← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وثمانين- وقيل سنة ثمان، وقيل سنة سبع، وقيل: سنة خمس وثمانين. ١٥٢٦ - أبو حذافة السهميّ [- قبل ٣٦] (١) [١٩٨ أ] عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، أبو حذافة، السهميّ. أسلم وهاجر إلى الحبشة في المرّة الثانية. وكان رسول الله ﷺ أرسله بكتابه إلى كسرى بن هرمز ملك فارس يدعوه إلى الإسلام. وأمره أيّام منى أن ينادي: إنّها أيّام أكل وشرب. وقدم مصر وشهد فتحها. وولّاه عمرو بن العاصي الإسكندريّة فأسرته الروم، فكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ إلى قسطنطين متملّك الروم يتوعّده بأن يغزوه بنفسه إن لم يخل سبيل عبد الله بن حذافة فخلّاه. ومات في أيّام عثمان ﵁. واتّفق له في أسره منقبة جليلة: قال خليفة: وفيها- يعني سنة تسع عشرة- أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهميّ. وذهبوا به إلى ملكهم وقالوا: هذا من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ ! فقال له الطاغية: تنصّر وأشركك في ملكي! فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك ما رجعت عن ديني. فقال له: تنصّر وإلّا ألقيتك في النقرة. فأبى. فدعا بنقرة- أو قدر من نحاس- فصبّ فيها ماء وأوقد عليها حتّى التهبت، ودعا بنفر من المسلمين فألقاه فيها فإذا عظامه تلوح. فأمر بعبد الله أن يلقى فيها فبكى. فظنّه قد جزع. فقال: والله ما بكائي من الموت، وإنّما أبكي حيث لم تكن لي إلّا نفس واحدة يفعل بها هذا في سبيل الله، وكنت أتمنّى أن يكون لي عدد كلّ شعرة فيّ أو في جسدي أنفس يفعل بها هذا في سبيل الله. فقال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأطلقك؟ فقال: لا، حتّى تطلق جميع أسارى المسلمين. قال: نعم. فقبّل رأسه، فأطلق له ثمانين أسيرا. فلمّا دخل المدينة كان عمر ﵁ في المسجد فقام إليه وقبّل رأسه. وكان المسلمون بعد ذلك يداعبونه فيقولون: فبلّت رأس علج! وفي رواية أنّ عمر ﵁ كتب إلى الطاغية يتهدّده، فأطلقه. وعن سليمان بن حبيب أنّه قال: ما اختبر أحد من المسلمين مثلما اختبر عبد الله بن حذافة السهميّ. وقد روي أنّه شكي إلى رسول الله ﷺ أنّه صاحب مزاح وباطل فقال: اتركوه، إنّه يحبّ الله ورسوله. فرمى على قيساريّة فأخذ، وبعثوا به إلى الطاغية وهو بالقسطنطينيّة فقال له: تنصّر وأنكحك ابنتي وأشركك في ملكي. فقال: لا أفعل. فقال له: أقتلك. قال: فعجّل!

стр. 1682

فأتى بأسارى فضرب أعناقهم، فمدّ عنقه وقال: اضرب. فدعا بنقرة من نحاس فملئت زيتا. فذكر بنحو ما تقدّم. [١٩٨ ب] وروي أنّه حبس في بيت وعنده لحم خنزير مشويّ وخمر ممزوج فلم يأكل ولم يشرب. ١٥٢٧ - عبد الله بن عبّاس [٣ - ٦٩] (١) [١٩٩ أ] عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب- وهو شيبة الحمد- بن هاشم- وهو عمرو- بن عبد مناف- وهو المغيرة- بن قصيّ- وهو زيد- بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، حبر الأمّة وترجمان القرآن، أبو العبّاس، ابن أبي الفضل، القرشيّ، الهاشميّ، ﵁. [العبّاس بن عبد المطّلب أبوه] (٢) كان أبوه العبّاس، عمّ رسول الله ﷺ ، أخا أبيه عبد الله بن عبد المطّلب لأبيه. وأمّ العبّاس نتيلة ابنة جناب بن كليب بن مالك ابن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر- وهو الضّحيان- بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، من بني القرّيّة. والقرّيّة (٣) أمّ بني عمرو بن عامر، وهي أيضا أمّ ضرار بن عبد المطّلب. وكان العبّاس أسنّ من رسول الله ﷺ بثلاث سنين: ولد قبل الفيل بثلاث سنين. وكان محبّا لرسول الله ﷺ مائلا إليه. وكان رسول الله ﷺ يأتي منزله فيقيل فيه. وأسلمت لبابة امرأته حين بعث رسول الله ﷺ فكانت ثالثة النساء أو ثانيتهنّ بعد خديجة. واعتقد البيعة لرسول الله ﷺ على الأنصار يوم العقبة على رقبة وقريش تطلبه. وكان العبّاس يهاب قومه فيكتم إسلامه. وكان ذا مال فيفرّق على قريش. وكان يحامي على مكرمته ومكرمة بني عبد المطّلب من السقاية والرفادة (١*) ويخاف خروجها من يده. فخرج مع المشركين يوم بدر، وأطعم تجلّدا مع المطعمين، وكان يكتب لرسول الله ﷺ بخبر المشركين. فأسر يومئذ وفدى نفسه وعاد إلى مكّة. وخرج مجاهرا بإسلامه فلقي النبيّ ﷺ بذي الحليفة وهو يريد مكّة فشهد معه فتح مكّة، وحنينا. وكان رسول الله ﷺ يجلّه إجلال الولد والده. واستسقى به عمر بن الخطاب ﵁ عام الرمادة فسقوا. ولم يمرّ العبّاس بعمر وعثمان، ﵄، وهما راكبان وهو راجل إلّا نزلا له حتّى يجوزهما، إجلالا له، أو يمشيان معه حتى يبلغ منزله أو مجلسه. وكفّ [١٩٩ ب] بصره قبل موته بخمس سنين. وتوفّي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة. ودفن بالبقيع بعد ما صلّى

стр. 1683

عليه عثمان بن عفّان ﵁. [لبابة الصغرى الهلاليّة أمّه] وأمّ عبد الله بن عبّاس أمّ الفضل لبابة [الصغرى] بنت الحرث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة. [مولده] وولد عبد الله بن عبّاس قبل الهجرة بثلاث سنين، وبنو عبد المطّلب في الشّعب. فجاء به أبوه إلى النبيّ ﷺ فقبّله ومسح وجهه ورأسه ودعا له فقال: اللهمّ املأ جوفه فهما وعلما واجعله من عبادك الصالحين. وتوفّي رسول الله ﷺ وله ثلاث عشرة سنة. وروى عن رسول الله ﷺ (١) ... ودخل مصر في خلافة عثمان ﵁، وشهد فتح المغرب، ولهم عنه عدّة أحاديث. وكان مقدّما عند أبي بكر وعمر وعثمان. وحجّ بالناس سنة خمس وثلاثين بأمر عثمان وهو محصور. وولّاه عليّ بن أبي طالب ﵁ البصرة. [انقطاعه عن عليّ بسبب خراج البصرة] وشخص معه إلى صفّين، ثمّ رجع إليها واليا. ثمّ كتب أبو الأسود فيه إلى عليّ فغاضب عليّا وشخص إلى الحجاز. [٢٠٠ أ] روى هشام ابن الكلبيّ (٢) عن أبيه قال: كان أبو الأسود الدؤليّ مقيما بالبصرة وكان يطالع عليّ بن أبي طالب، ﵁، بما يبدو من العمّال. وعلم به عبد الله بن عبّاس. قال أبو مخنف: فمرّ ابن عبّاس يوما على أبي الأسود فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت بك المرعى ولا أحسنت مهنتك (١*)! فكتب أبو الأسود إلى عليّ: أمّا بعد، فإنّ الله جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مسئولا. وقد بلوناك فوجدناك عظيم الأمانة ناصحا للرعيّة ترفدهم وتظلف نفسك عن دنياهم. وإنّ ابن عمّك هذا قد أكل ما تحت قدميه (٢*) بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك. فانظر رحمك الله فيما هنالك، والسلام. فكتب إليه: أمّا بعد، فإنّ مثلك من ينصح الإمام والأمّة، فلا تدع إعلامي بما يكون، ممّا فيه صلاح الأمّة، فإنّه واجب عليك، والسلام. وكتب إلى ابن عبّاس في ذلك، فكتب إليه ابن عبّاس: فإنّ الذي بلغك باطل، وإنّي لما تحت يدي ضابط وله حافظ، فلا تصدّق الظنين، والسلام. فكتب إليه علي: أخبرني بالذي جبيت من الخراج والجزية، وفي أيّ شيء وضعته. فكتب إليه: ابعث إلى عملك من أحببت فإنّي ظاعن. ثم دعا أخواله من بني هلال بن عامر [بن صعصعة]، فأتاه الضحّاك بن عبد الله، وعبد الله بن رزين وجماعة. فأخذ ما كان في بيت مال البصرة، وهو أربع مائة ألف- وقيل سبعمائة ألف، وقيل ألف ألف- درهم. فتبعتهم بكر وغيرها فاقتتلوا وكثرت الجراحات في الفريقين، وأفلت ابن عبّاس في عشرين رجلا بالمال إلى

стр. 1684

مكّة. وبلغ عليّا ذلك فأرسل الخيل وراءه ففاتهم. وكتب إليه: أمّا بعد فإنّي أشركتك في أمانتي، ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق في نفسي منك لمؤازرتي وأداء الأمانة. فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، والعدوّ عليه قد حرب، وأمانة الناس قد ذهبت، والأمّة قد افتتنت، قلبت لابن عمّك ظهر المحنّ ففارقته مع المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان واختطفت ما قدرت عليه من مال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ [دامية المعزى] (١). أما توقن بالمعاد؟ أما تخاف ربّ العباد؟ أما يكبر عليك أنّك تأكل الحرام، وتنكح وتشتري [٢٠٠ ب] الإماء بأموال الأرامل والأيتام؟ اردد إلى المسلمين أموالهم. وو الله لئن لم تفعل لا عذرت الله فيك! فإنّ الحسن والحسين لو فعلا ذلك لم يكن لهما عندي هوادة، والسلام. فكتب إليه ابن عباس: حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت. فكتب إليه عليّ: العجب كلّ العجب من تزيين نفسك لك أنّك أخذت أقلّ ممّا تستحقّه! وهل أنت إلّا رجل من المسلمين ليست لك سابقة، وقد علمت سوابق أهل بدر، وما كانوا يأخذون غير ما فرض لهم. ويكفي أنّك اتّخذت مكّة وطنا، وضربت بها عطنا، تشتري من مولّدات الطائف ومكّة ما تقع عليه عينك وتميل إليه نفسك، وتبذل فيه مال غيرك، فكأنّك قد بلغت المدى، وعرض عليك عملك غدا بالمحلّ الأعلى، الذي يتمنّي المضيّع فيه التوبة الخلاص (٢)، «ولات حين مناص! » (ص، ٣). فكتب إليه ابن عبّاس: لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبما في بطنها أحبّ إليّ من أن ألقاه بدم مسلم. فكتب إليه عليّ: إنّ الدماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك وبذلت في إراقتها جهدك، ووضعت بإباحتها خطّك، وتقشّعت عنها فتياك، والسلام. وذكر البلاذري أنّ ابن عبّاس لمّا قدم مكّة ابتاع من عطاء بن جبير مولى بني كعب الخزاعي ثلاث مولّدات: حوراء، وفنون، وشادن، بثلاثة آلاف دينار. وقد قال قوم: إنّ ابن عبّاس ما زال بالبصرة حتّى قتل أمير المؤمنين عليّ ﵁. قال أبو زيد (١*): زعم أبو عبيدة- ولم أسمعه منه- أنّ ابن عبّاس لم يزل بالبصرة حتّى قتل عليّ، فشخص إلى الحسن بن عليّ يشهد الصلح بينه وبين معاوية، ثم رجع إلى البصرة فحمل ثقله ومالا من بيت المال وقال: هي أرزاقي. (قال أبو زيد: ) فذكرت ذلك لأبي الحسن فأنكره، وزعم أنّ عليّا قتل وابن عبّاس بمكّة، والذي شهد الصلح بين الحسن ومعاوية عبيد الله بن عبّاس (قلت) وهذا هو الصحيح كما ذكره المدائني وغيره. [مناقب ابن عبّاس] ولعبد الله [بن عبّاس] فضائل كثيرة. قال مالك عن الزهري (٢*) عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عبّاس قال: كنت في حجّة رسول الله ﷺ مراهقا للحلم. وعن سفيان بن عيينة (٣*) عن عبيد الله بن أبي يزيد [٢٠١ أ] قال: سمعت ابن عبّاس يقول: أنا

стр. 1685

فيمن قدّمه رسول الله ﷺ من ضعفة أهله مع النّفل من المزدلفة إلى منى. وعن سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عبّاس يقول: كنت أنا وأمّي من المستضعفين: كانت أمّي من النساء، وكنت أنا من الصبيان. وعن زهير بن معاوية عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير (١) أنّه سمع عبد الله بن عبّاس يقول: وضع رسول الله ﷺ بين كتفيّ- أو قال: منكبيّ- وقال: اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل! وعن حمّاد بن سلمة (٢) قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير أنّه سمع ابن عباس يقول: إنّ رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة (قال) فوضعت له وضوءا من الليل. فقالت ميمونة لرسول الله: وضع لك هذا ابن عبّاس. فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل! وقال مجاهد (٣) عن ابن عبّاس أنّه قال: رأيت جبريل ﵇ مرّتين، ودعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الله الحكمة مرّتين. وعن سفيان عن أبي بكير عن عكرمة (٤) عن ابن عبّاس أنّه دخل إلى النبيّ ﷺ ، وعنده رجل. فقال له: من هذا يا رسول الله؟ قال: جبريل. وعن حمّاد بن سلمة عن عمّار ابن أبي عمّار عن ابن عبّاس قال: كنت وأبي عند النبيّ ﷺ فكان كالمعرض. فلمّا خرجنا قال لي أبي: أي بنيّ، ألم تر إلى النبيّ ﷺ كأنّه معرض عنّي؟ فقلت: إنّه كان يناجي رجلا. فرجعنا إليه، فقال له أبي: قلت لعبد الله كذا فقال كذا. أفكان معك أحد يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أرأيته يا عبد الله؟ قلت: نعم. قال: ذاك جبريل. وعن عاصم (١*) بن عليّ بن عاصم عن زينب بنت سليمان بن عليّ (٢*) قالت: حدّثني أبي عن أبيه قال: دخل عبد الله بن عبّاس على رسول الله ﷺ وعنده رجل. فقام عبد الله فرآه. فالتفت النبيّ ﷺ فقال: متى جئت يا حبيبي؟ فقال: منذ ساعة. فقال: هل رأيت أحدا؟ قال: نعم، رأيت رجلا. فقال ﷺ : ذاك جبريل، لم يره خلق إلّا عمي، إلّا أن يكون نبيّا، ولكن أسأل الله أن يجعل ذلك في آخر عمرك. [٢٠١ ب] وقال: اللهمّفقّهه في الدين وعلّمه التأويل واجعله من أهل الإيمان. وعن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ضمّني رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ علّمه الحكمة! وعن عمرو بن دينار أنّ كريبا أخبره عن ابن

стр. 1686

عبّاس قال: دعا لي رسول الله ﷺ أن يزيدني الله علما وفهما. وعن عمرو بن دينار (١) عن طاوس (٢) عن ابن عبّاس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح ناصيتي وقال: اللهمّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب. وعن الكلبيّ عن أبي صالح (٢) عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف، ٢٢] قال: أنا من أولائك القليل. وقال ليث عن طاوس: أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا تدارءوا (٣) في شيء أتوا ابن عبّاس حتّى يبيّنه لهم ويقرّرهم به، فينتهون إلى قوله. وقال ليث عن طاوس: أدركت سبعين رجلا من أصحاب محمد ﷺ فتركتهم وانقطعت إلى هذا- يعني ابن عبّاس- فاستغنيت به. وقال ابن جريج (٤) عن طاوس: ما رأيت رجلا قطّ أعلم من ابن عبّاس. وقال حبيب بن أبي ثابت عن طاوس (٥): ما رأيت رجلا خالف ابن عبّاس قطّ فتركه حتّى يقرّره بما قال. وعن أبي الضّحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس. وقال أبو الضّحى عن مسروق (١*): كنت إذا رأيت ابن عبّاس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلّم قلت: أفصح الناس، فإذا حدّث قلت: أعلم الناس. وقال أبو الزناد (٢*) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنّة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا من ابن عبّاس. وإن كان عمر ابن الخطّاب، ﵁، ليقول له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها- فإذا قال فيها رضي قوله، وعمر ما عمر في نظره للمسلمين وجدّه في ذات الله. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عبّاس، إلّا أن يقول: قال رسول الله ﷺ . وقال شعبة عن منصور عن مجاهد: كنت إذا رأيت ابن عبّاس يفسّر القرآن أبصرت على [٢٠٢ أ] وجهه نورا. وعن عطاء بن أبي رباح (٣*): ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عبّاس، ولا أعظم جفنة، ولا أكثر علما: أصحاب القرآن في ناحية، وأصحاب اللغة في ناحية يوردهم في واد رحب. وقال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: جمع المحكم على عهد رسول الله ﷺ . قلت: وما المحكم؟ قال: المفصّل. وقال سعيد بن جبير ويوسف بن مهران عن ابن عباس أنّه كان يسأل عن القرآن فيقول: هو كذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا؟ وعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان

стр. 1687

عمر ﵁، يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فذكر أنّه سأله وسألهم فقال لهم: كيف تلومونني على ابن عبّاس بعد ما ترون؟ وعن عطاء بن يسار (١) أنّ عمر وعثمان ﵄، كانا يدعوان ابن عبّاس مع أهل بدر. وكان يفتي في عهد عثمان إلى أن مات. وقال سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عبّاس إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به. فإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به. فإن لم يكن في شيء من ذلك اجتهد رأيه. وقال جرير بن عبد الحميد (٢) عن مغيرة (٣): قيل لابن عبّاس: بم أصبت هذا العلم؟ فقال: بلسان سئول وقلب عقول. وقال معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة أنّ ابن عبّاس قال: سلوني عن التفسير، فإنّ ربّي وهبني لسانا سئولا وقلبا عقولا. وقال حمّاد بن زيد (٤) عن الزبير بن الخرّيت (٥) عن عكرمة قال: كان ابن عبّاس أعلم بالقرآن من عليّ بن أبي طالب. وكان عليّ أعلم بالمبهمات منه. وقال مجاهد: كان ابن عبّاس يسمّى البحر لكثرة علمه. وقال ابن جريج عن عطاء أنّه كان يقول: قال البحر كذا، وأفتى البحر بكذا- يعني ابن عبّاس. [نماذج من تفسير ابن عبّاس] وقال سعيد بن جبير: وجد ناس من المهاجرين على عمر بن الخطّاب ﵁، في إدنائه ابن عبّاس دونهم. فقال عمر: أما إنّي سأريكم اليوم منه ما تعرفون [٢٠٢ ب] به فضله- فسألهم عن هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] فقال بعضهم: أمر الله نبيّه ﷺ إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده على ذلك ويستغفره. فقال عمر: يا ابن عبّاس، تكلّم! فقال: أعلمه أنّه ميّت، يقول: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فهي آيتك في الموت. ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا القول فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين. فقال لابن عبّاس: تكلّم! فقال ابن عبّاس: إنّ الله وتر يحبّ الوتر: خلق السماوات سبعا، والأرضين سبعا، وجعل عدّة الأيّام سبعة، وجعل الإنسان من سبع فقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. ثمّ جعل رزق الإنسان من سبع فقال: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا* ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا* فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا* وَعِنَباً وَقَضْباً* وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا* وَحَدائِقَ غُلْباً* وَفاكِهَةً وَأَبًّا* مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [عبس: ٢٥ - ٣٢]، فأمّا السبعة فمتاع لبني آدم، وأمّا الأبّ فهو ما تنبت الأرض للأنعام. وما نراها إن شاء الله إلّا لثلاث وعشرين

стр. 1688

تمضي ولسبع يبقين. فقال عمر: كيف تلومونني على ابن عبّاس؟ وقال عوانة بن الحكم (١) عن أبيه: قيل لعبد الله بن عبّاس: أرجل كثير الذنوب كثير الحسنات أحبّ إليك أم رجل قليل الذنوب قليل الحسنات؟ فقال: ما أعدل بالسلامة شيئا. وقال الحسن: أوّل من عرّف بالبصرة ابن عبّاس. وكان كثير العلم: قرأ سورة البقرة ففسّرها آية آية وحرفا حرفا. وقال يزيد بن هارون (٢) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة (٣) عن ابن عبّاس أنّه قال: وجدت عامّة حديث رسول الله ﷺ عند الأنصار. فإن كنت لآتي الرجل منهم فأجده نائما، ولو أشاء أن يوقظ لي لأوقظ. فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتّى [٢٠٣ أ] يستيقظ متى استيقظ فأسأله عمّا أريد ثم أنصرف. وقال بقية بن الوليد الحمصيّ عن سليمان الأنصاريّ: إنّ ابن عبّاس كان يقول: من حلم ساد، ومن تفهّم ازداد. وقال إسماعيل بن عليّة (٤) عن أبي عون (٥) عن عكرمة أنّ عليّا ﵁ أحرق ناسا ارتدّوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عبّاس فقال: ما كنت لأحرقهم، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تعذّبوا بعذاب الله». ولكنّي أقتلهم، فإنّ رسول الله ﷺ قال: من بدّل دينه منكم فاقتلوه. فبلغ ذلك عليّا فقال: لله درّ ابن عبّاس! وقال ابن عليّة عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن ابن عبّاس أنّه نعي إليه أخوه قثم (١*) وهو في سفر، فاسترجع ثمّ عدل عن الطريق فأناخ راحلته وصلّى ركعتين أطال فيهما، ثمّ عاد إلى راحلته فركبها. فقيل له: ما رأينا كما فعلت. فقال: أما سمعتم الله يقول: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ [البقرة: ٤٥]. وقال طاوس عن ابن عبّاس أنّ معاوية قال له: أنت على ملّة عليّ. قال: لا، ولا على ملّة عثمان. ولكنّي على ملّة محمّد رسول الله ﷺ . وعن قتادة أنّ عليّا، ﵁، قال في قوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١]: هنّ الإبل. وقال ابن عبّاس: هي الخيل. فبلغ ذلك عليّا فقال: صدق والله ابن عبّاس. وعن جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث قال: كان رسول الله ﷺ يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيرابني العبّاس ويقول: «من يسبق إليّ فله كذا! » فيستبقون إليه ويقعون على صدره وظهره فيقبّلهم ويلتزمهم. وقال مصعب بن عبد الله الزبيريّ عن ابن الدراورديّ عن جعفر بن محمّد (٢*) عن أبيه: لم يبايع رسول الله ﷺ ممّن لم يبلغ منّا (٣*) إلّا عبد الله بن العبّاس، والحسن، والحسين،

стр. 1689

وعبد الله بن جعفر ﵃. وقال وكيع (١) عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس أنّه قال: قلت لابن عبّاس: أشهدت العيد مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، ولولا مكاني منه ما شهدته. وقال سفيان عن سلمة بن كهيل (٢) عن الحسن العزفيّ عن ابن عبّاس قال: قدمنا [٢٠٣ ب] ونحن أغيلمة من بني عبد المطّلب على حميّراتنا ليلة المزدلفة فجعل النبيّ ﷺ يلطخ على أفخاذنا ويقول: لا ترموا الجمرة حتّى تطلع الشمس! وقال طاوس: ما رأيت ابن عبّاس مفطرا جمعة تامّة قطّ. وقال يزيد عن عكرمة: كان ابن عبّاس في العلم بحرا. فلمّا عمّر أتاه ناس من أهل الطائف معهم علم من علمه- أو قال: كتب من كتبه- فجعلوا يستقرئونه وجعل يقدّم ويؤخّر. فلمّا رأى ذلك قال: إنّي قد بلهت من مصيبتي هذه: فمن كان علم من علمي شيئا فليقرأه عليّ، فإنّ إقراري له به كقراءتي إيّاه عليه. (قال) فتروّوا عليه. وقال سفيان عن نافع عن أبي مليكة: كان ابن عبّاس يجلس في الصفّة. وكان الناس يتصدّعون عن فتياه فيقول السقاة: كأنّه رسول الله ﷺ إلّا أنّه لم يبعث. وعن عمير بن بشر الخثعميّ قال: قال ابن عمر ﵁: ابن عبّاس أعلم الناس بما أنزل على محمد ﷺ . [إجلال عمر لابن عبّاس] وقال عطاء عن زيد بن أسلم (٣) عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁ لابن عبّاس: إنّي رأيت رسول الله ﷺ دعاك يوما فمسح رأسك وتفل في فيك وقال: «اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل! » - فكان يقرّبه. وعن سعيد بن جبير قال: قال عمر، ﵁، لابن عبّاس: لقد علمت علما ما علمناه. وقال الحسن: كان ابن عبّاس من الإسلام بمكان، ومن علم القرآن بمنزلة رفيعة. وكان عمر، ﵁، إذا ذكره قال: ذا كم كهل الفتيان! - وفي رواية: كان عمر يأذن له مع المهاجرين ويسأله ويقول: «غص غوّاص! » وكان إذا رآه مقبلا قال: أتاكم فتى الكهول، له لسان سئول وقلبعقول! وقال قتادة: كان ابن عبّاس منطيقا. وقال سعيد بن جبير: لقيني رجل من يهود الحيرة فقال: يا أبا عبد الله، أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري. ثمّ لقيت ابن عبّاس بعد فسألته فقال: قضى أكبرهما وأتمّهما. فلقيت اليهوديّ فأعلمته ذلك فقال: صاحبك والله عالم! وقال شفيق بن سلمة: شهدت ابن عبّاس وهو على الموسم، فخطب ثمّ تلا سورة النور وفسّرها. فقال رجل: ما رأيت كلاما أحسن من هذا! لو سمعه الترك والروم لأسلموا. وقال الحسن عن عبد الله بن بريدة [٢٠٤ أ]: أسمع رجل ابن عبّاس كلاما فقال له: أما إنّك تسمعني، وفيّ ثلاث خلال: إنّي لأسمع بالحاكم

стр. 1690

العدل من حكّام المسلمين فأفرح به، ولعلّي لا أقاضى إليه أبدا. وإنّي لأسمع بالغيث يصيب بلدا من بلدان المسلمين فأفرح به وما لي بالبلد سائمة. وإنّي لآتي على الآية من كتاب الله فأودّ أنّ الناس جميعا يعلمون منها ما أعلم. وقال أبو رجاء العطارديّ (١): رأيت هذا المكان من ابن عبّاس مثل الشراك البالي من الدموع- ووضع أبو رجاء يده عليه- يعني مجرى الدموع. وعن إبراهيم التيميّ (٢) قال: خلا عمر بن الخطّاب يوما يفكّر كيف تختلف الأمّة ونبيّها واحد، وقبلتها واحدة، وكتابها واحد؟ فدعا ابن عبّاس وسأله عن ذلك فقال ابن عبّاس: أنزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وسيكون بعدنا أقوام يقرءونه ولا يدرون فيما نزل فيكون لهم فيه رأي فإذا كان ذلك اختلفوا. فزبره عمر. ثم إنّه أرسل إليه فقال: «أعد عليّ قولك»، فأعاده، فعرف عمر صوابه وأعجبه. وعن الق [ا] سم بن عوف الشيبانيّ أنّ عبد الله بن عبّاس قال لكعب الأحبار: إنّي سائلك عن أشياء فلا تحدّثني بما حرّف من الكتاب، ولا بأحاديث الرجال. وإن لم تعلم فقل: لا أعلم، فإنّه أعلم لك. وقال الق [ا] سم بن سلّام: ثنا محمد بن رجاء الواسطيّ: ثنا ابن ثوبان عمّن سمع الضحّاك (٣) يحدّث عن ابن عبّاس أنّه قال: قال لي رسول الله ﷺ : حدّث إذا حدّثت، إلّا أن تجد قوما تحدّثهم بشيء لا تضبطه عقولهم، فيكون ذلك فتنة لبعضهم. (قال) وكان ابن عبّاس يخفي أشياء ويفشيها إلى أهل العلم. وقال ابن أبي مليكة: سافرت مع ابن عبّاس، فكان يسير النهار وينزل الليل فيقوم فيصلّي في نصف الليل يقرأ القرآن، فيكثر أن يقرأ: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١] ثمّ يبكي حتّى نسمع له نشيجا. وقال عطاء عن ابن عبّاس: لو أخبر الناس ببعض تأويل القرآن لرجموني بالحجارة. وقال ابن جريج: قال لي ابن أبي مليكة: جاء ابن الزبير مال أوّل ما جاءه. فانطلق ابن عبّاس إليه، وهو في قعيقعان فقال: إنّك قد دعوت الناس إلى ما قد علمت، وقد جاءك مال وبالناس حاجة. [٢٠٤ ب] فقال ابن الزبير: وما أنت وهذا؟ إنّك أعمى، أعمى الله قلبك. فقال ابن عبّاس: بل أعمى الله قلبك. قال ابن الزبير: والله ما أنت بفقيه. قال ابن عبّاس: والله لأنا أفقه منك ومن أبيك. فلمّا خرج قال لقائده: من عنده؟ قال: ابنته وامرأته. قال: فهلّا أخبرتني؟ فو الله لو علمت ما أسمعتهما شتمه. (قال) ثمّ أرسل إليه ابن الزبير أبا قيس الزرقي بأنّا لسنا بأوّل ابني عمّ استبّا، فاكفف عنّي وأكفّ عنك. قال ابن عبّاس: إن كفّ كففت، وإن أذاع أذعت. قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: وكان بينهما شيء. فغدوت على ابن عبّاس فقلت: أتريد أن تقاتل ابن الزبير فتحلّ حرم الله؟

стр. 1691

فقال: معاذ الله! إنّ الله كتب بني أميّة وابن الزبير محلّين (١) وإنّي والله لا أحلّه أبدا. قال الناس: بايع لابن الزبير! فقلت: وأنّى بهذا الأمر عنه؟ أمّا أبوه فحواريّ رسول الله ﷺ . وأمّا جدّه فصاحب الغار- يعني أبا بكر ﵁ وأمّا أمّه فذات النطاقين. وأمّا خالته فعائشة أمّ المؤمنين ﵂. وأمّا عمّته فخديجة زوج النبيّ ﷺ . وأمّا عمّة رسول الله ﷺ صفيّة فجدّته. ثم عفيف في الإسلام قارئ القرآن، والله لأحاسبنّ نفسي له محاسبة ما حاسبتها لأبي بكر وعمر، ﵄. إنّ ابن أبي العاصي برز يمشي القدميّة- يعني عبد الملك بن مروان- وإنّه لوى دينه- يعني ابن الزبير. وعن الشعبي (٢) أنّ ابن الزبير قال لابن عبّاس: قاتلت أمّ المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ، وأفتيت بتزويج المتعة. فقال: أمّا أمّ المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك، وبنا سمّيت أمّ المؤمنين، وكنّا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها! وقاتلت أنت وأبوك عليّا، فإن كان عليّ مؤمنا فقد ضللتم بقتال المؤمنين. وإن كان كافرا فقد بؤتم بسخط من الله لفراركم من الزحف. وأمّا المتعة فإنّه بلغني أنّ رسول الله ﷺ رخّص فيها وأنّ أوّل مجمر (٣) سطع في المتعة (٤) لمجمر في آل الزبير. [بين ابن عبّاس وابن الزبير] وقال هشام الكلبي عن أبي مخنف (١*) وعوانة قالا: قال عبد الله بن الزبير يوما، وهو على منبر مكّة، وابن عبّاس حاضر: إنّ ههنا رجلا أعمى الله قلبه [٢٠٥ أ] كما أعمى بصره، يزعم أنّ متعة النساء حلال من الله ورسوله، يفتي في القملة والنملة، وقد حمل ما في بيت مال البصرة وترك أهلها يرضخون النوى. وكيف يلام على ذلك، وقد قاتل أمير المؤمنين وحواريّ رسول الله ﷺ ومن وقاه بيده- يعني طلحة ﵁؟ فقال ابن عبّاس لقائده سعيد بن جبير: «استقبل بي ابن الزبير! » ثم حسر عن ذراعيه وقال: يا ابن الزبير [الرجز]: إنّا إذا ما فئة نلقاها ... نردّ أولاها على أخراها حتّى تصير ضرعا دعواها ... قد أنصف القارة من راماها (٢*) يا ابن الزبير، أمّا العمى فإنّ الله يقول: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج، ٤٦]. وأمّا فتياي في النملة والقملة فإنّ فيهما حكمين لا تعلمهما أنت ولا أصحابك. وأمّا حمل مال البصرة فإنّه كان مالا جبيناه ثمّ أعطينا كلّ ذي حقّ حقّه، وبقيت بقيّة هي دون حقّنا في كتاب الله وسهامه، فأخذناه بحقّنا.

стр. 1692

وأمّا المتعة فإنّ أوّل مجمر سطع في المتعة مجمر في آل الزبير، فسل أمّك عن بردي عوسجة! وأمّا قتال أمّ المؤمنين فبنا سمّيت أمّ المؤمنين لا بك وبآبائك، فانطلق أبوك وخالك- يعني طلحة- فعمدا إلى حجاب مدّه الله عليها فهتكاه عنها، ثمّ اتّخذاها فئة يقاتلان دونها وصانا حلائلهما في بيوتهما. فو الله ما أنصفا الله ولا محمّدا ﷺ في ذلك. وأمّا قتالنا إيّاكم فإن كنّا لقيناكم زحفا ونحن كفّار فقد كفرتم بفراركم من الزحف. وإن كنّا مؤمنين فقد كفرتم بقتالكم إيّانا. وايم الله! لولا مكان خديجة فينا وصفيّة فيكم ما تركت لك عظما مهمورا (١) إلّا كسرته! فلمّا نزل ابن الزبير سأل أمّه عن بردي عوسجة فقالت: ألم أنهك عن ابن عبّاس وبني هاشم؟ فإنّهم كعم (٢) الجواب إذا بدهوا. قال: بلى، فعصيتك. قالت: فاتّقه، فإنّ عنده فضائح قريش. فقال في ذلك أيمن بن خريم بن فاتك الأسديّ [البسيط]: يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة ... من البوائق فالطف لطف محتال [٢٠٥ ب] لقيته هاشميّا طاب مغرسه ... في منبتيه كريم العمّ والخال ما زال يقرع منك العظم مقتدرا ... على الجواب بصوت مسمع عال حتى رأيتك مثل [الضبّ] منحجرا ... خلف الغبيط، وكنت البادئ الغالي إنّ ابن عبّاس المحمود حكمته ... حبر الأنام له حال من الحال عيّرته المتعة المتبوع سنّتها ... وبالقتال، وقد عيّرت بالمال لمّا رماك على رسل بأسهمه ... جرى عليك كسوف الحال والبال واعلم بأنّك إن حاولت نقصته ... عادت عليك مخاز ذات أذيال (١*) وقال حسّان بن ثابت الأنصاري في عبد الله بن عبّاس ﵁، وقد كلّم عاملا في الأنصار وكلّمه فيهم غيره فلم يبلغ أحد منهم مبلغه في الكلام حتّى قضيت حاجتهم [الطويل]: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتظمات لا ترى بينها فصلا كفى، وشفى ما في النفوس، ولم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا وقال أبو الزناد عن الأعرج عن عبد الرحمن بن حسّان عن أبيه حسّان بن ثابت قال: بدت لنا معشر الأنصار إلى الوالي حاجة، وكان الذي طلبنا أمراصعبا. فمشينا إليه برجال من قريش وغيرهم، فكلّموه وذكروا له وصيّة رسول الله ﷺ بنا. فذكر

стр. 1693

صعوبة الأمر فعذره القوم وخرجوا. وألحّ عليه ابن عبّاس فو الله ما وجد بدّا من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتّى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية. فصحت وأنا أسمعهم: إنّه والله كان أولاكم بها! إنّه والله صبابة النبوّة ووراثة أحمد ﷺ ، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه! فقال القوم: أجمل! أجمل يا حسّان! فقال له ابن عبّاس: صدقوا فأجمل! فأنشأ حسّان يمدح ابن عبّاس فقال: إذا ما ابن عبّاس بدا لك وجهه ... رأيت له في كلّ مجمعة فضلا إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا [٢٠٦ ب] كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا ٥ خلقت حليفا للمروءة والنّدى ... بليجا ولم تخلق كهاما ولا جبلا (١) فقال الوالي: والله ما أراد بالكهام والجبل غيري، فالله بيني وبينه. وقال عطاء عن ابن عبّاس: المعروف أوثق الحصون، وأرشد الأمور، ولن يصلح المعروف إلّا بتعجيله وستره وتصغيره، فإنّك إذا عجّلته هنّأته، وإذا سترته أتممته، وإذا صغّرته عظّمته، وإذا مطلته نكّدته ونغّصته. وقال عبد الله بن بريدة عن كعب الأحبار (١*) أنّه كان عند معاوية، فقرأ معاوية: في عين حامية، فقال كعب: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦]، فلم يقبل منه وقال: عليّ بابن عبّاس! فلمّا جاء قال: كيف تقرءونها؟ فوافق كعبا، فلم يرجع معاوية، فغضب كعب، فقال ابن عبّاس: لا تغضب يا كعب، فإنّك من الذين أوتوا الكتاب، تؤمن به. ومعاوية من الأحزاب ينكر بعضه. فقال معاوية: أمشاتمي أنت يا ابن عبّاس؟ قال: إن شئت. قال: قد شئت. فقال: لولا البيعة التي لك عندي، ولولا السلطان لفعلت. قال: فلا بيعة لي عليك ولا سلطان، فقل! قال: بل أجلّك يا أمير المؤمنين وأكرمك. فسكن بعض غضبه، ثم قام إلى الصلاة وقال: أطبق المصحف يا غلام، فإنّي ما أرى الحرف إلّا كما قالا. ولمّا أنكر الخوارج [٢٠٧ أ] على عليّ، ﵁، تحكيم الحكمين وانحازوا عنه، خرج إليهم ابن عبّاس، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عبّاس، ما جاء بك؟ (٢*) [جدال بين ابن عبّاس والخوارج] قال: جئت لأخباركم عن أصحاب محمد ﷺ ، فليس فيكم رجل منهم. فقال بعضهم لبعض: لا تخاصموه، فإنّ الله

стр. 1694

يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨]. فقال ابن عبّاس: أخبروني ما الذي نقمتم على ابن عمّ رسول الله ﷺ عليّ؟ قالوا: نقمنا عليه أنّه حكّم الرجال في دين الله، ولا حكم إلّا الله، وأنّه قتل ولم يسب، ومحا «أمير المؤمنين» وكتب اسمه. فقال ابن عبّاس: أمّا قولكم: حكّم الرجال، فإنّ الله ﵎ حكّم الرجال في دينه في الشقاق بين الرجال والنساء، وفي أرنب ثمنها ربع درهم يصيبها المحرم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة: ٩٥]. فالحكم في حقن الدماء وصلاح ذات البين أفضل. قالوا: نعم. [قال: ] وأمّا قولكم: قتل ولم يسب فأيّكم كان يأخذ عائشة أمّ المؤمنين في سهمه، وهي أمّه؟ فإن قلتم: ليست بأمّنا، فقد كفرتم، وإن قلتم: نأخذها ضللتم. وأمّا قولكم محا اسمه [من الخلافة] (١)، فإنّ رسول الله ﷺ وهو خير من عليّ وادع قريشا بالحديبيّة فكتب: «هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله». فقالوا: «لو أقررنا بأنّك رسول الله لم نخالفك». فقال: امح، واكتب: هذا ما اصطلح [عليه] محمد بن عبد الله ... فاتّبع ابن عبّاس ألفان من الخوارج، وبقيت بقيّتهم. وعن عكرمة عن ابن عبّاس قال: أتيت في منامي فقيل لي: هذه ليلة القدر، فقمت وأنا ناعس فتعلّقت ببعض أطناب فسطاط رسول الله ﷺ فنظرت فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين. وعن محمد بن كعب قال: قال ابن عبّاس بعد أن أصيب ببصره: ما أأسى على شيء إلّا على أنّي لم أحجّ ماشيا لأنّي سمعت الله يقول: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ [الحجّ: ٢٧]. وقال ابن عبّاس لوبرة بن عبد الرحمن المسلي (١*): إيّاك والكلام فيما يعنيك (٢*) إذا كان في موضعه، ولا تمار سفيها ولا حليما، فإنّ السفيه يؤذيك، وإنّ الحليم يقليك. واذكر أخاك في غيبته بما [٢٠٧ أ] تحبّ أن يذكرك به، ودعه ممّا تحبّ أن يدعك منه. وفي رواية: دع الكلام فيما لا يعنيك فإنّه فضل. ولا تتكلّم فيما يعنيك إذا لم تصب موضعه فإنّه جهل. وفي رواية: دع ما لا يعنيك فإنّه فضل، ولا تكلّم بما يعنيك في غير موضعه، فربّ متكلّم بما يعنيه في غير موضعه قد عنت. ولا تمار سفيها ولاحليما، فإنّ الحليم يقليك وإنّ السفيه يؤذيك. واذكر أخاك بما تحبّ أن يذكرك به، ودعه ممّا تحبّ أن يدعك منه. واعمل عمل من يرى أنّه مجزى بالإحسان مأخوذ بالإجرام. وقيل لابن عبّاس: إنّ ابن الزبير ينتقصك فقال: دبى حجل، «لو ذات سوار لطمتني» (٣*). أما والله إنّي لأعرف دخلا ودخيلا، وما سببت قرشيّا قطّ إلّا يحيى بن الحكم (٤*) فاشتفى من لحم سمين واشتفيت من مثله.

стр. 1695

وعزّى معاوية ابن عبّاس عن الحسن بن عليّ، ﵃، فقال له: لا يسوؤك الله! فقال: لا يسوؤني ما أبقى الله أمير المؤمنين. ثم إنّ يزيد بن معاوية ركب إلى ابن عبّاس فجلس مجلس المعزّى. فلما قام قال ابن عبّاس: ما تكاد تعدم من الأمويّ عقلا وكرما. وقال ابن عبّاس: الهدى الصالح والسمت الحسن والاقتصاد في الأمور جزء من أجزاء النبوّة. وقال داود بن أبي هند (١) عن محمد بن أبي موسى عن ابن عبّاس أنّه فقد غلاما له، فحلف بالله ليضربنّه. فلمّا جاء الغلام قال له: أين كنت؟ قال: كنت في موضع كذا. فعفا عنه ولم يضربه. فقيل: ألست قد حلفت؟ فقال: أولم أعف عنه إحداهما بالأخرى؟ ولمّا كفّ بصره أنشد [البسيط]: ما زال عمري على الأيّام منتقصا ... حتّى فنيت وحبل الدهر ممدود أقدّم العود قدّامي وأتبعه ... وكنت أمشي وما يمشي بي العود ولمّا وقع في عين ابن عبّاس الماء أراد أن يتعالج منه. فقيل له أن يمكث كذا وكذا يوما لا يصلّي إلّا مضطجعا، فكره ذلك. وقال مجاهد: أتى ابن عبّاس عثمان بن عفّان، وعنده زيد بن ثابت ﵁، فخرجا جميعا فأراد زيد أن يركب، فأخذ ابن عبّاس بركابه فامتعض زيد من ذلك وقال: ما هذا فداك أبي وأمّي؟ فقال ابن عبّاس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. (قال: ) فقبّل زيد يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا. وقال ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان: إنّ ابن عبّاس كان يبتاع الرداء بألف درهم (١*). وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت على ابن عبّاس قميصا سابريّا يبيّن إزاره من رقّته. وقال أبو صالح: أنشد الأحوص بن محمد عبد الله بن عبّاس [المنسرح]: الله بيني وبين قيّمها ... [٢٠٨ أ] يفرّ عنّي بها وأتّبع (٢*) فقال ابن عبّاس: الله بين قيّمها وبينك! [بديهة ابن عبّاس في الشعر] وقال ابن كناسة (٣*): لمّا قال عمر بن أبي ربيعة قصيدته التي أوّلها [المتقارب]: تشطّ غدا دار جيراننا ... أنشدها عبد الله بن عبّاس. فلمّا قال عمر: تشطّ غدا دار جيراننا، قال ابن عبّاس: وللدار بعد غد أبعد (٤*) فقال: كذا والله قلت، جعلت فداك! فقال ابن عبّاس: الكلام مشترك. فلمّا أنشد: تحمّل للبين جيراننا (٥*)، قال ابن عبّاس: وقد كان قربهم يحمد فقال عمر: كذا والله قلت! - وقبّل يده.

стр. 1696

وقال ابن عبّاس: إنّ لكلّ داخل دهشة (١) فانسوه بالتحيّة! وكان ابن عبّاس جالسا فجاءه سائل فسأله. فقال: ألست مسلما تصلّي وتصوم؟ فقال: نعم. فقال: إنّ مؤاساتك لواجبة! ونزع ثوبه فألقاه عليه. وقال شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل (٢): حجّ معاوية فوافق ابن عبّاس فرآه يستلم الأركان كلّها. فقال معاوية: إنّما استلم رسول الله ﷺ الركنين. فقال ابن عبّاس: إنّه ليس من أركانه شيء مهجور. وقال الأعمش (٣) عن الضحّاك عن ابن عبّاس: منّا المهديّ والمنصور والسفّاح. وقال عبّاس بن هشام الكلبيّ: كنت أنا وعكرمة عند ابن عبّاس وليس عنده أحد غيرنا. فأقبل الحسن والحسين ﵄، فسلّما عليه ثم ذهبا. فقال: إنّ هذين يزعمان أنّ المهديّ من ولدهما. ألا وإنّ السفّاح والمنصور من ولدي! وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد: سمعت ابن عبّاس يقول: إنّي لأرجو أن لا تذهب الأيّام والليالي حتّى يكون منّا أهل البيت من يقيم أمرها: شابّ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لم يلبس الفتن ولم تلبسه. وأرجو أن يختم هذا الأمر بنا. (قال) فقلت: أعجز عنه شيوخكم وترجونه لشبابكم؟ قال: يفعل الله ما يشاء. وقال ابن عبّاس: أشهى السلام إليّ البركات. وقال الحسن بن عليّ الحرمازيّ عن العتبي (١*) عن أبيه أنّ رجلا قال لعبد الله بن عبّاس: بماذا عرفت ربّك؟ فقال: ويلك! من طلب الدين بالقياس لم يزل الدهر في التباس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج! أعرفه بما عرّف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير [٢٠٨ ب] صورة، لا يدرك بالحواسّ ولا يقاس بالناس، حيّ في ديمومته، لا يجور في أقضيته، يعلم ما هم عالمون، وما هم إليه صائرون، فتبارك الله الذي سبق كلّ شيء علمه، ونفذت في كلّ شيء مشيئته! [ملاحاة أخرى بين ابن عبّاس وعبد الله بن الزبير] وقال أبو مخنف: لمّا نزل ابن عبّاس الطائف حين نافره ابن الزبير كان صلحاء الطائف يجتمعون إليه، ويأتيه أبناء السبيل يسألونه ويستفتونه فكان يتكلّم في كلّ يوم بكلام لا يدعه، وهو: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلّمنا القرآن، وأكرمنا بمحمّد ﷺ فانتأشنا (٢*) به من الهلكة وأنقذنا من الضلالة، فأفضل الأئمّة أحسنها لسنّته اتّباعا وأعملها بما في كتابه احتسابا. وقد عمل بكتاب ربّكم وسنّة نبيّكم قوم صالحون، على الله جزاؤهم، وهلكوا فلم يدعوا بعدهم مثلهم ولا موازيا لهم، وبقي قوم يريغون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن لتحسبوهم من الزاهدين، يرضونكم بظاهرهم ويسخطون الله بسرائرهم، إذا عاهدوا لم يوفوا، وإذا حكموا لم

стр. 1697

يعدلوا، يرون الغدر حزما، ونقض العهد مكيدة ويمنعون الحقوق أهلها. فنسأل الله أن يهلك شرار هذه الأمّة ويولي أمورها خيارها وأبرارها. فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إليه: بلغني أنّك تجلس العصرين فتفتي بالجهل وتعيب أهل البرّ والفضل وأظنّ حلمي عنك واستدامتي إيّاك جرّأك عليّ، فاكفف عنّي من غربك واربع على ظلعك وارع على نفسك (١). فكتب إليه ابن عبّاس: فهمت كتابك. وإنّما يفتي بالجهل من لم يؤت من العلم شيئا، وقد آتاني الله منه ما لم يؤته أباك. وزعمت أنّ حلمك عنّي جرّأني عليك، فهذه أحاديث الضبع استها (٢). فمتى كنت لعرامك هائبا وعن حدّك ناكلا؟ ثم تقول إنّي إذا لم أنته وجدت جانبك خشنا ووجدتك إلى مكروهي عجلا. فما أكثر ما طرت إلى شقة من الجهل، وتعمّدتني بفاقرة من المكروه فلم تضرر إلّا نفسك، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى عليك إن أرعيت! فو الله لا انتهيت عن [٢٠٩ أ] إرضاء الله بإسخاطك! وقال عبد الرحمن بن السائب عن ابن عبّاس أنّه قال: أكرم الناس عليّ جليسي: إنّ الذباب ليقع عليه فيشقّ ذلك عليّ. وقال ابن أبي مليكة عن ابن عبّاس أنّه قال: أكرم الناس عليّ جليسى. أو قال: رجل تخطّى رقاب الناس حتى جلس إليّ. وقال عمرو بن دينار: قال ابن عبّاس: لجليسي عندي ثلاث: إذا أقبل رحّبت به، وإذا قعد أوسعت له، وإذا تحدّث أنصتت لحديثه واستمعت منه. وقال ابن مليكة: قال عبد الله بن عبّاس: ثلاثة لا أقدر على مكافأتهم: رجل جئت ظمآن فسقاني، ورجل ضاق بي مجلسي فأوسع لي، ورجل اغبرّت قدماه في الاختلاف إلى بابي. ورابع هو أعظمهم حقّا عليّ: رجل بات ساهرا يعرض الناس على نفسه فأصبح لا يجد له في حاجته معتمدا سواي (١*). وعن عطاء: كنّا نأتي ابن عبّاس فيؤتى بغدائه فأقول: إنّي صائم، فما يزال يقسم عليّ حتّى أدنو فأتغدّى معه. وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عبّاس باطلا قطّ. وكان الرجل يأتي مجلس ابن عبّاس، وقد انتعل ليقوم، فيخلع نعليه، فيقول له الرجل: «لا يحبسك مكاني، يا أبا العبّاس! » فيقول: ما أنا بقائم حتّى أحدّثك وتحدّثني فأسمع منك. وعن عكرمة أنّه قال: إنّا مع ابن عبّاس يوم عرفة إذا فتية يحملون فتى معروق الوجه ناحل البدن، فوضعوه بين يدي ابن عبّاس وقالوا: استشف له، يا ابن عمّ رسول الله. فقال: ما به؟ فأنشده [الطويل]: بنا من جوى الأحزان والوجد لوعة ... تكاد لها نفس الشّفيق تذوب (٢*) ولكنّما أبقى حشاشة معول ... على ما به عود هناك صليب ثمّ حملوه فخفت في أيديهم فمات. وسأل ابن عبّاس عنه فقيل: هذا عروة بن حزام العذري صاحب عفراء. فقال ابن عبّاس: «هذا قتيل الحبّ

стр. 1698

لا عقل ولا قود! » وما رأيته سأل الله في عشيّته إلّا العافية ممّا أصاب ذلك الرجل حتّى أمسى. وقال أبو المليح: قال معاوية: ما باحتت (١) أحدا في عقله أشدّ عليّ من ابن عبّاس. وقال أبو عوانة: كتب ابن عبّاس إلى الحسن بن عليّ: إنّ المسلمين قد ولّوك أمورهم بعد عليّ، فشمّر لحربك، وجاهد عدوّك، ودار أصحابك، واستر من الظنين ذنبه [بما] لا يثلم (٢) دينك، ووال أهل البيوتات والشرف تستصلح عشائرهم. واعلم أنّك تحارب من حادّ الله ورسوله فلا تخرجن من حقّ أنت أولى به، وإن جاءك الموت دون ما تحبّ. وقال أبو صالح [٢٠٩ ب] عن ابن عبّاس: من التمس الدين بالمخاصمة حيّرته المنازعة، ولن يميل إلى المغالبة إلّا من أعياه سلطان الحجّة. وقال زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنّ العبّاس قال لعبد الله: أنت أعلم منّي، ولكنّي أشدّ تجربة للأمور منك. وإنّ هذا الرجل- يعني عمر ﵁ قد قرّبك وقدّمك، فلا تفش له سرّا، ولا تغتب عنده مسلما، ولا تبتدئه بشيء حتّى يسألك عنه. وفي رواية: إنّي أرى هذا الرجل قد أدناك وأكرمك، فاحفظ عنّي ثلاثا: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تفشينّ له سرّا، ولا تغتابنّ عنده أحدا (٣). وكانت عند ابن عبّاس يتيمة فخطبها إليه رجل فقال: إنّي لا أرضاها لك. قال: كيف وقد نشأت في حجرك وعندك؟ قال: إنّ فيها بذاء، وهي تتشرّف [وتنظر] (١*). فقال: لا أبالي. قال ابن عبّاس: فإنّي الآن لا أرضاك لها. وشكا إليه رجل زوج ابنته، فقال له: ألم أقل لك: إنّ من زوّج ابنته من سفيه فقد عقّها؟ وقال [ابن عبّاس]: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلّا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا فرط منّي إليه سوء إلّا أظلم ما بيني وبينه. وقال: إذا ترك العالم قول «لا أدري» أصيبت مقاتله. وسأل بعض أصحابه عن شيء فقال: لا أدري. فقال ابن عبّاس: أحسنت: كان يقال: «لا أدري» نصف العلم. وكان يقول: اسمح يسمح لك. ورواه مرفوعا أيضا. وكان وهو أمير البصرة يغشى الناس في شهر رمضان فيحدّثهم ويفقّههم فلا ينقضي الشهر حتّى يفقّههم. فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلّم بكلام يودّعهم، ثمّ يقول: ملاك أمركم الدين، ووصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم في الحلم، وطولكم المعروف. إنّ الله كلّفكم الوسع فاتّقوه ما استطعتم. وكان يقول: عالم واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد- وروي عنه مرفوعا أيضا. ودخل زياد على معاوية وعنده ابن عبّاس، فلم

стр. 1699

يسلّم زياد عليه. فقال له ابن عبّاس: ما هذا الهجران يا أبا المغيرة؟ فقال: ما ههنا بحمد الله سوء ولا هجران، ولكنّه مجلس لا يقضى فيه إلّا حقّ أمير المؤمنين وحده. وعن ابن شهاب قال: وفد أبو أيّوب الأنصاري ﵁ على معاوية، فقضى حوائجه. ثم قال له أبو أيّوب: يا أمير المؤمنين، لي مال ولا غلمان فيه، فأعطني مالا أشتري به غلمانا. فقال: ألم أعطك لوفادتك، وأقض (١) حوائجك في خاصّتك [٢١٠ أ] وعامّتك؟ قال: بلى. قال: فما عندي شيء سوى ذلك. فقال أبو أيّوب: إلّا تفعل يا معاوية، فإنّ رسول الله ﷺ قال لنا: إنّكم ستلقون بعدي أثرة يا معاشر الأنصار، فاصبروا حتّى تلقوني. قال: فاصبر يا أبا أيّوب. قال: أقلتها يا معاوية؟ والله لا أسألك بعدها شيئا أبدا! وبلغ ابن عبّاس قول معاوية، وهو يومئذ وافد عليه، وقد تيسّر للخروج. فأعطى أبا أيّوب قيمة مائة مملوك، وأعطاه جميع ما كان في داره، ثمّ شخص. وسعى ساع إلى ابن عبّاس برجل فقال: إن شئت نظرنا فيما قلت: فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك. وإن أحببت أقلناك. قال: هذه. وقال مجاهد: كان عبد الله بن عبّاس أمدّهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علما. ولو أشاء أن أبكي كلّما ذكرته بكيت. ولمّا أخرج عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفيّة عن مكّة، أغلظ له ابن عبّاس وقال له: أتخرج بني عبد المطّلب عن حرم الله، وهم أحقّ به منك؟ فقال: وأنت أيضا، فالحق به! فخرج إلى الطائف فمات بها. [صفة ابن عبّاس] وأوصى ابنه عليّا بإتيان الشام والتنحّي عن سلطان ابن الزبير إلى سلطان عبد الملك بن مروان، فكان عبد الملك يحفظ له ذلك. وسكن عليّ دمشقو ابتنى بها دارا، ثم صار وولده إلى الحميمة وكداد من عمل دمشق. وقال معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة: كان عبد الله بن عبّاس مديد القامة، جيّد الهامة، مستدير الوجه جميله، أبيض وليس بالمفرط البياض، سبط اللحية، في أنفه قنا، معتدل الجسم. وكان أحسن الناس عينا قبل أن يكفّ بصره. وكفّ قبل موته بستّ سنين أو نحوها. وتوفّي بالطائف. وقال الواقدي: فنزل في قبره وتولّى دفنه عليّ بن عبد الله، ومحمّد بن الحنفيّة، والعبّاس بن محمد بن عبد الله بن العبّاس، وصفوان، وكريب، وعكرمة، وأبو معبد، مواليه. وكان يخضب بالحنّاء ثمّ صفر. وقال عمران بن أبي عطاء: أدخل ابن الحنفيّة ابن عبّاس قبره معترضا، وصلّى عليه فكبّر أربعا (١*)، وضرب على قبره فسطاطا ثلاثة أيّام. ومات سنة ثمان وستّين، وهو ابن إحدى وسبعين [٢١٠ ب] سنة وأشهر، أو ابن اثنتين وسبعين سنة- وقيل: كان عمره سبعين سنة- والأوّل أثبت. وكان مرضه ثمانية أيّام. وسمع محمد بن الحنفيّة يقول في جنازته:

стр. 1700

اليوم مات ربّانيّ العلم! - أو قال: ربّانيّ الأمّة. وعن أبي الزبير قال: توفّي ابن عبّاس بالطائف. فجاء طائر فدخل في نعشه حين حمل، فلم ير خارجا منه. وعن مجاهد أنّ ابن عبّاس مات بالطائف، فصلّى عليه ابن الحنفيّة، فأقبل طائر أبيض فدخل في أكفانه فما خرج حتى دفن معه. فلمّا سوّي عليه التراب قال ابن الحنفيّة: مات والله حبر هذه الأمة. وعن سعيد بن جبير قال: توفّي ابن عبّاس بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم ير على خلقته فدخل في نعشه. وقال غيره: لمّا دفن تليت هذه الآية عند قبره وهم لا يرون تاليها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وقال أبو صالح عن رافع بن حديج (١) أنّه قال حين أخبر بوفاة ابن عبّاس: مات والله من كان المشرق والمغرب ومن بينهما يحتاجون إلى علمه. وقال الواقديّ عن يحيى بن العلاء عن يعقوب ابن زيد عن أبيه: سمعت جابر بن عبد الله حين بلغته وفاة عبد الله بن عبّاس يقول، وصفّق بإحدى يديه على الأخرى: مات أعلم الناس، وأحلم الناس. لقد أصيبت الأمّة به. ١٥٢٨ - المهديّ [عبيد الله الفاطميّ] [- ٣٢٢] [٢١١ أ] عبيد الله، المهديّ بالله، الإمام أمير المؤمنين، أبو محمد، ابن محمد الحبيب بن جعفر المصدّق، ابن محمد المكتوم، ابن الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين السّبط، ابن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁. وقد اختلف الناس في نسب عبيد الله هذا اختلافا كبيرا: منهم من أثبت نسبه وصحّح انتماءه إلى علي بن أبي طالب ونسبته إلى بنوّته. ومنهم من نفاه عن العلويّة وطعن في نسبه. ومنهم من زعم أنّه من اليهود. [حقيقة اسمه] والذين أثبتوا نسبه والذين نفوه اختلفوا في اسمه ومن ينسبو [ن] هـ إليه اختلافا زائدا. فقال قوم: هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن عليّبن موسى بن جعفر الصادق. ذكره صاحب تاريخ القيروان (١*). وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن سعيد بن جعفر المذكور. وقيل: هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن عليّ بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وقيل: هو عبيد الله بن التقيّ بن الوفيّ بن الرضيّ، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم «المستورون (٢*) في ذات الله تعالى». فالرضيّ هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. والتقيّ اسمه الحسين. واسم الوفيّ أحمد. واسم الرضيّ عبد الله. وإنّما استتروا لأنّهم خافوا على أنفسهم لأنّهم كانوا مطلوبين من جهة بني العبّاس،

стр. 1701

فإنّهم (١) علموا أنّ فيهم من يروم الخلافة أسوة [ب] غيرهم من العلويّين. وإنّما تسمّى المهديّ عبيد الله اتّقاء (٢). ويقال إنّ اسمه سعيد، ولقبه عبيد الله، وزوج أمّه اسمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح، وأنّه كان يقال لعبيد الله «اليتيم» من أجل أنّه ربّي (٣) يتيما في حجر زوج أمّه. وقيل: بل ربّي يتيما في حجر عمّه. ويقال له أيضا «المعلّم». وقيل: بل هو أبو محمد عبيد الله، وهو سعيد ابن الحسين بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله. وقيل: هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وهذا قول شيخ الشرف النسّابة (٤). وقيل: بل خرج من الكوفة الحسين بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إلى الشام وسكن سلميّة فصادف بها أبا عبد الله الشيعيّ وأخويه، فوسوسوا به حتى أجابهم إلى القرمطة. وكان له بنون أربعة، وادّعى الإمامة وقال: أنا وليّ عهد أبي، محمد بن إسماعيل، وأنا داع لأبي إلى أن يخرج. فالأمر لابني أبي القاسم أحمد. فإن حدث به الأمر الذي لا بدّ منه، فالأمر لأخيه صاحب الخال. فإن حدث به أمر، فالأمر لأخيه عبد الله. فخرج أبو القاسم بدمشق وعرف بصاحب الجمل وقتل في الحرب ظاهر دمشق. وقام من بعده أخوه أبو الحسن علي صاحب الخال، وظفر به وحمل إلى بغداد فقتل بها. وخرج أبوهم الحسين ومعه ابنه الرابع، واسمه القاسم، وجمع الناس وطرق الكوفة وخرج. فأتته العساكر من بغداد وقاتلته فقتل في الهبير (١*) وقتل ابنه وزوجته المؤمنة. [القول في نسبه: مطاعن ابن رزام وأخي محسّن] وقال الشريف العابد أبو الحسين محمد بن علي المعروف بأخي محسّن الدمشقيّ في كتابه الذي ألّفه في الطعن على الفاطميّين خلفاء مصر أولاد عبيد الله هذا، كلاما طويلا، وليس هو منشئه، وإنّما هو كلام أبي عبد الله بن رزام في كتابه الذي ردّ فيه على الإسماعيليّة (٢*)، أخذه الشريف ولم يعزه إليه، فتناقله مؤرّخو الشام والعراق والمغرب حتى انتشر في الآفاق إلى اليوم وامتلأت به التصانيف. وأنا أبرأ إلى الله منه، ولولا خشية الظنّ أنّي لم أقف عليه لما سطّرته. (قال): هؤلاء القوم من [٢١١ ب] ولد ديصان الثنويّ الذي تنسب إليه الثنويّة، وهو مذهب يعتقدون فيه خالقين اثنين أحدهما يخلق النور

стр. 1702

والآخر يخلق الظلمة. فولد ديصان ميمون القدّاح، وإليه تنسب الميمونيّة، وكان له مذهب في الغلوّ- يعني في التشيّع- فولد لميمون عبد الله بن ميمون، وكان أخبث من أبيه وأمكر، وأعلم بالحيل، فعمل أبوابا عظيمة من المكر والخديعة على بطلان الإسلام، وكان عارفا عالما بجميع الشرائع والسنن وجميع علوم المذاهب كلّها. فرتّب سبع دعوات يتدرّج الإنسان من واحدة إلى أخرى فإذا انتهى إلى الدعوة الأخيرة جعله معرى من جميع الأديان لا يعتقد غير تعطيل الباري تعالى وإباحة أمّة محمد ﵇ وغيرهم من الأمم، ولا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا، وما هوّنت نفسه لا يرجع عنه. ويقول إنّ أهل مذهبه على هدى وأنّ المخالفين لهم في ضلال وغفلة. وكان يريد بهذا أن يجعل المخدوعين أمّة له ويستمدّ من أموالهم. وفي الظاهر يدعو إلى الإمام من آل الرسول، محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ليجمعهم عليه. وقد كان طلب أن يتنبّأ قبل ذلك بشعوذة فلم تتمّ له الحيلة. (قال) وأصل عبد الله بن ميمون وآبائه من موضع بالأهواز. ونزل عبد الله عسكر مكرّم (١)، واكتسب بهذه الدعوة مالا. وكان يتستّر بالتشيّع والعلم، وصار له دعاة. ثمّ هرب من المعتزلة (٢) ومعه من أصحابه الحسين الأهوازيّ. ونزل البصرة وقال: أنا من ولد عقيل بن أبي طالب، داع إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر. فلمّا انتشر خبره طلبه العسكريّون، فهرب ومعه الحسين ونزلا سلميّة من أرض الشام. فأقام بها عبد الله بن ميمون، وخفي أمره حتى ولد له أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح. فقام بعد موت أبيه في ترتيب الدعوة، وبعث الحسين الأهوازيّ داعيته إلى العراق فلقي حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة فدعاه حتى استجاب له- وكان منه مذهب القرامطة على ما ذكرته في ترجمة أحمد بن الحسين بن أبي سعيد الجنّابيّ من هذا الكتاب (١*). (قال) ثمّ ولد لأحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح الحسين ومحمّد المعروف بأبي الشلعلع، وهلك (٢*) فخلفه ابنه الحسين في الدعوة حتّى مات. فقام بالدعوة أخوه محمد بن أحمد المعروف بأبي الشلعلع. وكان للحسين ابن اسمه سعيد تحت حجر عمّه أبي الشلعلع (٣*). فبعث أبو الشلعلع بأبي عبد الله الشيعيّ [٢١٢ أ] وأخيه أبي

стр. 1703

العبّاس (١) حتى نزلا في قبيلتين من قبائل البربر بأرض المغرب يدعوان الناس. واشتهر أمرهم بسلميّة واشتروا وصار لهم أملاك كثيرة. وبلغ السلطان خبرهم فبعث في طلبهم ففرّ سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح بن ديصان الأهوازيّ الثنويّ إلى مصر وهرب إلى المغرب وصار صاحب الأمر. فلم يلبث إلّا يسيرا حتى قتل أبا عبد الله وتسمّى بعبيد الله وتكنّى بأبي محمّد وتلقّب بالمهديّ وصار إماما علويّا من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر. / (قال) وأصلهم من المجوس، وسعيد هذا الذي استولى على المغرب وتسمّى بعبيد الله كان يتيما بعد أبيه في حجر عمّه محمد أبي عليّ، ويلقّب محمد هذا بأبي الشلعلع، وكان على ترتيب الدعوة بعد أخيه يرتّب أمرها لسعيد. فلمّا هلك وكبر سعيد وصار على الدعوة وترتيب الدعاة والرئاسة، هرب، لمّا ظهر أمره وطلبه المعتضد، إلى المغرب. ولمّا هرب من سلميّة ترسّم بالتعليم ليخفي أمره، وكان يقول إنّه تربّى في حجر أبي الشلعلع وأنّه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر. وكان يقال له «يتيم المعلّم». [جريدة الأنساب العلوية ببغداد] (قال) وحدّثني أخي أحمد بن عليّ أنّه نظر في الجريدة الكبرى في بغداد التي فيها أنساب الطالبيّين في جميع الأقطار، فوجد فيها ذكر هذا الدّعيّ الذي هرب من سلميّة إلى المغرب وخبر دعواه. وهذه الجريدة هي أبين ما في وقتنا. ولم يدّع سعيد هذا المسمّى بعبيد الله نسبا إلى علي بن أبي طالب إلّا بعد هروبه من سلميّة، وآباؤه من قبله لم يدّعوا هذا النسب، وإنّما كانوا يظهرون التشيّع والعلم، وأنّهم يدعون إلى الإمام محمد بن إسماعيل، وأنّه حيّ لم يمت. وهذا القول باطل ومكر وخديعة. وباطنهم غير ظاهرهم (١*)، وليس يعرف هذا القول إلّا لهم، وهم أهل تعطيل وإباحة، وإنّما جعلوا علقهم بآل البيت بابا للخديعة والمكر. ولم يتمّ لسعيد أمره بالمغرب إلّا أن قال: «أنا من آل رسول الله». فتمّ له بذلك الحيلة والخديعة، وشاع بين الناس أنّه علويّ فاطميّ من ولد إسماعيل بن جعفر، وخفي أمر مذهبه في تعطيل الباري تعالى والطعن على جميع الأنبياء، وإباحة أنفس أممهم وأموالهم وحرمهم (٢*) - وأطال من التشنيع. [قول القاضي النعمان] وقال القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد في «افتتاح الدولة الزاهرة» (٣*): بدأنا بذكر صاحب دعوة اليمن وهو أبو القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زادان الكوفي، وتسمّى ب «منصور اليمن» لما أتيح له من [٢١٢ ب] النّصر والظفر. وكان من بيت علم وتشيّع، وقد قرأ القرآن وطلب الحديث والفقه على مذاهب الإماميّة الاثني عشريّة أصحاب محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق الذين كانوا يرون أنّه المهديّ وأنّه يظهر (٤*). قال أبو القاسم:

стр. 1704

فعرضت لي فكرة يوما في ذلك وذكرت قول الفهري [الهزج]: ألا يا شيعة الحقّ ... ذوي الإيمان والبرّ أتتكم نصرة الله ... على التخويف والزجر فلا تدعوا إلى الداعي ... ن أهل النكث والغدر فلو قد فقد العاش ... ر أو زيد على العشر لدارت عصب الضرّ ... على الدائر بالشرّ فعند الستّ والتسعي ... ن قطع القول والعذر لأمر ما يقول النا ... س: بيع الدرّ بالبعر وصار الجوهر المكنو ... ن علقا غير ذي قدر يتيم كان خلف البا ... ب فانقضّ على الوكر (١) قوله اليتيم ههنا رمز على المهديّ. (قال أبو القاسم) فرأيت الوقت قد قرب على ما قاله الفهريّ. فخرجت إلى دجلة ثمّ أخذت في قراءة سورة الكهف فإذا شيخ يمشي معه رجل ما نظرت إلى أحد يملأ قلبي هيبة قبله. فجلس ناحية وجلس الرجل بين يديه. وأقبل غلام فقرب منّي، فقلت: من أنت؟ فقال: حسينيّ. فاستعبرت وقلت: بأبي الحسين المضرّج بالدماء، الممنوع من هذا الماء! فرأيت الشيخ نظر إليّ وكلّم الرّجل الذي بين يديه فقال لي الرجل: تقدّم إلينا! فقمت وجلست بين يديه. فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل من الشيعة. قال: ما اسمك؟ قلت: الحسن بن فرح بن حوشب. قال: أعرف أباك من الشيعة الاثني عشريّة. قلت: نعم. قال: وأنت منهم؟ قلت: كنت على ذلك إلى أن بطل الأمر في أيدينا. فقال: سمعتك تقرأ، فاقرأ كما كنت تقرأ! (قال) فابتدأت من حيث وقفت حتّى بلغت فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ [الكهف: ٧٤]. قال: أنت ممّن يقول بالعدل والتوحيد؟ قلت: نعم. قال: فمن أيّ وجه العدل أن تقتل نفس زاكية بغير نفس إلّا لقوله (١*): فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً [الكهف: ٨٠]؟

стр. 1705

قلت: والله لكأنّني ما قرأتها قطّ، وإنّني إلى علم الوجه في ذلك لفقير. فقال: دون ذلك ستر رقيق. ثمّ تحرّك للقيام وتركني. فلمّا غاب ندمت إذ لم أكن تبعته حتى عرفت مكانه. وعظم موقع كلامه من قلبي حتى إذا كنت في حدّ الإياس منه، مرّ بي الرجل الذي كان معه فسلّمت عليه وسألته عن [٢١٣ أ] الشيخ، فعرّفني أنّه الإمام (١) وجمع بيني وبينه. فصار يقوّيني ويرمز بقرب الأمر ودنوّ العصر، ويقول في كلامه: البيت يمان والركن يمان والدين يمان والكعبة يمانيّة، ولن يقوم هذا الدين ويظهر أمره إلّا من قبل اليمن. ثمّ قال لي يوما: يا أبا القاسم، هل لك في غربة في الله؟ قلت: الأمر إليك. فقال: ما لليمن إلّا أنت! اصبر، كأنّي برجل يقدم من اليمن. فقدم رجل من أهل جيشان مدينة باليمن، يشار إليه، يقال له أبو الحسن علي بن الفضل، قد خرج حاجّا في سنة ستّ وستّين ومائتين. فلمّا قضى حجّه أتى قبر الحسين بن علي ﵉ زائرا في جملة أهل اليمن. فاجتمع برجل من أصحاب الإمام فحمله إليه. فلمّا رآه واختبر حاله قال لأبي القاسم: «هذا الذي كنّا ننتظره، فاعزم على اسم الله! » ودعا بعليّ بن الفضل وسأله عن أخبار اليمن وقال له: أتعرف عدن لاعة؟ قال: لا. فقال لأبي القاسم: عدن لاعة (١*) فاقصد، وعليها فاعتمد، ففيها يظهر أمرنا. وقال لعليّ بن الفضل: إنّني مرسل أخاك هذا داعيا إلى اليمن، وأنت معه. وتقدّم إلى كلّ واحد منّا ناحية وأوصاه (٢*). وأعطى أبا القاسم كتابا فيه أصول ورموز، كان افتتاحه: «باسم الله الرحمن الرحيم. من أبي المسلمين وأمير المؤمنين ووارث الوارثين، وسماء الطارقين، وشمس الناظرين، وقمر المستضيئين، وقبلة المصلّين، وأمان الخائفين، وقاتل إبليس اللعين، ركن الإسلام، وعلم الأعلام، وقلم الأقلام، ويوم الأيام، ونور التمام، رسالة عبد مسكين يعمل في البحر منذ سنين لعلّ سفينته تنجو من الغرق فينجو فيها من ينجو من العطب». ثمّ أفسح الكلام الذي أصّله والمعنى الذي أراده وقال له في عهده إليه: إن لقيت من هو ألحن بالحجّة منك، فانغمس له في الباطن. قال: وكيف ذاك؟ قال: بقطع الكلام. وتريه أنّ تحت ما يريد الجواب به باطنا لا يمكن ذكره، فتحتجزه بذلك منه إلى أن تتهيّأ لك الحجّة عليه.

стр. 1706

وأوصاه بعليّ بن الفضل خيرا وتقدّم إلى علي وأوصاه (١). وودّعهما ودعا لهما. قال أبو القاسم: ولمّا ودّعت الأهل وخرجت إلى القادسيّة سمعت حاديا يقول [الرجز]: يا حادي الليل مليح الزجر ... بشّر مطاياك بضوء الفجر (قال) فسررت به واستحسنت ذلك الفأل، ووافيت مكّة. ثم دخل أبو القاسم [٢١٣ ب] وأبو الحسن اليمن في أوّل سنة ثمان وستّين ومائتين. فأقاما باليمن يدعوان الناس سنتين مستترين. ثم ظهرت الدعوة باليمن سنة سبعين ومائتين. قال أبو القاسم: واجتمعت بقوم يقال لهم بنو موسى، من الشيعة. فأخذت عليهم العهد. فقالوا لي: إنّ لنا إخوانا من الشيعة بعدن لاعة. فقلت: إليها أرسلت. وسرت معهم فأصبت دار شيعة. وتزوّج أبو القاسم: ابنة أحمد بن عبد الله بن خليع [وكان] داعيا للمهديّ (٢). قال أبو القاسم: وبعثت بكتاب ومال كثير وطرائف وطراز إلى المهديّ. فلمّا وصل إليه وقرأ الكتاب، تمثّل بهذه الأبيات [الرجز]: الله أعطاك التي لا فوقها ... وكم أرادوا منعها وعوقها عنك، ويأبى الله إلّا سوقها ... إليك، حتى طوّقوك طوقها (١*) وفشا أمر الدعوة باليمن، وابتنى أبو القاسم حصنا (٢*) بجبل لاعة وملك صنعاء وفرّق الدعاة في نواحي اليمن وإلى سائر البلدان إلى اليمامة والبحرين والسّند والهند وناحية مصر والمغرب. [قول ابن شدّاد الصنهاجي] وقال الأمير عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعزّ بن باديس الحميري في كتاب «الجمع والبيان في أخبار القيروان ومن كان فيها وفي سائر المغرب من الملوك والأعيان»: أوّل من أظهر الزندقة في الإسلام أبو الخطّاب (٣*) محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، وأبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان صاحب كتاب «الميدان» في نصرة الزندقة، وأبو سعيد [ ... ] (٤*) من أهل رامهرمز من كورة الأهواز، وكان من خرّميّة المجوس. فألقى هؤلاء إلى من اختصّوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطنا، وأنّ الله ما أوجب على أوليائه ومن عرف الأئمّة والأبواب (٥*) صلاة ولا زكاة ولا صوما ولا حجّا، ولا حرّم

стр. 1707

عليهم شيئا من المحرّمات، وأباح لهم نكاح الأمّهات والأخوات. وقال: إنّما هذه العبادات عذاب على الأمّة وأهل الظاهر، وهي ساقطة عن الخاصّة، وإنّ آدم وجميع الأنبياء كذّابون محتالون طلّاب الرئاسة- ولمّا كان في أيّام بني العبّاس اشتدّت شوكتهم مع أبي الخطّاب وأصحابه لانتحالهم التشيّع لبني هاشم، وحماهم بنو العبّاس. فلمّا قامت البيّنة عليهم في الكوفة، وأنّ أبا الخطّاب أسقط العبادات [٢١٤ أ] وحلّل المحرّمات، أخذه عيسى بن موسى الهاشميّ مع سبعين من أصحابه فضرب أعناقهم. وتفرّق باقيهم في البلاد فصار منهم جماعة في نواحي خراسان والهند وصار أبو شاكر ميمون [بن ديصان] بن سعيد الغضبان إلى بيت المقدس مع جماعة من أصحابه وأخذوا في تعليم الشعبذة والنارنجات ومعرفة الزّرق (١) وصفة النجوم والكيمياء، وإظهار الزهد والورع. ونشأ لأبي شاكر ميمون ابن يقال له عبد الله القدّاح، وعرّفه هذه النحلة وإظهار التشيّع. وكان قد ثار في أيّام المأمون مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وادّعوا التشيّع في الكرج (٢) وفي أصبهان. وكان من جملتهم رجل يعرف بمحمّد بن الحسين بن جهار لختان (٣) ويلقّب بديدان، وكان بنواحي الكرج وأصبهان له حال واسعة، وكان يبغض العرب. وسمع عبد الله بن ميمون القدّاح به فسار إليه. وكان عبد الله يتعاطى الطبّ وعلاج العين ويقدح (١*) الماء النازل بها، ويظهر أنّه يفعل ذلك حسبة وقربة إلى الله تعالى، فطار له بهذا اسم في نواحي أصبهان والجبل. وسمع به ديدان فأحضره، وأظهر له عبد الله مساويء العرب فأحبّه، وأخذ منه مالا عظيما. وخرج عبد الله القدّاح إلى سواد الكوفة ومعه المال، وبثّ الدعاة، ومات. وقام ابنه أحمد مقامه وبثّ الدعاة، واستدعى رجلا من أهل الكوفة يقال له رستم أبو الحسين بن الكرخين بن حوشب بن زادان النجّار. وكان هذا الرجل من الإماميّة يقول بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق. وكانوا يرصدون من يرد المشاهد بالعراق وكربلاء، فمن كان لهم فيه طمع استدعوه. وورد عليهم أبو الحسن محمد بن الفضل (٢*) من أهل جيشان من أرض اليمن فدخل، وهو يبكي، على الحسين بن علي ﵁، فصبروا عليه حتّى خرج من زيارته، وأخذ الداعي بيده فقال له: قد رأيت ما كان منك من البكاء

стр. 1708

والقلق على صاحب هذا القبر. فلو أدركته ما كنت تصنع؟ قال: كنت أجاهد بين يديه وأبذل مالي ودمي دونه. فقال: أتظنّ أنّه ما بقي لله حجّة (١) بعد صاحب هذا القبر؟ قال: بلى، ولكن لا أعرفه بعينه. قال: فتريده؟ قال: أي والله. فسكت عنه الداعي. فقال له: ما قلت لي هذا القول إلّا وأنت عارف به. فسكت [٢١٤ ب] الداعي، فقوي ظنّ ابن الفضل بأنّ الرجل يعرف الإمام والحجّة، فألحّ عليه، فقال له: دعني أفكّر، واطلب واصبر ولا تعجل، وأقم، فإنّ هذا الأمر لا يتمّ بالعجلة، ولا بدّ له من صبر. (قال) فمضى الداعي إلى ابن القدّاح وعرّفه حال ابن الفضل فأخذه وجمع بينه وبين أحمد ابن القدّاح. وكان أحمد أبدا يقول للحسن بن حوشب (٢): «هل لك في غربة في الله؟ » فيقول: «الأمر إليك يا سيّدي». فلمّا اجتمع بابن الفضل، قال له: «قد جاء [ما] كنت تريد يا أبا القاسم: هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن كثير المال ومن الشيعة، وقد أمكنك ما تريد، وثمّة خلق من الشيعة فاخرج وعرّفهم أنّك رسول المهديّ، وأنّه في هذا الزمان يخرج من اليمن، واجمع المال والرجال، والزم الصوم والصلاة والتقشّف». وجمع بينه وبين ابن الفضل وأخرجه معه وقال: «يا أبا القاسم، الزم الباطن وقل: لكلّ شيء باطن. وإن ورد عليك شيء لا تعلمه فقل: لهذا من يعلمه وليس هذا وقت ذكره». وخرجا إلى أرض اليمن، ونزل ابن حوشب بعدن، وفيها قوم يعرفون ببني موسى، وخبرهم عند ابن القدّاح. فلمّا قدم ابن حوشب اجتمعوا به وقالوا له: أنت رسول المهديّ ونحن إخوانك. ولم يزل ابن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإماميّة فيبادرون إليه ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة. فكثر عددهم واشتدّ بأسهم. وكانوا قد نفّذوا إلى المغرب رجلين أحدهما يعرف بالحلوانيّ والآخر يعرف بأبي سفيان. وتقدّموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لهما: ينزل كلّ واحد منكما بعيدا عن صاحبه وقولا: قد قيل لنا: اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها واكرباها (١*) حتى يجيء صاحب البذر. فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة تسمّى مرمجنّة، والآخر بسوجمار (٢*)، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما. وماتا على قرب بينهما. فقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعيّ- وقد كان هاجر إلى ابن حوشب-: «يا أبا عبد الله، أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلوانيّ وأبو سفيان، وقد ماتا، وليس لها غيرك. فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك! » فخرج أبو عبد الله.

стр. 1709

فذكر (١) قدومه إلى أرض المغرب مع كتامة وإقامة دعوة عبيد الله بها. (قال) وكان ولد عبد الله بن ميمون القدّاح لمّا قوي أمره وكثرت أمواله ومات عبد الله [٢١٥ أ] ادّعوا أنّهم من ولد عقيل بن أبي طالب وهم مع هذا يستترون ويخفون أشخاصهم ويغيّرون أماكنهم وأسماءهم وأسماء دعاتهم. وكان لعبد الله القدّاح جماعة من الولد فخلفه منهم أحمد. ومات أحمد فخلفه محمد. وكان لمحمد ولدان: أحمد والحسين. فمات أحمد، وهو الذي نفّذ ابن حوشب وابن الفضل إلى اليمن. وصار الحسين إلى سلميّة من أرض حمص وله بها أموال من ودائع جدّه عبد الله القدّاح ووكلاء وغلمان وأتباع. وبقي ببغداد من أولاد القدّاح أبو الشلعلع وكان مؤدّبا بآداب الملوك. وكان الذي بسلميّة يدّعي أنّه الوصيّ وصاحب الأمر دون بني القدّاح ويكاتب الدعاة. واتّفق أنّه جرى بحضرته حديث النساء بسلميّة. فوصفوا امرأة رجل يهوديّ حدّاد، مات عنها زوجها، وهي في غاية الجمال. فقال لبعض وكلائه: زوّجني بها. فقال: يا سيّدي، هذه فقيرة ولها ولد. فقال: ما علينا من الفقر! زوّجني بها وأرغبها وابذل لها ما شاءت. فتزوّجها وأحبّها وحسن موقعها منه. وكان ابنها يماثلها في الجمال فأحبّه وأدّبه وعلّمه وأقام له الخدم والأصحاب. فمن العلماء من أهل هذه الدعوة من يقول إنّ الإمام الذي كان بسلميّة من ولد القدّاح مات ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهوديّ الحدّاد وهو عبيد الله وعرّفه أسرار الدعوة وأين الدعاة وأعطاه الأموال والعلامات، وتولّى (١*) على الأعمال وتقدّم إلى وكلائه بطاعته وأنّه الإمام وزوّجه ابنة عمّه أبي الشلعلع محمد بن أحمد (٢*). وهذا قول أبي القاسم الأبيض العلويّ (٣*) وغيره من العلماء بهذه الدعوة ورواة أهلها. وبعض الناس- وهو قليل- يقولون: لا، ولكنّ عبيد الله هذا من ولد القدّاح. [تبرّؤ المقريزي ممّا ينقله] قال كاتبه (٤*): أنا أستغفر الله ممّا سطّرته، وما زادنا هذا الأمير عزّ الدين على أن جمع إلى قول الشريف العابد أخي محسّن قول القاضي أبي حنيفة النعمان سوى التشنيع وإيراد هذا الزور والإفك الصريح الذي يكفي من الردّ عليه حكايته. [قول ابن الأثير] وقال الإمام عزّ الدّين أبو الحسن علي بن أبي بكر محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد بن الأثير الشيبانيّ الجزريّ في كتاب الكامل في التاريخ (٥*): أبو محمد عبيد الله، قيل: هو ابن محمد بن عبد الله بن ميمون [بن]

стр. 1710

محمد بن إسماعيل بن جعفر، يعني الصادق، ومن ينسبه هذا النسب يجعل عبد الله هو عبد الله بن ميمون القدّاح الذي تنسب إليه القدّاحيّة. [٢١٥ ب] وقيل: هو عبيد الله بن أحمد بن إسماعيل الثاني بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وقد اختلف العلماء في صحّة نسبه. فقال هو وأصحابه القائلون بإمامته إنّ نسبه صحيح على ما ذكرناه، ولم يرتابوا فيه. وذهب كثير من العلماء بالأنساب إلى موافقتهم أيضا. ويشهد بصحّة هذا القول ما قاله الشريف الرضيّ: ما مقامي على الهوان ... الأبيات (وذكر القصّة). قال كاتبه: ذكر أبو الحسين الصابي وابنه غرس الدولة محمد (١) في تاريخهما ما ذكره ابن الأثير ممّا نقله عنهما، فأحببت أن أنقله من الأصل الذي أخذ منه ابن الأثير، فإنّه أتمّ وأبسط، ثمّ أرجع إلى تمام قول ابن الأثير. [قول الصابي وابنه] قال الصابي: إنّ القادر بالله عقد مجلسا أحضر فيه الشريف الطاهر أبا أحمد الحسين بن موسى (٢) بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر، يعني الصادق، وابنه أبا القاسم علي المرتضى، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم أبيات الشريف الرضيّ أبي الحسن محمد بن أبي أحمد الحسني التي أوّلها [الخفيف]: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حميّ وإباء محلّق بي عن الضي ... م كما راغ طائر وحشيّ أيّ عذر له إلى المجد إن ذ ... لّ غلام في غمده المشرفيّ أحمل الضيم في بلاد الأعادي ... وبمصر الخليفة العلويّ من أبوه أبي ومولاه مولا ... ي، إذا ضامني البعيد القصيّ لفّ عرقي بعرقه سيّدا النا ... س جميعا: محمد وعليّ إنّ جوعي بذلك الرّبع شبع ... وأوامي بذلك الظلّ ريّ مثل من يركب الظلام وقد أق ... مر من خلفه هلال مضيّ (١*)

стр. 1711

وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد: أي ذلّ أصابه في مملكتنا؟ وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو مضى إليه؟ أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ ألم نوله النّقابة؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز، وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ ما نظنّه كان يكون لو حصل عنده إلّا واحدا من أفناء الطالبيّين بمصر. فقال النقيب أبو أحمد: أمّا هذا الشعر، فممّا لم نسمعه منه ولا رأيناه بخطّه، ولا يبعد أن يكون بعض أعدائه [٢١٦ أ] نحله إيّاه وعزاه إليه. فقال القادر: إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمّن القدح في أنساب ولاة مصر ويكتب محمد خطّه فيه. فكتب محضر بذلك شهد فيه جميع من حضر المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى. وحمل المحضر إلى الشريف الرضيّ ليكتب فيه خطّه، حمله أبوه وأخوه. فامتنع وقال: «لا أكتب، وأخاف دعاة صاحب مصر». وأنكر الشعر وكتب خطّه أنّه ليس بشعره ولا يعرفه. فأجبره أبوه على أن يسطّر خطّه في المحضر، فلم يفعل وقال: أخاف دعاة المصريّين وغيلتهم، فإنّهم معروفون بذلك. فقال أبوه: يا عجباه! تخاف من بينك وبينه ستّمائة فرسخ، ولا تخاف من بينك وبينه مائة ذراع! وحلف ألّا يكلّمه، وكذلك المرتضى، فعلا ذلك تقيّة وخوفا من القادر وتسكينا له، وبعد ذلك صرفه عن النّقابة وولّاها محمد بن عمر النهرسابسي (١). [عود إلى ابن الأثير] قال ابن الأثير عن أبيات الرضيّ التي ذكرت: «وإنّما لم يودعها في ديوانه خوفا؛ ولا حجّة فيما كتب في المحضر المتضمّن القدح في أنسابهم، فإنّ الخوف يحمل على أكثر من هذا. على أنّه قد ورد ما يصدّق ما ذكرته (١*)». فذكر معنى ما تقدّم عن الصابي وقال: «ففي امتناع الرضيّ من الاعتذار ومن أن يكتب خطّه بالطعن في نسبهم مع الخوف دليل قويّ على صحّة نسبهم. (قال) وسألت جماعة من أعيان العلويّين عن صحّة نسبه فلم يرتابوا في صحّته. وذهب غيرهم إلى أنّ نسبه مدخول ليس بصحيح وتعدّت طائفة منهم فجعلوا نسبه يهوديّا. وقد كتب في أيّام القادر محضر يتضمّن القدح في نسبه ونسب أولاده، فكتب فيه جماعة من العلويّين وغيرهم أنّ نسبه إلى علي بن أبي طالب غير صحيح. (قال) وجعل القائلون بصحّة نسبه أنّ العلماء ممّن كتب المحضر إنّما كتبوا خوفا وتقيّة، ومن لا علم عنده بالأنساب فلا احتجاج بقوله. وذكر معنى ما قاله الأمير عزّ الدين بن عبد العزيز في تاريخ القيروان على ما تقدّم ذكره إلى أن قال [في] حكاية نكاح امرأة الحدّاد اليهوديّة وأنّ عبيد الله ابن الحدّاد اليهودي: فقال ابن الأثير (٢*): «وهذه الأقوال فيها ما فيها. فيا ليت شعري، ما الذي حمل أبا عبد الله الشيعيّ [٢١٦ ب] وغيره ممّن قام في إظهار هذه الدعوة، حتى يخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلموه إلى ولد يهوديّ؟ وهل يسامح نفسه بهذا إلّا من يعتقده دينا يثاب عليه؟ ». [قول القاضي عبد الجبّار] وقال القاضي عبد الجبّار البصري (٣*) في أواخر

стр. 1712

كتاب تثبيت نبوّة رسول الله ﷺ : إنّ أوّل من قام بدعوة الفاطميّين بالغرب المهديّ، وكان اسمه سعيدا، وأبوه يهوديّ حدّاد من أهل سلميّة من أرض الشام. وذكر عنه أنّ دعاته في البلاد يأخذون على الناس أنّه رسول الله وحجّة الله. ومنهم من يلقي إليه أنّه الله الخالق الرازق. وكان إذا ضجّ الناس من هذا وظهر منهم الإنكار يأخذ الدعاة فمرّة يحبس بعضهم، ومرّة يقتلهم ويقول: ما أمرت بهذا، ويقول الدعاة: هو أمرنا (١). [قول الباقلّاني] وقال القاضي أبو بكر محمد ابن الباقلّاني (٢) في كتاب «الأسرار الباطنيّة»: إنّ أوّل من وضع هذه الدعوة طائفة من الفرق المخالفة لملّة الإسلام من المجوس وأبناء الأكاسرة وأصحاب الممالك من الفرس، والباعث لهم على ذلك سلب ملكهم والقدح في دينهم وقمع باطلهم بثبوت الإسلام، فلمّا خافوا من تطاول ذلك أعملوا رأيهم واتّفقوا على وضع دعوة تدخل الشبهة على عوامّ الناس ومن لا علم عنده. فيقال إنّ أوّل من وضع ذلك، الهرمزان الذي واضع أبا لؤلؤة على قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. ثم ظهر أمرها في زمن أبي مسلم الخراسانيّ، ثم ما كان في زمن المعتصم من الأفشين وقتله (١*). وكان من رأي الأوائل منهم أنّهم اتّفقوا على تقديم رجل منهم وضمنوا له النصرة والإمداد بالمال. فجعلوه في رجل يعرف بعبد الله بن ميمون بن عمرو القدّاح الأهوازي، وذلك في سنة عشر ومائتين، وكان حاذقا مشعوذا فأظهر الورع والزهد، وكانيتّخذ رجالا يشبهون خلقته ويأمرهم بالحجّ وإظهار أنفسهم لمن يعرفونه، ويستتر هو مدّة أيّام الحجّ، ثم يظهر ويخبر أنّه حجّ مع الناس، فإذا رجع المشاهدون لأمثاله اعتقدوا صدقه وأنّه حجّ وعاد إلى وطنه وطوي له البعيد. واختلف في جدّ القدّاح فقيل: هو ديصان أحد الثنويّة. وقيل: إنّ الطائفة الميمونيّة، وهم غلاة من الرافضة، ينسبون إلى والد هذا عبد الله بن ميمون. وقد اتّفق الكلّ على أنّ [٢١٧ أ] القدّاح ليس من ولد علي بن أبي طالب ﵁ وأنّه دعيّ. وكان من دعواهم الكاذبة أن قالوا إنّ جعفر بن محمد الصادق لمّا انقلب روحانيّا استخلف لتميم، يعني المعزّ لدين الله، بعد دورة سبعة (٢*) وهم: عبد الله بن ميمون القدّاح.

стр. 1713

وابنه محمد بن عبد الله بن ميمون. وابن ابنه أحمد بن محمد بن عبد الله. وسعيد بن الحسين بن أحمد وهو الذي يقال له عبيد الله صاحب برقة والقيروان، وهو سعيد بن الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح، استخلفه أحمد بن محمد عند وفاته. ثم أبو القاسم عبد الرحمن. وعند ظهور السابع تقوم القيامة. ولمّا شرع القدّاح في إقامة الدعوة كان ببغداد ثمّ هرب إلى البصرة فطلب، فهرب إلى الشام واستقرّ بسلميّة ومات بها، وخلف ابنه محمد فخرج يريد العراق فاكترى بقرة من بقّار اسمه قرمط بن الأشعث فدعاه إلى رأيه فأجابه وصار داعية لهم ودعا أهل قريته فسمّوا قرامطة. وقال (١*) بعض من لا يتّقي الله إنّ أبا عبد الله الشيعيّ لمّا زحف بعساكره على مدينة سجلماسة لينقذ المهديّ من سجن اليسع بن مدرار، قتل اليسع المهديّ في السجن وهرب من سجلماسة، فدخل أبو عبد الله الشيعي فوجد المهديّ مقتولا، وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، وخاف أبو عبد الله أن ينتقض عليه ما دبّره من الأمر إن ظهر أنّ المهديّ قد قتل، فأخرج الرجل الذي كان يخدم المهديّ وقال: هذا هو المهديّ. قال كاتبه: قد جمع قائل هذه الكذبة مع قلّة الدين عدم المبالاة بالانتقاد عليه: فإنّ من قول كلّ أحد أنّ المهديّ لمّا سجن بسجلماسة كان ابنه أبو القاسم معه. فما الذي حمل أبا عبد الله على العدول عن ابن المهديّ، الذي استباح سفك دماء عدد من الخلق لا يحصيهم إلّا خالقهم تقرّبا إلى الله تعالى في نصرته، وإلى (٢*) أن يترك ابنه، وقد قتل أبوه، ويسلم أمر الملك العظيم إلى رجل دعيّ؟ فلو أنصف قائل هذا الإفك نفسه لما قال قولا يظهر فساده من غير تأمّل. [قول ابن خلدون] والذي يظهر، أنّ هذه الأقوال موضوعة لم يقلها أحد بل افتراها أعداء القوم ونشروها في الناس لينفّروهم عنهم. وقد قال شيخنا العلّامة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ﵀ في كتابه الذي سمّاه «العبر وديوان المبتدأ والخبر»: ومن الأخبار (٣*) الواهية ما يذهب إليه

стр. 1714

الكثير من المؤرّخين [٢١٧ ب] في العبيديّين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت والطعن في نسبهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، يعتمدون في ذلك على أحاديث لفّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبّاس، تزلّفا لهم بالقدح فيمن ناصبهم، وتفنّنا في الشمات بعدوّهم حسب ما نذكر [من] بعض هذه الأحاديث في أخبارهم، ويغفلون عن التفطّن لشواهد الواقعات وأدلّة الأحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والردّ عليهم. فإنّهم متّفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشيعة أنّ أبا عبد الله المحتسب لمّا دعا بكتامة للرضيّ من آل محمد ﷺ واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهديّ وابنه أبي القاسم، خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محلّ الخلافة واجتازا بمصر، وأنّهما خرجا من الإسكندريّة في زيّ التجّار، ونمى خبرهما إلى عيسى النوشريّ عامل مصر والإسكندريّة، فسرّح في طلبهما الخيالة، حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبّسوا به من الثياب (١) والزيّ فأقبلوا إلى المغرب، وأنّ المعتضد أوعز إلى الأغالبة أمراء إفريقية بالقيروان وبنى مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الآفاق عليهما وإذكاء العيون في طلبهما، فعثر اليسع صاحب سجلماسة على خفيّ مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة. هذا قبل أن تظهر الشيعة على الأغالبة بالقيروان. ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بإفريقيّة والمغرب ثمّ بمصر والشام والحجاز، وقاسموا بني العبّاس في ممالك الإسلام وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويديلون (٢) من أمرهم. ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الأمير البساسيري من موالي الديلم المتغلّبين على خلفاء بني العبّاس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم، وخطب لهم على منابرها حولا كريتا (١*). وما زال بنو العبّاس يغصّون بمكانهم ودولتهم، وملوك بني أميّة وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم. وكيف يقع هذا كلّه لدعيّ في النسب مكذّب في انتحال الأمر؟ واعتبر حال القرمطيّ إذ كان دعيّا في انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرّق أتباعه فظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم. ولو كان أمر العبيديّين كذلك لعرف، ولو بعد مهلة [الطويل]: فمهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن [٢١٨ أ] خالها تخفى على الناس، تعلم (٢*) فقد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا مقام إبراهيم ﵇ ومصلّاه ومواطن الرسول ﷺ ومدفنه، وموقف الحجيج ومهبط الملائكة، ثمّ انقرض أمرهم، وشيعتهم في ذلك كلّه على أتمّ ما كانوا عليه من الصاغية (٣*) إليهم والحبّ فيهم واعتقادهمبنسب الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق. ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصيّة ممّن سلف قبلهم من الأئمّة. ولو ارتابوا في نسبهم

стр. 1715

لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار لهم. فصاحب البدعة لا يلبّس أمره ولا يشبّه في بدعته ولا يكذب نفسه فيما ينتحله (١). والعجب من القاضي أبي بكر الباقلّاني (٢) [كيف] يجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف. فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الإلحاد في الدين، والتعمّق في الرفض، فليس ذلك بدافع في صدر بدعتهم، وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم. وقد قال تعالى لنوح ﵇ في شأن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود: ٤٦]. وقال ﷺ لفاطمة يعظها: «يا فاطمة، اعملي، فلن أغني عنك من الله شيئا» (٣). ومتى عرف امرؤ قضيّة أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]. والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة بتوفّر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم، وتكرّر خروجهم مرّة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل [الطويل]: فلو تسأل الأيّام: ما اسمي؟ ما درت ... وأين مكاني، ما عرفن مكانيا (٤) حتى لقد سمّي محمد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد الله المهديّ بالمكتوم، سمّته بذلك شيعتهم لما اتّفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم. فتوصّل شيعة آل العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي الفائل إلى المستضعفين من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولّون لحروبهم مع الأعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر [٢١٨ ب] والحجاز من البربر الكتاميّين شيعة العبيديّين وأهل دعوتهم حتى لقد أسجل (١*) القضاة ببغداد بنفيهم من هذا النسب، وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة ببغداد في يوم مشهود، وذلك سنة ثنتين وأربعمائة في أيّام القادر. وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وغالبها شيعة بني العبّاس الطاعنون في هذا النسب، فنقله الأخباريّون كما سمعوه، ورووه حسب ما وعوه، والحقّ من ورائه. وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحّة نسبهم: فالمعتضد أقعد (٢*) بنسب أهل البيت من كلّ أحد، والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع وتلتمس فيه ضوالّ الحكم وتحدى إليه ركائب الروايات والأخبار، وما نفق فيها نفق عند الكافّة. فإن تنزّهت الدولة عن التعسّف والميل والأفن (٣*) والشقشقة، وسلكت

стр. 1716

النهج الأمم ولم تجر عن قصد السبيل، نفق في سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفّى. وإن ذهبت مع الأغراض والحقود وماجت بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف. والناقد البصير قسطاس نظره وميزان بحثه وملتمسه (١)، والله الموفّق. [رجوع إلى المهديّ] وكانت ولادة المهديّ بسلميّة في ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين. وقيل: ولد ببغداد في سنة تسع وخمسين. وقيل: ولد بالكوفة فيها (٢). ويقال إنّ الحسين لمّا صرف عهده إليه قال له: «إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة». وقيل إنّه أخرجه لخاصّة ولده سنة ثمان وستّين ومائتين، وعمره تسعة أعوام، وأظهر لهم العلامات التي فيه، وأعلمهم أنّ عبيد الله هذا ولده، وهو المهديّ وأنّه العاشر من ولد الحسين بن علي والثاني عشر من أبي طالب كما وجد في ملحمة (٣) علي بن أبي طالب. ثمّ دفع إلى ولده عبيد الله المهديّ الملحمة وأعلمه أنّه هو العاشر من ولد الحسين. وأنّ في العاشر من ولد عبيد الله ستقطع دولتهم كما قامت في العاشر من ولد الحسين. فقام بعد وفاته بالأمر وانتشرت دعوته وظهر أمره ببلاد المغرب على يد أبي عبد الله الحسين بن أحمد الشيعيّ وأطاعته كتامة. فلمّا استقام أمر أبي عبد الله ببلاد المغرب أنفذ رجالا من كتامة يثق بهم إلى عبيد الله المهدي ليخبروه بما فتح الله وأنّهم ينتظرونه. وكان خبر عبيد الله قد شاع عند الدولة العبّاسيّة فطلب، وذلك في أيّام المكتفي بالله. فخاف عبيد الله على نفسه فخرج من سلميّة ومعه ابنه أبو القاسم محمد نزار- ويقال: عبد الرحمن- وهو يومئذ غلام حدث حين طرّ شاربه، والمهديّ شابّ عند كماله، وخرج معه خاصّته ومواليه، يريد الهجرة إلى أرض المغرب، وذلك في أيّام زيادة الله بن الأغلب. فقدم مصر في زيّ التجّار (١*). وذكر الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد الله بن أحمد المسبّحي (٢*) في [٢١٩ أ] تاريخه من حوادث سنة إحدى وتسعين ومائتين: فيها قدم الإمام المهديّ ومعه ابنه القائم إلى مصر وأمل أن يقصد اليمن، وكان قد تقدّم بعض دعاته إلى اليمن وفسد أمره، فكره دخولها على هذه الحال فأقام بمصر مستترا في زيّ التجّار. فأتت الكتب من بغداد إلى صاحب مصر بالقبض عليه والأمر بطلبه إلى العامل بها. وكان بعض خاصّة ذلك العامل وليّا مؤمنا فأسرع إلى المهديّ بالخبر، فخرج ومعه ابنه القائم وبعض عبيده، ومعه أموال كثيرة، فاشترى بضائع وجعل الأموال في الأحمال وسار في رفقة في زيّ التجّار. وأخبرني حسن بن محمد بن أبي علي الداعي أنّ الإمام المهدي صلّى يوما في الجامع العتيق بمصر الصبح تحت اللوح الأخضر، ومعه أبو عليّ

стр. 1717

الداعي (١)، فلمّا خرجا من الباب الأوّل ضرب رجل بيده على كمّ الإمام وقال: قد حصلت لي عشرة آلاف دينار. قال له: وكيف ذاك؟ قال: لأنّك الرجل المطلوب. فضحك المهديّ وقال لأبي علي الداعي: قدّر هذا الرجل يا أبا علي أنّني ذلك الرجل الذي أريتك إيّاه السّاعة. ثم ضرب بيده على يد ذلك الرجل الذي ضرب بيده إلى كمّه ودخل معه إلى صدر الجامع وقال له: عليك عهد الله وغليظ ميثاقه أنّني إذا جمعت بينك وبين الرجل الذي تطلبه، كان لي عليك ولصديقي خمسة آلاف دينار؟ ثمّ أخذ بيده وأتى به إلى حلقة قد اجتمع الناس فيها وأدخله من جانبها وفارقه فخرج من الجانب الآخر ولم يلتقوا إلى هذه الغاية. (قال) وكنت (٢) يوما قائما على الجسر بمصر مع الإمام المهديّ إلى أن سمعت الجرس والنداء عليه: «ألا برئت الذمّة من أحد آوى رجلا من صفته كذا ومن نعته كذا- ووصف صفة المهديّ- ومن أتى به فله عشرة آلاف دينار. حلالا طيّبا». فقال لي: «يا أبا عليّ، المقام بعد هذا عجز» ثمّ ركب الجسر وسرت معه. وسألته أن أسير معه إلى المغرب. فقال: «على من أدع من لي ههنا؟ » فبكيت، فأنشدني شعر امرئ القيس [الطويل]: بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنّا لا حقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا ثمّ قبّلت يده وفارقته. وقال غيره: لمّا وصل المهديّ ومعه ولده القائم نزلا بدار ابن طلحة بعقبة بني فليح في سنة تسع وثمانين ومائتين [٢١٩ ب]. وقال مؤرّخ القيروان (١*): فلمّا وصل المهديّ إلى مصر في زيّ التجّار كان عامل مصر عيسى النوشريّ. فأتت الكتب إلى عيسى بأن يقبض عليه- وفيها حليته- من جهة الخليفة، وأنّه ممّن يطلب الأمر لنفسه. وكان المهديّ قد خرج من مصر. فلمّا وصل الكتاب إلى النوشريّ فرّق الرسل في طلبه وخرج بنفسه فلحقه، فلمّا رآه لم يشكّ فيه فقبض عليه وأنزله في بستان وأحضر طعاما وسأله أن يأكل معه. فاعتذر بأنّه صائم. فرقّ له ودعاه في خلوة وقال له: أصدقني على أمرك، فإنّي أتلطّف في خلاصك. فخوّفه المهديّ من الله وقال له: اتّق الله، فإنّما أنا رجل تاجر ولست أعرف شيئا ممّا تقولونه. فخلّى سبيله. ويقال إنّه أعطاه مالا أقرّ عينه.

стр. 1718

وأراد أن يرسل مع المهديّ من يوصله إلى رفقته، فقال: «لا حاجة لي إلى ذلك»، ودعا له. فرجع بعض أصحاب النوشريّ عليه باللوم، فندم على إطلاقه وأراد إرسال الجيش ليردّوه. وكان المهديّ لمّا لحق أصحابه رأى ابنه أبا القاسم قد ضيّع كلبا كان يصيد به، وهو يبكي عليه. فعرّفه عبيده أنّهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع المهديّ بسبب الكلب حتى وصل البستان ومعه عبيده. فرآهم النوشريّ فقال: ما هؤلاء؟ فقيل له: التاجر رجع. فبعث فسألهم ما الذي ردّهم، فقالوا: فقد ولد سيّدنا كلبه، وهو عزيز على أبيه فرجع في طلبه. فقال النوشريّ لأصحابه: «قبّحكم الله! أردتم [أن] تحملوني على مثل هذا الرجل حتى آخذه. فلو كان يطلب ما يقال، أو كان مريبا لكان يطوي المراحل ويخفي نفسه، ولا كان رجع في طلب كلبه! ثم سار المهديّ فلحقه لصوص في الطريق في موضع يسمّى الطاحونة فسلبوه متاعه وكتبا لآبائه فيها روايات وملاحم، فعظم أمر الكتب عليه، فيقال إنّه لمّا خرج ابنه أبو القاسم القائم في السفرة الأولى إلى مصر أخذها من أهل ذلك المكان بأعيانها بعد سنين. [وصول المهديّ إلى إفريقيّة] وانتهى المهديّ وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرّق من كان صحبته من التجّار. وكان في صحبته أبو العبّاس محمد أخو أبي عبد الله الشيعيّ، فقدّمه المهديّ أمامه إلى القيروان وأمره أن يلحق بكتامة. فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القيروان، وجد الخبر قد سبقه، ووصلت الكتب من الخليفة إلى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب في أمر المهديّ. فسأل عنه رفقته فأخبر أنّه تخلّف بطرابلس وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقيروان. فأخذ أبو العبّاس وقرّر، فأنكر وقال: «أنا رجل تاجر صحبت رجلا في [٢٢٠ أ] القفل (١*)»، فحبسه. وسمع المهديّ فسار إلى قسطيلية. ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بصفته وطلبه، فسار المهديّ إلى سجلماسة بعد ما اجتمع بعامل طرابلس وأهدى إليه. فكتب العامل إلى زيادة الله بأنّه قد سار ولم يدركه. فأقام المهديّ بسجلماسة وقد أقيمت عليه الأرصاد في الطريق حتى عرفوا دخوله إلى سجلماسة. فأهدى إلى صاحبها اليسع بن مدرار هدايا وواصله. فقرّبه اليسع وأحبّه إلى أن ورد عليه كتاب زيادة الله يقول: «هذا الرجل هو الذي يدعو إلى طاعته أبو عبد الله الشيعي». فقبض عليه حينئذ وحبسه (٢*). فأخذ أبو عبد الله رقّادة كما ذكر في ترجمته وتوجّه إلى سجلماسة لينقذ المهديّ من سجن اليسع، حتى قرب منها. فأرسل اليسع إلى المهديّ فسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبي عبد الله؟ فحلف له المهديّ أنّه ما رأى أبا عبد الله ولا عرفه، «وإنّما أنا رجل تاجر». فأغلظ له في القول فلم يحل عن كلامه فأمر به أن يعاد إلى الاعتقال وأفرد في دار وحده، وكذلك فعل بابنه أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس. وقرّر أبا القاسم أيضا فما حال عن كلام أبيه. وقرّر (٣*) رجالا كانوا معه وضربهم فلم يقرّوا بشيء.

стр. 1719

وسمع أبو عبد الله ذلك فشق عليه وأرسل إلى اليسع كتابا يتلطّف به ويؤمّنه، وأنّه إنّما قدم إلى جهته بسبب حاجة مهمّة، ولم يقدم لحرب، ووعده من نفسه بالجميل. فرمى الكتاب وقتل الرسول. فعاوده في الملاطفة خوفا على المهديّ وأعرض عن ذكره له أوّلا وآخرا، فقتل الرسول ثانيا وتمادى على حاله، فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه وقاتله حتى الليل، فهرب اليسع ومن معه، وبات أبو عبد الله ومن معه في غمّ عظيم لا يدرون ما صنع بالمهديّ وولده. فلمّا أصبح خرج إليهم أهل البلد وأعلموهم بهرب اليسع، فدخل بأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهديّفاستخرجه منه وأخرج ولده. فلمّا رآهما الناس كانت فيهم مسرّة عظيمة كادت تطيش عقولهم. فقرّب أبو عبد الله إلى المهديّ وولده حصانين فركبا، وحفّت العساكر بهما، ومشى أبو عبد الله ووجوه القبائل بين يدي المهديّ، وأبو عبد الله يقول للنّاس: «هذا مولاكم ومولاي! » وهو يبكي من شدّة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له فدخله [٢٢٠ ب] وأمر بطلب اليسع فخرجت العساكر مسرعة إليه. فأقام إلى العشاء، ثمّ أمر أن يفرش قدّام الفسطاط وخرج إلى الناس وأحاطوا به يسمعون كلامه ويبكون، وهو في ذلك يثني عليهم ويذكر فضلهم. وأدركت العساكر اليسع فأخذوه ومن كان معه. فأمر بضرب اليسع فضرب بالسياط وطيف به العسكر، ثمّ قتل هو وأصحابه. وكان اليسع قد قطع عنه الطعام أيّاما حين سجنه (١). وكتب بفتح سجلماسة إلى إفريقيّة، وكان الناس لمّا خرج منها أبو عبد الله وغاب عنهم ظنّوا به الظّنون وشنّعوا الإشاعات. فعند ما ورد كتاب الفتح وظهور المهديّ سرّ الناس. وأقام المهديّ بعد الفتح بسجلماسة أربعين يوما، وكان ظهوره من سجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين ومائتين. قال مؤرّخ القيروان: «وكانوا يزعمون في قديم الزمان أنّ الثاني عشر من أبي طالب والد أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه هو الذي يصير إليه أمر المسلمين فيكون إماما، وذلك إذا دخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين. فكان كذلك». [انتصابه بالقيروان] فلمّا تمّ له من يوم الفتح أربعون يوما نهض يريد إفريقيّة. وأمر بإحضار الأموال التي على أيدي الدعاة، فلمّا حضرت قبضها. وسار إلى رقّادة فوصل يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. وحضرت إليه الأموال من إيكجان فدخل بها معه إلى رقّادة. وزالت بالمهديّ دولة بني الأغلب وملك بني مدرار الذين آخرهم اليسع وكان لهم في الملك ثلاثون ومائة سنة تفرّدوا بسجلماسة وما حولها من أيّام الخليفة أبي جعفر المنصور. وزال أيضا ملك بني رستم من تاهرت وله ستّون ومائة سنة تفرّدوا بتاهرت وما حولها من أيّام الخليفة عبد الملك بن مروان. وملك المهديّ جميع ذلك في هذه السنة. ونزل بقصر من قصور رقّادة بعد ما خرج إليه أهلها وأهل القيروان، وأبو عبد الله ورؤساء القبائل مشاة بين يديه وولده خلفه فسلّموا عليه فردّ عليهم ردّا جميلا وأمرهم بالانصراف. فلمّا أصبح يوم الجمعة أمر الخطيب أن يذكره في الخطبة فيقول: «أبو محمد عبد الله الإمام

стр. 1720

المهديّ بالله أمير المؤمنين». فلمّا صعد الخطيب المنبر وانتهى إلى ذكر المهديّ قام جبلة بن حمّود الصدفيّ قائما وكشف رأسه حتى رآه الناس ومشى من المنبر إلى آخر الجامع وهو يقول: «قطعوها قطعهم الله! » يعني الخطبة لبني العبّاس- ويكرّرها. وقام الفقهاء ووجوه البلد معه فما حضر أحد من الأمثال (١) وجلس بعد الجمعة [٢٢١ أ] رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة وأحضروا الناس بالعنف والشدّة ودعوهم إلى مذهبهم، فأجابوا إلى ذلك إلّا القليل. فأمر بهم فضربوا وحبسوا. ونابذ طائفة من الفقهاء المهدي حتى إنّه أدخل برجل على الوالي فقال له الوالي: قل: لا إله إلّا الله! فقال له: أمّا من قولك، فلا. إنّي لا أدري ما تقول لي بعدها. ودخل إليه بآخر وبين يديه مصحف فقال له: أليس هو القرآن؟ فقال له: ما أعرف ما هو. ووجد رجل من أصحاب المهديّ المشارقة مقتولا فأتوا إليه وقالوا: قتل رجل من الأولياء. قال: وأين هو؟ قالوا له: أكلوه ولم يبق إلّا عظام ساقيه. فقال المهدي: هذا بلد لا يحلّ أن يقام فيه. وأمر بقتل المحبوسين إن لم يرجعوا عمّا هم عليه، فقتل منهم على ما قيل أربعة آلاف رجل في العذاب ما بين عابد ورجل صالح، ولذلك قال سهل في قصيدته [الكامل]: وأحلّ دار البحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات (٢) واستقامت الدولة للمهدي. وعرض عليه أبو عبد الله جواري زيادة الله بن الأغلب اللاتي كان أبو عبد الله أخذهنّ فيما أخذ من أموال ابن الأغلب عند فراره. فاختار المهديّ كثيرا منهنّ لنفسه ولولده أبي القاسم، وصرف ما بقي على وجوه كتامة. وقسم عليهم الأعمال ودوّن الدواوين وجبى الأموال، واستقرّت قدمه ودان له أهل البلاد واستبدّ بالأمر وحده وانفرد بالتدبير دون كلّ أحد. [مقتل أبي عبد الله] فدخل قلب أبي العبّاس فساد نيّة وحسد كبير، فإنّه كان قد استخلفه أخوه أبو عبد الله على القيروان، وكان إليه الأمر والنهي حتى وصل المهدي وباشر الأمور بنفسه، فشقّ عليه الفطام، وأقبل يزري على المهديّ في مجلس أخيه ويتكلّم فيه، ويعنّفه على تسليم الأمر إلى المهديّ، حتّى أثّر كلامه في قلب أخيه وتغيّر. ثمّ أقبل (١*) على الشيوخ وأغراهم بالمهديّ وحرّضهم على قتله، إلى أن اتّفقوا على الفتك به، وقصدوا ذلك مرارا، والأقدار تحول بينهم وبين ذلك. ثمّ أخذ يغضّ من المهديّ ويقول: إنّ هذا ليس بالذي كنّا نعتقد طاعته، ولقد كان ظنّنا فيه فاسدا، لأنّ المهديّ الحقيقيّ يأتي بالآيات والمعجزات حتى إنّه يختم بخاتمه على البلاد. وأمّا هذا فقد أخطأنا فيه. فأثّر في قلوبهم، وواجه المهديّ أبو موسى هارون بن ينس الذي يقال له «شيخ المشايخ» من كتامة، وقال له: «إن كنت [٢٢١ ب] المهديّ فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك». فغضب المهدي وأمر بضرب عنقه. وفي جميع هذه الأمور، والمهدي يغضي عند
следующие страницы →