← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

١٥٠١ - عبد الله بن عبد الرحمن بن حديج [- ١٥٥] (١) [١٦٩ ب] عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج بن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أسامة بن سعد بن أشرس بن شبيب بن السكون (٢) بن أشرس بن كندة، الكنديّ، ثمّ التجيبيّ. تقدّم ذكر أبيه ويأتي ذكر جدّه معاوية بن حديج (٣). وولي عبد الله رابطة الإسكندريّة، وخرج ببيعة أهل مصر إلى يزيد الناقص ابن الوليد فيمن خرج. ثم أجمع الجند بعد موت المغيرة بن عبيد الله الفزاري على أن يولّوه الشرط إلى أن يأتي أمر مروان بن محمّد. فقدم عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير. وولّاه عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير البحر، ثمّ صرفه بعبد الرحمن بن عتبة المعافريّ وولّاه برقة. فلمّا قتل مروان وولي أمر مصر صالح بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس استعمل عبد الله على شرطه أيّاما، ثم صرفه. وأخذه معه فيمن أخذ من أهل مصر ليوفده على أبي العبّاس السفّاح. ثم عاد عبد الله إلى مصر. وخرج إلى إفريقيّة فيمن خرج إليها أيّام أبي عون عبد الملك بن يزيد فبلغوا سرت ثمّ عادوا. وولّى حميد بن قحطبة عبد الله الشرط عوضا عن محمد بن معاوية بن بجير (١*) بن ريسان إلى أن صرف [حميد] بيزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة فأقرّ عبد الله على الشرط. ثمّ استخلفه على مصر لمّا حجّ سنة سبع وأربعين ومائة (٢*). فلم يزل على الشرط إلى أن صرف يزيد، فولّى أبو جعفر المنصور عبد الله بن عبد الرحمن مصر على صلاتها في يوم السبت لثنتي عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فلم يولّ على الشرط أحدا، ولكن جعل على التابوت (٣*) علي بن زيدان التجيبي، ثمّ عزله بمحمّد بن يعفر المعافريّ، وعزله بعمران بن سفيان الحجريّ ثم عزله، وولّى أبا المحبّ من الموالي. وعبد الله أوّل من خطب في السواد (٤*) بمصر. وخرج إلى أبي جعفر المنصور لعشر بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا ورجع في آخر السنة. وتوفّي وهو وال يوم الأحد مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمّدا (٥*)، فكانت ولايته مصر سنتين وشهرين. روى عنه عمرو بن بحري السبائيّ [و] لم يذكره البخاريّ ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، وليس بمشهور عند أهل الحديث، والمشهور أخوه عبد الواحد بن عبد الرحمن قاضي مصر.

стр. 1647

١٥٠٢ - جمال الدين ابن عبد الغنيّ [٥٨١ - ٦٢٩] (١) [١٧٠ أ] عبد الله بن عبد الغنيّ بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور، جمال الدين، أبو موسى، ابن الحافظ أبي محمد، المقدسيّ الأصل، الدمشقيّ الدار، الحنبليّ. مولده في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بدمشق. وسمع بها من أبي محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم بن الخرقيّ، وأبي الفضل إسماعيل بن عليّ بن إبراهيم الجنزويّ وجماعة. وسمع ببغداد من أبي الفرج بن كليب الحرّانيّ، وأبي الفرج ابن الجوزيّ، في آخرين. وبأصبهان من أبي سعيد خليل بن أبي الرجاء [بدر] بن أبي الفتح [ثابت] الرارانيّ (٢) وعدّة. وبمصر من أمّ عبد الكريم فاطمة بنت سعد الخير [البلنسيّة] (٣) وغيرها. وحدّث بدمشق ومصر وغيرها. وتوفّي بدمشق في رابع شهر رمضان سنة تسع وعشرين وستّمائة، ودفن بسفح قاسيون. ١٥٠٣ - أبو زرعة القتبانيّ [- ٢٢٨] (٤) [١٧١ أ] عبد الأحد بن الليث بن عاصم بن كليب ابن خيار بن جبر بن ناشرة بن مرّي بن الأرقم بن مرثد بن ذي مراثد بن جسر بن مالك بن شرحبيل بن يرعش بن قتبان، أبو زرعة، القتباني. يروي عن حيوة بن شريح، ومالك بن أنس، ويحيى بن أيّوب، وعثمان بن الحكم الجذاميّ. مات سنة ثمان وعشرين ومائتين. ١٥٠٤ - عبد الأعلى ابن ظاعن الفهميّ [- ٩١] (١*) [١٧٢ أ] عبد الأعلى بن خالد بن ثابت بن ظاعن، الفهميّ، أبو [ ... ]. يروي عن رجل عن عمر بن الخطّاب ﵁. روى عنه الحرث بن يعقوب. وولّاه عبد الله بن عبد الملك بن مروان الشرطة مكان عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة لمّا سخط عليه، وصرفه في صفر سنة تسع وثمانين. فلمّا صرف عبد الله بقرّة [بن شريك] (٢*) أقرّ عبد الأعلى. ثمّ استخلفه على الفسطاط لمّا خرج إلى رشيد حتى عاد. فلم يزل على الشرط حتّى مات بالفرما وهو سائر إلى الوليد بن عبد الملك في ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين. ١٥٠٥ - ابن أبي الهجرس [- نحو ١٣٢] (٣*) [١٧٣ أ] عبد الأعلى بن أبي الهجرس، المراديّ، مولاهم، صاحب مراكب دمياط.

стр. 1648

كان ممّن سوّد لمّا قدم مروان بن محمد مصر، وقاتل كوثر بن الأسود الغنويّ صاحب شرطة مروان. فلمّا هزمهم [ابن] الأسود على الكريون (١) ودخل الإسكندريّة، أمر بعبد الأعلى فقطعت يداه ورجلاه، وتركه. فجعل يقرأ القرآن حتّى ختم. وبعث إليه الليث بشربة فسقاه إيّاها. وأدركه النزيف وقد ختم القرآن، فتوفّي ﵀. ١٥٠٦ - زين الدين الأسديّ قاضي حلب [٥٧٨ - ٦٣٥] (٢) [١٧٤ أ] عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن رافع، الأسديّ، أبو محمّد، زين الدين، ابن الأستاذ (٣)، الأسديّ أسد خزيمة، الحلبيّ، الفقيه الشافعيّ، قاضي حلب. ولد في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ونشأ بحلب. وسمع من أبي الفرج يحيى بن محمود بن سعد الثقفيّ الأصبهانيّ، قدم عليهم، ومن عدّة. وتفقّه على مذهب الشافعيّ، وصحب قاضي حلب أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم [المعروف بابن شدّاد] وقرأ عليه المذهب والخلاف والجدل والأصولين. وعني به عناية شديدة لما رأى من نجابته وفهمه وذكائه وقوّة إدراكه وحسن طريقته، فاتّخذه ولدا وصاهره، واعتمد عليه في سائر جميع أحواله حتّى برع في العلم وصار معيدا لمدرسته وله نيف وعشرون سنة. ثم ولي التدريس بعده، وتقدّم عند الملوك وروسل به إلى دمشق ومصر مرّات، وإلى دار الخلافة. فقدم بغداد سنة أربع وثلاثين وستّمائة في رمضان، وجمع له فقهاء بغداد ومدرّسوها بدار الوزارة وتكلّم معهم بحضرة الوزير فاستحسن كلامه. وكانت له معرفة حسنة بالحديث، ويد باسطة في الأدب، مع الورع والدين الشديد، والستر الثخين والتمسّك بسير السلف، والوقار وحسن الخلق والخلق، ولطف الطباع والمزح وطيب المعاشرة. وله شعر حسن. ومات ليلة السبت سادس عشر شعبان سنة خمس وثلاثين وستّمائة بحلب. ١٥٠٧ - عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (١*) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ. شهد فتح إفريقيّة وقتل بها. وهو عبد الله الأكبر، وأمّه العباديّة (٢*). ١٥٠٨ - ظهير الدين الحدّاد [٦١٥ - ٦٦٩] (٣*) عبد الباري بن عبد القادر بن غدير، أبو محمد، ظهير الدين، الحدّاد، الشافعيّ. ولد بمصر سنة خمس عشرة وستّمائة. وتوفّي بمصر في أوائل جمادى الآخرة سنة تسع وستّين وستّمائة [ ... ] (٤*). ومن شعره [الكامل]: أترى أعيش وتسمح الأيّام ... ويعود أحباب عليّ كرام؟

стр. 1649

قوم أقام الحزن عندي مذ نأوا ... وبظلّ منزلة العقيق أقاموا مذ قوّضت يوم الرحيل خيامهم ... ضربت لهم بين الضلوع خيام كانت ببطحاء الغوير بيوتهم ... مبنيّة ولنا بها إلمام والشمل مجتمع، وقد مدّت على ... العلمين من ذاك الحمى أعلام وربى العقيق تفوح من طرب بهم ... والبان قد غنّى عليه حمام والحيّ نشوان بطيب حديثهم ... فكأنّما دارت عليه مدام وربوعهم قد أصبحت مخضرّة ... وتعطّرت بشذاهم الآكام غرم الزمان عليهم فتباعدوا ... بعد الدنوّ، وللزمان عرام (١) شالت جمالهم جمالهم ضحى ... وسروا وفي كبدي لهم إضرام وتعطّلت أوطانهم وتصرّمت ... أيّامهم فكأنّها أحلام فعليهم وعلى حمى حلّوا به ... وعلى الزمان تحيّة وسلام ١٥٠٩ - الوزير [علم الدين] ابن زنبور [العلائيّ] [- ٧٥٤] (٢) [١٧٥ أ] عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن زنبور [القبطيّ]، الوزير الصاحب، علم الدين، ابن تاج الدين. باشر أوّلا استيفاء الوجه القبليّ شريكا (١*) لوهبة ابن شجرة. وتوجّه صحبة الأمير علم الدين أيدمر الزرّاق الكاشف، فنهض فيما ندب إليه وعاد. فلمّا كانت مصادرة النّشو (٢*) شرف الدين عبد الوهّاب ناظر الخاصّ لأولاد الجيعان استدعى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون عامّة الكتّاب، وعرضهم ليختار منهم. فأثنى القاضي فخر الدين محمّد بن فضل الله المعروف بالفخر ناظر الجيش على ابن زنبور هذا، وعرّف السلطان بأبيه تاج الدين، فعرفه وأثنى عليه الأمير الأكوز شادّ الدواوين. فصرف السلطان الكتّاب، واستدعى ابن زنبور بعد ذلك وخلع عليه، واستقرّ بهناظر الإصطبل (٣*) في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فتمكّن في مباشرته ونال منها سعادة جليلة القدر إلى أن مات السلطان، وتحكّم الأمير آي دغمش أمير أخور في نوبة الناصر أحمد بن محمد [ف] ولّاه استيفاء الصحبة فاستمرّ حتى مات جمال الكفاة إبراهيم (٤*) في ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين [وسبعمائة] [ف] عيّن لنظر الخاصّ، وهو حينئذ قد بعثه جمال الكفاة لكشف القلاع الشاميّة صحبة جركتمر الحاجب (٥*)، فتحدّث الأمير أرغون العلائيّ زوج أمّ السلطان الملك الصالح إسماعيل بن محمد ومدبّر دولته في استقراره ناظر الخاصّ عوضا عن جمال الكفاة. وكان يعنى به-

стр. 1650

فرسم بطلبه وتوجّه البريد إليه فأبطأ حضوره نحو شهر. فقام الوزير نجم الدين محمود بن عليّ [بن شروين] وزير بغداد (١) في ولاية الموفّق هبة الله بن إبراهيم ناظر الدولة فاستقرّ في نظر الخاصّ. وقدم ابن زنبور من الشام بعد ولاية الموفّق فباشر استيفاء الصحبة (٢) على عادته إلى أن تسلطن الكامل شعبان بن محمّد [ف] ولّاه نظر الخاصّ عوضا عن الموفّق هبة الله بن إبراهيم، واستقرّ كاتبه فخر الدين بن سعيد مستوفي الصحبة عوضه، ثمّ صرف في العشرين من شهر رجب منها بالفخر ابن السعيد المستوفي. وأعيد إلى الاستيفاء عوضا عن ابن السعيد، وكانت مباشرته نظر الخاصّ [نيفا] وثمانين يوما. ثمّ خلع [١٧٦ ب] عليه في عشرين المحرّم سنة سبع وأربعين [وسبعمائة] واستقرّ في نظر الدولة عوضا عن تقيّ الدين سليمان بن عليّ بن مراجل، رفيقا للوزير نجم الدين محمود بن عليّ وزير بغداد. ثمّ أعيد إلى نظر الخاصّ في عاشر جمادى الآخرة منها. وأضيفت إليه الوزارة، فخلع عليه في يوم الخميس سابع عشرين ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، فاستقلّ بالوزارة ونظر الجيش ونظر الخاصّ بعد ما تمنّع واشترط شروطا كثيرة. ونزل إلى داره في موكب عظيم. وجلس يوم السبت تاسع عشرينه بشبّاك الوزارة من قاعة الصاحب بالقلعة في دست الوزارة. وجلس الموفّق ناظر الدولة قدّامه ومعه جماعة المستوفين، فطلب جميع مباشري الدولة وقرّر ما يعتمدو [ن] هـ وطلب الحاج محمد بن يوسف المقدّم وشدّ وسطه (١*) وأعاده إلى تقدمة الدولة، وقد كان عزل في وزارة الأمير منجك بابن عمّه أحمد ابن [أبي] زيد. وطلب المعاملين وسلّفهم على اللحم وغيره. وتقدّم بكتابة ما عليه الحال في بيت المال وفي الأهراء: فلم يكن بها درهم ولا إردبّ غلّة، وعرض ذلك كلّه على السلطان والأمراء. وشرع في عرض الكتّاب والشادّين، وعمل أوراق المتأخّر في النواحي. واهتمّ بتدبير الدولة اهتماما زائدا. وأنفق في بيت السلطان جامكية (٢*) شهر، وحمل إلى الحوائج خاناه (٣*) ما يحتاج إليه من السكّر والقلوبات (٤*) والزيت ونحو ذلك من الأصناف. وكتب له في تقليد الوزارة «الجناب العالي» ولم تكتب لوزير قبله، وحمل التقليد إليه القاضي علاء الدين علي بن فضل الله فخرج إلى لقائه وبالغ في إكرامه وبعث إليه بتقاديم جليلة.

стр. 1651

ولم يزل على أجلّ رتبة إلى أن قدم السلطان الملك الصالح بن محمد من دمشق في نوبة الأمير بيبغا أروس القاسميّ نائب حلب. وعمل الوزير المهمّ العظيم (١) في يوم الخميس سابع عشرين شوّال سنة ثلاث وخمسين [وسبعمائة] ومدّ للسلطان سماطا بالغ في الاحتفال به. فخلع عليه وعلى جميع أرباب الوظائف من الأمراء والمباشرين بعد العصر. فاتّفق أنّه لمّا فرّقت التشاريف (٢) التي تخلع على الأمراء غلط الذي أخذ تشريف الأمير صرغتمش رأس نوبة ودخل به إلى الأمير بلبان السناني أستادار (٣) ودخل بتشريف بلبان لصرغتمش. [١٧٧ أ] فعند ما رآه صرغتمش ظنّ أنّ ابن زنبور تعمّد ذلك احتقارا له، وكان في نفسه منه كوامن، فاشتدّ غضبه، وقام من فوره، وخرج من داره بالقلعة وعبر إلى بيت الأمير شيخو العمري وألقى التشريف قدّامه وقال: انظر فعل الوزير معي! فقال له شيخو: هذا قد حصل فيه غلط من الذي حمله إليك. فلم يعجبه منه ذلك وتزايد غضبه، وخرج وبه من الغضب شبه الجنون وهو يقول: هذا شغل الوزير، وأنا ما أرضى بالهوان. والله لا بدّ لي من القبض عليه، ومهما شئت فافعل بي! فلسوء المقدور صادف الوزير داخلا إلى الأمير شيخو، وعليه تشريفه، فصاح في مماليكه: خذوه! فنزعوا عنه في الحال التشريف وجرّوه إلى بيت أستاذهم الأمير صرغتمش فسجنه في مكان مظلم من بيته. وسجن ابنه رزق الله في موضع آخر. وكان [صرغتمش] قبل أن يدخل على الأمير شيخو رتّب عدّة من مماليكه على باب خزانة الخاصّ (١*) وعلى باب النحاس وعلى أبواب القلعة، وأوصاهم بالقبض على حواشي ابن زنبور وجميع الكتّاب. فقبضوا على الجميع، وطمعت الغلمان فيهم فسلبوا عدّة من الكتّاب ثيابهم، وحصّل الغلام الواحد ستّ عشرة دواة رهنا على [ما] وعدوه به فجباهم وع [و] دهم من الغد. وعند ما قبض صرغتمش على ابن زنبور أرسل الأمير جرجي والأمير قشتمر في عدّة مماليك إلى دوره فأوقعوا الحوطة عليها وختموها. وختموا بيوت الزامه (٢*) وحريمهم وقت المغرب، وهم آمنون قد اجتمعوا في أفراحهم وتهانيهم. [١٧٧ ب] وكتب إلى الأعمال بالحوطة على أمواله مصرا وشاما. وركب صرغتمش في يوم السبت، ومعه رزق الله ابن الوزير، إلى دورهم وأحضر أمّه وهدّدها. فأخذ خمسة عشر ألف دينار ذهبا وخمسين ألف درهم فضّة، وصندوقا فيه ستّة آلاف دينار ومصاغ. ووجد في ثقله الذي قدم به من الشام ستّة آلاف دينار ومائة وخمسين ألف درهم فضّة، ومن الثياب والفرو ونحو ذلك ما يجلّ وصفه. ونقل ما في دور أزواج بناته. وطلب بناته فلم يقدر

стр. 1652

عليهنّ. وعاد إلى القلعة. وصار صرغتمش ينزل ومعه بدر الدين ناظر الخاصّ وشهود الخزانة وينقل حوامل ابن زنبور حتى أعياهم كثرة ما وجدوا له. وتتبّعت حواشيه فوجد له في ركن داره خمسة وستّون ألف دينار. ثمّ [طلبه] وجرّده من ثيابه وضربه عريانا فلم يعترف بشيء وعاقب ابنه وامرأته عدّة أيّام. فكانت عدّة الحمّالين الذين حملوا على رءوسهم ما وجد له من القماش ونحوه ثمانمائة حمّال، سوى ما حمل على البغال. ووجد له من أواني الذهب والفضّة ما زنته ستّون قنطارا، ومن الجواهر ستّون رطلا، ومن اللؤلؤ كيل إردبّين، ومن الذهب الهرجة (١) مائتا ألف دينار وأربعة آلاف دينار، ومن الحوائص ستّة آلاف حياصة وستّة آلاف كلفتاه زركش. ووجد له ألفا فرجيّة (٢) كان يلبسها، وستّة آلاف بساط، ومن الصنج التي يوزن بها ما قيمته خمسون ألف درهم، ومن الشاشات ثلاثمائة شاش. ومن الخيل والبغال ألف رأس، ومن البقر ستّة آلاف رأس، وأغنام حلّابة ستّة آلاف [١٧٨ أ] رأس. وخمسة وعشرون معصرة للسكّر. وبيد حواشيه سبعمائة إقطاع، متحصّل كلّ إقطاع منها خمسة وعشرون ألف درهم في كلّ سنة. ومائة عبد، وستّون طواشيّ، وسبعمائة جارية، وسبعمائة مركب في النيل. وأملاك قوّمت بثلاثمائة ألف دينار، ورخام بمائتي ألف درهم، ونحاس بأربعة آلاف دينار، وسروج وبدلات، عدّة خمسمائة. ووجد له اثنان وثلاثون مخزنا ملانة بأصناف البضائع قوّمت بأربعمائة ألف دينار. وسبعة آلاف نطع، وخمسمائة حمار، ومائتا بستان، وألف وأربعمائة ساقية. وفي بيت المال مائة وستّون ألف درهم، وفي الأهراء عشرون ألف، وذلك سوى ما نهب له وقت الحوطة وسوى ما اختلس له. على أتّ موجوده قوّم وبيع بنصف قيمته. وكان قد عظم إلى الغابة بحيث كان، إذا أخرجت الخيول من الإصطبل السلطان [يّ] للتفرقة على أرباب الوظائف في كلّ سنة تخرج له ثلاثة أرؤس. وإذا خلع على أرباب الوظائف يخلع عليه ثلاث خلع. وبعدت كلمته وقويت مهابته، وفخمت نعمته وتجاوزت سعادته. واتّجر في سائر الأصناف حتى في الملح والكبريت. وكان ربح متجره في سنة واحدة زيادة على ألف ألف درهم، منها ربحه في الزيت الحارّ خاصّة مائة ألف وعشرة آلاف درهم. فكثرت حسّاده وعاداه الكتّاب لضبطه، فأحصوا عليه ما يتحصّل له وأخذوا في إغراء الأمير صرغتمش به، وأنّه كان يحمل إلى الأمير شيخو مال الخاصّ كلّه، وأنّه هو الذي عمّر له الدار التي على النيل، ويقوم له بما يحتاج إليه في [١٧٨ ب] كلّ سنة من الحوائص، حتّى امتلأ من عداوته وصار يسمع شيخو ما ينكيه به ويشنّع عليه بسبب ابن زنبور، ويلتزم أنّه إن مكّن منه أخذ للسلطان أموالا ينتفع بها، وشيخو يتلطّف به ويدافعه عنه، وابن زنبور يصانعه ويحمل إليه الأموال، وهو لا يزداد إلّا حنقا عليه.

стр. 1653

وما زال [صرغتمش] يستميل الأمير طاز حتى مال معه على ابن زنبور فقويا على شيخو. هذا وقد انتدب جماعة لرمي ابن زنبور بكلّ عظيمة تخرجه عن الإسلام وتثبت أنّه على دين النصرانيّة، وأنّ قتله من جملة ما يتقرّب به إلى الله تعالى. فمرّ به بعد القبض من أنواع العقوبات ما لا يوصف. ثمّ أخرج في ليلة الاثنين تاسع عشر من المحرّم [سنة ٧٥٤] إلى قوص فكانت مدّة عقوبته ثلاثة أشهر. ومات بقوص يوم الأحد سابع (١) عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبعمائة. وكان من أجلّ وزراء الدولة التركيّة، وكان له صدقات ومبارّ دارّة لأرباب البيوت في كلّ شهر. وكان يتفقّد الكتّاب والأمراء وغيرهم بالإنعامات من السكّر وغيره. ويبعث إلى الحرمين كلّ سنة عشرة آلاف درهم. وكان يصوم شهر رمضان ويصلّي. ولم يعرف أنّه صادر أحدا في طول مباشرته ولا نكبه، ولا ضرب أحدا بالمقارع. وكان يظنّ أنّ الأمير شيخو لا يمكّن منه أحدا، ويثق به ويعتمد عليه، فوكّله شيخو إلى ما تعلّق به، وقام الأمير صرغتمش بأمر نكبته، ولم يجسر أحد أن يتكلّم في خلاصه من يده. ولم يعرف قبله أنّ وزيرا نكب بغير يد السلطان سواه، فإنّه لم ينكبه إلّا الأمير صرغتمش. ١٥١٠ - أبو محمد البيّاسي الكاتب [٥٥٥ - ٦٣٥] (٢) [١٧٩ أ] عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، الإمام أبو محمد، الثّقفيّ، الأندلسيّ، البيّاسيّ، المالكيّ، الكاتب. مولده ببيّاسة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ولقي أبا القاسم السهيليّ وغيره. وله شعر حسن. توفّي بالقاهرة في سابع عشر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وستّمائة. ١٥١١ - ابن تافراجين [- ٧٦٠] (١*) عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز بن تافراكين الحاجب، أبو محمد، التونسيّ، شيخ الموحّدين. كان بنو تافراكين من بيوت الموحّدين في تينمال، ولهم التقدّم من أيّام عبد المؤمن بن عليّ، وفي أيّام بنيه، إلى أن كان عبد العزيز جدّ هذا الحاجب، وهو على التقدّم فيهم. فلمّا اختلّ سلطان بني عبد المؤمن بمراكش قدم أحمد بن عبد العزيز وأخواه محمد وعمر إلى تونس، فولّاه السلطان أبو حفص على قفصة، ثمّ على المهديّة. وكان السلطان أبو عصيدة يستخلفه على الحضرة إذا خرج منها حتّى مات. ونشأ ابناه أبو محمد صاحب الترجمة، وأبو العبّاس أحمد في حجر الدولة فاستخلص أبو ضربة محمد بن أبي يحيى زكريا اللحيانيّ أبا عبد الله، وما زال معه حتّى تفرّقت جموعه فلحق بالسلطان أبي بكر. وترقّى في خدمته حتّى ولّاه الوزارة. ثم قدّمه شيخا على الموحّدين في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.

стр. 1654

وبعثه إلى ملك فاس مع ابنه أبي زكريا صاحب بجاية صريخا على بني عبد الواد ملوك تلمسان. وما زال يرجع إليه في المشورة والتدبير ويعوّل على رأيه إلى أن تقلّد الحجابة في سنة أربع وأربعين [وسبعمائة] (١) وفوّض إليه السلطان أبو بكر ما وراء وعقد على الوزارة لأخيه أبي العبّاس أحمد. وصار أبو محمد يلازم الباب ودفع أخاه أبا العباس إلى الحرب وقيادة العساكر حتّى قتل بيد سحيم من العرب في أوّل سنة سبع وأربعين [وسبعمائة] وقد خرج لجباية هوارة. ولم يزل أبو محمد مستبدّا بالمملكة حتّى قدم السلطان أبو الحسن من فاس إلى إفريقيّة وملك تونس. فتحيّل في الخروج من عنده ولحق بالعرب وقد أقاموا أحمد بن عثمان بن أبي دبّوس (٢) سلطانا فقلّدوه حجابته (٣) وبعثوه إلى حصار قصبة تونس، وقد خرج عنها أبو الحسن لقتال العرب وترك بها حرمه وأولاده. فنزل عليها أبو محمّد (٤) بسلطانه ونصب المجانيق عليها فلم يغن شيئا حتى قدم السلطان أبو الحسن من القيروان في [يوم] النحر إلى تونس. فتسلّل أبو محمد من أصحابه وركب البحر في شهر ربيع الأوّل (١*) سنة [١٧٩ ب] تسع وأربعين [وسبعمائة] إلى الإسكندريّة وقدم القاهرة واتّصل بالأمير بيبغا أروس القاسميّ نائب السلطان. فبعث السلطان أبو الحسن [المريني] في طلبه فلم يسلمه الأمير بيبغا أروس، وجهّزه للحجّ في سنة خمسين. فحجّ واجتمع في حجّه بعمر بن حمزة بن أبي الليل، وتعاقدا على الرجوع إلى إفريقية والتظاهر على أمرها. وعادا ووافقا العرب على المكر بالسلطان أبي العبّاس الفضل ابن السلطان أبي بكر، وزحفوا إلى تونس. فخرج إليهم السلطان أبو العبّاس فقبضوا عليه. ودخل أبو محمد ابن تافراكين تونس لإحدى عشرة من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين، وأقام الأمير أبا إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي بكر في المملكة، وهو غلام لم يبلغ الحلم. وقتل أبا العبّاس الفضل، وقام بأمر الدولة وحجّر على السلطان، واستبدّ بالأمور كلّها. فنقم عليه الأمراء شأن استبداده. وشمّر أبو العبّاس أحمد بن مكّي متولّي قابس للسعي عليه لمنافسة كانت بينهما، واستعان بأولاد مهلهل، فشنّوا الغارات على الضواحي وجمعوا الناس. فبعث إليهم أبو محمد عسكرا في سنة اثنتين وخمسين [وسبعمائة] فكسروه، وجبوا أموال النواحي، وظاهروا الأمير أبا زيد عبد الرحمن ابن الأمير أبي زكريا يحيى صاحب قسنطينة، وزحفوا به في سنة ثلاث وخمسين.

стр. 1655

فجهّز أبو محمد السلطان أبا إسحاق وأخرجه إليهم فهزموه ونازلوا تونس أيّاما، ثمّ مضوا عنها إلى القيروان، ثم إلى قفصة. ولم يزل الحاجب أبو محمد على استبداده بالأمور حتّى مات أوّل ستّ وستّين وسبعمائة، فشهد السلطان جنازته حتّى دفن بالمدرسة التي بناها (١). واستبدّ بعد موته [أبو إسحاق] بسلطانه وولّى حجابته أبا عبد الله محمد، ابن الحاجب أبي محمد. ١٥١٢ - أبو محمد الرّيغي المغربيّ [٥٤٩ - ٦٤٥] (٢) [١٨٠ أ] عبد الله بن إبراهيم بن سعيد بن القائد، أبو محمد، الهلاليّ، الريغيّ- بالغين المعجمة- المالكيّ، الفقيه، الخطيب، الحاكم. تفقّه بالإسكندريّة وسمع الحديث بها من الفقيه أبي الطاهر إسماعيل بن مكّي بن عوف، والفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي بن جارة. وأجاز له الحافظ أبو الطاهر السّلفيّ. وقدم مصر وسمع بها الإمام أبا القاسم الشاطبيّ، واشتغل بها مدّة، ثمّ أعاد بالمدرسة المجاورة لجامع مصر. وتوجّه إلى الاسكندريّة وولي القضاء بها بعد موت أبي القاسم عبد الرحمن بن سلامة، وذلك في سنة ثلاث وستّمائة. فحمدت سيرته واشتهرت ديانته وثبوته في الأحكام وصلابته. وقدم مصر بعد هذا مرّات. قال الحافظ زكيّ الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، وقد ذكر ما تقدّم (١*): اجتمعت به وسألته الدعاء وذاكرته من سمع فذكر لي ما قدّمته. وحدّث بالإسكندريّة بكتاب الموطّأ، ولم أجد معه شيئا من مسموعاته، ورغبت إليه في الإجازة لي ولأولادي فأجاب إلى ذلك، وكتب به خطّه، وهو أحد العلماء العاملين. ورواؤه (٢*) يشهد بما اشتمل عليه باطنه من الخير والدين. سألته عن مولده فذكر ما يدلّ أنّه سنة تسع وأربعين، أو سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وبلغنا أنّه توفّي بالإسكندريّة في ليلة الأحد ودفن يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين وستّمائة ﵀. ١٥١٣ - ابن الفقيه نصر [٦٠٥ - ] (٣*) [١٨١ أ] عبد الله بن إبراهيم بن نصر بن ظافر بن هلال، جلال الدين، أبو محمد، ابن برهان الدين

стр. 1656

أبي إسحاق، ابن زكيّ الدين أبي الفتح، الحمويّ، المصريّ، المعروف بابن الفقيه نصر. ولد بمصر سنة خمس وستّمائة. وحجّ، ففكّر يوما بمكّة في عمره وكونه يذهب، وما حصل على ما يؤمّله ويرضاه، ثمّ نظم، من شعره [البسيط]: ها أكثر العمر قد ولّى وقد ذهبا ... وما حصلت على شيء، فوا حربا! فدخل عليه الإمام العارف شيخ المجاورين تقيّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الواحد بن مرا الحورانيّ، فقال له: ما في هذه الورقة؟ قال: قد عملت هذا البيت. فأخذ الورقة من يده وكتب تحت البيت: هذا مقال امرئ بالوهم قد حجبا ... لظنّه أنّه يمحو الذي كتبا الدين والعمر لله العظيم وقد ... أحصاهما سابق العلم الذي وجبا وليس للمرء شيء منهما أبدا ... فكيف يحسن منه القول: وا حربا؟ ١٥١٤ - أبو محمد الشرائحيّ الحافظ [٧٤٨ - ٨٢٠] (١) عبد الله بن إبراهيم بن خليل بن عبد الله بن محمود بن يوسف بن تمّام، أبو محمد، الشرائحيّ، البعليّ، الدمشقيّ، الحافظ. ولد في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. وسمع على ابن أميلة جامع الترمذي وسنن أبي داود. وسمع على جماعة من أصحاب الفخر وأصحاب ابن القوّاس، وابن عساكر وأصحاب التقيّ سليمان، وأصحاب الحجّار. وسمع على زينب بنت الكمال. وأكثر من السماع، وعرف العالي والنازل، وشارك في فنون الحديث. وقدم القاهرة في الجفل سنة ثلاث وثمانمائة، وحدّث بالكثير ثمّ رجع إلى دمشق. وكان أمّيّا لا يكتب، وفي بصره ضعف كبير. ومات في ثالث المحرّم سنة عشرين وثمانمائة. ١٥١٥ - أبو محمد الأصيليّ الأندلسيّ [٣٢٤ - ٣٩٢] (١*) [١٨٢ أ] عبد الله بن إبراهيم [بن محمد] الأصيليّ، أبو محمد. أصله من كورة شذونة من بلاد الأندلس. وكان جدّه من مسالمة أهل الذمّة بها. وكان والده إبراهيم يلقب «زقّ الإبرة» لشكاسة كانت في خلقه، ورثها عبد الله عنه. ووالده إبراهيم هو الذي رحل به إلى أصيلة من بلاد العدوة وسكنها فنشأ بها عبد الله، ثم رحل وطلب العلم بالآفاق ودخل الأمصار، فأوغل في بلاد المشرق فكان من جلّة العلماء، ولقي الرجال، وتفنّن في الرأي

стр. 1657

وحذق في الحديث وأبصر علله. وروى كتاب البخاري فأبرّت روايته على رواية من قبله [ ... ] (١) وألّف كتبا كثيرة نفّاعة منها كتاب «الدليل على أمّهات المسائل» في السنّة (٢). وسمع الخليفة الحكم بخبره وهو بالمشرق، وكان معتنيا بهذا الشأن فاستجلبه من العراق وأقبل نحو الأندلس. فلمّا وصل منها إلى المريّة مات الحكم فانعكس أمله وبقي حائرا، وكان مقلّا. ثم نهض إلى قرطبة حضرة السلطان ونشر بها علمه فشهر ذكره، وشرق فقهاؤها بمكانه، وبقي بها مدّة مضاعا حتّى همّ بالانصراف إلى المشرق. فلمّا كانت أيّام المنصور محمد بن أبي عامر، وعرف مكانه في العلم وبعد أثره في طلبه، وكنه قيامه به، وحفظه ونبله ويقظته، رغب في اتّخاذه واصطناعه. وكان أوّل ما وصله به من أسباب النباهة أن أمر بإجراء الرزق عليه باسم المقابلة (٣) فنعشه به. ثمّ أخرج أمر السلطان الأكبر بتقديمه إلى الشورى. ثم ولي قضاء سرقسطة. وكان من حفّاظ رأي مالك بن أنس، إلّا أنّه كان على مذهب العراقيّين من أصحابه في وضع الحجاج والتكلّم على الأصول وترك التقليد. وكان مع ذلك من أعلم الناس بالحديث وأنقدهم له، وأبصرهم بعلله ورجاله. وكان يحضّ أصحابه على طلب الحديث واكتتابه ولا يرى أنّ من خلا من علمه فقيه على حال. وكانت وفاته سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة على إثر موت [المنصور] ابن أبي عامر. فدفن بمقبرة الرصافة، وصلّى عليه القاضي أبو العبّاس بن ذكوان. ١٥١٦ - عبد الله بن طباطبا العلويّ [٢٨٦ - ٣٤٨] (١*) [١٨٣ أ] عبد الله بن أحمد بن علي بن الحسن بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن (المثنّى) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، الشريف أبو محمد بن [ ... ]. ولد في سنة ستّ وثمانين ومائتين، وتوفّي بمصر في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. وكان عين بني عليّ كلّهم بمصر، وله ضياع ورياع (٢*)، ونعمة ظاهرة، وعبيد وحاشية وغاشية (٣*)، لا يركب إلّا في موكب من أهله وخاصّته ومن في جملته ومن يلقاه. وكان الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج أمير مصر قد اختصّ به. وكان يسايره إذا ركب. وكان مع هذا من أهل الستر والصيانة والعفاف

стр. 1658

والإفضال، معدّلا عند القضاة متمكّنا عند السلطان يجلس في أرفع مجلس. وكان ندّا لأبي محمد الحسن بن طاهر بن يحيى (١) إلى أن مات. فصار ندّا لابن أخيه أبي جعفر مسلّم بن عبيد الله بن طاهر لا يلتقي معه إلّا في مجلس السلطان أو في قضاء حقّ لأحدهما. وكان لعبد الله إنعام كثير، فيرسل إلى كلّ مخالط له أو منقطع إليه القمح والضحايا في كلّ سنة. ومنهم من يرسل إليه الحطب مع القمح من ضياعه. وكان يرسل إلى أبي القاسم أو نوجور بن الإخشيد أمير مصر وإلى أخيه الضحايا: النوق والبقر والكباش. وكان ينفذ إلى كافور الضحايا، وإلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. وكان يرسل الحلواء (٢) المعمولة في داره فينفذ إلى كافور في كلّ يوم جامين، وإلى الوزير أبي الفضل وإلى سائر الرؤساء ومن يختصّ به. فكان منهم من يرسل إليه الحلواء في كلّ يوم، ومنهم من يرسل إليه بين يومين، ومنهم من يرسل إليه في كلّ جمعة. وكان في داره رجل يكسّر اللوز للحلواء بدينارين في كلّ شهر (١*). وكان يرسل إلى كافور في كلّ يوم جامين حلواء، ورغيفا في منديل مختوم، فخوطب كافور في الرغيف وقيلله: الحلواء أحسن، وأيّ شيء تصنع بالرغيف؟ فأرسل إليه: يجريني الشريف على عادته في الحلواء، ويعفيني من الرغيف. فركب إليه وقال: أيّدك الله! إنّا ما نرسل الرغيف تطاولا ولا تعاطيا (٢*)، وإنّما هي صبيّة [١٨٣ ب] حسنيّة بكر تعجنه بيدها وتخبزه بيدها، فنرسله على سبيل التبرّك. وإذا كرهته قطعناه. فقال: لا والله، لا تقطعه! ولا يكون لي غداء سواه. وكان عبد الله حسن المعاملة. يوفّي (٣*) معامليه، حسن الإفضال عليهم، ملاطفا لهم، يركب إليهم وإلى سائر أصدقائه، ويقضي حوائجهم، ويطيل الجلوس عندهم. وأغنى جماعة (٤*) وكان حافظا لمخلّفيهم، وله مع ذلك برّ كثير. قال ابن زولاق (٥*): حدّثني قال: رأيت فيما يراه النائم، ولي أقلّ من عشرين سنة، كأنّ طاقا مفتوحا في السماء، فصعدت منه ومشيت حتى انتهيت إلى بيت في صدره سرير أسود عليه امرأة أعلم أنّها خديجة زوجة

стр. 1659

رسول الله ﷺ . فسلّمت عليها فقالت لي: من تكون؟ فقلت: عبد الله بن الحسن بن طباطبا. فصفّقت بيديها وقالت: يا فاطمة، قد جاءك ولد. فخرجت فاطمة من على يسار خديجة، فقمت إليها فقبّلت يدها وجلست. ثم خرج كهلان أعلم أنّهما الحسن والحسين، فقمت إليهما فقبّلت يد الواحد فقال لي: «عمّك! »، وأشار إلى الحسين. ثم جلسوا، ثم خرج أمير المؤمنين (١)، فقاموا كلّهم له. وجلس. ثمّ رأيت خديجة متحفّزة تريد النزول من السرير، ورأيت الجماعة قد اشرأبّوا، ونزلت خديجة وخرج رسول الله ﷺ فقاموا كلّهم وقمت. فانكببت على قدميه أقبّلهما فمنعني وقال: لا تصنع هذا بأحد! ثمّ جلسوا يتحدّثون، فما أنسى حديثهم، وهواء يخرج من ذلك البيت يكاد يأخذ روحي، إلى أن قال لي النبي ﷺ : قم! فقلت: يا رسول الله، إنّي أريد المقام عندكم. فقال: قم. فأخذ بيدي وأنزلني من الطاق، ويدي في يده، وهو يقول لي: بلغت؟ فقلت: «لا» إلى أن بلغ إبهام رجلي الأرض، فقال: بلغت؟ فقلت: لا. فقال: بلى! بلغت ولكنّك تتثبّت. فلمّا حصلت رجلي على الأرض، انتبهت بصرع، وأنا لا أعقل. وجاءوني بالمعزّمين (١*)، وعلّقوا عليّ التعاويذ، فأقمت لا أعقل نحوا من شهر. ثمّ إنّي أفقت وفتحت عينيّ، فاستبشر أهلي وسألوني. فحدّثتهم بعد أيّام. وبلغ [الحديث] أبا عبد الله الرّسيّ فركب وجاءني وسألني، فحدّثته فبكى وقال: ليت عيني كانت معك! لقد شاهدت يا عبد الله مشهدا عظيما وليكوننّ لك شأن! وكان عبد الله جريئا في المجلس طلق اللسان. فحدّثني عنه أحمد بن أبي عمرو الحكيم قال: حدّثني عبد الله بن [١٨٤ أ] أحمد قال: تعرّضنا أبو علي الحسين بن أحمد بن زنبور عامل الخراج، في ضياعنا، فشكوت أنا وأخي إلى أبي عبد الله الرسّيّ فركب معنا إليه وقال له: أيّدك الله، هؤلاء ولد أبي جعفر، وحقّهم واجب، وقد آذاهم عمّالك في ضياعهم. فقال أبو علي: دعني الساعة من هذا المعنى! إنّ عند عجائزهم دعاء يتوارثونه، فأحبّ أن تطلبه لي منهم. (قال عبد [الله] بن أحمد): فقلت له، وأنا حدث: الدعاء عندنا وما يساوي شيئا، فلا تطلبه! فقال: كيف؟ فقلت: إنّا ندعو به عليك من مدّة فما استجيب! فصاح أبو عبد الله الرسّيّ: يا غلمان، أخرجوهم! فقمت أنا وأخي، فقال لي أخي: أيّ شيء كان لك في هذا من الفائدة؟ فقلت له: قد كان ما كان. ووقفنا للرسّيّ حتى خرج إلينا. فخرج رجل وقال: ابشروا! فإنّ الشريف قال له بعد

стр. 1660

خروجكم: أيّدك الله، لا تسرّ ما (١) علمت لهم. فالدعاء والله عندهم، وما آمن أن يكونوا قد دعوا به عليك. فاضطرب وقال: يا أبا عبد الله، أيّ شيء الرأي؟ قال: تكتب بصيانتهم وحفظ ضياعهم. فقال: والله [١٨٤ ب] لا كتبته إلّا بخطّي! وهو ذا يكتبه. ثم خرج الرسّي وفي يده الكتاب. فأعرض عنّا وسرنا خلفه. فلمّا صار عند دار العنقود قال: أين عبد الله؟ قلت: لبّيك! قال: هات فمك! فما أنسى (٢) حلاوة كلامك، كثّر الله في أهلك مثلك! وحدّثني عبد الله بن أحمد قال: لبس [أبو] عبد الله بن طباطبا ابن خالي السيف والمنطقة. فكنت يوما في مجلس تكين أمير مصر، وحضر قوّاده حتى دخل عليه أبو عبد الله بالسيف والمنطقة. فقال عليّ الليّن: أيّها الأمير، أيطمع أبو عبد الله في السيف والمنطقة؟ فقلت: ما أصفق (٣) وجوهكم! ولمن السيف والمنطقة، إلّا لأبي عبد الله ومجده وأهله؟ وإنّما العجب منكم في العبيد والإماء! وحدثني أبو محمد عبد الله بن يحيى بن طاهر بن الشويخ قال: غرّني قوم في أوّل ما دخلت مصر فتقبّلت من أبي بكر محمد بن علي الماذرائي ضيعة بألف دينار عقدت لي أربعمائة دينار وكسرا. فكلّمت أبا جعفر مسلّما في أن يكلّمه، وكلّمت عمّي في أن يكلّمه فلم يفعلا. فقلت: والله لأمضينّ إلى عدوّهم! فمضيت إلى عبد الله بن أحمد [١٨٥ أ] فعرّفته فقال: إنّي والله [أ] قدم (١*). وركب معي إلى أبي بكر محمد بن علي فقال له: يا سيّدي، هذا الفتى يحرم: غرّوه في ضيعة حتى أخذها بألف دينار، ولم تعقد له إلّا أربعمائة. قال: نعم! خراب. ثم قال له عبد الله: وقد تحمّلت عنه من مالي خمسمائة دينار لشرفه ولرحمه من رسول الله ﷺ ، وحملا عنه. ففتح أبو بكر محمد بن عليّ الدواة ووقّع له بالاحتساب بخمسمائة دينار. فشكره وقام وقمت. فلمّا خرجنا قال لي: يا شريف، لم أجيء على هذا، ولم يكن للكلام وجه سوى قولي إنّي تحمّلت عنك خمسمائة دينار فاحتشم. وقبيح بشيخ شريف مثلي أن يقول ما لم يفعل. أو ردّ هذا التّوقيع على كاتبه وخذ خطّه بالاحتساب به، وها أنا ذا أكتب (٢*) إلى ضيعتي معك بخمسمائة دينار لك. فخذ الكتاب واخرج وحصّل ما حصل من الضيعة، بارك لله لك فيه (٣*). (قال) وكان أوّل مال جمعته. فرحم الله عبد الله بن أحمد! ولمّا توفّي ابن عمّه علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن طباطبا المعروف بالجمل، ركب كافور ومولاه في الحياة (٤*) وقصدوا لعبد الله بن أحمد

стр. 1661

ليعزّوه فما لقيهم إلّا راكبا. فلمّا فرغ من الصلاة قيل له: قد جاءك الأستاذ كافور. فقال: راكب أو ماش؟ ثم قال: يكون بغلي خلفي، خوفا أن يكون راكبا. فركب فلقيه كافور ماشيا وعزّاه. ولمّا لحقته العلّة في لسانه (١) أوصى وباع عدّة من ضياعه وقضى دينه وحبّس داره على أبيه وعلى ولده من بعده. وأخرج ودائع كانت عنده فدفعها إلى أهلها. فلمّا بلغ ولده بيع الضياع وحبس الدار قال: «أفقرني! » فبلغه فقال: «لا نفعه الله بنفسه ولا بعمره ولا بالدار! » فكان كذلك: زمن (٢) من يده ومات بعده بيسير. قال ابن زولاق: ورأيت أبا جعفر مسلّما في جنازة عبد الله بن أحمد ماشيا بنعل من داره إلى المصلّى، ومشى أكثر الناس لمشيه، وحضر كافور ومولاه. وحدّثني أبو جعفر الحاسب قال: حدّثني صديق لي قال: وقفت بقبر عبد الله بن أحمد فترحّمت عليه وذكرت إفضاله فقلت [الوافر]: وخلّفت الهموم على أناس ... وقد كانوا بعيشك في كفاف (قال) فرأيته في المنام وهو يقول لي: قد سمعت ما قلت، وحيل بيني وبين الجواب والمكافأة. ولكن، صر إلى مسجد حامد وصلّ ركعتين وادع [١٨٥ ب] يستجب لك! وحدّثني أحمد بن عبد الله الحسينيّ قال: قال لي صديق لي: حججت سنة حجّ ملاك (٣) وفاتتني الزيارة لرسول الله ﷺ ، فاغتممت. فرأيت النبي ﷺ وهو يقول: إذا فاتتك الزيارة فزر قبر عبد الله بن أحمد بن طباطبا. ودخل الجامع فلم يجد مكانا في الصفّ الأوّل فوقف في الصفّ الثاني. فالتفت إليه أبو حفص بن الجلّاب وتأخّر، فتقدّم الشريف مكانه. وكافأه على ذلك بنعمة حملها إليه، ودار ابتاعها له، ونقل أهله إليها بعد أن كساهم وحلّاهم. وأهدى مرّة إلى أبي جعفر الطحاوي (١*) كتبا ورثها عن مولى له قيمتها أفّ دينار. واستعقد مرّة ضياعا من أبي بكر محمد بن علي الماذرائي بثمانية وعشرين ألف دينار. فلمّا خرج أبو بكر إلى الحجّ سار معه إلى القلزم وسأله أن يرفق به في الاستخراج. فكتب إلى خليفته: إنّي قد أدّيت جميع المال. ثمّ قال لعبد الله: هي لك هديّة. والطباطبائيّ نسبة إلى إبراهيم بن إسماعيل الديباج. وعرف بذلك لأنّه كان يلثغ بالطاء عوضا من القاف. فقال يوما بحضرة أمير المؤمنين هارون الرشيد- وأشار إلى بعض الغلمان-: «ذاك يا أمير المؤمنين صاحب الطّبا صاحب الطّبا» فلقّب طباطبا (٢*). وكان يضعّف ﵁. وأعقب من خمسة: القاسم الرسّي، والحسن، وأحمد، ومن محمد في الصحيح، ومن عبد الله في الصحيح. وقد ذكرنا القاسم الرسّيّ (٣*).

стр. 1662

١٥١٧ - القاضي بهاء الدين ابن الحلبيّ [- ٧٠٩] (١) عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفّر [ ... ]، القاضي بهاء الدين، ابن الحلبيّ، ناظر الجيوش [بالديار المصريّة]. سمع من النجيب عبد اللطيف وحدّث عنه. مات في [ليلة الجمعة عاشر شوّال] سنة ٧٠٩. ١٥١٨ - أبو عبد الدائم اللقانيّ [٥٥٠ - ٦٣٥] (٢) عبد الله بن بدران بن محمد بن علي بن عرام، أبو عبد الدائم، الخزاعيّ، اللقانيّ. ولد سنة خمسين وخمسمائة [ ... ] سنة خمس وثلاثين وستّمائة. ١٥١٩ - ابن برّي محشّي الصحاح [٤٩٩ - ٥٨٢] (١*) [١٨٦ أ] عبد الله بن برّي بن عبد الجبّار بن برّي- وقيل: عبد الله بن برّي بن عبد الله بن عبد الله بن برّي- أبو محمد، ابن أبي الوحش، المقدسيّ، النحوي، اللغوي، نزيل القاهرة. ولد بمصر في خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ الأدب على أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنترينيّ المغربيّ (٢*)، وأبي عمرو عثمان بن عليّ الصقلّي. وسمع من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازيّ، وأبي العبّاس أحمد بن الحطيئة، وغيرهم. وروى عنه ابن الجمّيزى، وابن المفضّل، والوجيه القوصي، والزاهد أبو العبّاس أحمد بن علي بن محمد القسطلاني، وخلق. وتصدّر للاشتغال بالنحو في جامع عمرو بن العاصي من سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وكان إماما مقدّما في النحو واللغة، انفرد بذلك في وقته، وكان جمّ الفوائد، كثير الاطّلاع، عالما بكتاب سيبويه وعلله، قيّما باللغة وشواهدها، تخرّج به جمع كبير ورحلت إليه الطلبة. وله حواش على كتاب الصحاح للجوهريّ. وله أيضا: جواب المسائل العشر التي سئل فيها ملك

стр. 1663

النحاة (١). وله مقدّمة سمّاها «اللباب»، وحواش على درّة الغوّاص، وجزء في أغاليط الفقهاء، وكتاب الردّ على ابن الخشّاب في ردّه على الحريري. وكان علّامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره، اطّلع على أكثر كلام العرب. وكان له التصفّح في ديوان الإنشاء، فلا يصدر كتاب إلى ملك ولا يعطى لأحد مرسوم إلّا بعد أن يتصفّحه ويصلح ما لعلّه فيه من خلل. وكان المصريّون يقولون إنّه لم يأخذ كتاب سيبويه عن أحد، وإنّما أخذه بالقوّة. فلمّا مات وجد في أوراق الجزء السادس من سيبويه بخطّ الشيخ أبي بكر الشنترينيّ ما مثاله: «قرأ عليّ الشيخ أبو محمد عبد الله ابن الشيخ برّي بن عبد الجبّار بن برّي المقدسي هذا الجزء وما قبله من الكتاب، فكمل له جميع الكتاب قراءة فهم ودراية». فعلم أنّه قرأ الكتاب. وحكى عنه صاحبه المختصّ به عبد الخالق بن ريدان المسكيّ قال: لمّا أملى علينا شيخنا أبو محمد ابن برّي حواشي الصحاح وانتهى إلى فصل «رمث» وأنشد الشاهد منه [الطويل]: تمنّيت من حبّي عليّة أنّنا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر (٢) [١٨٦ ب] قال: وهذا من أبيات لأبي صخر الهذلي وم [نها]: أما والذي أبكى وأضحك، والذي ... أمات وأحيا، والذي أمره الأمر وأنشد الأبيات حتى انتهى إلى قوله: تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضر فتبسّم. فسألته عن سبب تبسّمه فقال: هذا البيت كان سبب اشتغالي بالنحو واختصاصي به: وذلك أنّ والدي كان كتبيّا في زقاق القناديل بمصر، وكان يجلس إليه وجوه الفضلاء كابن أبي حصينة وظافر الحدّاد الشاعرين، وغيرهما. فأنشد أبي هذا البيت وقال فيه: الورق الخضر بكسر الراء فضحكوا منه وانصرفوا وأبي خجلان. وجئته وهو على تلك الحال من الانقباض والخجل فسألته عن خبره، فأخبرني بالقصّة. ثمّ قال لي: يا ولدي، متى يحقّق الله فيك رؤياي؟ فإنّي مترقّب فيك ما بشّرت به في النوم. فقلت له: وما هذه الرؤيا؟ فقال: رأيت كأنّني في بيت المقدس، وبيدي رمح طويل في رأسه قنديل يتوقّد نارا ونورا، فحملته حتّى ركّزته على الصخرة. فأوّلت رؤياي على معبّر فقال لي: يولد لك مولود يشيع ذكره ويرتفع قدره بمقدار ما رأيت من علوّ الرمح وضوء القنديل. (قال) فوجدت في نفسي نشاطا وقوّة وحدث لي في الحال محبّة العلم، فقلت: أيّ العلوم تؤثر أن أشتغل به؟ فقال: يا بنيّ، أوّل ما أريد أن تشتغل به النحو، فإنّه رأس العلوم، وبه يعرف تأويل القرآن وحديث الرسول ﷺ . وفائدتي فيه أنّك تتعلّمه وتعلّمنيه،

стр. 1664

فقد استحييت ممّا جرى عليّ اليوم. (قال) فتركته وتردّدت إلى الشيخين أبي بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني وأبي عمرو عثمان بن عليّ الصقلّي، ولي خمس عشرة سنة، فكنت أقرأ عليهما وأعلم إلى أن صرت إلى ما ترون. وكانت عنايته تامّة في تصحيح الكتب، قلّما ملك كتابا إلّا وصحّحه وأتقنه. وكان مع ما آتاه الله من العلم ساذج الطباع في أمور الدنيا مبارك الصحبة ميمون الطلعة. وفيه تغفّل عجيب يستبعد من سمعه أن يجتمع في رجل متين العلم. وكانت ثيابه وسخة. وله في التغفّل أخبار شائعة بمصر: منها أنّه اشترى خبزا ولحما وبيضا وحطبا وجعل الجميع في كمّه [١٨٧ أ] وأتى منزله. فوجد أهله قد مضوا لبعض شأنهم، وباب الدار مغلق. فألقى من كوّة تفضي إلى الدار جميع ما في كمّه، ولم يفكّر في تكسير البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به. واشترى مرّة عنبا وجعله في كمّه ومشى وهو يحادث شخصا ويعبث بالعنب حتى تخبّص وجرى ماؤه على رجليه. فالتفت إلى الرجل وقال: أجاء المطر؟ فقال: لا. فقال: فما هذا الذي ينقط على رجلي؟ فتأمّله الرجل فإذا هو ماء العنب. فلمّا أخبره بذلك خجل. ويحكى عنه من الحذق في العلم وحسن [الجواب عمّا يسأل عنه ما] يعجب منه. وكان لا يتكلّف في كلامه ولا يتقيّد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيف اتفق حتّى قال مرّة لبعض تلاميذه: اشتر لي هندبا (١*) بعروقو. فقال له التلميذ: هندبا بعروقه؟ فعزّ عليه كلامه وقال له: لا تأخذه إلّا بعروقو، وإن لم يكن بعروقو فلا تأخذه. وهكذا كان كلامه، لا يكترث بما يقوله ولا يتوقّف على إعراب. وكان له أخ قد اشتهر بالأبنة عند الخاصّ والعامّ. فجاء في بعض الأيام إلى الشيخ شخص وقال له: أنت ابن برّيّ البغّاء؟ فاستحيى وقال: ذاك أخي! ذاك أخي! وفيه يقول بعضهم [الكامل]: نظر ابن برّيّ إلى زبدة ... فهوى ليأخذها هويّ الأجدل لو كان يعطى في الغداء لخبزها ... ما كان يأخذه لترك الأوّل (٢*) وكان الشيخ قليل التصنيف، [و] إنّما يكتب حواشي على الكتب فأفردت. ولو كمّل حواشي الصحاح لكان عجبا. وإنّما وصل في حواشي الصحاح إلى «وقش» من باب الشين المعجمة، وكان ذلك مجلّدين، وهي ربع الكتاب. وكمّل عليه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البسطيّ إلى آخر الكتاب، فجاءت التكملة في ستّ مجلّدات وكان جملة هذا المصنّف ثماني مجلّدات بخطّ البسطي. واسم هذا الكتاب: «التنبيه والإيضاح عمّا وقع في كتاب (٣*) الصحاح» وهو كتاب جيّد إلى الغاية. وتوفّي من مرض الإسهال في ليلة السبت السابعة والعشرين من شوّال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ودفن بالقرافة.

стр. 1665

وبرّي بفتح الباء الموحّدة وكسر الراء المهملة وتشديدها ثمّ ياء آخر الحروف. ١٥٢٠ - ركن الدين ابن أبي البركات النحويّ [٦٣٧ - ٧١٩] (١) عبد الله بن أبي البركات، ابن أبي الفضل، النحويّ، أبو عمر، ركن الدين، ابن أبي الأكرم. ولد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّمائة. وسمع من الرشيد العطّار، والصابر البجانيّ، والنجيب ابن أبي الرجاء. وكان شيخا متواضعا كثير المداعبة، له تصانيف ونظم. ومات في الحادي عشر من رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة. وكان آخر كلامه: «لا إله إلّا الله، فزت وربّ الكعبة! » وفاضت نفسه. ١٥٢١ - الوزير ابن الغنّام [- ٧٤١] (٢) [١٨٨ أ] عبد الله ابن تاج الرئاسة، أبو سعيد، أمين الدين أمين الملك (٣)، ابن الغنّام، الوزير الصاحب. نشأ بديار مصر على دين النصرانيّة، وخدم بالكتابة الديوانيّة وتدرّب بخاله السديد الأعزّ وهو يلي الاستيفاء. فلمّا مات خاله رتّب عوضه في الاستيفاء فنال فيه سعادة طائلة إلى أن كانت واقعة النصارى ومنعهم من ركوب الخيل، وإلزامهم بلبس العمائم الزرق. [ف] أنف من ذلك وأظهر أنّه أسلم في شهر رجب سنة سبعمائة مع من أظهر الإسلام منهم، بعد ما اختفى هو والشمس غبريال نحو شهر. فلمّا أسلم قرّر في نظر الدولة عوضا عن [ ... ]. ثم فصل من نظر الدولة ونقل إلى الوزارة فوليها بعد الأمير بكتمر (١*) الحساميّ في يوم [ ... ] سادس شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد استدعاه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وخلع عليه. فباشر الوزارة إلى أن قبض عليه وعلى التاج عبد الرحمن الطويل ناظر الدولة في سادس شوّال منها وألزما بمال فحملاه وهما معوقان مدّة أيّام من غير أن يلي أحد الوزارة. ثمّ أفرج عنهما في حادي عشر منه وخلع عليهما واستقرّا على عادتهما. ولمّا سار السلطان إلى دمشق خرج بعد رحيله من القاهرة في يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوّال سنة ثنتي عشرة [وسبعمائة]. وأقام بدمشق بعد توجّه السلطان منها للحجّ. وأوقع الحوطة على وزير الشام ومباشريه، وطالب محيي الدين بن يحيى بن فضل الله كاتب السرّ بمال كبير وأغلظ في مخاطبته، وصادر أكثر الناس. فلمّا عاد السلطان إلى مصر ولّى بدر الدين محمد ابن التركماني شدّ الدواوين، وكريم الدين

стр. 1666

أكرم الصغير نظر الدواوين. فاتّفقا على ابن الغنّام، ونمّا عليه عند السلطان أنّه أخذ مالا كثيرا بدمشق من المصادرين ولم يحمل منه (١) إلّا ما قلّ، وساعدهما كريم الدين عبد الكريم ناظر الخاصّ. فقبض عليه في يوم الخميس سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة [وسبعمائة] وعلى الأسعد غبريال النصرانيّ كاتب الأمير أرغون النائب، لاتّفاقه مع ابن الغنّام على مرافعة كريم الدين الكبير [ابن هبة الله]. وقبض أيضا على العلم كبيبة كاتب منكلي بغا بهذا السبب أيضا. وأحضر الثلاثة إلى السلطان فضرب بحضرته ابن الغنّام نحو الستّين عصا، وضرب غبريال بالمقارع، وضرب كبيبة بالعصيّ وسلّم ابن الغنّام للأمير بدر الدين محمّد [١٨٨ ب] ابن التركماني مشدّ الدواوين وأوقعت الحوطة على أسبابه وتعلّقاته، وتولّى مجد الدين سالم بيع موجوده في داره مدّة شهر فحمل منها نحو الثلاثمائة ألف درهم عن ثمن أصناف (٢) ولم يوجد له درهم ولا دينار. ثمّ أفرج عنه ولزم داره إلى تاسع عشر ذي الحجّة منها [سنة ٧١٣] فطلب واستقرّ ناظر النظّار عوضا عن الصاحب ضياء الدين عبد الله بن أحمد النشائيّ بحكم انتقاله إلى نظر الخزانة بعد وفاة سعد الدين الحسين بن عبد الرحمن الأقفهسيّ. وأبطل السلطان الوزارة فلم يول بعد ابن الغنّام وزيرا. فلمّا مات تقيّ الدين أسعد [الأحول] ابن أمين الملك المعروف بكاتب برلغي وهو (٣) في نظر الدولة أفرد أمين الملك ابن الغنّام بنظر الدواوين في خامس عشر رجب سنة ستّ عشرة [وسبعمائة]. ثمّ صرف في رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع عشرة، ولزم تربته بالقرافة. وولي عوضه التاج إسحاق ابن القمّاط، والموفّق [هبة الله] (١*) مستوفي سلار، نقلا من استيفاء الدولة إلى نظر الدواوين. ثمّ أخرج في سابع عشر صفر سنة ثماني عشرة على البريد إلى طرابلس ناظرا عليها. وسبب ذلك أنّه لمّا طالت عطلته اجتمع بالأمير سيف الدين بكتمر البوبكري وبسط لسانه في كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ، ونسبه إلى أخذ أموال السلطان ونفقها على الخاصّكيّة ليقوّوا أمره ويشدّوا أزره. فبلّغ البوبكريّ كلامه للسلطان فذكره لكريم الدين فلم يظهر حنقا وقال: هو يا خوند معذور فإنّه قد بطل، ولا بدّ له من شغل يأكل فيه صدقة السلطان. وعيّنه لنظر طرابلس وقصد بذلك إبعاده عن السلطان ووضع مقداره. فللحال بعث السلطان إليه خلعة مع بريديّ ليتوجّه به فسار من وقته وساعته. وأقام بطرابلس إلى أن عفا عنه من مباشرتها في صفر سنة عشرين، ورسم بإقامته في القدس ورتّب له في كلّ شهر ألف درهم، وبعث إليه كريم الدين بهديّة سنيّة. ثمّ لمّا قبض على كريم الدين في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين استدعاه السلطان من القدس ليوليه الوزارة، فقدم على البريد في رابع عشرينه، وأجلسه السلطان وطيّب خاطره وألبسه تشريف الوزارة، فقبّل الأرض ثمّ قبّل يد السلطان. فأكّد عليه في تحصيل أموال كريم الدين حيث كانت وقال له: ما تركتك في القدس مدّة سبع

стр. 1667

سنين إلّا ذخيرة: خبّأتك لهذا اليوم! ونزل ومعه الحجّاب وأرباب الوظائف إلى قاعة الوزارة بالقلعة وجلس في الشبّاك على عادة الوزراء [١٨٩ أ] وكان قد أغلق بعد عزله فلم يفتح حتى عاد، ولا جلس فيه وزير غيره- واستقرّ معه في نظر النظّار شرف الدين إبراهيم بن زنبور مستوفي الصحبة شريكا لموفّق الدين- ثمّ نزل إلى داره، فكان يوما مشهودا. وبثّ الرسل في طلب أتباع كريم الدين والزامه، وصادرهم. فولّى السلطان الأمير مغلطاي الجمالي الأستاداريّة، وانضمّ إليه المجد ابن لقينة (١) ناظر البيوت في عدّة من الكتّاب، وأغروه بابن الغنّام ونسبوه إلى العجز، وأنّ الأحوال معه واقفة، وهو يعرّف السلطان ذلك، ويشير عليه بأن يولّي الوزارة تركيّا وهو يقول له: اصبر حتى أعرّفك ما تعمل. فلمّا أكثر عليه في ذلك اتّفق معه على إقامة الأمير علاء الدين مغلطاي الأستادار في الوزارة، وقال له: اخرج ونفّذ أشغالك إلى آخر النهار، ثمّ انزل إلى بيتك، وأعلم الناس أنّ الوزير مغلطاي. فخرج إلى قاعة الصاحب بالقلعة وأمر ونهى، وكتب وأطلق ورتّب حتى مضى النهار. وركب إلى بيته بالفوانيس والمشاعل على العادة، والناس بين يديه حتى نزل عن بغلته [ف] قال للمستوفين والنظّار وشادّ الدواوين والمقدّمين: يا جماعة، مسّاكم الله بالخير، وزيركم غدا الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي. فكان ذلك عزلا لم يعزله وزير غيره. وأصبح يوم الخميس ثامن شهر رمضان سنة أربع وعشرين فاستدعي مغلطاي الجمالي وخلع عليه للوزارة عوضا عن ابن الغنّام، مضافا للأستاداريّة. ولزم ابن الغنّام داره يأكل مرتّبه إلى ذي القعدة منها، فألزم هو والموفّق ناظر الدولة بمائة ألف درهم عن ثمن كتاب من الجيزة لزمهما بحكم الديوان خصّ ابن الغنّام منها مبلغ خمسين ألفا، وخصّ الموفّق مبلغ خمسة وعشرين ألفا، فأخذ ذلك كلّه من جوامك المباشرين كلّهم، ما بين كاتب ومعامل، عناية بهما. ثم طلب في سابع شوّال سنة ثمان وعشرين، وخلع عليه وعلى مجد الدين ابن لقينة بغير طرحات (١*). واستقرّا في نظر الدولة والصحبة. وكتب استثمار قرئ على السلطان بما استقرّ عليه الحال فوفّر فيه كثيرا من جوامك المباشرين والغلمان، وقطع منهم عدّة. ثمّ صرف بعد أربعين يوما وأقام بطّالا حتى طلب وخلع عليه في صفر سنة ثلاث وثلاثين لنظر الشام وما بها من الخاصّ عوضا عن الشمس غبريال (٢*). ثمّ أحضر بعد قتل النّشو [شرف الدين عبد الوهّاب] إلى القاهرة في ثامن عشر صفر سنة أربعين، واجتمع بالسلطان من الغد، وخلع عليه وأمره بلزوم داره. وولّى عوضه في نظر الشام ابن الحرّاني. فأقام بداره بطّالا حتى قبض عليه في سنة إحدى وأربعين وعلى ولديه تاج الدين أحمد ناظر الدولة، وأخيه كريم الدين مستوفي الدولة. وضربوا وأخذت أموالهم. ثمّ قتل خنقا في يوم الجمعة رابع جمادى

стр. 1668

الأولى [سنة ٧٤١] (١). ثم أفرج عن ولديه بعد أيّام. وقد ولي الوزارة ثلاث مرّات. وكان رضيّ الأخلاق حسن الشكل حلو اللسان. نسخ بخطّه عدّة مصاحف كريمة. وكان يكره قطع الأرزاق فتجنّب في جميع ولاياته قطع رزق أحد. وكان عاقلا كثير التؤدة ظاهر الرئاسة كثير الحشمة لا يدخل عليه أحد إلّا قام له. وكان يكتب سريعا خطّا مليحا إلى الغاية. ١٥٢٢ - أبو ثابت الشّنهوريّ [٥٧٠ - ٦٢٨] (٢) [١٨٩ ب] عبد الله بن ثابت بن عبد الخالق بن عبد الله بن رومي بن إبراهيم بن حسين بن عرفة بن هديّة، أبو ثابت، التجيبيّ، الخطيب، الشّنهوريّ. ولد سنة سبعين وخمسمائة بالصعيد الأعلى فوق قوص، فاشتغل ومهر. ومن نظمه [الطويل]: لقد جدت حتّى قيل: أنت سحاب ... وأعليت حتى قيل: أيّ شهاب! (٣) علمت بأنّ المال ليس بخالد ... فها أنت تعطيه بغير حساب وكانت وفاته في رمضان سنة ثمان وعشرين وستّمائة [بشنهور]. ١٥٢٣ - عبدويه ابن الجارود [- بعد ١٧٩] (١*) [١٩٠ أ] عبد الله بن [عبد ربّه بن] الجارود، المعروف بعبدويه. تغلّب على إفريقيّة حتى وليها هرثمة بن أعين، فأطاع عبدويه وسار إلى بغداد. وكان من خبره أنّ الفضل بن روح بن حاتم (٢*) لمّا ولّى المغيرة بن بشر بن روح بن حاتم تونس، استخفّ بالجند، فأجمعوا رأيهم على عبدويه وأقاموه أميرا عليهم، وكان القائم بأمره محمد بن الفارسيّ، فبايعوه وأخرجوا المغيرة عنهم. فكتب عبدويه إلى الفضل أنّهم لم يخرجوا ابن أخيه خلافا عن الطاعة لكن لأحداث بدت منه فيها فساد الدولة. وطلب منه واليا غيره. فكتب في جوابه: أمّا بعد، فإنّ الله يجري قضاءه (٣*) فيما أحبّ الناس أو كرهوا، وليس اختياري واليا لو اخترته لكم أو اخترتموه بحائل دون شيء أراد الله بلوغه فيكم. وقد ولّيت عليكم عاملا فإن دفعتموه فهو آية النكث منكم، والسلام. وبعث إليهم عبد الله بن يزيد وضمّ إليه عسكرا. فعند ما خرج عبد الله إلى باب المدينة اندقّ زجّ لوائه فتطيّر الناس. وسار حتى [إذا] كان على مرحلة من تونس وجّه عبدويه منصور بن هيمان في جماعة ليعلم خبر قدومه، ولا يتعرّض لحرب ما وجد سبيلا إلى العافية. فلمّا لقيه قال لأصحابه: قد علمتم عدوان الفضل حتّى إنّه يأخذ الرجل منكم في الأمر الذي

стр. 1669

ليس عليه فيه مؤنة فيقطع يديه ورجليه. فكيف وقد أخرجتم ابن أخيه؟ فقالوا: فما رأيك؟ قال: القتال. فلمّا قربوا من عبد الله بن يزيد حملوا عليه وعلى أصحابه فقتلوه وأسروا من معه من القوّاد ورجعوا إلى عبدويه. فقال: ما لهذا بعثتكم! فأمّا إذ وقع فما رأيكم؟ فأشار بعضهم بمكاتبة الفضل، فإنّه يحثّ على الموادعة وطلب العافية و [قالوا: ] اعتذر إليه بأنّه قتل ابن عمّه بغير حضورك ولا رأيك. فضحك محمد بن الفارسيّ، فقال له عبدويه: لم ضحكت؟ قال له: اعلم أنّ الفضل لا يسلم لك صدره بعد إخراج ابن أخيه وقتل ابن عمّه. وليس اعتذارك أنّك غبت عن قتل ابن عمّه بالذي يقيم لك العذر عنده وقد قيل في أمثال دمنة وكليلة: «الضرس المأكول الفاسد لا راحة لصاحبه دون قلعه» (١). وكذلك نحن وآل المهلّب: لا راحة لنا فيهم إلّا بقتلهم وإخراجهم بالمكايد والحيل. فقال عبدويه [١٩٠ ب]: فتولّ أنت تدبير الرأي ومكاتبة الناس، واكفني ذلك أكفك أمر الحرب إن شاء الله. فجعل محمد بن الفارسيّ يكتب إلى كلّ رجل من وجوه القوّاد يوهمه أنّهم يؤمّرونه عليهم. فكان الكتاب إذا جاء أحدهم يقول: «وما عليّ أن أكتفي هذا الأمر؟ » ويطمع فيما كتب به إليه. فأفسد قلوب جماعة حتّى قتل الفضل. فبلغ أمير المؤمنين هارون الرشيد وثوب عبدويه. فوجّه يقطين (١*) إلى إفريقيّة وأمره بالتلطّف بعبدويه وإخراجه من البلد. فما زال بعبدويه حتى خرج من إفريقيّة في مستهلّ صفر [ ... ] واستخلف على القيروان عبد الملك بن عيّاش. فكانت أيّام عبدويه سبعة أشهر. ووصل إلى بغداد في سنة تسع وسبعين ومائة. ثمّ خرج فمات بمصر. ١٥٢٤ - عبد الله بن جدعان (٢*) [١٩١ أ] عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مصر بن نزار بن معدّ بن عدنان، القرشيّ، ثمّ التيميّ تيم بن مرّة، أبو زهير. فولد تيم بن مرّة سعدا والأحبّ، أمّهما الطوالة

стр. 1670

بنت مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. فالعقب في ولد سعد بن تيم. فولد سعد كعب وحارثة، أمّهما نعم بنت ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وأمّها آمنة بنت الحرث بن منقذ بن عمرو بن بغيضبن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وأمّها ماوية بنت سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص. فولد كعب بن سعد: عمرو بن كعب- وهو بيت بني تيم- وعبد مناف بن كعب، وهو المشرفيّ، وعامر بن كعب. وأمّ عمرو تملك بنت تيم بن غالب، وقيل: أمّه قيلة بنت حذافة بن جمح. وأمّ عبد مناف وعامر: ليلى بنت عامر الجانّ بن الحارث بن عبشان بن أقصى بن خزاعة. فولد عمرو بن كعب عامرا، وأمّه آمنة بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وعثمان بن عمرو، وهو شارب الذهب، وجدعان بن عمرو، وأمّهما السوداء ابنة زهرة بن كلاب. [السوداء عرّافة قريش] وذكر الزبير بن بكّار قال: لمّا ولدت السوداء بنت زهرة بن كلاب أرسل بها أبوها من يئدها فخرج الوائد حتى أتى بها الحجون فحفر لها. فلمّا وضعها في حفرتها صاح به صائح من الجبل: يا وائد الصبيّة، ربّ فرس ردود، ومطعم يجود، في السنة الجمود، من الصبيّة الوئيد! فرفع رأسه فلم ير أحدا فعاد لأن يئدها فصاح به: يا وائد الصبيّة، امض ودعها عنك في البرّيّة، إنّ لها علما في الإنسيّة! فرجع بها إلى أبيها فأخبره الخبر فقال: «دعها فإنّ لها شأنا»، فعمّرت، وكانت تقول: يا بني زهرة، إنّ فيكم لنذيرا أو والدة نذير! فاعرضوا عليّ نساءكم. فعرضن عليها حتى مرّت بها الشفاء أمّ عبد الرحمن بن عوف فقالت: «ليست بها ولتلدنّ! » فولدت عبد الرحمن بن عوف. وعرضت عليها بنت عبد بن الحرث أمّ عبد الله بن مسعود فقالت: «ليس بها، ولتلدنّ» - فولدت عبد الله بن مسعود. وعرضت عليها هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة فقالت: ليست بها، ولتلدنّ- فولدت حمزة وصفيّة والمقوم، بني عبد المطّلب. وعرضت عليها آمنة بنت وهب بن [١٩١ ب] عبد مناف بن زهرة فقالت: إنّها لنذيرة أو لتلدنّ نذيرا- فولدت النبيّ محمّدا رسول الله ﷺ . [أصل ثروة ابن جدعان] وولد جدعان بن عمرو: عبد الله بن جدعان، وكلدة بن جدعان- قتل في الفجار- وأمّهما سعدى بنت عويج بن سعد بن جمح. وكان عبد الله بن جدعان سيّد قريش في الجاهليّة. وكان واسع المال كثير المعروف جوادا. فاجتمع إليه وجوه العرب في داره على مائدة فقالوا له: يا أبا زهير، ما كان أصل مالك؟ فقال: كنت صعلوكا من صعاليك قريش فتّاكا أطلب الغرّة. فبينا أنا كذلك إذ أتاني مالك بن عامر البرّاض أخو بني كنانة، فقال: ألا أبغيك قنصا يا عبد الله؟ قلت: نعم. قال: إنّ كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ابن معاوية بن بكر بن هوازن قريب من أرضنا، له إبل.

стр. 1671

فعزمنا على الغارة عليها. فركبت فرسي أنا ومالك بن عامر وطردنا لكلاب مائة ناقة حتّى ألقيناها بالطائف فبعناها. فأرسل كلاب إلى قريش: إنّ سفيهكم أغار عليّ وطرد لي مائة ناقة. فليس لكم أن تشهدوا سوق عكاظ، ولي لديكم وبرة- وكان سوق عكاظ في وسط أرض قيس بن عيلان. وائتمرت قريش على قتلي لئلّا أجرّ إليهم الجرائر فيطلبوا (١) بسببي وهم تجّار لا يستغنون عن الضرب في البلدان. فلمّا أتيت من الطائف إلى منزلي قال لي أهلي: إنّ قريشا ائتمروا على قتلك، فانج بنفسك! فأخذت زادا ومزادة، وخرجت هاربا مع الصباح إلى دوحة الزيتون. فلم أزل أطلب موضعا أختفي فيه، والقوم في أثري يطلبونني حتّى أتيت إلى حجرين بينهما خلل يدخل فيه النحيف متجانفا. فتجانفت في ذلك المكان من ذلك الخلل ودخلت ومعي زادي. فطال عليّ السرب ورأيت أنّ موتيفيه أحبّ إليّ من أن يقتلني قومي فيشمت بي عدوّي، ويحزن عليّ حبيبي، ويصير لقومي ذحل في قريش يخرجون به منهم. فسرت ملحجا (٢) في السرب حتّى بلغت دارا عظيمة فيها بيت، وفي وسط البيت جوهر ودرّ وياقوت ولجين وعقيان. وفيه أربعة أسرّة، على كلّ سرير رجل قاعد، وعلى رأسه لوح من رخام مكتوب بالمسند (٣). فقرأت الألواح فأصبت فيها أنّ أهل الألواح عمرو بن مضاض، والحرث بن مضاض، وعبد الميح بن بقيلة، وبقيلة (٤) بن عبد المدان. فأقمت خمسة [١٩٢ أ] أيّام في ذلك البيت آكل من زادي وأشرب من مزادتي حتّى يئست قريش منّي. فخرجت فلم أجد أحدا في الغيضة. فأخرجت ما أصبت من المال وأخذت الألواح خيفة من قريش لتكون لي عندهم حجّة وبراءة. ثمّ أتيت منزلي فأخذت جملا وسرت ليلا، فإذا أنا بسيّارة يريدون مدينة مصر. فسرت معهم لا يدرون من أنا ولا ما معي حتّى بلغت مصر. فبعت ما معي فأصبت مالا جزيلا ورجعت. فنزلت ينبع على مالك البرّاض فقصصت عليه قصّتي مع قريش فقال: هاك خمسين ناقة. فسقتها أنا وهو حتّى أتينا كلابا، فأرسلنا إلى ابنه جعفر بن كلاب فدفعنا إليه الخمسين من النوق. ثم تبعنا كلاب في بنيه وهو شيخ كبير ثمّ سرنا إلى سوق عكاظ، وأرسل إلى قريش فشهدوا عكاظ، وانصرفت معهم إلى مكّة. فلمّا ظهر بعض مالي وثبوا عليّ وقالوا: غدرت! فأعلمتهم بما كان من حديث المغارة وأخرجت لهم الألواح فأرسلوا معي خويلد بن أسد بن عبد العزّى، ووهب بن زهرة بن عبد مناف، فسارا معي حتّى دخلت ودخلا معي وعاينّا الأشباح فقالا لي: ردّ الألواح! فرددت كلّ لوح إلى مكانه وخرجنا. وأخذنا حجرا عظيما سددنا به باب الخلل لئلّا تكون المغارة ملعبا للسّفهاء. [سبب حلف الفضول] وفي دار عبد الله بن جدعان كان حلف الفضول. وقد اختلف في سبب حلف الفضول. فعن أبي عبيدة قال: كان سبب حلف الفضول أنّ رجلا من أهل اليمن قدم مكّة ببضاعة فاشتراها رجل من بني سهم. فلوى الرجل بحقّه فسأله

стр. 1672

متاعه فأبى عليه فقام في الحجر فقال: يا للرجل المظلوم بضاعته! [البسيط]: يا لقصيّ لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائي الدار والنفر (١) وأشعث محرم لم تقض حرمته ... بين المقام وبين الركن والحجر أقائم في بني سهم يذمّهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر؟ إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر (قال) وقال بعض العلماء: إنّ قيس بن شيبة السلميّ باع متاعا من أميّة بن خلف فلواه وذهب بحقّه فاستجار برجل من بني جمح فلم يقوموا بجواره فقال [الرجز]: يال قصيّ كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأعلاق الكرم أظلم لا يمنع منّي من ظلم (قال) وبلغ الخبر عبّاس بن مرداس فقال [١٩٢ ب] [البسيط] (٢): إن كان جارك لم تنفعك ذمّته ... وقد شربت بكأس العلّ أنفاسا فأت البيوت وكن من أهلها صدرا ... لا تلق ناديهم فحشا ولا بأسا وثمّ كن بفناء البيت معتصما ... تلق ابن حرب وتلق المرء عبّاسا قومي قريش وأحلافي ذؤابتها ... بالمجد والحزم ما حلّا وما ساسا ساقي الحجيج وهذا [ ..... ] ... والمجد يورث أخماسا وأسداسا فقام العبّاس بن مرداس وأبو سفيان بن حرب حتّى ردّا عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفوا على ردّ الظالم بمكّة، وألّا يظلم أحد بمكّة إلّا منعوه وأخذوا له حقّه. وكان حلفهم في دار عبد الله بن جدعان. قال رسول الله ﷺ : شهدت حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحبّ أنّ لي [به] حمر النّعم، ولو دعيت له لأجبت. وقال قوم من قريش: هذا والله أفضل الحلف، فسمّي حلف الفضول. (قال) وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلف تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرّون ظالما بمكّة إلّا غيّروه، وأسماؤهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة. وعن محمّد بن شهاب الزهريّ قال: كان شأن حلف الفضول أنّ رجلا من بني زيد قدم مكّة معتمرا في الجاهليّة، ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم فآواها إلى بيته. ثمّ إنّه تغيّب فابتغى الزيديّ متاعه فلم يقدر عليه. فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه فأغلظوا له، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوّف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه. فلمّا رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد الحرام وقال: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... الأبيات الثلاثة. فلمّا نزل أعظمت قريش ذلك فتكلّمت فيه فقال المطيّبون (١*): والله لئن قمنا ليغضبنّ الأحلاف.

стр. 1673

وقالت الأحلاف (١): والله لئن تكلّمنا في هذا ليغضبنّ المطيّبون. وقال ناس من قريش: تعالوا، وليكن حلفا فضولا دون المطيّبين ودون الأحلاف! واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما ... وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم، وأسد، وزهرة، وتيم، وتحالفوا على أن لا يظلم بمكّة غريب ولا قريب، ولا حرّ ولا عبد، إلّا كانوا [١٩٣ أ] معه حتّى يأخذوا له حقّه، ويؤدّوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثمّ عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة فبعثوا به إلى البيت فغسلت منه أركانه ثمّ أتوا به فشربوه. (قال) فحدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول. [أ] ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت، وما أحبّ لي به حمر النّعم، وأنّي نقضته! (قال) وحدّثني عبد العزيز بن عمر العبسيّ أنّ الذي اشترى من الزيديّ المتاع العاصي بن وائل السهميّ. (قال) أهل حلف الفضول بنو [عبد] المطّلب، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة، وبنو تيم. تحالفوا ألّا يظلم أحد بمكّة إلّا كنّا جميعا مع المظلوم على الظالم حتى نأخذ له مظلمته ممّن ظلم، شريفا كان أو وضيعا، منّا أو من غيرنا. ثمّ انطلقوا إلى العاصي بن وائل فقالوا له: لا نفارقك حتّى تؤدّي له حقّه. فأعطى الرجل حقّه. فمكثوا كذلك لا يظلم أحد بمكّة إلّا أخذوا له حقّه. فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أنّ رجلا خرج من قومه، لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول- وليس عبد شمس في حلف الفضول (١*). وعن هشام بن عروة عن أبيه أنّ بني هاشم وبني عبد المطّلب وأسد بن العزّى وتيم بن مرّة احتلفوا على أن لا يدعوا بمكّة كلّها ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلّا أجابوه حتى يردّوا إليه مظلمته ويبلغوا في ذلك عذرا، وعلى أن لا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلّا أخذوه، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ولذلك سمّي حلف الفضول- فتحالفوا بالله: إنّا ليد على الظالم حتى نأخذ للمظلوم من الظالم ما بلّ بحر صوفة. وعن محمد بن فضالة عن أبيه قال: لم يكن بنو أسد بن عبد العزّى في حلف الفضول. وعن عيسى بن زيد بن خباب قال: أهل حلف الفضول بنو هاشم، وزهرة، وتيم. قيل له: فهل لذلك شاهد من الشعر؟ قال: نعم. أنشدني بعض أهل العلم بقريش قول بعض الشعراء [البسيط/ الكامل: ] تيم بن مرّة إن سألت وهاشم ... وزهرة الخير في دار ابن جدعان متحالفين على الندى ما غرّدت ... ورقاء في فنن من جزع كتمان (٢*) وعن أبي عبيدة قال: تداعى بنو هاشم، وبنو [عبد] المطّلب، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو

стр. 1674

زهرة بن كلاب، وتيم بن مرّة إلى حلف الفضول فاجتمعوا [١٩٣ ب] إلى دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا عنده وتعاقدوا ألّا يجدوا بمكّة مظلوما من أهلها ومن غيرهم إلّا قاموا معه على من ظلمه حتّى يردّوا مظلمته. وعن جابر بن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال: إنّما سمّي حلف الفضول أنّه كان في جرهم رجال يردّون الظالم فتحالفوا بالله ليأخذنّ للمظلوم من الظالم، وللمقهور من القاهر ما بلّ بحر صوفة. [وجه تسمية حلف الفضول] وعن معروف بن خربوذ قال: تداعت بنو هاشم، وبنو [عبد] المطّلب، وتيم، واحتلفوا على أن لا يدعوا بمكّة كلّها ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلّا أنجدوه حتّى يردّوا إليه مظلمته ويبل [غ] وا في ذلك عذرا. فكره ذلك سائر المطيّبين والأحلاف، وسمّوه حلف الفضول عيبا له وقالوا: هذا من فضول القوم فسمّوه حلف الفضول. ويروى أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لجبير بن مطعم (١): يا أبا محمّد، أكنّا في حلف الفضول؟ قال: لا. قال: فكيف كان؟ قال: قدم رجل من ثمالة فباع سلعة له من أبيّ بن خلف بن وهب بن حذاقة بن جمح، فمطله. فأتى الثماليّ أهل حلف الفضول فأخبرهم. فقالوا له: اذهب فأخبره أنّك أخبرتنا، فإن أعطاك حقّك وإلّا فارجع إلينا. فأتاه فأخبره بما قال أهل حلف الفضول، فأخرج إليه حقّه فقال [الطويل]: أتأخذني في بطن مكّة ظالما ... أبيّ، ولا قومي لديّ ولا صحبي؟ وناديت قومي صارخا ليجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن سهب ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحقّ يؤخذ بالعضب وقد قيل: إنّ أبا الطحمان استجار عبد الله بن جدعان، فعدا عليه قوم من بني سهم فنحروا ثلاثا من إبله. فأتاهم بمثلها وقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل. فأخذوها فانتحروها. ثمّ أمسكوا عنه زمانا، ثمّ جلسوا على شراب لهم. فلمّا انتشوا عدوا على إبله فاستاقوها كلّها. فأتى عبد الله بن جدعان فاستصرخه فلم يكن فيه ولا في قومه قوّة بني سهم فأمسك عنهم ولم ينصره. فقال أبو الطحمان في ذلك شعرا وارتحل عنهم. وقدم لميس بن سعيد البارقي مكّة فاشترى منه أبيّ بن خلف سلعة فمطله إيّاها. فمضى في قريش فلم يجد أحدا يجيره. ثم قدم رجل من بني زيد فاشترى منه رجل من بني سهم يقال له حذيفة بن قيس سلعة وظلمه حقّه. فصعد الزيديّ على أبي قبيس فقال بأعلى صوته، وقريش في ناديهم: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... الأبيات. فأعظم الزبير بن [١٩٤ أ] عبد المطلب ذلك وقال: يا قوم إنّي والله أخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكّة. ومشى إلى عبد الله بن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له مثل ذلك. فتحالف بنو هاشم وبنو المطّلب وبنو تيم بالله إنّا ليد واحدة على الظالم حتى يردّ الحقّ. وخرجت سائر قريش

стр. 1675

من هذا الحلف إلّا أنّ عبد الله بن الزبير (١) ادّعاه لبني أسد في الإسلام. [و] ذكر الواقدي وغيره أنّ محمد بن جبير بن مطعم حدّث عن أبيه جبير بن مطعم أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فسأله عن حلف الفضول فقال: أمّا أنا وأنت يا أمير المؤمنين فلسنا فيه. فقال: صدقت. والله إنّي لأعرفك بالصدق. فقال: إنّ ابن الزبير يدّعيه. قال: ذلك هو الباطل. [وجه آخر لتسميته] وقيل: إنّه سمّي بذلك لأنّهم قالوا: لا ندع لأحد عندنا وعند أحد فضلا. والصحيح أنّ قوما من جرهم يقال لهم فضيل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل هذا في أيّامهم. فلمّا تحالفت قريش بهذا الحلف سمّوا بذلك. وذكر الزبير بن بكّار أنّ معاوية بن أبي سفيان قال لرجل قد أدرك حرب عكاظ: من أين تعادّ القوم لخروجهم إلى عكاظ؟ قال: من دار ابن جدعان. قال: فمن أين أخرجت السلاح؟ قال: من دار ابن جدعان. قال: فمن أطعم الناس؟ قال: ابن جدعان. قال: ما أسمع الأمر كلّه إلّا لابن جدعان. (قال) قال أميّة بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان [الكامل]: زعم ابن جدعان وليس بكاذب ... لينفعن مائة سلاحا كاملا (١*) ولينحرن في دار كلّ إقامة ... عشرا ويطعم ذا العيال العائلا نعم الفتى وابن العشيرة، إنّه ... يعطي الجزيل ولا يكدّ السّائلا وقيل: إنّ قائلها شبيب بن مهان الليثيّ يمدح عبد الله بن جدعان، وقد كان سلّح مائة رجل من بني كنانة يوم عكاظ وحملهم- وكان على بني تيم يوم عكاظ. [خبر الجرادتين] وقال ابن الكلبيّ: كانت لابن جدعان أمتان يسمّيهما «الجرادتين» تغنّيان في الجاهليّة وسمّاهما جرادتي عاد. فوهبهما لأميّة بن أبي الصلت الثقفيّ، وكان قد امتدحه. وكان ابن جدعان سيّدا جوادا فرأى أميّة ينظر إليهما، وهو عنده، فأعطاه إيّاهما. وروى أبو بكر ابن أبي شيبة: ثنا حفص بن غيّاث عن داود عن الشعبيّ عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: قلت لرسول الله: إنّ ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرحم ويطعم المسكين [١٩٤ ب]، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا. إنّه لم يقل يوما: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وذكر أنّ رسول الله ﷺ قال يوم بدر: لو كان أبو زهير- يعني عبد الله بن جدعان أو مطعم بن عديّ- حيّا فاستوهبهم لوهبتهم له. وذكر الزبير بن بكّار قال: قدم أميّة بن أبي الصلت على عبد الله بن جدعان. فلمّا دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما أتى بك؟

стр. 1676

فقال أميّة: كلاب غرماء قد نبحتني ونهشتني. فقال له عبد الله: قدمت عليّ، وأنا عليل من حقوق لحقتني ولزمتني. فأنظرني قليلا يحم ما في يدي. فقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه. فأقام أميّة أيّاما ثم أتاه فقال [الوافر]: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إنّ شيمتك الحياء وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذّب والسّناء (١) كريم لا يغيّره صباح ... عن الخلق السّنيّ ولا مساء يباري الريح مكرمة وجودا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء وأرضك أرض مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء إذا خلّفت عبد الله فاعلم ... بأنّ القوم ليس لهم حداء (٢) فأبرز فضله حقّا عليهم ... كما برزت لناظرها السماء وهل تخفى السماء على بصير ... وهل بالشمس طالعة خفاء؟ فلمّا أنشده أميّة هذا الشعر كانت عنده قينتان. فقال لأميّة: خذ أيّتهما شئت. فأخذ إحداهما وانصرف. فمرّ بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها وقالوا: لقد ألفيته عليلا. فلو رددتها عليه- فإنّ الشيخ يحتاج إلى خدمتها- كان ذلك أقرب لك عنده وأكبر من كلّ حقّ ضمنه. فوقع الكلام من أميّة موقعا فرجع إليه ليردّها عليه. فلمّا أتاه بها قال [له] ابن جدعان: لعلّك إنّما رددتها لأنّ قريشا لاموك على أخذها؟ - ووصف لأميّة ما قال القوم. فقال له أميّة: والله ما أخطأت يا أبا زهير! فقال عبد الله: ما الذي قلت في ذلك؟ [ف] قال أميّة [الطويل]: عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كلّ العطاء يزين وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين فقال عبد الله لأميّة: خذ الأخرى! فأخذهما جميعا وخرج. فلمّا صار إلى القوم بهما، أنشأ يقول [الوافر]: وما لي لا أحيّيه وعندي ... مواهب يطّلعن من النجاد؟ [١٩٥ أ] لأبيض من بني عمرو بن كعب ... وهم كالمشرفيّات الحداد لكلّ قبيلة هاد ورأس ... وأنت الرأس تقدم كلّ هاد عماد الخيف قد علمت معدّ ... وأنت البيت يرفع بالعماد له داع بمكّة مشمعلّ ... وآخر فوق كعبتها ينادي إلى ردح من الشئزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشهاد فأدلجهم على ربذ يداه ... بفعل الخير ليس من الجماد (١*)

стр. 1677

وقال أيضا [الكامل]: ذكر ابن جدعان بخي ... ر كلّما ذكر الكرام يهب النجيبة والنجي ... ب له الرحالة والزمام من لا يخون ولا ... يعقّ ولا تغيّره اللئام وعن أبي عبيدة قال: كان ابن جدعان سيّدا في قريش. فلمّا وفد على كسرى أكل عنده الفالوذ، فسأل عنه فقيل: هذا الفالود. قال: وممّ يصنع؟ قالوا: لباب البرّ يلبك مع عسل النحل. قال: ابغوني غلاما يصنعه. فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه، وقدم به مكّة. ثمّ أمره فصنع الفالوذ بمكّة، فوضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر! فحضر الناس. فكان ممّن حضر أميّة بن أبي الصلت فقال فيه: وما لي لا أحيّيه ... الأبيات. ودخل أميّة على ابن جدعان وهو يجود بنفسه، فقال: كيف تجدك يا أبا زهير؟ فقال: إنّي لمدابر- أي ذاهب-. فقال أميّة [الكامل]: علم ابن جدعان بن عم ... رو أنّه يوما مدابر ومسافر سفرا بعي ... دا لا يئوب به المسافر فقدوره بفنائه ... للضيف مترعة زواخر تبدو الكسور من اتّضا ... ح الغلي فيها والكراكر زبدا وغرغرة كقر ... قرة الفحول إذا تخاطر وكأنّهنّ إذا حمي ... ن بما شجين به ضرائر وكأنّما يدعى عري ... نه في طوائفها وهاجر بذّ المعاشر كلّهم ... بالفضل تعرفه المعاشر وعلا علوّ الشمس ح ... تّى ما يفاخره مفاخر دانت له أفناء فه ... ر من بني كعب وعامر آباؤك الشمّ المرا ... جيح المساميح الأخاير وإذا تشام بروقهم ... جادت أكفّهم المواطر [١٩٥ ب] لا يحتويهم جانب ... نائي المحلّ ولا مجاور قوم حصونهم الأسنّ ... نّة والأعنّة والبواتر نزلوا البطاح ففضّلت ... بهم البواطن والظواهر أنت الجواد ابن الجواد ... د بكم ينافر من ينافر وقال الواقدي عن أبي الزناد: ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهليّة حتى ترك الخمر استحياء ممّا فيها من الدنس، ولقد عابها ابن جدعان قبل موته. [تركه الخمر] وذكر الزبير بن بكّار أنّه كان مولعا بالخمر،

стр. 1678

فجعل ليلة يخاطب القمر بيده. فلمّا أصبح أخبر بذلك فآلى أن لا يشربها أبدا وقال [الوافر]: شربت الخمر حتّى قال صحبي ... ألست عن السفاه بمستفيق؟ وحتّى م أوسّد في مبيت ... أنام به سوي الترب سحيق؟ وحتى أغلق الحانوت رهني ... وآنست الهوان من الصديق فلم يقربها بعد ذلك. وقيل: كان سبب تركه الخمر أنّ أميّة بن أبي الصلت شرب معه فأصبحت عين أميّة مخضرّة يخاف عليها الذهاب. فقال له: ما بال عينك؟ فسكت. فلمّا ألحّ عليه قال له: أنت صاحبها، أصبتها البارحة. فقال: أو بلغ الشراب منّي أن أنال من جليسي هذا؟ لا جرم لأدينّها ديتي عينين! فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: الخمر حرام عليّ أن أذوقها أبدا- وتركها من يومئذ. ولمّا مات عبد الله بن جدعان فمرّ بنعشه صرخت ضباعة- بنت عامر بن قرظ بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة- فقال لها زوجها هشام بن المغيرة يؤنّبها: مه! - وكانت قبله عند عبد الله بن جدعان خلف عليها بعد عليّ بن أبي هوذة الحنفيّ- فقالت: إنّه كان نعم زوج الغريبة! فقال هشام: وزوج القريبة! وما ألومك أن تبكي سيّد قريش. وكان حرب بن أميّة، وعبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة يتجالسون، وكان حرب يتوسّط عليهما. فلمّا مات حرب جاء ابنه أبو سفيان بن حربليجلس ذلك المجلس، فقال له هشام: تنحّ! فإنّا أعطينا ذاك أباك! فقال أبو سفيان: أمّا إذ فعلت فو الله لأوسّطنّ أشرفكما! فوسّط عبد الله بن جدعان. وكان عبد الله بن جدعان قد كبر، فأخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يعطي من ماله شيئا. فكان الرجل إذا أتاه يسأله، يقول [له]: «ادن منّي! » فإذا دنا منه لطمه ثمّ قال: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضّى منها! فيطالبه الرجل بلطمته فترضيه [١٩٦ أ] بنو تيم من مال عبد الله بن جدعان، ففي ذلك يقول عبد الله بن قيس الرقيّات [الخفيف]: والذي إن أشار نحوك لطما ... تبع اللطم نائل وعطاء وعن هشام بن عروة قال: تذاكروا شرف الجاهليّة يوما عند عبد الله بن الزبير فقال: ما لنا وللجاهليّة؟ فقيل له: لا بدّ للناس من ذكر مآثرهم. فقال: إن كنتم لا بدّ فاعلين فاذكروا عبد الله بن جدعان، فما اقتسم الشرف إلّا بعده. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: سمعته يذكر أهل الجاهليّة وابن جدعان فقال: كان والله يطعم من بين أجبل مكّة- ما يستثني عروة أحدا. وقال الزبير بن بكّار: كان عند قريش رجل من غنيّ كان أسيرا عندهم في الحديد. فنحر ابن جدعان ودعا الناس فشغلوا عنه بالطعام. فلمّا غفلوا رقي الجبل ثمّ تنحّى منه في ناحية فدقّ حديده ثمّ مضى وهو يقول [الرجز]: كم ناقة غادرتها منتظرة ... وبازل كوماء مثل القنطرة

стр. 1679

وشدقم ضخم القرى والحنجرة ... وجازر يلبقة ما أجزره قيس إذا كفت عنه مئرزة ... وقد دعا أعوانه في المجزرة زيد الحصى وشبثا ومغيرة ... فشقّ شطّا تامكا وكركره فشايع من رجل ومزمره ... وحامل لأهله ما أوقره يوم ابن جدعان بجنب الحزوره ... كأنّه قيصر أو ذو الدسكرة وكان الأسير في قريش يرسل إليه أهله أن يغتنم غفلة الناس يوم طعام ابن جدعان فيهرب. ولعبد الله بن جدعان يقول خراش بن زهير في أمر عكاظ [الطويل]: أغرّك أن قالت قريش مسوّد ... وأنّك مكفيّ بمكّة طاعم [إعجاب كسرى به] وقال البلاذريّ: وكان له ذكر في العرب. فسأل كسرى يوما عن دين العرب وأمر البيت، وقال: إنّي لأحبّ أن ألقى من أهل مكّة رجلا ذا عقل وفهم فأسائله عن أمورهم. فذكر له قوم من العرب كانوا بحضرته أمر عبد الله بن جدعان. فكتب إلى صاحبه باليمامة يأمره بالمسير إلى مكّة حتى يشخص إليه عبد الله بن جدعان مكرما، فأشخصه إليه. فلمّا رآه كسرى أعجبته هيئته وعقله ونبله، وكان قد أهدى إليه عضبا يمانيّا وأدما. فقبل هديّته وآنسه. فكان يدعو به ليسائله، وبينهما ترجمان، فإذا قام منصرفا قال: ما ظننت أنّ في العرب مثل هذا في حلمه ونجابته وجوده ورأيه. وكان يؤاكله. ثمّ إنّه وصله فزوّده [١٩٦ ب] من ثياب العراق وطرائفه وقال له، وهو يأكل معه: هل لك من حاجة تذكرها؟ قال: نعم، تهب لي هذا الطبّاخ الذي يتّخذ لك هذه الحيسة- يعني الفالوذ- فوهب له طبّاخا. فلمّا انصرف وقدم مكّة أمر باتّخاذ الفالوذ فكان يتّخذ ويطعمه أهل مكّة فقال أميّة بن أبي الصلت [الوافر]: وأبيض من بني عمرو بن كعب ... وهم كالمشرفيّات الحداد له داع بمكّة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشئزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد لكلّ قبيلة شيخ وهاد ... وكنت الرأس تقدم كلّ هاد (١*) فما لاقيت مثلك يا ابن سعدى ... لمعروف وخير مستفاد (قال) وقد سمعت في قدومه على كسرى وجها آخر، وهو: أنّ الحرث بن ظالم [المرّي] لمّا خاف النعمان استجار بزرارة بن عدس، ثم التمس أحرز من مكانه عنده فأتى مكّة واستجار بعبد الله بن جدعان. فكره النعمان ومن جمع له أن يأتوا مكّة وهي حرم. فكتب النعمان إلى كسرى يعلمه فتك الحرث وشرارته وأنّه يسعى بالفساد في عمله، ويسأله أن يكتب إلى صاحب اليمامة في إشخاص الحرث إليه وأخذ من هو عنده به. فلمّا صار صاحب اليمامة بقرب مكّة كره أن يطأها بجيش، فانتظر يوما من أيّام أسواقهم بعكاظ أو غيرها. فلمّا اجتمعوا فيه لقي ابن جدعان فسأله أن يسلّم إليه الحرث بن ظالم. فقال: إنّه قد فارقني.

стр. 1680

فأشخص صاحب اليمامة ابن جدعان إلى كسرى. ويقال إنّ باذام صاحب كسرى تعبّث بأهل مكّة في شيء التمسه منهم، فشخص ابن جدعان في عدّة من قريش إلى كسرى يشكونه، فكتب له إلى باذام بما أراد، والله أعلم. وقال الواقدي: كانت بنو تيم في حياة ابن جدعان كأهل بيت واحد يقوّتهم ابن جدعان، وكان يطعم كلّ يوم في داره الدهر كلّه جزورا، فينادي مناديه: من أراد اللحم والشحم فعليه بدار ابن جدعان! ووفد على ملك فارس فقال له: بلغني أنّك أعظم العرب مروءة، فسلني حاجتك. فسأله طبّاخا يعمل الفالوذ فكان يطعمها قريشا. وكان لرجل من بني جشم بن بكر على رجل من بني كنانة دين، فأعدم الكنانيّ فأتى إلى الجشميّ بقرد فقال: من يشتري هذا القرد بدين الجشميّ عليّ؟ فوثب الجشميّ فقتل القرد، فاقتتل بنو كنانة وبنو بكر فأصلح بينهم ابن جدعان وحمل ذلك الدين [١٩٧ أ]. وعن أبي عمرو بن العلاء: كان ابن جدعان يوجّه أبا مليكة وغيره بالهدايا إلى ملك الحيرة وإلى كسرى ويكاتبهم. فبعث بهدايا إلى ملك الحيرة فقطع على رسله بنو يربوع فأغار ابن جدعان بقريش ومن لافّهم على بني يربوع ولم يعرض لغيرهم من بني تميم. وقال ابن جدعان في ولد سبيعة بنت الأحبّ وفي خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم وأخويه [وافر]: إذا ولد السّبيعة فارقوني ... فأيّ مراد ذي حسب أرود؟ أأقعد بعدهم في الناس حيّا ... وقد هلك المصاليت الأسود؟ يكبّون العشار لمن أتاهم ... إذا [ما] لم يكن في الأرض عود وكان ابن جدعان عقيما فادّعى بنوّة رجل فسمّاه زهيرا وكنّاه أبا مليكة، فولده كلّهم ينسبون إلى أبي مليكة، ويقال: أبو مليكة ابن عبد الله بن جدعان. وقال معاوية بن أبي سفيان: إنّما تقسّم الشرف بعد أبي زهير عبد الله بن جدعان. ١٥٢٥ - أبو الحارث الزبيديّ الصحابيّ [- ٨٦] (١*) [١٩٧ ب] عبد الله بن الحرث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب بن عمرو بن غشم بن عمرو بن عويج بن عمرو بن زبيد، الزبيدي، حليف أبي وداعةالسهميّ، يكنّى أبا الحارث، وهو ابن أخي محمية بن جزء الزبيدي، وأحد الصحابة الذين شهدوا فتح مصر، واختطّ بها. وروى عنه عبد الملك بن مليل البلويّ، ومسلم ابن يزيد الصدفيّ وعبّاس بن جليد الحجريّ، وعقبة بن مسلم التجيبيّ، ويزيد بن أبي حبيب وغيره. ولأهل مصر عنه نحو عشرين حديثا. ولهم عنه حكايات. وتوفّي بقرية سفط القدور من عمل أسفل أرض مصر بعد ما عمّر عمرا طويلا وعمي، في سنة ستّ

стр. 1681

وثمانين- وقيل سنة ثمان، وقيل سنة سبع، وقيل: سنة خمس وثمانين. ١٥٢٦ - أبو حذافة السهميّ [- قبل ٣٦] (١) [١٩٨ أ] عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو حذافة، السهميّ. أسلم وهاجر إلى الحبشة في المرّة الثانية. وكان رسول الله ﷺ أرسله بكتابه إلى كسرى بن هرمز ملك فارس يدعوه إلى الإسلام. وأمره أيّام منى أن ينادي: إنّها أيّام أكل وشرب. وقدم مصر وشهد فتحها. وولّاه عمرو بن العاصي الإسكندريّة فأسرته الروم، فكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ إلى قسطنطين متملّك الروم يتوعّده بأن يغزوه بنفسه إن لم يخل سبيل عبد الله بن حذافة فخلّاه. ومات في أيّام عثمان ﵁. واتّفق له في أسره منقبة جليلة: قال خليفة: وفيها- يعني سنة تسع عشرة- أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهميّ. وذهبوا به إلى ملكهم وقالوا: هذا من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ! فقال له الطاغية: تنصّر وأشركك في ملكي! فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك ما رجعت عن ديني. فقال له: تنصّر وإلّا ألقيتك في النقرة. فأبى. فدعا بنقرة- أو قدر من نحاس- فصبّ فيها ماء وأوقد عليها حتّى التهبت، ودعا بنفر من المسلمين فألقاه فيها فإذا عظامه تلوح. فأمر بعبد الله أن يلقى فيها فبكى. فظنّه قد جزع. فقال: والله ما بكائي من الموت، وإنّما أبكي حيث لم تكن لي إلّا نفس واحدة يفعل بها هذا في سبيل الله، وكنت أتمنّى أن يكون لي عدد كلّ شعرة فيّ أو في جسدي أنفس يفعل بها هذا في سبيل الله. فقال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأطلقك؟ فقال: لا، حتّى تطلق جميع أسارى المسلمين. قال: نعم. فقبّل رأسه، فأطلق له ثمانين أسيرا. فلمّا دخل المدينة كان عمر ﵁ في المسجد فقام إليه وقبّل رأسه. وكان المسلمون بعد ذلك يداعبونه فيقولون: فبلّت رأس علج! وفي رواية أنّ عمر ﵁ كتب إلى الطاغية يتهدّده، فأطلقه. وعن سليمان بن حبيب أنّه قال: ما اختبر أحد من المسلمين مثلما اختبر عبد الله بن حذافة السهميّ. وقد روي أنّه شكي إلى رسول الله ﷺ أنّه صاحب مزاح وباطل فقال: اتركوه، إنّه يحبّ الله ورسوله. فرمى على قيساريّة فأخذ، وبعثوا به إلى الطاغية وهو بالقسطنطينيّة فقال له: تنصّر وأنكحك ابنتي وأشركك في ملكي. فقال: لا أفعل. فقال له: أقتلك. قال: فعجّل!

стр. 1682

فأتى بأسارى فضرب أعناقهم، فمدّ عنقه وقال: اضرب. فدعا بنقرة من نحاس فملئت زيتا. فذكر بنحو ما تقدّم. [١٩٨ ب] وروي أنّه حبس في بيت وعنده لحم خنزير مشويّ وخمر ممزوج فلم يأكل ولم يشرب. ١٥٢٧ - عبد الله بن عبّاس [٣ - ٦٩] (١) [١٩٩ أ] عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب- وهو شيبة الحمد- بن هاشم- وهو عمرو- بن عبد مناف- وهو المغيرة- بن قصيّ- وهو زيد- بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، حبر الأمّة وترجمان القرآن، أبو العبّاس، ابن أبي الفضل، القرشيّ، الهاشميّ، ﵁. [العبّاس بن عبد المطّلب أبوه] (٢) كان أبوه العبّاس، عمّ رسول الله ﷺ ، أخا أبيه عبد الله بن عبد المطّلب لأبيه. وأمّ العبّاس نتيلة ابنة جناب بن كليب بن مالك ابن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر- وهو الضّحيان- بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، من بني القرّيّة. والقرّيّة (٣) أمّ بني عمرو بن عامر، وهي أيضا أمّ ضرار بن عبد المطّلب. وكان العبّاس أسنّ من رسول الله ﷺ بثلاث سنين: ولد قبل الفيل بثلاث سنين. وكان محبّا لرسول الله ﷺ مائلا إليه. وكان رسول الله ﷺ يأتي منزله فيقيل فيه. وأسلمت لبابة امرأته حين بعث رسول الله ﷺ فكانت ثالثة النساء أو ثانيتهنّ بعد خديجة. واعتقد البيعة لرسول الله ﷺ على الأنصار يوم العقبة على رقبة وقريش تطلبه. وكان العبّاس يهاب قومه فيكتم إسلامه. وكان ذا مال فيفرّق على قريش. وكان يحامي على مكرمته ومكرمة بني عبد المطّلب من السقاية والرفادة (١*) ويخاف خروجها من يده. فخرج مع المشركين يوم بدر، وأطعم تجلّدا مع المطعمين، وكان يكتب لرسول الله ﷺ بخبر المشركين. فأسر يومئذ وفدى نفسه وعاد إلى مكّة. وخرج مجاهرا بإسلامه فلقي النبيّ ﷺ بذي الحليفة وهو يريد مكّة فشهد معه فتح مكّة، وحنينا. وكان رسول الله ﷺ يجلّه إجلال الولد والده. واستسقى به عمر بن الخطاب ﵁ عام الرمادة فسقوا. ولم يمرّ العبّاس بعمر وعثمان، ﵄، وهما راكبان وهو راجل إلّا نزلا له حتّى يجوزهما، إجلالا له، أو يمشيان معه حتى يبلغ منزله أو مجلسه. وكفّ [١٩٩ ب] بصره قبل موته بخمس سنين. وتوفّي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة. ودفن بالبقيع بعد ما صلّى

стр. 1683

عليه عثمان بن عفّان ﵁. [لبابة الصغرى الهلاليّة أمّه] وأمّ عبد الله بن عبّاس أمّ الفضل لبابة [الصغرى] بنت الحرث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة. [مولده] وولد عبد الله بن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، وبنو عبد المطّلب في الشّعب. فجاء به أبوه إلى النبيّ ﷺ فقبّله ومسح وجهه ورأسه ودعا له فقال: اللهمّ املأ جوفه فهما وعلما واجعله من عبادك الصالحين. وتوفّي رسول الله ﷺ وله ثلاث عشرة سنة. وروى عن رسول الله ﷺ (١) ... ودخل مصر في خلافة عثمان ﵁، وشهد فتح المغرب، ولهم عنه عدّة أحاديث. وكان مقدّما عند أبي بكر وعمر وعثمان. وحجّ بالناس سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان وهو محصور. وولّاه عليّ بن أبي طالب ﵁ البصرة. [انقطاعه عن عليّ بسبب خراج البصرة] وشخص معه إلى صفّين، ثمّ رجع إليها واليا. ثمّ كتب أبو الأسود فيه إلى عليّ فغاضب عليّا وشخص إلى الحجاز. [٢٠٠ أ] روى هشام ابن الكلبيّ (٢) عن أبيه قال: كان أبو الأسود الدؤليّ مقيما بالبصرة وكان يطالع عليّ بن أبي طالب، ﵁، بما يبدو من العمّال. وعلم به عبد الله بن عبّاس. قال أبو مخنف: فمرّ ابن عبّاس يوما على أبي الأسود فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت بك المرعى ولا أحسنت مهنتك (١*)! فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مسئولا. وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحا للرعيّة ترفدهم وتظلف نفسك عن دنياهم. وإنّ ابن عمّك هذا قد أكل ما تحت قدميه (٢*) بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك. فانظر رحمك الله فيما هنالك، والسلام. فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّ مثلك من ينصح الإمام والأمّة، فلا تدع إعلامي بما يكون، ممّا فيه صلاح الأمّة، فإنّه واجب عليك، والسلام. وكتب إلى ابن عبّاس في ذلك، فكتب إليه ابن عبّاس: فإنّ الذي بلغك باطل، وإنّي لما تحت يدي ضابط وله حافظ، فلا تصدّق الظنين، والسلام. فكتب إليه علي: أخبرني بالذي جبيت من الخراج والجزية، وفي أيّ شيء وضعته. فكتب إليه: ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن. ثم دعا أخواله من بني هلال بن عامر [بن صعصعة]، فأتاه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين وجماعة. فأخذ ما كان في بيت مال البصرة، وهو أربع مائة ألف- وقيل سبعمائة ألف، وقيل ألف ألف- درهم. فتبعتهم بكر وغيرها فاقتتلوا وكثرت الجراحات في الفريقين، وأفلت ابن عبّاس في عشرين رجلا بالمال إلى

стр. 1684

مكّة. وبلغ عليّا ذلك فأرسل الخيل وراءه ففاتهم. وكتب إليه: أمّا بعد فإنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق في نفسي منك لمؤازرتي وأداء الأمانة. فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد ذهبت، والأمّة قد افتتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المحنّ ففارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان واختطفت ما قدرت عليه من مال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ [دامية المعزى] (١). أما توقن بالمعاد؟ أما تخاف ربّ العباد؟ أما يكبر عليك أنّك تأكل الحرام، وتنكح وتشتري [٢٠٠ ب] الإماء بأموال الأرامل والأيتام؟ اردد إلى المسلمين أموالهم. وو الله لئن لم تفعل لا عذرت الله فيك! فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ذلك لم يكن لهما عندي هوادة، والسلام. فكتب إليه ابن عباس: حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت. فكتب إليه عليّ: العجب كلّ العجب من تزيين نفسك لك أنّك أخذت أقلّ ممّا تستحقّه! وهل أنت إلّا رجل من المسلمين ليست لك سابقة، وقد علمت سوابق أهل بدر، وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم. ويكفي أنّك اتّخذت مكّة وطنا، وضربت بها عطنا، تشتري من مولّدات الطائف ومكّة ما تقع عليه عينك وتميل إليه نفسك، وتبذل فيه مال غيرك، فكأنّك قد بلغت المدى، وعرض عليك عملك غدا بالمحلّ الأعلى، الذي يتمنّي المضيّع فيه التوبة الخلاص (٢)، «ولات حين مناص! » (ص، ٣). فكتب إليه ابن عبّاس: لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبما في بطنها أحبّ إليّ من أن ألقاه بدم مسلم. فكتب إليه عليّ: إنّ الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك وبذلت في إراقتها جهدك، ووضعت بإباحتها خطّك، وتقشّعت عنها فتياك، والسلام. وذكر البلاذري أنّ ابن عبّاس لمّا قدم مكّة ابتاع من عطاء بن جبير مولى بني كعب الخزاعي ثلاث مولّدات: حوراء، وفنون، وشادن، بثلاثة آلاف دينار. وقد قال قوم: إنّ ابن عبّاس ما زال بالبصرة حتّى قتل أمير المؤمنين عليّ ﵁. قال أبو زيد (١*): زعم أبو عبيدة- ولم أسمعه منه- أنّ ابن عبّاس لم يزل بالبصرة حتّى قتل عليّ، فشخص إلى الحسن بن عليّ يشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة فحمل ثقله ومالا من بيت المال وقال: هي أرزاقي. (قال أبو زيد: ) فذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أنّ عليّا قتل وابن عبّاس بمكّة، والذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عبّاس (قلت) وهذا هو الصحيح كما ذكره المدائني وغيره. [مناقب ابن عبّاس] ولعبد الله [بن عبّاس] فضائل كثيرة. قال مالك عن الزهري (٢*) عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: كنت في حجّة رسول الله ﷺ مراهقا للحلم. وعن سفيان بن عيينة (٣*) عن عبيد الله بن أبي يزيد [٢٠١ أ] قال: سمعت ابن عبّاس يقول: أنا

стр. 1685

فيمن قدّمه رسول الله ﷺ من ضعفة أهله مع النّفل من المزدلفة إلى منى. وعن سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاس يقول: كنت أنا وأمّي من المستضعفين: كانت أمّي من النساء، وكنت أنا من الصبيان. وعن زهير بن معاوية عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير (١) أنّه سمع عبد الله بن عبّاس يقول: وضع رسول الله ﷺ بين كتفيّ- أو قال: منكبيّ- وقال: اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل! وعن حمّاد بن سلمة (٢) قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير أنّه سمع ابن عباس يقول: إنّ رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة (قال) فوضعت له وضوءا من الليل. فقالت ميمونة لرسول الله: وضع لك هذا ابن عبّاس. فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل! وقال مجاهد (٣) عن ابن عبّاس أنّه قال: رأيت جبريل ﵇ مرّتين، ودعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الله الحكمة مرّتين. وعن سفيان عن أبي بكير عن عكرمة (٤) عن ابن عبّاس أنّه دخل إلى النبيّ ﷺ ، وعنده رجل. فقال له: من هذا يا رسول الله؟ قال: جبريل. وعن حمّاد بن سلمة عن عمّار ابن أبي عمّار عن ابن عبّاس قال: كنت وأبي عند النبيّ ﷺ فكان كالمعرض. فلمّا خرجنا قال لي أبي: أي بنيّ، ألم تر إلى النبيّ ﷺ كأنّه معرض عنّي؟ فقلت: إنّه كان يناجي رجلا. فرجعنا إليه، فقال له أبي: قلت لعبد الله كذا فقال كذا. أفكان معك أحد يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أرأيته يا عبد الله؟ قلت: نعم. قال: ذاك جبريل. وعن عاصم (١*) بن عليّ بن عاصم عن زينب بنت سليمان بن عليّ (٢*) قالت: حدّثني أبي عن أبيه قال: دخل عبد الله بن عبّاس على رسول الله ﷺ وعنده رجل. فقام عبد الله فرآه. فالتفت النبيّ ﷺ فقال: متى جئت يا حبيبي؟ فقال: منذ ساعة. فقال: هل رأيت أحدا؟ قال: نعم، رأيت رجلا. فقال ﷺ : ذاك جبريل، لم يره خلق إلّا عمي، إلّا أن يكون نبيّا، ولكن أسأل الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك. [٢٠١ ب] وقال: اللهمّفقّهه في الدين وعلّمه التأويل واجعله من أهل الإيمان. وعن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ضمّني رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ علّمه الحكمة! وعن عمرو بن دينار أنّ كريبا أخبره عن ابن
следующие страницы →