وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهّبين ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يشجروا ويملّوا. فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون، ونقصدهم على غرّة، فلعلّ الله ينصر عليهم.
فأحضر ابن أبي سرح (١) جماعة من الصحابة واستشارهم، فوافقوه على ذلك. فلمّا كان من الغد فعل ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا. فلمّا أذّن الظهر همّ الروم بالانصراف على العادة فلم يمكّنهم ابن الزبير وألحّ عليهم بالقتال حتّى أتعبهم. ثمّ عاد عنهم هو والمسلمون فألقى كلّ من الطائفتين سلاحه ووقع على الأرض تعبا.
فبادر عند ذلك ابن الزبير وأخذ من كان مستريحا من شجعان المسلمين وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتّى خالطوهم وحملوا عليهم حملة رجل واحد وهم يكبّرون، فلم يتمكّن الروم من لبس سلاحهم حتّى غشيهم المسلمون، وقتل الله جرجير بيد ابن الزبير. وانهزم الروم وقتل منهم مقتلة عظيمة. وأخذت ابنة جرجير سبيّة فنفّلها ابن أبي سرح عبد الله بن الزبير. فأرسله بالبشارة إلى عثمان.
في رواية (٢): قال عبد الله بن الزبير: هجم علينا جرجير [في معسكرنا في عشرين ومائة ألف فأحاطوا بنا من كلّ مكان، وسقط في أيدي المسلمين، ونحن في عشرين ألفا، فاختلف [الناس] على ابن أبي سرح، [فدخل فسطاطه]
ورأيت غرّة من جرجير، بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظلّان عليه بريش الطواويس، بينه وبين جنده أرض بيضاء ليس فيها أحد. فخرجت أطلب ابن أبي سرح فقيل لي: قد خلا في فسطاطه. فأتيت حاجبه فأبى أن يستأذن لي عليه، فدرت من كسر الفسطاط فدخلت عليه فوجدته مستلقيا على ظهره. فلمّا دخلت [استوى جالسا، فقلت: إيه! إيه! كلّ أزبّ نفور (١*)! إنّي رأيت غرّة من العدوّ، فاخرج فاندب لي الناس! -[ف] قام من فوره] (٢*) وخرج معي مسرعا فقال:
أيّها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير- فأخذت ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: «البثوا على مصافّكم»، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير، وقلت لأصحابي: «احموا لي ظهري! » فو الله ما نشبت أن خرقت الصفّ إليه فخرجت صامدا له وما يحسب هو ولا أصحابه إلّا أنّي رسول إليه حتى دنوت منه، فعرف الشرّ، فثنى برذونه مولّيا فأدركته فطعنته فسقط، وسقطت الجاريتان عليه. وأهويت إليه مبادرا فوقعت (٣*) عليه بالسيف وأصبت يد إحدى الجاريتين فقطعتها. ثمّ احتززت رأسه فنصبته في رمحي وكبّرت. وحمل المسلمون في الوجه الذي كنت فيه، وارفضّ العدوّ في كلّ وجه، ومنح الله المسلمين أكتافهم. فلمّا أراد ابن أبي سرح أن يوجّه بشيرا إلى عثمان قال: أنت أولى من ههنا بذلك.
فانطلق إلى أمير المؤمنين فأخبره الخبر.
وقيل: بل أخذ ابنة جرجير رجل من الأنصار.
فسار ابن الزبير على راحلته إلى المدينة من إفريقيّة عشرين ليلة. ودخل على عثمان رضي الله
стр. 1612
عنه فجعل يخبره بلقائهم العدوّ وما كان في تلك الغزاة فأعجب عثمان وقال له: هل تستطيع أن تخبر الناس بمثل هذا؟
قال: نعم.
فأخذ بيده حتى انتهى به إلى المنبر، ثمّ قال له:
اقصص عليهم ما أخبرتني.
فتلكّأ عبد الله. فأخذ [١٤٢ أ] الزبير [ ... ] (١)
[امتناع الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير عن مبايعة يزيد]
[ ... ] الزبير بن بكّار: كان ابن الزبير قد صحب عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
قال ابن الزبير: فلقيته بعد العتمة متلثّما لا يبدو منه إلّا عيناه. فعرفته فأخذت بيده وقلت: ابن أبي سرح، كيف كنت بعدي؟ كيف تركت أمير المؤمنين؟
فلم يكلّمني.
فقلت: ما لك؟ أمات أمير المؤمنين؟
فلم يكلّمني. فجلبته، وقد أثبتّ معرفته. ثم خرجت حتى لقيت الحسين بن عليّ فأخبرته خبره وقلت: سيأتيك الرسول فانظر ما أنت صانع، واعلم أنّ رواحلي في الدار معدّة. فالموعد بيني وبينك أن تغفل عنّا عيونهم.
ثمّ فارقته. فلم ألبث أن أتى رسول الوليد بن
عتبة بن أبي سفيان، فجئته فوجدت الحسين عنده، ووجدت عنده مروان. فنعى إليّ معاوية، فاسترجعت. فأقبل عليّ الوليد فقال: هلمّ إلى بيعة يزيد، فقد كتب إلينا يأمرنا أن نأخذها عليك.
فقلت: إنّي قد علمت أنّ في نفسه عليّ شيئا لتركي بيعته في حياة أبيه. [ف] إن بايعت له على هذه الحال توهّم أنّني مكره فلم يقع ذلك منه بحيث أريد. ولكن أصبح، ويجتمع الناس، ويكون ذلك علانية إن شاء الله.
فنظر إلى مروان، فقال مروان: هو الذي قلت لك. إن يخرج لم تره.
فأحببت أن ألقي بينه سترا يتشاغل به. فأقبلت على مروان فقلت له: وما قلت يا ابن الزرقاء (١*).
فقال لي وقلت حتى تناصيت (٢*) أنا وإيّاه، وقام الوليد يحجز بيننا [١٤٢ ب] فقال له مروان: أتحجز بيننا، وتدع أن تأمر أعوانك؟
فقال له الوليد: قد أرى ما تريد، ولا أتولّى ذلك والله منه أبدا. اذهب يا ابن الزبير حيث شئت
فأخذت يد الحسين (٣*) فخرجنا من الباب جميعا حتّى صرنا إلى المسجد، وابن الزبير يقول [الطويل]:
[و] لا تحسبنّي يا مسافر شحمة ... تعجّلها من جانب القدر جائع
فلمّا دخل المسجد افترق هو والحسين، وعمد كلّ رجل منهما إلى مصلّاه يصلّي فيه. وجعلت الرسل تختلف إليهما، ويسمعون وقعهم في
стр. 1613
الحصى حتى هدأ عنهما الحسّ. ثم انصرفا إلى منازلهما، فأتى ابن الزبير رواحله فقعد عليها، وخرج من أدبار داره. ووافاه الحسين للموعد، فخرجا جميعا من ليلتهم وسلكوا طريق الفرع حتّى مرّوا بالجثجاثة، وبها جعفر بن الزبير قد ازدرعها، فانتهوا إليه. فلمّا رآهم قال: أمات معاوية؟
قال له ابن الزبير: نعم. انطلق معنا وأعطنا أحد حمليك- وكان ينضح على حملين له-.
فقال جعفر متمثّلا:
إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا (١)
فقال ابن الزبير، وقد تطيّر منها: بفيك التراب!
فخرجوا جميعا حتى قدموا [١٤٣ أ] مكّة، وعليها عمرو بن سعيد الأشدق. فلمّا دخلها قال:
أنا عائذ بالبيت وسمّى نفسه العائذ. وقال: أقيم ههنا فأنظر الكعبة وأعوذ بها حتى تنكشف الأمور.
وامتنع من البيعة ليزيد.
ولم يكن يصلّي بصلاتهم، ولا يفيض من عرفة بإفاضتهم، بل كان يقف هو وأصحابه بعرفة ناحية.
فولّى يزيد بن معاوية عمر بن سعيد الأشدق المدينة، وأمره بغزو عبد الله بن الزبير. فبعث إليه جيشا نحو الألفين عليهم عمرو بن الزبير لمخالفته على أخيه عبد الله في عداوته له، وقدّم أمامه أنيس بن عمرو الأسلميّ في عدّة. فنزل أنيس بذي طوى، ونزل عمرو بن الزبير الأبطح. فأرسل عمرو إلى أخيه عبد الله: برّ يمين يزيد، فإنّه حلف أن لا يقبل بيعتك إلّا أن يؤتى بك في جامعة (٢) من فضّة في عنقك. ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فإنّك في بلد حرام.
فبعث عبد الله بن الزبير بعبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكّة ومن اجتمع إليه فهزمه بذي طوى، وأجهز على جريحهم، وقتل أنيس بن عمرو.
وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير فأجاره. ثمّ أتى عبد الله بن الزبير فقال له:
قد أجرت عمرا.
[انتقام ابن الزبير من أخيه عمرو]
فقال: أتجير من حقوق الناس؟ هذا ما لا يصلح. وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات الله.
وأخذ عبد الله أخاه عمرا فضربه بكلّ من ضرب وحبسه في سجن عارم (١*)، يرى أنّه أقاد عمرا من كلّ من ضربه إلّا المنذر وابنه محمد بن المنذر بن الزبير فإنّهما أبيا أن يستقيدا منه. فمات عمرو تحت الضرب (٢*).
стр. 1614
وكان ابن الزبير قد لزم جانب الكعبة منذ قدم مكّة يصلّي عندها عامّة نهاره ويطوف، ويأتي الحسين بن عليّ ﵇ فيمن يأتي ويشير عليه بالرأي. وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير لأنّه علم أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد، حتى [إذا] عزم الحسين على المسير إلى الكوفة، أتاه ابن الزبير فحدّثه ساعة ثمّ قال: ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم وكففنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم. خبّرني ما تريد أن تصنع؟
فقال: لقد حدّثت نفسي بإتياني الكوفة. ولقد كتب إليّ شيعتي بها وأشراف الناس، وأستخير الله.
فقال ابن الزبير: أمّا أنا، لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها.
ثمّ خشي أن يتّهمه فقال: أما إنّك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ههنا، ما خالفنا عليك ولساعدناك وبايعناك ونصحنا لك.
فقال: إنّ أبي حدّثني أنّ لها كبشا به تستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش.
قال: فأقم إن شئت وولّني أنا الأمر فنطاع ولا تعصى.
قال: ولا أريد هذا أيضا.
ثمّ [١٤٣ ب] إنّهما أخفيا كلامهما، فقال الحسين لمن هناك: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا ندري.
قالوا: إنّه يقول: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس.
ثم قال له الحسين: والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ إليّ من أن أقتل فيها، ولأنّ أقتل خارجا منها بشبرين أحبّ إليّ من أن أقتل خارجا عنها بشبر. وايم الله! لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوامّ لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم.
وو الله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت!
فقام ابن الزبير فخرج من عنده. فقال الحسين:
إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أنّ الناس لا يعدلونه بي، فهو يودّ أنّي خرجت حتى يخلو له.
فجاء عبد الله بن عبّاس إلى الحسين وحذّره من المسير إلى الكوفة، فأبى عليه، فقال: لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك.
ثم خرج من عنده فمرّ بابن الزبير فقال: «قرّت عينك يا ابن الزبير! » ثم قال متمثّلا [الرجز]:
يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقري
هذا حسين يخرج إلى العراق ويخلّيك والحجاز.
فلمّا سار الحسين ﵇ شهّر ابن الزبير للأمر الذي يريد، ولبس المغافر وشبر بطنه وقال:
إنّما بطني شبر، وما عسى أن يسع الشبر؟
[تمرّد ابن الزبير على بني أميّة]
وجعل يظهر عيب بني أميّة ويدعو إلى خلافهم وقال: «من ينصر الله وينصر الكعبة؟ ومن ينصر الحرم؟ » وأقام على ذلك حتى جاء الخبر بقتل الحسين. فقام في الناس فعظّم قتل الحسين وعاب أهل الكوفة خاصّة وأهل العراق عامّة فقال، بعد حمد الله والصلاة على رسول الله: إنّ أهل العراق غدر فجر إلّا قليلا. وإنّ أهل الكوفة شرار أهل العراق. وإنّهم دعوا حسينا لينصروه ويولّوه عليهم. فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه فقالوا: «إمّا أن
стр. 1615
تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة فيمضي فيك حكمه، وإمّا أن تحارب! » فرأى أنّه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله لم يطلع على الغيب أحدا، وأنّه مقتول. ولكنّه اختار المنيّة الكريمة على الحياة الذميمة. فرحم الله حسينا وأخزى قاتله! لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان في مثله واعظ وناه عنهم. ولكنّه قدر نازل، وإذا أراد الله أمرا لا يدفع. [أ] (١) فبعد الحسين نطمئنّ إلى هؤلاء القوم ونصدّق قولهم ونقبل لهم عهدا؟ لا والله! ولا نراهم لذلك أهلا.
أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أحقّ بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل. والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الخمر، ولا بالمجالس في حلق [١٤٤ أ] الذكر تطلاب الصيد (٢). فسوف يلقون غيّا.
فثار إليه أصحابه وقالوا: أظهر بيعتك، فإنّه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر!
وكان ابن الزبير بويع سرّا، وهو إنّما يظهر أنّه عائذ بالبيت. فقال: لا تعجلوا!
هذا وأخبار تبلغ يزيد بن معاوية وقد أمهله سنة. ثمّ بعث إليه عشرة من أهل الشام، عليهم النعمان بن بشير الأنصاريّ. وكان أهل الشام يسمّون النفر العشرة «الركب»، وهم: عبد الله بن عضاه الأشعريّ، وروح بن زنباع الجذاميّ، وسعد بن حمزة الهمدانيّ، ومالك بن هبيرة السكونيّ، وأبو كبشة السكسكيّ، وزمل بن عمرو العذريّ، وعبد الله بن مسعدة الفزاريّ، وأخوه عبد الرحمن، وشريك بن عبد الله الكنانيّ،
وعبد الله بن عامر الهمدانيّ، ودفع إلى عبد الله بن عضاه سلسلة من فضّة ليقيّد بها عبد الله بن الزبير، فإنّه أعطى الله عهدا ليوثقنّه في سلسلة، وأعطاه برنس خزّ ليلبسه عبد الله على السلسلة حتى لا تظهر للناس.
فأقبلوا حتّى قدموا المدينة، فمرّ بها عبد الله بن عضاه على مروان بن الحكم فأخبره بما قدم له، وأنّ يزيد قد كتب إلى ابن الزبير: «إنّي قد بعثت إليك بسلسلة من فضّة وقيد من ذهب وجامعة من فضّة، وحلفت لتأتينّي في ذلك». فبعث معه بابنه عبد العزيز بن مروان وأخيه، وقال له: [إذا] بلّغته رسل يزيد رسالته فتعرّض له وتمثّل بقوله [الطويل]:
فخذها فليست للعزيز بخطّة ... وفيها مقال لامرئ متذلّل
أعامر إنّ القوم ساموك خطّة ... وذلك في الجيران غزلا بمغزل
أراك إذا ما كنت للقوم ناصحا ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلمّا قدم الركب مكّة وبلّغوا ابن الزبير رسالة يزيد قال عبد العزيز بن مروان لابن الزبير: «إنّ أبي أرسلني عناية بأمرك وحفظا لحرمتك» وأنشده الأبيات.
فقال له ابن الزبير: يا ابني مروان، قد سمعت ما قلتما. فأخبرا أباكما [البسيط]:
إنّي لمن نبعة صمّ مكاسرها ... إذا تناوحت النكباء والغير
فلا ألين لغير الحقّ أنملة ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
ثم قال: «اللهمّ إنّي عائذ ببيتك الحرام! » فمن يومئذ سمي العائذ.
стр. 1616
[المفاوضة بين رءوس الشام وابن الزبير]
وصار النعمان بن بشير يخلو بابن الزبير في الحجر كثيرا. فقال عبد الله بن عضاه يوما: يا ابن الزبير، إنّ هذا الأنصاريّ والله ما أمر بشيء إلّا وقد أمرنا بمثله، إلّا أنّه قد أمّر علينا، وإنّي لا أدري والله ما بين المهاجرين والأنصار.
فقال ابن الزبير: ما لي ولك؟ إنّما أنا بمنزلة حمام من حمام مكّة. أفكنت قاتلا حماما من حمام مكّة؟
[١٤٤ ب] قال: نعم، وما حرمة حمام مكّة؟ يا غلام، ائتني بقوسي وأسهمي!
فأتاه بقوسه وأسهمه فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثمّ سدّده نحو حمامة من حمام المسجد ثمّ قال: يا حمامة، أيشرب يزيد بن معاوية الخمر؟
قولي نعم. والله لئن فعلت لأرمينّك! يا حمامة، أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمّة محمد، وتقيمين في الحرم حتى يستحلّ به؟ والله لئن فعلت لأرمينّك!
فقال ابن الزبير: ويحك! أو يتكلّم الطائر؟
قال: لا، ولكنّك يا ابن الزبير تتكلّم، وأقسم بالله لتبايعنّ طائعا أو مكرها، أو لتعرفنّ راية الأشعريّين في هذه البطحاء، ثم لا أعظّم من حقّها ما تعظّم.
فقال ابن الزبير: أو تستحلّ الحرم؟
فقال: إنّما يستحلّه من ألحد فيه.
فحبسهم شهرا، ثمّ ردّهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء.
وقال أبو العبّاس الأعمى في [قول] عبد الله بن الزبير [إنّ] بطنه شبر [البسيط]:
ما زال في سورة الأعراف يدرسها ... حتى فؤادي مثل الخزّ في اللين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقد ... أفضلت فضلا كبيرا للمساكين
ومضى عبد الله بن الزبير إلى صفيّة بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وذكر أنّ خروجه كان غضبا لله ورسوله ﷺ والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه يزيد بالغيّ، وسألها مسألته أن يبايعه. فلمّا قدّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلّا إلى طاعة الله وأكثرت القول في ذلك. فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية التي كان يحجّ عليها الشهب؟
فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ!
وقيل لابن الزبير: الصلح أجمل.
فقال: والله لضربة سيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربة سوط في ذلّ.
ودعا لنفسه وحجّ بالناس سنة ثلاث وستّين وهو يسمّى يومئذ «العائذ» ويري أصحابه أنّ الأمر شورى. وأقام على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس. فجاءه الخبر بوقعة الحرّة (١*) هلال المحرّم سنة أربع وستّين مع المسوّر بن مخرمة ففجأه أمر عظيم واستعدّ هو وأصحابه، وعرفوا أنّ مسلم بن عقبة (٢*) المرّي نازل بهم. فسار إليه مسلم بعد فراغه من وقعة الحرّة، فهلك في طريقه إليه، واستخلف على قتال ابن الزبير الحصين بن
стр. 1617
نمير السكوني. فسار بالناس حتى قدم [١٤٥ أ] مكّة لأربع بقين من المحرّم، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز ابن الزبير واجتمعوا عليه. ولحق به من انهزم من أهل المدينة، وأتاه المستبصر والخارجيّ والمرجى والشيعيّ وأهل الأهواء جميعا لينصروا الحرم. وقدم عليه من الخوارج نجدة بن عامر الحنفيّ وبنو الماحوز عبد الله وعبيد الله والزبير.
وأتاه أبو راشد نافع ابن الأزرق الحنظليّ الحنفيّ، وحسّان بن بحدج الذهليّ، وكرّاز بن ربيعة، وإياس بن مضارب العجليّ، والقاسم بن ثرملة الغرني، وأبو فديك عبد الله بن ثور من بني قيس بن ثعلبة، وعيسى الخطّي، وسلمة الهجيميّ، وبرج بن عنان الراسبيّ، وسعيد بن مسروح الشيبانيّ، وهؤلاء رءوس الخوارج. فسرّ بهم وأخبرهم أنّه على مثل رأيهم من غير تفتيش.
ثمّ تكلّم في المسجد الحرام وأعلم الناس بأنّ يزيد بن معاوية قد بعث جيشا ليستحلّ حرمة هذا البيت ومن عاذ به. وقال: «إنّما نحن وأنتم عائذون به». ثمّ ألصق بطنه بين الركن والباب وقال: «هذا مقام العائذ بك من الظلم! » فأجابه الناس إلى نصرته والقيام معه والذبّ عن حرم الله وأمّته، وشمّروا وتهيّئوا لعدوّهم في السلاح والخيل. وجعل عبد الله شعاره: «لا حكم إلّا لله! »، و [هو] لا يذكر الخلافة، وإنّما يسمّى العائذ.
ثمّ خرج بمن معه إلى لقاء الحصين. فبارز المنذر بن الزبير رجلا من أهل الشام وجعل يرتجز:
يأبى الحواريّون إلّا وردا ... من يقتل اليوم يزوّد حمدا
ويقول أيضا:
لم يبق إلّا حسبي وديني ... وصارم تلتذّه يميني
فما زال يقاتل حتى ضرب كلّ منهما صاحبه ضربة مات منها. ثمّ حمل أهل الشام على [١٤٥ ب] أصحاب ابن الزبير حملة انكشفوا منها، وعثرت بغلة ابن الزبير فقال: تعسا! ثمّ نزل وصاح بأصحابه فأقبل منهم المسوّر بن مخرمة (١*) ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في طائفة، فقاتلوا حتى قتلوا جميعا، وابن الزبير صابر لهم إلى الليل، فانصرفوا عنه. وهذا هو الحصر الأوّل.
وأقاموا على ابن الزبير يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفرا كلّه، حتى إذا مضت ثلاثة أيّام من ربيع الأوّل، قذفوا الكعبة بالمجانيق وحرقوها بالنار يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الأوّل فارتجزوا:
خطّارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد
[ضرب الكعبة بالمنجنيق]
وكان سبب حريق الكعبة أنّ ابن الزبير ضرب فسطاطه في المسجد من أجل أنّه نزل فيه ومعه أصحابه في خيام. وأقام النساء يسقين الجرحى ويداوينهم ويطعمن الجائع حتى كان الحصين [بن النمير] يقول: ما يزال يخرج علينا من ذلك الفسطاط أسد كأنّما يخرج من عرينه، فمن يكفينيه؟ فقال رجل من أهل الشام: «أنا». فلمّا جنّ الليل وضع شمعة في طرف رمحه ثمّ ضرب فرسه وطعن الفسطاط فالتهب نارا، والكعبة يومئذ مؤزرة في الطنافس، وعلى أعلاها الحبرة فأطارت
стр. 1618
الريح اللهب وألقته على الكعبة فاحترقت وما فيها من قرني الكبش الذي فدى الله به نبيّه إسماعيل ﵇ من الذبح حين أمر إبراهيم ﵇ بذلك.
[١٤٦ أ] وقيل: إنّ الكعبة احترقت من نار كان يوقدها أصحاب ابن الزبير حول الكعبة فأقبلت شرارة هبّت بها الريح فأحرقت ثياب الكعبة، واحترق خشب البيت.
وقتل في حروب ابن الزبير هذه غير واحد، منهم: المسوّر بن مخرمة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف.
[موت يزيد وانتصاب ابن الزبير خليفة]
وما زال ابن الزبير محصورا حتى قدم نعي يزيد بن معاوية (١) لهلال ربيع الآخر. فبلغه ذلك قبل أن يعلم به الحصين، وكان الحصار قد اشتدّ على ابن الزبير ومن معه. فأمر أن ينادى: «علام تقاتلون، وقد هلك طاغيتكم؟ » فلم يصدّق الحصين ذلك. فما هو إلّا أن أصبح [حتى] قدم الخبر بمهلك يزيد فانحلّ أمره. وبعث إلى ابن الزبير فقال: موعد ما بيننا الليلة الأبطح.
فالتقيا وتحادثا. فكان ممّا قال الحصين: أنت أحقّ بهذا الأمر. هلمّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإنّ هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم. فو الله لا يختلف عليك اثنان. ولنا عليك أن تؤمّن الناس، وتهدر الدماء التي كانت بيننا وبينك والدماء التي كانت بالحرّة.
فأبى ابن الزبير أن يهدر الدماء وقال: والله لا أرضى أن أقتل بكلّ رجل منهم عشرة!
وكان الحصين يكلّمه سرّا، وهو يجهر ويقول:
والله لا أفعل.
فقال له الحصين: قبّح الله من يعدّك بعد هذا داهيا أو أريبا! وقد كنت أظنّ أنّ لك رأيا: أنا أكلّمك سرّا وتكلّمني جهرا. وأنا أدعوك للخلافة وتعدني القتل والهلكة!
وتركه راحلا إلى الشام بمن معه. فندم ابن الزبير وأرسل إليه: أمّا المسير إلى الشام فلا أفعله. ولكن بايعني، ثمّ بايع لي أنت ومن معك هناك، فإنّي مؤمّنكم وعادل فيكم.
فردّ عليه: إن لم تقدم بنفسك لا يمشي الأمر.
ومضى لوجهه. فدعا عند ذلك ابن الزبير إلى نفسه فبايعه من معه بمكّة ودعوه بأمير المؤمنين في جمادى الأولى سنة أربع وستّين. وترك الشعار الذي كان عليه وهو: لا حكم إلّا الله. وبعث أخاه عبيد الله بن الزبير إلى المدينة فاستولى عليها، وأخرج منها مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وسائر بني أميّة فمضوا إلى الشام.
وبعث ابن الزبير عبد الرحمن بن عتبة بن جحدم إلى مصر أميرا عليها فبايعه أهلها.
وقام بالبصرة سلمة بن ذؤيب الحنظليّ في السوق وبيده لواء وقال: أيّها الناس، هلمّوا إليّ! إنّي أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد: أدعوكم إلى العائذ بالحرم- يعني عبد الله بن الزبير.
فاجتمع إليه ناس وبايعوه. فبلغ ذلك عبيد الله بن زياد وهو يومئذ [١٤٦ ب] أمير البصرة والكوفة، وقد ضعف سلطانه عندهم وانتقض أمره. واختفى حتّى فرّ إلى الشام، وذلك في جمادى الأولى.
فبعث ابن الزبير إلى البصرة عمر بن عبيد الله، ثمّ صرفه بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الملقّب «قباع» (١*).
стр. 1619
وثار أهل الكوفة أيضا بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد عليهم، وأقاموا عمر بن سعد وكتبوا لابن الزبير ببيعتهم فأقرّه. ثمّ بعث إليهم عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاريّ على الصلاة، وإبراهيم بن محمّد بن طلحة على الخراج. واستعمل محمد بن الأشعث بن قيس على الموصل.
فاجتمع له أهل الكوفة وأهل البصرة ومن بالقبلة من العرب وأهل الجزيرة وأهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر وأهل الشام، إلّا أهل الأردنّ. فإنّ حسان بن مالك بن بجدل الكلبيّ قام بالأردنّ يدعو إلى بني أميّة. فاجتمع الحصين بن نمير، وعبيد الله بن زياد، وروح بن زنباع [الجذامي]، وحسّان بن بجدل، وبايعوا مروان بن الحكم بالجابية لثلاث خلون من ذي القعدة [سنة أربع وستّين].
وأوقع [مروان] بالضحّاك بن قيس، واستولى على دمشق وحمص وقنّسرين. وسار إلى مصر في سنة خمس وستّين وقاتل ابن جحدم وأخرجه منها، وبايعه أهلها.
وبعث جيش بن دلجة على جيش لقتال ابن الزبير. وعاد إلى الشام فمات في رمضان منها، وبويع بعده ابنه عبد الملك بن مروان.
[القطيعة مع الخوارج]
ولمّا دعا ابن الزبير إلى نفسه اجتمع الخوارج الذين معه وقالوا: إنّ الذي صنعنا أمس لغير رأي:
قاتلنا مع رجل لا ندري، لعلّه ليس على مثل رأينا، وكان أمس يقاتلنا هو وأبوه وينادي: يا لثارات عثمان! فأتوه فاسألوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليّكم. وإن أبى كان عدوّكم.
فأتوه فسألوه. فنظر فإذا أصحابه حوله قليل.
فقال: إنّكم أتيتموني حين أردت القيام. ولكن روحوا العشيّة حتى أعلمكم!
فانصرفوا. وبعث إلى أصحابه فجمعهم حوله بالسلاح. وجاء الخوارج وأصحابه حوله، وعلى رأسه قوم منهم بأيديهم العمد. فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: إنّ الرجل قد أزمع خلافكم.
وتقدّم إليه القوم. فقال له عبيدة بن هلال، بعد حمد الله: أمّا بعد، فإنّ الله بعث محمّدا ﷺ يدعو إلى عبادته وإخلاص الدين له، فدعا إلى ذلك فأجابه المسلمون، فعمل فيهم بكتاب الله حتى قبضه الله. واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، وكلاهما عمل بالكتاب والسنّة. ثم إنّ الناس استخلفوا عثمان فحمى الأحماء، وآثر القربى، ورفع [١٤٧ أ] الدرّة، ووضع السوط، ومزّق الكتاب، وضرب منكري الجور، وآوى طريد رسول الله وطرد السابقين بالفضل وحرمهم، وأخذ فيء الله الذي أفاءه عليهم فقسمه في فسّاق قريش ومجّان العرب، فسارت إليه طائفة فقتلوه.
فنحن أولياؤهم، ومن ابن عفّان وأوليائه برءاء.
فما تقول أنت، يا ابن الزبير؟
فحمد الله ثمّ قال: قد فهمت الذي ذكرتم به النبيّ ﷺ . فهو فوق ما ذكرت وفوق ما وصفت، وفهمت الذي ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفّقت وأصبت. وفهمت الذي ذكرت به عثمان. وإنّي لا
стр. 1620
أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفّان وأمره منّي: كنت معه حيث نقم عليه من نقم.
واستعتبوه فلم يدع شيئا إلّا أعتبهم. ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنّه كتبه يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: «ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بيّنتكم، فإن لم تكن بيّنة حلفت لكم». فو الله ما جاءوه ببيّنة ولا استحلفوه ووثبوا عليه فقتلوه. وقد سمعت ما عبته به: فليس كذلك، بل هو لكلّ خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضرني أنّي وليّ لابن عفّان وعدوّ أعدائه.
فقال الخوارج حينئذ: فبرئ الله منك!
قال: بل برئ الله منكم!
وتفرّقوا: فمضى نافع بن الأزرق، وعبد الله بن صفار السعديّ، وعبد الله بن أباض، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز إلى البصرة. ومضى أبو طالوت، وأبو فديك عبد الله بن ثور، وعطيّة بن الأسود اليشكريّ إلى اليمامة. ثمّ لحق نجدة بن عامر بهم.
[إعادة بناء الكعبة]
وأخذ ابن الزبير في بنيان الكعبة، وأمر بهدمها فإنّها كانت قد هدمت من الحريق. فأبى الناس وخافوا إن هدموها أن ينزل عليهم العذاب وخرجوا إلى منى فأقاموا بها ثلاثا في انتظار العذاب، وقد ارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة بنفسه وهدم. فلمّا لم يصبه شيء عاد من خرج إلى منى. ولم يزل الهدم حتى كشف عن ربض آخذ بعضه ببعض فتركه ابن الزبير مكشوفا ثلاثة أيّام ليراه الناس. وأدخل على خالته عائشة ﵂ سبعين رجلا من خيار قريش فأخبرتهم أنّ رسول الله ﷺ قال لها: «لولا حداثة عهد قومك بالشرك لبنيت البيت على قواعدإبراهيم». ثمّ بناه على ذلك الربض ونصب الستر، وكان الناس يطوفون من وراء الستر. وجعل لها بابين [١٤٧ ب] لا صقين بالأرض، وزاد فيما يلي الحجر ستّة أذرع. وزاد في طول البيت تسعة أذرع، وقيل:
عشرة أذرع. وأقام في داخل البيت ثلاث دعائم في صفّ، وكانت قبل ذلك ستّا في صفّين. وجعل درجة إلى السطح في الركن الشاميّ. وجعل ميزابا في السّطح، وعمل روازن (١*) للضوء. وكان الحجر الأسود عنده، فلمّا تمّ البناء وضعه بيده.
ويقال إنّه هدم الكعبة بعد ما حجّ بالناس سنة أربع وستّين. وقيل: هدمها للنصف من جمادى الآخرة منها. وقيل: تمّ بناؤها في سنة خمس وستّين، وهو الأظهر.
وفي سنة خمس وستّين عزل أخاه عبيد الله عن المدينة من أجل أنّه خطب الناس فقال: «قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم»، فسمّي «مقوّم الناقة». وولّى عوضه أخاه مصعب بن الزبير.
[ثورة المختار الثقفيّ]
وفي ربيع الأول سنة ستّ وسبعين وثب المختار بن أبي عبيد (٢*) بالكوفة وأخرج منها عبد الله بن مطيع عامل ابن الزبير وادّعي أنّ أبا هاشم محمد بن علي المعروف بابن الحنفيّة (٣*)
стр. 1621
بعثه لأخذ ثأر الحسين ﵇. فلمّا استجمع له أمر الكوفة أخذ يخادع ابن الزبير، وكتب إليه:
«قد عرفت مناصحتي إيّاك وجهدي على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إن أنا فعلت ذلك.
فلمّا وفيت لك لم تف بما عاهدتني عليه. فإن ترد مراجعتي ومناصحتي فعلت، والسلام». وقصد بذلك أن يكفّ ابن الزبير عنه ليتمّ أمره. فأراد ابن الزبير أن يختبر طاعته له فبعث عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ أميرا على الكوفة وجهّزه بثلاثين ألف درهم. فلمّا بلغ المختار مسيره عمل عليه حتّى صدّه عن الكوفة.
فمضى إلى البصرة واجتمع بابن مطيع. وكتب المختار إلى ابن الزبير: «إنّي اتّخذت الكوفة دارا، فإن سوّغتني ذلك وأمرت لي بمائة ألف درهم سرت إلى الشام فكفيتك أمر ابن مروان». فقال ابن الزبير: «إلى متى أماكر كذّاب ثقيف ويماكرني؟ » وأنشد [الطويل]:
ولا أمتري عبد الهوان ببدرتي ... [وإنّي لآتي الحتف ما دمت أسمع]
وكتب إليه: لا والله ولا درهما!
ثمّ إنّ عبد الملك بن مروان بعث بعثا إلى وادي القرى، فكتب المختار إلى ابن الزبير، وقد وادعه ابن الزبير ليكفّ عنه حتّى يتفرّغ لأهل الشام:
بلغني أنّ ابن مروان قد بعث إليك جيشا، فإن أحببت أمددتك بمدد.
فكتب إليه: إن كنت على طاعتي فبايع لي الناس قبلك وعجّل بإنفاذ الجيش ومرهم [١٤٨ أ] فليسيروا إلى من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام.
فسيّر المختار ثلاثة آلاف، عليهم شرحبيل بن ورس، وأمره أن يدخل المدينة ويكتب إليه ليأتيه أمره- وفي عزمه أنّ ابن ورس إذا أخذ المدينة أن يبعث إليه لمحاصرة ابن الزبير بمكّة.
وخشي ابن الزبير مكيدة المختار فبعث ألفين، عليهم عبّاس بن سهل بن سعد وأمره أن يستنفر العرب. وقال له: إن رأيت القوم على طاعتي، وإلّا فكايدهم حتّى تهلكهم.
فلقي عبّاس شرحبيل بن ورس بالرقيم، وقد عبّأ ابن ورس من معه، فجرت أمور آخرها قتل ابن ورس وأكثر من معه. فكتب المختار إلى ابن الحنفيّة يعلمه أنّه بعث إليه جيشا ليذلّوا له الأعداء فقتلهم أصحاب ابن الزبير، واستأذنه في بعث جيش إلى المدينة. فأجابه أنّه لا يريد القتال.
ثمّ إنّ ابن الزبير دعا ابن الحنفيّة ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة، منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة ليبايعوه، فامتنعوا وقالوا: لا نابيع حتى تجتمع الأمّة (١*).
فأكثر عند ذلك ابن الزبير الوقيعة في ابن الحنفيّة وذمّه، وقد خافه أن تتداعى الناس إلى الرضى به. فألحّ عليه وعلى أصحابه في البيعة ثم حبسهم بزمزم وتوعّدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهدا إن لم يبايعوه أن ينفّذ فيهم ما توعّدهم به، وضرب لهم في ذلك أجلا.
فكتب ابن الحنفيّة إلى المختار يطلب منه النجدة. فبعث إليه سبعين راكبا عليهم أبو عبد الله الجدلي وأردفه بأربعمائة ثم بمائة ثم بأربعين.
فدخلوا مكّة مع أبي عبد الله وهم ينادون: «يا لثارات الحسين! »، وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السيوف في الحرم، وقد بقي من الأجل يومان. فكسروا باب زمزم وأخرجوا ابن الحنفيّة، فمنعهم من القتال في الحرم. فقال ابن الزبير:
стр. 1622
واعجبا لهذه الخشبيّة ينعون حسينا كأنّي أنا قتلته! والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم!
ثم قال لأبي عبد الله: أتحسبون أنّي أخلّي سبيلهم دون أن يبايع محمد وتبايعوا؟
فقال: أي وربّ الركن والمقام، لتخلّينّ سبيله أو لنجالدنّك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون!
فكفّه ابن الحنفية وحذّره الفتنة، وخرج ومن معه إلى شعب عليّ، وهم يسبّون ابن الزبير.
فاجتمع عند ابن الحنفيّة أربعة آلاف رجل وعزّوا وامتنعوا.
فلمّا قتل المختار تضعضعوا، فبعث ابن الزبير لابن الحنفية [١٤٨ ب]: ادخل في بيعتي وإلّا نابذتك!
فسار يريد الشام حتى بلغ أيلة، ثم عاد إلى مكّة ونزل شعب أبي طالب. فأرسل إليه ابن الزبير أن يرحل عنه وألحّ عليه في ذلك، فقال: اللهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذلّ والخوف، وسلّط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذي يسوم الناس!
وسار إلى الطائف. فدخل عبد الله بن عبّاس على ابن الزبير وأغلظ له، وخرج إلى الطائف أيضا من غير أن يبايعه، فأقام به حتى مات.
وفي سنة ستّ [وستّين] استولى عبيد الله بن زياد على الموصل وقطع منها دعوة ابن الزبير.
[مقتل مصعب بن الزبير بالعراق]
وفيها استعمل ابن الزبير أخاه مصعب بن الزبير على البصرة فقاتل المختار وقتله، واستولى على الجبال والسواد، وأعاد دعوة أخيه عبد الله بن الزبير بالكوفة والبصرة والموصل والجزيرة وأرمينية وأذربيجان.
وفيها ولّى ابن الزبير ولده حمزة العراق عوضا عن مصعب ليباهي به بني مروان، فظهر منه اختلاط وحمق فعزله وأعاد مصعبا. فلمّا قدم عليه حمزة قال: أين المال؟
قال: وفد عليّ قومي فوصلتهم به.
قال: مال هو لك أو لأبيك؟
وأخذه وقيّده وحبسه في سجن عارم بمكّة.
ولم يزل عبد الله بن الزبير يقيم بالناس الحجّ إلى أن كانت سنة ثمان وستّين [ف] وافى عرفات أربعة ألوية:
لواء عبد الله بن الزبير وأصحابه،
ولواء محمد بن الحنفيّة وأصحابه،
ولواء لبني أميّة،
ولواء لنجدة بن عامر بن عبد الله بن سيّار مع مفرح الحنفي أحد الخوارج من الحروريّة. فلم تجر بينهم حرب ولا فتنة.
فلمّا قتل عبد الملك بن مروان مصعب بن الزبير في جمادى الأخرى سنة إحدى وسبعين غلب على العراق كلّه ودعا لنفسه. فلمّا بلغ عبد الله بن الزبير ذلك قام في الناس خطيبا فقال:
الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء. ألا وإنّه لم يذلل الله من كان الحقّ معه ولو كان فردا، ولم يعزز الله من [كان] الشيطان وليّه ولو كان الأنام كلّهم معه. ألا وإنّه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا: أتانا قتل مصعب رحمة الله عليه (١*). فأمّا الذي أحزننا فإنّ لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعدها ذو الرأي إلى جميل الصبر وكرم العزاء. وأمّا الذي أفرحنا فإنّ قتله كان له شهادة،
стр. 1623
فإنّ الله جعل ذلك لنا وله خبرة. ألا وإنّ أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقلّ الثمن. فإن نقتل فإنّا والله ما نموت حبجا (١) كما يموت بنو أبي العاصي. والله ما قتل رجل منهم في الجاهليّة ولا في الإسلام. وما نموت إلّا قتلا بالرماح وتحت ظلال السيوف. ألا إنّما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ [١٤٩ أ] الأشر البطر. وإن تدبر لم أبك عليها بكاء الضرع المهتر (٢). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[تولّي الحجّاج قتال ابن الزبير]
ثم إنّ عبد الملك بن مروان بعث الحجّاج بن يوسف لقتال عبد الله في ألفين من أهل الشام- وقيل في ثلاثة آلاف- في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين. فنزل الطائف وبعث خيله إلى عرفة فقاتلت خيل عبد الله وهزمتهم مرارا. فقدم طارق بن عمرو مولى عثمان مددا للحجّاج في خمسة آلاف، وقد نزل الحجّاج بئر ميمون في ذي الحجّة. فنصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى ابن الزبير. وحجّ بالناس فلم يحجّ ابن الزبير ولا أصحابه من أجل أنّه لم يتمكّن من الوقوف بعرفة
ولا من الرمي بالجمار، بل نحر بدنة بمكّة.
وكانت الحجارة تقع بين يدي عبد الله وهو يصلّي فلا ينصرف.
قال هشام بن عروة [عن أبيه]: رأيت الحجر من المنجنيق يهوي حتى أقول: لقد كاد يأخذ لحية عبد الله بن الزبير [فقلت له: ] أي ابن أمّ، والله إن كان ليأخذ لحيتك!
فقال: دعني يا ابن أمّ، فو الله ما هي إلّا هنة حتّى كأنّ الإنسان لم يكن.
(قال أبي: ) ألا إنّي والله ما أخاف عليك إلّا من تلك الهنة!
وعن هشام بن عروة قال: رأيت ابن الزبير يرمى بالمنجنيق فلا يلتفت ولا يرعد صوته (قال) وربّما مرّت شظيّة منه قريبا من نحره.
وعن ابن أبي مليكة أنّه قال: والله ما رأيت أحدا أشدّ جلدا على لحم ولا لحما على عظم من ابن الزبير. وما رأيت أحدا أثبت قائما ولا أحسن مصلّيا من ابن الزبير. ولقد رأيت حجرا من المنجنيق جاء فأصاب شرافة من المسجد، فمرّت قذاذة منه بين لحيته وحلقه، فما زال من مقامه ولا غيّر [ ... ] ذلك في صوته.
وفي رواية: لقد قام يوما إلى الصلاة فمرّ حجر من حجارة المنجنيق بلبنة مطبوخة من شرفات المسجد، فمرّت بين لحيته وصدره، فو الله ما خشعلها بصره، ولا قطع لها قراءته ولا ركع دون الركوع الذي كان يركع. إنّ ابن الزبير كان إذا دخل في الصلاة خرج من كلّ شيء إليها. ولقد كان يركع فيكاد يقع الرّخم على ظهره، ويسجد فكأنّه ثوب مطروح.
وكان أهل الشام يقولون [الرجز]:
стр. 1624
يا ابن الزبير طالما عصيكا ... وطالما عنّيتنا إليكا
لتجزينّ بالذي أتيكا (١)
وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا: قدمنا لنقاتل معك.- فنظر فإذا مع كلّ امرئ منهم سيف كأنّه شفرة، وقد خرج من غمده. فقال: «يا معشر الأعراب، لاقرّبكم الله! والله إنّ سلاحكم لرثّ، وإنّ حديثكم لغثّ، وإنّكم لعيال في الحرب، أعداء في الخصب». فتفرّقوا عنه.
ولم يزل القتال بينهم دائما، فغلت الأسعار عند ابن الزبير وأصاب الناس مجاعة شديدة حتّى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمه بين أصحابه. وبيعت دجاجة بعشرة دراهم، والمنّ الذرة بعشرين درهما. ومع هذا كانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا. وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده فكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق، ويقول: نفوس أصحابي قويّة ما لم يفن هذا.
فلمّا كان قبيل مقتله تفرّق الناس عنه وخرجوا إلى الحجّاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف، منهم ابنه حمزة، وابنه خبيب، أخذا لأنفسهما أمانا. فقال عبد الله لابنه الزبير: يا بنيّ، خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك. فو الله إنّي لأحبّ بقاءكم.
فقال: ما كنت لأرغّب نفسي عنك.
فصبر مع أبيه إلى أن قتل بين يديه.
[تثبيت أسماء بنت أبي بكر لابنها]
وقوي الحجّاج وانتشر أصحابه من الحجون إلى أبواب المسجد. فدخل عبد الله على أمّه أسماء
بنت أبي بكر الصدّيق ﵁، وهي بنت مائة سنة فقال: يا أمّاه، قد خذلني الناس، حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلّا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة. والقوم يعطونني ما [١٤٩ ب] أردت من الدنيا، فما رأيك؟
قالت: أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنّك على حقّ وأنّك تدعو إليه فامض له، فقد قتل عليه أصحابك. فلا تمكّن من رقبتك تتلعّب بها غلمان بني أميّة. وإن كنت إنّما أردت الدنيا فبئس العبد أنت! أهلكت نفسك ومن قتل معك. وإن قلت:
كنت على الحقّ، فلمّا وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن!
فقال: يا أمّاه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثّلوا بي ويصلبوني.
قالت: يا بنيّ، إنّ الشاة لا تتألّم بالسلخ بعد الذبح. فامض على بصيرتك، فإنّك على الحق.
واستعن بالله.
فقبّل رأسها وقال: هذا رأيي، والذي خرجت به داعيا إلى يومي هذا ما ركنت ولا أحببت الحياة فيها. وما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله وأنتستحلّ حرماته. ولكنّي أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة. فانظري يا أمّاه فإنّي مقتول في يومي هذا، فلا يشتدّ حزنك وسلّمي لأمر الله فإنّ ابنك لم يتعمّد إتيان منكر ولا عمل بفاحشة، ولم يجر في حكمه، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمّد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمّالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضى ربّي. اللهمّ إنّي لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن أقول تعزية لأمّي حتّى تسلو عنّي.
فقالت: إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيك
стр. 1625
جميلا، إن تقدّمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك. اخرج حتى انظر إلى ما يصير أمرك.
فقال: جزاك الله خيرا! فلا تدعي الدعاء لي!
فقالت: لا أدع الدعاء لك أبدا. فمن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ.
ثم قالت: اللهمّ احم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكّة والمدينة، وبرّه بأبيه وبي، اللهمّ قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين.
فتناول يدها ليقبّلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد.
فقال لها: جئت مودّعا لأنّي أرى هذا آخر أيّامي من الدنيا.
قالت: امض على بصيرتك وادن منّي حتى أودّعك.
فدنا منها فعانقها وقبّلها فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد.
فقال: ما لبسته إلّا لأشدّ منك.
قالت: فإنّه لا يشدّ منّي. (١)
فنزع درعه ثم درج كمّيه وشدّ أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل وأدخل أسفلها تحت المنطقة، وأمّه تقول: البس ثيابك مشمّرة!
فخرج وهو يقول [الرجز]:
إنّي إذا أعرف يومي أصبر ... وإنّما يعرف يومه الحرّ
إذ بعضهم يعرف ثمّ ينكر
فقالت: [تصبر إن شاء الله! أبواك أبو بكر
والزبير، وأمّك صفيّة بنت عبد المطّلب.
فحمل على أهل الشام حملة منكرة، وقاتلهم قتالا شديدا، فتعاوروا عليه فقتلوه يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة، وله ثلاث وسبعون سنة] (١*).
[نجابة ابن الزبير منذ صباه]
... [١٥٠ أ] وقيل: أوّل ما علم من همّة ابن الزبير أنّه كان ذات يوم يلعب مع الصبيان، وهو صبيّ، فمرّ بهم رجل فصاح ففرّوا، ومشى ابن الزبير القهقهرى وقال: «يا صبيان اجعلوني أميركم وشدّوا بنا عليه» ففعلوا.
ومرّ به عمر بن الخطّاب وهو يلعب، ففرّ الصبيان ووقف هو. فقال له عمر: ما لك لم تفرّ مع أصحابك؟
قال: لم أجرم فأخاف، ولم تكن الطريق ضيّفة فأوسع لك.
وروي عن الشعبيّ أنّه قال: لقد رأيت عجبا:
كنّا بفناء الكعبة، أنا، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومصعب بن الزبير، وعبد الملك بن مروان. فقال القوم بعد أن فرغوا من حديثهم: ليقم رجل رجل فليأخذ بالركن اليمانيّ فليسأل الله تعالى حاجته فإنّه يعطى من سعة. قم يا عبد الله بن الزبير فإنّك أوّل مولود ولد في الهجرة.
فقام فأخذ بالركن اليمانيّ ثم قال: اللهمّ إنّك عظيم ترجى لكلّ عظيم: أسألك بحرمة وجهك وحرمة غرسك وحرمة بيتك أن لا تميتني حتّى تولّينيالحجاز ويسلّم عليّ بالخلافة.
وجاء حتّى جلس. فقالوا: «قم يا مصعب بن الزبير». فقام حتى أخذ بالركن اليمانيّ فقال:
«اللهمّ، إنّك ربّ كل شيء، وإليك كلّ شيء أسألك بقدرتك على كلّ شيء أن لا تميتني حتى
стр. 1626
تولّيني العراق وتزوّجني سكينة بنت الحسين».
وجاء حتى جلس.
فقالوا: قم يا عبد الملك بن مروان.
فقام فأخذ بالركن اليمانيّ فقال: اللهمّ، ربّ السموات السبع وربّ الأرض ذات النبت بعد القفر، أسألك ما سألك عبادك المطيعون لأمرك، وأسألك بحرمة وجهك، وأسألك بحقّك على جميع خلقك، وبحقّ الطائفين حول بيتك أن لا تميتني حتى تولّيني شرق الأرض وغربها، ولا ينازعني أحد إلّا أتيت برأسه!
ثم جاء حتى جلس. فقالوا: قم يا عبد الله بن عمر.
فقام حتى أخذ بالركن اليمانيّ ثم قال: اللهمّ يا رحمان يا رحيم، أسألك برحمتك التي سبقت غضبك، وأسألك بقدرتك على جميع خلقك ألّا تميتني حتّى توجب لي الجنّة.
قال الشعبيّ: فما ذهبت عيناني حتّى رأيت كلّ رجل منهم قد أعطي [١٥٠ ب] ما سأل، وبشّر عبد الله بن عمر بالجنّة.
[نموذج من بخل عبد الله بن الزبير]
وكانت بين الزبير بن العوّام وبين عبد الله بن جعفر ضيعة بالقرب من المدينة. فلمّا قتل الزبير (١) سأل عبد الله بن الزبير ابن جعفر أن يقاسمه فأجابه إلى ذلك، ووعده البكور معه إليها.
ومضى ابن الزبير إلى الحسن والحسين وعبيد الله بن العبّاس وإلى جماعة من أبناء المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، فسألهم أن يحضروا ما بينه وبين ابن جعفر، فأجابوه وغدوا لميعاده.
ووافاهم ابن جعفر.
وجاء ابن الزبير معه بجزور ودقيقة وقال لوكيله: اذبح الجزور ناحية واستر أمرها ولا تحدثنّ فيها حدثا حتى آمرك، فإنّي لا آمن انتقاض الأمر بيني وبين ابن جعفر.
ثمّ سأل القوم أن يسألوا عبد الله بن جعفر أخذ الغامر من الضيعة وتسليم العامر له، فكلّموه فأجابهم إلى ذلك. وجاع القوم حتى تشاكوا الجوع، فقال الحسن بن عليّ ﵁: لو كانت البراذين تؤكل أطعمتكم برذوني!
وقال الحسين ﵁: لو كانت البغال تؤكل أطعمتكم بغلتي!
فقال عبيد الله بن العبّاس ﵁: لكن البخاتيّ تؤكل، وكان تحته بختيّة قد ريضت فأنجبت.
فنهض إليها فكشط عنها رحلها وأخذ سيفه فوجأ به لبّتها. ونهض الناس إليها بكسر المرو (١*) والسكاكين وغير ذلك فسلخوها وأخذوا لحمها وأوقدوا سعف النخل. وبعث عبيد الله فأتوا بقدور وخبز كثير فشووا وطبخوا. فلم يشعر ابن الزبير إلّا بريح القتار وبالدخان، فظنّ أنّ وكيله نحر جزوره فجعل يشتمه ويعذله. فقال له: يرحمك الله، إنّ جزورك على حالها. ولكنّ عبيد الله بن عبّاس أطعمهم بختيّته.
فأكل القوم وانصرفوا، وأتى عبيد الله بدابّة فركبها وانصرف.
وقال ابن قتيبة: [١٥١ أ] بات ابن الزبير بالقفر- يعني منصرفه من إفريقيّة إلى المدينة- فلمّا قام ليرحل وجد رجلا طوله شبران عظيم اللحية على
стр. 1627
الوليّة (١) فنفضها فوجده على القطع (٢) فنفضه فوجده بين السرجين، فأخذ السوط وقال: من أنت؟
فقال: أنا إزب (٣).
قال: وما إزب؟
قال: رجل من الجنّ.
قال: افتح فاك.
ففعل. فقال: أهكذا خلوقكم؟ لقد شوّهها الله.
ثمّ قلب السوط فوضعه في رأس إزب حتى باص (٤) - يعني سبقه وتقدّمه.
١٤٨٢ - عبد الله بن الزّبير الأسديّ الشاعر [- ٧٥] (٥)
[١٥١ ب] عبد الله بن الزّبير (٦) - بفتح الزاي وكسر الباء الموحّدة- الأشيم بن الأعشى (٧) بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعيزة (٨) بن الحرث بن ثعلبة بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، أبو كثير، ويقال: أبو سعد، الأسديّ.
شاعر معروف من أهل الكوفة.
قدم دمشق وامتدح معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد بن معاوية، وابن ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية.
ودخل مصر ومدح عبد العزيز بن مروان بأشعار كثيرة.
وله أخبار مع عبد الله بن الزبير بن العوّام.
وله أخبار مع الحجّاج بن يوسف، وله شعر كثير في بني أميّة.
قال المرزباني: هو كوفيّ حجّة، وكان من شعراء بني أسد ونبلائهم، وقال الشعر في أيّام عثمان بن عفّان ﵁، وهو القائل لمّا قتل عبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة [الطويل] (١*):
[ف] إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هاني في السوق وابن عقيل (٢*)
تري جسدا قد هدم السيف وجهه ... ونضح دم قد سال كلّ مسيل
ولمّا دخل الحجّاج الكوفة وخطب بها خطبته المشهورة وقتل عمير بن ضابئ البرجمي ونفذ بعث المهلّب، كان ابن الزّبير فيهم فخرج على وجهه وقال [الطويل]:
أقول لعبد الله لمّا لقيته ... أرى الأمر أمسى منصبا متشعّبا (٣*)
تجهّز فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا، وإمّا أن تزور المهلّبا
стр. 1628
فما إن أرى الحجّاج يغمد سيفه ... مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثّلج أشهبا (١)
فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
وهو الذي أتى عبد الله بن الزبير بن العوّام مستحملا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك!
فقال له ابن الزبير: إنّ (٢) وراكبها!
ودخل على مصعب بن الزبير بالعراق، فقال له مصعب: أنت الذي تقول [الطويل]:
إلى رجب أو غرّة الشهر بعده ... توافيكم بيض المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينها ... مسوّمة جبريل فيها يقودها (٣)
ففزع ابن الزّبير، ثم قال: نعم، أمتع الله بك.
فعفا عنه وأعظم جائزته، فخرج من عنده وهو يقول [الطويل] (٤):
جزى الله عنّا مصعبا إنّ فضله ... يعيش به الجاني ومن ليس جانيا [١٥٢ أ]
ويعفو عن الذنب العظيم اجترامه ... ويوليك من إحسان ما لست ناسيا
وكفّ بصر عبد الله بن الزبير بعد ذلك فسمع كلام عبيد الله بن ظبيان بعد قتل مصعب بن الزبير فسأل عنه قائده فقال: هذا قاتل مصعب بن الزبير فقال: أدركه بي! » (١*)
فلمّا لحقه قال له [الطويل]:
أبا مطر شلّت يمين تفرّعت ... بسيفك رأس ابن الحواريّ مصعب
قتلت فتى كانت يداه بفضله ... تسحّان سحّ العارض المتصوّب
أغرّ كضوء البدر صورة وجهه ... إذا ما بدا في الجحفل المتكثب
فقال: نعم. والله ما أفلحنا بعده ولا أنجحنا.
فهل من توبة؟
فقال له ابن الزّبير: سبق السيف العذل!
وله في عبد العزيز بن مروان، من أبيات- وتروى لعبد الله بن همّام السلوليّ [المتقارب] (٢*):
ولا يستحي الناس أن يعدلوا ... بعبد العزيز بن يعلى أميرا
وكان عبد العزيز إذا أمطرت السماء بمصر نثر على أصحابه الدنانير والدراهم إلى أن تكفّ السماء فقال عبد الله بن الزّبير، وحضر ذلك [المتقارب] (٣*):
لقد هطلت كفّ عبد العزيز ... لجينا وتبرا على مجتديه [١٥٢ ب]
بجود ابن ليلى تنال المنى ... ويحظى المرجّي بما يرتجيه
وله [الطويل] (٤*):
إذا ركبوا الأعواد [قالوا] فأحسنوا ... ولكنّ حسن القول خالفه الفعل
стр. 1629
ويروى أنّ الحجّاج بعث عبد الله بن الزّبير إلى الريّ فمات بها في خلافة عبد الملك بن مروان.
١٤٨٣ - الحميديّ محدّث مكّة [- ٢١٩] (١)
عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، الحميديّ، المكّي، محدّث مكّة وفقيهها، أحد أئمّة الإسلام.
جالس سفيان بن عيينة تسع عشرة سنة وحمل عنه سائر ما عنده، وعن مسلم بن خالد الزنجيّ، وعبد العزيز العمي، وعبد العزيز الداروردي، والوليد بن مسلم، وإبراهيم بن سعيد، والفضل ابن عياض، ووكيع وخلق.
وتفقّه بالشافعيّ، وقدم معه مصر.
وروى عنه البخاري في صحيحه، وأحمد بن الأزهر، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن يحيى الذهليّ، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأبو زرعة وأبو حاتم، الرازيّان، وخلق.
قال أحمد بن حنبل: الحميدي عندنا إمام.
وقال أبو حاتم: أثبت الناس في ابن عيينة الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام.
وقال يعقوب الفسوي: ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه.
وقال الربيع: سمعت الشافعيّ يقول: ما رأيت صاحب تعلّم أحفظ من الحميديّ: كان يحفظ لابن عيينة عشرة آلاف حديث.
وقال إسحاق بن راهويه: الأئمّة في زماننا الشافعيّ والحميديّ وأبو عبيد.
وقال عليّ بن خلف: سمعت الحميديّ يقول:
ما دمت بالحجاز وأحمد بالعراق، وإسحاق
بخراسان، لا يغلبنا أحد.
وقال الحاكم أبو عبد الله: الحميدي مفتي أهل مكّة ومحدّثهم وهو لأهل الحجاز في السنّة كأحمد بن حنبل للعراق.
وقال محمد بن إسماعيل البخاريّ: الحميدي إمام في الحديث.
توفّي في شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة ومائتين بمكّة.
١٤٨٤ - ابن زرير الغافقيّ [- ٨٠] (١*)
[١٥٤ أ] عبد الله بن زرير، الغافقيّ، مصريّ يروي عن عليّ وابن عمر ﵄، ويروي عن جماعة.
وعنه، من أهل مصر: مرثد بن عبد الله [أبو الخير] اليزنيّ، وعبد الله بن هبيرة، والحرث بن يزيد، وأبو أفلح الهمدانيّ، وبكر بن سوادة، وكعب بن علقمة، وعيّاش بن عبّاس وجماعة.
وقال ابن سعد: ثقة له أحاديث.
وقال ابن يونس: كان من شيعة عليّ ﵁ والوافدين إليه من أهل مصر.
توفّي سنة ثمانين. وقال ابن سعد: توفّي سنة إحدى وثمانين.
وقال أبو عمر الكندي: كان من أصحاب عليّ وممّن وفد عليه من مصر وقاتل معه. وكان في مائتين من العطاء، وأنّ مروان لمّا دخل مصر دعاه إلى بيعته فبايعه، ودعاه إلى البراءة من عليّ فلم يقبل منه وقال: إنّي سمعت عليّا ﵇ يقول: إنّكم ستعرضون على سبّي فسبّوني، وستعرضون على البراءة منّي فلا تبرءوا منّي، فإنّي
стр. 1630
على الإسلام.
فجاءه عبد العزيز بن مروان عند خروج مروان وردّه إلى أربعين. وفي رواية، قال له عبد العزيز، وهو أمير مصر: «سبّ عليّا! » فسبّه. فقال: «تبرّأ منه! » فقال: معاذ الله! إنّ عليّا ﵇ قال:
إنّكم ستعرضون على سبّي فسبّوني. أمّا البراءة فلا تبرءوا منّي.
قال عبد العزيز: إذن أمحوك من عطائك!
قال: افعل ما شئت.
فصيّر عطاءه أربعين.
وروي أنّ عبد الملك بن مروان قال له: ما حملك على حبّ أبي تراب إلّا أنّك أعرابيّ جافّ!
فقال له: والله لقد قرأت القرآن قبل أن يجتمع أبواك.
وزرير بضمّ الزاي، وفتح الراء.
وقد خرّج لعبد الله بن زرير هذا أبو داود والنسائيّ وابن ماجة.
١٤٨٥ - قاضي القضاة شرف الدين ابن سرور [٦٤٦ - ٧٣٢] (١)
[١٥٥ أ] عبد الله بن حسن بن عبد الله بن عبد الغنيّ بن عبد الواحد بن [عليّ ابن] سرور، قاضي القضاة، شرف الدين، أبو محمد، ابن الشرف أبيمحمد، ابن الحافظ جمال الدين أبي محمد، ابن الحافظ الكبير تقيّ الدين أبي [ ... ] الدمشقيّ، الصالحيّ، الحنبليّ.
ولد في شهر رمضان سنة ستّ وأربعين وستّمائة. وسمع الكثير من مشايخ وقته. وقرأ بنفسه في الشام ومصر، فسمع حضورا سنة ثمان
وأربعين. وحدّث عن مكّي بن علّان وجماعة.
وقرأ على ابن عبد الدائم وغيره. وبرع في فقه أحمد. وأفتى ودرّس.
وناب في الحكم مدّة، ثمّ استقلّ بقضاء الحنابلة في دمشق بعد عزّ الدين [ ... ] المقدسيّ، فلم يغيّر زيّه ولا حضر الموكب السلطانيّ ولا اتّخذ بغلة، بل كان يركب حمارا.
فحكم بمدينة دمشق على عادته إلى العصر.
وطلع إلى جبل الصالحيّة ففجأه الموت وهو يتوضّأ لصلاة المغرب ليلة [ ... ] جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
وكان إماما فقيها محدّثا لغويّا صالحا خيّرا وقورا ساكنا ليّن الجانب حسن السمت مديد القامة رفيقا دقيق الصوت مليح الذهن ملولا لا يحتمل تطويل المحدّثين. وتفرّد بروايته لأشياء، كثير الأذكار والعبادة، يقضي حوائج الناس لا يردّ من قصده.
١٤٨٦ - أبو محمد التنيسيّ [٤٠٤ - ٤٦٢] (١*)
[١٥٥ ب] عبد الله بن الحسن بن طلحة بن النحّاس، أبو محمد، التنيسيّ.
ذكر أنّه حدّث بدمشق عن أبي عبد الله محمد بن الفضل بن لطيف الفرّاء وغيره.
وتوفّي ببلبيس في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة.
١٤٨٧ - أبو المكارم السعديّ [٥٦٣ - ٦٤٦] (٢*)
[١٥٦ أ] عبد الله بن الحسن بن منصور بن أبي عبد الله بن أبي بكر بن محمد، أبو المكارم، جلال الدين، ابن أي علي، ابن أبي الفتح، السعديّ،
стр. 1631
المقدسيّ الأصل، الدمياطيّ المولد والدار، الشافعيّ، الفقيه الخطيب، الحاكم.
ولد بدمياط في حادي عشر رجب سنة ثلاث وستّين وخمسمائة، وتوفّي بقرافة مصر في ليلة السبت السابع عشر من شعبان سنة ستّ وأربعين وستّمائة، ودفن بها.
حدّث عنه الحافظ شرف الدين الدمياطيّ وتفقّه عليه.
وتفقّه هو على شهاب الدين الطوسيّ. وأجازه السّلفيّ وابن عساكر.
ودخل بغداد فسمع بها من أبي بكر الحازميّ، وأبي منصور ابن عبد الله بن عبد السلام الكاتب.
وكان من أعيان الشافعيّة.
أقام مدّة بدمياط يدرّس الفقه.
١٤٨٨ - عزّ الدين ابن رواحة الحمويّ الصقلّيّ [٥٦٠ - ٦٤٦] (١)
عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة، عزّ الدين، أبو القاسم، بن أبي عليّ، ابن أبي محمد، الأنصاري، الحمويّ، الشافعيّ.
ولد في جزيرة مسيني (٢) من عمل صقلّيّة بالمغرب سنة ستّين وخمسمائة.
وتوفّي فيما بين حلب وحماة يوم الأحد الثامن من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين وستّمائة.
وحمل إلى حماة فدفن بها في يوم الثلاثاء عاشره.
وهو من بيت علم وأدب (١*).
ومن شعره في غلام قد عرق في الحمّام [البسيط]:
وأغيد كقضيب البان معتدل ... قدّا، وألحاظه أمضى من القضب
كأنّما جسمه كافورة رشحت ... درّا، ولمّته الشقراء من ذهب
١٤٨٩ - أبو النهد ابن بشرى الواعظ [- ٤٣٨]
عبد الله بن الحسن بن بشرى، الجوهريّ، أبو النهد الواعظ.
مات في أوّل سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة.
١٤٩٠ - أبو أحمد السامرّيّ [٢٩٦ - ٣٨٦] (٢*)
[١٥٧ أ] عبد الله بن الحسين بن حسنون، أبو أحمد، السامرّيّ، البغداديّ، المقرئ، مسند القرّاء بالديار المصريّة.
ولد سنة خمس، أو سنة ستّ وتسعين ومائتين.
وأخذ القراءة عرضا عن محمد بن حمدون الحذّاء، ويموت بن المزرّع، وأحمد بن سهل الأشنانيّ، وأبي بكر بن مجاهد، وابن شنّبوذ، وأبي الحسن الرقّيّ، وسلامة بن هارون، وأحمد بن محمد بن هارون بن بقرة، ومحمد بن هارون التمّار، ويوسف بن يعقوب الواسطيّ، وموسى بن جرير الرقّيّ، وأحمد بن الحسين
стр. 1632
المالحانيّ الذي قرأ على أبي شعيب القوّاس وجماعة.
وسمع الحديث من أبي بكر بن أبي داود، وأبي بكر محمد ابن الأنباري وطائفة.
وروى عنه القراءة في وقت حفظه وضبطه فارس بن أحمد، ومحمد بن الحسين بن النعمان.
وقرأ عليه أبو الفضل الخزاعيّ، ويوسف بن رباح، وعبد الساتر بن الذرب اللاذقيّ، وأبو الحسين التنيسيّ، وأبو عبد الله محمد بن سليمان المراني، وعبد الجبّار بن أحمد الطرسوسيّ، وخلق من المصريّين وغيرهم.
وكان عارفا بالقراءات شديد العناية بها. قال أبو عمرو الداني في حقّه: مشهور ضابط ثقة مأمون، غير أنّ أيّامه طالت فاختلّ حفظه ولحقه الوهم، وقلّ من ضبط عنه في أخريات أيّامه. سمعت أبا الفتح فارسا يقول: كان أبو أحمد ربّما قال لي:
أخرج رواية فلان فأخرجها وأدفعها إليه. (وقال) قلنا لأبي أحمد: قرأت القرآن على أبي الحسن الباهليّ؟ - ووقفناه على ذلك- فقال: «قرأت عليه خمس آيات» - أو كما قال.
وقال الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبيّ (١): لا أشكّ في ضعف أبي أحمد، وأعلى ما وقع لي إسناد القراءات من طريقه، ولكن الحقّ [١٥٧ ب] يقال: فمن ضعفه أنّه روى عن أبي العلاء الكوفيّ، وعبد الله بن المزرّع، ويموت بن المزرّع، ومحمد بن محمد الباهلي.
وذكر أنّه قرأ على محمد بن يحيى الكسائيّ، ولم يلق أحدا من هؤلاء. وزعم أنّه قرأ على الأشناني وقد أدرك من عمره إحدى عشرة سنة، فالعهدة
عليه. وقال إنّه قرأ على موسى بن جرير، وعلى أبي عثمان النحويّ، وعلي ابن الرقّيّ، وأنّهم قرءوا على السوسيّ: فموسى بعيد أن يكون لقيه، فإنّه كان بالرقّة، والآخران لا يعرفان إلّا من جهة أبي أحمد. وقد ضعّفه جماعة.
قال محمد بن عليّ الصوريّ الحافظ: قال لي أبو القاسم العنّابيّ البزّاز: كنّا يوما عند أبي أحمد السامرّي فحدّثنا عن أبي العلاء محمد بن أحمد الوكيعيّ. فاجتمعت بالحافظ عبد الغنيّ بن سعيد فذكرت له ذلك فاستعظمه وقال: سله متى سمع من أبي العلاء؟
فرجعت إليه فسألته فقال: سمعت منه بمكّة في الموسم سنة ثلاثمائة.
فأتيت عبد الغنيّ فأخبرته فقال: مات أبو العلاء عند نا أوّل سنة ثلاثمائة.
ثمّ عبرت مع عبد الغنيّ بعد مدّة وأبو أحمد قاعد يقرئ. فقلت: ألا تسلّم عليه؟
فقال: لا أسلّم على من يكذب في حديث رسول الله ﷺ !
قال الذهبيّ: أبو أحمد قد ذكر أنّه ولد سنة ستّ أو خمس وتسعين، فمن أبعد الأشياء بل أعدمها في ذلك الزمان أن يكون قد حجّ سنة ثلاثمائة وسمع فيها الحديث، وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين، هذا لو كان أبو العلاء حجّ عامئذ.
كيف وكان قد مات؟
وقال مصنّف العنوان (١*): قرأت برواية الكسائيّ على عبد الجبّار الطرسوسيّ على قراءته على أبي أحمد السامرّيّ، عن قراءته على محمد بن يحيى الكسائيّ الصغير. قال أبو عبد الله [١٥٨ أ]
стр. 1633
القضاعيّ: كان نقل الجماعة عن السّامرّيّ أنّه قرأ على الكسائيّ الصغير. قال الصوريّ: فبلغني أنّه كتب في ذلك إلى بغداد يسأل عن وفاة الكسائيّ فكان الأمر في ذلك بعيدا.
قال العلّامة أثير الدين أبو حيّان: وبين وفاة محمد بن يحيى ومولد أبي أحمد السامرّي نحو من سبع سنين: مات محمد بن يحيى سنة ثمان وثمانين ومائتين، ومولد أبي أحمد سنة خمس أو ستّ وتسعين، على الشكّ منه.
قال الذهبي: وأمّا أبو عمرو الدانيّ، فإنّما روى هذه القراءة عن فارس بن أحمد عن أبي أحمد، قال: قرأت بها على ابن مجاهد. (قال) أمّا محمد بن يحيى الكسائيّ [ف] عن الليث عن الكسائيّ. وأمّا أبو القاسم الهذليّ وأبو القاسم الفحّام وغيرهما ممّن عنده طرق أبي أحمد السامرّي فلم يوردوا طريق السامريّ عن محمد بن يحيى أصلا. وقد قرأ بهذه الرواية أبو الحسن بن شنّبوذ على محمد بن يحيى، وتلا أبو أحمد السامريّ على ابن شنّبوذ بعده روايات، فلعلّه سبقه لسانه أو قلمه في كتابته الإجازة لجماعة فأسقط ابن شنّبوذ. (قال الذهبيّ) وقد سألت أبا حيّان محمد بن يوسف الأندلسيّ عن أبي أحمد فأثنى عليه ووثّقه ومشّى أمره.
وقال الداني: سمعت فارسا يقول: سمعت عبد الله بن الحسين السامريّ يقول: كنّا نقرأ على أبي العبّاس الأشنانيّ خفية من ابن مجاهد، فكنّا نباكر إليه فنجلس عند المسجد ننتظر مجيء الشيخ، فربّما خطر علينا ابن مجاهد فيقول لنا:
أحسنتم! الزموا الشيخ!
توفّي أبو أحمد بمصر ليلة السبت، ودفن من يوم السبت لثمان بقين من المحرّم سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة. ودفن بالأندلس من القرافة.
١٤٩١ - الحافظ ابن بصيلة [٥٥٢ - ٥٩٨] (١*)
[١٥٩ أ] عبد الله بن خلف بن رافع بن ريش بن عبد الله، الحافظ، أبو محمد، المسكيّ الأصل، الشارعيّ المولد والدار، المعروف بابن بصيلة.
مولده في السابع عشر من ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة خارج القاهرة بالشارع.
وتوفّي به في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وكان حافظا محصّلا عالما بالتواريخ والوفيات. وجمع مجاميع مفيدة. وله أجزاء من كتاب «الدرّ المنظّم في فضل من سكن المقطّم» أحسن فيه ما شاء، وجعله على الطبقات مع أنّه لا يصنّف على الطبقات إلّا الواثق بحفظه، فإنّ الغلط فيها يكثر بأن يقصّر برجل عن درجته أو يرفعه فوق درجته. إلّا أنّه لم يكمله.
وشرع في تاريخ مصر وخرّج منه أشياء وعجز عن إكماله لضيق يده.
والمسكيّ نسبة إلى مسكة، قرية بالساحل قريبة من عسقلان. ومن الناس من يضبطها بفتح الميم، ومنهم من يضبطها بكسرها.
١٤٩٢ - ابن بقيّ البيّاسيّ الأندلسيّ المقرئ [- بعد ٥٤٠] (٢*)
عبد الله بن خلف بن بقيّ، الأستاذ أبو محمد، القيسيّ، الأندلسيّ، البيّاسيّ، المقرئ.
أخذ القراءات بمرسية عن أبي الحسن البياز، وبشاطبة عن أبي الحسن بن الدوش.
стр. 1634
وسمع من أبي بحر سفيان بن العاص، وعبد العزيز بن عبادة [الجيّاني].
وقدم مصر حاجّا فقرأ على ابن الفحّام، وأبي بكر بن عبد الجليل، وأبي محمد عبد الله بن عمر العرجاء إمام المقام.
وكان من أصحاب ابن نفيس، وعبد الباقي بن فارس، فبرع في القراءات ورأس فيها، مع الصلاح والزهد والجهاد.
قرأ عليه أبو بكر محمد بن حسنون [البيّاسيّ] وغيره.
توفّي بعد الأربعين وخمسمائة، وقد شاخ.
١٤٩٣ - عبد الله بن دسومة (١) [- قبل ٢٧٠]
[١٦٠ أ] أقامه أحمد بن طولون أمينا على أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع (١) لمّا أقرّه على الخراج من قبله، وجعل نعيما المعروف بأمين الذويب عينا عليهما.
وكان عبد الله شهما واسع الحيلة بخيل الكفّ زاهدا في شكر الشاكر يرى أنّ الثناء ممّن يعمل معه الجميل إنّما هو حيلة من القاصد على المقصود لينال بها ما يريده. وكان لا يهشّ إلى شيء من أعمال البرّ. وكان فيه مع هذا سعاية، فمقته الناس وكثر الدعاء عليه.
وكان أحمد بن طولون رقيبا على نفسه يتصدّق في إثر الإساءة إذا جرت منه إلى أحد بصدقات جليلة ويتضرّع إلى الله تعالى في تمحيص ما جناه، وكان بذلك يوقّى ويكفى وينصر.
فلمّا ورد عليه كتاب أمير المؤمنين المعتمد على الله بردّ الخراج إليه وزاده خراج الثغور
الشاميّة رغب بنفسه عن أدناس المعاون ومرافقها فأمر بتركها وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال، ومنع المتقبّلين من الفسخ على المزارعين، وحظر الارتفاق على العمّال. وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد الله بن دسومة في ذلك فقال:
إن أمّنني الأمير تكلّمت بما عندي.
فقال: قد أمّنك الله .
فقال: أيّها الأمير، إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان، والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى.
والمفرّط من خلط بينهما فتتلف أعماله ويبطل سعيه. وأفعال الأمير أيّده الله [أفعال] الخير، وتوكّله توكّل الزهّاد. وليس مثلك من ركب خطّة لم يحكمها. ولو كنّا نثق بالنصر دائما طول العمر لما كان شيء آثر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل لعمارة الآجل. ولكنّ الإنسان قصيرالعمر كثير المصائب مدفوع إلى الآفات. وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع. ولعلّ الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي بعده فيفوز ذلك بما قد حرمه هو. ويجتمع للأمير أيّده الله ممّا قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار. وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبّلين في هذه السنة لأنّها سنة ظمإ توجب الفسخ زاد مال البلد وتوفّر توفيرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فضبط به الأمير أيّده الله أمر دنياه. وهذه طريقة خدمة الدنيا وإحكام أمور [١٦٠ ب] الرئاسة والسياسة. وكلّ ما عدل إليه الأمير أيّده الله من غير هذا مفسد لدنياه. وهذا رأيي، والأمير أيّده الله على ما عساه يراه.
فقال له أحمد بن طولون: ننظر في هذا إن شاء الله.
وشغل قلبه كلام ابن دسومة فبات في تلك الليلة بعد أن مضى أكثر الليل يفكّر في كلامه.
стр. 1635
فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزهّاد بطرسوس وهو يقول له: ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته. فلا تقبله. ومن ترك شيئا لله عوّضه الله عنه.
فأمض ما كنت عزمت عليه!
فلمّا أصبح بعث الكتب إلى سائر الأعمال بذلك، وتقدّم به في سائر الدواوين فأمضاه. ودعا بابن دسومة فعرّفه ذلك. فقال له: قد أشار عليك رجلان: الواحد في اليقظة، والآخر ميّت في النوم، وأنت للحيّ أقرب وبضمانه أوثق.
فقال أحمد بن طولون: دعنا من هذا، فلست أقبل منك!
وركب في غد ذلك اليوم إلى الصعيد. فلمّا أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه، وهو رمل، فسقط الغلام في الرّمل.
فإذا بنفق (١)، ففتح وأصيب فيه من المال ما مقداره ألف ألف دينار. فلمّا انصرف من الصحراء وحمل المال أحضر ابن دسومة وأراه المال وقال له: بئس الصاحب والمستشار أنت! هذا أوّل بركة مشورة الميّت في النوم، ولولا أنّني أمّنتك لضربت عنقك.
وتغيّر عليه وسقط محلّه عنده. فرفع إليه بعد ذلك عن ابن دسومة أنّه قد أجحف بالناس وألزمهم أشياء ضجّوا منها، فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه، فمات في حبسه.
١٤٩٤ - القاضي ابن رفاعة السعديّ [٤٦٧ - ٥٦١] (٢)
عبد الله بن رفاعة بن غدير بن علي بن عمر بن
الذيّال بن ثابت بن نعيم، أبو محمّد، السعديّ، القاضي، الفقيه الشافعيّ.
ولد في ذي القعدة سنة سبع وستّين وأربع مائة.
ولزم الخلعيّ فتفقّه عليه وسمع منه الكثير. وهو آخر من حدّث عنه بسيرة ابن هشام.
روى عنه محمد بن عبد الرحمن المسعودي، وأبو الجود المقرئ، وعبد القويّ بن الجباب، وصنيعة الملك هبة الله بن حيدرة، ومحمد بن عماد وآخرون.
وكان فقيها فرضيّا حيسوبا ديّنا ورعا.
ولي القضاء بمصر ب [الجيزة] مدّة. ثم استعفى فأعفي واشتغل بالعبادة حتى مات في يوم [ ... ] من ذي القعدة سنة إحدى وستّين وخمسمائة.
١٤٩٥ - شرف الدين ابن تيميّة أخو أحمد [٦٦٦ - ٧٢٧] (١*)
[١٦٢ أ] عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن تيميّة الحرّاني، الدمشقيّ، شرف الدين، الحنبليّ.
ولد بحرّان في المحرّم سنة ستّ وستّين وستّمائة. وقدم دمشق واستوطنها هو وأخوه شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة.
وأقام بالقاهرة مدّة، وسمع حضورا من أبي اليسر، وسمع من الجمّال البغداديّ، وابن أبي الخير، وابن الصيرفي، وابن أبي عمرو، وابن علّان وخلق كثير.
وطلب الحديث في وقته فسمع المسند والمعجم الكبير وعامّة كتب الحديث.
وبرع في الفقه والنحو ومعرفة السّير والتاريخ
стр. 1636
وكثير من أسماء الرجال.
وكان فصيحا يقظا فهما جزل العبارة غزير العلم، بصيرا بقواعد الفقه منصفا في بحثه، مع الدين والإخلاص فيه، والتعفّف والسماح والزهد والانجماع (١) عن الناس.
وكان يتنفّل في المساجد [المهجورة] ويختفي أيّاما.
وكان أخوه تقيّ الدين يتأدّب معه ويحترمه لقوّة نفسه في طاعة الله تعالى.
وتوفّي في رابع جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق، فكانت جنازة عظيمة.
١٤٩٦ - عبد الله بن عبد الحكم [١٥٥ - ٢١٤] (٢)
[١٦٣ أ] عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث، أبو محمد، مولى عثمان بن عفّان ﵁.
أصله من أهل حقل من أيلة. وسكن [أبوه] عبد الحكم و [جدّه] أعين جميعا الإسكندريّة وبها ماتا.
وولد عبد الله بن عبد الحكم سنة خمس وخمسين ومائة.
روى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، ومسلم الزنجيّ، ومفضّل بن فضالة، وبكر بن مضر، وإسماعيل بن عيّاش، وابن القاسم وطائفة.
وعنه بنوه الأربعة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والربيع بن سليمان الخير، وأبو محمد الدارميّ، ومقدام بن داود الرعينيّ، وأبو يزيد يوسف بن يزيد القراطيسي وجماعة.
المقفى ج ٤* م ٨
ووثّقه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن دارة: كان شيخ مصر. وقال أحمد العجليّ: لم أر بمصر أعقل منه ومن سعيد بن أبي مريم.
وقال ابن حبّان: كان ممّن عقد على (١*) مذهب مالك وفرّع على أصوله.
وقال ابن عبد البرّ: سمع من مالك الموطّأ وتحويلاته أجزاء، ثمّ روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، كثيرا من رأي مالك، وصنّف كتابا في فقه مالك ثمّ اختصره، وعليهما مع غيرهما معوّل البغداديّين من المالكيّة في المدارسة، وإيّاهما شرح الشيخ أبو بكر الأبهريّ (٢*).
وقال ابن خلّكان: كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه رئاسة الطائفة المالكيّة بعد أشهب. وروى عن مالك الموطّأ سماعا.
ويقال إنّه دفع للإمام الشافعيّ عند قدومه إلى مصر ألف دينار من ماله، وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار.
وهو والد أبي عبد الله محمد صاحب الإمام الشافعيّ.
وروى بشر بن بكر قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعد ما مات بأيّام فقال: إنّ ببلدكم رجلا يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه، إنّه ثقة.
وذكر أبو عبد الله القضاعي أنّه كان من ذوي الأموال والرباع، له جاه عظيم وقدر كبير. وكان يزكيّ الشهود ويجرّحهم، ومع هذا لم يشهد لأحد، ولا أحد من أولاده لدعوة سبقت فيه.
قال كاتبه (٣*): وله أيضا من الولد سوى محمد:
стр. 1637
عبد الحكم [١٦٣ ب] بن عبد الله، وعبد الرحمن بن عبد الله صاحب كتاب فتوح مصر، وسعد بن عبد الله، وقد ذكرنا الأربعة في مواضعهم من هذا الكتاب (١).
ولعبد الله أيضا من الكتب كتاب الأموال، وكتاب فضائل عمر بن عبد العزيز.
وخرّج له النسائيّ.
وكانت وفاته بمصر ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربع عشرة ومائتين. وقبره إلى جانب قبر الشافعيّ. وهو الأوسط من القبور الثلاثة.
١٤٩٧ - ابن عبد الحميد [العمريّ] الناسك [- بعد ٢٥٥] (٢)
[١٦٤ أ] عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله الناسك، ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن عمر الخطّاب ﵁، أبو عبد الرحمن، العمريّ، العدويّ، القرشيّ.
ولد بالمدينة ونشأ بها. وقدم مصر وجالس محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وسمع منه الناس الحديث.
ثمّ مضى إلى إبراهيم بن الأغلب بالقيروان ومدحه، فوصله بألف دينار.
وعاد في سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى مصر.
وكانت فيه أدوات من فقه وأدب وشعر ومعرفة
بالنجوم والفلسفة. فبلغه خبر المعدن وإشارة الناس للتبر، فاشترى عبيدا لعمل المعدن وسار إلى أسوان على سبيل التجارة، ونزل بها وجالس شيوخها وجاراهم العلم.
ثمّ دخل المعدن ونزل على حيّ من مضر، فوقع بين المضريّة والربعيّة اختلاف بسبب رجل قتل من مضر، فاجتمع الفريقان وأقيد القاتل ووهب وليّ المقتول الدم. ولم يحضر العمري فغضب من ذلك ورحل عنهم فلحقته جماعة من القوم ليترضّوه فامتنع عليهم وقال: نقمت عليكم اطّراحي إذ لم تحضروني هذا الأمر.
قالوا: ما علمنا أنّك تختار هذا. فإذ قد رغبت إلى مثله فلا خلاف عليك منّا، ولا نورد ولا نصدر بعد هذا إلّا عن أمرك.
وأتبعوا القول أيمانا مؤكّدة. فانتهز الفرصة بيمين القوم وجعلها بيعة فانحاز إلى معدن ممّا يلي الجنوب، وكانت المياه على بعد وربّما عطشوا.
فنظر ذات يوم إلى طير فقال: هذا من طيور الشطوط، وأحسب أنّ النيل قريب، فوجّه الوارد فكان كما قدّر، وعاد إليه من يومه بقرب الماء وأخبره بما شاهد من بلد مقرّة، وأنّهم في ظهره.
فسرّ بذلك وأمر الناس بالورود. فأنكرت النوبة شأنهم وقبضوا على جماعة منهم. فصار إليهم والتمس خلاصهم بعد أن راسل وتلطّف، وبعدعطش شديد نالهم بتأخّر الوارد حتى بلغت الشنكة (١*) در همين تبرا، فعرف ذلك المعدن من حينئذ بالشنكة. وسأل العمريّ النوبة أن يجعلوا له
стр. 1638
طريقا للورود إلى الماء لا يتجاوزون حدّها، فامتنعوا من ذلك وقتلوا من أسروا من أصحابه.
فشقّ عليه فعلهم وعاد إلى أصحابه واستنفر الناس فاجتمعوا إليه وحلفوا له. فأمرهم بإحضار آلة المعدن. فلمّا حضرت أمر بضربها حرابا. وسار إلى النوبة في غفلة [١٦٤ ب] منهم فوقع بموضع يعرف بشنقير قبليّ مدينة دمقلة بنحو من شهرين.
والنيل ينعطف في هذا الموضع إلى مطلع الشمس حتى يصير بينه وبين الشنكة بعض نهار يوم، ثمّ يعود النيل إلى الغرب ويرجع إلى الشرق. فبهذا التعطّف طالت المسافة على سالك النيل. وقد تركت النوبة هذه العطوف وجعلت طريقها المجادب فصارت تقطع مسيرة شهر في يومين.
فنكى العمريّ في النوبة وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكثر السبي عند أصحابه حتى إنّ أحدهم كان يحلق رأسه فيعطي المزيّن (١) رأسا. وانحازت النوبة إلى الغرب بالمراكب بجميع ما لهم. فاختار العمري جماعة من أصحابه وأمرهم بنفخ القرب والعبور عليها ليلا. وكبس النوبة وأخذ المراكب منهم.
واتّفق أنّ واحدا من أصحابه قال بعد ما وصل إلى الغرب: «يا قوم أخرجوني من الماء، فإنّ التمساح قطع رجلي! » وكان قد أتى عليه وهو سائر فخشي أن يفسد أصحابه عن عزمهم. فصبر حتى وصلوا إلى حيث النوبة.
وأوقع القوم بالنوبة فظفروا ووصلوا إلى الجزائر والغرب بالمراكب التي أخذوها.
وكتب العمريّ إلى أسوان يسأل التجّار الخروج إليه بالجهاز من طريق المعدن. فخرج إليه رجل
يعرف بعثمان بن حجلة (١*) التميميّ في ألف راحلة فيها الجهاز والبرّ. فقام إليه العمريّ وتلقّاه وسرّ بذلك. وكثر رقيقهم بأسوان والمعدن حتى صار أكثر سراريّ أهل البلد من سبي النوبة وعرفوا بالهيكات (٢*) لرخصهنّ.
وكان ملك النوبة حينئذ قيرقي بن زكريا بن بحنس فندب لقتال العمريّ نيوتي بن قشما، وكان شجاعا، ودفع إليه أكثر رجاله، فوقعت بينهما وقائع وحروب يطول شرحها.
ثم إنّ نيوتي صالح العمريّ على أن يكون في ناحية من البلد ولا يهيجه، وخالف خاله قيرقي.
فبعث قيرقي بولده الأكبر لمحاربة العمريّ فعجز عنه وهزمه مرارا. فانحاز إلى بلد علوة واستجار بمتملّك علوة أربع سنين لأنّه أقام ببلدهم إلى أن خرج سبع سنين، فأنجده صاحب علوة.
وكان لقيرقي ابن آخر اسمه زكريا فأشار عليه بموادعة العمريّ ومحاربة ابن قشما وأن يندبه لذلك. فسلّم إليه جيشه وبعثه إلى ابن قشما بعد أن أرسل إلى العمري ألّا يدخل بينهما، فأجابه إلى ذلك. فتحاربت النوبة محاربات كثيرة، وقد أمرهم العمري أن يخندقوا على عسكره. فانتصر ابن [١٦٥ أ] قشما على زكريا وهزم أصحابه وقتلهم، وفرّ زكريا حتى رمى بنفسه في النيل على فرس، وصار إلى المشرق ومعه غلامان، فخاف من العمريّ وابن قشما، ورأى أنّ العمريّ أخفّ عليه، فأتاه واستأذن عليه يقول إنّه غلام لزكريا فأذن له.
فلمّا دخل إليه سأله عن حاله وخبر زكريا فعرّفه هزيمته وما قتل من رجاله، وأنّه من غلمانه رغب
стр. 1639
في الكون معه. فأنزله وأحسن إليه، فطلب منه خلوة. فلمّا خلا به أعلمه أنّه من وجوه غلمان زكريا وثقاته، وأنّه أنفذه ليأخذ له أمانا ليصير إليه ويكون في جملته. فسرّ العمريّ بذلك وأوثقه من نفسه أيمانا كما طلب. فلمّا توثّق منه أعلمه أنّه زكريا فازداد سرورا وإعجابا به لما ظهر من عقله على صغر سنّه.
وأقام زكريا على ذلك مدّة حتّى أنس إليه، وعرف رجال العمريّ فاختلط بهم. وافتقد دفاتر كانت لهم فوجدها بحالها لم يعلم بها المسلمون، فأطلع العمريّ عليها وسلّمها إليه. ومضى إلى مواضع أخرى فأخرج ما فيها ودفعه إليه أيضا، فملك بذلك قلبه واستولى عليه.
فلمّا عرف زكريا أنس العمريّ إليه وثقته به سأله معاونته على ابن قشما وقال له: عدوّي وعدوّك.
وإن أظفر الله به رجعت النوبة إلى طاعتي واجتمعت إليّ فصرت بهم إليك وتصرّفت عن أمرك في الأعاجم، وما بعد منك وما بيدك يكون بحاله، وأزوّجك من أختي زوجة ابن قشما بعد قتله لأنّ أبي شيخ كبير قد كبرت سنّه.
وما زال يخدعه حتى انقاد إليه وقال له: لو كان هذا الذي تطلبه من قبل ابن قشما لك خاصّة لساعدتك عليه لقصدك لي وركونك إليّ وكونك في جملتي، فكيف وهذه إرادتي وصلاح شأني؟
فأنّى لي بالذي تذكره مع شجاعته وكثرة من معه؟
قال له زكريا: أحتال عليه وأغتاله.
قال له العمريّ: اعمل ما بدا لك.
فاختار زكريا من أصحاب العمريّ أربعة من شجعان العسكر ووجوهه كان بعث بهم العمري إلى ابن قشما مرارا فصار يأنس بهم، فأمرهم العمريّ بمساعدته. ثمّ سار بهم زكريا في زورق خفيف في النيل بعد أن وعدهم ومنّاهم. وقال: إن قتلتم ابن قشما أعطيتكم وزنه ذهبا لكلّ رجل منكم.
فلمّا قرب منه أمرهم أن يقيّدوه ولقّنهم ما يقولونه. فنزلوا جزيرة محاذية لابن قشما وراسلوه بأن يقرب منهم بحيث يسمع كلامهم ففعل. ثم قالوا: إنّ الشيخ الصالح- يعنون العمريّ- يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّ الله قد أمكن من عدوّي وعدوّك، وإنّي قد راسلتك في أمره جوابا عن رسالتك تسأل أن أسلّمه إليك، وتعطيني من المال كذا، ومن الرقيق كذا. وقد وجّهت بذلك مع فلان [١٦٥ ب] وفلان إذ كانوا ثقاتي وأنت تأنس إليهم، فعزّر (١*) الأمر معهم وخذه إليك وادفع إلى القوم ما توافقتم عليه، وعلى أن يكون بيننا من الشرط كذا وكذا.
فقال: «قد رضيت» وذكر لهم ما يدفعه. فقال لهم زكريا: «امتنعوا عليه» فأخذ ابن قشما يزيدهم حتى تقرّر الأمر بينهم. فأمرهم زكريا بإجابته.
وكان قد نظر لهم في الكتف (٢*) رجل مغربيّ فقال لهم: إن جاءكم ماشيا لم تصلوا إليه، وإن جاءكم محمولا قتلتموه.
قال ابن قشما: أريد أن أراه قبل الدفع.
قالوا له: «افعل فانزل إلى القارب محمولا» - ليصحّ ما قال صاحب الكتف- وتبعه جماعة من أصحابه.
стр. 1640
قالوا: نحن أربعة، وتأتينا بجماعة كأنّك تريد أن تقهرنا عليه وتأخذه بلا عوض.
فأمر أصحابه بالرجوع وخرج في قلّة إلى الجزيرة. وبسط له، ونصب له كرسيّ. وأمر زكريا أصحابه بحمله ووضعه بين يدي ابن قشما، وقال:
«أشاغله بالكلام، فإذا اطمأنّ فافتكوا به». وجعل زكريا العلامة بينهم البكاء.
فلمّا وضع زكريا بين يدي ابن قشما نقف (١) رأسه بقضيب ذهب كان في يده وقال: الحمد لله الذي أمكن منك!
قال له: يا عمّ، قد قدرت فاعف عنّي وأحسن الظفر! فإنّ هؤلاء المسلمين غدروا بي ورغبوا إلى العوض.
فجعل ابن قشما يعدّد عليه قبائح أفعاله، وزكريا يعتذر وهو لا يقبل منه. ثمّ إنّه بكى.
فوضع (٢) الجماعة على ابن قشما وقتلوه للوقت، وأخرجوا زكريا من القيد، فسار إلى عسكر ابن قشما ونادى فيه بأنّ الله قد غفر لكم ما سلف.
وأحضر وجوه العسكر فاستمالهم وأسرّ إليهم الغدر بالعمريّ وبالأربعة الذين معه.
ثم استدعى الأربعة وشكرهم بحضرة أصحابه وأمر بالإحسان إليهم، فلم يبق أحد من الوجوه حتّى برّهم. وصار بهم إلى أخته زوجة ابن قشما وأعلمها بحضرتهم أنّه يريد تزويجها من العمري فرضيت، ودفع إليها معجّلا عنه. وأمرهم فكتبوا بما جرى إلى العمريّ، وكتب هو أيضا بذلك، وأنّه سائر نحوه بالعسكر، وسأله أن يعدّ لهم النزل، ولوجوه العسكر الخلع والبرّ. وبعث بالكتب مع غلام لأحد الأربعة. فسرّ العمري
بذلك، وتقدّم بإعداد ما طلب زكريا.
ثم إن زكريا بدأ بقتل الأربعة، وعبر بالجيش إلى الشرق يريد العمريّ حتى قرب منه. فقال رجل للعمريّ: إنّ هذا الكافر قد صار معنا بأرض واحدة [١٦٦ أ] وهو في ما لا طاقة لنا به.
فقال: على هذا وافقني: أن يسير بالجيش إليّ ويكون في طاعتي.
ثم إنّ زكريا هجم على القوم وهم غارّون فقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم العمري وأصحابه، وتركوا جميع ما معهم لا يلوون على شيء منه.
وانحدر من كان في الجزائر منهم في مراكب فكانوا يبيتون بها ويحمل إليهم الطعام من الجزائر. فدسّ إليهم زكريا رجلا مشهورا بمعرفة طرق الجنادل (١*) فأخذه العمريّ وأحسن إليه ودفع إليه ما لا على أن يجوز بهم الجنادل. فأمرهم بشدّ المراكب بعضها إلى بعض وركب في أولاها وسار بهم فسلك طريقا غير مسلوكة حتى وقعوا في الهلكة [ف] تركهم ونجا بنفسه عوما في البحر، فغرق الجميع.
وقدم على زكريا (٢*) فأقطعه مواضع وقفت عليه وعلى عقبه. وتلف جميع ما بقي لهم من السلاح والرجال فضعفوا ولم يتمكّنوا من الإقامة.
وكان العمريّ بعد الوقعة الأولى قد تحابى (٣*) وتراجع إليه أصحابه حتى هابته النوبة. وكتب إليه
стр. 1641
زكريا يعتذر بأنّ الشّحّ على الملك دفعه على ما فعل وأنّه لا يحاربه قطّ بعدها، وسأله الخروج عن بلده. فخاتله مدّة سنة إلى أن وقع بين الشاميّين- وهم من سعد العشيرة من أصحاب العمريّ- وبين قيس عيلان شرّ، فاتّهم الشاميّون العمريّ أنّه مايل قيسا فتجنّوا عليه. وبلغ ذلك زكريا من جواسيس كانت له فراسل الشاميّين يدعوهم إليه ويعدهم ردّ ما أخذ لهم وإعطاءهم ما يريدون. فأجابوه وصاروا إليه فوفى لهم بما وعدهم وأقطعهم دون الجنادل الأولى من بلد مريس (١) من ناحية يقال لها ديدان وأدوى وما يليها. فخاف العمري وسار إلى معدن على ثلاث مراحل من النيل، وعمل أصحابه المعدن وخرجت سراياهم فضربت بلد النوبة.
وأرسل العمريّ يدعو الشاميّين إلى الصلح فأقبلوا إليه. وركب إليهم العمري فأوقع بهم وقتل منهم ألفا وخمسمائة وقبض على من بقي فقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم حتى ماتوا. وأقام على النيل من بلد مريس. فشقّ ذلك على زكريا وسار إليه في عدد عظيم فانطرد العمريّ بين يديه حتّى قرب من أسوان ونزل على قرية يقال لها أرطلما على مرحلة من أسوان. فخرج إليه شعبة بن حركام البابلي وقد بعثه أحمد بن طولون على جيش إلى أسوان خوفا من العمريّ. فلمّا قرب من العمري قال العمريّ لأصحابه، وقد بقوا نحو ألف ومائتي رجل: لا تعجلوا فإنّ هذا رجل أعجميّ، وأنا أخاطبه بنفسي وانظر ما عنده.
ثمّ خرج من عسكره وقال لمن قرب من عسكر شعبة: إنّي أريد أن أخاطب الأمير قبل وقوع الحرب بيننا.
فخرج إليه شعبة، ووقفا [١٦٦ ب] بحيث يسمع بعضهم كلام بعض. فقال العمريّ: إنّ الأمير أحمد بن طولون لم يبلغه خبري على حقيقته، وقد موّه عليه في أمري. إنّي لم أخرج أبغي فسادا، ويدلّك على ذلك أنّي لم أؤذ مسلما ولا معاهدا.
وإنّما خرجت في طلب أعداء المسلمين حتى كفانا الله أمرهم. فاكفف يدك عن القتال حتى أكتب إلى الأمير أيّده الله وأكشف له خبري، وتكتب أنت أيضا. فإن قبل عذري ولم تثقل عليه وطأتي وأمن جانبي، كتب إليك بالكفّ والانصراف فانصرفت مشكورا. وإن أمرك غير ذلك امتثلت أمره غير ملوم.
فقال له القائد شعبة: ليس أنا فيج [ا] (١*) لك أحمل كتابك. ما بيني وبينك إلّا السيف!
فقال له العمري: ما أنت بحمد لله شعبة الرجال، بل أنت بلعبة النساء أشبه، وما هذا الفعل السيّء والخلق القبيح إلّا لمن هو كذلك!
ورجع إلى أصحابه فقال: «هذا رجل جاهل أحمق. فدونكم وقتاله! » وحمل عليه بعد أن راسله ثانيا. فطلب منه شعبة أن يطأ بساطه، فسأله العمريّ أن يؤخّر ذلك إلى أن يعود إلى أسوان ويعطيه رهينته، فأبى عليه وحاربه فرزق العمريّ على شعبة الظفر وهزمه أقبح هزيمة وغنم ما كان معه وشبع أصحابه بعد جوع واكتسوا.
وكان العمريّ قد قسم رجاله خوفا من النوبيّ وجعل الشطر بإزاء النوبة فلم يدخل النوبيّ بينهم.
وقال: إنّي ما رأيت من يقف لألف إلّا رجلين:
العمري وابن قشما، وقد رأيت الثالث- يعني شعبة.
стр. 1642
ومضى شعبة على وجهه إلى الفسطاط: فأنّبه أحمد بن طولون وقال: أسأت وأخطأت. كنت أمهلته وكتبت إلينا بخبره على صحّة لنرى فيه رأينا، لكنّك بغيت عليه فنصر عليك.
وأهمل أحمد بن طولون أمره.
وأمّا العمريّ فإنّه سار إلى قرية بحريّ أسوان يقال لها أدفو (١) وعبر منها إلى الشرق. وكانت له بأسوان وقعة مع واليها بعد شعبة.
ثم دخل المعدن وجرت له حروب أعظم من الأولى مع ربيعة ثمّ عاود إلى المعدن في سنة خمس وخمسين ومائتين وعلى ربيعة رجل يعرف بأشهب بن ربيعة من بني حنيفة بن لجيم بن مصعب، شيعيّ، وآخر يعرف بناس بن روح، وآخر يعرف بمحمد بن صريح على حيّ قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن [١٦٧ أ] علي بن بكر بن وائل وحلفائهم (٢) -، وعلى الجهنيّين رجل يعرف بعثمان بن سعدان، وعلى الشاميّين رجل من سعد العشيرة ورؤساء دون هؤلاء. فكثرت العمارة حتّى صارت الرواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان ستّين ألف راحلة غير الجلاب (٣) التي تحمل من القلزم إلى عيذاب.
وعرض أحمد بن طولون لمنع ذلك بسبب العمريّ فكتب إليه أنّه في مائة ألف أو يزيدون، فترك الاعتراض. ووقع بين المسلمين المنافسة والمنازعة والحروب، ومالت البجّة إلى ربيعة واتّفقت معهم وتزوّجوا إليهم. فخرج أخ للعمري من أمّه يعرف
بإبراهيم المخزوميّ إلى عيذاب ليمتار فاعترضته البجّة فقتلته ومن معه. فغضب لذلك العمريّ وكتب إلى ربيعة يسألهم الإنصاف من البجّة أو التخلية بينه وبينهم، فدافعوه عن الحالين فاستدعى مضر إلى حربهم فشردوا عنه. وعبر بنو هلال النيل إلى الغرب، وأقام بنو تميم شرقيّ النيل، واعتزلت المغاربة فلم يبق مع العمريّ إلّا القليل، فقال في ذلك بعض بني نمير من أبيات [الطويل]:
أبعد أبي إسحاق ذي الجود والندى ... تنامون والدنيا به قد تولّت؟
وبعد رجال قتّلت مضريّة ... عليها جباب الخزّ بالدم بلّت
فإن لم تثوروا عاجلا بدمائهم ... فنسوانكم عنكم بحقّ تخلّت
جزى مضرا شرّ الجزا عن أخيهم ... كما قلّدته أمرها ثمّ ولّت
فقام بها محض الضرائب ماجد ... كفى مضرا ما ضيّعت وأضلّت
وكانت تميم مرّة خندفيّة ... فأضحت تميم عن قريش تخلّت
وولّت هلال خيفة الحرب شرّدا ... وبربر قيس أبعدت حيث حلّت
ثم إن العمريّ واقعهم وهم غارّون فقتل فيهم قتلا ذريعا، وانتشبت الحرب بينهم، وقتل من الفريقين ألوف. ولهم وقعتان مشهورتان في موضعين يعرف أحدهما بميزح والآخر بكيا (١*).
وللعمريّ في ذلك قصائد وشعر طويل فمنه [البسيط]:
إذا جزى الله أقواما بعارفة ... فلا جزى مضرا عنّا بإحسان!
стр. 1643
أعني الذين بشطّ النيل مسكنهم ... ما بين قوص إلى ساحات أسوان
عليا تميم وما كانت بخاذلة ... في النائبات، وما كانوا بذلّان
ثمّ ذكر هزيمة رئيس جهينة فقال [١٦٧ ب] [البسيط]:
كلّ الهزائم كانت غير فاضحة ... إلّا هزيمة عثمان بن سعدان
ولّى بميزح والخيلان عاكفة ... والحرب مسعرة والموت لونان
وله قصيدة أخرى يقول فيها [الرجز]:
أصبح عان مستعان قد صحا ... من بعد شوق شائق قد برحا
بقلبه قسمة وأقرحا ... واستبدل الحلم وكان أرجحا
من سورة الجهل الذي قد أترحا ... يا أيّها الساري الذي قد روّحا
أبلغ أبا الورد معا والأبطحا ... يا سامقا لا للعلى قد أوضحا
بأيّ يوميك وجدت أصلحا ... يوم كيا وذي الوغى أم ميزحا
لو تابع الرشد أطاع النصحا ... أو زجر الطير لما تبرّحا
واغترّ بالشرك وما إن سبّحا ... خوفا من الله ولا ممّن لحا
ولهم أخبار وأشعار يطول شرحها.
ثمّ إنّ ربيعة تخاذلت ووقع بين القوم خلف.
فقصد العمريّ المعروف بأشهب لتشيّعه وقتله. ثم تغضّب رئيس من مضر يعرف بمحمد بن هارون فحالف على قتل العمريّ فقتله غيلة. وتفرّق الجمع الذي كان معه وطفئت النائرة. وحملت رأسه إلى أحمد بن طولون مع غلامين زعما أنّهما من غلمانه وأنّهما قتلاه. فدعا أحمد بن طولون بجماعة من أهل الصعيد ممّن يعرف العمري فشهدوا أنّها رأس العمريّ. فقال للغلامين: أكان صاحبكما مسيئا لكما؟
قالا: لا.
قال: فركب بحضرتكما إثما استحللتما به قتله؟
قالا: لا.
قال: فبم قتلتماه؟
قالا: لأنّا أردنا بذلك الحظوة عند الأمير والقرب منه.
فقال: ذلك والله أبعد لكما منّي ومن الله .
وأمر بضرب أعناقهما فضربتا وصلبا. ثم غسّل الرأس وطيّبه وكفّنه ودفنه.
١٤٩٨ - الدارميّ الحافظ [١٨١ - ٢٥٥] (١*)
[١٦٨ أ] عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد، أبو محمد، الدارميّ، التميميّ، السمرقندي، الحافظ، أحد الأعلام.
سمع بالحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان. وحدّث عن يزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وجعفر بن عون، والأسود بن عامر، وأبي المغيرة الحمصيّ، وأبي علي الحنفيّ، والفريابيّ، ومروان بن محمد، ويحيى بن حسّان التنيسي، والنضر بن شميل، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ووهب بن جرير، وعثمان بن عمر بن فارس،
стр. 1644
وحبّان بن هلال، وزيد بن يحيى الدمشقي، وسعيد بن عامر الضبعي وسعيد بن أبي مريم، وأبي عاصم، وخلق كثير.
حدّث عنه مسلم وأبو داود والترمذي وبقيّ بن مخلد وأبو زرعة وصالح جزرة والبخاري، فيما رواه عنه الترمذي في جامعه ومطين (١) وخلائق.
قال عبد الصمد بن سليمان البلخي: سألت أحمد بن حنبل عن يحيى الجماني، فقال: تركناه لقول عبد الله بن عبد الرحمن، لأنّه إمام.
وقال إسحاق بن داود السمرقندي: قدم قريب لي فقال: أتيت أحمد بن حنبل (٢) فقال: أين أنت من عبد الله بن عبد الرحمن؟ عليك بذاك السيّد!
وقال نعيم بن ناعم: سمعت محمد بن عبد الله بن نمير يقول: غلبنا عبد الله بن عبد الرحمن بالحفظ والورع.
وقال إسحاق بن إبراهيم الورّاق: سمعت محمد بن عبد الله المخزوميّ يقول: يا أهل خراسان، ما دام عبد الله بن عبد الرحمن بين أظهركم فلا تشتغلوا بغيره!
(قال) وسمعت أبا سعيد الأشجّ يقول: هو إمامنا.
وسمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أمر عبد الله أظهر من ذاك فيما تقولون من البصر والحفظ وصيانة النفس، عافاه الله!
وقال بندار: حفّاظ الدنيا أبو زرعة والبخاري والدارمي ومسلم.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: عبد الله بن عبد
الرحمن إمام أهل زمانه.
وقال أبو حامد بن الشرقيّ: إنّما أخرجت خراسان من أئمّة الحديث خمسة، فذكر منهم عبد الله بن عبد الرحمن.
وقال محمد بن إبراهيم الشيرازي: كان الدارميّ على غاية من العقل والديانة، ممّن يضرب به المثل في الحلم والدراية والحفظ والعبادة والزهادة. أظهر علم الآثار بسمرقند، وكان مفسّرا كاملا وفقيها عالما.
وقال ابن حبّان: كان من الحفّاظ المتقنين وأهل الورع في الدين، ممّن حفظ وجمع وتفقّه وصنّف وحدّث، وأظهر السنّة في [١٦٨ ب] بلده ودعا إليها وذبّ عن حريمها وقمع من خالفها.
وقال الخطيب أبو بكر البغدادي: كان أحد الحفّاظ والرحّالين موصوفا بالثقة والزهد والورع.
استقضي على سمرقند وألحّ عليه السلطان حتّى ولي. وقضى قضيّة واحدة ثم استعفى فأعفي.
وكان على غاية العقل وفي نهاية الفضل، يضرب به المثل في الديانة والحلم والرزانة والاجتهاد والعبادة والزهادة والتقلّل. صنّف. المسند والتفسير والجامع.
قال إسحاق الورّاق: سمعت الدارمي يقول:
ولدت في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومائة.
وقال أحمد بن سيّار: مات في سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية، ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن خمس وسبعين سنة.
وكذا أرّخ موته غير واحد. وغلط من قال:
وفاته سنة خمسين.
قال إسحاق بن خلف: كنّا عند محمد بن إسماعيل البخاري فورد عليه كتاب فيه نعي
стр. 1645
الدارمي. فنكس رأسه ثمّ رفع [هـ] واسترجع وجعل تسيل دموعه على خدّيه ثمّ أنشأ يقول [الكامل]:
إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهم ... وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع
١٤٩٩ - ابن أبي اليابس الديباجيّ [٤٨٤ - ٥٧٢] (١)
عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل، الشريف، القاضي، أبو محمد، العثمانيّ، الديباجيّ، المعروف بابن أبي اليابس.
ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة [ ... ] (٢) وتوفّي يوم السبت الحادي والعشرين من شوّال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
١٥٠٠ - ابن حجيرة الخولانيّ قاضي مصر [- بعد ٩٨] (٣)
[١٦٩ أ] عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، الخولانيّ، أبو عبد الرحمن، قاضي مصر وابن قاضيها.
يروي عن أبيه.
روى عنه عبد الله بن الوليد التجيبي، وخالد بن يزيد، وإبراهيم بن نشيط الوعلانيّ.
قال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الثقات.
وولّاه قرّة بن شريك أمير مصر القضاء في شهر ربيع الآخر سنة تسعين بدلا من عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وصرف بعد ثلاث
سنين في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين بعياض بن عبد الله [الأزديّ السلاميّ] (١*).
وخرج ببيعة أهل مصر لمّا قام في الخلافة سليمان بن عبد الملك بعد موت أخيه الوليد بن عبد الملك في جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين، وعاد إلى مصر، فأعاده عبد الملك بن رفاعة أمير مصر إلى القضاء مرّة ثانية بعد صرف عياض في شهر رجب سنة سبع وتسعين، وجمع له القضاء وبيت المال، ثمّ صرف آخر سنة ثمان وتسعين عن القضاء (٢*).
وقال إبراهيم بن نشيط: أتيت عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة فقال: أتتغدّى؟
قلت: نعم.
فقال: يا جارية، الغداء!
فأتت بعدس بارد على طبق خوص وكعك وماء. فقال: كل! لم تتركنا الحقوق نشبع من الخبز.
وأتاه رجل فذكر له حاجة. فقال: تعود.
فلمّا مضى سأل عنه، فإذا هو صادق. فأعطاه ثمانية عشر دينارا. فأتاه في مجلس القضاء يثني عليه فقال: أخّروه عنّي!
ورفع عليه قوم من يهود إلى عمر بن عبد العزيز في مال قبضه منهم، فأقرّ أنّه قبضه منهم ثمّ دفعه إليهم. فقال عمر: هل عندك بيّنة أنّك دفعته إليهم؟
قال: لا.
فقال: غرمت ابن حجيرة وضمنت.
ثمّ ذكر له بعد أنّ له بيّنة فشهد له رجال.
стр. 1646
١٥٠١ - عبد الله بن عبد الرحمن بن حديج [- ١٥٥] (١)
[١٦٩ ب] عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج بن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد بن أشرس بن شبيب بن السكون (٢) بن أشرس بن كندة، الكنديّ، ثمّ التجيبيّ.
تقدّم ذكر أبيه ويأتي ذكر جدّه معاوية بن حديج (٣).
وولي عبد الله رابطة الإسكندريّة، وخرج ببيعة أهل مصر إلى يزيد الناقص ابن الوليد فيمن خرج.
ثم أجمع الجند بعد موت المغيرة بن عبيد الله الفزاري على أن يولّوه الشرط إلى أن يأتي أمر مروان بن محمّد. فقدم عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير.
وولّاه عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير البحر، ثمّ صرفه بعبد الرحمن بن عتبة المعافريّ وولّاه برقة.
فلمّا قتل مروان وولي أمر مصر صالح بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس استعمل عبد الله على شرطه أيّاما، ثم صرفه. وأخذه معه فيمن أخذ من أهل مصر ليوفده على أبي العبّاس السفّاح. ثم عاد عبد الله إلى مصر.
وخرج إلى إفريقيّة فيمن خرج إليها أيّام أبي عون عبد الملك بن يزيد فبلغوا سرت ثمّ عادوا.
وولّى حميد بن قحطبة عبد الله الشرط عوضا عن محمد بن معاوية بن بجير (١*) بن ريسان إلى أن صرف [حميد] بيزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة فأقرّ عبد الله على الشرط.
ثمّ استخلفه على مصر لمّا حجّ سنة سبع وأربعين ومائة (٢*). فلم يزل على الشرط إلى أن صرف يزيد، فولّى أبو جعفر المنصور عبد الله بن عبد الرحمن مصر على صلاتها في يوم السبت لثنتي عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فلم يولّ على الشرط أحدا، ولكن جعل على التابوت (٣*) علي بن زيدان التجيبي، ثمّ عزله بمحمّد بن يعفر المعافريّ، وعزله بعمران بن سفيان الحجريّ ثم عزله، وولّى أبا المحبّ من الموالي.
وعبد الله أوّل من خطب في السواد (٤*) بمصر.
وخرج إلى أبي جعفر المنصور لعشر بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا ورجع في آخر السنة.
وتوفّي وهو وال يوم الأحد مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمّدا (٥*)، فكانت ولايته مصر سنتين وشهرين.
روى عنه عمرو بن بحري السبائيّ [و] لم يذكره البخاريّ ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، وليس بمشهور عند أهل الحديث، والمشهور أخوه عبد الواحد بن عبد الرحمن قاضي مصر.
стр. 1647
١٥٠٢ - جمال الدين ابن عبد الغنيّ [٥٨١ - ٦٢٩] (١)
[١٧٠ أ] عبد الله بن عبد الغنيّ بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور، جمال الدين، أبو موسى، ابن الحافظ أبي محمد، المقدسيّ الأصل، الدمشقيّ الدار، الحنبليّ.
مولده في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بدمشق.
وسمع بها من أبي محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم بن الخرقيّ، وأبي الفضل إسماعيل بن عليّ بن إبراهيم الجنزويّ وجماعة.
وسمع ببغداد من أبي الفرج بن كليب الحرّانيّ، وأبي الفرج ابن الجوزيّ، في آخرين.
وبأصبهان من أبي سعيد خليل بن أبي الرجاء [بدر] بن أبي الفتح [ثابت] الرارانيّ (٢) وعدّة.
وبمصر من أمّ عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير [البلنسيّة] (٣) وغيرها.
وحدّث بدمشق ومصر وغيرها.
وتوفّي بدمشق في رابع شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستّمائة، ودفن بسفح قاسيون.
١٥٠٣ - أبو زرعة القتبانيّ [- ٢٢٨] (٤)
[١٧١ أ] عبد الأحد بن الليث بن عاصم بن كليب
ابن خيار بن جبر بن ناشرة بن مرّي بن الأرقم بن مرثد بن ذي مراثد بن جسر بن مالك بن شرحبيل بن يرعش بن قتبان، أبو زرعة، القتباني.
يروي عن حيوة بن شريح، ومالك بن أنس، ويحيى بن أيّوب، وعثمان بن الحكم الجذاميّ.
مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
١٥٠٤ - عبد الأعلى ابن ظاعن الفهميّ [- ٩١] (١*)
[١٧٢ أ] عبد الأعلى بن خالد بن ثابت بن ظاعن، الفهميّ، أبو [ ... ].
يروي عن رجل عن عمر بن الخطّاب ﵁.
روى عنه الحرث بن يعقوب.
وولّاه عبد الله بن عبد الملك بن مروان الشرطة مكان عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة لمّا سخط عليه، وصرفه في صفر سنة تسع وثمانين. فلمّا صرف عبد الله بقرّة [بن شريك] (٢*) أقرّ عبد الأعلى. ثمّ استخلفه على الفسطاط لمّا خرج إلى رشيد حتى عاد.
فلم يزل على الشرط حتّى مات بالفرما وهو سائر إلى الوليد بن عبد الملك في ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين.
١٥٠٥ - ابن أبي الهجرس [- نحو ١٣٢] (٣*)
[١٧٣ أ] عبد الأعلى بن أبي الهجرس، المراديّ، مولاهم، صاحب مراكب دمياط.
стр. 1648
كان ممّن سوّد لمّا قدم مروان بن محمد مصر، وقاتل كوثر بن الأسود الغنويّ صاحب شرطة مروان. فلمّا هزمهم [ابن] الأسود على الكريون (١) ودخل الإسكندريّة، أمر بعبد الأعلى فقطعت يداه ورجلاه، وتركه. فجعل يقرأ القرآن حتّى ختم.
وبعث إليه الليث بشربة فسقاه إيّاها. وأدركه النزيف وقد ختم القرآن، فتوفّي ﵀.
١٥٠٦ - زين الدين الأسديّ قاضي حلب [٥٧٨ - ٦٣٥] (٢)
[١٧٤ أ] عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن رافع، الأسديّ، أبو محمّد، زين الدين، ابن الأستاذ (٣)، الأسديّ أسد خزيمة، الحلبيّ، الفقيه الشافعيّ، قاضي حلب.
ولد في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ونشأ بحلب. وسمع من أبي الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفيّ الأصبهانيّ، قدم عليهم، ومن عدّة.
وتفقّه على مذهب الشافعيّ، وصحب قاضي حلب أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم [المعروف بابن شدّاد] وقرأ عليه المذهب والخلاف والجدل والأصولين. وعني به عناية شديدة لما رأى من نجابته وفهمه وذكائه وقوّة إدراكه وحسن طريقته، فاتّخذه ولدا وصاهره، واعتمد عليه في سائر جميع أحواله حتّى برع في العلم وصار معيدا لمدرسته وله نيف وعشرون سنة. ثم ولي التدريس بعده، وتقدّم عند الملوك وروسل به إلى دمشق ومصر مرّات، وإلى دار
الخلافة. فقدم بغداد سنة أربع وثلاثين وستّمائة في رمضان، وجمع له فقهاء بغداد ومدرّسوها بدار الوزارة وتكلّم معهم بحضرة الوزير فاستحسن كلامه.
وكانت له معرفة حسنة بالحديث، ويد باسطة في الأدب، مع الورع والدين الشديد، والستر الثخين والتمسّك بسير السلف، والوقار وحسن الخلق والخلق، ولطف الطباع والمزح وطيب المعاشرة. وله شعر حسن.
ومات ليلة السبت سادس عشر شعبان سنة خمس وثلاثين وستّمائة بحلب.
١٥٠٧ - عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (١*)
عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ.
شهد فتح إفريقيّة وقتل بها. وهو عبد الله الأكبر، وأمّه العباديّة (٢*).
١٥٠٨ - ظهير الدين الحدّاد [٦١٥ - ٦٦٩] (٣*)
عبد الباري بن عبد القادر بن غدير، أبو محمد، ظهير الدين، الحدّاد، الشافعيّ.
ولد بمصر سنة خمس عشرة وستّمائة. وتوفّي بمصر في أوائل جمادى الآخرة سنة تسع وستّين وستّمائة [ ... ] (٤*).
ومن شعره [الكامل]:
أترى أعيش وتسمح الأيّام ... ويعود أحباب عليّ كرام؟
стр. 1649
قوم أقام الحزن عندي مذ نأوا ... وبظلّ منزلة العقيق أقاموا
مذ قوّضت يوم الرحيل خيامهم ... ضربت لهم بين الضلوع خيام
كانت ببطحاء الغوير بيوتهم ... مبنيّة ولنا بها إلمام
والشمل مجتمع، وقد مدّت على ... العلمين من ذاك الحمى أعلام
وربى العقيق تفوح من طرب بهم ... والبان قد غنّى عليه حمام
والحيّ نشوان بطيب حديثهم ... فكأنّما دارت عليه مدام
وربوعهم قد أصبحت مخضرّة ... وتعطّرت بشذاهم الآكام
غرم الزمان عليهم فتباعدوا ... بعد الدنوّ، وللزمان عرام (١)
شالت جمالهم جمالهم ضحى ... وسروا وفي كبدي لهم إضرام
وتعطّلت أوطانهم وتصرّمت ... أيّامهم فكأنّها أحلام
فعليهم وعلى حمى حلّوا به ... وعلى الزمان تحيّة وسلام
١٥٠٩ - الوزير [علم الدين] ابن زنبور [العلائيّ] [- ٧٥٤] (٢)
[١٧٥ أ] عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن زنبور [القبطيّ]، الوزير الصاحب، علم الدين، ابن تاج الدين.
باشر أوّلا استيفاء الوجه القبليّ شريكا (١*) لوهبة ابن شجرة.
وتوجّه صحبة الأمير علم الدين أيدمر الزرّاق الكاشف، فنهض فيما ندب إليه وعاد.
فلمّا كانت مصادرة النّشو (٢*) شرف الدين عبد الوهّاب ناظر الخاصّ لأولاد الجيعان استدعى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون عامّة الكتّاب، وعرضهم ليختار منهم. فأثنى القاضي فخر الدين محمّد بن فضل الله المعروف بالفخر ناظر الجيش على ابن زنبور هذا، وعرّف السلطان بأبيه تاج الدين، فعرفه وأثنى عليه الأمير الأكوز شادّ الدواوين. فصرف السلطان الكتّاب، واستدعى ابن زنبور بعد ذلك وخلع عليه، واستقرّ بهناظر الإصطبل (٣*) في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فتمكّن في مباشرته ونال منها سعادة جليلة القدر إلى أن مات السلطان، وتحكّم الأمير آي دغمش أمير أخور في نوبة الناصر أحمد بن محمد [ف] ولّاه استيفاء الصحبة فاستمرّ حتى مات جمال الكفاة إبراهيم (٤*) في ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين [وسبعمائة] [ف] عيّن لنظر الخاصّ، وهو حينئذ قد بعثه جمال الكفاة لكشف القلاع الشاميّة صحبة جركتمر الحاجب (٥*)، فتحدّث الأمير أرغون العلائيّ زوج أمّ السلطان الملك الصالح إسماعيل بن محمد ومدبّر دولته في استقراره ناظر الخاصّ عوضا عن جمال الكفاة. وكان يعنى به-
стр. 1650
فرسم بطلبه وتوجّه البريد إليه فأبطأ حضوره نحو شهر. فقام الوزير نجم الدين محمود بن عليّ [بن شروين] وزير بغداد (١) في ولاية الموفّق هبة الله بن إبراهيم ناظر الدولة فاستقرّ في نظر الخاصّ.
وقدم ابن زنبور من الشام بعد ولاية الموفّق فباشر استيفاء الصحبة (٢) على عادته إلى أن تسلطن الكامل شعبان بن محمّد [ف] ولّاه نظر الخاصّ عوضا عن الموفّق هبة الله بن إبراهيم، واستقرّ كاتبه فخر الدين بن سعيد مستوفي الصحبة عوضه، ثمّ صرف في العشرين من شهر رجب منها بالفخر ابن السعيد المستوفي. وأعيد إلى الاستيفاء عوضا عن ابن السعيد، وكانت مباشرته نظر الخاصّ [نيفا] وثمانين يوما.
ثمّ خلع [١٧٦ ب] عليه في عشرين المحرّم سنة سبع وأربعين [وسبعمائة] واستقرّ في نظر الدولة عوضا عن تقيّ الدين سليمان بن عليّ بن مراجل، رفيقا للوزير نجم الدين محمود بن عليّ وزير بغداد.
ثمّ أعيد إلى نظر الخاصّ في عاشر جمادى الآخرة منها. وأضيفت إليه الوزارة، فخلع عليه في يوم الخميس سابع عشرين ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، فاستقلّ بالوزارة ونظر الجيش ونظر الخاصّ بعد ما تمنّع واشترط شروطا كثيرة.
ونزل إلى داره في موكب عظيم.
وجلس يوم السبت تاسع عشرينه بشبّاك الوزارة من قاعة الصاحب بالقلعة في دست الوزارة.
وجلس الموفّق ناظر الدولة قدّامه ومعه جماعة
المستوفين، فطلب جميع مباشري الدولة وقرّر ما يعتمدو [ن] هـ وطلب الحاج محمد بن يوسف المقدّم وشدّ وسطه (١*) وأعاده إلى تقدمة الدولة، وقد كان عزل في وزارة الأمير منجك بابن عمّه أحمد ابن [أبي] زيد. وطلب المعاملين وسلّفهم على اللحم وغيره. وتقدّم بكتابة ما عليه الحال في بيت المال وفي الأهراء: فلم يكن بها درهم ولا إردبّ غلّة، وعرض ذلك كلّه على السلطان والأمراء.
وشرع في عرض الكتّاب والشادّين، وعمل أوراق المتأخّر في النواحي. واهتمّ بتدبير الدولة اهتماما زائدا. وأنفق في بيت السلطان جامكية (٢*) شهر، وحمل إلى الحوائج خاناه (٣*) ما يحتاج إليه من السكّر والقلوبات (٤*) والزيت ونحو ذلك من الأصناف.
وكتب له في تقليد الوزارة «الجناب العالي» ولم تكتب لوزير قبله، وحمل التقليد إليه القاضي علاء الدين علي بن فضل الله فخرج إلى لقائه وبالغ في إكرامه وبعث إليه بتقاديم جليلة.