القصر وأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنّا نريد حمل ما في الخزائن. فقال: افعلوا. فدخلوا الخزائن، فوكّلوا بكلّ خزانة جماعة، ثم دخلوا عليه فقتلوه، ونادى منادي المنصور: «أمّن خلق الله إلّا عمر بن ذرّ، والحكم بن عبد الملك بن بشر، وخالد بن سلمة المخزوميّ! » وقتل من وجوه أصحاب ابن هبيرة خمسون. ونودي: «يا أهل الشام، الحقوا بستانكم فاشهدوا أسماءكم هناك». ووجّه إلى المثنّى بن يزيد بن عمر فقتله. واستخلف بواسط الهيثم بن زياد الخزاعيّ. وقال أبو الحسن المدائني عن مسلم بن المغيرة قال: كنت مع أبي أيّوب الخوزي في عسكر أبي جعفر، وكان لأبي جعفر بيت قد بني له ومضربه محيط به. وكان في ستارة المضرب خلل، فكنت انظر منه. فرأيت الحسن بن قحطبة إلى جانب أبي جعفر يحدّثه. ثم دعي بحوثرة بن سهيل فجاءعثمان بن نهيك فأخذ سيفه. فأراد أن يتكلّم ثم سكت. فأدخل البيت وأغلق عليه. ثم خرج سلّام حاجب أبي جعفر فدعا بمحمّد بن نباتة فصنع به مثل ذلك. ثم خرج فقال: «أين يحيى بن الحضين؟ » ثم دعا ببسر بن عبد الملك بن بشر- أو قال: بالحكم بن عبد الملك- فقام ومعه أخوه أبان، فقال: «ما فرّق بيني وبينه شيء قطّ». ثم دعا بخالد بن سنان المرّي، وكان على شرطة ابن هبيرة. ثم قتل خالد بن سلمة المخزومي وابنه. ثم

стр. 1521

قتل حرب بن قطن الهلالي. ثم خرج سلّام فقال للناس: «انصرفوا! » (فقال مسلم بن المغيرة) فسألت عثمان بن نهيك عن السبعة النفر فقال: «أمّا حوثرة فإنّي أدخلت السيف بين ضلعين من أضلاعه وقلت: يا عدوّ الله، أنت الكاتب إلى مروان: «إنّ الله مخزيهم»، ثم لم يرضك إلّا شتمنا؟ » ولم يكن في القوم أجزع من محمد بن نباتة: كان يصيح كما يصيح الصبيان، على شجاعته وبأسه. وأمّا خالد بن سنان فقال: يا مجوس، قتلتمونا غدرا [٨٥ ب]! والله لقد قتلنا سيّدكم قحطبة! ». وقتل مع ابن هبيرة رياح بن عمارة مولى هشام، اشتراه بعشرة آلاف درهم فأعتقه. فلمّا جرى الصلح بين ابن هبيرة و (بين) أبي جعفر، قال له أبو جعفر: أعربيّ أم مولى؟ فقال: إن كانت العربيّة لسانا فقد نطقنا بها. وإن كانت دينا فقد دخلنا فيه. فاستبرعه. فسأل عنه فقيل: قتل. ويقال إنّه أمر بأن يستبقى فعجّل عليه. وهرب أبو علاثة وهشام بن هشيم بن صفوان الفزاريّان، فلحقا فقتلا على الفرات. وقتل أبو عثمان حاجب ابن هبيرة، وهو يتغدّى لحم بقر. وقتل الحكم بن عبد الملك، أخو بشر بن عبد الملك وابنان له- وقيل إنّه هرب، وأبو علاثة الفزاريّ، وكان على حلوان، ويوسف بن محمد بن القاسم الثقفيّ. ودعي بحرب بن قطن فطلب فيه الحسن بن قحطبة وقال: خالكم! فقال له أبو جعفر: إنّ أمير المؤمنين كتب يؤمّنك لرحمك، وحقن دمك. ويقال: إنهم لمّا دخلوا على ابن هبيرة قام سعد الموصليّ خليفة أبي عثمان الحاجب دون ابن هبيرة وقال: «وراءكم! » فضربه الهيثم بن شعبة على حبل عاتقه فصرعه. وقام داود دون أبيه فقتل. وكان عمر بن ذرّ يقول: «ضاقت عليّ الأرض، فخرجت على دابّتي أقرأ آية الكرسيّ فما عرض لي أحد، فاستأمن لي زياد بن عبد الله الحارثي فأمّنني أبو العبّاس». وكان عمر بن ذرّ يحرّض على المسوّدة. وكان أبو جعفر قد أمّن خالد بن سلمة، فقال أبو العبّاس: «لو كانت له ألف نفس لأتيت عليه! » فقتله. وكان خازم بن خزيمة يقول: والله ما بدرت إلى قتل ابن هبيرة إلّا مخافة أن يدفع إلى رجل من اليمانيّة فيفخر علينا بقتله. وطلب سليمان بن عليّ الأمان لعقال بن شبّة بن عقال المجاشعيّ فأمّنوه، فذكر بني العبّاس ففضّلهم وذمّ بني أميّة وتنقّصهم. وذكر الهيثم بن عدّي قال: أرسل يزيد بن عمر بن هبيرة، وهو محصور بواسط، إلى أبي جعفر، وهو بإزائه: إنّي خارج إليك يوم كذا وداعيك للمبارزة. فقد بلغني تجبينك إيّاي. فكتب إليه أبو جعفر: يا ابن هبيرة، إنّك امرؤ متعدّ طورك جار في عنان غيّك، يعدك الشيطان ما الله مكذبه، ويقرّب لك ما الله مباعده. فصخ رويدا تتمّ الكلمة ويبلغ الكتاب أجله! وقد ضربت لك مثلي ومثلك: بلغني أنّ أسدا لقي خنزيرا فقال له الخنزير: قابلني! فقال الأسد: إنما أنت خنزير، ولست لي [٨٦ أ] بكفء ولا نظير. ومتى فعلت الذي دعوتني إليه فقتلتك قيل: قتل خنزيرا، فلم أعتقد بذلك فخرا ولا ذكرا. وإن نالني منك شيء كان سبّة عليّ، وإن قلّ.

стр. 1522

فقال: إن أنت لم تفعل رجعت فأعلمت السباع أنّك نكلت عنّي وجبنت عن قتالي. فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي بدمك. ولم يمكث ابن هبيرة بعد ذلك إلّا أيّاما حتى طلب الأمان وضرع إليه. وقال المدائنيّ: قال بعض الخراسانيّين لبعض الفزاريّين: ما كان أعظم رأس صاحبكم! فقال: أمانكم له كان أعظم! قال المدائنيّ: حصره أبو جعفر تسعة أشهر. ولمّا قتل أخرج إلى باب المضمار بواسط فصبّ النفط على جثّته وأحرق. وأمر أبو جعفر بهدم مدينة واسط. وكان يقول حين حصر: والله لو كان أبو جعفر أعزّ من كليب وائل ما قدر عليّ! ولو كان أشجع من شبيب (١) ما هبته! وقال أبو جعفر لإسحاق بن مسلم العقيليّ: كيف رأيت صنيعي بابن هبيرة؟ فقال: تعزيرا، وقد سلّم الله. كنت في خرق، وحولك من يطيعه ويموت دونه ويتعصّب له من قيس وغيرها. فلو ثاروا لذهب الناس. ولكنّ أمركم جديد، والناس بين راج وهائب. وقال هشام الكلبيّ: خرج ابن هبيرة حين خرج إلى أبي جعفر في جماعة، منهم جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فألقى له الحاجب وسادة وقال: اجلس راشدا أبا خالد! وقد أطاف بالحجرة عشرة آلاف من أهل خراسان. ثم أذن له فدخل على أبي جعفر فألقيت له وسادة. فحدّث أبا جعفر ساعة. وكان يركب في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل. فقال يزيد بن حاتم: ما ذهب سلطان ابن هبيرة بعد! إنّه ليأتينا فيتضعضع له العسكر، فليت شعري ما يقول في هذا عبد الجبّار وجهور بن مروان وأشباههم؟ فقال سلام لابن هبيرة: يقول لك الأمير: لا تسر في هذه الجماعة! فركب (١*) في ثلاثين فقال له سلّام: كأنّك تريد المباهاة؟ فقال: إن أحببتم نمشي إليكم فعلنا. فقال: ما هذا باستخفاف، ولكنّ أهل العسكر كرهوا هذا الجمع، فأمر الأمير بهذا نظرا لك. فكان يركب في رجلين وغلامه. وختمت خزائنه وبيت ماله ودار الرزق، وفيها طعام كبير. وعزم أبو العبّاس على قتله. ووجد له كتابا إلى عبد الله بن حسن بن حسن. فأمر أبو جعفر عثمان بن نهيك بقتله [٨٥ ب] فقال: ليقتله رجل من العرب! فندب له خازما والأغلب والهيثم بن شعبة. وسأل أبو جعفر ابن هبيرة عن أدم كان قسمه فقال: أيّها الرجل توسّع توسّعا قرشيّا ولا تضق ضيقا حجازيّا! فما مثلي يسأل عن أدم ولا يعاتب عليه. وهذا ضرب أخماس لأسداس. وقال له أبو جعفر يوما: يا أبا خالد حدّثنا! فقال: والله لأمحضنّك النصيحة إمحاضا ولأخلصنّها لك إخلاصا: إنّ عهد الله لا ينكث وعقده لا يحلّ. وإنّ إمارتكم حديثة وخلافتكم بكر، فأذيقوا الناس حلاوتها وجنّبوهم مرارتها. ثم نهض، ونهض معه سبعمائة من القيسيّة. فقال أبو جعفر: لا يعزّ ملك هذا فيه.

стр. 1523

ودخل ابن هبيرة يوما على أبي جعفر فجعل يحدّثه، وأبو جعفر مزور عنه. فجعل ابن هبيرة يقول: عليّ فأقبل أيّها الرجل! فلمّا خرج قال أبو جعفر: ألا تعجبون من ابن اللخناء وقوله لي؟ وقال أبو جعفر لمسلم بن قتيبة: ما كلّمت عربيّا قطّ أعظم نخوة من ابن هبيرة ولا أحسن عقلا. قال لي يوما وهو يكلّمني: «اسمع، لله أبوك! » ثم تدارك فقال: «إنّ عهدنا بالإمرة والولاية قريب، فلا تلمني. إنّها خرجت منّي على غير تقدير، فاغفرها». فقلت: قد غفرتها. [ولاية أبي جعفر الجزيرة] ولمّا انقضى أمر ابن هبيرة انصرف أبو جعفر والحسن بن قحطبة ومن معهما إلى أبي العبّاس، فاستعمل أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين. فقدم قرقيسيا وعليها المنذر بن الزبير بن عبد الرحمن بن هبّار بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى، فدعاه إلى الطاعة فأبى. فخلف عليها مالك بن الهيثم فقتل المنذر وصلبه. ومضى أبو جعفر إلى الرقّة فدعا أهلها فلم يجيبوه فخلّف عليهم موسى بن كعب ففتحها وغلب عليها. وسار أبو جعفر في مدن الجزيرة يصالح من دخل في طاعته ويخلّف على من التوى عليه حتّى فتحها. فكان ممّن صالح أهل الرها وأهل نصيبين وأهل دارا. وخرج في ولايته بريكة بن حميد الشيبانيّ في قوم من الخوارج، فوجّه إليهم مقاتل بن حكيم العكّي واتّبعه من كفر توثا (١) إلى بعض قرى دارا فالتقوا فقتل محمد بن سعيد خدينة بن عبد العزيز بن الحرث بن الحكم بن أبي العاصي، وكان مع الخوارج، واعتصم بريكة بجبل دارا، فتوجّه إليه العكّي فقتله. وأمر أبو جعفر بهدم مدائن الجزيرة فهدمت إلّا حرّان [٨٧ أ]. واستعمل على أرمينية يزيد بن أسيد بن ذافر السلميّ. ثمّ شخص في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين إلى أرمينية فدوّخها. فاستأمن إليه جماعة كانوا في قلعة الكلاب (١*). وقفل منها سنة ستّ وثلاثين [ومائة]. وعزل يزيد بن أسيد وولّى أرمينية الحسن بن قحطبة. [حجّ أبي جعفر وما كان من أبي مسلم إليه حتى كان سببا لقتله] وكان أبو مسلم قد كتب إلى السفّاح يستأذنه في الحجّ. فكتب إليه: إنّ الجهاد أفضل من الحجّ. فكتب: إنّه لا بدّ لي من الحجّ، فإنّي حججت وأنا تابع بغير مالي، وعلى غير ظهري، وفي نفسي من ذلك شيء. فكتب إليه يأمره بالقدوم في ألف ويقول: إنّما تسير في سلطان أهلك، وطريق مكّة لا تحمل العساكر، فأمّا المال فلا تستكثر منه وعوّل علينا فيه. فأقبل في الرجال ومعه الأموال حتى نزل الريّ، وخلّف بها ثمانية آلاف فارس، وخلّف الأموال. وأتى الأنبار في ألف، وقال: إنّي لأرجو أن يموت أبو العبّاس فأكون أقوى مع من (٢*) يأتي بعده، ثم أغلب على الأمور، ويكون لي شأن من الشأن فلا يبقى بلد إلا وطئته برجليّ هاتين. فلمّا دخل على أبي العبّاس السفّاح أظهر أبو

стр. 1524

العبّاس له جفوة لما بلغه عنه، ثم أظهر له مبرّة، وقال له: لولا أنّ أخي على الحجّ في عامه لولّيتك الموسم، فإنّك رجل من أهل البيت. وكان أبو جعفر لمّا بلغه أن أبا مسلم على الحجّ كتب إلى أخيه أبي العبّاس من الجزيرة يسأله أن يولّيه الموسم. ويقال: بل كره أبو العبّاس أن يسأله أبو مسلم ولاية الموسم فلا يجد بدّا من توليته إيّاه فكتب إلى أبي جعفر بالقدوم ليقلّده الموسم. ووافى أبو مسلم فدخل على أبي العبّاس وأبو جعفر عنده، فسلّم على أبي العبّاس ولم يسلّم على أبي جعفر. فقال له أبو العبّاس: هذا أبو جعفر أخي. فقال: إنّ مجلس أمير المؤمنين مجلس لا تقضى فيه الحقوق. فأسرّها أبو جعفر وأضافها إلى ما حقده على أبي مسلم من قبل: وهو أنّ أبا العبّاس وجّهه حين استخلف في ثلاثين من بني هاشم ومن الفقهاء، فيهم الحجّاج بن أرطأة (١) إلى أبي مسلم ليهنّئوه بظهور الإمام وما فتح الله على يده، ويعلموه موقع ما كان له من الأمر الجميل عند أمير المؤمنين، والذي هو عليه من شكره. فلمّا قدم عليه أبو جعفر وقف على بابه محجوبا ساعات، ثم أذن له فلم يظهر له من التبجيل ما كان يستحقّه [٨٧ ب] ولم يؤمّره (٢)، فحقد ذلك عليه. فلمّا قدم على أبي العبّاس قال: إنّه لا ملك لك ولا سلطة أو تقتل أبا مسلم، فقد أفرط في الدالّة وعدّى طوره! فأشار إليه أن اسكت! ثم لمّا بعث أبو العبّاس أبا جعفر إلى أبي مسلم في أمر أبي سلمة الخلّال، كان يأتي دهليزه فيجلس فيه ويستأذن له الحاجب. ثم أمر بعد ذلك أن ترفع له الستور إذا جاء وتفتح الأبواب. وكان يحقد عليه أيضا قتله سليمان بن كثير ويقول: قتل نقيب نقبائنا ورئيس شيعتنا وشيخ دعوتنا. ويحقد أيضا قتل ابنه وقتل لاهز. فلما خرجا إلى الحجّ كان أبو مسلم يتقدّم أمام أبي جعفر بادئا وراجعا خوفا على نفسه لما كان حقد عليه حين أتاه بخراسان، من إجلاسه إيّاه في دهليزه، وكتابه إليه يبدأ بنفسه، مع أشياء كانت تبلغه عنه. فكان أبو مسلم يقول: ما وجد أبو جعفر سنة يحجّ فيها إلّا هذه السنة التي حججت فيها؟ [استخلاف أبي جعفر] فلمّا قضيا الحجّ وأقبل أبو مسلم، فكان بين البستان وذات عرق (١*) جاء أبا جعفر وفاة أخيه أبي العبّاس السفّاح، وأبو مسلم يتقدّمه بمرحلة فكتب إلى أبي مسلم: إنّه قد حدث حدث ليس مثلك غاب عنه، فصر إليّ! فلم يقدم عليه، وكتب إليه كتابا بدأ فيه بنفسه. فقال أبو جعفر: أنا بريء من العبّاس إن لم أقتل ابن وشيكة! وكان أبو مسلم يصلح العقاب، ويكسو الأعراب في كلّ منزل، فكان ذلك يغيظ أبا جعفر، ويرى أنّه استطالة منه عليه. فلمّا ورد أبو جعفر الأنبار وجد عيسى بن موسى بها وقد حوى الخزائن والأموال وحفظها فسلّمها إليه. وكان عبد الله بن عليّ قد خلع، فندب أبو جعفر المنصور أبا مسلم لحربه فسارع إلى ذلك ليتخلّص من يده.

стр. 1525

وذكر أنّ أبا مسلم لمّا قدم الأنبار أراد عيسى بن موسى على خلع المنصور ومخالفته وقال له: أنت وصيّ الإمام، وأحقّ بالأمر من أبي جعفر. فقال له: الأمر لعمّي، ولو قدّمني أبو العبّاس لقدّمته على نفسي! وقال ابن الأعرابيّ عن المفضّل الضبّي: أتت أبا مسلم وفاة أبي العبّاس، ولم يعلم أنّه قد ولّى أبا جعفر المنصور الخلافة بعده. فكتب إلى المنصور: عافاك الله وأمتع بك! أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين ﵀، فبلغ منّي أعظم مبلغ وأمسّه وجعا وألما. فأعظم الله أجرك وجبر مصيبتك، ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه [٨٨ أ] بأحسن ما عمله! فلمّا قرأ كتابه استشاط غضبا وكتب إليه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الرحمن: وصل كتابك فرأيتك غير موفّق فيه للرشد، ولا مسدّد للصواب. ولكنّي ذكرت ما تقدّم من طاعتك فعطفني عليك. وقد ولّيتك مقدّمتي، فسر على اسم الله وبركته حتى توافي الأنبار. ومن أنكرت من أمره شيئا من عمّالنا، فصرفه والاستبدال به إليك. فحقد كلّ واحد منهما على صاحبه. قال ابن الأعرابيّ: وحدّثني سعد بن الحسن أنّ المنصور لمّا قرأ كتابه أجابه عليه، وقد استشاط، فقال لعطيّة بن عبد الرحمن البجليّ: لمثلها كنت أحسّيك الحسى. إنّ العبد كتب إليّ بما ترى، وقد أجبته. فانطلق بالكتاب إليه، فإذا أخذ في قراءته فاضرب عنقه! فإن قتلت فشهادة، والله خليفتك على من تخلّف، وهو عندي عدل ولدي، وجرايتي عليه. وإن سلمت فلك من المكافأة ما يطأ به العرب عقبك. فقال له إسحاق بن مسلم: يا أمير المؤمنين، إنّه لا يؤمن أن ينبو سيفه فيقتل باطلا ثم يكرّ العلج علينا. وقال له مزيد بن أسيد: اذكر قول القطاميّ [البسيط]: قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل وقال له أبو أيّوب كاتبه: أجر الأمر حتّى يقدم عليك شيعتك وأهل بيتك. فأنفذ المنصور كتابه مع غير عطيّة. وذلك أنّه لمّا بلغ أبا مسلم موت أبي العبّاس كتب به إلى أبي جعفر، وهو لا يعلم باستخلافه إيّاه. فلمّا أتاه أنّه قد استخلفه كتب إليه: أصلحك الله يا أمير المؤمنين صلاحا تامّا ناميا. بلغني هذا الأمر الذي أقطعني وأتاني به كتاب عيسى بن موسى مع محمد بن الحضين. إلّا أنّه سرّى عنّي الغمّ ولوعة المصيبة ما صار إليك من الأمر. فنسأل الله أن يعظم أجرك ويحسن الخلافة عليك فيما ولّاك، وأن يبارك لك فيما قلّدته. اعلم أنّه ليس أحد يا أمير المؤمنين أشدّ تعظيما لحقّك وحرصا على مسرّتك منّي. والله أسأل لك السلامة في الدين والدنيا. وكان ورود الكتاب عليه بصفينة (١*). ثم بعث أبو مسلم بالبيعة بعد يومين، وإنّما أراد أن يرهبه. ولمّا توفّي أبو العبّاس قام عيسى بن عليّ فخطب الناس بالأنبار فقال: الحمد لله أهل الحمد ووليّه، ذي المجد والعظمة، والكبرياء والقدرة، الذي كتب الموت على خلقه وسوّى فيه بين عباده فلم يعرّ منه [٨٨ ب] ملكا مقرّبا، ولا نبيّا مرسلا،

стр. 1526

ولا خليفة هاديا، جعلهم فيه شرعا، وجعله عليهم حتما فقال لنبيّه ﷺ : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤] وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]. فتبارك الله ربّ العالمين. ثم إنّ خليفتكم عبد الله أبا العبّاس أمير المؤمنين رحمة الله عليه كان عبدا من عباد الله الذين كتب عليهم الموت ونقلهم إلى دار الثواب، أكرمه الله بخلافته، وأحيا به سنّة نبيّه، وردّ به حقّ أهل هذا البيت إليهم، حتّى استقرّ في مقرّه وحلّ محلّه، وخرج من أيدي الفجرة الظّلمة أهل بيت اللعنة الذين أخذوه اغتصابا وظلما وابتزازا بالتمويه والشبه وادّعاء الأباطيل. ثم استعمله الله لطاعته إلى انقضاء مدّته وأثره ونفاد أجله وأكله، وقبضه إليه حميدا رشيدا سعيدا، وقد رضي سعيه وأقام به حقّه، فرحمة الله عليه وبركاته وصلواته. «وقد استخلف أخاه أبا جعفر أصلحه الله وأمتع الخاصّة والعامّة به، لكمال سنّه وفضل رأيه وصحّة عزمه ونفاذ بصيرته، وجعل وليّ العهد بعدهعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وهو من قد عرفتم جزالته وبراعته وفضله. فعند الله نحتسب أبا العبّاس أمير المؤمنين، وإيّاه نسأل أن يعظم أجورنا وأجوركم فيه، وأن يبارك لأمير المؤمنين أكرمه الله فيما ولّاه واسترعاه، ويحضره الرشد والسّداد في أموره. «فبايعوا رحمكم الله لأمير المؤمنين عبد الله، أمتع الله به، ولعيسى بن موسى بن محمد بن عليّ إن كان بعده، بيعة صادقة عن طوع واعتقاد ونيّة حسنة، بيعة تنشرح بها صدوركم وتخلص فيها نيّاتكم لتنالوا بها عاجل المكافأة وآجل الثواب إن شاء الله. «أحسن الله عليكم الخلافة وتولّاكم بالكفاية! ». ثمّ بكى وبكى الناس. فلمّا نزل كتب إلى عيسى بن موسى بالقدوم، وكان بالكوفة. فقدم الأنبار وأعطى الناس أرزاقهم. وكتب عيسى بن عليّ إلى أبي جعفر: أمّا بعد، أصلح الله أمير المؤمنين وأصلح به وعلى يديه، فإنّ أقلّ المصائب يا أمير المؤمنين نكاية وإن عظمت بها الرزيّة وجلّ الخطب وأفظع الأمر، مصيبة جبرت بحسن العوض في الدنيا وجزيل الثواب في الآخرة. وإنّ أمير المؤمنين أبا العبّاس رحمة الله عليه [٨٩ أ] وصلواته كان من عباد الله الذين حتم عليهم الموت وخلقهم للفناء، فقبضه الله حميدا سعيدا قائما بالحقّ جميل النظر للخاصّة والعامّة، مشفقا عليهم، معفيّا بعدله على جور أهل الظلمة من أهل بيت اللعنة، وبإحسانه على إساءتهم وشرارتهم. «وقد استخلفك يا أمير المؤمنين بعده وجعل وليّ عهدك عيسى بن موسى بن محمد. فأعظم الله أجر أمير المؤمنين على الرزيّة الفاجعة، وبارك لك في العطيّة الفاضلة، فلا مصيبة أجلّ من مصيبته، ولا عقبى أحسن من عقباه. ورحم الله أبا العبّاس وغفر له وضاعف حسناته، وجعل الله أمير المؤمنين خير خليفة وإمام [و] أعمله بعدل وأقومه بحقّ وأنظره لعامّة وأحناه على خاصّة بمنّه وقدرته. وقد دعوت الناس لبيعتك يا أمير المؤمنين، فسارعوا إليها واحتسبوا الخير فيها، حقّق الله آمالهم وبلّغهم بك وفيك أمانيهم يا أمير المؤمنين. فاشكر الله يزدك واستعنه يعنك واستكفه يكفك. «أسأل الله لأمير المؤمنين أحسن الحفظ وأدوم العافية والسلامة في الدنيا والآخرة». وكتب رقعة أدرجها في الكتاب لم يدر ما فيها،

стр. 1527

وبعث بالكتاب مع محمد بن الحضين العبديّ. فلمّا قرأه أبو جعفر بكى. وحمّل عيسى بن عليّ وعيسى بن موسى محمد بن الحضين كتابين إلى أبي مسلم بالتعزية بأبي العبّاس والتهنئة بولاية أمير المؤمنين أبي جعفر. وقال محمد بن الحضين لأبي جعفر المنصور حين قرأ كتاب عيسى بن عليّ إليه: قد أعقب الله المصيبة الجليلة بالنعمة العظيمة، فأحسن الله يا أمير المؤمنين من المصيبة عقباك، وبارك لك فيما ولّاك وأعطاك! فأمر له بخمسمائة دينار- ويقال: بألف دينار. وكتب إلى عيسى بن عليّ بأبرّ كتاب وألطفه، وجزّاه الخير على ما كان منه. وكتب إلى عيسى بن عليّ وعيسى بن موسى في القيام بأمر الناس وضبط ما قبلهما إلى قدومه. [خروج عبد الله بن عليّ] وكتب عيسى بن علي إلى عبد الله بن عليّ بالخبر، وعزّاه عن أبي العبّاس، وهنّأه بولاية أبي جعفر، وأنفذ الكتاب مع أبي غسّان حاجب أبي العبّاس، والهيثم بن زياد الخزاعيّ. فلمّا دخلا عليه سلّم الهيثم بالإمرة، وسلّم أبو غسّان بالخلافة. فقال الهيثم: مه! فإنّ أبا العبّاس قد استخلف أبا جعفر أخاه. فقال عبد الله: أنا [٨٩ ب] أحقّ بالأمر منه: إنّ أمير المؤمنين ﵀ ندب الناس إلى الجعديّ فتثاقلوا عنه، فقال: «من انتدب إليه فهو الخليفة من بعدي! » فانتدبت. فقال الهيثم: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرّض أهل بيتك لزوال النّعمة! فقال: اسكت لا أمّ لك! وقام فخطب فنعى أبا العبّاس وادّعى أنّه ولّاه الخلافة بعده. فصدّقه أبو غسان، وكذّبه الهيثم ورجل آخر معه، فأمر بالهيثم والرجل فضربت أعناقهما. وخرج من دابق (١*) وكان متوجّها إلى بلاد الروم للغزو في مائة ألف: فقال له ابن حنظلة البهراني: يا أمير المؤمنين، الرأي أن توجّه ألفرجل وتبعث عليهم رجلا تثق بصرامته وبأسه ونصيحته وتأمره أن يأخذ طريق السماوة (٢*)، فلا يشعر أبو جعفر وأبو مسلم إلّا بموافاته إيّاهما، وتغذّ أنت السير حتى تنزل الأنبار. فلم يقبل مشورته لأنّه من أهل الشام. وقد كان أبو جعفر خاف هذا الفعل من عبد الله بن عليّ، فأسرع حتّى نزل الأنبار، فسأل عن عبد الله بن عليّ فأخبر أنّه بحرّان قد صمد صمد مقاتل بن حكيم العكّي لإبائه بيعته حتّى يجتمع الناس. فحمد الله على ذلك. ثمّ بلغه أنّه قد أخذه وبعث به إلى عثمان بن سراقة فحبسه بدمشق، فقال: لله العكّي! ماذا يذهب منه! وقد روي أن أبا جعفر لمّا بلغه خبر وفاة أبي العبّاس دعا إسحاق بن مسلم العقيليّ، وقد حجّ معه فقال له: ما ترى أن نصنع؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان عبد الله بن عليّ حازما فسيوجّه خيلا تلقانا في هذه البراريّ فتحول بيننا وبين دار الخلافة وتأخذنا أسرا. فاقعد على دوابّك، فإنّما هي ليال حتّى نقدم الأنبار. قال: فإن هو لم يخالف؟ قال: فلا حياة به. والرأي إغذاذ السير على كلّ حال. فارتحل أبو جعفر وقدّم أبا مسلم أمامه يطوي المراحل إلى الأنبار. وندب أبا مسلم إلى عبد الله بن عليّ فسارع إلى محاربته.

стр. 1528

وقال ابن الأعرابيّ: لقيت امرأة أعرابيّة أبا جعفر المنصور في طريقه، وقد توفّي أبو العبّاس، والمنصور مقبل إلى الأنبار فقالت: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في أخيك، فإنّه لا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أفضل من خلافتك. فقال: بلى! الأجر! فقالت: هو لك مذخور إن شاء الله! فوهب لها ألف درهم. وقال المدائنيّ: حجّ مع [٩٠ أ] المنصور إسحاق ابن مسلم العقيليّ وكان عديله. فقال المنصور ذات يوم: لقد أبطأنا عن الحجّ، وإنّي لأخاف فوته. فقال إسحاق، وكان فيه جفاء: اكتب في تأخير الحجّ إلى قدومك! قال: ويحك! أو يكون أن يؤخّر الحجّ عن وقته؟ فقال: أو تريدون شيئا فلا يكون؟ (قال) وكان المنصور يقول: الملوك تحتمل كلّ شيء إلّا ثلاث خلال: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرم، والقدح في الملك. وقال عن إسحاق بن مسلم العقيليّ: حججت مع أبي جعفر فقال: قل للحادي: احد! فقلت: «يا عاصم، احد» فحدا. فقال: «قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بألفي درهم». فدعا له. ثم قال: احد أيضا- فأعاد فأجاد. فقال: قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بكسوة» فدعا له. فقال: «احد أيضا». فحدا فأجاد. فقال: «قل له: قد أمر لك أمير المؤمنين بخادم». فقلت له، فقال لي مسرّا لقوله: «بأبي أنت! فلعلّه موعوك؟ » فأعطى ذلك الذي أمر له به. وقال المسيّب: «جرى عند المنصور ذكر أبي مسلم وما كان من مداراته إيّاه، فقال: إذا مدّ عدوّك إليك يده، فإن أمكن أن تقطعها، وإلّا فقبّلها. وكان أبو الجهم بن عطيّة مولى باهلة من أعظم الدعاة قدرا وأعظمهم غناء، وهو الذي أخرج أبا العبّاس السفّاح من موضعه الذي أخفاه أبو سلمة الخلّال فيه، وحرسه، وقام بأمره حتّى بويع بالخلافة. وكان أبو العبّاس يعرف ذلك. وكان أبو مسلم يثق به ويكاتبه من خراسان ويأمره أنيكاتبه بالأخبار. فلمّا استخلف أبو جعفر بلغه أنّه يكتب إلى أبي مسلم بخبره وأنّه قال: ما على هذا بايعناهم! إنّما بايعناهم على العدل. فدعاه ذات يوم، فتغدّى عنده، ثمّ سقي شربة عسل- وقيل: سويق لوز- فلمّا وقعت في جوفه هاج به وجع، فتوهّم أنّه قد سمّ، فوثب. فقال له المنصور: إلى أين يا أبا الجهم؟ فقال: إلى حيث أرسلتني. ومات بعد يوم أو يومين فقال الشاعر [الطويل]: [ألا] احذر سويق اللوز لا تشربنّه ... فشرب سويق اللوز أردى أبا الجهم! وأهديت إلى ولد المنصور حملان بربريّة، فقال لقهرمانه: خذها إليك فاذبح لنا كلّ يوم منها حملا، فإنّ الصّبيان يكتفون بالصّعو (١*). وقال لعيسى بن عبد الله النوفليّ لمّا مات أبو العبّاس: قد عرفتني في السلطان وقبله، فهل رأيت لي لذّة في مطعم أو مركب أو ملبس؟ ولقد أتتني الخلافة وما طلبتها. [٩٠ ب] فقال له: ما زلت والله أعرفك بالزهد والفضل وطلب العلم.

стр. 1529

وقال الرشيد: أدخلت على المنصور وأنا صبيّ، فرأيته جالسا على حصير متّكئا على مسورة (١)، فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي وأخذني وقبّلني وصرفني. وكان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد، ومعه جارية حبشيّة أو صفراء تحمل له سراجا. وكان يقول: الملوك ثلاثة: معاوية، وكفاه زياد، وعبد الملك، وكفاه الحجّاج. وأنا، ولا كافي لي. وكان يذكر بني أميّة فيقول: رجلهم هشام. وكان يقول: الخلفاء أربعة، والملوك أربعة. فالخلفاء: أبو بكر وعمر وعليّ، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم. والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام وأنا. ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز! كان أعور بين عميان. ونعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة- يعني مروان بن محمد. وأتى ابن ليوسف بن عمر (٢) المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّلت منك أكثر من هذا. فقال: هذه كانت صلة أبيك لنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، فأين فضل قريش على ثقيف، وفضل الخلافة على الإمارة؟ فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال المنصور: معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها. وشاركت عبد الملك في قول كثيّر [الطويل] (١*): يصدّ ويغضي، وهو ليث عرينة ... وإن أمكنته فرصة لا يقيلها وقال: إنّ الحلم يزيد العزيز عزّا والذليل ذلّا. وقال لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك! فقال [البسيط]: إنّ العرانين تلفاها محسّدة ... ولن ترى للئام الناس حسّادا قال: صدقت. وبينا المنصور يخطب إذ قام رجل فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) [الصفّ: ٢] فأخذ. فلمّا قضى المنصور صلاته ودخل القصر دعا به فقال: طالت صلاتك وكثر صومكفضجرت من الحياة وقلت: أعترض هذا الرجل فأعظه، فإن قتلني دخلت الجنّة، وهيهات أن تدخلها بي! خلّوا سبيله! وخطب في بعض الجمع فقام رجل من الصوفيّين فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٤٤] فأخذ. فلمّا فرغ من خطبته أمر أن يضرب أربعين درّة فضرب. ثم دعا به فقال: «إنّا لم نضربك لقولك، إنّما ضربناك لكلامك في الخطبة، فلا تعد! » وأمر بتخلية سبيله. وخطب مرّة فلمّا قال [٩١ أ]: «وأشهد ألّا إله إلّا الله»، قام إليه رجل في أخريات الناس فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أذكّرك من ذكرت. فقال: «سمعا سمعا لما ذكّر بالله وأيّامه! وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا وأن تأخذني العزّة

стр. 1530

بالإثم»، قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الأنعام: ٥٦]. وأنت فما أردت الله بها، إنّما أردت أن يقال: قام فقال فضرب فصبر. وأهون عليّ بقائلها لو هممت! فاهتبلها ويلك إذ عفوت، وإيّاك وإيّاكم أيّها الناس وما أشبهها! فإنّ الموعظة علينا نزلت ومن عندنا انتشرت وعنّا أخذت وحملت». ثم عاد في خطبته. وقدم عليه قوم من أهل الشام بعد هزيمة عبد الله بن عليّ، وفيهم الحرث بن عبد الرحمن الجرشيّ فقام عدّة منهم فتكلّموا. ثم قام الحرث فقال: يا أمير المؤمنين، لسنا وفد مباهاة، ولكن وفد توبة: ابتلينا بفتنة استنفزّت شريفنا واستخفّت حليمنا، فنحن بما قدّمنا معترفون، وممّا فرط منّا معتذرون. فإن تعاقبنا فبجرمنا، وإن تعف عنّا فبفضلك علينا. فاصفح يا أمير المؤمنين إذ ملكت وامنن إذ قدرت، وأحسن فطالما أحسنت! فقال المنصور: «أنت خطيبهم». وأمر بردّ قطائعه بالغوطة عليه. ووجّه إسحاق الأزرق مولاه فأتاه بامرأتين وصفتا له، إحداهما من ولد خالد بن أسيد (١) والأخرى فاطمة بنت محمد بن (٢) عيسى بن طلحة بن عبيد الله. فجيء بهما، وقد خرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بالبصرة. فقيل له: إنّ هاتين الجاريتين قد استوحشتا إذ لم ترهما. فقال: والله لا كشفت ثوب امرأة حتى أدري أرأسي لإبراهيم أو رأس إبراهيم لي! وبعث المنصور إلى جعفر بن محمد، الصادق، ﵉ فقال «إنّي أريد مشاورتك في أمر». فلمّا دخل عليه قال: إنّي تأنّيت أهل المدينة مرّة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، ولا أراهم ينتهون ولا يرجعون. وقد رأيت أن أبعث إليهم من يعقر نخلهم ويغوّر عيونهم. فسكت جعفر. فقال: ما لك لا تتكلّم؟ فقال: إن أذن لي أمير المؤمنين، تكلّمت. فقال: قل. قال: إنّ سليمان ﵇ أعطي فشكر. وإنّ أيّوب ﵇ ابتلي فصبر. وإنّ يوسف ﵇ قدر فغفر. وقد وضعك الله في الشّطّة (١*) من بيت النبوّة، وفضّلك بالخلافة، وآتاك علما كاملا. فأنت حقيق بالعفو [٩١ ب] عن المسيء والصفح عن المجرم. فسكن غضبه. ودخل ابن شبرمة على المنصور فقال له المنصور: ألك حاجة؟ قال: نعم، بقاؤك يا أمير المؤمنين! قال: ويحك! سلني قبل أن لا يمكنك تسألني! فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك ولا أغتنم مالك. وإنّ سؤالك شرف، وعطاءك فخر. وما بامرئ يذلّ وجهه إليك شين ولا نقص. وعندي من فضل الله خير كثير. ومات إسحاق بن مسلم من بثرة خرجت بظهره، فحضر المنصور جنازته وحمل سريره حتى وضعه، وصلّى عليه، وجلس عند قبره. فقال له موسى بن كعب: يا أمير المؤمنين، تفعل

стр. 1531

هذا به، وقد كان والله مبغضا لك كارها لخلافتك؟ فقال: ما فعلت هذا إلّا شكرا لله إذ قدّمه أمامي. قال: أفلا أخبر أهل خراسان بهذا من رأيك؟ فقد دخلتهم وحشة لك لما فعلت. قال: بلى، فأخبرهم. فأخبرهم فكبّروا. وسمع يوم مات إسحاق بالهاشميّة وهو يتمثّل [الطويل]: كفاك عديّا موته ولربّما ... تغيظك أيّام له وليال وولّى المنصور طارقا مولاه ضيعة من ضياعه بالشام فشكاه قوم منهم فقال المنصور: إنّما نقمتم عليه ما اخترته له. فقالوا: إنّه عبد، وربّما صلّى بنا. فقال: هو حرّ، فصلّوا خلفه! فقام متكلّمهم فقال: ثب! فضحك، وكتب إلى طارق بالرفق بهم. وكان المنصور ربّما علّق البواري على أبوابه في الشتاء وقال: هي أقوى. وقدّمت إليه عصيدة فقال: ليس هذه العصيدة التي نعرف. ليعمل لنا تمرها بنواه! فلمّا كان الغد حضر غداؤه، وفيه قصعة فيها ثردة صفراء عليها عراق، فأكل منها. ثمّ رفعت وأتى بلونين. فلمّا رفعا أتى بالعصيدة فأكل منها أكلا صالحا، وقال: هذه هي! هذه هي! فلمّا رفعت المائدة غسل يده ودعا ببخور فبخّرها ثم قال: إنّما فعلت هذا لأنّي أريد الجلوس للناس، ومنهم من يقبّل يديّ. وقال مرّة لعبد الله بن الربيع: قد عرفتني سوقة وخليفة، فهل رأيتني كلفا قطّ بأمر مطعم أو مشرب أو ملبس؟ قال: لا، ولكن رأيتك تلذّ حسن الذكر وتتّقي الضّيم وتضع الأمور مواضعها. وكان إذا ولد للرجل من أهل بيته مولود ذكر أمر له من دار الرقيق بظئر وجارية تخدمه ووصيف، وأمر لأمّه بجاريتين ومائتي دينار وطيب. وإذا [٩١ أ] كان المولود أنثى بعث بنصف ذلك. وقدم عليه إسحاق الأزرق مولاه بامرأتين كان أشخصه لحملهما. إحداهما فاطمة بنت محمد الطلحيّة، والأخرى أمة الكريم بنت عبد الرحمن بن عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص- وقيل: هي العالية بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ابن أسيد. فقالت له ديسانة قيّمة نسائه: يا أمير المؤمنين إنّ الطلحيّة قد استجفتك واستبطأت برّك وأنكرت- وصاحبتها- تركك الدعاء بهما. فقال: أما ترين ما نحن فيه؟ - وكان إبراهيم بن عبد الله قد خرج بالبصرة- ثم أنشد [البسيط]: قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار وقال: ما أنا بناظر إلى امرأة حتّى أدري أرأسي لإبراهيم أم رأس إبراهيم لي. وكانت عليه جبّة قد اتّسخ جيبها، فقيل له: لو نزعتها وغيّرتها؟ فقال: لا والله! أو أدري أهي لي أم لإبراهيم؟ وقال عبد الله بن الربيع الحارثيّ: قال لي أبو العبّاس السفّاح ذات يوم: «إنّي أريد أن أبايع لأبي جعفر أخي». فأخبرت أبا جعفر بذلك، فأمر لي بكسوة ومال. فقلت: «أصلح الله الأمير! إنّ لك مؤونة، ولعلّه أن يأتيك من أنا أعذر لك منه». فأمر بردّ ذلك. وقمت فانصرفت. وراح ورحت إلى أبي العبّاس، فدخل عليه وجلست غير بعيد.

стр. 1532

فطال تناجيهما، ثم ارتفعت أصواتهما، يقول أبو العبّاس: «بلى والله! » ويقول أبو جعفر: «لا والله! » ثم خرج أبو جعفر فأخذ بيدي. فسألته عن تخالفهما، فقال: «ليس هذا وقت إخبارك»، وغمز يدي. فلمّا أفضى الأمر إليه وقتل أبا مسلم، دخلت عليه وهو طيّب النفس، فقال: «ألقوا لأبي الربيع وسادة! » فثنيت لي وسادة وجلست. فقال: ألا أخبرك عن الأمر الذي سألتني عنه يوم دخلت على أبي العبّاس فتخالفنا؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم. قال: تذاكرنا الدعوة فقال لي: أتذكر إذ كنّا نرمي وأبو مسلم يردّ علينا النبل، فقال إبراهيم: «ما أكيسه! ويقتله عبد الله»؟ فقلت: «بلى! » فقال: «أنت عبد الله وأنت تقتله! » فقلت: «لا والله! » قال: «بلى والله! » فلمّا سلم منه وصنع ما صنع قلت: «أنا عبد الله، أقتله! » فقتلته. وقال أبو جعفر: رأيت فيما يرى النائم، وأنا بالشراة، كأنّا [٩٢ ب] حول الكعبة، فنادى مناد من جوف الكعبة: أبو العبّاس! - فنهض فدخل الكعبة، ثم خرج وبيده لواء قصير على قناة قصيرة. ثمّ نودي: «عبد الله! » فنهضت أنا وعبد الله بن عليّ نبتدر. فلمّا صرنا على درجة الكعبة دفعته عن الدرجة فهوى، ودخلت الكعبة، فإذا رسول الله ﷺ جالس، فعقد لي لواء طويلا على قناة طويلة وقال: خذه بيدك حتّى تقاتل به الدجّال! ووردت على أبي جعفر المنصور خريطة من صاحب أرمينية ليلا، فلم يوصلها الربيع الحاجب إليه إلّا مصبحا. فقال له: يا ابن اللخناء، والله لهممت أن أضرب عنقك! أتحبس عنّي خريطة صاحب الثغر الأعظم ساعة واحدة فضلا عن ليلة؟ وسخط عليه يوما، ثمّ رضي عنه وقال: لا تعد! ومن كلامه: من أحبّ أن يحمد بغير مرزئة (١*) فليحسّن خلقه وليبسط بشره. وقدم عليه وفد من المدينة، وفيهم عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فسأل عبد الرحمن عن حالهم فأخبره بما كان من الوليد بن عبد الملك من أخذ أموالهم. فأمر بردّها عليهم. وبلغه أنّ عجلان بن سهيل الباهليّ سمع رجلا قال- وقد مرّ هشام بن عبد الملك-: «قد مرّ الأحوال» فقال له: «يا ابن اللخناء، أتسمّي أمير المؤمنين بالنبز؟ » وعلاه بسوطه، ثم قال: «لولا رحمتي لك لضربت عنقك! » فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع معه المحيى والممات! وقدم عليه زياد بن أنعم المحدّث، فقال له: لقد استرحت من وقوفك بباب هشام وذوي هشام. فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت في تلك المواقف شيئا أنكره إلّا وقد رأيت في طريقي إليك ما هو أعظم منه. فقال له المنصور: ويحك! إنّا لا نجد من نولّيه أعمالنا ممّن نرتضيه. فقال: بلى والله يا أمير المؤمنين! لو طلبتهم لوجدتهم. إنّما الملك بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها (٢*). وأقبل يوما راجعا من ركوبه يريد قصره فلمّا صار على بابه رأى فرج بن فضالة المحدّث جالسا، فلم يقم له. فلمّا دخل القصر دعا به فقال له: ما منعك من القيام حين رأيتني؟

стр. 1533

قال: منعني من ذلك أنّي خفت أن يسألني الله: لم فعلت؟ ويسألك: لم رضيت؟ وقد كره رسول الله ﷺ ذلك. فسكت، وخرج فرج بن فضالة. وقال المنصور يوما [٩٣ أ] لهشام بن عروة: أتذكر يا أبا المنذر حيث دخلت أنا وإخوتي مع أبي الخلائف وأنت تشرب سويقا؟ فإنّا لمّا خرجنا قال لنا أبونا: يا بنيّ استوصوا بهذا الشيخ، فإنّه لا تزال في قومكم عمارة ما بقي مثله. فقال: ما أذكر ذلك. فلمّا خرج هشام قيل له: ذكّرك أمير المؤمنين شيئا يتوسّل بدونه! فقال: لم أذكر ما ذكّرني، ولم يعوّدني الله في الصدق إلّا خيرا. ودخل عليه سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنزة بن أثلث بن عمرو بن الحرث بن خلف بن الحرث بن جعفر بن كعب بن العنبر العنبريّ قاضي البصرة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ادن أبا عبد الله! فقال: أدنو على ما مضى [عليه] الناس أم ما أحدثوا؟ فقال: على ما مضى عليه الناس. فدنا ومدّ يده فصافحه، ثم جلس. وكتب إلى سوّار في بعض الأمور فكان في ذلك إضرار بقوم، فلم ينفّذ سوّار الكتاب فاشتدّ ذلك على المنصور. فكتب إليه سوّار: عدل سوّار مضاف إليك وزين لخلافتك. فسكن غضبه وأمسك عن ذلك الأمر. ونظر يوما إلى بعض القضاة وبين عينيه سجّادة فقال له: لئن كنت أردت الله بالسجود، ما ينبغي لنا أن نشغلك عنه. وإن كنت إنّما أردتنا بهذه السجّادة، فينبغي لنا أن نحترس منك. وكان يحيى بن عروة رضيع أبي جعفر المنصور، وهو مولى لهم، فصيّره على ثقله عام حجّ. فلمّا دعا عبد الله بن عليّ إلى نفسه حمل ثقل أبي جعفر وجواريه وصار إلى عبد الله بن عليّ. فلمّا هرب استخفى يحيى، ثمّ ظفر به المنصور فأمر فقطّع بالسيوف. [قتل أبي مسلم] وكان أبو مسلم إذا أتاه كتاب المنصور وقرأه لوّى شدقه ثمّ ألقاه إلى أبي نصر مالك بن الهيثم فيتضاحكان. ويبلغ المنصور ذلك فيقول: إنّا لنخاف من أبي مسلم أكثر ممّا كنّا نخاف من حفص بن سليمان- يعني أبا سلمة الخلّال. فلمّا فرع أبو مسلم من محاربة عبد الله بن عليّ وحوى عسكره وما فيه بعث المنصور إليه مرزوقا أبا الخصيب لإحصاء ذلك. فغضب أبو مسلم وقال: ما لأبي جعفر ولهذا؟ إنّما له الخمس! فقال أبو الخصيب: هذا مال أمير المؤمنين دون الناس. وليس سبيل هذا سبيل ما له منه الخمس. فشتمه وهمّ بقتله ثمّ أمسك. وبعث إليه المنصور يقطين بن موسى ليحصي ما في عسكر عبد الله بن عليّ. فقال أبو مسلم: أفعلها [٩٣ ب] ابن سلامة الفاعلة؟ - لا يكنّي-. فقال يقطين: عجلت أيها الأمير، إنّما أمرني أن أحصي ما وجد في عسكر الناكت ثم أسلّمه إليك لتعمل فيه برأيك وتصنع به ما أردت، ويكون قد عرف مبلغه. فلمّا ورد يقطين على المنصور أبلغه ما قال أبو

стр. 1534

مسلم وما قاله هو له، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إنّي قد ولّيتك الشام ومصر. فهما أفضل من خراسان. ومنزلك بالشام أقرب إلى أمير المؤمنين، فمتى أحببت لقاءه لقيته. وأنفذ الكتاب إليه مع يقطين أيضا. فلمّا قرأه قال: أهو يوليني الشام ومصر مكان خراسان، وخراسان لي؟ وعزم على إتيان خراسان. فنزل المنصور المدائن. وأخذ أبو مسلم طريق حلوان- سمّيت حلوان من أجل أنّ [ ... ] (١) - فقال المنصور: ربّ أمر لله دون حلوان! وأمر عمومته ومن حضر من بني هاشم أن يكتبوا إليه فيعظّموا عليه حقّ الطاعة، ويحذّروه سوء عواقب الغدر والتبديل والنكث، ويسألوه الرجوع، ويشيروا عليه به. وكتب إليه المنصور: إنّي أردت مذاكرتك أشياء لم يحتملها الكتاب، فأقبل فإنّ مقامك قبلي يسير. فلم يلتفت إلى الكتاب. فبعث إليه جرير بن يزيد البجليّ، وكان صديقا لأبي مسلم راجحا عنده. فلم يزل يمسح جوانبه ويرفق به ويعرّفه قبح ما ركب، وأنّ النعمة إنّما دامت عليه بالطاعة، وقال له: إنّ أمر القوم لم يبلغ بك ما تكره. وإنّما لك إن عصيتهم خراسان، وما تدري ما ينساق عليك من شيعتهم من أهل خراسان، ممّن ترى أنّه معك. وإن أطعتهم فخراسان وغيرها من البلاد لك فانصرف راجعا. فانصرف راجعا وكان المنصور قد كتب إلى أبي مسلم كتابا لطيفا مع أبي حميد المروروذي وقال: إن أجاب إلى الانصراف، وإلّا فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: نفيت من العبّاس! لئن مضيت ولم تلقني لأوكلت أمرك إلى أحد سواي ولو خضت إليك البحر الأخضر حتّى أموت أو أقتلك. فلمّا قرأ الكتاب عزم على المضيّ لوجهه. فأدّى إليه أبو حميد الرسالة فكسرته وعزم على الانصراف إلى المنصور. وخلّف ثقله بحلوان، وعليه مالك بن الهيثم، وقال: «لئن أمكنني قتله لأقتلنّه ثمّ لأبايعنّ لمن أحببت! » وتمثّل بعض من معه [الكامل]: ما للرجال مع القضاء محالة ... ذهب القضاء بحيلة الأقوام [٩٤ أ] فلمّا قدم أبو مسلم على المنصور وهو بالروميّة التي عند المدائن، أمر الناس بتلقّيه، وقام إليه وعانقه وأكرمه وقال: كنت تمضي قبل أن نلتقي فألقي إليك ما أريد! وأمره أن ينصرف إلى منزله فيستريح ويدخل الحمّام ليذهب عنه كلال السفر ثم يعود. وجعل يزيده إعظاما وبرّا وهو ينتظر الفرصة فيه حتّى قتله. وذكر أنّ أبا مسلم لمّا أراد الشّخوص إلى خراسان عاصيا كتب إلى المنصور (١*): من عبد الرحمن بن مسلم إلى عبد الله بن محمد. أمّا بعد، فإنّي اتّخذت أخاك إماما، وكان في قرابته برسول الله ﷺ ومحلّه من العلم على ما كان، ثمّ استخفّ بالقرآن وحرّفه طمعا في قليل من الدنيا قد نعاه الله لأهله (٢*)، ومثّلت له ضلاله على صورة العدل فأمرني أن أجرّد السيف وآخذ بالظنّة ولا أقبل معذرة، وأن أسقم البريء وأبرئ السقيم وآثر أهل الدين في دينهم (٣*)، فأوطأني في غيركم

стр. 1535

أهل بيتكم العشوة (١) بالإفك والعدوان. ثم إنّ الله بحمده ونعمته استنقذني بالتوبة وكرّه إليّ الحوبة، فإن يعف فقديما عرف ذلك منه، وإن يعاقبفبذنوبي وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصّلت: ٤٦]. فكتب إليه المنصور: قد فهمت كتابك، وللمدلّ على أهل بيته بطاعته ونصيحته ونصرته ومحاماته وجميل بلائه مقال. ولم يرك الله في طاعتنا إلّا ما تحبّ. فراجع أحسن نيّتك وعملك، ولا يدعونّك ما أنكرته إلى التجنّي! فإنّ المغيظ ربّما تعدّى في القول فأخبر بما لا يعلم، والله وليّ توفيقك وتسديدك. فاقدم رحمك الله مبسوط اليد في أمرنا محكّما فيما هويت الحكم فيه، ولا تشمت الأعداء بك وبنا إن شاء الله! فلمّا قدم وأكرمه ثم صرفه إلى منزله ليستريح، ندم على انصرافه. فلمّا أصبح أبو مسلم غدا إلى المنصور فتلقّاه أبو الخصيب مرزوق فقال له: إنّ أمير المؤمنين مشغول، فانصرف ساعة حتّى يفرغ. فأتى منزل عيسى بن موسى، وكان يحبّه. وكان عيسى شديد التعظيم له. فدعا له عيسى بالغداء. فبينا هو [٩٤ ب] على ذلك إذ أتاه الربيع، وهو يومئذ مع أبي الخصيب، فقال له: يدعوك أمير المؤمنين- فركب. وشغل عيسى بالوضوء، وقد كان أبو مسلم قال له: اركب معي فكأنّي قد أحسست بالشرّ! فقال له: أنت في ذمّتي، فتقدّم فإنّي لاحقك. فلمّا صار أبو مسلم إلى الرواق، قيل له: أمير المؤمنين يتوضّأ، فلو جلست؟ فجلس. وأبطأ عليه عيسى فجعل يسأل عنه، وأعدّ له المنصور عثمان بن نهيك، وهو يومئذ على حرسه، وأعدّ معه شبيب بن واج، وأبا حنيفة (١*) صاحب الدرب ببغداد (٢*)، ورجلين من الحرس. وقال لعثمان بن نهيك: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا- وكان أصحابه وراء ستر خلف أبي مسلم- فإذا أنا صفّقت فدونكم العلج! ثمّ قيل لأبي مسلم: قد جلس أمير المؤمنين، فقم! فلمّا قام ليدخل نزع منه سيفه فقال: ما كان يصنع بي مثل هذا! فقيل له: ليس ذاك إلّا لخير. وكان عليه قباء خزّ أسود، وتحته جبّة خزّ بنفسجيّ. فدخل فسلّم وجلس على وسادة ليس في البيت غيرها، والقوم خلف ظهره. فقال: يا أمير المؤمنين، استخفّ بي وأخذ سيفي! فقال: ومن فعل ذلك قبّحه الله؟ ثم قال له: هيه! قتلت أهل خراسان وفعلت وفعلت! ثم جعلت [ ... ] بمكّة ليصلّي هذا الغلام بالناس. وألقيت نعلي من رجلي فرفعت نفسك عن مناولتي إيّاها حتى ناولنيها معاذ بن مسلم. وأعجب من هذا إقعادك إيّاي في دهليزك بخراسان مستخفّا بحقّي حتى أشير عليك بخلاف ذلك، فتكارهت على تسهيل إذني وفتح الأبواب لي؟ ثمّ كتابك إليّ تبدأ بنفسك، وخطبتك إليّ [عمّتي] آمنة بنت عليّ (٣*)، وقولك إنّك ابن [سليط بن عبد الله بن عباس] (٤*) لقد ارتقيت يا ابن اللخناء مرتقى صعبا! ثمّ ذمّك أخي وسيرته وقولك إنّه أوطأك العشوة وحملك على الإثم، ثم أنت صاحبي بمكّة تنادي: من أكل طعام الأمير فله

стр. 1536

درهم، ثم كسوتك الأعراب وقولك لهم: «لأنجدنّكم دون أهل خراسان! » وأعجب من هذا أنّي دفعت في صدر صاحبك بخراسان فقلت: أيضرب حاجبي؟ ردّوه عنّا إلى العراق! فقال أبو مسلم: إنّه لا يقال لي هذا القول بعد بلائي وعنائي. فقال: [٩٥ أ] يا ابن الخبيثة! والله لو كانت مكانك أمة لأجزأت! إنّما عملت ما عملت بدولتنا، ولو كان الأمر إليك ما قطعت فتيلا! ثم فتل شاربه وفرك يده. فلمّا رأى أبو مسلم فعله قال: يا أمير المؤمنين، لا يدخلنّ نفسك ما أرى! إنّ قدري أصغر من أن يبلغ شيء من أمري مثل هذا المبلغ! وصفّق المنصور بإحدى يديه على الأخرى، فضرب عثمان بن نهيك أبا مسلم ضربة خفيفة، فأخذ برجل المنصور فدفعه برجله، وضربه شبيب بن واج على حبل عاتقه ضربة أسرعت فيه فقال: وا نفساه! ألا قوّة؟ ألا مغيث؟ فقال المنصور: اضربوا ابن اللخناء! فاعتوره القوم بأسيافهم. وأمر به فلفّ في مسح أو عباءة وصيّر ناحية. وكان الطعام قد وضع للحرس وقت دخول أبي مسلم فكانوا قد شغلوا به فلم يعلم أحد منهم بمقتله. ووافى عيسى بن موسى الباب فاستؤذن له، فقال المنصور: «أدخلوه! » فلمّا وقف بين يديه قال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ قال: ههنا آنفا. فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته ومناصحته ورأي الإمام- كان- فيه. فقال: اسكت يا ابن اللخناء، يا ابن الشاة! - وكانت أمّ عيسى توفّيت وهو صغير أو مرضت، فأرضع لبن شاة- فو الله ما كان في الأرض عدوّ أعدى لك منه! ها هو ذا في البساط! والله ما تمّ سلطانك إلّا اليوم! ودخل إسماعيل بن عليّ وهو لا يعلم بقتل أبي مسلم، فقال: إنّي رأيت يا أمير المؤمنين في ليلتي هذه كأنّك قتلت أبا مسلم، وكأنّي وطئته برجلي. فقال: قم فصدّق رؤياك! فها هو في البساط. فقام فوطئه، ثم رجع ورمى بخفّه وقال: «لا ألبس خفّا وطئت به مشركا! » فأتي بخفّ فلبسه. ثم أنشد المنصور [طويل]: وما العجز إلّا أن تؤامر عاجزا ... وما الفتك إلّا أن تهمّ فتفعلا وقال أبو دلامة [الطويل]: أبا مسلم ما غيّر الله نعمة ... على عبده حتى يغيّرها العبد أفي دولة المنصور حاولت غدره ... ألا إنّ أهل الغدر آباؤك الكرد فلا يقطع الله اليمين التي بها ... علاك صقيل الشفرتين له حدّ فما كان إلّا الموت في غمد سيفه ... وما خلت أنّ الموت يضبطه غمد [٩٦ ب] أبا مسلم، خوّفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوّفتني الأسد الورد فأصبحت في أهلي وأصبحت ثاويا ... بحيث تلاقى في ذرى دجلة المدّ (١*) وقيل: لمّا قتل أبا مسلم عثمان بن نهيك وشبيب بن واج وأبو حنيفة ورجلان من الحرس

стр. 1537

ضربوه بأسيافهم فلم يمت فذبح ذبحا وجرّ برجله فألقي في دجلة. وكان يومئذ ابن ثمان وثلاثين سنة. وقيل: حمل أبو حنيفة جيفته في صندوق حتى توسّط به دجلة ثم ألقاه. وسار أبو جعفر بعد ذلك بثلاث إلى الحيرة. وتمثّل بعد قتل أبي مسلم ببيت الشمّاخ [الطويل]: وما إن شفى نفسا كأمر صريمة ... إذا حاجة في النفس طال اعتراضها وقال بشّار بن برد [الطويل]: أبا مسلم ما طيب عيش بدائم ... وما سالم عمّا قليل بسالم كأنّك لم تسمع بقتل متوّج ... عزيز، ولم تعلم بفتك الأعاجم لحا الله قوما شرّفوك عليهم ... فقد كنت مشروفا خبيث المطاعم وكان المنصور يقول: أخطأت ثلاث مرّات وقاني الله شرّها: قتلت أبا مسلم، وحولي من يقدّم طاعته على طاعتي. فلو وثبوا وأنا في خرق لذهبت ضياعا. وخرجت يوم الر [ا] ونديّة. ولو أصابني سهم غرب لذهبت ضياعا. وخرجت إلى الشام، ولو اختلف بالعراق سفيان، ذهبت الخلافة ضياعا. وأمر المنصور حين قتل أبا مسلم بوضع الإعطاء في الناس فجعلوا يأخذون ويبايعون ويلعنون أبا مسلم. وقال أبو دلامة أيضا [الطويل]: أبو مسلم عبد لعيسى بن معقل ... أخي دلف لا قول من يتكذّب حمدت إلا هي حين قتل عدوّكم ... أبو مجرم أمسى على الوجه يسحب فإن يك عبدا ذاق حتفا بجرمه ... فقد صادف المقدار، والحين يجلب بكت عين من يبكيه ميتا، ولا رأى ... من الله روحا من له يتعصّب وقال أبو عطاء السندي [السريع]: زعمت أنّ الدّين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم سقيت كأسا كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم ولمّا قتل المنصور أبا مسلم دعا بجعفر بن حنظلة البهراني فأراه [إيّاه] مقتولا فقال: وفّقك الله يا أمير المؤمنين، وسدّدك. عدّ خلافتك منذ اليوم! وكتب المنصور إلى [٩٦ أ] أبي نصر مالك بن الهيثم (١*) وكان أبو مسلم خلّفه في ثقله بحلوان وهو يرى أنّه يرجع إلى خراسان، كتابا على لسان أبي مسلم في القدوم بثقله وما خلّف معه، وختم الكتاب بالخاتم الذي أخذه من أصبع أبي مسلم. وكانت بينهما علامة فلم يعرفها فيكتب بها (٢*). فامتنع أبو نصر من القدوم. فكتب المنصور إلى عامله بهمذان (٣*) بمنعه من النفوذ، فأخذه وحبسه في القصر، وقال لمن معه: والله لا يتحرّك متحرّك إلّا رميت إليكم برأسه! ثم حمله إلى المنصور فعفا عنه. فلمّا كان يوم الر [ا] ونديّة قام على الباب فذبّ وأبلى فرضي عنه وصارت له مكانة عنده، وولّاه الموصل.

стр. 1538

وقال الحرمازيّ (١): استشار المنصور إسحاق ابن مسلم العقيليّ أو سلم بن قتيبة في أمر أبي مسلم فقال: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢]. وقال سلّام الأبرش (٢): أرق المنصور ذات ليلة فقال للربيع: من في الدار من الصحابة فأدخله، إلا أن يكون عبد الله بن عيّاش فإنّه سائل ملحف! فنظر فلم يجد في الدار غيره، فقال: «أدخله! » وتقدّم إليه في ترك مسألت [هـ] شيئا. فضمن له أن لا يسأل ليلته شيئا. فلمّا دخل أقبل يحدّث بأمر السواد وفتوحه، وما كان يرتفع من جبايته. ثم قال: فطول السواد يا أمير المؤمنين كذا، وعرضه كذا، والله ما لعبدك منه شبر في شبر! فضحك المنصور وقال: قد أقطعتك غلّة ثلاثين ألف درهم من حيث تختار من السواد. وقال الربيع: جلس المنصور يوما بالنجف بالكوفة يشرف على الخورنق وظهر الكوفة، فقال: يا ربيع، ابغني رجلا يحدّثني! فقلت: يا أمير المؤمنين، بالباب عبد الله بن الربيع بن الحارث وأنت تحبّ حديثه. فقال: نعم، لولا كثرة سؤاله الحوائج. فقلت: أنا أقطع عنك حوائجه في هذا اليوم. فخرجت إليه فاشتريت منه مسألته الحوائج بمائتي دينار. فلمّا دخل ورأى طيب نفس المنصور جعل يعرّض بالسخاء وينشد شعر حاتم الطائيّ. فقال: يا ربيع، لا تف له فإنّه لم يف لك! كفى بالتعريض مسألة! وقال: أنشدني قول كثيّر: «إذا المال لم يوجب عليك ... » فأنشده [الطويل]: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق تحالفه [٩٦ ب] منعت وبعض المنع حزم وقوّة ... ولم يفتلذك المال إلّا حقائقه (١*) فكان عبد الله بن الربيع يقول: خرجت من عند المنصور وأنا أحبّ الناس إليه. وقال المدائني: دخل المنصور المدينة، فقال للربيع: «ابغني رجلا يسايرني ويحدّثني». فأتاه رجل ظريف كان منقطعا إليه. فقال له المنصور: من أنت؟ وأين منزلك؟ فقال: ما لي منزل، وإنّي لمغمور النسب لا تبلغني معرفتك. وحدّثه فاستظرفه وأمر له بخمسة آلاف درهم. فلمّا انصرف قال للربيع: تنجز لي صلتي بأبي أنت وأمّي! فقال له الربيع: هيهات! احتل لنفسك! فلمّا ركب المنصور من الغد دعا به فحدّثه ثم أنشده قصيدة الأحوص [الكامل]: يا بيت عاتكة التي أتغزّل ... حذر العدى، وبه الفؤاد موكّل حتى انتهى إلى قوله: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل قال المنصور: وأبيك لقد اقتضيت فأحسنت ولطفت. يا ربيع، يعطى جائزته! [حجّاب المنصور] وكان عيسى بن روضة- وهي أمّه، وأبوه نجح- عبدا لآل طلحة، فرآه المنصور بالكوفة في حلقة المسجد قبل خلافة السفّاح فقال: لئن ملكنا لنشترينّه، فإنّي لم أر ألسن ولا أظرف منه مع عقل كامل.

стр. 1539

فلمّا ولي السفّاح سأله أن يشتريه فاشتراه بمائة ألف درهم، فكان حاجب المنصور حتى ظهر منه على تشيّع فعزله عن حجابته. وكان مع عيسى بن روضة مرزوق أبو الخصيب مولاه أيضا. فلمّا نحّى ابن روضة صيّر أبا الخصيب مكانه. وكان الربيع مع أبي الخصيب. فلمّا مات أبو الخصيب صار الربيع مكانه. وكان من خبر الربيع أنّ يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة وقع على جارية لجدّته فاشتملت منه على الربيع. ولمّا ولدته جحده يونس فباعته جدّته لمّا شبّ، فاشتراه زياد بن عبيد الله الحارثيّ خال أبي العبّاس السفّاح في خمسين غلاما بالمدينة، وهو عامل المنصور عليها، وأهداهم إليه، وقيل: بل أهداهم إلى أبي العبّاس. ثمّ صار الربيع إلى المنصور فصيّره مع أبي الخصيب، ثم ضمّه إلى ياسر صاحب وضوءه، والربيع يومئذ ابن ثماني عشرة سنة. وحجّ المنصور في تلك السنة، وكان ياسر إذا وضع المنصور [٩٧ أ] الماء عند نزوله لحاجته لم يرم حتى يفرغ المنصور من الاستنجاء. فاعتلّ ياسر فصيّر الربيع يقوم مقامه في الخدمة، فكان إذا وضع الماء للمنصور تنحّى عنه، فإذا تحرّك صار إلى الإبريق فأخذه. فقال له: «ويحك يا غلام، ما أكيسك وأخفّك على قلبي! » وسأله عن سنّه فزاد فيها ليتكبّر بذلك، فأعجبه ما رأى منه. ورأى المنصور في طريقه كتابا على حائط فقرأه فإذا هو [الطويل]: وما لي لا أبكي وأنشد ناقتي ... إذا صدر الرعيان عن كلّ منهل وفي أسفله: آه! آه! فجعل المنصور يردّد نظره في ذلك فينكره. فقال الربيع: إن أذن لي أمير المؤمنين تكلّمت. فقال: تكلّم! قال: أتبع البيت تأوّها وحكاية للبكاء. فأعجبه ما رأى من فطنته فقال: «قاتلك الله! » وأعتقه وصيّره مكان ياسر. ثم رأى تقليده أمر حجابته فكان مع أبي الخصيب. فلمّا مات صيّره مكانه. فدخل بعض الهاشميّين على المنصور يوما فذكر أباه فترحّم عليه. فقال له الربيع: مه! أتترحّم على أبيك وأنت تخاطب أمير المؤمنين؟ فقال: إنّك لو عرفت حلاوة الآباء ومواقعهم من القلوب لم تنكر عليّ ما قلت! وأمر المنصور رجلا ولّاه عملا بالقصد فقال: عليك بالقصد والسداد فإنّه كان يقال: الظمأ الفادح خير من الريّ الفاضح! [نوادر أبي دلامة مع المنصور] ومرّ المنصور في بعض السكك وكانت مضيّقة بالبناء فأمر بهدم ما ضيّقت به من ذلك البناء وبلغ الهدم دار أبي دلامة، فدخل على المنصور وأنشده [الخفيف]: يا ابن عمّ النبيّ زارك زور ... قد دنا هدم داره وبواره فهو كالماخض التي اعتادها الطّل ... ق فقرّت وما يقرّ قراره كيف يخشى البوار شاعر قوم ... هرمت في مديحهم أشعاره؟ لكم الأرض كلّها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره وأمر المنصور الربيع أن يحضر أبا دلامة القصر ويأخذه بصلاة الظهر والعصر والمغرب. فأنشأ يقول [الطويل]: ألم تريا أنّ الإمام ألزّني ... بمسجده والقصر، ما لي وللقصر؟

стр. 1540

يكلّفني الأولى جميعا وعصرها ... فويلي من الأولى، وويلي من العصر! لقد كان في أهلي مساجد جمّة ... ولكنّ هذا الأمر قدر من القدر [٩٧ ب] ويحبسني عن مجلس أستلذّه ... وأكرم فيه بالسماع وبالخمر وماذا عليه، أرشد الله أمره ... لو أنّ خطايا العالمين على ظهري؟ (١) فقال: صدق لعنه الله! دعوه! وماتت ابنة (٢) للمنصور فرأى أبا دلامة عند قبرها، فقال له: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: التي حفر لها يا أمير المؤمنين. فقال: ويلك، هلّا قلت كما قال الفرزدق حين سأله الحسن البصري ورآه عند قبر النوار امرأته عن مثل ما سألتك فقال: شهادة أن لا إله إلّا الله مذ ثمانون سنة؟ فقال أبو دلامة: إنّا لا نحبّ المعاد من الكلام! ودخل عليه أبو دلامة فأنشده [البسيط]: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لقيل: اقعدوا يا آل عبّاس ثمّ ارتقوا في شعاع الشمس كلّكم ... إلى السماء، فأنتم أكرم الناس فقال المنصور: لقد غدا بك أمر. قال: نعم! ولدت لي البارحة ابنة وقد قلت فيها [الوافر]: وما ولدتك مريم أمّ عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم ولكن قد تضمّك أمّ سوء ... إلى لبّاتها وأب لئيم فتبسّم المنصور وأمر له بأربعة آلاف درهم. وأنشده أبو دلامة يوما قوله [البسيط] (١*): قالت: تبغّ لنا نخلا ومزدرعا ... كما لجيراننا نخل ومزدرع خادع خليفتنا عن ذاك في لطف ... إنّ الخليفة للسّؤال ينخدع فقال: يا عبد الملك بن حميد، أقطعه ألف جريب نصفها عامر ونصفها غامر. فقال: بأبي أنت! وما الغامر؟ قال: الذي لا يناله الماء إلّا بالكلفة والنفقة. قال أبو دلامة: فإنّي قد أقطعت عبد الملك بن حميد بادية بني أسد وصحراء برتقيا وصحراء أنقف! فضحك المنصور وأمر أن تجعل له الألف الجريب عامرة كلّها. فقال: جعلني الله يا أمير المؤمنين فداك! ائذن لي في تقبيل رجلك! فقال: لست أفعل. فقال: والله أصلحك الله، ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم من هذا (٢*)! . وأشار أبو عبيد الله الكاتب على المهديّ بنزول الرافقة (٣*) وأراد أن يبعده من المنصور. فكتب أبو دلامة [البسيط]: إنّ الخليفة والمهديّ إن نأيا ... فنحن في حيث لا ماء ولا شجر

стр. 1541

ولا نهار ولا ليل يطيب لنا ... ولا يضيء لنا شمس ولا قمر الله يعلم أنّي ناصح لكم ... فيما أقول وأنّي حيّة ذكر أرى وأسمع ما لا تسمعان به ... من الحسود وفي في الحاسد الحجر فردّ المهديّ إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة. وكان المنصور يقول: ما شيء أخلب لقلب من كلام يصاب به موضعه. وقال يوما لابن عيّاش المنتوف (١): لو تركت لحيتك لطالت. أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحسن منه. فقال ابن الربيع: أما ترى هذا الشيخ، يا أمير المؤمنين، ما أكذبه؟ فقال ابن الربيع: أما ترى هذا الشيخ، مرّ أن تجزّ لحيته ويقام إلى جانبي حتى تنظر أيّنا أحسن. وقال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟ قال: ما أكفّ به وجهي ولا أعود بفضله على صديق. فقال: «لقد لطفت في المسألة». وأمر له بخمسة آلاف درهم. وقال لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك! فقال: يا أمير المؤمنين [البسيط]: إنّ العرانين تلقاها محسّدة ... ولن ترى للئام الناس حسّادا قال: صدقت. [مقتل ابن المقفّع بسبب العهد الموثّق] وكان عبد الله بن المقفّع يكتب لبني علي بن عبد الله بن عبّاس. فأمروه أن يكتب لعبد الله بن عليّ أمانا حين أجابهم المنصور إلى أمانه، فكان فيه: «فإن عبد الله أمير المؤمنين لم يف بما جعل لعبد الله بن علي، فقد خلع نفسه، والناس في حلّ وسعة من نقض بيعته». فأنكر المنصور ذلك وأكبره واشتدّ له غيظه على ابن المقفع. وكتب إلى سفيان بن معاوية عامله على البصرة أن اكفني ابن المقفّع! وكان سفيان أشدّ الناس بغضا لابن المقفّع. فجاءه يوما في حاجة لعيسى بن عليّ فقتله شرّ قتلة سرّا. فشكا بنو عليّ بن عبد الله سفيان فأمر المنصور بحمله فحمل. وجاء عيسى بن عليّ بقوم يشهدون أنّ ابن المقفّع دخل دار سفيان فلم يخرج وصرفت دوابّه، وغلمانه يصرخون وينعونه. وجاء بآخرين يثبتون الشهادة على قتله. فقال لهم المنصور: أرأيتم إن أخرجت ابن المقفّع إليكم، ماذا تقولون؟ - فانكسروا عن الشهادة، وكفّ عيسى بن علي عن الطلب بدم ابن المقفّع. وممّا عدّ عن دهاء المنصور أنّه لمّا وجّه جيشه إلى محمد بن عبد الله بن الحسن (١*) بلغه أنّه يريد اليمن. فأمر كبار قوّاده الذين في الجيش أن يكتبوا إلى محمد فيعلموه أنّهم إذا صاروا [٩٨ ب] إلى المدينة فواقعوه انقلبوا إليه. فأقام محمد طمعا في ذلك. فلمّا لقوه كانت إيّاها. [مقتل سديف بن ميمون الشاعر] وكان سديف بن ميمون مولى آل أبي لهب مائلا إلى المنصور. فلمّا استخلف وصله بألف دينار، فدفعها إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن

стр. 1542

تقوية له. فلمّا قتل محمد صار مع أخيه إبراهيم بالبصرة حتى إذا قتل إبراهيم أتى المدينة فاستخفى بها. فأمّنه عبد الصمد بن عليّ. وقدم المنصور المدينة فأخذ عبد الصمد بإحضار سديف حتى جاء به فجعله المنصور في جوالق ثمّ خيّط عليه، وضرب بالخشب حتى كسر، ثم رمي في بئر وبه رمق حتى مات. وقيل غير ذلك. وكان أحبّ الطيب إلى المنصور المسك فكان يبتاع له منه في كلّ سنة اثنا عشر ألف مثقال من غلّة ضياعه فيستعمل منه في كلّ يوم عشرين مثقالا ينفخ منها في ثيابه ويغيّر شيبه ويمسح جسده، ويصرف باقي المسك فيما يهبه. وقال المنصور: ما رأيت ابن هرمة قطّ فذكرت أبياته في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك (١) إلّا هممت بأن آسره. والأبيات [المتقارب]: إذا قيل: من خير من يرتجى ... لمعترّ فهر ومحتاجها ومن يعجل الخيل عند اللقا ... بإلجامها قبل إسراجها أشارت نساء بني مالك ... إليك به قبل أزواجها فقال عيسى بن عليّ: يا أمير المؤمنين، فهو الذي يقول فيك [الطويل]: كريم له وجهان: وجه لدى الرضى ... أسيل، ووجه في الكريهة باسل له لحضات عن حفافي سريرة ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل يقاتل عنه الناس مجلود رأيه ... على الحقّ، والرأي الجليد مقاتل [ابن هرمة والرخصة في الخمر] ومدح إبراهيم بن علي بن هرمة المنصور فأعطاه عشرة آلاف درهم فاستقلّها وقال: لي حاجة يا أمير المؤمنين، فإن قضيتها كنت قد كافأتني. قال: وما هي؟ قال: تأذن لي في شرب النبيذ بالمدينة فإنّ بي هذه الأرواح وألما يضرّني. فقال: وكيف أفعل ذلك، وأنت تعرف كراهة أهل الحجاز للشرب؟ فقال احتل لي يا أمير المؤمنين. فأمر الوالي هناك أنّ من أتاه بابن هرمة وهو سكران ضربه مائة وضرب [٩٩ أ] ابن هرمة ثمانين. فكان الشرطيّ يراه بالمدينة سكران فيقول: من يشتري الثمانين بالمائة؟ ويدعه. وفي رواية: لم يجبه المنصور إلى الإذن له في شرب النبيذ، ولكنّ بعض عمّال المدينة كان أمر فيه بهذا. ووعظ سوّار المنصور فوصله، فأبى قبول صلته. فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن أكون مثل سعيد بن الفضيل: وعظ هشاما ثمّ سأله فأعطاه فقال هشام: إلى هذا أجرى الحديث! [بعض الخارجين على المنصور] وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان حين سار للحجّ أبا داود خالد بن إبراهيم الذهليّ. فلمّا مات أبو العبّاس السفّاح بايع أبو داود لأبي جعفر المنصور بغير أمر أبي مسلم، ولم يكتب إليه بالبيعة إلّا بعد حين خوفا منه. فلمّا قتل أبو مسلم وأتاه البريد بقتله أنكر قتله وذكر المنصور ذكرا قبيحا ونسبه إلى الغدر. وكتب المنصور إليه يأمره بغزو ما وراء النهر. ثم كتب إليه في القدوم عليه، ووجّه بكتابه إليه رسولا مفردا فقال: «ما يقدمني

стр. 1543

عليه إلّا لمسألتي عن أمور أبي مسلم وأمواله، ثمّ قتلي بعد ذلك». ثم قام يفرقع أصابعه ويرقص ويقول: «يا أبا جعفر، غرّ غيري! » والرسول يراه. فرجع إلى المنصور فأخبره بما عاين، ولم يجب [أبو داود] المنصور على كتابه. فكتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم، مولى عبد الله بن عامر بن كريز: إن قتلت أبا داود، فأنت أمير خراسان! فخرج أبو عصام إلى كشماهن [٩٩ ب] وقد دسّ إلى أهلها من هيّجهم ليخرج أبو داود فيفتك به. وسمع أبو داود الضجّة فصعد لينظر فمشى على جناح داره. وكان ضعيف البصر فسقط على وتد، فقالت امرأته: من ذا؟ فقال: أنا أبو داود قد نزل بي ما يريد أبو جعفر. واحتمل فمات ودفن، وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة. وكتب أبو عصام بموته إلى المنصور. واجتمع الناس إلى أبي عصام فبايعوا للمنصور وأخذ البيعة له عليهم. ولم يلبث إلّا قليلا- قيل: أربعين يوما- حتى ورد عبد الجبّار ابن عبد الرحمن الأزديّ على أربع من دوابّ البريد. وكان على شرط السفّاح ثم على شرط المنصور وقال له: قد ولّيتك خراسان، فأطع الله في معصيتى، ولا تطعني في معصية الله، ولن للمحسن وكن خشنا للمسيء! فسار إليها. وولّى المنصور الشرط بعده عمر ابن عبد الرحمن أخاه ثم عزله وولّى موسى بن كعب التميميّ حتّى مات. ثم ولّى بعده المسيّب بن زهير الضبّي. فكان المسيّب يسعى في فساد حال عبد الجبّار عند المنصور ويوحشه منه ويغريه به. وكتب إلى عبد الجبّار أنّ المنصور قال ذات يوم: «من ولي خراسان فأصلح أمر ثغورها وأحسن السيرة في أهلها ورزق جنودها وكان في بيت ماله بعد ذلك عشرة آلاف ألف فهو الكامل». فكتب عبد الجبّار إلى المنصور يعلمه أنّ عنده بعد سدّ الثغور وإعطاء المقاتلة عشرة آلاف ألف درهم. فكتب إليه المنصور في حملها. ولم تكن عنده وإنّما كذبه. وألحّ عليه [١٠٠ أ] فيها. فكتب يسأل الإذن له في إشخاص عياله إليه، فلم يأذن له المنصور في ذلك. وكان يبلغه فساد قلبه عليه بما يكيده به المسيّب عنده ويقول له فيه. فخلع وقال: «إنّ أبا جعفر دعاني إلى عبادته». وأسرف في القول بعد ما سار سيرة حسنة، ونظر في أمر الخراج وقوّى الدعوة. فلمّا خلع في سنة إحدى وأربعين ومائة ودسّ إلى قوم من عمّال أبي داود وغيرهم، ممّن كان مخالصا للعبّاسيّين فقتلهم. وصار إليه علج ينظر في النجوم فقال له: إنّك ستغلب على خراسان وغيرها وتنال ملكا عظيما. فكتب رجل من عيون المنصور إليه: «إنّه قد نغل (١*) الأديم. فقال لأبي أيّوب المورياني كاتبه ووزيره: ما تراه يقول؟ قال: بخير أنّ عبد الجبّار على الخلع. فقال: ما ترى؟ قال: تكتب إليه أنّك تريد الغزو برجال خراسان ووجوه أهلها، وتأمره بتوجيههم إليك. ففعل. فكتب إليه عبد الجبّار: إنّ الترك قد جاشت، وخراسان محتاجة إلى رجالها. فكتب إليه المنصور: إنّي بخراسان أعنى منّي بغيرها. فإن أحببت أن يوجّه أمير المؤمنين إليك رجالا ممّن قبله فعل- وإنّما أراد أن يوجّه إليه من الجند من يلطف لأخذه. فكتب: إنّ خراسان مجدبة، فليتها تقوم بمن

стр. 1544

فيها من الرجال وتحملهم! وأظهر الخلع، وحضّ على طاعة آل أبي طالب. ووجّه إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، وهو مستخف، يسأله أن يشخص إليه. فلم يفعل. فنصب رجلا قال إنّه إبراهيم بن عبد الله اسمه يزيد، ولبس البياض وأقام يزيد خطيبا في يوم جمعة فدعا على المنصور. ثمّ خطب ثانيا وذكر من قتل المنصور من آل علي فبكى وأبكى الناس [١٠٠ ب] فولّى المنصور ابنه محمد المهديّ خراسان، ووجّه معه خازم بن خزيمة. فنزل الريّ ووجّه خازما إلى خراسان. وخرج على عبد الجبّار الحسن بن حمران مولى مطر بن وسّاج أخي بكير بن وسّاج، ودعا للمنصور وحضّ على التمسّك بطاعته والوفاء ببيعته. ثم إنّه غيّر وبدّل فبعث إليه خازم من حاربه فقتله وأتاه برأسه. وخرج على عبد الجبّار أيضا أبو جابر أشعث بن الأشعث الطائيّ وقتل عامل بخارى وأخذ الأموال. وخرج أيضا حرب بن زياد الطالقاني، من العجم، على عبد الجبّار وحاربه وقتل يزيد المدّعي أنّه إبراهيم. وانهزم عبد الجبّار حتّى بقي في خمسة نفر، فقبض عليه الجنيد بن خالد بن هريم وحمله عريانا إلى خازم وهو بسرخس، فبعث به خازم مع نضلة بن نعيم بن خازم إلى المهديّ وهو بنيسابور فوجّه به إلى المنصور. فلمّا أوقف بين يديه قال: استبقني يا أمير المؤمنين، ولا تذهبنّ زلّتي بحسن بلائي وحرمتي وما كان منّي في هذه الدعوة. فقال: «يا ابن اللخناء، قتلت نظراء قحطبة وطبخت أولياءنا طبخا! » وكانت له قدر عظيمة وكان أبو مسلم أصابها، فكان يغلي فيها الدهن ثمّ يقيم الرجل من العبّاسيّة فيه حتى ينفسخ. ثم أمر به المنصور أن تقطع يده ورجله، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة! فقال: يا ابن اللخناء، تركتها بخراسان! فقتل وصلب بالكوفة، ونفيت عياله إلى [١٠١ أ] دهلك فسبتهم الحبشة وباعتهم، فاشتراهم عبد الصمد بن علي أمير المدينة، وبعث بهم إلى العراق. وقبض المنصور على عبد العزيز أخي عبد الجبّار وقتله، وكان على البصرة، وولّى عوضه سوّار بن عبد الله بن قدامة العنبريّ. ثمّ ولّاها هزارمرد، وهو عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، وجعل سوّارا على الصلاة والقضاء. وقدم حرب بن زياد على المنصور في وجوه أهل خراسان، فردّه إليها واليا عليها فهمّ بالخلع وأطلق لسانه بقول سيّئ. فكتب المنصور إلى وجوه أهل خراسان في أمره، فقتل ببلخ. وأحرم المنصور في سنة أربعين ومائة من الحيرة وحجّ بالناس. ثمّ أتى المدينة ومضى إلى بيت المقدس زائرا. ثمّ انصرف منه في سنة إحدى وأربعين إلى الرقّة فقتل منصور بن جعونة العامريّ، ومضى إلى الكوفة. وتوجّه في سنة اثنتين وأربعين إلى البصرة، فولّى عمر بن حفص السند. [مواعظ عمرو بن عبيد للمنصور] ودعا بعمرو بن عبيد مولى بني تميم فوصله، فلم يقبل صلته، فقال له: بلغني أنّ محمد بن عبد الله بن حسن كتب إليك يدعوك إلى طاعته فأجبته؟ وكان محمد مستخفيا يبث دعاته.

стр. 1545

فقال: يا أمير المؤمنين، والله لو قلّدتني الأمّة اختيار إمام لها ما وجدته، فكيف أجيب محمّدا وأبايعه؟ لقد كتب إليّ فما أجبته. فقال: صدقت يا أبا عثمان وبررت. فلمّا ولّى قال: من مثلك يا عمرو؟ وقدم المهديّ من خراسان، فبنى بامرأته ريطة بنت عمّه أبي العباس بالحيرة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين. وحجّ مع المنصور في هذه السنة، فدعا المنصور عمرو بن عبيد- وقد حجّ أيضا- وأكرمه، وسأله أن يعظه، فوعظه. وقضى عمرو حجّته وانصرف فمات في طريقه في آخر السنة. فقال المنصور لمّا بلغه موته: يرحم الله عمرا! هيهات أن يرى مثل عمرو! وقال الهيثم بن عديّ: لمّا بايع المنصور للمهديّ، كتب إلى عمرو بن عبيد كتابا لطيفا يستزيره فيه، وكتب إلى عامله على البصرة في إشخاصه مكرّما. فلمّا صار إليه بالكوفة ودخل عليه استدناه وقال: كيف كنت بعدي أبا عثمان؟ فقال: أحمد الله وأذمّ عملي. فتغرغرت عينا المنصور. ثم قال له: عظني يا أبا عثمان! [١٠١ أب] فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أنّ الأمر الذي صار إليك، لو بقي لمن قبلك، لم يصل إليك. واعلم أنّك أوّل خليفة يموت فاحذر يا أمير المؤمنين ليلة صبيحتها القيامة، ليلة يتمخض [ ... ] الفزع الأكبر. إنّ الله يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [الفجر: ٦ - ٧] إلى قوله: «لبالمرصاد». ثمّ قال: هذا تخويف لمن سلك جادّتهم واتبع آثارهم. فبكى المنصور ونزل عن فرشه ثمّ سكن فقال: «يا أبا عثمان، ناولني هذه الدواة! » فأبى أن يناوله، فقال له: والله لتناولنّها! فقال: والله، لا ناولتك إيّاها! فقال له المهديّ، وكان حاضرا: يحلف عليك أمير المؤمنين، فترادّه باليمين؟ فقال: إنّ أمير المؤمنين أقدر على الكفّارة منّي. (ثمّ قال: ) من هذا الفتى يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا ابن أخيك، هذا محمد المهديّ وليّ عهد المسلمين. فقال: أرى شبابا وجمالا ونشاطا. وقد رشّحته لأمر يصير إليه إن صار، وأنت عنه في شغل، وقد وطّأت له الدنيا وأنت منتقل عنها إلى الآخرة. فهناك الحساب! إنّ الله جعلك فوق كلّ أحد فلا ترض أن يكون فوقك في طاعته أحد! ثم سكت عمرو. فقال المنصور: سلني حوائجك. فقال: حاجتي ألّا تبعث إليّ حتّى أجيئك ولا تعطيني شيئا حتى أسألك. ثم نفض ثوبه وقام. فأتبعه المنصور بصره وقال: شغل والله الرجل بما هو فيه عمّا نحن فيه. وقال: [الرمل]: كلّهم طالب صيد ... وهو ذو مشي رويد غير عمرو بن عبيد ودخل عمرو بن عبيد مرّة على المنصور، وعليه طيلسان مخرّق، فأخذ المنصور طيلسانا كان عليه طبريّا فألقاه فوق ظهره، وقال له: «عظني! ». فوعظه حتى بكى. ثم قال له: سلني حوائجك. قال: أوّلها أن تأمر برفع الطيلسان عنّي. وألّا تعطيني شيئا حتى أسألك. ولا تبعث إليّ حتى
следующие страницы →