ولا نهار ولا ليل يطيب لنا ... ولا يضيء لنا شمس ولا قمر
الله يعلم أنّي ناصح لكم ... فيما أقول وأنّي حيّة ذكر
أرى وأسمع ما لا تسمعان به ... من الحسود وفي في الحاسد الحجر
فردّ المهديّ إليه ولم يأذن له في نزول الرافقة.
وكان المنصور يقول: ما شيء أخلب لقلب من كلام يصاب به موضعه.
وقال يوما لابن عيّاش المنتوف (١): لو تركت لحيتك لطالت. أما ترى عبد الله بن الربيع ما أحسنه؟
فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحسن منه.
فقال ابن الربيع: أما ترى هذا الشيخ، يا أمير المؤمنين، ما أكذبه؟
فقال ابن الربيع: أما ترى هذا الشيخ، مرّ أن تجزّ لحيته ويقام إلى جانبي حتى تنظر أيّنا أحسن.
وقال المنصور للأعلم الهمداني: ما مالك؟
قال: ما أكفّ به وجهي ولا أعود بفضله على صديق.
فقال: «لقد لطفت في المسألة». وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وقال لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك!
فقال: يا أمير المؤمنين [البسيط]:
إنّ العرانين تلقاها محسّدة ... ولن ترى للئام الناس حسّادا
قال: صدقت.
[مقتل ابن المقفّع بسبب العهد الموثّق]
وكان عبد الله بن المقفّع يكتب لبني علي بن عبد الله بن عبّاس. فأمروه أن يكتب لعبد الله بن عليّ أمانا حين أجابهم المنصور إلى أمانه، فكان فيه: «فإن عبد الله أمير المؤمنين لم يف بما جعل لعبد الله بن علي، فقد خلع نفسه، والناس في حلّ وسعة من نقض بيعته». فأنكر المنصور ذلك وأكبره واشتدّ له غيظه على ابن المقفع. وكتب إلى سفيان بن معاوية عامله على البصرة أن اكفني ابن المقفّع! وكان سفيان أشدّ الناس بغضا لابن المقفّع. فجاءه يوما في حاجة لعيسى بن عليّ فقتله شرّ قتلة سرّا. فشكا بنو عليّ بن عبد الله سفيان فأمر المنصور بحمله فحمل. وجاء عيسى بن عليّ بقوم يشهدون أنّ ابن المقفّع دخل دار سفيان فلم يخرج وصرفت دوابّه، وغلمانه يصرخون وينعونه. وجاء بآخرين يثبتون الشهادة على قتله. فقال لهم المنصور: أرأيتم إن أخرجت ابن المقفّع إليكم، ماذا تقولون؟ - فانكسروا عن الشهادة، وكفّ عيسى بن علي عن الطلب بدم ابن المقفّع.
وممّا عدّ عن دهاء المنصور أنّه لمّا وجّه جيشه إلى محمد بن عبد الله بن الحسن (١*) بلغه أنّه يريد اليمن. فأمر كبار قوّاده الذين في الجيش أن يكتبوا إلى محمد فيعلموه أنّهم إذا صاروا [٩٨ ب] إلى المدينة فواقعوه انقلبوا إليه. فأقام محمد طمعا في ذلك. فلمّا لقوه كانت إيّاها.
[مقتل سديف بن ميمون الشاعر]
وكان سديف بن ميمون مولى آل أبي لهب مائلا إلى المنصور. فلمّا استخلف وصله بألف دينار، فدفعها إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن
стр. 1542
تقوية له. فلمّا قتل محمد صار مع أخيه إبراهيم بالبصرة حتى إذا قتل إبراهيم أتى المدينة فاستخفى بها. فأمّنه عبد الصمد بن عليّ. وقدم المنصور المدينة فأخذ عبد الصمد بإحضار سديف حتى جاء به فجعله المنصور في جوالق ثمّ خيّط عليه، وضرب بالخشب حتى كسر، ثم رمي في بئر وبه رمق حتى مات. وقيل غير ذلك.
وكان أحبّ الطيب إلى المنصور المسك فكان يبتاع له منه في كلّ سنة اثنا عشر ألف مثقال من غلّة ضياعه فيستعمل منه في كلّ يوم عشرين مثقالا ينفخ منها في ثيابه ويغيّر شيبه ويمسح جسده، ويصرف باقي المسك فيما يهبه.
وقال المنصور: ما رأيت ابن هرمة قطّ فذكرت أبياته في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك (١) إلّا هممت بأن آسره. والأبيات [المتقارب]:
إذا قيل: من خير من يرتجى ... لمعترّ فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل عند اللقا ... بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك به قبل أزواجها
فقال عيسى بن عليّ: يا أمير المؤمنين، فهو الذي يقول فيك [الطويل]:
كريم له وجهان: وجه لدى الرضى ... أسيل، ووجه في الكريهة باسل
له لحضات عن حفافي سريرة ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
يقاتل عنه الناس مجلود رأيه ... على الحقّ، والرأي الجليد مقاتل
[ابن هرمة والرخصة في الخمر]
ومدح إبراهيم بن علي بن هرمة المنصور فأعطاه عشرة آلاف درهم فاستقلّها وقال: لي حاجة يا أمير المؤمنين، فإن قضيتها كنت قد كافأتني.
قال: وما هي؟
قال: تأذن لي في شرب النبيذ بالمدينة فإنّ بي هذه الأرواح وألما يضرّني.
فقال: وكيف أفعل ذلك، وأنت تعرف كراهة أهل الحجاز للشرب؟
فقال احتل لي يا أمير المؤمنين.
فأمر الوالي هناك أنّ من أتاه بابن هرمة وهو سكران ضربه مائة وضرب [٩٩ أ] ابن هرمة ثمانين.
فكان الشرطيّ يراه بالمدينة سكران فيقول: من يشتري الثمانين بالمائة؟ ويدعه. وفي رواية: لم يجبه المنصور إلى الإذن له في شرب النبيذ، ولكنّ بعض عمّال المدينة كان أمر فيه بهذا.
ووعظ سوّار المنصور فوصله، فأبى قبول صلته. فقيل له في ذلك فقال: كرهت أن أكون مثل سعيد بن الفضيل: وعظ هشاما ثمّ سأله فأعطاه فقال هشام: إلى هذا أجرى الحديث!
[بعض الخارجين على المنصور]
وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان حين سار للحجّ أبا داود خالد بن إبراهيم الذهليّ. فلمّا مات أبو العبّاس السفّاح بايع أبو داود لأبي جعفر المنصور بغير أمر أبي مسلم، ولم يكتب إليه بالبيعة إلّا بعد حين خوفا منه. فلمّا قتل أبو مسلم وأتاه البريد بقتله أنكر قتله وذكر المنصور ذكرا قبيحا ونسبه إلى الغدر. وكتب المنصور إليه يأمره بغزو ما وراء النهر. ثم كتب إليه في القدوم عليه، ووجّه بكتابه إليه رسولا مفردا فقال: «ما يقدمني
стр. 1543
عليه إلّا لمسألتي عن أمور أبي مسلم وأمواله، ثمّ قتلي بعد ذلك». ثم قام يفرقع أصابعه ويرقص ويقول: «يا أبا جعفر، غرّ غيري! » والرسول يراه.
فرجع إلى المنصور فأخبره بما عاين، ولم يجب [أبو داود] المنصور على كتابه. فكتب المنصور إلى أبي عصام عبد الرحمن بن سليم، مولى عبد الله بن عامر بن كريز: إن قتلت أبا داود، فأنت أمير خراسان!
فخرج أبو عصام إلى كشماهن [٩٩ ب] وقد دسّ إلى أهلها من هيّجهم ليخرج أبو داود فيفتك به.
وسمع أبو داود الضجّة فصعد لينظر فمشى على جناح داره. وكان ضعيف البصر فسقط على وتد، فقالت امرأته: من ذا؟
فقال: أنا أبو داود قد نزل بي ما يريد أبو جعفر.
واحتمل فمات ودفن، وذلك في سنة تسع وثلاثين ومائة. وكتب أبو عصام بموته إلى المنصور. واجتمع الناس إلى أبي عصام فبايعوا للمنصور وأخذ البيعة له عليهم. ولم يلبث إلّا قليلا- قيل: أربعين يوما- حتى ورد عبد الجبّار ابن عبد الرحمن الأزديّ على أربع من دوابّ البريد. وكان على شرط السفّاح ثم على شرط المنصور وقال له: قد ولّيتك خراسان، فأطع الله في معصيتى، ولا تطعني في معصية الله، ولن للمحسن وكن خشنا للمسيء!
فسار إليها. وولّى المنصور الشرط بعده عمر ابن عبد الرحمن أخاه ثم عزله وولّى موسى بن كعب التميميّ حتّى مات. ثم ولّى بعده المسيّب بن زهير الضبّي. فكان المسيّب يسعى في فساد حال عبد الجبّار عند المنصور ويوحشه منه ويغريه به. وكتب إلى عبد الجبّار أنّ المنصور قال ذات يوم: «من ولي خراسان فأصلح أمر ثغورها وأحسن السيرة في أهلها ورزق جنودها وكان في بيت ماله بعد ذلك عشرة آلاف ألف فهو الكامل».
فكتب عبد الجبّار إلى المنصور يعلمه أنّ عنده بعد سدّ الثغور وإعطاء المقاتلة عشرة آلاف ألف درهم. فكتب إليه المنصور في حملها. ولم تكن عنده وإنّما كذبه. وألحّ عليه [١٠٠ أ] فيها. فكتب يسأل الإذن له في إشخاص عياله إليه، فلم يأذن له المنصور في ذلك. وكان يبلغه فساد قلبه عليه بما يكيده به المسيّب عنده ويقول له فيه. فخلع وقال:
«إنّ أبا جعفر دعاني إلى عبادته». وأسرف في القول بعد ما سار سيرة حسنة، ونظر في أمر الخراج وقوّى الدعوة. فلمّا خلع في سنة إحدى وأربعين ومائة ودسّ إلى قوم من عمّال أبي داود وغيرهم، ممّن كان مخالصا للعبّاسيّين فقتلهم.
وصار إليه علج ينظر في النجوم فقال له: إنّك ستغلب على خراسان وغيرها وتنال ملكا عظيما.
فكتب رجل من عيون المنصور إليه: «إنّه قد نغل (١*) الأديم. فقال لأبي أيّوب المورياني كاتبه ووزيره: ما تراه يقول؟
قال: بخير أنّ عبد الجبّار على الخلع.
فقال: ما ترى؟
قال: تكتب إليه أنّك تريد الغزو برجال خراسان ووجوه أهلها، وتأمره بتوجيههم إليك.
ففعل. فكتب إليه عبد الجبّار: إنّ الترك قد جاشت، وخراسان محتاجة إلى رجالها.
فكتب إليه المنصور: إنّي بخراسان أعنى منّي بغيرها. فإن أحببت أن يوجّه أمير المؤمنين إليك رجالا ممّن قبله فعل- وإنّما أراد أن يوجّه إليه من الجند من يلطف لأخذه.
فكتب: إنّ خراسان مجدبة، فليتها تقوم بمن
стр. 1544
فيها من الرجال وتحملهم!
وأظهر الخلع، وحضّ على طاعة آل أبي طالب. ووجّه إلى إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، وهو مستخف، يسأله أن يشخص إليه. فلم يفعل. فنصب رجلا قال إنّه إبراهيم بن عبد الله اسمه يزيد، ولبس البياض وأقام يزيد خطيبا في يوم جمعة فدعا على المنصور. ثمّ خطب ثانيا وذكر من قتل المنصور من آل علي فبكى وأبكى الناس [١٠٠ ب] فولّى المنصور ابنه محمد المهديّ خراسان، ووجّه معه خازم بن خزيمة. فنزل الريّ ووجّه خازما إلى خراسان.
وخرج على عبد الجبّار الحسن بن حمران مولى مطر بن وسّاج أخي بكير بن وسّاج، ودعا للمنصور وحضّ على التمسّك بطاعته والوفاء ببيعته. ثم إنّه غيّر وبدّل فبعث إليه خازم من حاربه فقتله وأتاه برأسه.
وخرج على عبد الجبّار أيضا أبو جابر أشعث بن الأشعث الطائيّ وقتل عامل بخارى وأخذ الأموال.
وخرج أيضا حرب بن زياد الطالقاني، من العجم، على عبد الجبّار وحاربه وقتل يزيد المدّعي أنّه إبراهيم. وانهزم عبد الجبّار حتّى بقي في خمسة نفر، فقبض عليه الجنيد بن خالد بن هريم وحمله عريانا إلى خازم وهو بسرخس، فبعث به خازم مع نضلة بن نعيم بن خازم إلى المهديّ وهو بنيسابور فوجّه به إلى المنصور. فلمّا أوقف بين يديه قال: استبقني يا أمير المؤمنين، ولا تذهبنّ زلّتي بحسن بلائي وحرمتي وما كان منّي في هذه الدعوة.
فقال: «يا ابن اللخناء، قتلت نظراء قحطبة وطبخت أولياءنا طبخا! » وكانت له قدر عظيمة وكان أبو مسلم أصابها، فكان يغلي فيها الدهن ثمّ يقيم الرجل من العبّاسيّة فيه حتى ينفسخ. ثم أمر به المنصور أن تقطع يده ورجله، فقال: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة!
فقال: يا ابن اللخناء، تركتها بخراسان!
فقتل وصلب بالكوفة، ونفيت عياله إلى [١٠١ أ] دهلك فسبتهم الحبشة وباعتهم، فاشتراهم عبد الصمد بن علي أمير المدينة، وبعث بهم إلى العراق. وقبض المنصور على عبد العزيز أخي عبد الجبّار وقتله، وكان على البصرة، وولّى عوضه سوّار بن عبد الله بن قدامة العنبريّ. ثمّ ولّاها هزارمرد، وهو عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة، وجعل سوّارا على الصلاة والقضاء.
وقدم حرب بن زياد على المنصور في وجوه أهل خراسان، فردّه إليها واليا عليها فهمّ بالخلع وأطلق لسانه بقول سيّئ. فكتب المنصور إلى وجوه أهل خراسان في أمره، فقتل ببلخ.
وأحرم المنصور في سنة أربعين ومائة من الحيرة وحجّ بالناس. ثمّ أتى المدينة ومضى إلى بيت المقدس زائرا. ثمّ انصرف منه في سنة إحدى وأربعين إلى الرقّة فقتل منصور بن جعونة العامريّ، ومضى إلى الكوفة.
وتوجّه في سنة اثنتين وأربعين إلى البصرة، فولّى عمر بن حفص السند.
[مواعظ عمرو بن عبيد للمنصور]
ودعا بعمرو بن عبيد مولى بني تميم فوصله، فلم يقبل صلته، فقال له: بلغني أنّ محمد بن عبد الله بن حسن كتب إليك يدعوك إلى طاعته فأجبته؟
وكان محمد مستخفيا يبث دعاته.
стр. 1545
فقال: يا أمير المؤمنين، والله لو قلّدتني الأمّة اختيار إمام لها ما وجدته، فكيف أجيب محمّدا وأبايعه؟ لقد كتب إليّ فما أجبته.
فقال: صدقت يا أبا عثمان وبررت.
فلمّا ولّى قال: من مثلك يا عمرو؟
وقدم المهديّ من خراسان، فبنى بامرأته ريطة بنت عمّه أبي العباس بالحيرة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين. وحجّ مع المنصور في هذه السنة، فدعا المنصور عمرو بن عبيد- وقد حجّ أيضا- وأكرمه، وسأله أن يعظه، فوعظه. وقضى عمرو حجّته وانصرف فمات في طريقه في آخر السنة.
فقال المنصور لمّا بلغه موته: يرحم الله عمرا! هيهات أن يرى مثل عمرو!
وقال الهيثم بن عديّ: لمّا بايع المنصور للمهديّ، كتب إلى عمرو بن عبيد كتابا لطيفا يستزيره فيه، وكتب إلى عامله على البصرة في إشخاصه مكرّما. فلمّا صار إليه بالكوفة ودخل عليه استدناه وقال: كيف كنت بعدي أبا عثمان؟
فقال: أحمد الله وأذمّ عملي.
فتغرغرت عينا المنصور. ثم قال له: عظني يا أبا عثمان!
[١٠١ أب] فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أنّ الأمر الذي صار إليك، لو بقي لمن قبلك، لم يصل إليك. واعلم أنّك أوّل خليفة يموت فاحذر يا أمير المؤمنين ليلة صبيحتها القيامة، ليلة يتمخض [ ... ] الفزع الأكبر. إنّ الله يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [الفجر: ٦ - ٧] إلى قوله: «لبالمرصاد». ثمّ قال: هذا تخويف لمن سلك جادّتهم واتبع آثارهم.
فبكى المنصور ونزل عن فرشه ثمّ سكن فقال:
«يا أبا عثمان، ناولني هذه الدواة! » فأبى أن يناوله، فقال له: والله لتناولنّها!
فقال: والله، لا ناولتك إيّاها!
فقال له المهديّ، وكان حاضرا: يحلف عليك أمير المؤمنين، فترادّه باليمين؟
فقال: إنّ أمير المؤمنين أقدر على الكفّارة منّي. (ثمّ قال: ) من هذا الفتى يا أمير المؤمنين؟
فقال: هذا ابن أخيك، هذا محمد المهديّ وليّ عهد المسلمين.
فقال: أرى شبابا وجمالا ونشاطا. وقد رشّحته لأمر يصير إليه إن صار، وأنت عنه في شغل، وقد وطّأت له الدنيا وأنت منتقل عنها إلى الآخرة.
فهناك الحساب! إنّ الله جعلك فوق كلّ أحد فلا ترض أن يكون فوقك في طاعته أحد!
ثم سكت عمرو. فقال المنصور: سلني حوائجك.
فقال: حاجتي ألّا تبعث إليّ حتّى أجيئك ولا تعطيني شيئا حتى أسألك.
ثم نفض ثوبه وقام. فأتبعه المنصور بصره وقال: شغل والله الرجل بما هو فيه عمّا نحن فيه.
وقال: [الرمل]:
كلّهم طالب صيد ... وهو ذو مشي رويد
غير عمرو بن عبيد
ودخل عمرو بن عبيد مرّة على المنصور، وعليه طيلسان مخرّق، فأخذ المنصور طيلسانا كان عليه طبريّا فألقاه فوق ظهره، وقال له: «عظني! ».
فوعظه حتى بكى. ثم قال له: سلني حوائجك.
قال: أوّلها أن تأمر برفع الطيلسان عنّي. وألّا تعطيني شيئا حتى أسألك. ولا تبعث إليّ حتى
стр. 1546
أجيئك، فإنّه إن جمعني وإيّاك بلد صرت إليك فيه.
ثمّ مضى.
وعن أبي زيد الأنصاري قال: مشى شبيب بن شبيبة ونفر معه إلى عمرو بن عبيد فقالوا: يا أبا عثمان، إنّ أمير المؤمنين المنصور قدم، ولا نراه قدم إلّا لمكانك لينظر فيما بلغه من كتاب محمد إليك، فتنحّ!
فأطرق، ثمّ قال: لا يكون والله ذاك حتى أقوم بما يجب لله عليّ.
فقال المنصور لعمرو: أبايعت محمد بن عبد الله؟
فقال: لو قلّدتني الأمّة أن أختار لها رجلا ما وجدته. فكيف أبايع محمدا؟
وكتب المنصور إلى عمرو كتابا على لسان محمد. فلمّا قرأه خرّقه. فطلب الرسول [١٠٢ أ] الجواب فلم يجبه، فألحّ الرسول عليه فقال:
دعونا نشرب الماء البارد وننتقل في هذا الظلّ إلى أن يأتي الموت!
فقال المنصور: هذا ثغر قد أمنّاه.
وقال الربيع: دخل عمرو بن عبيد على المنصور. فدخل رجل حسن الأدب كأنّما لم يزل مع الملوك. فأجلسه المنصور إلى جانبه، فأبى أن يجلس إلّا بين يديه. ثمّ قال له: إنّ الله واقفك وسائلك عن مثاقيل الذرّ من الخير والشرّ، وإنّ أمّة محمد خصماؤك يوم القيامة، وإنّك لا ترضى نفسك إلّا بأن يعدل عليك، وإنّ الله لا يرضى منك إلّا بالعدل على رعيّتك. يا أمير المؤمنين، إنّ على بابك نيرانا تأجّج من الجور.
فبكى المنصور ونشج. فقال سليمان بن مجالد: يا عمرو، قد شققت على أمير المؤمنين!
فقال عمرو: ويحك! إنّ أمير المؤمنين ميّت ومخلّ ما في يديه من هذه الدنيا ومرتهن بعمله.
وأنت غدا جيفة بالعراء لا تغني عنه شيئا، ولقرب هذا الجدار منه خير له من قربك. يا أمير المؤمنين، إنّ هؤلاء اتخذوك سلّما إلى درك إرادتهم وصفاء دنياهم لهم وكلّهم يوقد عليك.
قال: فكيف أصنع يا أبا عثمان؟ ادع إليّ أصحابك أستعملهم!
قال: ادعهم أنت واطرد هؤلاء الشياطين عن بابك! فإنّ أهل الدين لا يأتون بابك، وهؤلاء يحيطون بك، لأنّهم إن باينوهم فلم يعملوا بأهوائهم أرّشوك (١*) بهم وحملوك عليهم. والله لئن رآك عمّالك لا تقبل منهم إلّا العدل ليتقرّبنّ إليك به من لا نيّة له فيه!
وعن أبي زيد قال: قدم المنصور البصرة قبل الخلافة. فقال عمرو بن عبيد لبحر بن كنيز السقّاء: قد قدم هذا الرجل، وكان لنا زوّارا إذا [١٠٢ ب] قدم بلدنا، فامض بنا إليه!
فأتياه. فلمّا وقفا ببابه نادى عمرو: «يا جارية! » فأجابته جارية، فقال: قولي لأبي جعفر: «أبو الفضل وأبو عثمان». فأذن لهما فدخلا عليه فإذا هو على مصلّى مخلق دارس، وإذا بين يديه طبق عليه قصعة فيها مرق لا لحم فيه. فقال: يا جارية، أعندك شيء تزيديناه؟
قالت: لا.
قال: فعندك درهم يشترى به فاكهة لأبي عثمان؟
قالت: لا.
قال: ارفعي! عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٢٩].
стр. 1547
وعن أبي عبيدة: قال المنصور لعمرو بن عبيد:
أكاتبت عبد الله بن حسن بن حسن؟
فقال: جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه فأجبته بخلاف ما أحبّ، وأنت تعرف رأيي في الخروج.
قال: أفتبرئ صدري بيمين؟
قال: وما تصنع باليمين؟ لئن كذبت تقيّة لأستجيزنّ أن أحلف لك تقيّة.
وقال الربيع: دعا المنصور بعمرو بن عبيد.
فلمّا استأذنت له، وكانت عليه جبّة وشي، دعا بمبطّنة مرويّة فلبسها، ثم نزل عن فرشه. فقلت:
يا نفس، ما كنت أظنّ أبا جعفر يداري أحدا!
وعن المدائني: كان المنصور يقول: الندم على السكوت خير من الندم على الكلام.
[نوبة الراونديّة]
وعن الهيثم بن عديّ: إنّ قوما من أصحاب أبي مسلم من أهل خراسان كانوا يقولون بتناسخ الأرواح فيزعمون أنّ روح آدم ﵇ في عثمان بن نهيك. ويقولون: إنّ أمير المؤمنين يرزقنا ويطعمنا ويسقينا، فهو ربّنا، وأنّه لو شاء أن تسير الجبال لسارت، ولو أمرنا أن نستدبر القبلة [١٠٣ أ] لاستدبرناها. وكانوا يطوفون حول قصر المنصور ويقولون قولا عظيما. فحبس المنصور منهم نحوا من مائتين من رءوسهم، فغضب أصحابهم. وكان المنصور أمر أن لا يجتمعوا، فاتّخذوا نعشا وأظهروا أنّ فيه امرأة ميّتة، وملئوه سلاحا ثمّ حملوه ومرّوا إلى باب السجن فأخرجوا أصحابهم وهم مائتان. وكانوا أربعمائة فتتامّوا ستّمائة وقصدوا القصر. فتنادى الناس وأغلقت أبواب المدينة. وخرج المنصور يمشي من القصر، ولم يكن عنده دابّة. فمن ذلك اليوم ارتبط فرسا في القصر يكون معه، واقتدى به الخلفاء والملوك وارتبطوا عندهم فرسا سمّي «فرس النوبة».
فلمّا برز المنصور أتى بدابّة فركبها وقصد قصدهم. فجاء معن بن زائدة الشيباني حتى دنا منه، ثمّ ترجّل وأخذ أسافل ثيابه فجعلها في منطقته وأخذ بلجام دابّة المنصور وقال: أنشدك الله إلّا رجعت! فإنك تكفى إن شاء الله.
ونودي في أهل السوق والعامّة فرموهم بالحجارة وقاتلوهم. وفتح باب المدينة فدخل الناس، وجاء خازم على فرس فحمل عليهم فكشفهم. وقاتل معن يومئذ قتالا لم ير مثله، فكان المنصور يقول: كنت أسمع أنّ رجلا يقاتل ألفا فلم أصدّق حتى رأيت معنا.
فقتلوا عن آخرهم، وهم ستّمائة. ورمي عثمان ابن نهيك بنشابة مرض منها فمات. فأقيم بدله على الحرس أبو العبّاس الطوسيّ.
وكان أمر الر [ا] ونديّة بالمدينة الهاشميّة بالكوفة في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أو في سنة أربعين.
[بلاء معن بن زائدة في خدمة المنصور]
وجاء الربيع فأخذ بلجام دابّة المنصور، فقال له معن: تنحّ [١٠٣ ب] يا بنيّ وليس هذا من أيّامك.
ولمّا صار المنصور إلى القصر دعا بالعشاء، وأمسك يده حتّى أتى بمعن، وأمر بعض أهل بيته فتزحزح له حتّى جلس مكانه. فلمّا فرغوا من العشاء قال المنصور لعيسى بن عليّ: يا أبا العبّاس، أسمعت بأسد الرجال؟ هو والله معن بن زائدة!
فقال معن: والله ما قوّى منّتي إلّا ما رأيت من شجاعتك. ولقد وردت وجل القلب حتى أبصرتك.
فقال: أخبرهم عنّي بما رأيت!
стр. 1548
وقال المنصور لمعن: يا أبا الوليد، لقد كبرت سنّك!
فقال: في طاعتك.
قال: وإنّ فيك لبقيّة.
قال: هي لك.
قال: وإنّك لتتجلّد.
قال: على أعدائك.
قال: إنّي أعدّك لأمر جسيم.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله قد أعدّ لك منّي قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذا على أعدائك.
وكان معن مع ابن هبيرة فاستأمن هو وطارق بن قدامة. فلمّا قتل ابن هبيرة كان معن بالكوفة قد وجّه ببشارة فتح واسط وصلح ابن هبيرة فأقدم في أهله فنجا، وقتل طارق. ثم ظهر من مناصحة معن ما قدّم به على جميع القوّاد، فولّاه المنصور مصر، ثم ولّاه اليمن، ثمّ ولّاه سجستان، وبها هلك.
[أوّل من اتّخذ الخيش المنصور]
وأصاب عيسى بن علي في بعض الليالي حرّ شديد، فبلّ له إزار ونام فيه. فلمّا أصبح قال له المنصور: يا عمّ، كيف كنت في ليلتك من هذا الحرّ؟
فقال: بللت إزارا ونمت فيه فكنت بخير ونمت أطيب نوم.
فقال: وأنا والله أمرت فبلّ لي ثوب فنمت فيه.
ثمّ لم أزل أروّح.
ثم إنّ المنصور فكّر، فأمر بكرابيس (١) غلاظ [١٠٤ أ] ثخان فبلّت وجعلت على ثلاثة أعواد ونام تحتها. ثمّ أخبر عيسى بن عليّ بما صنع فاتّخذ
عيسى مثل ذلك. ثمّ قال عيسى: يا أمير المؤمنين، لو اتّخذت قبّة ثم غشيت بمثل هذه الكرابيس المبلولة، وجعلت طاقات، كان ذلك أنفى للحرّ وأوسع في المبيت والمقيل؟
فقال المنصور: أو غير ذلك يا عمّ؟ نعمد إلى هذا الخيش الذي يأتي فيه القند والأمتعة من مصر فيغسل وينظّف ثمّ يبلّ وتغشى به القبّة مخيطا عليها، فإنّه أحبس لرطوبة الماء وأبطأ جفوفا.
فأمر المنصور بذلك وتتبّع الخيش فاشتري من التجّار، وأمر فكتب إلى مصر في اتّخاذ شقاق الخيش ووجّه في ذلك رسولا حمله. فكان المنصور أوّل من اتّخذ الخيش، واقتدى به الناس في استعماله.
وكان المنصور لا يستصبح إلّا بالزيت في القناديل، وربّما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه. ثمّ إنّه حمل بين يديه من الشّمع ما فيه الرطل والمنّا [ن]. وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كتاب [ت] ها أحضر شمعة في نور (١*) ثم ترفع إذا فرغ.
وكان أبو أيّوب سليمان الموريانيّ مولى بني سليم قد اتّصل بالمنصور قبل الخلافة وكتب له.
فغلب على الأمر في خلافته، ثمّ تنكّر له المنصور فنكبه ونكب أخاه خالدا، وكان على الأهواز، ونكب آل أبي أيّوب وأسبابه. فمات أبو أيّوب في سجنه.
وخرج المنصور إلى الشام واستخلف ابنه المهديّ على مدينة السلام، وتقدّم إليه باستيداء (٢*) آل أبي أيّوب، ثم كتب إليه بقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم ففعل ذلك، وأخذت أموالهم وكانت مائة
стр. 1549
ألف ألف درهم. وولّى المنصور الربيع الحاجب ديوان الرسائل عند ما حبس أبا أيّوب وقلّده النفقات إلى ما كان يقوم به من الحجابة. ثمّ عزله عن الرسائل وصيّرها إلى أبان بن صدقة، وأقرّ الربيع على النفقات مع الحجابة.
[فتن أخرى واجهت المنصور]
وكان سنباذ لمّا قتل أبو مسلم، بحلوان، فحمل أموالا كانت عنده ومضى يريد خراسان. فلمّا كان بالريّ منعه أبو عبدة عامل الريّ من النفوذ. وكان قد أمر أن لا يدع أحدا من أصحاب أبي مسلم أن يجوزه. فهرب سنباذ في الليل فاتّبعه أبو عبدة وقاتله فانهزم ودخل القصر. فحصره سنباذ وقتله وغلب على الريّ وعاد إلى المجوسيّة وقتل العرب. وكتب إلى ملك الديلم أنّه قد انقضى ملك العرب فقدم عليه بديالمته وكانت لهم حروب مع المسلمين قتل فيها كثير من المسلمين.
فوجّه إليه المنصور جهور بن مرّار العجليّ فقاتل سنباذ (١) وهزمه وقتل من جموعه ثلاثين ألفا فقتل إصبهبذ طبرستان [١٠٤ ب] سنباذ وقد صار إليه. ثمّ تنكّر المنصور لجهور وعزله عن الريّ، فخلع وكانت له مع أصحاب المنصور حروب آلت إلى قتله.
وخرج في سنة سبع وثلاثين ومائة ملبّد بن حرملة بن معدان بن شيطان بن قيس بن حارثة أحد بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بالجزيرة، وحكّم. فأتاه الخوارج وغلب على الموصل، وقتل خلقا كثيرا وهزم عدّة عساكر بعث بها إليه المنصور. فجدّ المنصور في أمره ووجّه لقتاله خازم بن خزيمة فهزمه وقتل عامّة الخوارج.
فقامت بعد ملبّد عدّة من الخوارج كانت لهم.
ولأصحاب المنصور حروب كثيرة.
[تحويل ولاية العهد من عيسى بن موسى إلى المهديّ]
وكان أبو العبّاس السفّاح لما عهد لأخيه أبي جعفر المنصور جعل عيسى بن موسى من بعد أبي جعفر. فلمّا قام أبو جعفر رشّح ابنه محمد المهديّ للخلافة، فكان يجلسه عن يساره ويجلس عيسى بن موسى عن يمينه ويكرمه ويجلّه. ثمّ كلّمه في العقد للمهديّ فقال: يا أمير المؤمنين، كيف بالأيمان والعهود والمواثيق؟ ولئن فعلت هذا ليكوننّ حجّة لمن ترك الوفاء وخاس بالعهد.
فقدّم المهديّ عليه وأجلسه عن يمينه. وصار إذا ركب تعرّض له الجند بما يكره وأسمعوه الكلام وتنقّصوه. فشكا ذلك إلى المنصور فقال للمسيّب: تقدّم إلى القوّاد والجند في أن يمسكوا عن ابن أخي ولا يؤذوه، فإنّه ثمرة قلبي وجلدة ما بين عينيّ.
ودعا بقوم من الحرس فشتمهم فكفّوا. وكتب إلى عيسى كتابا يذكر فيه ما قذف الله في قلوب أنصار الدعوة وأهل المشايعة على الحقّ وأشربها من محبّة المهدي ومودّته وتفضيله حتّى صاروا له صاغين ولأعناقهم مادّين لا يذكرون إلّا فضله ولا يعرفون إلّا حقّه ولا ينوّهون إلّا باسمه، وأنّه لمّا رأى ذلك علم أنّه أمر تولّاه الله له ليس للعباد فيه صنع، وأنّه لا بدّ من استصلاحهم ومتابعتهم.
ويعلمه أنّه يرى له إذا اجتمع الناس على ابن عمّه أن يكون أوّل من يبدر إلى البيعة له وأن يعرف له ما عرفوه ويؤمّل فيه ما أملوه.
فكتب جوابه يذكّره الوفاء ويعلمه أنّ كثيرا من الناس قد نازعتهم أهواؤهم ودعتهم أنفسهم إلى مثل الذي همّ به في ولده، فآثروا الله وحقّه،
стр. 1550
وكرهوا الغدر وعاره وشرّ عواقبه في الدنيا والآخرة، فأمسكوا عن ذلك وكرهوه.
فغضب المنصور وقرأه على القوّاد والجند [١٠٥ أ] فعادوا لأشدّ ما كانوا عليه وكانوا يأتون بابه فيمنعون من أن يدخل إليه أحد، ويمشون حوله ويسيرون إذا ركب ويقولون: أنت البقرة التي قال الله فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١].
فشكاهم إلى المنصور فقال: إنّ هؤلاء قوم قد غلب عليهم حبّ هذا الفتى حتى شيط بدمائهم واجتمعت عليه آراؤهم. وأنا والله يا ابن أخي وحبيب قلبي أخافهم عليك وعلى نفسي. فلو قدّمته بين يديك حتى يكون بيني وبينك لكفّوا، وأنا لك ناصح وأنت أعلم.
ويقال إنّه دسّ إليه شربة سمّ فأفلت منها.
ودخل سلم بن قتيبة عليه فقال له: أيّها الرجل، بايع هذا الأمير وقدّمه، فإنّك لن تخرج من الأمر، وأرض عمّك.
فقال: أو ترى أن أفعل؟
قال: نعم.
قال: فإنّي أفعل.
فأتى سلم المنصور فأعلمه ذلك فسرّ به وعظم له قدر سلم عنده. ودعا المنصور الناس إلى البيعة. فتكلّم عيسى وسلّم الأمر إلى المهديّ وصار بعده. وخطب المنصور فشكر عيسى على ما كان منه، وذكر أنّه التالي للمهديّ عنده في موقعه من قلبه وحاله عنده، ووهب له مالا عظيما، وأقطعه قطائع خطيرة نفيسة، وولّاه الأهواز والكوفة وطساسيجها (١).
ويقال إنّ المنصور أمر بعيسى فخنق بحمائل
سيفه حتى خلع نفسه. وضمن له المنصور رضاه فوفى له به.
[حزمه ووقاره]
وكان محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قدم البصرة مستخفيا، ثم خرج عنها وبلغ المنصور ذلك فقدم البصرة. ويقال بل قدم في أمر القطائع والمسالح، وكان على البصرة عمر بن حفص فولّاه السند، وولّى شهاب بن عبد الملك بن مسمع البحر، وولّى عبد العزيز بن عبد الرحمن الأزديّ البصرة، وولّى سوّار بن عبد الله بن قدامة بن عنترة العنبريّ القضاء، ثم ولّاه صلاة البصرة.
وكان المنصور لا يرى شاربا نبيذا، ولم يعط مغنّيا شيئا قطّ ولا أجرى عليه رزقا يثبت في ديوان أو يخرج به أمر أو كتاب. وكان أعطى الناس في حقّ وأعملهم بحزم وأشدّهم شكيمة على عدوّ.
وأقبل المهدي من داره يريد المنصور، والمنصور جالس في الخضراء في قصره بالمدينة ببغداد. فلمّا وقعت عينه عليه جعل يعوذه ويدعو له حتّى إذا تبيّنه غضب وقال: [١٠٥ ب] ردّوه! أما رأيتم عليه خفّا أحمر كأنّه من عبيد الروم؟ أهذا لبس من كان مثله؟
فألزمه منزله أيّاما ثم دعا به وعاتبه. وكان أمر المنصور جدّا كلّه.
وقال المدائنيّ: كاتب العبسيّون محمد بن عبد الله بن حسن، وكاتبهم محمد. وكان ممّن كاتبه أبو ذفافة. فلمّا شخص المنصور إلى بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومائة، وغزا الصائفة، وتتبّع الأجناد والكور، أقدم أبا ذفافة معه فأصحبه المهديّ فخصّ به. وكان يطلعه على أسراره وأموره. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين،
стр. 1551
قد غلب أبو ذفافة على المهديّ، ورأيه ما تعلم.
فقال: يا بنيّ، إنّ المهديّ قدم من الريّ في زيّ أهل خراسان، فجهدت أن أنقله عن ذلك بكلّ حيلة يحتال بها في مواجهة وتعريض فلم ينتقل عنه. فلمّا صحبه أبو ذفافة لم أشعر به ذات يوم إلّا وقد طلع عليّ معتمّا على قلنسوته، وفي رجله خفّان أسودان. فو الله لو ضمّ إليّ ملك مثله ما كان ذلك بأسرّ إليّ من هيئته. وإنّما أبو ذفافة رجل أراد أن ينال شيئا من الدنيا، فقد ناله وأكثر منه. وهو رجل شريف، وللشّريف شكر، فلا يسوءنّكممكانه.
ودخل عليه الربيع الحاجب يوما وفي رجليه خفّ أبيض محكوك مكعّب، فقال له: لولا أنّي لم أتقدّم إليك لأدّبتك! ما لك ولخفاف الزفّانين؟ (١)
ودخل عليه المبارك بن فضالة وهو بالجسر الأكبر، فقال: يا أمير المؤمنين، حدّثني الحسن قال: بلغني عن النبيّ ﷺ أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله حقّ، فليقم! فما يقوم إلّا العافون عن الناس.
فقال المنصور: «قد عفوت». ولم يدخل البصرة.
وكان المنصور وهو بالبصرة قبل أمر المسوّدة يجلس في حلقة فيها أزهر السمّان. فلمّا أفضت إليه الخلافة وفد إليه أزهر، فقال له: ما جاء بك يا أزهر؟
قال: يا أمير المؤمنين، داري مستهدمة، وعليّ دين مبلغه أربعة آلاف درهم، وأريد أن أزوّج ابني محمّدا.
فقال: قد أمرت لك باثني عشر ألف درهم، فخذها ولا تأتنا طالبا.
فأخذ وانصرف. فلمّا كان العام المقبل أتاه.
فلمّا رآه قال: ما جاء بك يا أزهر؟
فقال: أتيتك يا أمير المؤمنين مسلّما.
فقال: إنّه ليقع في خلد أمير المؤمنين أنّك أتيت طالبا.
قال: ما أتيت إلّا مسلّما.
فقال: قد [١٠٦ أ] أمرنا لك باثني عشر ألفا، فخذنا ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما!
فلمّا كانت السنة الثالثة عاد إليه، فقال: ما جاء بك يا أزهر؟
قال: أتيتك عائدا.
فقال: قد أمر لك أمير المؤمنين باثني عشر ألف درهم، فخذها ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا.
فلمّا كانت السنة الرابعة قدم عليه فقال: ما جاء بك يا أزهر؟
قال: سمعتك تدعو بدعاء فجئت لأكتبه عنك.
قال: إنّه غير مستجاب: قد دعوت به أن لا أراك فلم يجب!
وأمر له باثني عشر ألفا وقال: تعال متى شئت، فقد أعيت فيك الحيل!
وبعث المنصور إلى مسعر بن كدام الهلاليّ (١*) فقال له: يا أبا سلمة هل لك في أن أوّليك؟
فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرضى نفسي لأن أشتري لأهلي حاجة بدرهم حتّى أستعين بغيري، على أنّ الثّقات قليل. فكيف أغرّك عن عملك، وأنا إلى أن تصل قرابتي ورحمي أحوج منّي إلى الولاية؟ فقد قال النابغة الجعديّ [الوافر]:
стр. 1552
وشاركنا قريشا في تقاها ... وفي أنسابها شرك العنان
بما ولدت نساء بني هلال ... وما ولدت نساء بني أبان
يعني لبابة جدّتك، فإنّها هلاليّة- فأمر له بأربعة آلاف درهم، وكساه. ولم يزل يتعهّده ويصله (١).
وبلغ المنصور أنّ عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بالبصرة، فخرج إلى البصرة، وأظهر أنّه يريد أن يقطع ابنه صالحا المسكين بانقيا ويقطع سليمان الهنيئة (٢). وكان عيسى مستخفيا عند رجل يقال له يزيد. فبينا المنصور يخطب في يوم جمعة [١٠٦ ب] إذ وقعت عينه على عيسى، وعرف عيسى أنّه قد عاينه. فلمّا دخل المنصور في الصلاة انسلّ عيسى ويزيد صاحبه. فاستعرض الناس بعد الفراغ من الصلاة فلم يوجدا. ثم إنّعيسى مات عند يزيد. فأتى يزيد الربيع فقال له:
«اطلب لي الأمان من أمير المؤمنين وأدخلني إليه حتى أخبره من أمر عيسى بما يسرّ به». فطلب له الربيع الأمان فأمّنه المنصور. فلمّا دخل عليه قال:
«يا أمير المؤمنين، قد مات عيسى بن زيد وأراحك الله منه». فخرّ المنصور ساجدا، ووجّه من نظر إليه ميتا فوفّى ليزيد بأمانه.
وحجّ المنصور فكان يأتي الطواف ليلا فيطوف
مستخفيا متنكرا لا يعلم أحد من هو، فإذا طلع الفجر عاد إلى دار الندوة، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلّى بالناس. فسمع رجلا يقول في بعض الليالي: «اللهمّ إنّي أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع». فوقف على الرجل ثم خلا به وسأله عمّا قال. فقال له: أتؤمنني؟
قال: نعم، لك الأمان.
فقال: ما عنيت سواك.
فقال: كيف تنسبني إلى الطمع، والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض بيدي؟
قال: وهل دخل أحدا من الطّمع ما دخلك؟
احتجبت عن الضعفاء فلم يصلوا إليك، ثمّ أوعيت الأموال وجمعتها فلم تقسمها في أهلها، ورآك القوم الذين استعنت بهم خائنا فخانوك، وأنت متغافل عن الأمور كأنّك لا تعلم، وعملك حجّة عليك. ثمّ أنت تطمع في السلامة في [١٠٧ أ] دينك ودنياك.
ووعظه فاحتمل له ذلك وقال: «جزيت عن النصيحة خيرا». وأقيمت الصلاة فصلّى المنصور بالناس فطلب الرجل فلم يوجد.
وسمع مرّة في داره جلبة فقال: «ما هذا؟ » فإذا خادم له قد جلس وغلمة حوله وهو يضرب لهم بطنبور، وهم يضحكون منه.
فأخبر بذلك فقال: «وما الطنبور؟ » فوصفه له حمّاد التركيّ، فقال له: وأنت فما يدريك ما الطنبور؟
قال: رأيته بخراسان.
فدعا بنعله وقام يمشي رويدا حتى أشرف على الغلمان فرآهم. فلمّا أبصروه تفرّقوا. فقال:
«خذوا الخادم فاكسروا ما معه على رأسه! » ثم
стр. 1553
قال: «يا ربيع، أخرجه من قصري وابعث به إلى حمدان النخّاس حتّى يبيعه». فوجّه به الربيع من ساعته فبيع بالكرخ.
وقال حمّاد التركي: ولّاني المنصور المدائن، ثمّ عزلني، فقال لي ذات يوم: «يا ابن الخبيثة، كم عندك من المال؟ » فقلت: أصدقه فإنّه لا ينفعني عنده إلّا الصدق. وأخبرته بمبلغ المال، فقال:
«ادفعه إلى الربيع» ففعلت. ثمّ رحت بالعشيّ.
فإنّي بين يدي المنصور واقف لا أشكّ في ذهاب المال إذ دخل الربيع فقال له: يا ربيع، أحمل حمّاد إليك ذلك المال؟
قال: نعم.
قال: أفعرفت وزنه؟
قال: نعم.
قال: احتفظ به. فإذا تزوّج حمّاد فادفعه إليه.
وكان المنصور يقسم على مواليه الأرزاق حتى الفانيد (١) والترياق. وكان مشايخ أهله يدخلون عليه بالعشيّات في النعال والأردية.
وخرج يوما سائرا فأساء بعض أحداث مواليه الأدب وسار في ناحية أمر أن لا يسير فيها أحد كراهة للغبار. فالتفت إلى عيسى بن عليّ وهو يسايره فقال: والله ما ندري يا أبا العبّاس ما نصنع بهؤلاء الأحداث؟ لئن حملناهم على الأدب وأخذناهم بما يجب ليقولنّ [١٠٧ ب] جاهل إنّا لم نحفظ آباءهم فيهم. ولئن تركناهم وركوب أهوائهم ليفسدنّ علينا غيرهم.
ولمّا خرج عليه محمد وإبراهيم ابنا عبد الله بن حسن، وجاءه فتق من ناحية أخرى، جعل ينكت بقضيب معه ويقول [الكامل]:
ونصبت نفسي للرماح دريئة ... إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول
وقال في آل أبي طالب [طويل]:
فلولا دفاعي عنكم إذ عجزتم ... وبالله أحمي عنكم وأدافع
لضاعت أمور منكم لا أرى لها ... كفاة، وما لا يحفظ الله ضائع
وما زال منّا، قد علمتم، عليكم ... على الدهر إفضال يرى ومنافع
وما زال منكم أهل غدر وجفوة ... وبالله مغترّ وللرحم قاطع
وركب مرّة وأهله حوله فقال عثمان بن عمارة المرّي: إنّ حشو أثواب هذا الرجل لمكر ودهاء نكر، وما هو إلّا كما قال [ابن] جذل الطعان [الوافر]:
فكم من غارة ورعيل خيل ... تداركها وقد حمي اللقاء
فردّ رعيلها حتّى ثناها ... بأسمر ما يرى فيه التواء
وقال إسحاق بن مسلم: لقد سبرته فوجدته بعيد الغور، وعجمت عوده فوجدته مرّ المذاق، وإنّه ومن حوله لكما قال ربيعة بن مكدّم [الطويل]:
سما لي فرسان كأنّ وجوههم ... مصابيح تبدو في الظلام زواهر
يقود [هم] كبش أخو مصمئلّة ... عبوس السّرى قد لوّحته الهواجر
وقال عبد الله بن الربيع الحارثيّ (١*): هو والله
стр. 1554
ليث خيس (١) شرس، وللأقران مفترس، وإنّه لكما قال أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب [الطويل]:
فإنّ لنا شيخا إذا الحرب شمّرت ... بديهته الإقدام قبل التزاحف
[١٠٨ أ] أخو الحرب قد عضّت به فتفلّلت ... نواجذ من أنيابها في المزاحف (٢)
ولمّا مات جعفر الأكبر ابن المنصور اشتدّ جزعه عليه. فلمّا قبر وسوّي عليه التراب قال: يا ربيع، كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد؟
فأنشده [المنسرح]:
يا أهل بكّوا لقلبي القرح ... وللدموع الذوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال ... أقدار لم يبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
أعقبت حزنا من السرور وقد ... أدلت مكروهنا من الفرح
فبكى المنصور وقال: صاحب القبر أحقّ بهذا الشعر.
وقال المنصور يوما لابنه محمد المهديّ: يا بنيّ، استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتأليف، والنصر بالتواضع لله والرحمة للناس.
[بعض خطبه]
ولمّا أتاه مخرج محمد بن عبد الله شنّ (٣) عليه درعه ولبس خفّه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال [البسيط]:
ما لي أكفكف عن سعد ويشتمني ... ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا
جهلا علينا، وجبنا عن عدوّهم ... لبئست الخلّتان، الجهل والجبن!
أما والله لقد عجزوا عمّا قمنا به فما عضدوا الكافي ولا شكروا المنعم، فماذا حاولوا؟ أأشرب رنقا (١*) على غصص، وأبيت منهم على مضض؟
والله إنّي لأصل ذا رحم بقطيعة نفسي، ولئن لم يرض بالعفو منّي ليطلبنّ ما لا يوجد عندي. ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ من أن أحيا مستذلّا. فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه، ثمّ لا أبكي عليه ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله.
وخطب يوم عرفة فقال: أيّها الناس، إنّما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده، وخازنه على ماله وفيئه، أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه. وقد جعلني الله قفلا فإذا شاء أن يفتحني فتحني. فارغبوا إلى الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] أن يوفّقني للصواب ويسدّدني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل [١٠٨ ب] عليكم والإحسان إليكم.
وبعث في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، فكانوا يأخذون تربة كلّ أرض فإذا عجنت (٢*) خرجت منها العقارب والخنافس. فلمّا أخذت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان، فقال «هذه! هذه! » فنزل الدير الذي على الصراة وقال: بغداد بلد تأتيه
стр. 1555
الميرة من الفرات ودجلة- فاختطّ المدينة وفرغ من أساسها. فإنّه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد، وسليم المكّي فاستأذنا عليه.
فدخل الربيع فاحتال له حتى استيقظ. ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ يخبر فيه بخروج محمد بن عبد الله. فقال المنصور: يكتب إلى مصر الساعة أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين، فإنّهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر. وأمر أن يكتب إلى العبّاس بن محمد أخيه، وهو على الجزيرة، أن يمدّه بمن قدر عليه، ولو أن يبعث إليه في كلّ يوم رجلا واحدا، لينكسر بهم أهل خراسان، فإنّه لا يؤمن فسادهم مع دالّتهم.
ونادى بالرحيل من ساعته، فخرج في حرّ شديد حتى عسكر بنهر صرصر وصلّى العصر هناك.
وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه. ودعا بعيسى بن موسى فقال له: إمّا أن تخرج وأقيم فأمدّك، وإمّا أن أخرج فتقيم وتمدّني.
فقال: بل أقيك بنفسي وأكفيك هذا الوجه إن شاء الله.
فشخص. وخرج إبراهيم في عقيب خروج أخيه محمد، فجمع المنصور ولد أبيه فقال: ما تقولون وما ترون؟
قالوا: توجّه إليه موسى بن عيسى.
فقال: والله يا ولد عليّ ما أنصفتم! وجّهت أباه وأوجّهه فأكون قد وجّهت من ولد محمد بن عليّ رجلين؟
فقالوا: توجّه عبد الله بن عليّ وتصطنعه.
فقال: أنصب عليّ حربا أخرى. إن خافني مالأ عدوّي عليّ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه.
وقد سمعتكم تذكرون أنّ له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه. فأيّ رأي هذا؟ والله لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان آمن عندي من عبد الله بن عليّ!
فلما قتل إبراهيم بن عبد الله وبعث عيسى بن موسى برأسه، أمر المنصور أن يطاف به بالكوفة.
ثم خطب بها فقال: يا أهل الكوفة، عليكم لعنة الله وعلى بلد أنتم فيه! والله للعجب لبني أميّة وصبرهم [١٠٩ أ] عليكم! كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريّكم ويخربوا منازلكم؟ سبائيّة خشبيّة! قائل يقول: جاءت الملائكة، وقائل يقول: جاء جبريل وهو يقول: أقدم حيزوم! عمدتم إلى أهل هذا البيت وطاعتهم حسنة فأفسدتموهم وأنغلتموهم (١*).
فالحمد لله الذي جعل دائرة السوء عليكم! أما والله يا أهل المدرة الخبيثة، لئن بقيت لكم لأذلّنّكم!
ولمّا أتمّ بناء مدينة بغداد ونزلها في سنة ستّ وأربعين ومائة بنى الخلد، وهو قصر على دجلة سنة سبع وخمسين، فتولّى ناحية منه الربيع، وناحية أبان بن صدقة. فكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول: الدنيا دار فناء وإنّما الخلد في الجنّة.
وكان من خبر بناء بغداد [ ... ] (٢*).
[وصيّته للمهديّ]
... ولمّا أراد الحجّ في السنة التي توفّي فيها أتى قصر عبدويه فأقام به. ثمّ دعا بابنه المهديّ فقال له: يا أبا عبد الله، اقرأ هذا الكتاب واعمل بما فيه!
فإذا فيه: أوصيك بتقوى الله ومراقبته. وعليك بإكرام أهل بيتك وإعطائهم، ولا سيّما من صلحت طريقته وظهر ستره وحسنت مودّته منهم، فإنّ
стр. 1556
أقرب الوسائل المودّة وأبعد النسب البغضاء.
وانظر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم فشرّفهم وأوطئ الرجال أعقابهم فإنّه لا يزال لأمر القوم نظام ما كانت لهم أعلام. وأجزل لهم العطاء ووسّع عليهم في الأرزاق، فإنّ أكثر الناس مؤونة أعظمهم مروءة. ثمّ ليكن معروفك لغيرهم بعدهم، فإنّ الصلة تديم الألفة وصنهم ينبلوا ولا تبتذلهم فيخلقوا. واعلم أنّ رضا الناس غاية لا تدرك، فتحبّب إليهم بالإحسان جهدك، وتثبّت فيما يرد من أمورهم عليك ووكّل همومك بأمورك وتفقّد الصغير بفقدك الكبير. وخذ أهبة الأمر قبل حلوله، فإنّ ثمرة التواني الإضاعة. وكن عند رأس كلّ أمر لا عند ذنبه، فإنّ المستقبل لأمره سابق والمستدبر مسبوق. وولّ أمورك الفاضل يكن مستعليا، ولا تولّ المفضول فإنّه مزر باختيارك.
وانظر الأموال فإنّها عدّة الملوك وبها السلطان ونظام التدبير. فوفّرها بولاية أهل العفاف عنها والحيطة عليها، ولا تبتذلها إلّا في إصلاح أمور السلطان والرعيّة، وثواب أهل الطاعة والنصيحة.
وأحسن إلى نصحائك واستدم مودّتهم ومحبّتهم بجميل التعهّد لهم والتفقّد لأمورهم. ولا تعط عطيّة تبطر الخاصّ وتؤسف العامّ، واجعل لكلّ إليك حاجة، واجعل لهم من فضلك مادّة. واسمع من أهل التجارب، ولا تردّنّ على ذوي الرأي.
وعوّد نفسك الصبر على التعب في إصلاح الرعيّة، وترك الهوينا والدّعة. واعلم أنّ ذهاب السلطان يؤتى من ثلاثة أمور: قلّة الحزم، وضعف العزم، وفقد صالحي الأعوان، وأنّ ثباته بأربع خلال:
المعرفة، وحسن التخيّر، وإمضاء الاختيار، وتنكّب أهل الحرص، فإنّ الحريص يبيعك باليسير من حظّه، وشره الوزراء أضرّ الأعداء. ومن خانك كذبك ومن كذبك غشّك.
واعلم أنّ مادّة الرأي المشاورة فاختر [١١٠ ب] لمشاورتك أهل اللبّ والرأي والصدق وكتمان السرّ. وكافئ بالحسنة وتجاوز عن السيّئة ما لم يكن في ذلك ثلم دين ولا وهن سلطان. ودع الانتقام فإنّه أسوأ أفعال القادر. وقد استغنى عن الحقد من عظم عن المجازاة وعاقب بقدر الذنب.
واعف عن الخطإ وأقل العثرات من أهل الحرمة والبلاء.
وعليك ببلاد نعمتك ومواليك من أهل خراسان وغيرها من الآفاق، فإنّهم أنصح الناس وأشدّهم سعيا في بقاء دولتك، فإنّما عزّهم بعزّك.
وتجنّب دقيق أخلاق أهل العراق، فإنّهم نشئوا على الخبّ ومذموم الأخلاق. وإذا اطّلعت من أحد من خاصّتك وأهل نعمتك على هوى مفسد لنصيحتك فلا تقله عثرة ولا ترع له حرمة ودع الاغترار به، فإنّك إن اغتررت به كنت كمدخل الحيّة دون شعاره، إن شاء الله.
فلمّا قرأ الكتاب، قال: أفهمت يا بنيّ؟
قال: نعم.
قال: فاتّخذه لك إماما ومثالا.
ثم قال: استودعك الله يا بنيّ، وأنشد [الكامل]:
المرء يأمل أن يعي ... ش، وطول عيش ما يضرّه
تبلى بشاشته ويب ... قى بعد طول العيش مرّه
وتخونه الأيّام ح ... تّى لا يرى شيئا يسرّه
كم شامت بي إن هل ... كت وقائل: لله درّه!
ثم ودّع المهديّ وقال: يا أبا عبد الله، إنّي ولدت في ذي الحجّة ووليت الخلافة في ذي
стр. 1557
الحجّة، وقد هجس في نفسي أنّي أموت في ذي الحجّة من سنتي. وذلك حداني على الحجّ. فإذا أفضى إليك الأمر، فإن استطعت أن تكون حديثا حسنا فافعل.
قال الربيع: إنّي لمع النصور في حجّته التي توفّي فيها، فلمّا دنا من مكة اشتدّ به الوجع، فقال لي ذات ليلة، وأنا زميله: «أنزلني! أنزلني! » وكانت به خلفة (١)، فعدلنا به عن الطريق وأنزلناه.
فأبطأ، ثمّ أقبل متكئا على رجلين من مواليه، وأبو العبّاس الطوسيّ والمسيّب بن زهير مع وجوه أهل خراسان، فوقف. فقلت: يا أمير المؤمنين، أبطأت، فهل حدث شيء؟
فقال: «أنا صالح»! وصاح بي.
فلمّا صرنا في المحمل قال: ويحك! أترى هؤلاء الخراسانيّة وهم هم، وتسألني عن هذه المسألة؟ أتذكر رؤياي التي أخبرتكم بها: أني رأيت كأنّ الكعبة انصدعت فجئت بحبل فضممتها (٢).
١٤٧٩ - المأمون العبّاسيّ [١٧٠ - ٢١٨] (٣)
عبد الله بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن
فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، الإمام العالم المحدّث النحوي، أبو العبّاس- ويقال: أبو جعفر، وكانت كنيته أوّلا «أبو العبّاس» فلمّا ولي الخلافة اكتنى بأبي جعفر- الخليفة المأمون أمير المؤمنين، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر الرشيد، ابن المهديّ أبي عبد الله أمير المؤمنين، ابن أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين.
أمّه جارية تسمّى «مراجل» لقّبها صواحباتها بذلك لأنّها كانت حسنة الشعر مولعة بترجيله وخدمته. وهي من «باذغيس» قرية في خراسان بينها وبين بوشنج (١*) ثلاث مراحل.
ولد للنصف من شهر ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة، وذلك ليلة الجمعة، وهي الليلة التي ملك فيها أبوه هارون الرّشيد، ومات فيها موسى الهادي. وهو أسنّ من أخيه محمد الأمين بستّة أشهر.
روى عن أبيه، وهشيم بن بشير، ومعاوية الضرير، ويوسف بن عطيّة، وعبّاد بن العوّام، وإسماعيل بن عليّة، وحجّاج بن محمد الأعور.
وروى عنه أبو حذيفة إسحاق بن بشر، وهو أسنّ منه، ويحيى بن أكثم القاضي، وابنه الفضل بن المأمون، ومعمر بن شبيب، وأبو يوسف القاضي، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسيّ، وأحمد بن الحرث الشيعيّ، واليزيديّ، وعمرو بن مسعدة، وعبد الله بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السلميّ، ودعبل بن عليّ الخزاعيّ.
وبايع له الرشيد بولاية العهد بعد أخيه محمد
стр. 1558
الأمين في سنة ستّ وثمانين ومائة، وولّاه خراسان وما يتّصل بها إلى همذان وإلى آخر المشرق، ولقّبه المأمون. وسلّمه إلى جعفر بن يحيى البرمكيّ. وكان قد ولّى الأمين العراق والشام إلى آخر الغرب. ثمّ بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقّبه المؤتمن وضمّ إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وجعله في حجر عبد الملك بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون.
وكان القاسم ماجنا، أطلق أسدين على النساء والرجال في حمّامين كانا له على شارع معمور، فخرج النساء والرجال عراة هرابا، وقد قعد هو في علية له ينظر من ذلك ويضحك. فلذلك خلعه المأمون من ولاية العهد.
وكان الرشيد يقول للمأمون: أحبّ المحاسن كلّها لك، حتّى لو أمكنني أن أجعل وجه أبي عيسى لك لفعلت.
وقال الرشيد لأبي عيسى وهو صغير: ليت جمالك لعبد الله! - يعني المأمون.
فقال له: على أنّ حظّه منك لي!
فعجب من جوابه، على صباه، وضمّه إليه وقبّله. وذلك أنّ أبا عيسى محمد بن الرشيد كان أجمل أهل زمانه [١١١ ب].
[قسمة الخلافة بين الأمين والمأمون]
وفي سنة ستّ وثمانين ومائة قدم الرشيد إلى مكّة ومعه محمد وعبد الله ابناه، ومعه وزراؤه وقرابته. وكان مسيره من الرقّة لسبع ليال بقين من شهر رمضان. فعدل إلى المدينة من الربذة، فأعطى أهل المدينة ثلاثة أعطية، بدأ بنفسه فوزن له عطاؤه ثمّ فعل ذلك بالأمين محمد والمأمون عبد الله [ف] أعطاهما. ثم بدأ ببني هاشم فأعطوا.
ثمّ أقبل يريد مكّة حتّى دخلها. فلمّا كان يوم سابع الثمان صعد المنبر فخطب خطبة الحجّ، وأخبر الناس بمناسكهم، ثم نزل عن المنبر، فأمر بالكعبة ففتحت، فدخل وحده ليس معه أحد غيره، وقام مسرور الخادم على باب الكعبة فأجاف (١*) عليه أحد المصراعين، فمكث في الكعبة مليّا. ثمّ بعث إلى الأمين محمد وليّ العهد فكلّمه طويلا في جوف الكعبة. ثم دعا بالمأمون عبد الله ففعل به مثل ذلك، وكلامه لكلّ واحد منهما وحده لا يسمع أحدهما ما يكلّم به صاحبه. ثم أرسل إلى سليمان ابن أبي جعفر المنصور وإلى الفضل بن الربيع، وإلى عيسى بن جعفر، وجعفر ابن أبي جعفر، وجعفر بن موسى الهادي في جماعة، فدخلوا عليه الكعبة. ثم أرسل إلى محمد بن خالد، وإلى الحرث وأبان وعبيد بني يقطين ونظرائهم، ودعا يحيى بن خالد بن برمك، فدخل. ودعا بجعفر بن يحيى. ثمّ أمر أمير المؤمنين وليّي العهد أن يكتبا له كتابا كلّ واحد منهما على نفسه فيما أخذ على كلّ واحد منهما لصاحبه من التوكيد والوثيقة، فكتبا الكتاب بأيديهما.
فبينا هم في ذلك إذ حضرت صلاة الظهر من قبل فراغهم فأقيمت الصلاة ونزل أمير المؤمنين فصلّى بالناس الظهر. ثمّ عاد إلى الكعبة فكان فيها إلى أن فرغوا من الكتابين. وأحضر جماعة من الناس غير من ذكر، منهم محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ، وأسد بن عمرو قاضي الشرقيّة، منأصحاب أبي حنيفة، وقوما من بني عبد الدار بن قصيّ من حجبة البيت. ثمّ حضرت صلاة العصر عند فراغهم من الكتاب فأقيمت الصلاة فنزل أمير المؤمنين فصلّى بالناس صلاة العصر. ثمّ طافوا سبعا ثمّ دخلوا منزله في دار العجلة ومعه من حضر
стр. 1559
من الهاشميّين وغيرهم ليشهدوا على الكتابين.
وأخرج لهم الكتابين وقد وضع عليهما طين [١١٢ أ] وعليهما خاتما وليّي العهد فقرئا على جميع من حضر ليشهدوا على ما فيهما.
فلمّا شهد الشهود على الكتابين أمر أمير المؤمنين، فاتّخذ لهما قصبتان من ذهب وكلّلهما بفصوص الياقوت والزبرجد واللؤلؤ وجعلا في القصبتين وأمر بهما أن يعلّقا في داخل الكعبة قبالة بابها مع المعاليق التي فيها حيث يراهما الحاجّ.
وضمنهما حجبة البيت واستحلفهم على حفظها والقيام بها وأن يعلّقوهما في وقت الحجّ وينشروهما للناس والحاجّ ويصونوهما. فأعطوه على ذلك العهد والميثاق ليفعلنّ.
وكان الشهود الذين شهدوا في الشرطين، من بني هاشم: سليمان بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن أبي جعفر، وعبد الله ابن المهديّ، وجعفر بن موسى الهادي، وعيسى بن موسى أخوه، وإسحاق بن موسى ابن أمير المؤمنين، وإسحاق بن عيسى بن عليّ، وأحمد بن إسماعيل بن عليّ، وسليمان بن جعفر بن سليمان، وعيسى بن صالح بن عليّ، وداود بن عيسى بن موسى، ويحيى بن عيسى بن موسى وداود بن سليمان بن جعفر.
ومن موالي بني هاشم:
يحيى بن خالد بن برمك، وجعفر بن يحيى، والفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والعبّاس بن الفضل بن الربيع. وعبد الله بن الربيع، والقاسم بن الربيع، وخزيمة بن خازم، من بني تميم، وهرثمة بن أعين، وأبان، والحرث، وخالد، موالي أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن صبيح.
ومن أهل مكّة، من قريش، من بني عبد الدار بن قصيّ: إبراهيم بن عبيد الله الحجبي، وعبد الكريم بن شعيب، وعبد الله بن مسافع، ومحمد بن عبد الله، وإبراهيم بن عبد الرحمن، وعبد الواحد بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن، الحجبيّون.
ومن بني مخزوم: محمد بن عبد الرحمن المخزومي قاضي مكّة.
ومن اليمن: عبد الرحمن بن أبي شمر الغسّانيّ، والربيع بن عبد الله الحارثيّ، وذفافة بن عبد العزيز العبسيّ (١*).
[التزام الأمين]
ونسخة الشرط الذي كتبه الأمين محمد:
باسم الله الرحمن الرحيم،
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له محمد ابن أمير المؤمنين هارون، في صحّة منه وجواز من أمره، طائعا غير مكره: إنّ أمير المؤمنين ولّاني العهد من بعده وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا، وولّى أخي عبد الله بن هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدي [١١٢ ب] برضى منّي وتسليم طائعا عير مكره. وولّاه خراسان بثغورها وكورها وحدودها وخراجها وطرزها وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وجميع أموالها في حياته وبعده. فشرطت لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين من البيعة والعهد وولاية الخلافة وأمور المسلمين بعدي، وتسليم ذلك له وولاية خراسان وأعمالها وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعة وجعل له من عقد أو ضيعة من ضياعه وعقده، وابتاع له من الضياع والعقد، وما أعطاه في حياته وصحّته من مال أو حلي أو جوهر أو متاع أو كسوة
стр. 1560
أو رقيق أو منزل أو دوابّ، أو قليل أو كثير موفّرا عليه مسلّما له. وقد عرفت ذلك كلّه شيئا شيئا باسمه وأصنافه ومواضعه، أنا وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين. فإن اختلف الناس فيه فالقول قول عبد الله بن هارون أمير المؤمنين لا أتبعه بشيء في ذلك ولا آخذه منه ولا انتقصه صغيرا أو كبيرا، ولا من ولايته خراسان وأعمالها، ولا غيرها ممّا ولّاه هارون أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شيء منها، ولا أخلفه، ولا أستبدل به غيره، ولا أقدّم قبله في العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها في نفسه ودمه ولا شعره ولا بشره لا خاطئا ولا عامدا من أموره وولايته، ولا آخذه، ولا آخذ أحدا من عمّاله وكتّابه وولاة أموره ممّن صحبه وأقام معه بمحاسبة، ولا أتّبع شيئا مما جرى على يديه وأمره في ولايته خراسان وأعمالها وغيرها ممّا ولّاه أمير المؤمنين هارون في حياته وصحّته، من الجباية والأموال والطّرز والبريد والصدقات والعشور وغير ذلك، ولا آمر بذلك أحدا من الناس، ولا أرخّص فيه لغيري، ولا أحدّث فيه نفسي بشيء أمضيه عليه ولا ألتمس قطيعته ولا أنقض شيئا ممّا جعل له هارون أمير المؤمنين وأعطاه في حياته وخلافته وسلطانه من جميع ما سمّيت في كتابي هذا، وآخذ له عليّ وعلى جميع الناس البيعة، ولا أرخّص لأحد من الناس كلّهم في خلعه ولا مخالفته، ولا أسمع من أحد من البريّة في ذلك قولا ولا أرضى بذلك في سرّ ولا علانية، ولا أغمض [١١٣ أ] ولا أتغافل عليه، ولا أقبل من برّ من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب، ولا ناصح ولا غاشّ، ولا قريب ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﷺ ، ذكر ولا أنثى، مشورة ولا حيلة ولا مكيدة في شيء من الأمور، سرّها ولا علانيتها، وحقّها وباطلها، وباطنها وظاهرها، ولا سبب من الأسباب أريد بذلك إفساد شيء ممّا أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسي، وأوجبت له عليّ، وشرطت وسمّيت في كتابي هذا.
وإن أراد به أحد من الناس أجمعين سوءا أو مكروها، وأراد خلعه أو محاربته، والوصول إلى نفسه ودمه، أو حرمه أو ماله، أو سلطانه أو ولايته، جميعا أو فرادا، مسرّين ذلك أو مظهرين، [ف] له أن أنصره وأحوطه وأدفع عنه كما أدفع عن نفسي ومهجتي ودمي وشعري وبشري وخدمي وسلطاني، وأجهّز الجيوش إليه، وأعينه على كلّ من غشيه وخالفه، ويكون أمري وأمره في ذلك واحدا أبدا ما كنت حيّا، ولا أخذله ولا أسلمه ولا أتخلّى منه.
وإن حدث بأمير المؤمنين أو أحدنا، أو كنّا غائبين عنه، مجتمعين كنّا أو مفترقين، وليس عبد الله في ولايته بخراسان، فعليّ لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان وأسلّم له ولايتها وأعمالها كلّها وكورها، ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلي، ولا في شيء من البلدان دون خراسان، وأعجّل إشخاصه إلى خراسان واليا عليها وعلى جميع أعمالها، مفردا بها، مفوّضا إليه أعمالها، وأشخص معه جميع من ضمّه إليه أمير المؤمنين من قوّاده وجنوده وصحابته وكتّابه وعمّاله ومواليه وخدمه ومن تبعه من صنوف الناس أهليهم وأموالهم، ولا أرسل عليه أمينا ولا كاتبا ولا أضرب على يده في قليل ولا كثير.
وأعطيت أمير المؤمنين وعبد الله بن هارون على ما شرطت لهما على نفسي من جميع ما سمّيت وكتبت في كتابي هذا، عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمّتي وذمم آبائي وذمم أمراء
стр. 1561
المؤمنين وأشدّ ما أخذ الله على النبيّين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكّدة [١١٣ ب] التي أمر الله بالوفاء بها ونهى عن نقضها وتبديلها.
فإن أنا نقضت شيئا ممّا شرطت لهارون أمير المؤمنين، ولعبد الله بن هارون، وسمّيت في كتابي هذا، أو حدّثت نفسي أن أنقض شيئا من ذلك، أو بدّلت، أو غدرت، أو قبلت من أحد من الناس، صغير أو كبير، أو برّ أو فاجر، ذكر أو أنثى، أو جماعة أو فرادى، فبرئت من الله ومن ولايته، ومن دينه، ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم ألقاه كافرا به مشركا به، وكلّ امرأة هي لي اليوم أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق البتّة (١) طلاق الحرج، وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة نذرا واجبا في عنقي، حافيا راجلا، لا يقبل الله منّي إلّا الوفاء بذلك، وكلّ مال هو اليوم لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة البيت الحرام، وكلّ مملوك هو اليوم لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وما جعلتلأمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه وسمّيت في كتابي هذا لازم لي على الوفاء به، لا أضمر غيره ولا أنوي إلّا إيّاه.
فإن أضمرت أو نويت غيره، فهذه العهود والمواثيق والأيمان لازمة لي واجبة عليّ، وقوّاد أمير المؤمنين وجنوده، وأهل الآفاق والأمصار، وعوامّ المسلمين برءاء من بيعتي وخلافتي وعهدي وولايتي، وهم في حلّ من خلعي وإخراجي من ولايتي عليهم حتّى أكون سوقة من السّوق، وكرجل من عرض المسلمين لا حقّ لي عليهم، ولا ولاية ولا بيعة لي في أعناقهم، وهم في حلّ
من الأيمان التي أعطوني وبرءاء من تبعتها ووزرها في الدنيا والآخرة.
[التزام المأمون]
ونسخة الشرط الذي كتبه المأمون بيده:
باسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين في صحّة من عقله وجواز من أمره وصدق نيّة فيما كتب في كتابه ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين.
إنّ أمير المؤمنين هارون ولّاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد ابن هارون أمير المؤمنين، وولّاني في حياته وبعده ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها من الصدقات والعشر والبريد والطّرز وغير ذلك. واشترط لي على محمد ابن أمير المؤمنين هارون الوفاء بما عقد لي من الخلافة والولاية للعباد والبلاد بعده [١١٤ أ] وولّاني خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء ممّا أقطعني أمير المؤمنين. أو ابتاع لي من الضياع والعقد والدور والرباع، أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال والجوهر والكسى والمتاع والدوابّ، في سبب محاسبة عمّالي، ولا يتّبع لأحد منهم أثرا ولا يوكّل عليّ ولا على من كان معي ومنّي، ولا من عمّالي وكتّابي، ومن استعنت به من جميع الناس مكروها في نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال، ولا صغير ولا كبير. فأجابه إلى ذلك وأقرّ به وكتب له كتابا وكتبه على نفسه ورضي به أمير المؤمنين هارون وقبله وعرف صدق نيّته.
فشرطت لمحمد بن هارون أمير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أسمع وأطيع ولا أعصيه،
стр. 1562
وأنصحه ولا أغشّه، وأوفّي له بيعته وولايته، ولا أغدر ولا أنكث، وأنفّذ كتبه وأموره وأحسن مؤازرته ومكاتفته، وأجاهد عدوّه في ناحيتي بأحسن ما وفى لي وشرط لي ولعبد الله هارون أمير المؤمنين وسمّي لي في الكتاب الذي كتبه أمير المؤمنين لي ورضي به هارون أمير المؤمنين وقبله ولم ينقض شيئا من ذلك، ولا ينقض أمرا من الأمور التي اشترطها لي عليه أمير المؤمنين.
وإن احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى أجناد من جنودي وكتب إليّ بأشخاصهم إلى ناحية من نواحيه، أو إلى عدوّ من أعدائه خالفه أو أراد نقض شيء من سلطانه وسلطاني الذي أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا وولّانا، [فله عليّ] أن أنفّذ أمره ولا أخالفه ولا أقصّر في شيء إن كتب به إليّ.
وإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين أن يولّي رجلا من ولده العهد والخلافة، فله ذلك ما وفّى لي بما جعل لي هارون أمير المؤمنين واشترط لي عليه، وشرطه على نفسه في أمري. وعليّ إنفاذ ذلك والوفاء له بذلك، ولا أنقض ذلك ولا أغيّره ولا أبدّله ولا أقدّم قبله أحدا من ولدي ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلّا أن يولّي هارون أمير المؤمنين من ولده العهد من بعدي، فيلزمني ومحمّدا الوفاء بذلك.
وجعلت لأمير المؤمنين هارون ولمحمد ابن أمير المؤمنين جميع ما اشترط لي هارون أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين هارون من جميع الأشياء المسمّاة في هذا الكتاب الذي كتبه لي، عهد الله وميثاقه [١١٤ ب] وذمّة أمير المؤمنين وذمّتي وذمّة آبائي وذمم أمير المؤمنين وأشدّ ما أخذ الله على النبيّين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكّدة التي أمر الله بالوفاء بها.
فإن أنا نقضت شيئا ممّا شرطت وسمّيت في كتابي هذا أو غيّرت أو بدّلت أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله ومن ولايته ومن دينه ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم ألقاه كافرا به مشركا.
وكلّ امرأة هي اليوم لي أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق البتّة طلاق الحرج.
وكلّ مملوك لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله.
وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام إلى مكّة ثلاثين حجّة نذرا واجبا عليّ في عنقي حافيا راجلا، لا يقبل الله منّي إلّا الوفاء به. وكلّ مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدي بالغ الكعبة.
وكلّ ما جعلت لمحمد بن هارون أمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لي، لا أضمر غيره ولا أنوي سواه.
شهد فلان وفلان.
[مرض الرشيد وموته]
فلمّا تمّ ذلك قال الناس: قد ألقى بينهما شرّا وحربا- وخافوا عاقبة ذلك، وكان ما خافوه.
ثمّ إن الرشيد في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائة شخص إلى الريّ ومعه المأمون، وأشهد على نفسه من عنده من القضاة والفقهاء أنّ جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وليس له فيه شيء. وجدّد له البيعة عليهم، وأرسل إلى بغداد فجدّد له البيعة على محمد الأمين، وجعل للمأمون خراسان وسجستان وجرجان وطبرستان ورويان ودنباوند والريّ خمسين سنة. فعظم ذلك على الأمين وحسده.
ثمّ إنّ الرشيد سار من الرقّة في سنة اثنتين
стр. 1563
وتسعين إلى بغداد يريد خراسان لحرب رافع بن الليث، وكان مريضا. واستخلف على الرقّة ابنه القاسم وضمّ إليه خزيمة بن خازم. وسار من بغداد واستخلف عليها ابنه الأمين، وأمر المأمون بالمقام بها. فقال الفضل بن سهل للمأمون: لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان في ولايتك، ومحمد الأمين المقدّم عليك. وإنّ أحسن ما يصنع بك أن يخلعك، وهو ابن زبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها. فاطلب إلى أمير المؤمنين أن [١١٥ أ] تسير معه.
فطلب إليه ذلك فأجابه بعد امتناع. فلمّا سار الرشيد سايره الصبّاح الطبريّ، فقال له: «يا صباح، لا أظنّك تراني أبدا». فدعا له، فقال: ما أظنّك تدري ما أجد.
قال: لا والله.
فعدل عن الطريق فاستظلّ بشجرة وأمر خواصّه بالبعد عنه، فتنحّوا. ثم كشف عن بطنه فإذا عليه عصابة حرير، فقال: هذه علّة أكتمها الناس كلّهم. ولكلّ واحد من ولدي عليّ رقيب:
فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم أحد إلّا وهو يحصي أنفاسي ويستطيل دهري.
ثم ركب حتّى بلغ جرجان في صفر سنة ثلاث وتسعين، وقد اشتدّت علّته. فسيّر المأمون إلى مرو ومعه القوّاد، وهم: عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وأسد بن يزيد، والعبّاس بن جعفر، ومحمّد بن الأشعث، والسنديّ، ويحيى بن سعيد الجرشيّ، ونعيم بن خازم.
وسار الرشيد إلى طوس، واشتدّ به الوجع.
فقدم المأمون مرو لعشر بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، ومرو يومئذ دار الإمارة ومستقرّ ولاة خراسان منذ فتحها المسلمون. فأقام المأمون بها إلى أن انتقل عن الإمارة إلى الخلافة.
وتوفّي الرشيد بطوس على أثر قدومه بثلاثة عشر يوما لثلاث خلون من جمادى الآخرة [سنة ١٩٣] فبويع بعده بالخلافة الأمين محمد ابن الرشيد. فلم يلبث أن وقع الاختلاف بينه وبين أخيه المأمون من سنته.
[الخلاف بين الأخوين]
وسبب ذلك أنّ الأمين حسد المأمون على ما كان من إقرار الرشيد له بجميع ما معه من الأموال وغيرها، وأخذه اليبعة له على جميع من في عسكره من القوّاد وغيرهم. ثمّ بلغه شدّة مرض الرشيد فبعث بكر بن المعتمر بكتب قد أخفاها، وأمره أن لا يظهر الرشيد ولا غيره عليها حتى يموت، فيدفع إلى كلّ إنسان كتابه.
فلمّا مات الرشيد أخرج الكتب، وهي:
- كتاب إلى أخيه المأمون يأمره بترك الجزع وأخذ البيعة لهما ولأخيهما المؤتمن على الناس- وكان المأمون قد مضى إلى مرو.
- وكتاب إلى أخيه صالح ابن الرشيد يأمره بتسيير العسكر بما فيه وأن يتصرّف هو ومن معه برأي الفضل بن الربيع.
- وكتاب إلى الفضل [بن الربيع] يأمره بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك.
وأقرّ كلّ من إليه عمل على عمله كصاحب الشرطة والحرس والحجابة.
فلمّا قرءوا الكتب تشاوروا هم والقوّاد في اللحاق بالأمين أو المأمون. فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكا حاضرا لآخر ما أدري ما يكون من أمره. وأمر الناس بالرحيل إلى بغداد فرحلوا [١١٥ ب] وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون.
стр. 1564
فلمّا بلغ المأمون ذلك جمع من عنده من قوّاد أبيه، وهم: عبد الله بن مالك، ويحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، وهو على حجابته، والعبّاس بن المسيّب بن زهير، وهو على شرطته، وأيّوب بن أبي سمير، وهو على كتابته، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرئاستين الفضل بن سهل، وهو أعظمهم عنده قدرا وأخصّهم به.
واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفي فارس جريدة فيردّهم. فخلا به ذو الرئاستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هديّة إلى أخيك. ولكنّ الرأي أن تكتب إليهم كتابا وتوجّه رسولا تذكّرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذّرهم الحنث وما فيه دنيا وآخرة.
ففعل ذلك ووجّه سهل بن صاعد، ونوفلا الخادم، ومعهما كتاب. فلحقا الجند والفضل بن الربيع بنيسابور، فأوصلا الكتاب إلى الفضل فقال: «إنّما أنا واحد من الجند». وشدّ عبد الرحمن بن جبلة الأنصاري (١) على سهل بالرمح ليطعنه فأمرّه على جنبه وقال له: قل لصاحبك:
«لو كنت حاضرا لوضعته فيك! » وسبّ المأمون.
فرجعا إليه بالخبر فقال له ذو الرئاستين: أعداء استرحت منهم، ولكن افهم عنّي: إنّ هذه الدولة لم يكن قطّ أعزّ منها أيّام المنصور، فخرج عليه المقنّع وهو يدّعي الربوبيّة أو يطلب بدم أبي مسلم، فضعضع العسكر لخروجه بخراسان. ثمّ خرج بعده يوسف البرم، وهو عند المسلمين كافر فتضعضعوا أيضا له. فأخبرني أنت أيّها الأمير، كيف رأيت الناس عند ما ورد عليهم خبر رافع بن
الليث بن نصر بن سيّار؟
قال: رأيتهم اضطربوا اضطرابا شديدا.
قال: فكيف بك، وأنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم، كيف يكون اضطراب أهل بغداد؟ اصبر، وأنا أضمن لك الخلافة!
قال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به.
قال ذو الرئاستين: والله لأصدقنّك! إنّ عبد الله بن مالك ومن معه من القوّاد إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك منّي برئاستهم المشهودة وبما عندهم من القوّة. فمن قام بالأمر كنت خادما له حتّى تبلغ أملك وترى رأيك.
وقام ذو الرئاستين فأتاهم في منازلهم وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من الوفاء، فكأنّما جاءهم بجيفة على طبق فقال بعضهم: هذا لا يحلّ، اخرج!
وقال بعضهم: من الذي يدخل بين أمير المؤمنين وبين أخيه؟
[تكليف الفضل بن سهل بأمر المأمون]
فخرج وأتى المأمون فأخبره فقال له: قم بالأمر.
فقال له الفضل: إنّك أيّها الأمير [١١٦ أ] قد قرأت القرآن وسمعت الأحاديث وتفقّهت في الدين. فأرى أن تبعث إلى من بحضرتك من الفقهاء فتدعوهم إلى الحقّ والعمل به وإحياء السنّة. وتقعد على الصوف وتردّ المظالم.
ففعل ذلك جميعه وأكرم القوّاد والملوك وأبناء الملوك. وكان يقول للتميميّ: نقيمك مقام موسى بن كعب، وللربعي: نقيمك مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ولليماني: نقيمك مقام قحطبة ومالك ابن الهيثم- وكلّ هؤلاء نقباء الدولة العبّاسيّة.
стр. 1565
ووضع عن أهل خراسان ربع الخراج فحسن ذلك عند أهلها وقالوا: ابن أختنا وابن عمّ نبيّنا ﷺ .
هذا وقد أقبل الأمين على اللهو. فأقام المأمون يتولّى ما بيده من خراسان والريّ. وأهدى إلى الأمين وكتب إليه وعظّمه. فأمر الأمين في سنة أربع وتسعين [ومائة] بالدعاء على المنابر لابنه موسى.
وسبب ذلك أنّ الفضل بن الربيع خشي [أنّ] المأمون إن أفضى الأمر إليه لم يبق عليه. فأخذ يغري الأمين به ويحثّه على خلعه والبيعة لابنه موسى بولاية العهد، وصغّر عنده أمر المأمون.
ووافقه على هذا عليّ بن عيسى بن ماهان، والسنديّ، وجماعة. فرجع إلى قولهم وكتب إلى جميع العمّال بالدعاء لابنه موسى بالأمر بعده، وتقديمه، في الدعاء، على المأمون والمؤتمن.
وعزل المؤتمن عن الجزيرة.
فلمّا بلغ ذلك المأمون أسقط اسم الأمين من الطراز، وقطع البريد عنه. فلحق به رافع بن الليث بن نصر بن سيّار، وهرثمة بن أعين. فولّى هرثمة الحرس. فأنكر الأمين ذلك كلّه، وكتب إلى العبّاس بن عبد الله بن مالك عامل المأمون على الريّ يأمره أن ينفذ إليه بغرائب غروس الريّ- يريد بذلك امتحانه. فبعث إليه بما أمره وكتم ذلك عن المأمون وذي الرئاستين. فلمّا بلغ المأمون ذلك عزله.
وأرسل الأمين إلى المأمون بالعبّاس بن موسى بن عيسى بن محمد بن عليّ، ومعه عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وصالح صاحب المصلّى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، يطلب إليه أن يقدّم ابنه موسى على نفسه وأن يحضر عنده فقد استوحش لبعده. فبلغ الخبر إلى المأمون فكتب إلى عمّاله بالريّ ونيسابور وغيرهما يأمرهم بإظهار العدّة والقوّة، ففعلوا ذلك.
وقدم الرسل على المأمون فأبلغوه الرسالة.
فاستشار الفضل بن سهل فقال: أحضر هشاما والد علي وأحمد ابني هشام، واستشره.
ففعل، فقال: إنّما أخذت البيعة علينا على أن لا نخرج من خراسان. فمتى فعل محمد ذلك فلا [١١٦ ب] بيعة له في أعناقنا، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ومتى هممت بالمسير إليه تعلّقت بك بيميني، فإذا قطعت تعلّقت بيساري، فإذا قطعت تعلّقت بأسناني، فإذا ضربت عنقي كنت قد أدّيت ما عليّ!
فقوي عزم المأمون على الامتناع، وأحضر العبّاس وأعلمه أنّه لا يحضر، ولا يقدّم موسى على نفسه.
فقال العبّاس: ما عليك أيّها الأمير من ذلك.
فهذا جدّي عيسى عبد الله بن موسى قد خلع فما ضرّه.
فصاح به ذو الرئاستين: اسكت! إن جدّك كان أسيرا في أيديهم. وهذا بين أخواله وشيعته.
ثم قاموا. فخلا ذو الرئاستين بالعبّاس واستماله، ووعده إمر [ة] الموسم ومواضع من مصر. فأجاب إلى بيعة المأمون- فسمّي المأمون من ذلك الوقت بالإمام- فكان العبّاس يكتب إليهم بالأخبار من بغداد.
[امتناع المأمون من ترك خراسان]
ورجع الرجل إلى الأمين فأخبروه بامتناع المأمون. وألحّ الفضل وعليّ بن عيسى على الأمين في خلع المأمون والبيعة لابنه موسى ابن الأمين. وكان الأمين قد كتب إلى المأمون يطلب منه أن ينزل له عن بعض كور خراسان، وأن يكون
стр. 1566
له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار. فاستشار المأمون خواصّه وقوّاده في ذلك، فأشاروا عليه باحتمال ذلك والإجابة إليه خوفا من شرّ هو أعظم منه. فقال لهم الفضل بن سهل: أتعلمون أنّ الأمين طلب ما ليس له؟
قالوا: نعم، ونحتمل هذا لضرر منعه.
قال: فإن فعل غيرها فما ترون؟
قالوا: نمنعه.
قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء:
فإنّهم إنّما قالوا: استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروه في يومك ولا تلتمس هدية (١) يومك بخطر أدخلته على نفسك في غدك.
فقال المأمون لذي الرئاستين: فما تقول أنت؟
قال: أسعدك الله، هل تأمن أن يكون الأمين قد طالبك بفضل قومك ليظهر بهم عليك؟ بل إنّما أشار الحكماء بحمل ثقل يرجون به صلاح العاقبة.
فقال المأمون: بإيثار دعة العاجل صار من صار إلى فساد العاقبة في دنياه وآخرته.
وامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب. وأنفذ ثقاته إلى حدّ أعماله وأمرهم أن لا يمكّنوا أحدا من العبور إلى بلاده إلّا مع ثقة من ناحيته. فضبط الطرق بثقات أصحابه، فلم يمكّنوا من دخول خراسان إلّا من عرفوه وأتى بجواز أو كان تاجرا معروفا.
وقيل: لمّا أراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان قال له إسماعيل بن صبيح: «يا أمير المؤمنين، إنّ هذا ممّا [١١٧ أ]
يقوّي التهمة وينبّه على الحذر. ولكن اكتب إليه فأعلمه حاجتك إليه وما تحبّ من قربه والاستعانة على ما ولّاك الله، وتسأله القدوم عليك لترجع إلى رأيه فيما تفعل». فكتب إليه بذلك وسيّر الكتاب مع نفر وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره.
وسيّر معهم الهدايا الكثيرة. فلمّا حضر الرسول عنده وقرأ الكتاب، استشار فأشير عليه بملازمة خراسان، وخوّف من القرب من الأمين. فقال: لا يمكنني مخالفته وأكثر القوّاد والأموال معه، والناس ما يلوون إلّا على الدرهم والدينار لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة. ولست في قوّة حتى أمتنع، وقد فارق جبغويه الطاعة، والتوى خاقان ملك التبّت، وملك كابل قد استعدّ للغارة على ما يليه، وملك أتراربندة قد منع الضريبة، وما لي بواحد من هذه (١*) الأمور يد، ولا أرى إلّا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به، لعلّي آمن على نفسي.
فقال ذو الرئاستين: إنّ عاقبة الغدر وخيمة، وتبعة الغدر غير مأمونة. وربّ مقهور قد عاد قاهرا، وليس النصر بالكثرة والقلّة، والموت أيسر من الذلّ والضيم. وما أرى أن تصير إلى أخيك متجرّدا من قوّادك وجندك كالرأس الذي فارق بدنه فتكون عنده كبعض رعيّته يجري عليك حكمه من غير أن تبلي عذرا في قتال. فاكتب إلى جبغويه وخاقان فولّهما بلادهما، وابعث إلى ملك كابل ووادعه، واترك لملك اتراربندة ضريبته. ثمّ اجمع أطرافك وضمّ جندك واضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال. فإن ظفرت، وإلّا لحقت بخاقان.
فعرف المأمون صدقه وفعل ما أشار به. فرضي أولائك الملوك العصاة. وضمّ جنده وجمعهم عنده. وكتب إلى الأمين: أمّا بعد، فقد وصل
стр. 1567
كتاب أمير المؤمنين، وإنّما أنا عامل من عمّاله وعون من أعوانه، أمرني الرشيد بلزوم هذا الثغر، ولعمري إنّ مقامي به أردّ عن أمير المؤمنين وأعظم غناء عن المسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين، وإن كنت مغتبطا بقربه مسرورا بمشاهدة نعمة الله عنده. فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرّني على عملي ويعفيني من الشخوص، فعل أن شاء الله.
فلما قرأ الأمين كتابه علم أنّه لا يتابعه على ما يريده. فكتب إليه يسأله أن ينزل له عن بعض كور خراسان. فلمّا امتنع من إجابته إلى ذلك أرسل جماعة ليناظروه في منع ما طلب منه. فلمّا وصلوا إلى الريّ منعوا ووجدوا تدبيره محكما وحفظوا [١١٧ ب] في حال سفرهم وإقامتهم من أن يخبروا أو يستخبروا، وكانوا معدّين لوضع الأخبار في العامّة فلم يمكنهم ذلك. فلمّا رجعوا أخبروا الأمين بما رأوا.
وقيل إنّ الأمين لمّا عزم على خلع المأمون وزيّن له ذلك الفضل وابن ماهان دعا يحيى بن سليم وشاوره في ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، كيف نفعل ذلك مع ما أكّده الرشيد من بيعته وأخذ الشرائط والأيمان في الكتاب الذي كتبه؟
فقال الأمين: إنّ رأي الرشيد كان فلتة شبّهها عليه جعفر بن يحيى. فلا ينفعنا ما نحن فيه إلّا بقلعه واجتثاثه.
فقال يحيى: إذا كان رأي أمير المؤمنين خلعه فلا يجاهده فيستنكر الناس ذلك. ولكن يستدعي أمير المؤمنين الجند بعد الجند والقائد بعد القائد ويؤنسه بالألطاف والهدايا، ويفرّق ثقاته ومن معه ويرغّبهم بالأموال. فإذا وهّيت قوّته واستفرغت رجاله أمرته بالقدوم عليك. فإن قدم صار الذي نريد منه. وإن أبى كنت قد تناولته وقد كلّ حدّه.
فقال الأمين: أنت مهذار خطيب، ولست بذي رأي مصيب، قم فالحق بمدادك وأقلامك! (١*)
وكان ذو الرئاستين قد اتّخذ قوما ببغداد يكاتبونه بالأخبار. وكان الفضل بن الربيع قد حفظ الطرق، فكان أحد أولئك النفر إذا كاتب ذا الرئاستين بما تجدّد ببغداد، سيّر الكتاب مع امرأة وجعل الكتاب في عود أكاف (٢*) فتسير كالمجتازة من قرية إلى قرية. فلمّا ألحّ الفضل بن الربيع في خلع المأمون أجابه الأمين إلى ذلك وبايع لولده موسى في صفر- وقيل في ربيع الأوّل- سنة خمس وتسعين ومائة، وسمّاه «الناطق بالحقّ». ونهى عن ذكر المأمون والمؤتمن على المنابر، وأرسل إلى الكعبة بعض الحجبة فأتاه بالكتابين الذين وضعهما الرشيد في الكعبة ببيعة الأمين والمأمون، فمزّقهما الفضل. فلمّا بلغ المأمون ذلك قال: هذه أمور أخبر الرأي عنها، وكفانا أن نكون مع الحقّ.
فكان أوّل ما دبّره ذو الرئاستين حين بلغهم هذا الخبر أن جمع الأجناد الذين اتّخذهم بجنبات الريّ مع الأجناد الذين بها، وأمدّهم بالأقوات وغيرها، وكانت البلاد عندهم قد أجدبت، وأكثر عندهم ما يريدونه حتى صاروا في أرغد عيش. وأقاموا بالحدّ ما يتجاوزونه. ثم أرسل إليهم طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعيّ أميرا في عدّة من قوّاده وأجناده، فسار مجدّا حتّى ورد الريّ، فنزلها [١١٨ أ] ووضع المسالح والمراصد.
ووجّه الأمين عصمة بن حمّاد إلى همذان في ألف رجل ليقيم بها. وأخذ الفضل بن الربيع وعليّ بن عيسى بن ماهان يغريانه بحرب المأمون، فأمر ابن ماهان بالمسير لحربه. وسبب تعيينه ذلك أنّ ذا الرئاستين كان له عين عند الفضل بن الربيع
стр. 1568
يرجع إلى قوله ورأيه، فكتب إليه بأن يشير عليه بإنفاذ ابن ماهان لحربهم. وقصد بذلك أنّ ابن ماهان كان لمّا ولي خراسان في أيّام الرشيد أساء السيرة في أهلها وظلمهم فعزله عنها. لذلك فإنّ أهل خراسان أبغضوه ونفروا عنه. فأراد أنّه إذا سار إليهم ازداد الخراسانيّون جدّا في محاربته. ففعل الرجل ما أمره به ذو الرئاستين، حتى أمر الأمين ابن ماهان بالمسير.
وقيل: بل سبب ذلك أنّ عليّا قال للأمين: «إنّ أهل خراسان كتبوا إليّ يذكرون أنّه إن قصدتهم أطاعوني وانقادوا إليّ، وإن كان غيري، فلا».
فأمره بالمسير، وأقطعه كور الجبل كلّها: نهاوند، وهمذان، وقمّ، وقاشان وغير ذلك، حربها وخراجها. وأعطاه الأموال وحكّمه في الخزائن، وجهّز معه خمسين ألف فارس. وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجليّ، وهلال بن عبد الله الحضرميّ بالانضمام إليه.
وأمدّه بالأموال والرجال شيئا بشيء. فلمّا عزم على المسير من بغداد، ركب إلى باب زبيدة أمّ الأمين ليودّعها. فقالت له: يا عليّ، إنّ أمير المؤمنين، وإنّ كان ولدي [و] إليه تناهت شفقتي، فإنّي على عبد الله متعطّفة لما يحدث عليه من مكروه وأذى. وإنّما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، والكريم يأكل لحم أخيه ويمنعه غيره.
فاعرف لعبد الله حقّ ولادته، وأخوّته، ولا تجبهه بالكلام. فإنّك لست بنظير له، ولا تقتسره اقتسار العبيد. ولا توهنه بقيد ولا غلّ. ولا تمنعه جارية ولا خادما، ولا تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه. فإن شتمك فاحتمل منه.
ودفعت إليه قيدا من فضّة وقالت له: إن صار إليك فقيّده بهذا القيد.
فقال: سأفعل ما أمرت به.
ثم سار في شعبان، وركب الأمين ليشيّعه ومعه القوّاد والجنود، فلم ير ببغداد عسكر قبله أكثر رجالا ولا كراعا منه. ووصّاه الأمين إن قاتله المأمون أن يحرص على أسره، ومضى.
فبلغه أنّ طاهرا مقيم بالريّ والأمداد تأتيه من خراسان [١١٨ ب] وهو يستعدّ للقتال. فقال: «إنّما طاهر شوكة من أغصاني، وما مثل طاهر يتولّى الجيوش». ثم قال لأصحابه: ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان، فإنّ السخال (١*) لا تقوى على النطاح، والبغال لا صبر لها على لقاء الأسد.
وإن أقام تعرّض لحدّ السيوف وأسنّة الرماح. فإذا قاربنا الريّ ودنونا منهم فتّ ذلك في أعضادهم.
ثمّ أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان وما والاها يعدهم الصّلات وأهدى لهم التيجان والأساورة وغيرها، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان. وسار حتّى أتى أوائل الريّ، وهو قليل الاحتياط. فأشار عليه أصحابه بإذكاء العيون وعمل الخندق على عسكره وإرسال الطلائع خوف البيات، فقال: مثل طاهر لا يستعدّ له. وإنّ حاله يؤول إلى أحد أمرين: إمّا أن يتحصّن بالريّ فيثب به أهلها فيكفوننا أمره. وإمّا أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه.
فقالوا: لو كان عزمه تركها والرجوع لفعل، فإنّا قد قربنا منه.
فلم يلتفت إلى قولهم. فلمّا صار بينه وبين الريّ عشرة فراسخ، استشار طاهر أصحابه، فأشاروا عليه أن يقيم بالريّ ويدافع القتال إلى أن يأتيه المدد من خراسان، أو يصل قائد يتولّى
стр. 1569
الأمور دونه. وقالوا: إنّ مقامك أرفق بأصحابك وأقدر لهم على الميرة، والزمن شتاء وبرد.
فتعتصم بالبيوت وتقوى على المماطلة.
فقال: إنّ الرأي غير ما رأيتم: إنّ أهل الريّ لعليّ هائبون، ومن سطوته مشفقون، ومعه من أعراب البوادي وصعاليك الجبال كثير. ولست آمن إن أقمت بالريّ أن يثب أهلها بنا خوفا من عليّ. وما الرأي إلّا أن نسير إليه، فإن ظفرنا، وإلّا عوّلنا عليها فقاتلناه فيها إلى أن يأتينا مدد.
[القتال بين طاهر بن الحسين وابن ماهان]
ثمّ نادى في أصحابه، وخرج من الريّ في أقلّ من أربعة آلاف فارس، وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام صاحب شرطه وقال له: إن أتانا عليّ بن عيسى فقال: «أنا عامل أمير المؤمنين» وأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه.
وساروا. فقال له بعض أصحابه: إنّ جندك قد هابوا هذا الجيش. فلو أخّرت القتال إلى أن يشامّهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم؟
فقال له طاهر: لم يأتني في ذلك شيء.
فقال: دعني وما أريد!
قال: افعل.
فصعد المنبر فخلع الأمين ونادى للمأمون بالخلافة.
فقال: إنّي لا أؤتى من قلّة تجربة وحزم: إنّ أصحابي قليل، والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم. فإن أخّرت القتال اطّلعوا على [١١٩ أ] قلّتنا، واستمالوا من معي برغبة ورهبة فيخذلني أهل الصبر والحفاظ. ولكن ألقى الرجال بالرجال، وأقحم الخيل على الخيل، وأعتمد على الطاعة والوفاء فأصبر صبر محتسب للجنّة حريص على الفوز بالشهادة. فإن نصرنا الله فذاك الذي نريده ونرجوه. وإن تكن الأخرى، فلست بأوّل من قاتل فقتل، وما عند الله أجزل وأفضل.
وقال علي بن عيسى لأصحابه: بادروهم، فإنّهم قليل، ولو وجدوا حرارة السيوف وطعن الرماح لم يصبروا عليها.
وعبّأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا، وعبّأ عشر رايات مع كلّ راية ألف رجل وقدّمها راية راية، وجعل بين كلّ رايتين غلوة سهم. وأمر أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى فطال قتالهم أن تتقدّم التي تليها وتتأخّر هي حتى تستريح. وجعل أصحاب الجواشن أمام أصحاب الرايات، ووقّف في القلب شجعان أصحابه.
وعبّأ طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرّضهم ويوصيهم ويرجّيهم فهرب من أصحابه جماعة إلى عليّ فجلد بعضهم وأهان الباقين، فكان ذلك ممّا ألّب بقيّتهم (١*) على قتاله.
وزحف الناس بعضهم لبعض، فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكّر عليّ بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا للمأمون خاصّة، معاشر أهل خراسان؟
فقال: افعل.
فأخذ البيعة فعلّقها على رمح وقام بين الصفّين، وطلب الأمان فأمّنه علي بن عيسى، فقال: ألا تتّقي الله ؟ أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصّة؟ أتّق الله، فقد بلغت باب قبرك!
فقال عليّ: من أتاني به فله ألف درهم!
فشتمه أصحاب أحمد. وخرج من أصحاب عليّ رجل فحمل عليه طاهر وأخذ السيف بيديه وضربه فصرعه. فلذلك سمّي طاهر «ذا اليمينين».
стр. 1570
ووثب أهل الريّ فأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: «اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم فإنّه لا ينجيكم إلّا الجدّ والصدق». ثم اقتتلوا قتالا شديدا، وحملت ميمنة عليّ على ميسرة طاهر فانهزمت هزيمة منكرة وحملت ميسرته على ميمنة طاهر فأزالتها أيضا عن موضعها. فقال طاهر: اجعلوا جدّكم وبأسكم على القلب واحملوا عليهم حملة خارجية. فإنّكم متى فضضتم منها راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها.
فصبر أصحابه صبرا صادقا وحملوا على أوّل رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الرايات بعضها على بعض، فانتقضت ميمنة عليّ، ورأى أصحاب ميمنة طاهر وميسرته ما فعل أصحابهم فرجعوا على من بإزائهم فهزموهم. وانتهت الهزيمة إلى عليّ فجعل ينادي أصحابه: أين [١١٩ ب] أصحاب الجواشن والجوائز والأساورة والأكاليل؟ إلى الكرّة بعد الفرّة!
فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله وحمل رأسه إلى طاهر، وشدّت يداه إلى رجليه وحمل على خشبة إلى طاهر فأمر به فألقي في بئر.
وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا لله تعالى (١).
وتمّت الهزيمة على أصحاب علي ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف وتبعوهم فرسخين واقفوهم فيها اثنتي عشرة مرّة، في كلّ ذلك ينكسر أصحاب عليّ ويقتل أصحاب طاهر منهم ويأسرون حتى حال الليل بينهم. وغنموا غنيمة عظيمة.
ونادى طاهر: «من ألقى السلاح فهو آمن! »
فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابّهم.
ورجع طاهر إلى الريّ، وكتب إلى المأمون وذي الرئاستين بعد البسملة: كتابي إلى أمير المؤمنين، ورأس عليّ بين يدي وخاتمه في أصبعي، وجنده مصرّفون تحت أمري، والسلام.
فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيّام، وبينهما نحو من خمسين ومائة فرسخ. فدخل ذو الرئاستين على المأمون فهنّأه بالفتح، وأمر الناس فدخلوا عليه فسلّموا عليه بالخلافة. ووصل رأس عليّ بعد الكتاب بيومين فطيف به في خراسان.
فلمّا بلغ الأمين الخبر بقتل عليّ بن [عيسى] بن ماهان، بعث الفضل بن الربيع إلى نوفل الخادم وكيل المأمون على ملكه بالسواد، والناظر في أمر أولاده ببغداد، فأخذ جميع ما عنده، ومن جملته ألف ألف درهم كان الرشيد وصل المأمون بها.
وقبض ضياعه وغلّاته.
[هزيمة ثانية لجيش الأمين]
ووجّه الأمين بعبد الرحمن بن جبلة الأنباري (١*) في عشرين ألفا نحو همذان، واستعمله عليها وعلى كلّ ما يفتحه من أرض خراسان وأمره بالجدّ وأمدّه بالأموال. فسار من بغداد حتّى نزل همذان فحصّنها ورمّ سورها. فأتاه طاهر إلى همذان فبرز إليه على تعبئته فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان. فكثر القتل والجرح فيهم. ثم انهزم عبد الرحمن وامتنع بهمذان أيّاما حتّى قوي أصحابه وأندملت جراحهم، ثم خرج. فقال طاهر لأصحابه: إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإذا قربتم منه قاتلكم، فإن هزمتموه دخل المدينة
стр. 1571
وقاتلكم على خندقها. وإن هزمكم اتّسع له المجال. ولكن قفوا قريبا من عسكرنا وخندقنا فإن قرب منّا قاتلناه.
فوقفوا. فظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة منعتهم، فتقدّم إليهم، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان، وكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن.
ثم قتل صاحب علمه أيضا وانهزم أصحابه فوضع أصحاب طاهر فيهم السيوف يقتلونهم حتّى [١٢٠ أ] انتهوا إلى المدينة فحصرها طاهر حصارا شديدا حتى ضجر أهل المدينة، وخاف عبد الرحمن أن يثبوا به فطلب الأمان فأمّنه طاهر. وخرج من المدينة. فترك طاهر أصحابه بباب همذان، وصار في ألف فارس يريد قزوين فأخذها وترك فيها جندا واستعمل عليها رجلا من أصحابه. واستولى على جميع أعمال الجبل.
وكان عبد الرحمن لمّا خرج من همذان أقام يري طاهرا وأصحابه أنّه مسلم لهم راض بأمانهم.
ثم ركب في أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه فلم يشعروا إلّا به قد خالطهم، فثبتوا له وقاتلوه أشدّ قتال حتى تقطّعت السيوف وتكسّرت الرماح.
وانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقي في نفر قليل يقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنكم الهرب فاهرب!
فقال: لا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزما أبدا.
وقاتل حتّى قتل. وكان الأمين قد أمدّه بجيش عظيم، فعند ما انتهى إليهم المنهزمون ولّوا على أدبارهم من غير قتال، وعادوا إلى بغداد. فخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها كورة كورة حتّى بلغ بعض قرى حلوان. فنزل بها وخندق على عسكره وتحصّن. فبعث الأمين في سنة ستّ وتسعين ومائة عشرين ألف فارس مع أحمد بن مزيد الشيبانيّ، وأردفه بعبد الله بن حميد بن قحطبة على عشرين ألفا لحرب طاهر. فساروا من بغداد إلى خانقين (١*) وطاهر مقيم بموضعه وقد دسّ الجواسيس واحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتّى تمّ له ما أراد وقاتل بعضهم بعضا ورجعوا من خانقين. فتقدم طاهر ونزل حلوان، فقدم عليه هرثمة بن أعين في جيش أمدّه به المأمون، ومعه كتاب المأمون أن يسير إلى الأهواز، فسار. وأقام هرثمةبحلوان.
[تولّي المأمون الخلافة]
وخطب في هذه السنة [سنة ١٩٦] للمأمون بذكر أمير المؤمنين بعد ما كان يقال له «الإمام».
فرفع منزلة الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبّت طولا، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وحمل له ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين ولقّبه ذا الرئاستين، رئاسة الحرب ورئاسة القلم (٢*). وحمل اللواء عليّ بن هشام وحمل العلم نعيم بن خازم، وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج.
فثار الحسين بن عيسى بن ماهان ببغداد واجتمع إليه الناس، وخلع الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من شهر رجب سنة ستّ وتسعين، وأخذ البيعة من الغد للإمام المأمون. فوثب من غد البيعة العبّاس بن موسى بن عيسى بالأمين [١٢٠ ب] فأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمّه زبيدة فجعلها مع ابنها الأمين. فثار الناس في طلب الأرزاق من الحسين بن ماهان، وقام محمد بن أبي خالد وجماعة عصبا للأمين وقاتلوا الحسين وأسروه،
стр. 1572
ودخلوا على الأمين وكسروا قيده وأقعدوه بمجلس الخلافة، وقتل الحسين بعد حرب. واختفى الفضل بن الربيع، وكان طاهر قد استولى على الأهواز وأعمالها وبثّ عمّاله في اليمامة والبحرين وعمّان. ثم سار من الأهواز إلى واسط فاستولى عليها. ووجّه بعض قوّاده إلى الكوفة وبها العبّاس بن موسى الهادي، فقام وخلع الأمين وبايع للمأمون وكتب بذلك إلى طاهر. وأتته أيضا بيعة أهل البصرة للمأمون ثم بيعة أهل الموصل، كلّ ذلك في رجب [سنة ١٩٦]. فأقرّ العمّال على حالهم وأقام بجرجرايا. فبعث الأمين بعوثا فانهزمت، وسار طاهر فنزل المدائن بغير قتال، وانهزم جند الأمين منها إلى بغداد. واستولى على تلك النواحي، ثم توجّه إلى صرصر ونزلها.
وخلع داود بن عيسى بن موسى الأمين بمكّة والمدينة وبايع للمأمون في شهر رجب أيضا، وسار إلى المأمون بمرو فأخبره بذلك فسرّ سرورا كثيرا وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة، وسيّر معه ابن أخيه العبّاس بن موسى بن عيسى وجعله على الموسم. فسارا حتّى أتيا طاهرا فأكرمهما ووجّه معهما عاملا على اليمن ومعه خيل كثيفة، فخلعوا باليمن الأمين ودعوا للمأمون بعد ما بايعوا له.
وكان الأمين قد عقد في رجب وشعبان نحوا من أربعمائة لواء لقوّاد شتّى، وأمّر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعثهم إلى هرثمة بن أعين، فلقيهم بنواحي النهروان وهزمهم في شهر رمضان، وأسر علي بن محمد وحمله إلى المأمون، ونزل النهروان.
هذا وطاهر بصرصر لا يأتيه جيش إلّا هزمه، والأمين ببغداد يبذل الأموال. فسار إليه من أصحاب طاهر نحو خمسة آلاف فسرّ بهم وفرّق المقفى ج ٤* م ٦
فيهم مالا عظيما ووعدهم وغلّف لحاهم بالغالية فسمّوا «قوّاد الغالية». وبثّ سراياه وجواسيسه في أصحاب طاهر ودسّ إلى رؤساء الجند فأطمعهم ورغبهم حتى شغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين وصاروا في عسكره وساروا إلى صرصر. فعبّأ طاهر أصحابه كراديس وسار فيهم يعدهم ويحرّضهم، ثمّ تقدّم فاقتتلوا صدرا من النهار، فانهزم أصحاب الأمين، وغنم أصحاب طاهر ما كان معهم. فأخرج الأمين الأموال وجمع أهل الأرباض وقوّد منهم جماعة [١٢١ أ] وفرّق فيهم الأموال وأعطى كلّ قائد منهم قارورة غالية، ولم يفرّق في أجناد القوّاد وأصحابهم شيئا. فبلغ ذلك طاهرا فكتب إليهم ووعدهم وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على الأمين في ذي الحجّة حتى صعب الأمر عليه وأمر بقتالهم فاقتتلوا. وأخذ طاهر يراسلهم ويراسلو [ن] هـ إلى أن أخذ رهائنهم على بذل الطاعة، وأعطاهم الأموال.
[حصار بغداد]
ثم تقدّم فنزل على بغداد، ومعه من استأمن إليه من أصحاب الأمين، وأخذ الأرباض، وأضعف للقوّاد وأبنائهم والخواصّ العطاء، ففتن الناس وثقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، ووثب الشطّار على أهل الصلاح فساءت حال أهل بغداد ولم تتغيّر حال أحد بعسكر طاهر لتفقّده الأمور وأخذه على أيدي السفهاء، وهو مع ذلك يغادي القتال ويراوح حتى خربت الديار.
ودخلت سنة سبع وتسعين [ومائة] وطاهر يحاصر بغداد، ومعه هرثمة بن أعين وزهير بن المسيّب الضبّي وعبيد الله بن وضّاح، وقد نصبت المجانيق والعرّادات، وحفرت الخنادق، والأمين يفرّق الأموال حتى نفد ما كان بيده وباع ما كان في
стр. 1573
الخزائن من الأمتعة، وضرب انية الذهب والفضّة ليفرّقها في أصحابه. وأمر بإحراق مواضع فرميت بالنفط والنيران فقتل بها خلق كثير. فكثر الحرب ببغداد والهدم ودرست المنازل وأحرقت الدروب والدور حتّى أوحشت بغداد من الخراب الشنيع.
وقبض طاهر ضياع من لم يخرج إليه وسمّى منازلهم «دار النكث» وأخذ أموال من لم يأته من بني هاشم فذلّوا وانكسروا. وضعفت الأجناد عن القتال، إلّا باعة الطريق والعراة وأهل السجون والأرباض والطرّارين (١) وأهل السوق، فكانوا ينهبون أموال الناس. واستأمن إلى طاهر جماعة من قوّاد الأمين وصاروا إليه. فاستولى على ما كان بأيديهم من نواحي بغداد في جمادى الآخرة [سنة ١٩٧]. ثم استأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شرطة الأمين، وكان مجدّا في نصرة الأمين، ففتّ ذلك في عضد الأمين وأشفى على الهلاك.
ثم اقتتل العيّارون والباعة مع الأجناد قتالا عظيما قتل فيه جماعة من أصحاب طاهر وقوّاده، فلم يكن عليه وقعة أشدّ منها. فما زال طاهر يكاتب القوّاد والهاشميّين وغيرهم بعد أن أخذ ضياعهم ودعاهم إلى الأمان وبيعة المأمون حتى أجابه كثير منهم.
وأقبل الأمين على الأكل والشرب، ووكّل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك، فكان من الفسّاق [١٢١ ب] والغوغاء ما لم يسمع بمثله. فلمّا طال ذلك على الناس خرج من بغداد من به قوّة، فكان أحدهم إذا خرج أمن على نفسه وماله. فكان العيّارون أصحاب الأمين يقاتلون طاهرا وأصحابه من أهل النجدة والبأس، وهم عراة لا سلاح لهم، وفي يد أحدهم باريّة مقيّرة وتحت إبطه مخلاة فيها
حجارة، فكلّما رماه الفارس الشجاع صاحب السلاح والعدّة والقوّة بسهم استتر منه العيّار فيقع السهم في باريّته أو قريبا منها، فيأخذ السهم ويتركه معه ويصيح: «دانق»، أي: ثمن النشّابة دانق قد كسبه، ولا يزال كذلك حتّى تفنى سهام الفارس، فيحمل العيّار عليه ويرميه بحجر من مخلاته في مقلاع (١*) فما يخطئه، ثمّ يتبعه آخر فيصرعه أو يهزم، حتّى طال ذلك على طاهر وقتل من أصحابه من قتل. [ف] أمر بالهدم والإحراق فهدم دور من خالفه ما بين دجلة إلى المدينة، فإذا هدمت الدار أخذ أصحاب الأمين أبوابها وسقوفها فيكون ذلك أشدّ على أهلها. فلم يكفّوا عنه بذلك، فمنع الميرة عن بغداد حتى غلت الأقوات، وأخذ الناس بالتّهمة والظنّة وافتتنوا فتقاتلوا ونزلت بهم شدائد لا تكاد توصف قتل فيها خلق عظيم، والحروب مع ذلك متّصلة والحريق والهدم لا يبطل إلى [أن] قتل من العيّارين عالم عظيم. فضعف أمر الأمين وفرّ عنه كثير ممّن حوله، وتحامل عليه السّفلة والغوغاء. وكاتبه طاهر وحذّره وقبض على ضياعه وأمواله، فضجر من ضعف أمره واستثار جنده وأيقن بظفر طاهر به.
ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة (٢*)
اشتدّت الحرب إلى يوم الأربعاء لثمان بقين من المحرّم فقدم طاهر إلى المدينة فقاتل قتالا شديدا فهزم الناس ودخل بالسيف. فنادى مناديه: «من لزم بيته فهو آمن! » وأحاط بمدينة المنصور، وبها الأمين وأمّه زبيدة وأولاده في قصر الخلد حتّى
стр. 1574
تفرّق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه في الطرق لا يلوي أحد على أحد، وتفرّق عنه السفلة والغوغاء، وأخذ عليه طاهر الأبواب ولم يبق معالأمين سوى سبعة آلاف فرس من خيارها. فأشار على محمد [الأمين] حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقيّ أن يختار ممّن يعرفه سبعة آلاف فيحملهم على هذه الخيل ويخرج ليلا حتى يلحق بالجزيرة والشام، فوافقهم على ذلك (١).
ونمى الخبر إلى طاهر فكتب إلى جماعة ممّن حول الأمين في ردّه عن ذلك، فما زالوا به حتّى رجع عن المسير وطلب الأمان. ثم [١٢٢ أ] خرج يوم الخميس لخمس بقين من محرّم سنة ثمان وتسعين بعد العشاء، فذبح وحمل رأسه إلى طاهر فنصبه على برج وكتب إلى المأمون بالفتح وسيّر الرأس إليه، ومعه البردة والقضيب والخاتم. فأخذ ذو الرئاستين الرأس على ترس ودخل به على المأمون، فلمّا رآه سجد. وحينئذ استقامت له الخلافة وهو ابن سبع وعشرين سنة وعشرة أشهر وعشرة أيّام. وبويع له وهو بخراسان وكان قد [ ... ] (٢).
ولمّا قتل الأمين نودي في الناس ببغداد:
الأمان! ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة فصلّى وخطب للمأمون وذمّ الأمين.
فلمّا كان بعد مقتل الأمين بخمسة أيّام وثب الجند بطاهر عند ما طالبوه بالمال. فلم يكن معه ما يعطيهم فهرب منهم إلى عقرقوف ونهبوا متاعه ونادوا: «موسى يا منصور! » وكان طاهر قد أخرج موسى ابن الأمين وأخاه عبد الله من بغداد. فتعبّأ طاهر بمن معه من القوّاد لقتال الجند وأهل
الأرباض ببغداد. فخرج إليه من تخلّف عنه من القوّاد وأعيان أهل المدينة واعتذروا وحالوا على السفهاء، فقبل منهم وأمر لهم برزق أربعة أشهر.
ووضعت الحرب أوزارها واستوسق الناس في المشرق والمغرب على طاعة المأمون والانقياد لخلافته.
ثم خالف نصر بن شبث العقيليّ في شماليّ حلب لهواه في الأمين، وملك سميساط وغيرها.
وكثف جمعه وعبر الفرات إلى الجانب الشرقيّ.
واستعمل المأمون الحسن بن سهل على كلّ ما فتحه طاهر من كور الجبال والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه وأمر طاهرا أن يسير إلى الرقّة لمحاربة نصر بن شبث، وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب. فقدم الحسن في سنة تسع وتسعين إلى بغداد وفرّق العمّال. وسار طاهر إلى نصر فدعاه إلى الطاعة فلم يجب، فكان قصارى طاهر حفظ تلك النواحي من نصر.
وتحدّث الناس بالعراق أنّ الفضل بن سهل قد غلب على المأمون وأنزله قصرا حجبه فيه عن أهل بيته وقوّاده، وأنّه يستبدّ بالأمر دونه. فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس واجترءوا على الحسن بن سهل، وهاجت الفتن في الأمصار، فظهر بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب المعروف بابن طباطبا لعشر خلون من جمادى الآخرة [سنة ١٩٩] ودعا إلى الرضا من آل محمد ﷺ . وكان [القيّم] بأمره أبو السرايا السريّ بن منصور (١*) فبايعه أهل الكوفة وأتاه
стр. 1575
الأعراب، فبعث إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيّب الضبّيّ على عشرة آلاف فارس فهزمهم [١٢٢ ب] واستباح عسكرهم (١) في سلخ جمادى الآخرة. وأصبح [ابن طباطبا] ميّتا مستهلّ رجب، فأقام أبو السرايا مقامه محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين [بن عليّ بن أبي طالب] وهو غلام أمرد، واستبدّ بالأمر دونه، وقاتل جيوش الحسن بن سهل وقتلها وأسرها لثلاث عشرة بقيت من رجب، وبعث جيوشه إلى البصرة وواسط، وولّى عمّاله فيها وفي مكّة واليمن وفارس والأهواز، وسيّر عساكره إلى بغداد. فبعث إليه الحسن بن سهل هرثمة بن أعين فقاتله وأخرجه من الكوفة فقتل. وبثّ الجيوش حتى استردّ البلاد.
هذا وقد كثر الشقاق والخلاف ببغداد، وثارت الشطّار بها، وشنع أمرهم.
[تعيين علويّ لولاية العهد]
وجعل المأمون علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وليّ عهد المسلمين، ولقّبه «الرضى من آل محمد» ﷺ . وأمر جنده فطرح السواد، ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان- وقيل: بل في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان- سنة إحدى ومائتين. فامتنع جماعة ببغداد من إجابته وقالوا:
«لا تخرج الخلافة من ولد العبّاس! » وتحدّثوا في خلع المأمون- وكان أشدّهم في هذا منصور وإبراهيم ابنا المهديّ- إلى أن خلعوه لليلتين بقيتا من ذي الحجّة، وبايعوا إبراهيم بن المهديّ أوّل المحرم سنة اثنتين ومائتين.
فشخص المأمون من مرو في شهر ربيع الآخر بعد ما أقام بها تسع سنين، فبقي في طريقه سنتين، وتزوّج بوران بنت الحسن بن سهل.
وقتل ذو الرئاستين الفضل بن سهل لليلتين خلتا من شعبان [سنة ٢٠٢]، فاتّهم المأمون بقتله. فإنّه كان استبدّ بالأمور دونه وحجبه حتّى لم يعلم بأخبار الناس. فلمّا أعلمه عليّ بن موسى الرضا بأنّ الناس قد نقموا عليه تحجّبه وقالوا:
«هو مسجون»، وأنّهم قد بايعوا إبراهيم بن المهديّ بالخلافة، وأنّ الحرب قائمة بينه وبين الحسن بن سهل، وأنّهم فعلوا ذلك كراهة فيه وفي أخيه الفضل، «وكراهة في بيعتك لي من بعدك»، وأحضر علي بن موسى إليه جماعة من وجوه العسكر فأعلموه بذلك، وأنّ أهل بغداد يتّهمونه أيضا بالرّفض (١*) لمكان عليّ بن موسى منه، وأنّ الناس في أمر مريع، قد انتقضت عليه الأطراف، والفضل يموّه عليه، وأنّه ما لم يتدارك الأمور خرجت عنه الخلافة. فكان هذا ونحوه ممّا حمله على الخروج من مرو.
ثم مات عليّ بن موسى في آخر صفر سنة ثلاث ومائتين بطوس، واتّهم المأمون أنّه سمّه في عنب.
فكتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه بموته.
وكتب إلى أهل بغداد وبني العبّاس والموالي، يعلمهم بموته وأنّهم إنّما نقموا [١٢٣ أ] بيعته، وقد مات، ويسألهم الدخول في طاعته، فأغلظوا له في الجواب.
ثم كانت ببغداد أمور آلت إلى أن خلع إبراهيم بن المهديّ، ودعي للمأمون في يوم الجمعة بالخلافة. ثم اختفى إبراهيم ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجّة، فكانت إمامته
стр. 1576
سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما.
ووصل المأمون إلى همذان في آخر ذي الحجّة فأقام بها شهرا ثم سار فجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة. وأقام بالنهروان ثلاثة أيّام، فخرج إليه أهل بيته والقوّاد ووجوه الناس، فسلّموا عليه.
[دخول المأمون بغداد]
وكان قد كتب إلى طاهر وهو بالرقّة ليوافيه بالنهروان فأتاه بها. ودخل بغداد منتصف صفر سنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، فإذا رأوا ملبوسا من السواد على إنسان خرّقوه. وكلّم بنو العبّاس طاهرا في ذلك، فكان أوّل حاجة سألها المأمون أن يلبس السواد. فقعد بعد ثمانية أيّام من قدومه للناس، وأحضر سوادا فلبسه ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، وخلع على قوّاده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع بقين من صفر [سنة ٢٠٥].
واستعمل العمّال على الأعمال وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين- وكانوا يقاسمون على النصف- فأصلح الأعمال وانقطعت الفتن.
فلمّا دخلت سنة خمس ومائتين تفرّغ لخراسان، فولّى طاهرا ما بين بغداد إلى أقصى أعمال المشرق كلّها مع شرطة جانبي بغداد التي كان يتولّاها. وعقد ولاية ذلك كلّه في شهر رمضان منها. فشخص إليها يوم النحر.
ثمّ نادى المأمون في سنة إحدى عشرة [ومائتين]: برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ .
وأظهر في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب ﵁ على جميع الصحابة، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ .
فلمّا كان شهر رمضان سنة ثلاث عشرة [ومائتين] ولّى المأمون ابنه العبّاس الجزيرة والثغور والعواصم. وولّى أخاه أبا إسحاق محمد ابن الرشيد (١*) أعمال المغرب مكان عبد الله بن طاهر. فأمر لكلّ منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرّق في يوم مثل ذلك المال. وقيل: بل دفع لأخيه خمسمائة ألف دينار، ولابنه العبّاس خمسمائة ألف دينار، ولابن طاهر، وقد عقد له على الجبال ومحاربة بابك، ثلاثمائة ألف دينار، وأمر لسائر الوفود بتسعمائة ألف دينار. وقال عمرو بن الفرج: هذا أوّل يوم فرّق فيه من المال ما لا فرّق في غيره بمثله منذ كانت الدنيا.
ثم خرج المأمون من بغداد يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة أربع عشرة [ومائتين] يريد غزو الروم [١٢٣ ب] واستخلف على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب. فلمّا صار بتكريت أقام بها، ثمّ سار على طريق الموصل إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس. ورحل منها في جمادى الأوّل [سنة ٢١٤] إلى بلاد الروم وعبر ابنه العبّاس ملطية، فأقام المأمون على حصن قرّة حتى فتحه عنوة وهدمه لأربع بقين منه. ووجّه أشناس إلى حصن س [ن] دس، ووجّه عجيفا إلى حصن سنان فأخذ الحصنين.
ثم سار المأمون إلى دمشق.
ثم عاد في سنة ستّ عشرة إلى بلاد الروم، وقد بلغه أنّ ملك الروم قتل ألفا وستّمائة من أهل
стр. 1577
طرسوس والمصيصة، فوافاها في جمادى الأولى، وأقام إلى منتصف شعبان حتّى صالحه ملك الروم. ثم نزل على هرقلة فخرج إليه أهلها، وبعث أخاه أبا إسحاق ابن الرشيد وقد وافاه من مصر قبل دخوله الموصل، فافتتح ثلاثين حصنا.
ووجّه يحيى بن أكثم فأغار وقتل وحرق وسبى ثم عاد. فسار المأمون إلى كيسوم وأقام بها يومين.
ثم رحل إلى دمشق وأقام بها إلى منتصف ذي الحجّة.
وتوجّه منها يريد مصر. وكتب إلى خليفته على بغداد إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلّوا، فبدءوا بذلك منتصف شهر رمضان.
ولمّا نزل المأمون الفرما أنشد [الوافر]:
لليلك كان بالميدا ... ن أقصر منه بالفرما
غريب في قرى مصر ... يقاسي الهمّ والسدما (١)
[قدومه إلى مصر]
وقدم مصر لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور أمير مصر، وأمر بحلّ لوائه وأخذه بلباس البياض، وقال: لم يكن هذا الحدث العظيم إلّا عن فعلك وفعل عمّا لك: حمّلتم الناس ما لا يطيقون وكتمتم الخبر حتى تفاقم الأمر واضطرب البلد.
وضمّ أصحابه إلى ابن عمّه موسى بن إبراهيم.
وولّى على شرط الفسطاط أحمد بن بسطام الأزديّ.
وركب فنظر إلى المقياس، وأمر بإقامة جسر آخر فعمل. وعقد لأبي المغيث موسى بن إبراهيم على جيش بعثه إلى الصعيد في طلب ابن عبيديس الفهريّ ومعه رشيد التركيّ فظفروا به في طحا.
ولمّا وقف على مدينة منف وعين شمس قال:
سألت أطلال مصر عن عين شمس ومنف ... فما أحارت جوابا ولا أجابت بحرف
وفي السكوت جواب لذي الفطانة يكفي
وارتحل إلى سخا سلخ [١٢٤ أ] المحرّم ثم سار إلى البشرود، والأفشين قد أوقع بالقبط بها، فنزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرجال، وبيع النساء والأطفال فبيعوا، وسبي أكثرهم.
وأحضر الفهريّ إلى سخا فقتله. وتتبّع كلّ من يومأ إليه بخلاف فقتل ناسا كثيرا. ورجع إلى الفسطاط يوم السبت لستّ عشرة خلت من صفر. ومضى إلى حلوان فأقام بها مليّا، وعاد إلى الفسطاط.
ثم خرج وعلى مقدّمته أشناس، وارتحل يوم الخميس لثماني عشرة خلت من صفر، وكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما. فدخل دمشق، ومضى منها إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم. ثم رحل عنها وترك عليها عجيفا، فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام وأفرجوا عنه. وجاء توفيل ملك الروم وأحاط بعجيف. فسيّر إليه المأمون الجنود فارتحل قبل مجيئهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان. وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة، فلم يتمّ ذلك.
[القول بخلق القرآن]
وكتب المأمون في ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة إلى خليفته على بغداد في امتحان القضاة والشهود والمحدّثين بالقرآن المجيد: فمن أقرّ أنّه مخلوق محدث خلّى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعة، وقرأ عليهم الكتاب مرّتين حتّى فهموه. فأجابوا بأجوبة مختلفة، منها ما فيه التصريح بأنّ القرآن كلام الله،
стр. 1578
وفيها ما هو حيدة (١) عن القول بأنّه مخلوق. فكتب مقالتهم وبعث بها إلى المأمون، فأجاب بذمّهم والوقيعة فيهم، وأن يحضرهم: فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلّا حمله في الحديد إليه مع نفر يحفظونه. فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر بهم فشدّوا في الحديد. فلمّا كان الغد، دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب اثنان فأطلقهما، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح على قولهما.
فشدّا في الحديد، ووجّه بهما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بما أجاب القوم به. فلمّا صارا إلى الرقّة بلغهم موت المأمون فعادا إلى بغداد.
[موت المأمون]
وكان من خبر موت المأمون أنّه لمّا خرج يريد الغزو أتاه رسول ملك الروم فقال: إنّ الملك يخيّرك بين أن يردّ عليك نفقتك التي أنفقتها من بلدك إلى هذا الموضع، وبين أن يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء [١٢٤ ب] ولا درهم ولا دينار، وبين أن يعمر كلّ بلد للمسلمين قد أخربته النصرانيّة ويردّه كما كان، وترجع عن غزاتك هذه.
فقام المأمون ودخل خيمته وصلّى ركعتي الاستخارة، وخرج فقال للرسول: قل له: أمّا قولك: تردّ عليّ نفقتي، فإنّي سمعت الله يقول في كتابه العزيز: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل: ٣٥ - ٣٧].
وأمّا قولك: إنّه يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلّا أحد رجلين: إمّا
رجل طلب الله والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإمّا رجل طلب الدنيا، فلا فكّ الله أسره!
وأمّا قولك: إنّك تعمر كلّ بلد للمسلمين قد خربه الروم، فلو أنّي قلعت أقصى حجر في بلاد الروم، ما اعتضت بامرأة عثرت في حال أسرها فقالت: وا محمّداه!
عد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف! .
وضرب الطبل فرحل، وكان من فتحه ما تقدّم.
وانصرف من غزاته فنزل عين البذندون على طريق طرسوس، وهي عين ماء، وتعرف أيضا ب «القشيرة». وأقام هناك حتّى ترجع رسله منالحصون.
فوقف على العين ومنبع الماء فأعجبه برد مائها وصفاؤه وحسن بياضه وطيب الموضع وكثرة الخضرة. فأمر بقطع خشب طوال فبسطت على العين كالجسر، وجلس عليه والماء تحته. وطرح في الماء درهما فقرأ كتابته، وهو في قرار الماء، لصفائه. ولم يقدر أحد يدخل الماء من شدّة برده.
فبينا هو كذلك إذ لاحت له سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة فأمر بإخراجها. فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب اضطربت وانماست من يد الفرّاش، فوقعت في الماء كالحجر فنضحت الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته، فبلّت ثوبه. فأخذها الفرّاش فوضعها بين يدي المأمون في منديل وهي تضطرب، فقال: تقلى الساعة!
ثم أخذته رعدة من ساعته فلم يقدر يتحرّك من مكانه، فغطّي باللحف والدواويج (١*)، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: «البرد! البرد! » ثمّ حوّل إلى المضرب ودثّر وأوقدت النيران حوله، وهو يصيح: «البرد! » فأتي [١٢٥ أ] بالسمكة وقد فرغ
стр. 1579
من عملها. فلم يقدر على ذوقها، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها.
واشتدّ به الأمر. فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عنه، هل يمكن برؤه؟ فأخذا يديه وجسّاه فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال منذرا بالفناء.
والتصقت أيديهما ببشرته لعرقه الذي كأنّه الربّ أو كلعاب الأفاعي، فأنكرا معرفة العرق وذكرا أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب، وأنّه دالّ على انحلال البدن.
ثم أحضر المأمون أناسا من الروم وسألهم عن اسم الموضع، وهو «القشيرة» فقالوا: «معنى البذندون: مدّ رجليك» فاضطرب عند سماع ذلك وتطيّر منه. فقال: ما اسمه بالعربيّة؟
فقالوا: الرقّة.
وكان في مولده أنّه يموت بموضع يعرف بالرقّة، فكان يتحامى الإقامة بالرقّة خوفا من أن تدركه منيّته بها. فلمّا سمع ذلك علم أنّه الموضع الذي يموت فيه. فلمّا ثقل قال: «أخرجوني أشرف على عسكري وانظر إلى رجالي وأتبيّن ملكي! » وذلك بالليل. فأخرج. فلمّا أشرف على الخيم والجيش وكثرته، وما وقّدوا من النيران قال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه!
ثمّ ردّ إلى مرقده. وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشهادة لمّا ثقل، فرفع الرجل بها صوته ليقولها المأمون، فقال ابن ماسويه: «لا تصح، فو الله ما يفرّق في هذه الحالة بين ربّه وبين ماني! » ففتح عينيه وبهما من العظم والتورّم والحمرة ما لم ير مثله قطّ، وأقبل يحاول أن يبطش بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه من ساعته وقال: «يا من لا يموت، ارحم من يموت! » وقضى من ساعته، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، فحمل إلى طرسوس فدفن بها.
وكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر تنقص سبعة أيّام، سوى سنتين كان يدعى له فيهما بمكّة، والأمين محصور ببغداد. وعمره ثمان وأربعون سنة وخمسة أشهر وأيّام، وقيل: ويومان. وقيل:
كان عمره تسعا وأربعين سنة. والصحيح أنّه عاش من العمر ثماني وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيّام، وما سوى هذا غلط في الحساب.
وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة.
[شيء من أخباره]
وقال سعيد بن العلاء: دعاني المأمون يوما، فوجدته جالسا على شاطئ البذندون، والمعتصم عن يمينه، وهما قد دلّيا أرجلهما في الماء. فأومأ إليّ أن أضع رجلي في الماء، وقال: «ذقه! هل رأيت أعذب منه أو أصفى أو أشدّ بردا؟ » ففعلت وقلت: ما رأيت قطّ مثله يا أمير المؤمنين.
فقال: أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه؟
فقلت: أمير المؤمنين أعلم.
فقال: الرطب الأ [خضر].
فبينا هو يقول إذ سمعت وقع لجم البريد فالتفتّ فإذا بغال البريد [١٢٥ ب] عليها الحقائب فيها الألطاف. فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب فائت به.
فمضى وعاد ومعه سلّتان فيهما [ ... ] كأنّما جني تلك الساعة، فأظهر شكر الله تعالى. وتعجّبنا جميعا. وأكلنا، وشربنا من ذلك الماء. فما قام منّا أحد إلّا وهو محموم، وكانت ميتة المأمون في تلك العلّة. ولم يزل المعتصم مريضا حتّى دخل العراق، وبقيت أنا مريضا مدّة.
стр. 1580
ولمّا مرض المأمون أمر أن تكتب إلى البلاد الكتب «من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه من بعده أبي إسحاق، ابن هارون الرشيد».
وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العبّاس، وبحضرة الفقهاء والقضاة والقوّاد. وكانت وصيّته بعد الشهادة والإقرار بالوحدانيّة والبعث والجنّة والنار، والصلاة على النبيّ ﷺ والأنبياء ﵈:
إنّني مقرّ بذنب أرجو معه وأخاف، إلّا أنّي إذا ذكرت عفو الله رجوت. فإذا متّ فوجّهوني وغمّضوني، واسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني. ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقّه عليكم في محمد ﷺ إذ جعلنا من أمّته المرحومة. ثم أضجعوني على سريري، وعجّلوا بي. وليصلّ عليّ أقربكم بي نسبا وأكبركم سنّا، وليكبّر خمسا (١). ثم احملوني وابلغوا بي حفرتي. ولينزل بي أقربكم قرابة وأودّكم محبّة، وأكثروا من حمد الله وذكره. وضعوني على شقّي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، وحلّوا كفني عن رأسي ورجليّ. ثم سدّوا اللحد، واخرجوا عنّي وخلّوني وعملي فكلّكم لا يغني عنّي شيئا ولا يدفع عنّي مكروها. ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر سيّئ إن كنتم عرفتم.
فإنّي مأخوذ من بينكم بما تقولون. ولا تدعوا ناعية عندي فإنّ المعول عليه يعذّب. يرحم الله عبدا اتّعظ وفكّر فيما حتّم الله على خلقه من الفناء وقضى عليهم من الموت الذي لا بدّ منه. والحمد لله الذي توحد بالبقاء وقضى على جميع خلقه بالفناء. ثمّ لينظر ما كنت فيه من عزّ الخلافة، هل أغنى ذلك عنّي شيئا إذ جاء أمر الله؟ لا والله! ولكن
أضعف به على الحساب. فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرا! بل ليته لم يكن خلق!
يا أبا إسحاق، ادن منّي! واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة التي طوّقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه، ولا [١٢٦ أ] تغترّ بالله ومهلته، ولا تغفل عن أمر الرعيّة. الرعيّة! الرعيّة! العوامّ! فإنّ قوّة الملك بهم وبتعهّدك لهم. الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا ينهينّ إليك أمر فيه صلاح المسلمين ومنفعهم إلّا قدّمته وآثرته على غيره من هواك. وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحقّ.
وعجّل الرحلة عنّي والقدوم إلى دار ملكك بالعراق. وانظر إلى هؤلاء القوم الذين أنت متاخمهم فلا تغفل عنهم في كلّ وقت. والخرّمية فأعرهم ذا حزامة وصرامة وجلد، وأسعفه بالأموال والسلاح والجنود، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدّم النيّة فيه، راجيا ثواب الله عليه.
ثم دعا المعتصم حين اشتدّ به الوجع وأحسّ مجيء أمر الله فقال: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمّة رسول الله ﷺ لتقومنّ بحقّ الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعة الله على معصيته، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك.
قال: اللهمّ نعم.
قال: هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا تغفل عن صلاتهم في كلّ سنة عند محلّها، فإنّ حقوقهم تجب من جهات شتّى. اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. اتّقوا الله واعملوا له، اتّقوا الله في أمروكم كلّها. أستودعكم