سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما.
ووصل المأمون إلى همذان في آخر ذي الحجّة فأقام بها شهرا ثم سار فجعل يقيم بالمنزل اليوم واليومين والثلاثة. وأقام بالنهروان ثلاثة أيّام، فخرج إليه أهل بيته والقوّاد ووجوه الناس، فسلّموا عليه.
[دخول المأمون بغداد]
وكان قد كتب إلى طاهر وهو بالرقّة ليوافيه بالنهروان فأتاه بها. ودخل بغداد منتصف صفر سنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فكان الناس يدخلون عليه في الثياب الخضر، فإذا رأوا ملبوسا من السواد على إنسان خرّقوه. وكلّم بنو العبّاس طاهرا في ذلك، فكان أوّل حاجة سألها المأمون أن يلبس السواد. فقعد بعد ثمانية أيّام من قدومه للناس، وأحضر سوادا فلبسه ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، وخلع على قوّاده السواد، فعاد الناس إليه، وذلك لسبع بقين من صفر [سنة ٢٠٥].
واستعمل العمّال على الأعمال وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين- وكانوا يقاسمون على النصف- فأصلح الأعمال وانقطعت الفتن.
فلمّا دخلت سنة خمس ومائتين تفرّغ لخراسان، فولّى طاهرا ما بين بغداد إلى أقصى أعمال المشرق كلّها مع شرطة جانبي بغداد التي كان يتولّاها. وعقد ولاية ذلك كلّه في شهر رمضان منها. فشخص إليها يوم النحر.
ثمّ نادى المأمون في سنة إحدى عشرة [ومائتين]: برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ .
وأظهر في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب ﵁ على جميع الصحابة، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ .
فلمّا كان شهر رمضان سنة ثلاث عشرة [ومائتين] ولّى المأمون ابنه العبّاس الجزيرة والثغور والعواصم. وولّى أخاه أبا إسحاق محمد ابن الرشيد (١*) أعمال المغرب مكان عبد الله بن طاهر. فأمر لكلّ منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم، فقيل: لم يفرّق في يوم مثل ذلك المال. وقيل: بل دفع لأخيه خمسمائة ألف دينار، ولابنه العبّاس خمسمائة ألف دينار، ولابن طاهر، وقد عقد له على الجبال ومحاربة بابك، ثلاثمائة ألف دينار، وأمر لسائر الوفود بتسعمائة ألف دينار. وقال عمرو بن الفرج: هذا أوّل يوم فرّق فيه من المال ما لا فرّق في غيره بمثله منذ كانت الدنيا.
ثم خرج المأمون من بغداد يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأولى سنة أربع عشرة [ومائتين] يريد غزو الروم [١٢٣ ب] واستخلف على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب. فلمّا صار بتكريت أقام بها، ثمّ سار على طريق الموصل إلى منبج، ثم إلى دابق، ثم إلى أنطاكية، ثم إلى المصيصة وطرسوس. ورحل منها في جمادى الأوّل [سنة ٢١٤] إلى بلاد الروم وعبر ابنه العبّاس ملطية، فأقام المأمون على حصن قرّة حتى فتحه عنوة وهدمه لأربع بقين منه. ووجّه أشناس إلى حصن س [ن] دس، ووجّه عجيفا إلى حصن سنان فأخذ الحصنين.
ثم سار المأمون إلى دمشق.
ثم عاد في سنة ستّ عشرة إلى بلاد الروم، وقد بلغه أنّ ملك الروم قتل ألفا وستّمائة من أهل
стр. 1577
طرسوس والمصيصة، فوافاها في جمادى الأولى، وأقام إلى منتصف شعبان حتّى صالحه ملك الروم. ثم نزل على هرقلة فخرج إليه أهلها، وبعث أخاه أبا إسحاق ابن الرشيد وقد وافاه من مصر قبل دخوله الموصل، فافتتح ثلاثين حصنا.
ووجّه يحيى بن أكثم فأغار وقتل وحرق وسبى ثم عاد. فسار المأمون إلى كيسوم وأقام بها يومين.
ثم رحل إلى دمشق وأقام بها إلى منتصف ذي الحجّة.
وتوجّه منها يريد مصر. وكتب إلى خليفته على بغداد إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلّوا، فبدءوا بذلك منتصف شهر رمضان.
ولمّا نزل المأمون الفرما أنشد [الوافر]:
لليلك كان بالميدا ... ن أقصر منه بالفرما
غريب في قرى مصر ... يقاسي الهمّ والسدما (١)
[قدومه إلى مصر]
وقدم مصر لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور أمير مصر، وأمر بحلّ لوائه وأخذه بلباس البياض، وقال: لم يكن هذا الحدث العظيم إلّا عن فعلك وفعل عمّا لك: حمّلتم الناس ما لا يطيقون وكتمتم الخبر حتى تفاقم الأمر واضطرب البلد.
وضمّ أصحابه إلى ابن عمّه موسى بن إبراهيم.
وولّى على شرط الفسطاط أحمد بن بسطام الأزديّ.
وركب فنظر إلى المقياس، وأمر بإقامة جسر آخر فعمل. وعقد لأبي المغيث موسى بن إبراهيم على جيش بعثه إلى الصعيد في طلب ابن عبيديس الفهريّ ومعه رشيد التركيّ فظفروا به في طحا.
ولمّا وقف على مدينة منف وعين شمس قال:
سألت أطلال مصر عن عين شمس ومنف ... فما أحارت جوابا ولا أجابت بحرف
وفي السكوت جواب لذي الفطانة يكفي
وارتحل إلى سخا سلخ [١٢٤ أ] المحرّم ثم سار إلى البشرود، والأفشين قد أوقع بالقبط بها، فنزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرجال، وبيع النساء والأطفال فبيعوا، وسبي أكثرهم.
وأحضر الفهريّ إلى سخا فقتله. وتتبّع كلّ من يومأ إليه بخلاف فقتل ناسا كثيرا. ورجع إلى الفسطاط يوم السبت لستّ عشرة خلت من صفر. ومضى إلى حلوان فأقام بها مليّا، وعاد إلى الفسطاط.
ثم خرج وعلى مقدّمته أشناس، وارتحل يوم الخميس لثماني عشرة خلت من صفر، وكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما. فدخل دمشق، ومضى منها إلى بلاد الروم، فأناخ على لؤلؤة مائة يوم. ثم رحل عنها وترك عليها عجيفا، فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام وأفرجوا عنه. وجاء توفيل ملك الروم وأحاط بعجيف. فسيّر إليه المأمون الجنود فارتحل قبل مجيئهم، وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان. وأرسل ملك الروم يطلب المهادنة، فلم يتمّ ذلك.
[القول بخلق القرآن]
وكتب المأمون في ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة إلى خليفته على بغداد في امتحان القضاة والشهود والمحدّثين بالقرآن المجيد: فمن أقرّ أنّه مخلوق محدث خلّى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه. فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعة، وقرأ عليهم الكتاب مرّتين حتّى فهموه. فأجابوا بأجوبة مختلفة، منها ما فيه التصريح بأنّ القرآن كلام الله،
стр. 1578
وفيها ما هو حيدة (١) عن القول بأنّه مخلوق. فكتب مقالتهم وبعث بها إلى المأمون، فأجاب بذمّهم والوقيعة فيهم، وأن يحضرهم: فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلّا حمله في الحديد إليه مع نفر يحفظونه. فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر بهم فشدّوا في الحديد. فلمّا كان الغد، دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب اثنان فأطلقهما، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح على قولهما.
فشدّا في الحديد، ووجّه بهما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بما أجاب القوم به. فلمّا صارا إلى الرقّة بلغهم موت المأمون فعادا إلى بغداد.
[موت المأمون]
وكان من خبر موت المأمون أنّه لمّا خرج يريد الغزو أتاه رسول ملك الروم فقال: إنّ الملك يخيّرك بين أن يردّ عليك نفقتك التي أنفقتها من بلدك إلى هذا الموضع، وبين أن يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء [١٢٤ ب] ولا درهم ولا دينار، وبين أن يعمر كلّ بلد للمسلمين قد أخربته النصرانيّة ويردّه كما كان، وترجع عن غزاتك هذه.
فقام المأمون ودخل خيمته وصلّى ركعتي الاستخارة، وخرج فقال للرسول: قل له: أمّا قولك: تردّ عليّ نفقتي، فإنّي سمعت الله يقول في كتابه العزيز: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ* فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [النمل: ٣٥ - ٣٧].
وأمّا قولك: إنّه يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم، فما في يدك إلّا أحد رجلين: إمّا
رجل طلب الله والدار الآخرة، فقد صار إلى ما أراد، وإمّا رجل طلب الدنيا، فلا فكّ الله أسره!
وأمّا قولك: إنّك تعمر كلّ بلد للمسلمين قد خربه الروم، فلو أنّي قلعت أقصى حجر في بلاد الروم، ما اعتضت بامرأة عثرت في حال أسرها فقالت: وا محمّداه!
عد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف! .
وضرب الطبل فرحل، وكان من فتحه ما تقدّم.
وانصرف من غزاته فنزل عين البذندون على طريق طرسوس، وهي عين ماء، وتعرف أيضا ب «القشيرة». وأقام هناك حتّى ترجع رسله منالحصون.
فوقف على العين ومنبع الماء فأعجبه برد مائها وصفاؤه وحسن بياضه وطيب الموضع وكثرة الخضرة. فأمر بقطع خشب طوال فبسطت على العين كالجسر، وجلس عليه والماء تحته. وطرح في الماء درهما فقرأ كتابته، وهو في قرار الماء، لصفائه. ولم يقدر أحد يدخل الماء من شدّة برده.
فبينا هو كذلك إذ لاحت له سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة فأمر بإخراجها. فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب اضطربت وانماست من يد الفرّاش، فوقعت في الماء كالحجر فنضحت الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته، فبلّت ثوبه. فأخذها الفرّاش فوضعها بين يدي المأمون في منديل وهي تضطرب، فقال: تقلى الساعة!
ثم أخذته رعدة من ساعته فلم يقدر يتحرّك من مكانه، فغطّي باللحف والدواويج (١*)، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: «البرد! البرد! » ثمّ حوّل إلى المضرب ودثّر وأوقدت النيران حوله، وهو يصيح: «البرد! » فأتي [١٢٥ أ] بالسمكة وقد فرغ
стр. 1579
من عملها. فلم يقدر على ذوقها، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها.
واشتدّ به الأمر. فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عنه، هل يمكن برؤه؟ فأخذا يديه وجسّاه فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال منذرا بالفناء.
والتصقت أيديهما ببشرته لعرقه الذي كأنّه الربّ أو كلعاب الأفاعي، فأنكرا معرفة العرق وذكرا أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب، وأنّه دالّ على انحلال البدن.
ثم أحضر المأمون أناسا من الروم وسألهم عن اسم الموضع، وهو «القشيرة» فقالوا: «معنى البذندون: مدّ رجليك» فاضطرب عند سماع ذلك وتطيّر منه. فقال: ما اسمه بالعربيّة؟
فقالوا: الرقّة.
وكان في مولده أنّه يموت بموضع يعرف بالرقّة، فكان يتحامى الإقامة بالرقّة خوفا من أن تدركه منيّته بها. فلمّا سمع ذلك علم أنّه الموضع الذي يموت فيه. فلمّا ثقل قال: «أخرجوني أشرف على عسكري وانظر إلى رجالي وأتبيّن ملكي! » وذلك بالليل. فأخرج. فلمّا أشرف على الخيم والجيش وكثرته، وما وقّدوا من النيران قال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه!
ثمّ ردّ إلى مرقده. وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشهادة لمّا ثقل، فرفع الرجل بها صوته ليقولها المأمون، فقال ابن ماسويه: «لا تصح، فو الله ما يفرّق في هذه الحالة بين ربّه وبين ماني! » ففتح عينيه وبهما من العظم والتورّم والحمرة ما لم ير مثله قطّ، وأقبل يحاول أن يبطش بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه من ساعته وقال: «يا من لا يموت، ارحم من يموت! » وقضى من ساعته، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، فحمل إلى طرسوس فدفن بها.
وكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر تنقص سبعة أيّام، سوى سنتين كان يدعى له فيهما بمكّة، والأمين محصور ببغداد. وعمره ثمان وأربعون سنة وخمسة أشهر وأيّام، وقيل: ويومان. وقيل:
كان عمره تسعا وأربعين سنة. والصحيح أنّه عاش من العمر ثماني وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيّام، وما سوى هذا غلط في الحساب.
وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة.
[شيء من أخباره]
وقال سعيد بن العلاء: دعاني المأمون يوما، فوجدته جالسا على شاطئ البذندون، والمعتصم عن يمينه، وهما قد دلّيا أرجلهما في الماء. فأومأ إليّ أن أضع رجلي في الماء، وقال: «ذقه! هل رأيت أعذب منه أو أصفى أو أشدّ بردا؟ » ففعلت وقلت: ما رأيت قطّ مثله يا أمير المؤمنين.
فقال: أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه؟
فقلت: أمير المؤمنين أعلم.
فقال: الرطب الأ [خضر].
فبينا هو يقول إذ سمعت وقع لجم البريد فالتفتّ فإذا بغال البريد [١٢٥ ب] عليها الحقائب فيها الألطاف. فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب فائت به.
فمضى وعاد ومعه سلّتان فيهما [ ... ] كأنّما جني تلك الساعة، فأظهر شكر الله تعالى. وتعجّبنا جميعا. وأكلنا، وشربنا من ذلك الماء. فما قام منّا أحد إلّا وهو محموم، وكانت ميتة المأمون في تلك العلّة. ولم يزل المعتصم مريضا حتّى دخل العراق، وبقيت أنا مريضا مدّة.
стр. 1580
ولمّا مرض المأمون أمر أن تكتب إلى البلاد الكتب «من عبد الله المأمون أمير المؤمنين، وأخيه من بعده أبي إسحاق، ابن هارون الرشيد».
وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العبّاس، وبحضرة الفقهاء والقضاة والقوّاد. وكانت وصيّته بعد الشهادة والإقرار بالوحدانيّة والبعث والجنّة والنار، والصلاة على النبيّ ﷺ والأنبياء ﵈:
إنّني مقرّ بذنب أرجو معه وأخاف، إلّا أنّي إذا ذكرت عفو الله رجوت. فإذا متّ فوجّهوني وغمّضوني، واسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني. ثم أكثروا حمد الله على الإسلام ومعرفة حقّه عليكم في محمد ﷺ إذ جعلنا من أمّته المرحومة. ثم أضجعوني على سريري، وعجّلوا بي. وليصلّ عليّ أقربكم بي نسبا وأكبركم سنّا، وليكبّر خمسا (١). ثم احملوني وابلغوا بي حفرتي. ولينزل بي أقربكم قرابة وأودّكم محبّة، وأكثروا من حمد الله وذكره. وضعوني على شقّي الأيمن، واستقبلوا بي القبلة، وحلّوا كفني عن رأسي ورجليّ. ثم سدّوا اللحد، واخرجوا عنّي وخلّوني وعملي فكلّكم لا يغني عنّي شيئا ولا يدفع عنّي مكروها. ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم، وأمسكوا عن ذكر سيّئ إن كنتم عرفتم.
فإنّي مأخوذ من بينكم بما تقولون. ولا تدعوا ناعية عندي فإنّ المعول عليه يعذّب. يرحم الله عبدا اتّعظ وفكّر فيما حتّم الله على خلقه من الفناء وقضى عليهم من الموت الذي لا بدّ منه. والحمد لله الذي توحد بالبقاء وقضى على جميع خلقه بالفناء. ثمّ لينظر ما كنت فيه من عزّ الخلافة، هل أغنى ذلك عنّي شيئا إذ جاء أمر الله؟ لا والله! ولكن
أضعف به على الحساب. فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرا! بل ليته لم يكن خلق!
يا أبا إسحاق، ادن منّي! واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة التي طوّقكها الله عمل المريد لله الخائف من عقابه وعذابه، ولا [١٢٦ أ] تغترّ بالله ومهلته، ولا تغفل عن أمر الرعيّة. الرعيّة! الرعيّة! العوامّ! فإنّ قوّة الملك بهم وبتعهّدك لهم. الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا ينهينّ إليك أمر فيه صلاح المسلمين ومنفعهم إلّا قدّمته وآثرته على غيره من هواك. وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحقّ.
وعجّل الرحلة عنّي والقدوم إلى دار ملكك بالعراق. وانظر إلى هؤلاء القوم الذين أنت متاخمهم فلا تغفل عنهم في كلّ وقت. والخرّمية فأعرهم ذا حزامة وصرامة وجلد، وأسعفه بالأموال والسلاح والجنود، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدّم النيّة فيه، راجيا ثواب الله عليه.
ثم دعا المعتصم حين اشتدّ به الوجع وأحسّ مجيء أمر الله فقال: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمّة رسول الله ﷺ لتقومنّ بحقّ الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعة الله على معصيته، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك.
قال: اللهمّ نعم.
قال: هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فأحسن صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا تغفل عن صلاتهم في كلّ سنة عند محلّها، فإنّ حقوقهم تجب من جهات شتّى. اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]. اتّقوا الله واعملوا له، اتّقوا الله في أمروكم كلّها. أستودعكم
стр. 1581
الله ونفسي، وأستغفر ممّا سلف منّي إنّه كان غفّارا. فإنّه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي، فعليه توكّلت من عظيمها وإليه أنيب، ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. حسبي الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمّد نبيّ الهدى.
ولمّا مات حمله ابنه العبّاس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار [ ... ] خادم الرشيد بعد ما صلّى عليه المعتصم، ووكّلوا به حرسا من أهل طرسوس وغيرهم مائة رجل، وأجري لكلّ رجل منهم مبلغ تسعين درهما.
وقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسيّ: صلّيت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة. فلمّا سلّم كبّر الناس فرأيت المأمون خلف الدرابزين، وعليه كمّة (١) بيضاء وهو يقول:
لا يا غوغاء! لا يا غوغاء! غدا سنّة أبي القاسم ﷺ . فلمّا كان يوم الأضحى حضرت الصلاة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا [١٢٦ ب]، وسبحان الله بكرة وأصيلا. حدّثنا هشيم بن بشير أنبأنا ابن الشبرمة عن الشعبيّ عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ : من ذبح قبل أن يصلّي فقد أصاب السنّة (٢). الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. اللهمّ أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي!
وقال أحمد بن إبراهيم الموصليّ: كنت بالشمّاسيّة والمأمون يجري الحلبة، فسمعته يقول ليحيى بن أكثم، وهو ينظر إلى كثرة الناس: «أما
تنظر؟ » ثم قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة الصفّار عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : الخلق كلّهم عيال الله ، فأحبّ خلقه إليه أنفعهم لعياله.
(قال) وكنّا عند المأمون بالبذندون فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله ﷺ :
الخلق كلّهم عيال الله، فأحبّ عيال الله إلى الله أنفعهم لعياله.
فقال المأمون: أمسك! أنا أعلم بالحديث منك. حدّثنيه يوسف بن عطيّة الصفّار عن ثابت عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: «الخلق عيال الله فأحبّ عيال الله إليه أنفعهم لعياله».
[صفة المأمون]
وكان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه قد وخطه الشّيب (١*)، تعلوه صفرة، أعين طويل اللحية رقيقها، ضيّق الجبين، على خدّه خال.
ويقال: كان أبيض تعلو لونه صفرة. وكانت ساقاه من سائر جسده صفراوين حتى كأنّهما طليتا بالزعفران.
وقال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدّب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري، فأتيته يوما وهو داخل، فوجّهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني فأبطأ عليّ. ثم وجّهت إليه آخر فأبطأ فقلت لسعيد: إنّ هذا الفتى ربّما تشاغل بالبطالة وتأخّر؟
قال: أجل. ومع هذا إنّه إذا فارقك يعرم (٢*) على خدمه ويلقون منه أذى شديدا، فقوّمه بالأدب!
فلمّا خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. فإنّه
стр. 1582
ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل: «هذا جعفر بن يحيى قد أقبل». فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد عليها متربّعا، ثم قال: «ليدخل! » فدخل. فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره. فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك إليه. فلمّا همّ بالحركة دعا بدابّته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عنّي فجئت فقال:
خذ عليّ ما بقي من حزبي!
فقلت: أيّها الأمير، أطال الله [١٢٧ أ] بقاءك، خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكّر لي.
فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتّى أطلعه أنّي أحتاج إلى أدب؟ إذن يغفر الله لك بعد ظنّك ووجيب قلبك! خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، ولو عدت في كلّ يوم مائة مرّة.
وقال عبد الله بن محمد التميميّ: أراد الرشيد سفرا. فأمر الناس أن يتأهّبوا لذلك، وأعلمهم أنّه خارج بعد الأسبوع. فمضى الأسبوع ولم يخرج.
فاجتمعوا إلى المأمون وسألوه أن يستعلم ذلك.
ولم يكن الرشيد يعلم أنّ المأمون يقول الشعر.
فكتب إليه المأمون [المنسرح]:
يا خير من حنّت المطيّ به ... ومن تقدّى بسرجه فرس (١)
هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس؟
ما علم هذا إلّا إلى ملك ... من نوره في الظلام نقتبس
إن سرت سار الرشاد متّبعا ... وإن تقف فالرشاد محتبس
فقرأها الرشيد وسرّ بها ووقّع فيها: يا بنيّ، ما أنت والشعر؟ فالشعر أرفع حالات الدنيء وأقلّ حالات السريّ. والمسير إلى ثلاث إن شاء الله.
*** وقال صالح بن الفضل بن عبيد الله الكاتب:
أخبرني أبي قال: لمّا خرج المأمون من خراسان شيّعه حميد الطوسيّ، فسار معه فراسخ. فالتفت إليه المأمون فقال: ارجع أبا غانم.
فقال: يا أمير المؤمنين، أتنسّم من وجهك، وأتشرّق بطلعتك، وآخذ بحظّي من دولتك.
فسار معه قليلا ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا غانم [الكامل]:
عجب لقلب متيّم، أحبابه ... ساروا وخلّف، كيف لا يتصدّع؟
ارجع فحسبك ما تبعت ركابنا ... إنّ المشيّع لا محالة يرجع
آنس- فديتك- وحشتي بكتابكم ... إنّي إلى أخباركم متطلّع
*** وقال النضر بن شميل: دخلت على المأمون فقال لي: كيف أصبحت يا نضر؟
قلت: بخير يا أمير المؤمنين.
قال: أتدري ما الإرجاء؟
قلت: دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم وينقص من دينهم.
قال لي: صدقت.
ثمّ قال: تدري ما قلت في صبيحة يومي هذا؟
قلت: أنّى لي بعلم الغيب؟
قال: أصبحت وأنا أقول [المنسرح]:
أصبح ديني الذي أدين به ... ولست منه الغداة معتذرا
стр. 1583
حبّ عليّ بعد النبيّ ولا ... أشتم صدّيقنا ولا عمرا
و[لا] ابن عفّان في الجنان مع ال ... أبرار ذاك القتيل مصطبرا
[١٢٧ ب] لا لا ولا أشتم الزبير ولا ... طلحة إن قال قائل: غدرا
وعائش الأمّ لست أشتمها ... من يفتريها فنحن منه برا
قال الأصمعي: كان نقش خاتم المأمون:
عبد الله بن عبيد الله.
*** ولمّا دخل المأمون بغداد تلقّاه أهلها، فقال له رجل من الموالي: (١) يا أمير المؤمنين، بارك الله لك في مقدمك، وزاد في نعمتك، وشكرك عن رعيّتك، فقد فقت من قبلك وأتعبت من بعدك، وآيست أن يعتاض منك لأنّه لم يكن مثلك ولا علم شبهك. أمّا فيمن مضى فلا يعرفونه، وأمّا في من بقي فلا يرتجونه. فهم بين دعاء لك وثناء عليك وتمسّك بك، أخصب لهم جنابك واحلولى لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك وحسنت أثرتك ولانت نظرتك فجبرت الفقير وفككت الأسير، وأنت كما قال الشاعر [المنسرح]:
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق
حتّى تمنّى البراء أنّهم ... عندك أمسوا في القدّ والحلق (٢)
فقال له المأمون: مثلك يعيب من لا يصطنعه ويعرّ (٣) من يجهل قدره. فاعذرني في سالفتك،
فإنّك ستجدنا في مستأنفك (١*).
ويقال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء، إلّا عثمان بن عفّان والمأمون (٢*).
*** وقال الحسن بن أبي سعيد: نا ذو الرئاستين في شوّال سنة ثنتين ومائتين أنّ المأمون ختم القرآن في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة. أما سمعتم في صوته بحوحة؟ إنّ محمد بن أبي محمد اليزيدي في أذنه صمم: كان يرفع صوته ليسمع، وكان يأخذ عليه.
[شغف المأمون بالحديث]
وقال يحيى بن أكثم القاضي: قال لي المأمون يوما: يا يحيى إنّي أريد أن أحدّث.
فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟
فقال: ضعوا منبرا بالحلبة.
فصعد وحدّث. فأوّل حديث حدّثنا به عن هشام عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: امرؤ القيس صاحب لواء الشعر إلى النار.
ثمّ حدّث بنحو من ثلاثين حديثا. ثم نزل، فقال لي: يا يحيى كيف رأيت مجلسنا؟
قلت: أجلّ مجلس يا أمير المؤمنين، يفقّه الخاصّة والعامّة.
قال: لا وحياتك، ما رأيت لكم حلاوة، إنّما المجلس لأصحاب الخلقان (٣*) والمحابر- يعني أصحاب الحديث.
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهريّ: لمّا فتح المأمون مصر قام فرج الأسود فقال: الحمد لله يا
стр. 1584
أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوّك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عمّ رسول الله ﷺ .
فقال له: ويحك يا فرج، إلّا أنّه بقيت لي خلّة:
وهو أن أجلس في مجلس [١٢٨ أ] ومستمل (١) بجنبي فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حدّثنا الحمّادان (٢)، حمّاد بن سلمة بن دينار، وحمّاد بن زيد بن درهم قال: حدّثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أنّ النبيّ ﷺ قال: «من عال ابنتين أو ثلاثا أو أختين أو ثلاثا يهتري ويموت عنهنّ كان معي كهاتين في الجنّة وأشار بالمسبّحة والوسطى.
وقال محمد بن سهل بن عسكر: وقف المأمون يوما ونحن وقوف بين يديه إذ تقدّم رجل غريب بيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به.
فقال له المأمون: إيش تحفظ في باب كذا؟
فلم يذكر فيه شيئا. فما زال المأمون يقول:
حدّثنا هشام، وحدّثنا حجّاج بن محمد، وحدّثنا فلان حتى ذكر الباب. ثمّ سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا فذكره المأمون. ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيّام ثمّ يقول:
أنا من أصحاب الحديث! أعطوه ثلاثة دراهم!
[معرفته بالفرائض]
وقال ابن عيينة: جمع المأمون العلماء وجلس
للناس، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، مات أخي وخلّف ستّمائة دينار. أعطوني دينارا وقالوا: هذا نصيبك، رحمك الله. (قال) فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها: هكذا نصيبك يرحمك الله.
فقال له العلماء: كيف علمت يا أمير المؤمنين؟
فقال لها: هذا الرجل خلّف أربع بنات؟
قالت: نعم.
قال: لهنّ الثلثان: أربعمائة دينار. وخلّف والدة، فلها السدس: مائة دينار. وخلّف زوجة فلها الثمن:
خمسة وسبعون دينارا. بالله، ألك الاثنا عشر أخا؟
قالت: نعم.
قال: أصابهم ديناران ديناران، وأصابك دينار، رحمك الله!
[ ... وبالطبّ]
وقال محمد بن حفص الأنماطي: تغدّينا مع المأمون في يوم عيد. فأظنّ وضع على مائدته أكثر من ثلاثمائة لون. فكلّما وضع لون نظر إليه فقال:
«هذا نافع لكذا ضارّ لكذا. فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا. ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا. ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا. ومن قصد قلّة الغذاء فليقتصر على هذا». فو الله إن رأيت تلك حاله في كلّ لون يقدّم إليه حتى رفعت الموائد. فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطبّ كنت جالينوس في معرفته، أو النجوم كنت هرمس في حسابه، أو في الفقه كنت عليّ بن أبي طالب في علمه، أو ذكر السخاء حاتم طيّئ في صفته، أو صدق الحديث فأنت أبو ذرّ في لهجته، أو الكرم، أنت كعب بن مامة في فعاله، أو الوفاء [١٢٨ أ] [فأنت] السموألبن عادياء في وفائه.
стр. 1585
فسرّ بهذا الكلام وقال: يا أبا محمد إنّ الإنسان إنّما يفضل بعقله، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم. ولا دم أطيب من دم.
[تواضعه]
(قال) ونظر يوما إلى رءوس آنيته محشوّة بقطن، وكانت قبل ذلك بأطباق فضّة. فقال لصاحب الشراب: أحسنت يا بنيّ، إنّما يباهي بالذهب والفضّة من قلّا عنده. أمّا نحن فينبغي أن نباهي بالأفعال الجميلة والأخلاق الكريمة. فإيّاك أن تحشو رءوس أوانيك إلّا بالقطن! فذاك بالملوك أهيأ وأبهى.
وقال [يحيى بن أكثم] (١): ما رأيت أكمل آلة من المأمون- وجعل يحدّث بأشياء، إلى أن قال:
كنت عنده ليلة أذاكره وأحدّثه. ثمّ نام وانتبه فقال:
«يا يحيى، انظر إيش تحت رجلي». فنظرت فلم أر شيئا. فقال: «شمعة! » فتبادر الفرّاشون، فقال:
«انظروا! » فنظروا، فإذا تحت فراشه حيّة بطوله، فقتلوها. فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب!
فقال: معاذ الله! ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم، فقال: [الكامل]:
يا راقد الليل انتبه ... إنّ الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه ... ثقة محلّلة العرى
فانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إمّا قريب وإمّا بعيد. فتأمّلت ما قرب فكان ما رأيت.
[بصره بالشعر]
وقال محمد بن يزيد المبرّد: حدّثني عمارة بن
عقيل قال: قال ابن أبي حفصة (١*) الشاعر: أعلمت أنّ المأمون أمير المؤمنين لا يبصر الشعر؟
فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ والله إنّا لننشد أوّل البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه.
قال: إنّي أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرّك له. وهذا البيت فاسمعه [البسيط]:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين، والناس بالدنيا مشاغيل
فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة! فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوّق بها؟ ألا قلت كما قال عمّك جرير في عبد العزيز بن الوليد [الطويل]:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (٢*)
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهريّ: كنت واقفا على رأس المأمون، وهو يتفكّر. ثمّ رفع رأسه فقال: يا إبراهيم، بيتا شعر قيلا لم يسبق قائليهما إليهما أحد ولا يلحقهما أحد!
قلت: من هما يا أمير المؤمنين؟
قال: أبو نواس وشريح.
فتبسّمت. فقال: أمن أبي نوّاس وشريح؟
قلت: نعم.
قال: خذ! قال أبو نواس [الطويل]:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن [١٢٩ أ] عدوّ في ثياب صديق
فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين. فما قال شريح؟
стр. 1586
فقال: قال شريح [الطويل]:
تهون على الدنيا الملامة، إنّه ... حريص على استصلاحها من يلومها
فقلت: أحسن يا أمير المؤمنين.
فقال: أحسن منهما [ما] سمعته أنا: كنت أسير في موكبي، فألجأني الزحام إلى دكّان عليه رجل عليه أسمال. فنظر إليّ نظر من رحمني أو تعجّب ممّا أنا فيه فقال [الطويل]:
أرى كلّ مغرور تمنّيه نفسه ... إذا ما مضى عام، سلامة قابل
وقال الزبير بن بكّار: حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو، وعليّ أطمار مترعبلة (١)، فقال لي: يا نضر، أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ حرّ مرو لا يدفع إلّا بمثل هذه الأخلاق. (٢)
قال: «لا! ولكنّك تتقشّف! » فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشر عن مجالد عن الشعبيّ عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز.
قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم.
حدّثني عوف الأعرابيّ عن الحسن أنّ النبيّ ﷺ قال: إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز.
وكان المأمون متكئا. فجلس وقال: السّداد لحن يا نضر؟
قلت: نعم ههنا. وإنما لحن هشيم، وكان لحّانا.
فقال: ما الفرق بينهما؟
قلت السداد- بفتح السين- القصد في السبيل.
والسدّاد- بكسر السين- البلغة. وكلّ ما سددت به شيئا فهو سداد.
قال: أفتعرف العرب ذلك؟
قلت: نعم. هذا العرجيّ من ولد عثمان بن عفّان ﵁ يقول [الوافر]:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
بكسر السين.
فأطرق المأمون مليّا، ثم قال: قبّح الله من لا أدب له!
ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب.
قلت: قول [حمزة] ابن بيض في الحكم بن مروان [المنسرح]:
تقول لي، والعيون هاجعة ... أقم علينا يوما فلم أقم
أيّ الوجوه انتجعت قلت لها ... لأيّ وجه، إلّا إلى الحكم
متى يقل حاجبا سرادقه: ... هذا ابن بيض بالباب، يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هيهات! إذ حلّ اعطني سلمي (١*)
فقال المأمون: لله درّك! فكأنّما شقّ لك عن قلبي! انشدني أنصف بيت قالته العرب.
قلت: قول ابن أبي عروبة المدني يا أمير المؤمنين [١٢٩ ب] [الكامل]:
стр. 1587
إنّي وإن كان ابن عمّي عاتبا ... لمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرا ... متزحزحا في أرضه وسمائه
وأكون والي سرّه وأصونه ... حتى يحين إليّ وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه
وإذا دعا باسم ليركب مركبا ... صعبا قعدت له على سيسائه (١)؟
وإذا أتى من وجهه بطريفة ... لم أطّلع فيما وراء خبائه
وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت أنّ عليّ حسن ردائه!
فقال: أحسنت يا نضر. أنشدني الآن أقنع بيت للعرب.
فأنشدته قول [الحكم] ابن عبدل [الأسديّ] (٢) [المنسرح]:
إنّي امرؤ لم أزل وذاك من ال ... لّه أديب [ا] أعلّم الأدبا
أقيم بالدار وما اطمأنّت بي ال ... دار وإن كنت مازحا طربا
لا أجتوي خلّة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا (٣)
أطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثّرّة الصّفيّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا (١*)
إنّي رأيت الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعة رغبا
والعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلّا إذا ذهبا
مثل الحمار الموقع هو لا ... يحسن مشيا إلّا إذا ضربا (٢*)
ولم أجد عروة العلائق إل ... لا الدين أنّى اختبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدّ لعيش رحلا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذو المطيّة وال ... رحل ومن لا يزال مغتربا
قال: أحسنت يا نضر. فهل عندك ضدّ هذا؟
قلت: نعم، أحسن منه.
قال: هاته!
فأنشدته [الوافر]:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تحمّلها كفور أو شكور
قال: أحسنت يا نضر!
وأخذ القرطاس، فكتب شيئا لا أدري ما هو.
ثمّ قال: كيف تقول: أفعل من التراب؟
قلت: أترب.
قال: الطين؟
قلت: طن.
стр. 1588
قال: فالكتاب؟
قلت: مترب.
قال: هذه أحسن من الأولى.
فكتب لي بخمسين ألف درهم. ثمّ أمر الخادم أن يوصله إلى الفضل بن سهل، فمضيت معه.
فلمّا قرأ الكتاب قال: يا نضر، لحّنت أمير المؤمنين!
قلت: كلّا، ولكن هشيم لحّانة.
فأمر لي بثلاثين ألفا. فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا.
*** وقال لي الفضل: يا نضر، حدّثني عن الخليل ابن أحمد.
قلت: حدّثني الخليل بن أحمد قال: [١٣٠ أ] أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ، وكان من أعلم من رأيت، وكان على سطح. فلمّا رأيناه أشرنا إليه بالسلام، فقال: «استووا! » فلم ندر ما قال. فقال لنا شيخ عنده: يقول لكم: «ارتفعوا» (فقال الخليل: ) من قول الله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصّلت: ١١]. ثم قال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير، وماء نمير؟
فلمّا فارقناه قال: سلاما.
قلنا: فسّر قولك هذا.
فقال: متاركة لا خير ولا شرّ. (فقال الخليل: ) هذا مثل قول الله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣]، أيّ:
متاركة.
*** وقال محمد بن زياد الأعرابيّ: بعث إليّ المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم، فرأيتهما مولّيين فجلست فلمّا أقبلا قمت فسلّمت عليه بالخلافة. فسمعته يقول ليحيى: «يا أبا محمّد، ما أحسن أدبه! رآنا مولّيين فجلس، ثم رآنا مقبلين فقام». ثم ردّ عليّ السلام وقال: يا أبا محمّد، أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب.
قلت: يا أمير المؤمنين، قوله [الطويل]:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
فقال: أشعر منه الذي يقول- يعني أبا نواس [الرمل]:
فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السقم
فعلت في البيت إذ مزجت ... مثل فعل الصبح في الظلم
واهتدى ساري الظلام بها ... كاهتداء السّفر بالعلم
فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين!
فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة [الرجز]:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
من طارق هذا؟
فنظرت في نسبها فلم أجده. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أعرف في نسبها طارقا.
فقال: إنّما أرادت النجم، وانتسبت إليه لحسنها، من قول الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١].
فقلت: فائدتان، يا أمير المؤمنين.
فقال: «أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه! » ثمّ رمى
стр. 1589
إليّ بعنبرة كان يقلّبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم.
*** وأشرف المأمون ليلة من موضع كان به على الحرس، فقال: هل فيكم من ينشد لأبي نواس أربعة أبيات؟
فقال غلام من الحرس: أنا يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك!
قال: هات!
فأنشد [البسيط]:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها ... أخذته حمرتها في العين والخدّ
فالخمر ياقوتة، والكأس لؤلؤة ... في كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ
تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا، فما لك من سكرين من بدّ
لي نشوتان، وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
[١٣٠ ب] فقال المأمون: «هذا والله الشعر، لا قول الذي يقول: ألا هبّي بسلحك فالطخينا! » وأمر للغلام بأربعة آلاف درهم.
[من خطبه]
وقال يحيى بن أكثم: خطب المأمون يوم الجمعة، فقال بعد الثناء على الله والصلاة على نبيّه ﷺ : أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجّز لوعده، والخوف لوعيده، فإنّه لا يسلم إلّا من اتّقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. اتّقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم.
وترحّلوا فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا. واعلموا أنّ الدنيا ليست لكم بدار، فاستبدلوا فإنّ الله لم يخلقكم ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النار إلّا الموت أن ينزل به. وإنّ غاية تنقضها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة أن تنقصالمدّة. وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ بسرعة الأوبة. وإنّ قادما يحلّ بالفوز والشقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فاتّقى عبد ربّه ونصح نفسه وقدّم توبته وغلب شهوته، فإنّ أجله مستور عنه وأمله خادع له، والشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها ويمنّيه التوبة ليسوّفها حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة أو تؤدّيه أيّامه إلى شقوة. فنسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره نعمته ولا تقصّر به عن طاعته ولا تحلّ به بعد الموت حسرة، إنّه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنّه فعّال لما يريد.
*** [(قال)] وسمعت المأمون يخطب يوم العيد، فأثنى على الله وصلّى على النّبي ﷺ وأوصاهم بتقوى الله وذكر الجنّة والنار ثم قال: عباد الله، عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العاملين، وطال أمد المرتقبين، فو الله إنّه للجدّ لا اللعب، وإنّه للحقّ لا الكذب، وما هو إلّا الموت والبعث والحساب، والفصل والصراط ثمّ العقاب والثواب. فمن نجا يومئذ فقد فاز، ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كلّه في الجنّة والشرّ كلّه في النار.
[المأمون والواعظ الكاذب]
وقال الحسن بن عبد الجبّار: بينا المأمون في بعض مغازيه يسير منفردا عن أصحابه، ومعه
стр. 1590
عجيف بن عنبسة، إذ طلع رجل متحنّط متكفّن.
فلمّا عاينه المأمون وقف. ثم التفت إلى عجيف فقال: ويحك! أما ترى صاحب الكفن مقبلا يريدني؟
فقال له عجيف: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين.
فما [١٣١ أ] كرب الرجل أن وقف على المأمون، فقال له المأمون: من أردت يا صاحب الكفن، وإلى من قصدت؟
قال: إيّاك أردت.
قال: أو عرفتني؟
قال: لو لم أعرفك ما قصدتك.
قال: أفلا سلّمت عليّ؟
قال: لا أرى السلام عليك.
قال: ولم؟
قال: لإفسادك علينا الغزاة.
(قال عجيف: ) وأنا ألين مسّ سيفي لئلّا يبطئ ضرب عنقه، إذ التفت المأمون فقال: يا عجيف، إنّي جائع، ولا رأي لجائع، فخذه إليك حتّى أتغدّى وأدعو به.
فتناوله عجيف فوضعه بين يديه. فلمّا صار المأمون إلى رحله دعا بالطعام. فلمّا وضع بين يديه أمر برفعه وقال: والله لا أسيغه حتّى أناظر خصمي. يا عجيف، عليّ بصاحب الكفن!
فلمّا جلس بين يديه قال: هيه! يا صاحب الكفن، ماذا قلت؟
قال: قلت: لا أرى السلام عليك لإفسادك الغزاة علينا.
قال: بماذا أفسدتها؟
قال: بإطلاقك الخمور تباع في عسكرك، وقد حرّمها الله في كتابه. فابدأ بعسكرك ثمّ اقصد الغزو! بماذا استحللت أن تبيع شيئا قد حرّمه الله كهيئة ما أحلّ الله؟
قال: أو عرفت الخمر أنّها تباع ظاهرا ورأيتها؟
قال: لو لم أرها وتصحّ عندي ما وقفت هذا الموقف.
قال: فشيء سوى الخمر أنكرته؟
قال: نعم، إظهارك الجواري في العمّاريّات، وكشفهنّ الشعور منهنّ بين أيدينا كأنّهنّ فلق الأقمار. خرج الرجل ما يريد أن يهراق دمه في سبيل الله ويعقد جواده قاصدا نحو العدوّ، فإذا نظر إليهنّ أفسدن قلبه وركن إلى الدنيا وانصاع إليها.
فلم استحللت ذلك؟
قال: ما استحللت ذاك، وسأخبرك عن العذر فيه، فإن كان صوابا، وإلّا رجعت. أشيء غير هذا أنكرته؟
قال: نعم، شيء أمرت به تنهانا عن الأمر بالمعروف.
قال: أمّا الذي يأمر بالمنكر فإنّي أنهاه. وأمّا الذي يأمر بالمعروف فإنّي أحبّه على ذلك وأحدوه عليه. أشيء سوى ذلك؟
قال: لا.
قال يا صاحب الكفن، أمّا الخمر فلعمري قد حرّمها الله. ولكنّ الخمر لا تعرف إلّا بثلاث جوارح: بالنظر والشمّ والذوق. أفشربتها؟
قال: معاذ الله أن أنكر ما أشرب!
قال: أفيمكن في وقتك هذا أن تذهب إلى بائعها حتّى نوجّه معك من يشتري منها؟
قال: ومن يظهرها لي أو يبيعنيها وعليّ هذا الكفن؟
قال: صدقت، فكأنّك إنّما عرفتها بهاتين
стр. 1591
الجارحتين. يا عجيف، عليّ بقوارير فيها شراب!
فانطلق عجيف فأتاه بعشرين قارورة فوقفها [١٣١ ب] بين يديه في أيدي عشرين وصيفا. ثم قال: يا صاحب الكفن، نفيت من آبائي الراشدين المهديّين إن تكن الخمر فيها. فإنّك تعلم أنّ الخمر من ستر الله على عباده، وأنّه لا يجوز لك أن تشهد على قوم مستورين إلّا بمعاينة وعلم، ولا يجوز لي أن آخذ إلّا بمعاينة بيّنة وشاهدي عدل.
فنظر صاحب الكفن إلى القوارير، فقال له عجيف: أيّها الرجل لو كنت خمّارا ما عرفت موضع الخمر بعينها من هذه القوارير.
فقال له: هذه الخمرة بعينها في هذه القوارير.
فأخذ المأمون القارورة فذاقها، ثم قطّب وقال:
يا صاحب الكفن، إلى هذه الخمر!
فتناول الرجل القارورة فذاقها فإذا خلّ زامخ (١) فقال: قد خرجت هذه عن حدّ الخمر.
فقال المأمون: صدقت، إنّ الخلّ مصنوع من الخمر، ولا يكون خلّا حتى يكون خمرا، ولا والله ما كانت هذه خمرا قطّ، وما هو إلّا رمّان حامض يعصر لي اصطبغ به من ساعته. فقد سقطت الجارحتان. بقي الشمّ. يا عجيف، صيّرها في رصاصيّات وائت بها!
ففعل، وعرضت على صاحب الكفن فشمّها، فوقع مشمّه على قارورة منها فيها ميبختج (٢) فقال: هذه!
فأخذها المأمون فصبّها بين يديه وقال: انظر إليها كأنّها طلى قد عقدتها النار، بل تقطع بالسكّين. قد سقطت إحدى الثلاث التي أنكرت يا صاحب الكفن!
ثمّ رفع المأمون رأسه إلى السماء فقال: اللهمّ إنّي أتقرّب إليك بنهي هذا ونظرائه عن الأمر بالمعروف.
يا صاحب الكفن أدخلك الأمر بالمعروف في أعظم المنكر! شنّعت على قوم باعوا من هذا الخلّ، ومن هذا الميبختج الذي شممت فلم تسلّم. استغفر الله من ذنبك هذا العظيم وتب إليه! ما الثاني؟
قال: الجواري.
قال: صدقت، أخرجتهنّ أتّقي عليك وعلى المسلمين: كرهت أن تراهنّ عيون العدوّ والجواسيس في العمّاريات والقباب، والسجف عليهنّ فيتوهّمون أنّهنّ بنات أو أخوات فيجدّون في قتالنا ويحرصون على الغلبة على ما في أيدينا حتى يجتذبوا خطام واحد من هذه الإبل يستقيدونه بكلّ طريق إلى أن يتبيّن لهم أنهنّ إماء. فأمرت برفع الطلال عنهنّ وكشف شعورهنّ، فعلم العدوّ أنّهنّ إماء نقي بهنّ حوافر دوابّنا (١*) لا قدر لهنّ عندنا. هذا تدبير دبّرته للمسلمين عامّة، ويعزّ عليّ أن ترى لي جرمة. فدع هذا فليس هو من شأنك، فقد صحّ [١٣٢ أ] عندك أنّي في هذا مصيب، وأنّك أنكرت باطلا. أيّ شيء الثالثة؟
قال: الأمر بالمعروف.
قال: نعم، أرأيت لو أنّك أصبت فتاة مع فتى قد اجتمعا في هذا الفجّ على حديث، ما كنت صانعا بهما؟
قال: كنت أسألهما: ما أنتما؟
قال: كنت تسأل الرجل فيقول: امرأتي، وتسأل المرأة فتقول: زوجي، ما كنت صانعا بهما؟
قال: كنت أحول بينهما وأحبسهما.
قال: حتى يكون ماذا؟
стр. 1592
قال: حتى أسأل عنهما.
قال: ومن تسأل عنهما؟
قال: كنت أسألهما: من أين أنتما؟
قال [المأمون: إذا] سألت الرجل: من أين أنت؟ وقال: أنا من استيجاب. وسألت المرأة: من أين أنت؟ فقالت: من استيجاب [وهذا] ابن عمّي، تزوّجنا وجئنا، أكنت حابسا المرأة والرجل لسوء ظنّك وتوهّمك الكاذب، إلى أن يرجع الرسول من استيجاب؟ . وإذا مات [الرسول] أو ماتا؟
قال: كنت أسأل في عسكرك ههنا.
قال، فلعلّك لا تصادف في عسكري من أهل استيجاب إلّا رجلا أو رجلين فيقولان لك: لا نعرفهما على هذا النسب. يا صاحب الكفن ما أحسبك إلّا أحد ثلاثة: إمّا مديون، وإمّا رجل مظلوم، وإمّا رجل تأوّلت في حديث أبي سعيد الخدري في خطبة النبيّ ﷺ قال: ونحن نسمع الخطبة إلى مغيربان الشمس (١)، إلى أن بلغ إلى قوله: «إنّ أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر، فجعلتني جائرا، وأنت الجائر، وجعلت نفسك تقوم مقام الآمر بالمعروف، وقد ركبت من المنكر ما هو أعظم عليك. لا والله، لا ضربتك سوطا ولا زدتك على تخريق كفنك! ونفيت من آبائي الراشدين المهديّين إن قام أحد مقامك هذا لا يقوم بالحجّة إن نقصته من ألف سوط ولآمرنّ بصلبه في الموضع الذي يقوم فيه!
(قال) فنظرت إلى عجيف وهو يخرق كفن ديث أبيا لرجل ويلقي عليه ثياب بياض.
*** وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة: حكى لي عن أبي عبّاد أنّه ذكر المأمون يوما فقال: كان والله أحد ملوك الأرض، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.
ودخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال له: ما حملك على خلافنا؟
قال: آية في كتاب الله تعالى.
قال: وما هي؟
قال: قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: ٤٤].
فقال له المأمون: ألك علم بأنّها منزّلة؟
قال: نعم.
قال: وما دليلك؟
قال: إجماع الأمّة.
قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل.
قال: صدقت. السلام عليك يا أمير المؤمنين.
*** وقال أبو العيناء: كان المأمون يقول: كان معاوية بعمره وعبد الملك [١٣٢ ب] بحجّاجه، وأنا بنفسي.
وقال قحطبة بن حميد بن قحطبة: حضرت المأمون يناظر محمد بن القاسم النّوشجاني في شيء، ومحمّد يفضي له ويصدّقه. فقال له المأمون: أراك تنقاد إلى ما تظنّ أنّه يسرّني قبل وجوب الحجّة عليك. ولو شئت أن أقتسر الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبّهة الخلافة وسطوة الرئاسة لصدّقت وإن كنت كاذبا، وصوّبت وإن كنت مخطئا، وعدّلت وإن كنت جائرا. ولكنّي لا أرضى إلّا بإزالة الشبهة وغلبة الحقّ. وإنّ شرّ
стр. 1593
الملوك وأقلّهم عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.
*** وقيل للمأمون: لو نصبت للناس رجلا وأقمته لحوائجهم فتشاغل بهم، واقتصرت عليه بينك وبين الرعيّة، ولم تشغل نفسك بالاستماع إلى كلّ داخل؟
فقال: إنّي بسطت للناس في الكلام وأذنت لهم في الدخول عليّ، وجعلت حوائجهم بيني وبينهم، لتصل إليّ أخبارهم، وأعرف مبلغ عقولهم، وأعطي كلّ امرئ منهم على قدره، فيكون كلّ إنسان حميل حاجته ولسان طلبته، خارجا عن يدي شكله، والطلب إليّ مبلّغ. ولو جعلت ذلك إلى أحد، لضاق على الرعيّة المذهب، وخفيت عليّ أمورهم، وحبست عنّي أخبارهم، وموطلوا بحوائجهم، وتأمّر عليهم غيري، وكان الحمد والمنّ لواحد في زمانهم دوني ودون أوليائي. وخفت مع هذا أن لو نصبت لهم رجلا لا أشكر على صنيعه، فينسون نعمتي أوليائي (١) ويستعبدهم غيري، فأكون قد صيّرت أحرارا أرقّاء.
[عدل المأمون]
وجلس يوما للمظالم فأطال الجلوس حتى زالت الشمس، فإذا امرأة أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فنظر إلى يحيى بن أكثم. فأقبل يحيى عليها فقال: تكلّمي!
فقالت: يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبين ضيعتي، وليس لي ناصر إلّا الله ﵎.
فقال لها يحيى: إنّ الوقت قد فات. ولكن عودي يوم المجلس.
فرجعت. فلمّا كان يوم المجلس قال المأمون:
أوّل من يدعى المرأة المظلومة.
فدعي بها. فقال لها: أين خصمك؟
قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبينه- وأومأت إلى العبّاس ابنه.
فقال لأحمد بن أبي خالد: خذ بيده وأقعده معها!
ففعل. فتناظرا ساعة حتى علا صوتها عليه.
فقال لها أحمد بن أبي خالد: أيّتها المرأة، إنّك تناظرين الأمير أعزّه الله بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. فاخفضي عليك! [١٣٣ أ].
فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه.
فلم تزل تناظره حتّى حكم لها المأمون عليه وأمره بردّ ضيعتها. وأمر ابن أبي خالد أن يوقّع لها بعشرة آلاف درهم.
*** ودخلت عليه امرأة في أخريات الناس في أطمار بالية، وقد أذّن المؤذّن فقالت [البسيط]:
يا خير منتصف يهدى له الرشد ... ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عقيد الملك أرملة ... عدا عليها، فما تقوى به، أسد
فابتزّ منّي ضياعي بعد منعتها ... وقد تفرّق عنّي الأهل والولد (١*)
فأجابها المأمون:
في دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... منّي ودام به من قلبي الكمد
стр. 1594
هذا أوان صلاة الظهر فانصر في ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
والمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه، وإلّا المجلس الأحد
فجلس يوم الأحد ولم يكن يريد الجلوس.
فدعا بها، فلمّا دخلت قال: [أين] الخصم يرحمك الله؟
[قالت: ]. هوذا بين يديك- فأومأت إلى العبّاس. فقال لأحمد بن أبي خالد: «خذ بيده فأجلسه معها». فجعلت ترفع صوتها، فقال لها أحمد: اخفضي من صوتك فإنّك بين يدي أمير المؤمنين!
فقال: اسكت يا أحمد، إنّ الحقّ أنطقها والباطل أخرسه.
ثم أمر بردّ ضياعها إليها، وكتب لها إلى العامل بحفظها.
[حلمه]
وقال أحمد بن يوسف القاضي للمأمون: يا أمير المؤمنين، إنّ رجلا ليس بينه وبين الله أحد يخشاه لحقيق أنّه يتّقي الله .
فقال المأمون: صدقت.
ووقّع المأمون في رقعة متظلّم من عليّ بن هشام: الشريف من (١) يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه، فأخبر أمير المؤمنين أيّ الرجلين أنت؟
ووقّع في قصّة رجل يتظلّم من بعض أصحابه:
ليس من المروءة أن تكون آنيتك من فضّة وذهب، وغريمك عار، وجارك طاو.
*** وأحضر (١*) مرّة رجلا وأمر بضرب عنقه، وكان الرجل من ذوي العقول، فقال ليحيى بن أكثم: إنّ أمير المؤمنين قد أمر بضرب عنقي، وإنّ دمي عليه لحرام، فهل له في حاجة أسأله إيّاها لا تضرّ بدينه ولا مروءته، فإذا فعل ذلك فهو في حلّ من دمي.
فأظهر المأمون تحرّجا، فقال ليحيى: سله عنها.
فقال الرجل: يضع يده في يدي إلى الموضع الذي يضرب فيه عنقي، فإذا فعل ذلك فهو في حلّ من دمي.
فقام المأمون من مجلسه وضرب بيده إلى يد الرجل. فلم يزل يخبره وينشده ويحدّثه [١٣٣ ب] حتّى كأنّه من بعض أسرته. فلمّا أن رأى السيّاف والسيف والموضع الذي يكون فيه مثل هذه الحال انعطف فقال للمأمون: بحقّ هذه الصحبة والمحادثة لما عفوت عنّي! فعفا عنه وأجزل له الجائزة.
*** ووقف رجل بين يديه قد جنى جناية: فقال له:
والله لأقتلنّك!
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، تأنّ عليّ، فإنّ الرفق نصف العدل.
قال: كيف وقد حلفت لأقتلنّك؟
فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله حانثا خير لك من أن تلقاه قاتلا. فخلّى سبيله.
*** وقال المأمون: لوددت أنّ أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب الخوف عنهم ويخلص السرور إلى قلوبهم.
***
стр. 1595
وقال أبو الصلت عبد السلام بن صالح:
حبسني المأمون ليلة. فكنّا نتحدّث حتى ذهب من الليل ما ذهب، وطفئ السراج ونام القيّم الذي كان يصلح السراج. فدعاه فلم يجبه، وكان نائما.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أصلحه.
فقال: لا.
فأصلحه هو. ثم انتبه الخادم، فظننت أنّه يعاقبه لأنّه كان يناديه وهو نائم فلا يجيبه. [قال] فتعجّبت منه، فسمعته يقول: ربّما أكون في المتوضّأ، فيشتمو [ن] ني ويفترون عليّ ولا يدرون أنّي أسمع، فأعفو عنهم.
وقال عبد الله بن البوّاب: كان المأمون يحلم، حتى يغيظنا: فجلس في بعض الأوقات يستاك على دجلة من وراء ستره، ونحن قيام بين يديه.
فمرّ ملّاح وهو يقول بأعلى صوته: «أتظنّون أنّ هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه؟ » فو الله ما زاد على أن تبسّم وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟
*** وقال يحيى بن أكثم (١): بتّ ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان. فتقلّبت، فقال: يا يحيى، ما شأنك؟
قلت: عطشان والله يا أمير المؤمنين.
فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء. فقلت:
يا أمير المؤمنين، ألا دعوت بخادم؟ ألا دعوت بغلام؟
فقال: لا. حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : سيّد القوم خادمهم.
وفي رواية عن يحيى: بتّ ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل فقمت لأشرب ماء. فرآني فقال: مالك ليس تنام يا يحيى؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا والله عطشان.
قال: ارجع إلى موضعك.
فقام والله إلى البرّادة فجاءني بكوز ماء وقام على رأسي وقال: اشرب يا يحيى!
فقلت: يا أمير المؤمنين، فهلّا وصيف أو وصيفة تغني؟
فقال: إنّهم نيام.
قلت: فأنا أقوم للشرب.
فقال لي: لوم بالرجل أن [١٣٤ أ] يستخدم ضيفه.
ثمّ قال: يا يحيى!
قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين!
قال: ألا أحدّثك؟
قلت: بلى يا أمير المؤمنين.
قال: حدّني الرشيد قال: حدّثني المهدي قال:
حدّثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: حدّثني جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيّد القوم خادمهم.
وفي رواية، قال يحيى: ما رأيت أكرم من المأمون: بتّ عنده ليلة فعطش وقد نمنا. فكره أن يصيح بالغلمان فأنتبه- وكنت منتبها- فرأيته قد قام يمشي قليلا قليلا إلى البرّادة بينه وبينها بعد حتّى شرب ورجع، ثمّ بتّ عنده ونحن بالشام وما معي أحد. ولم يحملني النوم. فأخذ المأمون فرأيته يسدّ فاه بكمّي قميصه حتّى لا أنتبه. ثم حملني آخر الليل النوم. وكان له وقت يقوم فيه يستاك.
فكره أن ينبّهني. فلمّا ضاق الوقت عليه تحرّكت،
стр. 1596
فقال: الله أكبر! يا غلمان، نعل أبي محمّد!
[(قال)] وكنت (١) أمشي يوما مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان، والشمس عليّ وهو في الظلّ، فلمّا رجعنا قال لي: «كن الآن أنت في الظلّ! » فأبيت عليه فقال: أوّل العدل أن يعدل الملك في بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السّفلى.
*** وقال المأمون (٢): الملوك لا تحتمل ثلاثة أشياء: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح في الملك.
وقال يحيى بن خالد البرمكي: قال لي المأمون: يا يحيى، اغتنم قضاء حوائج الناس، فإنّ الملك أدور، والدهر أجور من أن يترك لأ [حد] حالا أو يبقي لأحد نعمة.
*** وقال المأمون: غلبة الحجّة أحبّ إليّ من غلبة القدرة، لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجّة لا يزيلها شيء.
وقال لأبي حفص عمر (٣) بن الأزرق الكرماني:
أريدك للوزارة.
قال: لا أصلح لها يا أمير المؤمنين.
قال: ترفع نفسك عن الوزارة؟
قال: ومن يرفع نفسه عن الوزارة؟ ولكنّي قلت هذا رافعا لها واضعا لنفسي عنها (٤).
فقال المأمون: إنّا نعرف موضع الكفاة الثقات
المتقدّمين من الرجال، ولكنّ دولتنا منكوسة، إن قوّمناها بالراجحين انتقضت، وإنّ أيّدناها بالناقصين استقامت، ولذلك اخترت استعمال الصواب فيك.
*** وقال المبرّد: أنشد المأمون بيت أبي العتاهية [الوافر]:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
فقال: الحرص مفسد للدين والمروءة. والله ما عرفت من أحد قطّ حرصا أو شرها فرأيت فيه مصطنعا!
وقال: من لم يحمدك على حسن النيّة لم يشكرك على جميل الفعل.
وقال: ما أقبح اللجاجة [١٣٤ ب] بالسلطان! وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهّم، وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبح منه البخل بالأغنياء. والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل.
*** وقال: أظلم الناس لنفسه من عمل بثلاث: من يتقرّب إلى من يبعده. ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه.
وقال مخارق: أنشدت المأمون قول أبي العتاهية [الطويل]:
وإنّي لمحتاج إلى ظلّ صاحب ... يرقّ ويصفو إن كدرت عليه
قال: «أعد! » فأعدت سبع مرّات. فقال: يا مخارق، خذ منّي الخلافة. وأعطني هذا الصاحب! لله درّ أبي العتاهية، ما أحسن ما قال!
***
стр. 1597
وكان للمأمون ابن عمّ جيّد الخطّ، فدخل عليه يوما فقال له المأمون: يا ابن عمّ، بلغني أنّك جيّد الخطّ، وذاك معدوم في أهلك.
فقال: يا أمير المؤمنين، جودة الخطّ بلاغة اليد.
قال: وبلغني أنّك شاعر.
قال: ذاك ضعة للشريف، ورفعة للوضيع.
قال: وبلغني أنّك سخيّ.
قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود قلّة ثقة بالمعبود.
فقال: فأنت أكبر أم أمير المؤمنين؟
قال: جوابي في ذلك جواب جدّك العبّاس للنبي ﷺ لمّا سئل، فقيل له: النبيّ ﷺ أكبر أم أنت؟ فقال: النبيّ ﷺ أكبر، وولدت قبله.
*** ولمّا ظهر الشّيب بالمأمون، كان يتمثّل بهذا البيت من شعر مسلم بن الوليد [البسيط]:
أكره شيء، وآسى أن يزايلني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود!
نام العواذل واستكفين لائمتي ... وقد كفاهنّ نهض البيض في السود
أمّا الشباب، فمفقود له خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود
*** وقال هدبة بن خالد: حضرت غداء المأمون.
فلمّا رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض.
فنظر إليّ فقال: أما شبعت يا شيخ؟
قلت: بلى يا أمير المؤمنين، إنّما شبعت في فنائك وكنفك، ولكنّي حدّثني حمّاد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر».
فنظر المأمون إلى خادم واقف بين يديه فأشار إليه، فما شعرت حتى جاءني ومعه منديل فيه ألف دينار، فناولني. فقلت: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضا من ذاك.
وقال المأمون لمحمد بن عبّاد المهلّبي: يا أبا عبد الله قد أعطيتك ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، وعليك دين! إنّ فيك سرفا!
قال: يا أمير المؤمنين، إنّ منع [١٣٥ أ] الموجود سوء الظنّ بالمعبود.
قال: أحسنت. يا محمّد، أعطوه ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف!
*** وكان الحسن بن سهل مؤالفا للأدباء، وكان له مجلس ينتابه فيه أهل الأدب. وكان رجل من أهل الأدب يأتيه. فلمّا تهيّأ عرس بوران، أهدى الناس إلى الحسن. وكان ذاك الرجل فقيرا، فأهدى إليه مزودين في أحدهما ملح طيّب، وفي الآخر اشنان (١*) طيب، وكتب إليه: «جعلت فداءك، خفّة البضاعة قصّرت ببعد الهمّة، وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البرّ ولا ذكر لي فيها، فوجّهت إليك بالمبتدإ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته». وكتب في أسفل رقعته [السريع]:
بضاعتي تقصر عن همّتي ... وهمّتي تقصر عن مالي
والملح والأشنان يا سيّدي ... أحسن ما يهديه أمثالي
فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على
стр. 1598
المأمون فاستحسن ذلك، وأمر بالمزودين ففرّغا وملئا دنانير.
*** وقال أبو عبد الرحمن العتبيّ: جاءني رجل من أصحاب الصنعة فقال: اذكرني لأمير المؤمنين المأمون، فإنّي أحلّ الطلق (١) بين يديه في يوم وبعض آخر.
فقلت: يا هذا، أرح نفسك من العناء واجلس في بيتك ولا تغر أمير المؤمنين منك.
قال: فالحلّ عليه حرام- يعني به الطلاق- وما له من قليل أو كثير صدقة لوجه الله، وكلّ مملوك له حرّ إن كان كذبك فيما قال لك! (٢)
[قال: ] والله ما آخذ منكم شيئا عاجلا. وقد ادّعيت أمرا فامتحنوني فيه، فإن حاك ما ادّعيت كان الأمر فيّ إليكم. وإن وقع بخلاف ذلك انصرفت إلى منزلي.
فأخبرت المأمون بما قال، فتمثّل ببيت الفرزدق [الطويل]:
وقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
ثمّ قال: لعلّ هذا أراد أن يصل إلينا فاحتال بهذه الحيلة. وليس الرأي أن يظهر أحد علينا علما فنظهر الزهد فيه، فأحضره!
فجئت بالرجل وقعد له المأمون، وأحضرت له أداة العمل، فإذا هو بحلّ الطلق أجهل مني بما في السّماء السابعة. فنظر إليّ المأمون وقال: تزعم أنّه حلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك؟
قلت: بلى.
قال: فقد حنث.
فقلت للرجل، والمأمون يسمع: ألم تحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما تملك؟
قال: بلى.
قلت: فقد حنثت.
قال: ليست لي امرأة.
قلت: فالعتاق؟
قال: وما لي مملوك.
قلت: [١٣٥ ب] فصدقة ما تملك؟
قال: ما أملك خيطا ولا مخيطا.
قلت له: كذب يا أمير المؤمنين، له غلام ودابّة.
قال: هما، وحقّ رأس أمير المؤمنين، عارية!
فتبسّم المأمون وقال: «هذا بحلّ الدراهم أعلم منه بحلّ الطلق! » ثمّ أمر أن يعطى خمسة آلاف درهم. فلمّا خرج قال للفتى: «ردّه! » فردّه.
فقال: زيدوه، فإنّه لا يجد في كلّ وقت من يمخرق عليه.
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، عندي باب من الحملان ليس في الدنيا مثله!
قال: احمله على هذه الدراهم، فإن كنت صادقا صرت ملكا في أقلّ من شهر.
ولمّا وصل المأمون إلى بغداد وقرّ بها قال ليحيى بن أكثم: وددت أنّي وجدت رجلا مثل الأصمعيّ ممّن عرف أخبار العرب وأيّامها وأشعارها فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد.
فقال له يحيى: ههنا شيخ يعرف هذه الأخبار، يقال له عتّاب بن ورقاء من بني شيبان.
قال: فابعث ليأتيني.
فبعث، فحضر. فقال له يحيى: إنّ أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه ومحادثته.
стр. 1599
فقال: أنا شيخ كبير لا طاقة لي، لأنّه قد ذهب منّي الأطيبان.
فقال له المأمون: لا بدّ من ذلك.
فقال الشيخ: «فاسمع ما حضرني». فقال اقتضابا [المجتثّ]:
أبعد ستّين أصبو؟ ... والشيب للمرء حرب
شيب وسنّ وإثم ... أمر لعمرك صعب
يا ابن الإمام، مهلا ... أيّام عودي رطب
وإذ شفاء الغواني ... منّي حديث وقرب
وإذ مشيبي قليل ... ومنهل العيش عذب
فالآن لمّا رأى بي ... عواذلي ما أحبّوا
آليت أشرب راحا ... ما حجّ لله ركب!
فقال المأمون: «ينبغي أن تكتب بالذهب» وأمر له بجائزة وتركه.
*** وكان المأمون يتعصّب للأوائل من الشعراء ويقول: «انقضى الشعر مع ملك بني أميّة! » وكان الفضل بن سهل يقول له: الأوائل حجّة وأصول، وهؤلاء أحسن تفريعا.
*** وتفرّد المأمون يوما في بعض تصيّده، فانتهى إلى بعض بيوت البادية. فرأى صبيا يضبط قربة وقد غلبه وكاؤها، وهو يقول: «يا أبه اشدد فاها، فقد غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها! » فوقف عليه فقال: يا فرخ غمّة (١*) ممّن تكون؟
قال: من قضاعة.
قال: من أيّها؟
قال: من كلب.
قال: من أيّها؟
قال: من الأحراء ثمّ من بني كنانة. فمن أنت يا خال، فقد سألتني عن حسبي؟
قال: ممّن تبغضه [اليمن] كلّها.
قال: فأنت إذن من نزار؟
قال: أنا ممّن تبغضه نزار كلّها.
قال: فأنت إذن من مضر؟
قال: أنا ممّن تبغضه مضر كلّها.
قال: فأنت إذن من قريش.
قال: أنا ممّن تبغضه قريش كلّها.
قال: فأنت إذن من بني هاشم.
قال: أنا ممّن تحسده بنو [١٣٦ أ] هاشم كلّها.
فأرسل فم القربة ودنا إليه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وضرب بيده إلى شكيمة الدابّة وهو يقول [الرجز]:
مأمون يا ذا المنن الشريفة ... وصاحب الكتيبة الكثيفة
هل لك في أرجوزة ظريفة ... أطرف من فقه أبي حنيفة؟
لا، والذي أنت له خليفة ... ما ظلمت في أرضنا ضعيفة
عاملنا مؤنته خفيفة ... وما جنى فضلا عن الوظيفة
فالذئب والنعجة في سقيفة ... واللصّ والتاجر في قطيفة
قد سار فينا سيرة الخليفة
стр. 1600
فقال له المأمون: أحسنت يا فرخ عمّة فأيّهما أحبّ إليك: عشرة آلاف معجّلة أم مائة ألف مؤجّلة؟
قال: بل أؤخّرك يا أمير المؤمنين.
فما لبثت أن أقبلت الفرسان، فقال:
«احملوه! » فكان أحد مسامريه.
*** وخرج يوما من الرصافة يريد الشمّاسيّة فدنا منه الهاشميّون وسلّموا عليه وقبّلوا يده، وفيهم رجل من الطالبيّين يلقّب ب «كلب الجنّة» (١)، وكان ظريفا. فلمّا دنا من المأمون [و] قبّل يده، قال له المأمون كالمسرّ إليه: كيف أنت يا كلب الجنّة؟
قال: «أمّا الدنانير والدراهم والرتبة فلعمرو بن مسعدة وأبي عبّاد. وأمّا الطّنز (٢) فلبني هاشم».
فردّ المأمون كمّه على فيه وقال: ويلك! كفّ، لا تفضحني!
قال: لا والله، أو تضمن لي شيئا تعجّله لي!
قال: العشيّة يأتيك رسولي.
فأتاه عمرو بن مسعدة بثلاثين ألف درهم.
وفي رواية: ركب المأمون يوما إلى المطبق، وبلغ القوّاد ركوبه فتبعوه فكان كلب الجنّة ممّن ركب.
فبصر به المأمون، وفي يده خشبة من حطب الوقود، وفي اليد الأخرى لحافه، فقال: كلب الجنّة؟
قال: نعم، كلب الجنّة. بلغه ركوبك فجاء لنصرتك. والله ما وجدت سلاحا إلّا هذه المشققة من الحطب، ولا ترسا إلا لحافي هذا. وعيّاش بن
القاسم في ستّة آلاف ترس وألف درع نائم غير مكترث!
فوصله المأمون بثلاثين ألفا. وجاء عيّاش يركض فشتمه المأمون وناله بمكروه.
*** وقال عمرو بن سعيد: كنت في نوبتي في الحرس في أربعة آلاف إذ رأيت المأمون قد خرج، ومعه غلمان صغار وشموع. فعرفته ولم يعرفني.
فقال: من أنت؟
قلت: عمرو عمرك الله، ابن سعيد أسعدك الله، ابن سلم سلّمك الله.
فقال: أنت تكلؤنا منذ لليلة؟
قلت: الله يكلؤك يا أمير المؤمنين. هو [١٣٦ ب] خير حفظا وهو أرحم الراحمين.
فأنشأ (١*) يقول [الرجز]:
إنّ أخا الهيجاء من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... بدّد شمل نفسه ليجمعك
ثم قال: يا غلام، أعطه أربعمائة دينار. (قال) فقبضتها.
(قال) وأنشدته أربعة أبيات فأمر لي بأربعمائة دينار، فلو أنشدته عشرة أبيات لكنت آخذ ألفا، لكلّ بيت [مائة].
وفي رواية: قال عمرو: كنت في حرس المأمون حين قفل من خراسان إلى العراق بعد قتل الأمين واستثبات الخلافة له. فخرج لينظر إلى العسكر في بعض الليالي، فعرفته ولم يعرفني، فأغفلته. فجاء من ورائي حتى وضع يده على كتفي فقال لي: من أنت؟
стр. 1601
قلت: عمرو عمرك الله، ابن سعيد أسعدك الله، ابن سلم سلّمك الله.
فقال: أنت الذي كنت تكلؤنا من هذه الليلة؟
فقلت: الله يلكؤك يا أمير المؤمنين.
فأنشأ يقول:
إنّ أخا هيجاك من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب زمان صدعك ... فرّق من جميعه ليجمعك
ثم قال: أعطه لكلّ بيت ألف دينار.
فوددت أن تكون الأبيات طالت عليّ فآخذ الغنى.
فقلت: يا أمير المؤمنين: وأزيدك بيتا من عندي؟
فقال لي: هات!
فقلت: وإن غدوت ظالما غدا معك.
فقال: أعطه لهذا البيت ألف دينار. فما برحت من موقفي حتى أخذت خمسة آلاف دينار (١).
*** ودخل المأمون يوما ديوان الخراج، فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه، فقال: من أنت يا غلام؟
فقال: الناشئ في دولتك، وخرّيج أدبك يا أمير المؤمنين، المتقلّب في نعمتك، المؤمّل لخدمتك: الحسن بن رجاء.
فقال له المأمون: يا غلام، بالإحسان في البديهة تفاضلت العقول.
ثم أمر له أن يرفع عن مرتبة الديوان، وأمر له بمائة ألف درهم.
*** وأنشد بعض الشعراء المأمون [الطويل]:
تمرّ بك الأموال غير مقيمة ... أبى الجود إلّا أن تكون على رجل
فمالك مجتاز، وجودك موطن ... ولا تثبت الأموال، والجود في رحل
فوصله صلة سنيّة.
*** ولمّا ولد ولد جعفر ابن المأمون دخل المهنّئون على المأمون فهنّئوه بصنوف التهاني، وفيهم العبّاس بن الأحنف، فمثل قائما بين يديه، وأنشد [الرجز]:
مدّ لك الله الحياة مدّا ... حتى يريك ابنك هذا جدّا
ثمّ يفدّى مثلما تفدّى ... كأنّه أنت إذا تبدّى
أشبه منك قامة وقدّا ... مؤزّرا مجدا له مردّى (١*)
[١٣٧ أ] فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم.
وكانت لهارون الرشيد جارية غلاميّة تصبّ عليه وتقف على رأسه. وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد. فبينا هي تصبّ على الرشيد من إبريق على يده، والمأمون مع الرشيد قد قابل بوجهه وجه الجارية إذ أشار إليها بقبلة فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصبّ في مهلة ما بين ذلك. فنظر إليها الرشيد فقال: ما هذا؟
فتلكّأت عليه. فقال: ضعي ما معك! عليّ كذا، إن لم تخبريني لأقتلنّك!
فقالت: أشار إليّ عبد الله بقبلة.
فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه. فاعتنقه وقال: أتحبّها؟
стр. 1602
قال: نعم يا أمير المؤمنين.
قال: فادخل بها في تلك القبّة.
فقام ففعل.
فقال له هارون: «قل في هذا شعرا». فأنشأ يقول [المجتثّ]:
ظبي كتبت بطرفي ... عن الضمير إليه
قبّلته من بعيد ... فاعتلّ من شفتيه
وردّ أحسن ردّ ... بالكسر من حاجبيه (١)
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه
ويروى في ذلك أنّ المأمون دخل على أمّ جعفر (٢) بعد قتل محمد الأمين ابنها، فرأى على رأسها جارية من أحسن الناس وجها وقدّا وشمائل، فأعجب بها وشغلت قلبه، فكسر طرفه في طرفها، فأجابته من طرفها بمثل ذلك. فأومأ بفيه فقبّلها من بعيد، فعضت على شفتها فدميت. فقال المأمون لأمّ جعفر: يا أمّه، تأذنين لي في كلام هذه الجارية؟
قالت: هي أمتك.
فدعا بدواة وكتب إلى الجارية: ظبي كتبت ...
الأبيات ...
وعشق المأمون جارية لأمّ عيسى امرأته، فوجدت عليه فكتب إليها بشعر أبيه [الوافر]:
أما يكفيك أنّك تملكيني ... وأن الناس كلّهم عبيدي؟
فرضيت عنه. وجاءها فأخرجت إليه الجواري.
فغنّت الجارية الشعر من بينهنّ، فقال المأمون [الوافر]:
أرى ماء ولي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
فقالت: خذها غير مبارك لك فيها!
فقال: ظبي كتب [الخ ... ].
ومن شعره أيضا [الخفيف]:
عرفت حاجتي إليها فضنّت ... ورأت طاعتي لها فتجنّت [١٣٧ ب]
وإذا النفس رامت الصبر عنها ... ذكرت حسرة الفراق فحنّت
لا تلومنّ غير نفسك فيها ... أنت جنّيتها عليك تجنّت
*** وعرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدّبة شطرنجيّة ساوم فيها النحّاس بألفي دينار.
فقال: إن هي أجازت بيتا أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول وزدتك.
قال: فكم الزيادة يا أمير المؤمنين؟
قال: مائة دينار.
فقال: زدني.
قال: مائتا دينار.
قال: زدني.
قال: ثلاثمائة دينار.
قال: زدني.
قال: خمسمائة دينار.
قال: فليسألها أمير المؤمنين عمّا أراد.
فأنشد المأمون [البسيط]:
ماذا تقولين في من شفّه أرق ... من جهد حبّك حتى صار حيرانا؟
стр. 1603
فأجازته:
إذا وجدنا محبّا قد أضرّ به ... داء الصبابة أوليناه إحسانا
*** وكان المأمون يهوى جارية من جواريه. فبعث إليها ليلة من الليالي خادما يأمرها بالمصير إليه.
فصار الخادم إليها فأمرها بذلك. فقالت: لا والله، لا أجيبه. فإن كانت الحاجة له، فليصر إليّ!
فلمّا استبطأ المأمون الخادم أنشأ يقول [الطويل]:
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنّا
وناجيت من أهوى وكنت مقرّبا ... فيا ليت شعري عن دنوّك ما أغنى
وردّدت طرفا في محاسن وجهها ... ومتّعت باستمتاع نغمتها أذنا
أرى أثرا في صحن خدّك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا (١)
فقال الخادم: لا يا سيّدي، إلّا أنّها قالت كذا.
فقال: إذن والله أقوم إليها!
*** ويذكر أنّ المأمون قال في بعض ندمائه وقد ثمل فناوله القدح بيده فقال له: «يدي لا تطاوعني» قال: قم فنم- وكان ينام عنده. فقال: رجلي لا تواتيني [فقال المأمون] [البسيط]:
أبصرته وظلام الليل منسدل ... وقد تمدّد سكرا في الرياحين
فقلت: خذ! قال: كفّي لا تطاوعني ... فقلت: قمّ! قال: رجلي لا تواتيني
إنّي غفلت عن الساقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدين
(وأنشدها بعضهم لعبد الله بن طاهر).
ومن شعره أيضا [المتقارب]:
لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم بسرّي مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وقال: [البسيط]:
مولاي ليس لعيش أنت حاضره ... قدر ولا قيمة ولا [له] ثمن
ولا فقدت من الدنيا ولذّتها ... شيئا إذا كان عندي وجهك الحسن
وقال: [الطويل]:
وقائلة لمّا استمرّت بنا النوى ... ومحجرها فيه دم ونجيع [١٣٨ أ]
ألم يقض للركب الذين تحمّلوا ... إلى بلد فيه الشجيّ رجوع
فقلت، ولم أملك سوابق عبرة ... نطقن بما ضمّت عليه ضلوع:
تبيّن: فكم دار تفرّق شملها ... وشمل شتيت عاد وهو جميع
كذاك الليالي صرفهنّ كما ترى ... لكلّ أناس جدبة وربيع
وكتب الرضى إلى المأمون [السريع]:
إنّك في دار لها مدّة ... يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطا بها ... يقطع منها أمل الآمل؟
стр. 1604
يعجّل الذنب لما يشتهي ... ويأمل التوبة من قابل
والموت يأتي أهله بغتة ... ماذا بفعل الحازم العاقل؟
*** ودخل بشر المريسي يوما على المأمون فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّ ههنا شاعرا يهجو ويقول الشعر فيما أحدثناه من أمر القرآن، فأحبّ أن تجدّد له عقوبة.
فقال: أما إنّه إن كان شاعرا فلست أقدم عليه، وإن كان فقيها أقدمت عليه.
قال: يا أمير المؤمنين، إنّه يدّعي الشعر وليس بشاعر.
فقال: إنّه قد خطر على فؤادي في هذه الليلة أبيات، فأنا أكتب بها إليه، فإن لم يجبني أقدمت عليه.
فكتب [المنسرح]:
قد قال مأموننا وسيّدنا ... قولا له في الكتاب تصديق
أنّ عليّا أبا حسن ... أفضل من أرقلت به النوق
بعد نبيّ الهدى وإنّ لنا ... أعمالنا والقرآن مخلوق
فكتب الشاعر الجواب [البسيط]:
يا أيّها الناس لا قول ولا عمل ... لمن يقول: كلام الله مخلوق
ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر ... ولا النبيّ ولم يذكره صدّيق
ولم يقل ذاك إلّا كلّ مبتدع ... على الإله، وعبد الله زنديق
المقفى ج ٤* م ٧
عمدا أراد [بكم] إمحاق دينكم ... لأنّ دينهم والله ممحوق
أصحّ يا قوم عقلا من خليفتكم ... يمسي ويصبح في الأغلال موثوق
فلمّا وردت على المأمون قال لبشر: «يا عاضّ كذا من أمّه [ ... ] (١*) أليس زعمت أنّه ليس بشاعر؟ » وأغلظ له في القول.
*** ووقف المأمون في بعض أسفاره وهو قافل إلى طرسوس في قدمته التي مات فيها على شرف وقال [البسيط]:
حتى متى أنا في حطّ وترحال ... وطول سعي وإدبار وإقبال؟
ونازح الدار لا أنفكّ مغتربا ... عن الأحبّة ما يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طورا، ثمّ مغربها ... لا يخطر الموت من حرص على بالي
[١٣٨ ب]
ولو قعدت أتاني الرزق في دعة ... إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال
*** ووصفت للمأمون جارية بكلّ ما توصف امرأة من الكمال والجمال، فبعث في شرائها، فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم. فلمّا همّ ليلبس درعه خطرت بباله، فأمر فأخرجت إليه. فلمّا نظر إليها أعجب بها وأعجبت به. فقالت: ما هذا؟
قال: أريد الخروج إلى بلاد الروم.
قالت: قتلتني يا سيّدي.
وخددت دموعها على خدّها كنظام اللؤلؤ،
стр. 1605
وأنشأت تقول [الوافر]:
سأدعو دعوة المضطرّ ربّا ... يثيب على الدعاء ويستجيب
لعلّ الله أن يكفيك حربا ... ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمّها إلى صدره وأنشأ يقول متمثّلا [الطويل]:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل
صبيحة قالت في العتاب: قتلتني ... وقتلي بما قالت هناك تحاول
ثم قال لخادمه: يا مسرور احتفظ بها وأكرم محلّها وأصلح لها كلّ ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي. فلولا ما قال الأخطل حين يقول [البسيط]:
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت باطهار ...
ثم خرج. فلم يزل يتعهّدها ويصلح ما أمر به حتى اعتلّت علّة شديدة أشفق عليها منها. فلمّا ورد نعي المأمون وبلغها ذلك تنفّست الصعداء، وتوفّيت بعد ما أنشدت [الكامل]:
إنّ الزمان سقانا من مرارته ... بعد الحلاوة أنفاسا وأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا ... ثمّ انثنى تارة أخرى فأبكانا
إنّا إلى الله فيما لا يزال لنا ... من القضاء ومن تلوين دنيانا
دنيا تراها ترينا من تصرّفها ... ما لا يدوم مصافاة وأحزانا
ونحن فيها كأنّا لا يزايلنا ... للعيش أحياؤنا يبكون موتانا
*** وقال أبو سعيد المخزومي [الخفيف]:
ما رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون في عزّ ملكه المأسوس
خلّفوه بعرصتي طرسوس ... مثلما خلّفوا أباه بطوس
*** وقال النديم: المأمون أعلم الفقهاء بالفقه والكلام. وكان دون محمد ابن زبيدة أخيه في الفصاحة.
[كتاب من تأليف المأمون]
وله من الكتب: كتاب جواب ملك البرغر فيما سأل عنه من أمور الإسلام والتوحيد، يحتوي على أكثر من مائة ورقة، لم يستعن فيه بأحد، ولا أورد فيه آية من كتاب الله، ولا كلمة من حكيم تقدّمه.
والمأمون أوّل من اتّخذ من الخلفاء الأتراك [١٣٩ أ] للخدمة. فكان يشتري الغلام من الأتراك بمائة ألف ومائتي ألف.
وكان يحبّ معرفة أخبار الناس، فاتّخذ برسم ذلك ألف عجوز وستّمائة عجوز يتعرّفن له أخبار الناس ببغداد، فلم يكن يخفى عليه من أمور الناس الظاهرة والباطنة كبير شيء، وكان لا ينام كلّ ليلة حتّى يسمع أخبار من تأتيه منهنّ.
[أولاد المأمون]
وكان للمأمون من الولد: محمد الأكبر، والعبّاس- قتله عمّه المعتصم- وأحمد، وهارون الأكبر، وعيسى، وهارون الأصغر، وإبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، وعليّ، والحسن، والحسين، لأمّهات أولاد.
ومحمد الأصغر، وعبد الله، أمّهما أمّ عيسى بنت الهادي موسى.
стр. 1606
وبنات: تزوّج إحداهنّ محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق ونقلها إلى المدينة، واسمها أمّ الفضل.
وأخرى تزوّجها الواثق هارون ابن أبي إسحاق محمد المعتصم ابن هارون الرشيد.
وأخرى تزوّجها المتوكّل جعفر بن أبي إسحاق محمد المعتصم.
*** وقال محمد بن الجهم البرمكيّ: قال لي المأمون يوما: يا محمد، أنشدني بيتا من المديح جيّدا فاخرا لمحدث حتّى أولّيك كورة تختارها.
قلت: قال عليّ بن الخليل في أمير المؤمنين المهديّ [الكامل]:
فمع السماء فروع نبعتهم ... ومع الحضيض منابت الغرس
متهلّلون على أسرّتهم، ... ولدى الهياج مصاعب الشّمس
فقال: أحسنت، قد ولّيتك الدينور. فأنشدني بيت هجاء على هذه الصفة حتى أولّيك كورة أخرى.
فقلت: قول الذي يقول [الكامل]:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر
فقال: أحسنت، قد ولّيتك همذان، فأنشدني مرثية على هذا [الشرط] حتّى أزيدك كورة أخرى.
فأنشدته [الطويل]:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دلّ على القبر (١)
فقال: أحسنت، قد ولّيتك نهاوند. فأنشدني بيتا من الغزل على هذا الشرط حتّى أولّيك كورة أخرى.
فقلت: قول الذي يقول [الطويل]:
تعالي نجدّد دارس الوصل بيننا ... كلانا على طول الجفاء ملوم
فقال: أحسنت. قد جعلت لك الخيار.
فاخترت السوس من كور الأهواز، فولّاني ذلك أجمع، ووجّهت إلى السوس بعض أقاربي.
*** وقال أبو حاتم الرازي: ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد، فحزروا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل. وكان مجلسه عند قصرالمأمون فبنى [١٣٩ ب] له شبه منبر. فصعد سليمان وحضر حوله جماعة من القوّاد عليهم السواد، والمأمون فوق قصره قد فتح باب القصر، وقد أرسل ستر شفّ وهو خلفه يكتب ما يملي.
فسئل أوّل شيء حديث حوشب بن عقيل، فلعلّه قد قال: «نا حوشب» أكثر من عشر مرّات وهم يقولون: «لا نسمع». فقام مستمل ومستمليان وثلاثة، كلّ ذلك يقولون: «لا نسمع، حتى قالوا:
«ليس الرأي إلّا أن يحضر هارون المستملي».
فذهب جماعة فأحضروه. فلمّا حضر قال من ذكرت: فإذا صوته خلاف الرعد فسكتوا، وقعد المستملون كلّهم. فاستملى هارون. وكان لا يسأل عن حديث إلّا حدّث من حفظه.
*** وكان القاضي يحيى بن أكثم قد غلب على المأمون، فشكا أبا الوليد بشر بن الوليد بن خالد الكندي قاضي مدينة المنصور، وقال للمأمون:
«إنّه لا ينفّذ قضائي». فقعد المأمون على سريره
стр. 1607
وأقعد يحيى بن أكثم معه على السرير، ودعا بشر بن الوليد فقال له: ما ليحيى يشكوك، ويقول إنّك لا تنفّذ أحكامه؟
فقال: يا أمير المؤمنين، سألت عنه بخراسان فلم يحمد في بلده ولا في جواره.
فصاح به المأمون وقال: اخرج!
فخرج بشر. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، قد سمعته فاصرفه!
فقال: ويحك! هذا لم يراقبني فيك. كيف أصرفه؟
فلم يفعل.
*** ودعا المأمون يوما إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ، فصار إليه، ومعه المعتصم وعبد الله بن طاهر وسائر جلساته ومغنّيه. فلمّا جلس المأمون على شرابه غنّاه محمد بن الحرث بن يستجير [المنسرح]:
لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال إذا هم نطقوا
فغضب المأمون وقال: «تغنّيني في وقت سروري وساعة طربي في شعر يمدح فيه أعدائي، وأنت مولاي وربيب نعمتي؟ » وأمر أحمد بن هشام صاحب الحرس بضرب عنقه، فأقامه ليمضي فيه ما أمره. فبادر عبد الله بن طاهر وشفع فيه فشفعه وأمر بردّه إلى المجلس وقال له: إيّاك ومعاودة مثل ما كان منك!
*** وكان المأمون يدين بتفضيل عليّ ﵁ على جميع الصحابة. فتقدّم إلى القاضي يحيى بن أكثم بجمع العلماء للمناظرة في هذا. فجمع له منهم أربعين. فانتدب منهم واحد فقال: من أين قال أمير المؤمنين إنّ عليّا أفضل الناس بعد النبيّ ﷺ ؟
فقال المأمون: خبّرني! بم يتفاضل الناس؟
قال: بالأعمال الصالحة.
فقال المأمون: فانظر ما رواه لك أصحابك من فضائل أبي بكر وعمر ﵄، فقس بها فضائل علي، ثم انظر فضائل أبي بكر وعمر، لا بل فضائل العشرة، فإنّك تجد فضائل عليّ أعظم [١٤٠ أ].
ثم قال: أيّ الأعمال كانت أفضل حين بعث النبيّ ﷺ ؟
قال: التوحيد.
قال: هل علمت أحدا سبق إليه عليّا؟
فقال: إنّ عليّا أسلم حدث السنّ لا يجوز الحكم عليه.
قال: أجبني أيّهما أسلم قبل، ثمّ أناظرك على الحداثة والكمال.
قال: أسلم عليّ قبل أبي بكر (١*).
قال: فأخبرني عن إسلام عليّ: هل يخلو من أن يكون رسول الله دعاه إلى الإسلام، أو يكون إلهاما؟
فأطرق. فقال المأمون: لا تقل: إلهاما فتقدّمه على النبيّ. فإنّ النبيّ ﷺ لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل.
فقال: دعاه رسول الله.
قال: فهل يخلو رسول الله من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلّف ذلك من قبل نفسه؟
فأطرق. فقال المأمون: لا تنسب النبيّ ﷺ إلى
стр. 1608
التكلّف. فإنّ الله قال: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦].
قال: دعاه بأمر الله.
قال: فهل يأمر الله أن يدعى من لا يجوز عليه حكم؟ وكيف يدعو النبيّ الصبيان، وهم إن ارتدّوا لم يكن عليهم شيء؟
وإنّما هذه فضيلة فضّل الله بها عليّا حين دعاه النبيّ، ولم يبلغنا أنّه دعا الصبيان.
ثم قال المأمون: أيّ الأعمال كانت أفضل بعد الإسلام؟
قال: الجهاد.
قال: فهل تجد لأحد من أصحاب النبي ﷺ في ذلك مثل ما لعليّ؟ إنّ قتلى بدر من المشركين نيف وستّون رجلا قتل عليّ منهم ثلاثة وعشرين أو اثنين وعشرين.
قال المناظر: كان أبو بكر مع النبيّ في العريش.
قال المأمون: يصنع ماذا؟
قال: يدبّر.
قال: ويلك! دون النبيّ أو شريكا معه، أم افتقارا من النبيّ إلى رأيه؟
قال: أعوذ بالله أن يدبّر أبو بكر دون النبيّ أو يكون معه شريكا أو يفتقر النبيّ إلى رأيه.
قال: فما الفضيل بالعريش؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي النبيّ أفضل ممّن هو جالس؟
قال: يا أمير المؤمنين، كلّ الجيش كان مجاهدا.
قال: صدقت. ولكنّ المحامي أفضل من الجالس. أو ما كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟
قال: نعم.
قال: فكذلك سبق الباذل نفسه أبا بكر وعمر.
يا هذا، فيمن نزل هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً إلى قوله: وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان:
١ - ٨].
قال: في عليّ.
قال: هل وصف الله أحدا بمثل ما وصف به عليّا؟
قال: لا.
قال: صدقت، لأنّ الله علم سريرته. هل تروي يا هذا حديث الطير (١*)؟
قال: نعم.
قال: فمن علم أنّه صحيح، ثم زعم أنّ أحدا أفضل من عليّ لم يخل من أحد ثلاثة: أن تكون دعوة النبيّ مردودة. أو يقول إنّ الله علم الفاضل وكان المفضول أحبّ إليه. أو: لم يعلم الله الفاضل من المفضول.
قال: يا أمير المؤمنين إنّ لأبي بكر فضلا.
قال: وما هو؟
قال: قول الله ثانِيَ اثْنَيْنِ [١٤٠ أ] إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] فنسبه إلى صحبته.
فقال: قد نسب الله تعالى إلى صحبته من رضيه، ومن رضي عنه كافرا وهو قوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ [الكهف: ٣٧].
قال: إنّ ذاك كان كافرا، وأبو بكر مؤمن.
стр. 1609
قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبته من رضيه كافرا جاز أن ينسب إلى صحبة مؤمنا، وليس بأفضل المؤمنين. أخبرني عن حزن أبي بكر: كان رضّأ أو سخطا؟
قال: إنّما حزن أبو بكر خوفا على النبيّ.
فقال: ليس هذا جوابي. إنّما جوابي أن تقول:
رضى أو سخط.
قال: كان رضى لله.
قال: فكأنّ الله بعث إلينا رسوله ينهى عن رضى الله وطاعته؟
قال: أعوذ بالله
قال: يا هذا، من أفضل: من كان مع النبيّ في الغار، أو من بات على فراشه ووقاه بنفسه؟ يا هذا، أرأيت حديث الولاية، هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟
قال: ذكر الناس أنّ هذا الحديث إنّما كان بسبب زيد بن حارثة لأنّه أنكر ولاء عليّ، فقال النبيّ ﷺ : من كنت مولاه فعليّ مولاه.
فقال المأمون: لم يقل النبيّ هذا إلا بعد منصرفه من حجّة الوداع، وزيد قد قتل. أرأيت لو كان لك ابن فقال: مولاي مولى ابن عمر فاعلموا ذلك، أكنت تنكر عليه أن يعرّف الناس ما لا ينكرون؟
قال: نعم.
فقال المأمون: يا هذا، أرأيت حديث «أنت منيّ بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي»؟
قال: إنّما أراد أن يطيّب نفس عليّ لمّا قال المنافقون ما قالوا.
قال: فطيّب نفسه بقول لا معنى له؟
فأطرق. فقال المأمون: له في كتاب الله معنى مثل هذا، وهو قوله: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ [الأعراف: ١٤٢]. وله تأويل آخر في كتاب الله يدلّ على استخلافه لا يدفعه أحد: قوله عن موسى:
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٢٩ - ٣٢].
فقال يحيى بن أكثم: «قد أوضحت يا أمير المؤمنين لمن أراد الله به التوفيق. وانصرفوا».
١٤٨٠ - أبو محمد ابن الوليد الأندلسيّ [٣٦٠ - ٤٤٨] (١*)
عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر، الفقيه أبو محمّد، الأنصاريّ، الأندلسيّ، المالكيّ.
قدم من بلاده. ثمّ توجّه إلى القدس فمات بالطريق (٢*) [ ... ] وأربعمائة.
١٤٨١ - عبد الله بن الزبير [٢ - ٧٣] (٣*)
[١٤١ أ] عبد الله بن الزبير بن العوّام بن خوليد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب بن مرّة القرشيّ، الأسدي، أبو بكر- وقيل:
أبو بكير، وأبو خبيب، والأكثر الأعمّ: أبو بكر، ولم يكنّه بأبي خبيب إلّا من أراد ذمّه فيجعله كاللقب له- ابن أبي عبد الله.
стр. 1610
أبوه حواريّ رسول الله ﷺ وأحد العشرة المشهود لهم بالجنّة وأحد أصحاب الشورى.
وجدّته لأبيه صفيّة بنت عبد المطّلب عمّة رسول الله ﷺ .
وأمّه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصدّيق ﵁.
وخالته أمّ المؤمنين عائشة ﵂. فهو ابن عجز الجنّة. وأعرق الناس في صحبة رسول الله ﷺ .
هاجرت أمّه أسماء من مكّة إلى المدينة وهي حامل به فولدته سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهرا من التاريخ- وقيل: بل ولد في السنة الأولى من الهجرة، فإنّه أوّل مولود ولد في الإسلام من المهاجرين بالمدينة. وهو أسنّ ولد الزبير، وبه كان يكنّى. وقيل له لمّا قام بمكّة: عائذ البيت.
وكانت ولادته تعبا فأتت به أمّه أسماء ﵂ إلى رسول الله ﷺ فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثمّ تفل في فيه، فكان أوّل شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ . ثمّ حنكه بالتمر ثمّ دعا له وبرّك عليه. ففرح به المهاجرون فرحا شديدا. وذلك أنّهم بلغهم أنّ اليهود سحرتهم فلا يولد لهم.
وكنّاه رسول الله ﷺ باسم جدّه أبي أمّه أبي بكر الصدّيق ﵁ وسمّاه عبد الله.
وبايع رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني سنين فضحك له ﵇ وتعجّب منه.
ولم يكن أحد أحبّ إلى عائشة ﵂ بعد رسول الله ﷺ وبعد أبي بكر ﵁ من عبد الله بن الزبير لأنّ النبيّ ﷺ كنّاها به، وكان في حجرها، وإليه أسندت وصيّتها عند موتها.
ولم يزل بالمدينة حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر بن الخطّاب ﵄.
وشهد وقعة اليرموك مع أبيه.
وتولّى نسخ القرآن في المصاحف، ومعه زيد بن ثابت، وسعيد بن العاصي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، في خلافة عثمان ﵁.
[مشاركة عبد الله بن الزبير في فتح إفريقية]
فلمّا بعث عثمان ﵁ في خلافته إلى إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر، التقى جرجير ملك إفريقية مع المسلمين وهو في مائة وعشرين ألفا وقاتلهم عدّة أيّام [و] انقطع خبر المسلمين عن عثمان فسيّر عبد الله بن الزبير في جماعة ليأتيه بالخبر. فسار مجدّا حتى مرّ بمصر، ووصل إليهم وأقام معهم. فكبّر المسلمون عند قدومه تكبيرا كثيرا واشتدّ صياحهم، فسأل جرجير عن الخبر فقيل: «قد أتاهم عسكر»، ففتّ ذلك في عضده.
ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كلّ يوم من بكرة النهار إلى الظهر (١*) فإذا أذّن الظهر عاد [١٤١ ب] كلّ فريق إلى خيامهم. وشهد القتال من الغد ولم ير ابن أبي سرح معهم فسأل عنه فقيل إنّه سمع منادي جرجير يقول: «من قتل عبد الله بن سعد فله مائة دينار، وأزوّجه ابنتي»، فهويخاف.
فحضر عنده وقال له: تأمر مناديا ينادي: «من أتاني برأس جرجير نفّلته مائة ألف وزوّجته ابنته واستعملته على بلاده». ففعل ذلك فصار جرجير يخاف أشدّ من ابن أبي سرح.
ثمّ قال ابن الزبير لابن أبي سرح: إنّ أمرنا يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متّصلة، وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم.
стр. 1611
وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهّبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يشجروا ويملّوا. فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرّة، فلعلّ الله ينصر عليهم.
فأحضر ابن أبي سرح (١) جماعة من الصحابة واستشارهم، فوافقوه على ذلك. فلمّا كان من الغد فعل ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا. فلمّا أذّن الظهر همّ الروم بالانصراف على العادة فلم يمكّنهم ابن الزبير وألحّ عليهم بالقتال حتّى أتعبهم. ثمّ عاد عنهم هو والمسلمون فألقى كلّ من الطائفتين سلاحه ووقع على الأرض تعبا.
فبادر عند ذلك ابن الزبير وأخذ من كان مستريحا من شجعان المسلمين وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتّى خالطوهم وحملوا عليهم حملة رجل واحد وهم يكبّرون، فلم يتمكّن الروم من لبس سلاحهم حتّى غشيهم المسلمون، وقتل الله جرجير بيد ابن الزبير. وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة. وأخذت ابنة جرجير سبيّة فنفّلها ابن أبي سرح عبد الله بن الزبير. فأرسله بالبشارة إلى عثمان.
في رواية (٢): قال عبد الله بن الزبير: هجم علينا جرجير [في معسكرنا في عشرين ومائة ألف فأحاطوا بنا من كلّ مكان، وسقط في أيدي المسلمين، ونحن في عشرين ألفا، فاختلف [الناس] على ابن أبي سرح، [فدخل فسطاطه]
ورأيت غرّة من جرجير، بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظلّان عليه بريش الطواويس، بينه وبين جنده أرض بيضاء ليس فيها أحد. فخرجت أطلب ابن أبي سرح فقيل لي: قد خلا في فسطاطه. فأتيت حاجبه فأبى أن يستأذن لي عليه، فدرت من كسر الفسطاط فدخلت عليه فوجدته مستلقيا على ظهره. فلمّا دخلت [استوى جالسا، فقلت: إيه! إيه! كلّ أزبّ نفور (١*)! إنّي رأيت غرّة من العدوّ، فاخرج فاندب لي الناس! -[ف] قام من فوره] (٢*) وخرج معي مسرعا فقال:
أيّها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير- فأخذت ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: «البثوا على مصافّكم»، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير، وقلت لأصحابي: «احموا لي ظهري! » فو الله ما نشبت أن خرقت الصفّ إليه فخرجت صامدا له وما يحسب هو ولا أصحابه إلّا أنّي رسول إليه حتى دنوت منه، فعرف الشرّ، فثنى برذونه مولّيا فأدركته فطعنته فسقط، وسقطت الجاريتان عليه. وأهويت إليه مبادرا فوقعت (٣*) عليه بالسيف وأصبت يد إحدى الجاريتين فقطعتها. ثمّ احتززت رأسه فنصبته في رمحي وكبّرت. وحمل المسلمون في الوجه الذي كنت فيه، وارفضّ العدوّ في كلّ وجه، ومنح الله المسلمين أكتافهم. فلمّا أراد ابن أبي سرح أن يوجّه بشيرا إلى عثمان قال: أنت أولى من ههنا بذلك.
فانطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره الخبر.
وقيل: بل أخذ ابنة جرجير رجل من الأنصار.
فسار ابن الزبير على راحلته إلى المدينة من إفريقيّة عشرين ليلة. ودخل على عثمان رضي الله
стр. 1612
عنه فجعل يخبره بلقائهم العدوّ وما كان في تلك الغزاة فأعجب عثمان وقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا؟
قال: نعم.
فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر، ثمّ قال له:
اقصص عليهم ما أخبرتني.
فتلكّأ عبد الله. فأخذ [١٤٢ أ] الزبير [ ... ] (١)
[امتناع الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير عن مبايعة يزيد]
[ ... ] الزبير بن بكّار: كان ابن الزبير قد صحب عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
قال ابن الزبير: فلقيته بعد العتمة متلثّما لا يبدو منه إلّا عيناه. فعرفته فأخذت بيده وقلت: ابن أبي سرح، كيف كنت بعدي؟ كيف تركت أمير المؤمنين؟
فلم يكلّمني.
فقلت: ما لك؟ أمات أمير المؤمنين؟
فلم يكلّمني. فجلبته، وقد أثبتّ معرفته. ثم خرجت حتى لقيت الحسين بن عليّ فأخبرته خبره وقلت: سيأتيك الرسول فانظر ما أنت صانع، واعلم أنّ رواحلي في الدار معدّة. فالموعد بيني وبينك أن تغفل عنّا عيونهم.
ثمّ فارقته. فلم ألبث أن أتى رسول الوليد بن
عتبة بن أبي سفيان، فجئته فوجدت الحسين عنده، ووجدت عنده مروان. فنعى إليّ معاوية، فاسترجعت. فأقبل عليّ الوليد فقال: هلمّ إلى بيعة يزيد، فقد كتب إلينا يأمرنا أن نأخذها عليك.
فقلت: إنّي قد علمت أنّ في نفسه عليّ شيئا لتركي بيعته في حياة أبيه. [ف] إن بايعت له على هذه الحال توهّم أنّني مكره فلم يقع ذلك منه بحيث أريد. ولكن أصبح، ويجتمع الناس، ويكون ذلك علانية إن شاء الله.
فنظر إلى مروان، فقال مروان: هو الذي قلت لك. إن يخرج لم تره.
فأحببت أن ألقي بينه سترا يتشاغل به. فأقبلت على مروان فقلت له: وما قلت يا ابن الزرقاء (١*).
فقال لي وقلت حتى تناصيت (٢*) أنا وإيّاه، وقام الوليد يحجز بيننا [١٤٢ ب] فقال له مروان: أتحجز بيننا، وتدع أن تأمر أعوانك؟
فقال له الوليد: قد أرى ما تريد، ولا أتولّى ذلك والله منه أبدا. اذهب يا ابن الزبير حيث شئت
فأخذت يد الحسين (٣*) فخرجنا من الباب جميعا حتّى صرنا إلى المسجد، وابن الزبير يقول [الطويل]:
[و] لا تحسبنّي يا مسافر شحمة ... تعجّلها من جانب القدر جائع
فلمّا دخل المسجد افترق هو والحسين، وعمد كلّ رجل منهما إلى مصلّاه يصلّي فيه. وجعلت الرسل تختلف إليهما، ويسمعون وقعهم في
стр. 1613
الحصى حتى هدأ عنهما الحسّ. ثم انصرفا إلى منازلهما، فأتى ابن الزبير رواحله فقعد عليها، وخرج من أدبار داره. ووافاه الحسين للموعد، فخرجا جميعا من ليلتهم وسلكوا طريق الفرع حتّى مرّوا بالجثجاثة، وبها جعفر بن الزبير قد ازدرعها، فانتهوا إليه. فلمّا رآهم قال: أمات معاوية؟
قال له ابن الزبير: نعم. انطلق معنا وأعطنا أحد حمليك- وكان ينضح على حملين له-.
فقال جعفر متمثّلا:
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا (١)
فقال ابن الزبير، وقد تطيّر منها: بفيك التراب!
فخرجوا جميعا حتى قدموا [١٤٣ أ] مكّة، وعليها عمرو بن سعيد الأشدق. فلمّا دخلها قال:
أنا عائذ بالبيت وسمّى نفسه العائذ. وقال: أقيم ههنا فأنظر الكعبة وأعوذ بها حتى تنكشف الأمور.
وامتنع من البيعة ليزيد.
ولم يكن يصلّي بصلاتهم، ولا يفيض من عرفة بإفاضتهم، بل كان يقف هو وأصحابه بعرفة ناحية.
فولّى يزيد بن معاوية عمر بن سعيد الأشدق المدينة، وأمره بغزو عبد الله بن الزبير. فبعث إليه جيشا نحو الألفين عليهم عمرو بن الزبير لمخالفته على أخيه عبد الله في عداوته له، وقدّم أمامه أنيس بن عمرو الأسلميّ في عدّة. فنزل أنيس بذي طوى، ونزل عمرو بن الزبير الأبطح. فأرسل عمرو إلى أخيه عبد الله: برّ يمين يزيد، فإنّه حلف أن لا يقبل بيعتك إلّا أن يؤتى بك في جامعة (٢) من فضّة في عنقك. ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فإنّك في بلد حرام.
فبعث عبد الله بن الزبير بعبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكّة ومن اجتمع إليه فهزمه بذي طوى، وأجهز على جريحهم، وقتل أنيس بن عمرو.
وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير فأجاره. ثمّ أتى عبد الله بن الزبير فقال له:
قد أجرت عمرا.
[انتقام ابن الزبير من أخيه عمرو]
فقال: أتجير من حقوق الناس؟ هذا ما لا يصلح. وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات الله.
وأخذ عبد الله أخاه عمرا فضربه بكلّ من ضرب وحبسه في سجن عارم (١*)، يرى أنّه أقاد عمرا من كلّ من ضربه إلّا المنذر وابنه محمد بن المنذر بن الزبير فإنّهما أبيا أن يستقيدا منه. فمات عمرو تحت الضرب (٢*).
стр. 1614
وكان ابن الزبير قد لزم جانب الكعبة منذ قدم مكّة يصلّي عندها عامّة نهاره ويطوف، ويأتي الحسين بن عليّ ﵇ فيمن يأتي ويشير عليه بالرأي. وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير لأنّه علم أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد، حتى [إذا] عزم الحسين على المسير إلى الكوفة، أتاه ابن الزبير فحدّثه ساعة ثمّ قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكففنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم. خبّرني ما تريد أن تصنع؟
فقال: لقد حدّثت نفسي بإتياني الكوفة. ولقد كتب إليّ شيعتي بها وأشراف الناس، وأستخير الله.
فقال ابن الزبير: أمّا أنا، لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها.
ثمّ خشي أن يتّهمه فقال: أما إنّك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ههنا، ما خالفنا عليك ولساعدناك وبايعناك ونصحنا لك.
فقال: إنّ أبي حدّثني أنّ لها كبشا به تستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش.
قال: فأقم إن شئت وولّني أنا الأمر فنطاع ولا تعصى.
قال: ولا أريد هذا أيضا.
ثمّ [١٤٣ ب] إنّهما أخفيا كلامهما، فقال الحسين لمن هناك: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا ندري.
قالوا: إنّه يقول: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس.
ثم قال له الحسين: والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ إليّ من أن أقتل فيها، ولأنّ أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجا عنها بشبر. وايم الله! لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم.
وو الله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت!
فقام ابن الزبير فخرج من عنده. فقال الحسين:
إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أنّ الناس لا يعدلونه بي، فهو يودّ أنّي خرجت حتى يخلو له.
فجاء عبد الله بن عبّاس إلى الحسين وحذّره من المسير إلى الكوفة، فأبى عليه، فقال: لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك.
ثم خرج من عنده فمرّ بابن الزبير فقال: «قرّت عينك يا ابن الزبير! » ثم قال متمثّلا [الرجز]:
يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخلّيك والحجاز.
فلمّا سار الحسين ﵇ شهّر ابن الزبير للأمر الذي يريد، ولبس المغافر وشبر بطنه وقال:
إنّما بطني شبر، وما عسى أن يسع الشبر؟
[تمرّد ابن الزبير على بني أميّة]
وجعل يظهر عيب بني أميّة ويدعو إلى خلافهم وقال: «من ينصر الله وينصر الكعبة؟ ومن ينصر الحرم؟ » وأقام على ذلك حتى جاء الخبر بقتل الحسين. فقام في الناس فعظّم قتل الحسين وعاب أهل الكوفة خاصّة وأهل العراق عامّة فقال، بعد حمد الله والصلاة على رسول الله: إنّ أهل العراق غدر فجر إلّا قليلا. وإنّ أهل الكوفة شرار أهل العراق. وإنّهم دعوا حسينا لينصروه ويولّوه عليهم. فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه فقالوا: «إمّا أن
стр. 1615
تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة فيمضي فيك حكمه، وإمّا أن تحارب! » فرأى أنّه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله لم يطلع على الغيب أحدا، وأنّه مقتول. ولكنّه اختار المنيّة الكريمة على الحياة الذميمة. فرحم الله حسينا وأخزى قاتله! لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم. ولكنّه قدر نازل، وإذا أراد الله أمرا لا يدفع. [أ] (١) فبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدا؟ لا والله! ولا نراهم لذلك أهلا.
أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل. والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الخمر، ولا بالمجالس في حلق [١٤٤ أ] الذكر تطلاب الصيد (٢). فسوف يلقون غيّا.
فثار إليه أصحابه وقالوا: أظهر بيعتك، فإنّه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر!
وكان ابن الزبير بويع سرّا، وهو إنّما يظهر أنّه عائذ بالبيت. فقال: لا تعجلوا!
هذا وأخبار تبلغ يزيد بن معاوية وقد أمهله سنة. ثمّ بعث إليه عشرة من أهل الشام، عليهم النعمان بن بشير الأنصاريّ. وكان أهل الشام يسمّون النفر العشرة «الركب»، وهم: عبد الله بن عضاه الأشعريّ، وروح بن زنباع الجذاميّ، وسعد بن حمزة الهمدانيّ، ومالك بن هبيرة السكونيّ، وأبو كبشة السكسكيّ، وزمل بن عمرو العذريّ، وعبد الله بن مسعدة الفزاريّ، وأخوه عبد الرحمن، وشريك بن عبد الله الكنانيّ،
وعبد الله بن عامر الهمدانيّ، ودفع إلى عبد الله بن عضاه سلسلة من فضّة ليقيّد بها عبد الله بن الزبير، فإنّه أعطى الله عهدا ليوثقنّه في سلسلة، وأعطاه برنس خزّ ليلبسه عبد الله على السلسلة حتى لا تظهر للناس.
فأقبلوا حتّى قدموا المدينة، فمرّ بها عبد الله بن عضاه على مروان بن الحكم فأخبره بما قدم له، وأنّ يزيد قد كتب إلى ابن الزبير: «إنّي قد بعثت إليك بسلسلة من فضّة وقيد من ذهب وجامعة من فضّة، وحلفت لتأتينّي في ذلك». فبعث معه بابنه عبد العزيز بن مروان وأخيه، وقال له: [إذا] بلّغته رسل يزيد رسالته فتعرّض له وتمثّل بقوله [الطويل]:
فخذها فليست للعزيز بخطّة ... وفيها مقال لامرئ متذلّل
أعامر إنّ القوم ساموك خطّة ... وذلك في الجيران غزلا بمغزل
أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلمّا قدم الركب مكّة وبلّغوا ابن الزبير رسالة يزيد قال عبد العزيز بن مروان لابن الزبير: «إنّ أبي أرسلني عناية بأمرك وحفظا لحرمتك» وأنشده الأبيات.
فقال له ابن الزبير: يا ابني مروان، قد سمعت ما قلتما. فأخبرا أباكما [البسيط]:
إنّي لمن نبعة صمّ مكاسرها ... إذا تناوحت النكباء والغير
فلا ألين لغير الحقّ أنملة ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: «اللهمّ إنّي عائذ ببيتك الحرام! » فمن يومئذ سمي العائذ.