النهج الأمم ولم تجر عن قصد السبيل، نفق في سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفّى. وإن ذهبت مع الأغراض والحقود وماجت بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف. والناقد البصير قسطاس نظره وميزان بحثه وملتمسه (١)، والله الموفّق.
[رجوع إلى المهديّ]
وكانت ولادة المهديّ بسلميّة في ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين. وقيل: ولد ببغداد في سنة تسع وخمسين. وقيل: ولد بالكوفة فيها (٢).
ويقال إنّ الحسين لمّا صرف عهده إليه قال له:
«إنّك ستهاجر بعدي هجرة بعيدة، وتلقى محنا شديدة». وقيل إنّه أخرجه لخاصّة ولده سنة ثمان وستّين ومائتين، وعمره تسعة أعوام، وأظهر لهم العلامات التي فيه، وأعلمهم أنّ عبيد الله هذا ولده، وهو المهديّ وأنّه العاشر من ولد الحسين بن علي والثاني عشر من أبي طالب كما وجد في ملحمة (٣) علي بن أبي طالب. ثمّ دفع إلى ولده عبيد الله المهديّ الملحمة وأعلمه أنّه هو العاشر من ولد الحسين. وأنّ في العاشر من ولد عبيد الله ستقطع دولتهم كما قامت في العاشر من ولد الحسين.
فقام بعد وفاته بالأمر وانتشرت دعوته وظهر أمره ببلاد المغرب على يد أبي عبد الله الحسين بن أحمد الشيعيّ وأطاعته كتامة. فلمّا استقام أمر أبي عبد الله ببلاد المغرب أنفذ رجالا من كتامة يثق بهم إلى عبيد الله المهدي ليخبروه بما فتح الله وأنّهم ينتظرونه. وكان خبر عبيد الله قد شاع عند الدولة
العبّاسيّة فطلب، وذلك في أيّام المكتفي بالله.
فخاف عبيد الله على نفسه فخرج من سلميّة ومعه ابنه أبو القاسم محمد نزار- ويقال: عبد الرحمن- وهو يومئذ غلام حدث حين طرّ شاربه، والمهديّ شابّ عند كماله، وخرج معه خاصّته ومواليه، يريد الهجرة إلى أرض المغرب، وذلك في أيّام زيادة الله بن الأغلب. فقدم مصر في زيّ التجّار (١*).
وذكر الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد الله بن أحمد المسبّحي (٢*) في [٢١٩ أ] تاريخه من حوادث سنة إحدى وتسعين ومائتين: فيها قدم الإمام المهديّ ومعه ابنه القائم إلى مصر وأمل أن يقصد اليمن، وكان قد تقدّم بعض دعاته إلى اليمن وفسد أمره، فكره دخولها على هذه الحال فأقام بمصر مستترا في زيّ التجّار. فأتت الكتب من بغداد إلى صاحب مصر بالقبض عليه والأمر بطلبه إلى العامل بها. وكان بعض خاصّة ذلك العامل وليّا مؤمنا فأسرع إلى المهديّ بالخبر، فخرج ومعه ابنه القائم وبعض عبيده، ومعه أموال كثيرة، فاشترى بضائع وجعل الأموال في الأحمال وسار في رفقة في زيّ التجّار.
وأخبرني حسن بن محمد بن أبي علي الداعي أنّ الإمام المهدي صلّى يوما في الجامع العتيق بمصر الصبح تحت اللوح الأخضر، ومعه أبو عليّ
стр. 1717
الداعي (١)، فلمّا خرجا من الباب الأوّل ضرب رجل بيده على كمّ الإمام وقال: قد حصلت لي عشرة آلاف دينار.
قال له: وكيف ذاك؟
قال: لأنّك الرجل المطلوب.
فضحك المهديّ وقال لأبي علي الداعي: قدّر هذا الرجل يا أبا علي أنّني ذلك الرجل الذي أريتك إيّاه السّاعة.
ثم ضرب بيده على يد ذلك الرجل الذي ضرب بيده إلى كمّه ودخل معه إلى صدر الجامع وقال له: عليك عهد الله وغليظ ميثاقه أنّني إذا جمعت بينك وبين الرجل الذي تطلبه، كان لي عليك ولصديقي خمسة آلاف دينار؟
ثمّ أخذ بيده وأتى به إلى حلقة قد اجتمع الناس فيها وأدخله من جانبها وفارقه فخرج من الجانب الآخر ولم يلتقوا إلى هذه الغاية.
(قال) وكنت (٢) يوما قائما على الجسر بمصر
مع الإمام المهديّ إلى أن سمعت الجرس والنداء عليه: «ألا برئت الذمّة من أحد آوى رجلا من صفته كذا ومن نعته كذا- ووصف صفة المهديّ- ومن أتى به فله عشرة آلاف دينار. حلالا طيّبا».
فقال لي: «يا أبا عليّ، المقام بعد هذا عجز» ثمّ ركب الجسر وسرت معه. وسألته أن أسير معه إلى المغرب. فقال: «على من أدع من لي ههنا؟ » فبكيت، فأنشدني شعر امرئ القيس [الطويل]:
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... وأيقن أنّا لا حقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
ثمّ قبّلت يده وفارقته.
وقال غيره: لمّا وصل المهديّ ومعه ولده القائم نزلا بدار ابن طلحة بعقبة بني فليح في سنة تسع وثمانين ومائتين [٢١٩ ب].
وقال مؤرّخ القيروان (١*): فلمّا وصل المهديّ إلى مصر في زيّ التجّار كان عامل مصر عيسى النوشريّ. فأتت الكتب إلى عيسى بأن يقبض عليه- وفيها حليته- من جهة الخليفة، وأنّه ممّن يطلب الأمر لنفسه. وكان المهديّ قد خرج من مصر. فلمّا وصل الكتاب إلى النوشريّ فرّق الرسل في طلبه وخرج بنفسه فلحقه، فلمّا رآه لم يشكّ فيه فقبض عليه وأنزله في بستان وأحضر طعاما وسأله أن يأكل معه. فاعتذر بأنّه صائم.
فرقّ له ودعاه في خلوة وقال له: أصدقني على أمرك، فإنّي أتلطّف في خلاصك.
فخوّفه المهديّ من الله وقال له: اتّق الله، فإنّما أنا رجل تاجر ولست أعرف شيئا ممّا تقولونه.
فخلّى سبيله. ويقال إنّه أعطاه مالا أقرّ عينه.
стр. 1718
وأراد أن يرسل مع المهديّ من يوصله إلى رفقته، فقال: «لا حاجة لي إلى ذلك»، ودعا له. فرجع بعض أصحاب النوشريّ عليه باللوم، فندم على إطلاقه وأراد إرسال الجيش ليردّوه.
وكان المهديّ لمّا لحق أصحابه رأى ابنه أبا القاسم قد ضيّع كلبا كان يصيد به، وهو يبكي عليه. فعرّفه عبيده أنّهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع المهديّ بسبب الكلب حتى وصل البستان ومعه عبيده. فرآهم النوشريّ فقال: ما هؤلاء؟
فقيل له: التاجر رجع.
فبعث فسألهم ما الذي ردّهم، فقالوا: فقد ولد سيّدنا كلبه، وهو عزيز على أبيه فرجع في طلبه.
فقال النوشريّ لأصحابه: «قبّحكم الله! أردتم [أن] تحملوني على مثل هذا الرجل حتى آخذه. فلو كان يطلب ما يقال، أو كان مريبا لكان يطوي المراحل ويخفي نفسه، ولا كان رجع في طلب كلبه!
ثم سار المهديّ فلحقه لصوص في الطريق في موضع يسمّى الطاحونة فسلبوه متاعه وكتبا لآبائه فيها روايات وملاحم، فعظم أمر الكتب عليه، فيقال إنّه لمّا خرج ابنه أبو القاسم القائم في السفرة الأولى إلى مصر أخذها من أهل ذلك المكان بأعيانها بعد سنين.
[وصول المهديّ إلى إفريقيّة]
وانتهى المهديّ وولده إلى مدينة طرابلس، وتفرّق من كان صحبته من التجّار. وكان في صحبته أبو العبّاس محمد أخو أبي عبد الله الشيعيّ، فقدّمه المهديّ أمامه إلى القيروان وأمره أن يلحق بكتامة. فلمّا وصل أبو العبّاس إلى القيروان، وجد الخبر قد سبقه، ووصلت الكتب من الخليفة إلى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب في أمر المهديّ. فسأل عنه رفقته فأخبر أنّه تخلّف بطرابلس وأنّ صاحبه أبا العبّاس بالقيروان. فأخذ أبو العبّاس وقرّر، فأنكر وقال: «أنا رجل تاجر صحبت رجلا في [٢٢٠ أ] القفل (١*)»، فحبسه.
وسمع المهديّ فسار إلى قسطيلية. ووصل كتاب زيادة الله إلى عامل طرابلس بصفته وطلبه، فسار المهديّ إلى سجلماسة بعد ما اجتمع بعامل طرابلس وأهدى إليه. فكتب العامل إلى زيادة الله بأنّه قد سار ولم يدركه.
فأقام المهديّ بسجلماسة وقد أقيمت عليه الأرصاد في الطريق حتى عرفوا دخوله إلى سجلماسة. فأهدى إلى صاحبها اليسع بن مدرار هدايا وواصله. فقرّبه اليسع وأحبّه إلى أن ورد عليه كتاب زيادة الله يقول: «هذا الرجل هو الذي يدعو إلى طاعته أبو عبد الله الشيعي». فقبض عليه حينئذ وحبسه (٢*).
فأخذ أبو عبد الله رقّادة كما ذكر في ترجمته وتوجّه إلى سجلماسة لينقذ المهديّ من سجن اليسع، حتى قرب منها. فأرسل اليسع إلى المهديّ فسأله عن نسبه وحاله، وهل إليه قصد أبي عبد الله؟ فحلف له المهديّ أنّه ما رأى أبا عبد الله ولا عرفه، «وإنّما أنا رجل تاجر».
فأغلظ له في القول فلم يحل عن كلامه فأمر به أن يعاد إلى الاعتقال وأفرد في دار وحده، وكذلك فعل بابنه أبي القاسم، وجعل عليهما الحرس.
وقرّر أبا القاسم أيضا فما حال عن كلام أبيه. وقرّر (٣*) رجالا كانوا معه وضربهم فلم يقرّوا بشيء.
стр. 1719
وسمع أبو عبد الله ذلك فشق عليه وأرسل إلى اليسع كتابا يتلطّف به ويؤمّنه، وأنّه إنّما قدم إلى جهته بسبب حاجة مهمّة، ولم يقدم لحرب، ووعده من نفسه بالجميل. فرمى الكتاب وقتل الرسول. فعاوده في الملاطفة خوفا على المهديّ وأعرض عن ذكره له أوّلا وآخرا، فقتل الرسول ثانيا وتمادى على حاله، فأسرع أبو عبد الله في السير ونزل عليه وقاتله حتى الليل، فهرب اليسع ومن معه، وبات أبو عبد الله ومن معه في غمّ عظيم لا يدرون ما صنع بالمهديّ وولده. فلمّا أصبح خرج إليهم أهل البلد وأعلموهم بهرب اليسع، فدخل بأصحابه البلد وأتوا المكان الذي فيه المهديّفاستخرجه منه وأخرج ولده. فلمّا رآهما الناس كانت فيهم مسرّة عظيمة كادت تطيش عقولهم. فقرّب أبو عبد الله إلى المهديّ وولده حصانين فركبا، وحفّت العساكر بهما، ومشى أبو عبد الله ووجوه القبائل بين يدي المهديّ، وأبو عبد الله يقول للنّاس: «هذا مولاكم ومولاي! » وهو يبكي من شدّة الفرح، حتى وصل إلى فسطاط قد ضرب له فدخله [٢٢٠ ب] وأمر بطلب اليسع فخرجت العساكر مسرعة إليه. فأقام إلى العشاء، ثمّ أمر أن يفرش قدّام الفسطاط وخرج إلى الناس وأحاطوا به يسمعون كلامه ويبكون، وهو في ذلك يثني عليهم ويذكر فضلهم. وأدركت العساكر اليسع فأخذوه ومن كان معه. فأمر بضرب اليسع فضرب بالسياط وطيف به العسكر، ثمّ قتل هو وأصحابه. وكان اليسع قد قطع عنه الطعام أيّاما حين سجنه (١).
وكتب بفتح سجلماسة إلى إفريقيّة، وكان
الناس لمّا خرج منها أبو عبد الله وغاب عنهم ظنّوا به الظّنون وشنّعوا الإشاعات. فعند ما ورد كتاب الفتح وظهور المهديّ سرّ الناس.
وأقام المهديّ بعد الفتح بسجلماسة أربعين يوما، وكان ظهوره من سجلماسة يوم الأحد لسبع خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين ومائتين.
قال مؤرّخ القيروان: «وكانوا يزعمون في قديم الزمان أنّ الثاني عشر من أبي طالب والد أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه هو الذي يصير إليه أمر المسلمين فيكون إماما، وذلك إذا دخلت سنة ستّ وتسعين ومائتين. فكان كذلك».
[انتصابه بالقيروان]
فلمّا تمّ له من يوم الفتح أربعون يوما نهض يريد إفريقيّة. وأمر بإحضار الأموال التي على أيدي الدعاة، فلمّا حضرت قبضها. وسار إلى رقّادة فوصل يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. وحضرت إليه الأموال من إيكجان فدخل بها معه إلى رقّادة.
وزالت بالمهديّ دولة بني الأغلب وملك بني مدرار الذين آخرهم اليسع وكان لهم في الملك ثلاثون ومائة سنة تفرّدوا بسجلماسة وما حولها من أيّام الخليفة أبي جعفر المنصور. وزال أيضا ملك بني رستم من تاهرت وله ستّون ومائة سنة تفرّدوا بتاهرت وما حولها من أيّام الخليفة عبد الملك بن مروان. وملك المهديّ جميع ذلك في هذه السنة.
ونزل بقصر من قصور رقّادة بعد ما خرج إليه أهلها وأهل القيروان، وأبو عبد الله ورؤساء القبائل مشاة بين يديه وولده خلفه فسلّموا عليه فردّ عليهم ردّا جميلا وأمرهم بالانصراف.
فلمّا أصبح يوم الجمعة أمر الخطيب أن يذكره في الخطبة فيقول: «أبو محمد عبد الله الإمام
стр. 1720
المهديّ بالله أمير المؤمنين». فلمّا صعد الخطيب المنبر وانتهى إلى ذكر المهديّ قام جبلة بن حمّود الصدفيّ قائما وكشف رأسه حتى رآه الناس ومشى من المنبر إلى آخر الجامع وهو يقول: «قطعوها قطعهم الله! » يعني الخطبة لبني العبّاس- ويكرّرها. وقام الفقهاء ووجوه البلد معه فما حضر أحد من الأمثال (١) وجلس بعد الجمعة [٢٢١ أ] رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة وأحضروا الناس بالعنف والشدّة ودعوهم إلى مذهبهم، فأجابوا إلى ذلك إلّا القليل. فأمر بهم فضربوا وحبسوا.
ونابذ طائفة من الفقهاء المهدي حتى إنّه أدخل برجل على الوالي فقال له الوالي: قل: لا إله إلّا الله!
فقال له: أمّا من قولك، فلا. إنّي لا أدري ما تقول لي بعدها.
ودخل إليه بآخر وبين يديه مصحف فقال له:
أليس هو القرآن؟
فقال له: ما أعرف ما هو.
ووجد رجل من أصحاب المهديّ المشارقة مقتولا فأتوا إليه وقالوا: قتل رجل من الأولياء.
قال: وأين هو؟
قالوا له: أكلوه ولم يبق إلّا عظام ساقيه.
فقال المهدي: هذا بلد لا يحلّ أن يقام فيه.
وأمر بقتل المحبوسين إن لم يرجعوا عمّا هم عليه، فقتل منهم على ما قيل أربعة آلاف رجل في العذاب ما بين عابد ورجل صالح، ولذلك قال سهل في قصيدته [الكامل]:
وأحلّ دار البحر في أغلاله ... من كان ذا تقوى وذا صلوات (٢)
واستقامت الدولة للمهدي. وعرض عليه أبو عبد الله جواري زيادة الله بن الأغلب اللاتي كان أبو عبد الله أخذهنّ فيما أخذ من أموال ابن الأغلب عند فراره. فاختار المهديّ كثيرا منهنّ لنفسه ولولده أبي القاسم، وصرف ما بقي على وجوه كتامة. وقسم عليهم الأعمال ودوّن الدواوين وجبى الأموال، واستقرّت قدمه ودان له أهل البلاد واستبدّ بالأمر وحده وانفرد بالتدبير دون كلّ أحد.
[مقتل أبي عبد الله]
فدخل قلب أبي العبّاس فساد نيّة وحسد كبير، فإنّه كان قد استخلفه أخوه أبو عبد الله على القيروان، وكان إليه الأمر والنهي حتى وصل المهدي وباشر الأمور بنفسه، فشقّ عليه الفطام، وأقبل يزري على المهديّ في مجلس أخيه ويتكلّم فيه، ويعنّفه على تسليم الأمر إلى المهديّ، حتّى أثّر كلامه في قلب أخيه وتغيّر. ثمّ أقبل (١*) على الشيوخ وأغراهم بالمهديّ وحرّضهم على قتله، إلى أن اتّفقوا على الفتك به، وقصدوا ذلك مرارا، والأقدار تحول بينهم وبين ذلك. ثمّ أخذ يغضّ من المهديّ ويقول: إنّ هذا ليس بالذي كنّا نعتقد طاعته، ولقد كان ظنّنا فيه فاسدا، لأنّ المهديّ الحقيقيّ يأتي بالآيات والمعجزات حتى إنّه يختم بخاتمه على البلاد. وأمّا هذا فقد أخطأنا فيه.
فأثّر في قلوبهم، وواجه المهديّ أبو موسى هارون بن ينس الذي يقال له «شيخ المشايخ» من كتامة، وقال له: «إن كنت [٢٢١ ب] المهديّ فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك». فغضب المهدي وأمر بضرب عنقه.
وفي جميع هذه الأمور، والمهدي يغضي عند
стр. 1721
سماعها ويلاطف أبا عبد الله. ثمّ عتبه عتبا رفيقا كما تقدّم في ترجمته (١). فعلم أبو عبد الله أنّ عورته قد ظهرت للمهديّ، وانصرف فأخبر أصحابه فخافوا وتخلّفوا كلّهم عن الحضور إلى مجلس المهديّ. فانتدب رجل يقال له ابن القديم قد كان في جملة المخالفين وقال: يا مولاي، إن شئت أتيتك بهم.
قال: أو تقدر على ذلك؟
قال: نعم.
فأحضرهم إلى المهديّ فلاطفهم وما زال حتّى فرّقهم في البلاد. فبعث أبا زاكي تمّام بن معارك- وكانوا يجتمعون في داره- إلى طرابلس، وكتب إلى واليها أن يقتله إذا قدم عليه، فقتله وبعث برأسه. وفرّ ابن القديم فضربت عنقه في طريقه.
ورتّب المهديّ غزويه بن يوسف وجبر بن القاسم في رجال وأمرهم بقتل أبي عبد الله وأخيه أبي العبّاس فقتل غزويه أبا عبد الله وقتل جبر بنالقاسم أبا العبّاس للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين (٢). فثارت فتنة بسبب قتلهما وجرّد أصحابهما السيوف فركب المهديّ وأمّن الناس فسكنوا. ثم تتبّع المخالفين بالقتل حتى أفناهم.
ثم ثارت فتنة ثانية بين كتامة وأهل القيروان قتل فيها خلق كثير. فخرج المهديّ وسكّن الفتنة.
وكفّ الدعاة عن طلب الناس بمذهب التشيّع.
ثم عهد إلى ولده أبي القاسم محمد نزار بالخلافة من بعده، وكان إذا نظر إليه وأعجبه ينشد
متثمّلا [السريع]:
مبارك الطلعة ميمونها ... يصلح للدنيا وللدين
وجهّزه إلى بلاد كتامة وقد أقاموا طفلا وزعموا أنّه نبيّ يوحى إليه وأقاموه بمدينة ميلة، فسار إليها وحصرها حتى أخذها وقتل الطفل الذي أقاموه وأفنى منهم أمما عظيمة وجلاهم إلى البحر وعاد.
فورد الخبر بخلاف أهل صقلّية فأنفذ إليها أسطولا قاتلها حتى فتحها.
وخالف أيضا أهل تاهرت فبعث إليها وغزاها وقتل أهل الخلاف.
وتتبّع بني الأغلب برقّادة وكانوا قد عادوا بعد موت زيادة الله إليها، حتى قتلهم عن آخرهم.
ثم بعث ابنه أبا القاسم على جيش إلى مصر في سنة إحدى وثلاثمائة وملك الإسكندريّة والفيّوم وعاد. فبعث في سنة اثنتين وثلاثمائة حباسة أحد قوّاده على جيش آخر، وعاد مهزوما.
[تأسيس المهديّة]
فلمّا كانت [٢٢٢ أ] سنة ثلاثمائة خرج بنفسه إلى تونس يرتاد لنفسه موضعا على ساحل البحر يتّخذ فيه مدينة وكان عنده علم بخروج رجل شديد البأس على دولته، وهو أبو يزيد النكّاري الخارجيّ، ومن أجله بنى المهديّة وهي جزيرة متّصلة بالبرّ كهيئة كفّ متّصل بزند فتأمّلها، ووجد فيها راهبا في مغارة فقال له: بم يعرف هذا الموضع؟
فقال: يسمّى جزيرة الخلفاء، والذي يليها من البرّ يسمّى أرض جمّة.
فقال المهديّ: الله أكبر! هذه التي نجدها، وهي والله جزيرة الخلفاء!
стр. 1722
فبناها وجعلها دار ملكه وحصّنها بالسور العجيب وأبواب (١) الحديد المصمت المحكم، وجعل في كلّ مصراع مائة قنطار. وهما بابان بأربعة مصارع لكلّ باب دهليز يسع خمسمائة فارس. وكان ابتداء بنائها يوم السبت الخامس من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثمائة. وكان أوّل ما ابتدأ به من سورها ما على الجانب الغربي الذي فيه أبوابها. فلمّا مدّ الحائط على أساس السور ووضع أوّل حجر منه، أمر المهديّ راميا بالقوس أن يرمي سهما من حدّ الحجر الذي في أساس السور إلى ناحية الغرب، فرمى الرامي سهمه فانتهى إلى الموضع الذي عمل فيه المصلّى، ووقع السهم قائما على نصله، فقال المهديّ: «إلى هذا السهم يصل صاحب الحمار»، يعني أبا يزيد الخارجيّ.
فخرج على الدولة وكذا كان، كما سيرد خبره إن شاء الله في ترجمة أبي القاسم محمد بن المهديّ إن شاء الله (٢). ثم أمر المهديّ أن تقاس مساحة موضع الرميّة بالذارع فبلغ مائتي ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا، فقال المهدي: هذا عدد ما تقيم المهديّة في أيدينا من السنين، فكان كذلك (٣).
وأمّا الأبواب الحديد فإنّها عملت صفائح مفرغة بثلاث طبقات وطرقت بالمسامير فبقيت تتحرّك، فقال المهديّ: ما عندكم في هذا؟
فقالوا: لا ندري.
فأمر بالحطب الكثير فجعل فوقها وتحتها وأطلقت النيران العظيمة وطرقت المسامير فصارت الأبواب قطعة واحدة، ولمّا ركّبت صعب فتحها وإغلاقها، ولم يكن يغلق الباب الواحد إلّا
جماعة من الرجال [٢٢٢ ب] فأمر المهديّ أن يجعل خرزها زجاجا فدار الباب في الوقت وسهل فتحه وغلقه وصار الرجل الواحد يفتحه ويغلقه. ثم قال: كم يكون وزن كلّ باب؟
فقال القوم: هذا لا يعلمه إلّا الله إذ ليس في الأرض ميزان يحمل بعضه.
فأمر بمصراع منه فحمل على الصواري حتى ألقي على ظهر مركب في الماء إلى حدّ بعينه، وعلّم ما نزل من المركب في الماء، ثمّ أنزل المصراع وجعل في المركب من الصخر والحجر حتى بلغ الماء إلى الحدّ الذي علّم فيه، ثم وزن جميع ما وضع في المركب من الصخر والحجارة، فعلم ما فيه من رطل، فجاءت زنة الأربعة مصار [ي] ع أربعمائة قنطار.
ثم أمر أن تقطع في داخل المدينة صناعة تنقر في الجبل تحمل مائتي شيني (١*) وعليها باب.
ثم نقروا في أرضها أيضا أهراء برسم الغلال في الحجر الصلب تسع من الطعام ما لا يحصى، ودمسها. وبنى قصورا عالية، وجعل فيها من المصانع للماء ما لا يحصى وختم عليها وأمر بحفظها. فلمّا فرغ من بناء السور والقصور والدور قال: اليوم أمنت على الفاطميّات، يعني بناته.
وارتحل إليها في شهر صفر سنة ثمان وثلاثمائة، وكان طالعها برج الأسد. ولمّا رأى المهديّ إعجاب الناس بالمهديّة وبحصانتها قال:
هذه بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار.
وكذلك كان، لأنّ أبا يزيد وصل إلى موضع السهم ووقف فيه ساعة ولم يظفر.
стр. 1723
[وفاة المهدي]
وما زال المهديّ بالله على إمامته حتى قبضه الله إليه بمدينة المهديّة يوم الاثنين الرابع عشر من ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وعمره اثنتان وستّون سنة وشهر واحد ويوم واحد، ومدّة دولته خمس وعشرون سنة وثلاثة أشهر وسبعة أيّام (١).
فأخفى ابنه أبو القاسم موته لتدبير كان له.
قال النعمان بن محمد: نعي المهديّ صبيحة يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من جمادى الأخرى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وكانت مدّة ظهور إمامته من يوم وصل إلى رقّادة إلى يوم نعي فيه أربعا وعشرين سنة وشهرا واحدا وعشرين يوما.
ويقال إن القمر انخسف في الساعة التي توفّي فيها خسوفا شنيعا.
وخلّف من الأولاد: أبا القاسم محمد- ويقال عبد الرحمن- القائم، وقام بالأمر بعده.
وأبا عليّ أحمد (٢).
وأبا طالب موسى.
وأبا الحسن عيسى، مات برقّادة سنة اثنتين
وستّين وثلاثمائة.
وأبا عبد الله الحسين، مات بالمغرب.
وأبا سليمان داود، مات [٢٢٣ أ] بالمغرب سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
وخلّف ثماني بنات: آمنة، وزينب، وفاطمة، وأمّ الحسن، وقد ذكرن في هذا الكتاب (١*).
وأمّ الحسين وسكينة وأمّ عليّ ورشيدة، متن ببلاد المغرب.
وترك من السراريّ ستّا، أمّهات أولاد.
وقضاته: أبو جعفر محمد بن عمّار المروروذي، مات بعد أن عزل في سنة ثلاث وثلاثمائة. ثم إسحاق بن [أبي] المنهال. ثم محمد بن محفوظ القمّوديّ، مات في محرّم سنة تسع وثلاثمائة. ثمّ محمد بن عمران، مات سنة عشر. ثمّ إسحاق بن [أبي] المنهال ثانيا.
وحاجبه جعفر بن عليّ.
وحامل مظلّته مسعود الصقلبيّ، ثمّ غرس الصقلبيّ.
وكان نقش خاتمه: بنصر الإله الممجّد ينتصر الإمام أبو محمد.
وكان يشبّه في خلفاء بني العبّاس بالسفّاح: فإن السفّاح خرج من الحميمة بالشام يطلب الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب عليه بكلّ مرصد،
стр. 1724
وأبو سلمة الخلّال يؤسّس له الأمر ويثبّت دعوته.
وهكذا المهديّ: فإنّه خرج من سلميّة بالشام، وقد أخذت عليه الطرق ونصبت له المراصد، وأبو عبد الله الشيعيّ قد مهّد له الأمر. وكلاهما تمّ له الأمر وقتل القائم بدعوته.
[شعر الشعراء فيه]
وأوّل من مدح المهديّ من شعراء إفريقيّة سعدون الورجيلي، وكان من شعراء بني الأغلب، فأنشده [الكامل]:
قف بالمطيّ على مرابع دور ... لبست معالمهنّ ثوب دثور
لعبت بها حتى محت آثارها ... ريحان: ريح صبا وريح دبور
فلمّا انتهى إلى قوله:
وسفيهة هبّت تصدّ عن النوى ... ويد النوى ملكت عنان مسيري
خافت عليّ من الخطوب لأنّني ... من قبل غبت فأبت بعد دهور
ثم اجتمعنا بعد ذاك فيا لها ... مأسورة جمعت على مأسور!
فلمّا قال هذا استعبر المهديّ وتلقّى عبرته بكمّه، فسكت سعدون فأومأ إليه: أن قل، فمرّ فيها حتى قال:
أعن ابن فاطمة تصدّين امرأ ... بنت النبيّ وعترة التطهير؟ !
كفّي عن التثبيط إنّي زائر ... من أهل بيت الوحي خير مزور
هذا أمير المؤمنين تضعضعت ... لقدومه أركان كلّ أمير
هذا الإمام الفاطميّ، ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور
والشرق ليس لشامه وعراقه ... من مهرب من جيشه المنصور [٢٢٣ ب]
حتّى يفوز من الخلافة بالمنى ... ويفاز منه بعدله المنشور
فقال المهدي: ما شاء الله!
ومرّ فيها إلى أن ذكر أبا عبد الله الشيعيّ فقال:
يا من تخيّر من خيار دعاته ... أرجاهم للعسر والميسور
حتى استمال إليه كلّ قبيلة ... ورمي إليه قياد كلّ عثور
أشبهت موسى، وهو حيّتك التي ... تلقى، فتلقف إفك كلّ سحور
فنظر المهدي إلى أبي عبد الله وتبسّم. فقبّل أبو عبد الله الأرض وقال للورجيلي: «أنا دون ذلك ببعد ما بين السماء والتراب». وأمر المهدي للشاعر بصلة جزيلة، وكانت تجري عليه لكلّ عام، ووصله أبو عبد الله أيضا.
ولم يمت المهدي عبيد الله حتى وصلت دعاته إلى بلاد المشرق، وبعث إليه نصر بن أحمد أمير خراسان (١*) يقول: أنا في خمسين ألف مملوك يطيعونني، وليس على المهديّ لهم كلفة ولا مؤونة، فإن أمرني بالمسير سرت إليه ووقفت بسيفي ومنطقتي بين يديه وامتثلت أمره، وإن أمرني أن أدخل أهل الأرض في طاعته.
وكتب إليه أيضا مرداويج الجبلي بمثل ذلك، وكتب إليه يوسف بن أبي الساج [ ... ]، وأحمد بن صعلوك (٢*) [ ... ] بمثل ذلك، وأنفذوا
стр. 1725
رسلهم مع الأموال إليه. فوقّع على ظهر كتبهم:
الزموا مراكزكم! لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨].
[بعض أخبار المهديّ]
ومن أخباره أنّه لمّا كان مقيما بسجلماسة سمع بغزويه بن يوسف فتطلّعت نفسه إلى رؤيته. فلمّا وصل أبو عبد الله إلى سجلماسة، وفرّ اليسع بأهله وولده، وخرج المهديّ، أمر أبا عبد الله بطلبه فلم يقدر عليه ولا علم أين توجّه، فأمر المهدي بإحضار غزويه: فحضر بين يديه فأعجب به. وكان فيما قال له غزويه: يا مولانا، وقعت في أيدينا من هذا البلد نعم عظيمة، وليس معنا من الظهر ما نحملها عليه، فإن رحل مولانا بقي كلّ ما أفدناه ولم نحصل منه على طائل، وإن أقام أيّاما أرسلنا إلى من يقرب منّا من القبائل فأمّنّاهم واشترينا منهم الجمال وكسبنا من الظهر ما نتّسع به في حمل ما صار إلينا، وننصرف بما أنعم الله علينا، ويرى من ورائنا ما أعطاه الله ببركة أيّامك ويمن دولتك.
فأجابه المهديّ إلى أن يقيم أيّاما. فقال: يا مولانا، إنّ ها هنا رجلا رئيسا له كرم وفيه تشيّع ومحبّة، فلو أذن لي مولانا لكاتبته في [٢٢٤ أ] شراء ما أحتاج إليه من الظهر، وعقدت بيني وبينه مودّة.
قال: ومن هو؟
قال: فلان، مقدّم قومه.
فقال: افعل وائتني بمن ترسل [هـ] إليه لأوصيه.
[شيء من دهائه]
وكان المهدي قد بلغه أنّ اليسع بن مدرار صار إلى هذا الرجل ورفعه إلى قلعة له. فكتب إليه كتابا عن غزويه من غير علمه يرغّبه في المودّة وعقد الأخوّة، ويحضّه في أن يجعل لنفسه من أمير المؤمنين موضعا بالقبض على اليسع وتوجيهه، وأنّه، إن لم يفعل ذلك، خرجت العساكر فأهلكته واستأصلت عشيرته. ووجّه غزويه إلى المهدي رسوله فوصّاه بما أحبّ ودفع إليه الكتاب، وغزويه لا يعلم. فوصل الرسول بالكتابين جميعا: كتاب غزويه بشراء الجمال وما أحبّه من أحواله، والكتاب الثاني الذي دسّه المهديّ. فلمّا وقف الرجل على ذلك قال: «هذه بليّة قد وقعت فيها وامتحنت بها». وكان في ظنّه أنّ أحدا لا يعلم بوصول اليسع إليه. فجمع أهله وشاورهم فقالوا:
«لا تكسبنا عداوة المشارقة (١*)، فإنّه لا طاقة لنا بهم». فردّ الجواب بأن يصل من يتسلّم اليسع وأهله وولده. فدعا المهديّ بأبي عبد الله فقال له:
ما تجعل لمن دلّك على اليسع؟
فقال: كلّ ما عندي يا مولانا، وما أملك إلّا نفسي، فإن ملّكني مولاي نفسي جعلتها لمن دلّني عليه وأوقعه في يدي.
فأطلعه على الكتاب فسجد بين يديه شكرا لله تعالى. فأمره أن يبعث من يختاره فبعث أبا مديني ولهيصة.
قال المهدي: «تبيّنت في أبي عبد الله من غير أن يظهر به قولا ولا فعلا، كراهية لأمر غزويه، وإن يكن بلغ منّا هذه المنزلة». وبيّن ذلك أنّ أبا العبّاس جعل يقول: «هذا جزاؤنا، فعلنا
стр. 1726
وصنعنا»، وأكثر مثل هذا بحضرة المهديّ حتى أغضبه وقال له: «اخرج، فلا أقام الله دولة تقيمها أنت وأخوك! ».
فقال أبو عبد الله: وقد بلغت منه حتى أحوجته إلى هذا الكلام إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: ١٥٦].
وحضر المائدة من ذلك اليوم وقد تغيّر وجهه ولونه، وظهر عليه ما حرّكه به أبو العبّاس.
[المهديّ والقرامطة]
وذكر القرطيّ (١) في تاريخه أنّ المهدي كتب إلى القرامطة: «وأنا أحلف، أيّها المؤمنون، بأجلّ ما يحلف به، أنّ فيما تلقّيته ممّا أطلعنا الله عليه من غيبه الذي استأثر به وآثر بعلمه أولياءه الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٣٨]، أنّه لا بدّ أن تحلّ ولا يتنا بخضراء بني أميّة بالشام وزوراء بني العبّاس بالعراق، ويكون لنا من الخلفاء مثل ما كان لبني أميّة في العدد». (قال) فقد والله كان جميع ما ذكره.
ووقّع المهديّ لقاضي قضاته [ابن] أبي المنهال، وقد أعاده إلى القضاء بعد عزله: إنّما عزلتك للينك ومهانتك، ورددتك لدينك وأمانتك.
وكتب عبيد الله إلى سعيد بن صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور صاحب مدينتي نكور وتمسيامان من بلاد المغرب يدعوه لطاعته، وكتب في أسفل كتابه [الطويل]:
فإن تستقيموا أستقم لصلاحكم ... وإن تعدلوا عنّي أر قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملؤها قتلا (١*)
١٥٢٩ - أبو نصر السجزيّ [- ٤٤٤] (٢*)
[٢٢٥ ب] عبيد [الله] بن سعيد بن حاتم بن أحمد بن محمد بن علويّة بن سهل بن عيسى بن طلحة، أبو نصر، الوائليّ، من بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، السجستاني، السجزيّ.
أحد الحفّاظ المتقنين. سمع بخراسان ومكّة ومصر والبصرة والعراق الكثير.
стр. 1727
وجاور بمكّة حتى مات.
١٥٣٠ - عبيدة بن عبد الرحمن السّلميّ والي إفريقيّة [- بعد ١١٦] (١)
[٢٢٦ أ] عبيدة بن عبد الرحمن بن حكيم بن أميّة ابن حارثة بن الأوقص، الذكوانيّ، السلميّ.
وهو ابن أخي أبي الأعور السلميّ. ونسب نسبا هو أصحّ من هذا، فقيل: هو عبيدة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الأعور السلميّ- واسمه عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعيد بن فائض بن الأوقص بن مرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان.
من أهل دمشق. ولي أذربيجان في خلافة عمر بن عبد العزيز. حدّث بمصر. روى عنه بكر بن سوادة وعبد العزيز بن يحيى بن ديسان وولّاه هشام بن عبد الملك بن مروان إفريقيّة والأندلس في صفر سنة عشر ومائة- وقيل في المحرّم منها. فمضى إلى إفريقيّة. وأغزى فيها عثمان بن أبي عبيدة بن عقبة البحر، فخرج بصقليّة. وعقد لأخيه حبيب بن أبي عبيدة على سبعمائة فلقوه وأسر بطريقهم وهزمهم الله.
وأخرج في سنة إحدى عشرة من إفريقيّة المستنير بن الحبحاب الحرشيّ غازيا إلى صقليّة في ثمانين ومائة مركب، فحاصرهم وهجم [ ... ] بريح طيّبة [ ... ] حتّى نجح. فجاءت ريح عاصف فغرّقت مراكبهم فلم يسلم منها إلّا سبعة عشر مركبا. ووقع المركب الذي كان فيه المستنير إلى ساحل إطرابلس. فكتب عبيدة إلى عامله على إطرابلس يزيد بن مسلم الكنديّ يأمره أن يشدّه
وثاقا ويبعث معه ثقة. فبعث به في وثاق. فلمّا قدم عليه جلده حدّا وجيعا وطاف به القيروان على أتان، ثمّ جعل يضربه في كلّ جمعة مرّة: وذلك أنّ المستنير أقام بأرض الروم حتّى برك عليه الشتاء واشتدّت أمواج البحر وعواصفه. فلم يزل محبوسا عنده.
وأغزى في سنة ثنتي عشرة ومائة ثابت بن خثعم من أهل الأردنّ صقليّة، فأصاب سبايا وغنائم وسلم.
وأغزى في سنة أربع عشرة من إفريقيّة عبد الملك بن قطن صقليّة، فغنم وسلم.
وأغزى أيضا عبد الله بن زياد الأنصاري سردانية فغنم وسلم.
وفي سنة خمس عشرة أغزى من إفريقيّة بكر بن سويد فأتى صقليّة فلقيه الروم فرموا مراكبه بالنار.
وكان عبيدة قد ولّى عبد الرحمن بن عبد الله العكّي على الأندلس وكان رجلا صالحا، فغزا إفرنجة وهم أقاصي عدوّ الأندلس، فغنم غنائم كبيرة وظفر بهم. وكان فيما أصاب رجل من ذهب مفضّضة بالدرّ والياقوت فأمر بها فكسرت ثمّ أخرج الخمس وقسم سائر ذلك في المسلمين الذين كانوا معه. فبلغ ذلك عبيدة فغضب غضبا شديدا وكتب إليه كتابا يتوعّده فيه فكتب إليه عبد الرحمن: «إنّ السّماوات والأرض لو كانتا رتقا لجعل الرّحمن للمتّقين منها مخرجا». ثم خرج إليهم أيضا غازيا فاستشهد وعامّة أصحابه في سنة خمس عشرة ومائة.
فولّى عبيدة بعده على الأندلس عبد الملك بن قطن.
ثم خرج عبيدة إلى هشام بن عبد الملك وخرج معه بهدايا وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة
стр. 1728
وقيل: خمس عشرة. وكان فيما خرج به العبيد، والإماء، ومن الجواري المتخيّرة سبعمائة جارية، وغير ذلك من الخصيان والخيل والدوابّ والذهب والفضّة والآنية.
واستخلف على إفريقيّة حين خرج عقبة بن قدامة التجيبي. فقدم على هشام بهداياه واستعفاه فأعفاه، وولّى عبيد الله بن الحبحاب.
وقيل: كانت ولاية عبيد الله بن الحبحاب بعده في سنة ستّ عشرة ومائة.
وذكر في كتاب الذخائر والتحف (١) أنّ في جملة ما قدم به عبيدة بن عبد الرحمن القيسيّ والي إفريقيّة إلى هشام بن عبد الملك من هداياه في سنة أربع عشرة ومائة عشرون ألف عبد [٢٢٦ ب] وأمة ومن صفايا الجواري المتخيّرة سبعمائة جارية، ومثل ذلك من الخصيان المروّقة، ومن الخيل والدوابّ والذهب والفضّة والآنية ما لا يحصى كثرة (٢).
١٥٣١ - ابن سليم الأسوانيّ مؤرّخ النوبة [- بعد ٣٦٥]
[٢٢٧ أ] عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني.
بعثه القائد جوهر بكتابه إلى قيرقي (٣) متملّك
النوبة يعرض عليه فيه الإسلام ويستأدي منه ما عليه من البقط (١*). فدعاه إلى الإسلام بحضرة شاهدين أخرجا معه. فكبر ذلك عليه، وجمع علماءه وأساقفته (٢*)، وأحضر ابن سليم للمناظرة، وقرأ عليه كتابا جوابا عن الكتاب الوارد معه، يدعو جوهرا إلى النصرانيّة ويحتجّ فيه كما احتجّ عليه بنسخ الشرائع، فطالت بينهما المناظرة.
ثمّ عاد إلى ذكر طاعته وموالاة أبيه وأخيه من قبل. فأعلمه ابن سليم أنّ هذا الذي دعي إليه يوجب الشّكر عليه لأنّه اختار له ما اختاره لنفسه، ويجب أن يحمد الله على ما أولاه من إبقائه على ملكه، لأنّ الإسلام لمّا ظهر أزال ملوكا كبارا من الأكاسرة وغيرهم، وأقربها إليه أرض مصر، فأيّها أكبر: ملك مصر أو ملكك؟
فقال له: أمّا في الحال والمال فمصر. وأمّا الرجال فنحن أكثر عددا ومددا.
فقال: إن احتججت عليك بأنّ رجال مصر أكثر من رجالك ظلمتك في الاحتجاج لأنّك تقول لي:
قد رأيت رجال مصر. وأمّا رجالي وعامّتهم وما ورائي من البلد الفلانيّ والفلانيّ فلم ترهم. غير أنّي أحتجّ عليك بما لا يمكنك دفعه: هل تعلم أنّ في الدنيا درجة فوق الملك؟
стр. 1729
قال: لا.
قال: فإنّ ملك مصر بعث الله إليه موسى وهارون أجلّ الرسل يقول لفرعون: أنت ملك.
فيأبى عليه ويقول: بل أنا إله. فما ظنّك بملك يبلغ طغيانه إلى الخروج إلى هذا؟ وقد أزاله المسلمون وملكوا أكثر كراسيّ النصرانيّة مثل الإسكندريّة وبيت المقدس وأنطاكية وغير ذلك من البلدان والأمصار، فيجب أن تحمد الله على ما أعطاك، وتشكره على ما خوّلك، وبقّاه عليك من نعمه، عندك، وورّثك من تيجان أسلافك.
ففعل ذلك وأكثر التذلّل لله والثناء عليه.
وصنّف كتاب «أخبار النوبة والمقرّة وعلوة والبجة والنيل ومن عليه ومن قرب منه» (١) من غيرهم للعزيز بالله أبي منصور ابن المعزّ لدين الله، وقدّمه إليه وفيه فوائد كثيرة. وذكر فيه أنّه حصل عيد الأضحى وهو عند ملك النوبة، فخرج إلى ظاهر المدينة في نحو ستّين من المسلمين، ونشر بندين عليهما اسم المعزّ لدين الله وضرب الطبل والبوق وصلّى بالجماعة صلاة العيد، فأحبّ أولياء الملك من صاحبهم الإنكار عليه فأبى عليه وقال:
هذا رجل فارق [٢٢٧ ب] أهله ووطنه، وهو يوم سرور يريد أن يتجمّل بفعله هذا فلا أبخل عليه به (٢).
١٥٣٢ - بدر الدين الحمولي قاضي القدس [- ٦٤٥]
عبد الله بن إدريس بن محمد، الحمولي، الشافعيّ، بدر الدين، أبو الفتح.
كان فاضلا مباركا. ولي قضاء القدس ثمّ انفصل عنه وعاد إلى مصر وإلى أسيوط. وبها مات في رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة.
١٥٣٣ - ابن الدهّان [٥٥٢ - ٥٨١] (١*)
[٢٢٨ أ] عبد الله بن أسعد بن عليّ بن عيسى بن عليّ، الإمام العلّامة، مهذّب الدين، أبو الفرج، ابن الدهّان، الموصليّ، نزيل حمص، الفقيه الشافعيّ.
كان فقيها فاضلا، أديبا شاعرا، لطيف الشعر، مليح السبك، حسن المقاصد. غلب عليه الشعر واشتهر به، وله ديوان شعر صغير كلّه جيّد.
وضاقت به الحال في الموصل فعزم على قصد الصالح طلائع بن رزّيك سلطان مصر فضاقت يده عن حمل زوجته معه، فكتب إلى الشريف ضياء الدين أبي عبد الله زيد بن محمد بن محمد بن عبيد الله الحسنيّ نقيب العلويّين بالموصل [البسيط]:
وذات شجو أسال البين عبرتها ... باتت تؤمّل بالتفنيد إمساكي
لجّت فلمّا رأتني لا أصيخ لها ... بكت فأقرح قلبي جفنها الباكي
قالت وقد رأت الإجمال محدجة ... والبين قد جمع المشكوّ والشاكي
стр. 1730
من لي إذا غبت في ذا المحل؟ قلت لها: ... الله وابن عبيد الله مولاك
لا تجزعي بانحباس الغيث عنك فقد ... سألت نوء الثريّا جود مغناك
فتكفّل الشريف لزوجته بجميع ما تحتاج إليه مدّة غيبته عنها. فسار إلى مصر ومدح الصالح. ثمّ تنقّلت به الأحوال وأقام بحمص ودرّس بها.
ولمّا وصل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب إلى حمص مدحه بقصيد [ة] منها [الكامل]:
ما نام بعد البين يستحلي الكرى ... إلّا ليطرقه الخيال إذا سرى
كلف بقربكم فلمّا عاقه ... بعد المدى سلك الطريق الأقصرا
منها:
تردي الكتائب كتبه فإذا غدت ... لم أدر أنفذ أسطرا أم عسكرا
لم يحسن الإتراب فوق سطورها ... إلّا لأنّ الجيش يعقد عثيرا
مدح الملوك فرى (١) ويؤسف يوسف ... ما مدحه الوافي حديثا يفترى
وكان القاضي الفاضل في المجلس وقت الإنشاد فقال للسلطان: يا مولانا، هذا الشاعر مدح الصالح بن رزّيك بقصيدة يقول فيها [البسيط]:
أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم ... والشعر ما زال عند التّرك متروكا؟
فاشتهى (٢) مولانا يكذّبه ويصدّق أمله، فعجّل له السلطان بالجائزة وأحسن إليه.
وتوفّي بحمص في سنة إحدى- وقيل اثنتين-
وثمانين وخمسمائة، وقد قارب ستّين سنة.
ومن غريب الاتّفاق أنّه اجتمع بمدينة حلب المهذّب عبد الله بن أسعد بن الدهّان وأبو العلاء [٢٢٨ ب] المحسن بن الحسين بن أبي الندى المعرّي التنوخي فتذاكرا أنّ الأراك يستاك به وأنّ العود مع طيب رائحته يلقى في النار، فمضى كلّ منهما إلى منزله وعمل في هذا المعنى بيتين، واجتمعا من الغد بجامع حلب فأنشد ابن أبي الندى [البسيط]:
لا غرو إن كان من دوني يفوز بكم ... وأنثني عنكم بالويل والحرب:
يدنى الأراك فيضحي وهو ملتثم ... ثغر الفتاة ويلقى العود في اللهب
فلمّا فرغ من إنشاده أخرج ابن أسعد من عمامته رقعة فيها:
لا غرو إن كان من دوني يفوز بكم ... وأنثني عنكم بالويل والعار
يدنى الأراك فيضحي وهو ملتثم ... ثغر الفتاة، ويلقى العود في النار!
وهذا من أعجب التوارد على اللفظ والمعنى.
١٥٣٤ - أبو طالب الأزجيّ البغداديّ [- ٦٣٤] (١*)
[٢٢٩ أ] عبد الله بن إسماعيل بن علي بن الحسين، أبو طالب، ابن أبي محمد، ابن أبي الحسن، ابن أبي عبد الله، البغدادي، الأزجي، الفقيه الحنبليّ، الواعظ، المعروف والده ب «غلام ابن المنى».
كان والده أحد الفقهاء العارفين بمذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
وسمع عبد الله هذا من أبي الفرج عبد
стр. 1731
المنعم بن عبد الوهّاب بن كليب الحرّاني، وقرأ المذهب والخلاف، واشتغل بالوعظ وناظر ووعظ بدمشق، وقدم مصر ووعظ بها مدّة بالجامع الأزهر، ثمّ خرج عنها وحدّث ببغداد، وبها مات في يوم الاثنين الثاني والعشرين من شعبان سنة أربع وثلاثين وستّمائة وقد قارب الخمسين. ومن شعره [رجز]:
يا ليلتي بالأثلاث عودي ... أو لمريض بالصدود عودي
ما نسمت من حاجر نسيمة ... إلّا انتشقنا أرجا من عود
ولا جرى حديث نجد في الحمى ... إلّا ظننّا نغمات عود
يا ميّ هل ترجع أيّام مضت ... برامة وتنجزي وعودي (١)
أما ترقّي لكئيب ساهر ... متيّم في حبّكم قد عود (ي)
يهتزّ إن ناح الحمام بسحرة ... على الأراك كاهتزاز عود
١٥٣٥ - أبو محمد الكنانيّ [- ٥٧٦]
[٢٢٩ ب] عبد الله بن إسماعيل بن أبي بكر، الكناني، [ ... ]، أبو محمد.
مات [سنة] ستّ وسبعين وخمسمائة.
١٥٣٦ - ابن عبد الظاهر صاحب سيرة الظاهر [٦٢٠ - ٦٩٢] (٢)
[٢٣٠ أ] عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن نجدة، محيي الدين، أبو الفضل، ابن المقرئ رشيد الدين، الجذاميّ، السعديّ
الرّوحيّ، من ولد روح بن زنباع الجذاميّ.
ولد في المحرّم سنة عشرين وستّمائة. وسمع من جعفر الهمدانيّ، وعبد الله بن إسماعيل بن رمضان، ويوسف ابن المخيليّ، في آخرين. وكتب عنه البرزاليّ، والفتح ابن سيّد الناس، وأثير الدين أبو حيّان، وجماعة. وبرع في كتابة قلم الرقاع. وفاق في النثر وصار شيخ أهل الترسّل في طريق [القاضي] الفاضل عبد الرحيم. وجوّد ما شاء في النظم، ومقاطيعه أحسن من قصائده [ ... ] (١*).
وتوفّي يوم الخميس ثالث شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وستّمائة بالقاهرة، ودفن بتربته من القرافة بجوار جامعه الذي أنشأه بها [٢٣٠ ب].
ومن شعره قوله في شبابه [الطويل]:
وناطقة بالنفح من روح ربّها ... تعبّر عمّا عندنا وتترجم
سكتنا وقالت للقلوب فأسمعت ... «فنحن سكوت والهوى يتكلّم» (٢*)
وقال [الوافر]:
ذباب السيف من لحظ إليه ... لأخضر صدغه بعض انتساب
ولا عجب إذا ما قيل هذا ... له صدغ زمرّده ذبابي (٣*)
وقال [الكامل]:
كم قلت لمّا بتّ أرشف ريقه ... وأرى نقيّ الدرّ ثغرا منتقى
стр. 1732
بالله يا ذاك اللمى متروّيا ... كرّر عليّ حديث جيران النّقا
وقال [الخفيف]:
لي غزال يغزو الورى بجفون ... كلّ يوم سيوفها مشهورة
عجبا من لحاظها كيف حتى ... هزمتنا مع أنّها مكسورة
وقال [الكامل]:
شكرا لنسمة أرضهم ... كم بلّغت عنّي تحيّة
كم قد أطالت بل أطا ... بت في رسائلنا الخفيّة
لا غرو إن حفظت أحا ... ديث الهوى فهي الذكيّة
١٥٣٧ - عبد الله بن عبد الملك بن مروان [٦٠ - بعد ٩٠] (١) [أمير مصر]
[٢٣١ أ] عبد الله بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ، الأمويّ، أبو [عمر] (٢)، أحد أمراء مصر.
[مؤازرته الحجّاج على ابن الأشعث]
بعثه أبوه أمير المؤمنين أبو الوليد عبد الملك بن مروان من دمشق إلى العراق في سنة اثنتين وثمانين، وقد خلعه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس وغلب على الكوفة وقاتل الحجّاج بن يوسف قتالا شديدا، وبعث معه أخاه
محمد بن مروان في جند كثيف ليعرضا على أهل العراق عزل الحجّاج عنهم، وأن يجري عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن محمد أيّ بلد شاء من العراق، فإذا نزل كان واليا عليه ما دام حيّا وعبد الملك خليفة، فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجّاج عنهم، وصار محمد بن مروان أمير العراق. وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجّاج أمير الجماعة ووالي القتال، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته.
فقدما على الحجّاج، وخرج عبد الله بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق، أنا ابن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا.
وخرج محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا.
فلم يرضوا بذلك، وأعادوا خلع عبد الملك خلعا ثانيا. فقال عبد الله ومحمد للحجّاج: شأنك وعسكرك وجندك! واعمل برأيك، فقد أمرنا باتّباعك، وأن نسمع لك ونطيع.
فكانا يسلّمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة. وشهدا وقعة دير الجماجم. فلمّا انهزم ابن الأشعث عاد عبد الله إلى الشام وغزا الروم سنة ثلاث وثمانين وفتح طرندة (١*) وأسكن فيها عدّة من المسلمين. ثمّ غزا سنة أربع وثمانين ففتح المصيصة وبنى حصنها ووضع فيها ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس، فكان أوّل من أنزل فيها المسلمين. وبنى أيضا مسجدها.
стр. 1733
[ولايته مصر]
ثمّ ولّاه أبوه مصر بعد موت عبد العزيز بن مروان، وجعل إليه الصلاة والخراج معا، فدخل الفسطاط يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ستّ وثمانين، وهو يومئذ ابن سبع (١) وعشرين سنة، وقد تقدّم إليه أبوه أن يعفّي (٢) آثار عمّه عبد العزيز. فاستبدل بالعمّال وبالأصحاب. ونقل عبد الرحمن بن معاوية بن حديج إلى الإسكندريّة، وجعل على الشرط عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة (٣)، وجمع له القضاء والشرط.
وتوفّي عبد الملك بن مروان في شوّال من سنة [٨٦] وبويع بعده ابنه الوليد بن عبد الملك، فأقرّ [٢٣١ ب] أخاه عبد الله على صلاة مصر وخراجها.
وأمر عبد الله بالدواوين فنسخت بالعربيّة، وكانت قبل ذلك بالقبطيّة، وصرف أشناس (٤) عن الديوان وجعل عليه ابن يربوع الفزاري (٥). ومنع أيضا من لبس البرانس وذلك في سنة سبع وثمانين.
وفي أيّامه غلت الأسعار بمصر فتشاءم الناس به لأنّها أوّل شدّة رأوها بمصر، ورموه بأنّه ارتشى وكثروا عليه القول وسمّوه مكيس (٦).
ووفد عبد الله إلى أخيه الوليد في صفر سنة ثمان وثمانين، واستخلف على الفسطاط عبد الرحمن بن عمرو بن قحزم (٧)، والناس يومئذ في
شدّة عظيمة. فقال زرعة بن سعد الله بن أبي زمزمة الخشنيّ يهجو عبد الله [الطويل]:
إذا سار عبد الله من مصر خارجا ... فلا رجعت تلك البغال الخوارج!
أتى مصر والمكيال واف مغربل ... فما سار حتّى سار والمدّ فالج
طويل القميص فاحش عند رجله ... دقيق القصيرى مخدجيّ حدارج (١*)
وصرف عبد الله عن الشرط والقضاء عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة في صفر سنة تسع وثمانين، وجعل مكانه على الشرط عبد الأعلى ابن خالد بن ثابت الفهميّ، وعلى القضاء عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج.
وأمر بسقف الجامع فرفع وكان مطأطأ (٢*).
[مخاصمته موسى بن نصير]
وكان موسى بن نصير (٣*) يكاتب عبد العزيز بن مروان، فلمّا مات وولي عبد الله مصر بعده لم يكاتبه وكاتب عبد الملك بن مروان، فكتب إليه عبد الله:
أمّا بعد، فإنّك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين يقلّك من الحضيض مهودهما (٤*) ويدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسك، فلا تحسبنّي كمن كنت تخلّيه وأعداء بيته، وتقول
стр. 1734
اكفياني أكفكما، ولا كأصيلع كنت تمنّيه بكهانتك! وايم الله لأضعنّ منك ما رفعا، ولأقلّنّ منك ما كثّرا! فضحّ رويدا وكأن قد أصبحت سادما، تعضّ أنا ملك نادما، والسلام.
فكتب إليه موسى بن نصير: أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمّيك، ولعمرك إن كنت لذلك أهلا، ولو خبرت منّي ما خبرا لما صغّرت منّي ما عظّما، ولا جهلت من أمرنا ما علما، وكيف أتاه الله لك. فأمّا انتقاصك لهما فهما لك وأنت منهما، ولهما منك ناصر. ولو قال وجد عليك مقالا، وكفاك جزاء العاقّ. [٢٣٢ أ] فأمّا ما نلت من عرضي فذلك موهوب لحقّ أمير المؤمنين لا لك. وأمّا تهدّدك إيّاي بأنّك واضع منّي ما رفعا، فليس ذلك بيدك ولا إليك، فأرعد وأبرق لغيري! وأمّا ما ذكرت ممّا كنت آتي به عمّك عبد العزيز، فلعمري إنّي ممّا نسبت إليه من الكهانة لبعيد، وإنّي من غيرها من العلم لقريب، فعلى رسلك، وكأن قد أطلّك البدر الطالع والسيف القاطع والشهاب الساطع، فقد تمّ لك؟ وتمّت له، ثمّ بعث إليك الأعرابيّ الجلف فلم تشعر حتّى يحلّ بعقوتك فيستلبك سلطانك ولا يعود إليك ولا تعود إليه، فيومئذ تعلم أكاهن أنا أم عالم، وتوقن أيّنا النادم السادم، والسلام.
فلمّا قرأ عبد الله الكتاب، كتب إلى عبد الملك ابن مروان كتابا، وأدرج فيه كتاب موسى، فلم يصل إلى عبد الملك حتى قبض. ووقع الكتاب في يد الوليد بعد عزل عبد الله عن مصر وولاية قرّة بن شريك (١). فلمّا قرأه استضحك ثمّ قال: لله درّه! إن كان عنده لأثرة من علم، ولقد كان عبد الله غنيّا أن يتعرّضه.
[عزله عن مصر]
ثم إنّ يحيى بن حنظلة نزّه عبد الله إلى أبي النحرس (١*) بالجيزة- وقيل: إلى أوسيم. فلمّا متع النهار (٢*) أقبل قرّة بن شريك واليا على مصر (٣*).
فكتب إليه عبد الأعلى بن خالد يعلمه، فأتاه الخبر، وقد أهديت له جارية فبكى، ولبس خفّيه قبل سراويله دهشا، ولبس سراويله مقلوبا.
وكانت ولايته على مصر سنتين وعشرة أشهر (٤*).
ويقال إنّ الذي أضاف عبد الله رجل من القبط بناحية وسيم. فلمّا تناهى في الوليمة بعث إلى عبد الله أن شرّفني بحلولك عندي فأبى عليه.
فجاءه وقال: عزمت عليك وتعبت فلا تخجلني!
فقال: لا أفعل.
قال: هذه مائة ألف دينار، خذها وانصرف معي لأكبت أعدائي بحضورك عندي.
قال: هاتها!
فأحضرها. فلمّا قبضها ركب معه في جنده إلى أن أتى المعدّية [ف] قدّم أصحابه كلّهم بين يديه فعدّوا النيل وهو واقف. فأتاه خبر عزله، فأعاد المال على القبطيّ وقال: قد عزلنا.
فقال: والله لا بدّ أن تكون ضيفي وتشرّف منزلي وتأكل طعامي! وو الله لا عاد لي شيء من المال! ودعك منصرفا؟
فعدّى معه (٥*).
стр. 1735
والذي عليه المعوّل أنّ العزل أتى عبد الله وهو في الضيافة. وكتب رجل إلى الوليد [الخفيف]:
عجبا ما عجبت حين أتانا ... أن قد امّرت قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنّا ... ثمّ فيّلت فيه رأي أبيك (١)
[٢٣٢ ب] وأخذ عبد الله في الخروج عن مصر، وبرز بكلّ ما يملكه وسار إلى الأردنّ. فأتته رسل الوليد فأخذوا كلّ ما كان معه.
[صور من عسفه في الولاية]
ولمّا ولي مصر أمر بفرس من حديد فصنع بالجزيرة. وجعل على ظهره مسالّ كمسالّ الكتّان. فلمّا أتى به غطّي. ثم أذن لكبار القبط فدخلوا عليه. ثمّ أمر بالفرس فكشف فقال: كيف ترون هذا؟
قال أبو قير صاحب تنيس: نرى فرسا جائعا وله عندنا علف.
قال: فشأنكم!
فلمّا خرجوا قال لهم أبو قير: هذا ابن ملك العرب الأعظم قد شخص إلى ما في أيديكم، فتعطونه طائعين خير وأبقى من أن يأخذها وأنتم كارهون، فليهد كلّ رجل منكم على قدر ما عنده!
ففعلوا، وبعث إليه بثلاثين وصيف [ا] يحملون ثلاثين طبقا في كلّ طبق ألف دينار منثورة، عليها الحبق والياسمين. فدخل بها رسوله عليه، فقال:
ما هذا؟
فأعلمه [و] قال: فهم لك وما معهم (٢).
فأدنى طبقا منها فرأى وبيص (١*) الدنانير، فأمر بقبضها.
وكان داود صاحب الفيّوم قد تخلّف. فنعاه مينا بهنمويه صاحب قرى أهناس فقال: حبسه الضغن والاستخفاف بك. ولك عليّ خمسة آلاف دينار على أن تمكّنني منه.
قال: احملها!
ففعل. فقال أبو قير: هذا قد سبّب لهذا المال أمرا إن يطعمه أتى على أنفسكم، فاحملوا له هذه الخمسة آلاف وردّوه عنه!
فدخل عليه فقال: إنّ داود صاحب الفيّوم إنّما تخلّف ليجمع للأمير ما يجب جمعه من طرائفه وهداياه. ولسنا نردّ الأمير عن رغبة أشرفت له.
وهذه الخمسة آلاف عليّ، على أن يعفيه من مينا بهنمويه.
قال: احملوها!
وكتب بعافيته. فقدم رسول مينا عتمة فأخذ داود فقرفصه (٢*) ثمّ طرحه في بئر.
وأتى رسول العافية ضحى فوجده قد مات.
١٥٣٨ - أبو محمد الحسينيّ [- ٣٦٣]
[٢٣٣ أ] عبد الله بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى ابن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أخو أبي جعفر مسلّم (٣*) الحسيني، أبو محمد.
وأنفذه كافور على جيش كبير في يوم عرفة سنة
стр. 1736
أربع وخمسين وثلاثمائة ليخلّص من بني سليم ما أخذوا للحاجّ. فسار إلى تبوك، ولم يقدر على بني سليم، وعاد في المحرّم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وقد ظفر بمال ممّا أخذ للتجّار فأودعه بزقاق القناديل (١) في مصر.
وخرج إلى الرملة في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وقد فوّض إليه الأستاذ كافور الإخشيديّ تدبير الشام. فمات كافور في جمادى الأولى منها. وكتب الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات إليه، يأمره بالاجتماع مع الحسن بن عبيد الله بن طغج أمير الرملة ويعقد عليه البيعة لأبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد محمد بن طغج بمحضر من القضاة والعلماء والشهود، ففعل ذلك. فامتنع عليه الحسن بن عبيد الله، ثم أجاب على أنّه يجتمع مع ثمال العقيلي، فأجابه عبد الله إلى ذلك. ومضى عبد الله إلى ثمال فدخل ثمال إلى الرملة فحاربا الحسن بن عبيد الله فحاربهما وهزمهما. فحكي عن عبد الله أنّه دعا إلى نفسه وتسمّى بالمهديّ.
فلمّا قدمت القرامطة صار إليهم، إلى أن قدم المعزّ إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة، وسار القرامطة لحربه، وهو معهم. فشكاه المعزّ إلى أخيه أبي جعفر مسلّم، وكتب إليه مع أبي جعفر أحمد بن نصر لصداقة كانت بينه وبين عبد الله. وكان القرمطيّ قد بعثه إلى الصعيد فنزل بنواحي أسيوط وأخميم وحاصر عليّ بن غفيانان وحاربه واستخرج الأموال. فثقل ذلك على المعزّ وعاتب الشريف مسلّم فاعتذر إليه
وتبرّأ من أخيه عبد الله.
وأوغل عبد الله في الصعيد وقتل جماعة من المغاربة وأسر كثيرا، ثمّ عاد إلى إخميم. فبلغه هزيمة الجيش القرمطيّ بظاهر القاهرة. [ف] ركب البحر إلى عينونا (١*) ومضى إلى الحجاز فنزل المدينة. ثمّ خاف فسار إلى الأحساء ولحق بالقرامطة يستنهضهم لحرب المعزّ، فلم يجد فيهم قوّة لذلك. فتركهم وسار إلى العراق، فبعثوا في إثره ابن سنبر (٢*) فسمّه في لبن بموضع يقال له الجعفريّة (٣*) على ميلين من البصرة، فقام مائتي مجلس في ليلة ومات في موضعه. فغسّل وكفّن وحمل إلى البصرة وصلّى عليه ودفن بها. ثمّ حمل إلى المدينة.
وكان موته في سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة (٤*).
١٥٣٩ - صفيّ الدين العسقلانيّ [- ٧٣١]
[٢٣٣ ب] عبد الله بن عبد الله بن إبراهيم بن هبة
стр. 1737
الله، العسقلانيّ الأصل، عفيف الدين، ابن أبي [ ... ]، صفيّ الدين.
ولد بمصر ثم تحوّل إلى دمشق فرتّب في شهّاد [ ... ] فكان في غاية التحرّي. شهد في الله بغير أجرة ولا هديّة.
... ثامن عشر المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.
١٥٤٠ - ابن أبي مليكة [- ١١٧] (١)
[٢٣٤ أ] عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة [زهير] بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرّة، التّيميّ، المكّي، أبو بكر، ويقال: أبو محمّد.
يروي عن عائشة، وأمّ سلمة، وأسماء، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمرو، وعقبة بن الحارث، والمسور بن مخرمة، وأبي محذورة، وعبد الله بن جعفر (٢)، وعلقمة بن وقّاص، وطائفة.
وأرسل (٣) عن عثمان وطلحة.
وروى عنه ابنه يحيى، وابن أخيه عبد الرحمن ابن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح (٤) مع تقدّمه، وعمرو بن دينار، وابن جريج، وعبد الواحد بن أيمن، وعثمان بن الأسود، ونافع بن عمر
الجمحيّ، وأيّوب السختياني (١*)، وجرير بن حازم، وعبد الجبّار بن الورد، وأبو هلال محمد بن سليم، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة (٢*)، وخلق.
وثّقه أبو زرعة وأبو حاتم (٣*).
وكان مؤذّن عبد الله بن الزبير وقاضيه على الطائف.
وقدم مصر.
وقال ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت يقول:
ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا! ألا ليتني كنابتة من الأرض أو كراعي ثلّة في طرف الحجاز من بني نصر بن معاوية أو بني سعد بن بكر! (٤*).
وتوفّي سنة سبع عشرة ومائة.
١٥٤١ - العلم ابن كريم الدين الكبير [- ٧٣٩] (٥*)
[٢٣٤ ب] عبد الله بن عبد الكريم بن هبة الله، علم الدين، ابن [ ... ] أبي الفضائل، ابن العلم السديد.
كان أبوه (٦*) ناظر الخواصّ للسلطان [محمد بن قلاوون] ولمّا [ ... ] ذكره و [ ... ] كبر ابنه في سعادة صحيحة ونعمة طائلة، وتجرّب عن أبيه في الوظيفة وسلك مسلكه في المكارم وسعة العطايا وتألّف النفوس، والترف، وركوب الخيل المسوّمة باللباس المزركش.
стр. 1738
وركب مرّة [إلى] بحيرة دمياط للنزهة ورمي البندق، وصحبته عدّة طيور وجوارح وسائس في البرّ طول الرحيل. فأقام بها يومين بلياليها، فكان مبلغ ما صرف منه من الإنعام والصدقات ستّمائة دينار.
ثمّ نكب مع أبيه. ومات فجأة في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وعليه ديون كثيرة.
١٥٤٢ - الحافظ ابن القطّان المباركيّ [٢٧٧ - ٣٦٥] (١)
[٢٣٥ أ] عبد الله بن عديّ بن عبد الله بن محمد بن المبارك، أبو محمد، الجرجانيّ، المباركيّ، الحافظ، المعروف بابن القطّان، أحد أئمّة أصحاب الحديث والمكثرين منه والجامعين له والرحّالين فيه.
رحل إلى الشام ومصر رحلتين أولاهما سنة سبع وتسعين ومائتين، والثانية سنة خمس وثلاثمائة. فسمع بدمشق محمد بن خريم، وعبد الصمد بن عبد الله بن أبي زيد، وعبد الرحمن بن القاسم بن الدوّاس، وإبراهيم بن دحيم، ومحمد بن يوسف بن ماموية وأحمد بن جوصا في آخرين.
وسمع بحمص أحمد بن أبي الأخيل، والحسين ابن محمد السكوني وجماعة.
وبصيدا محمد بن المعافى بن أبي كريمة.
وبصور أحمد بن بشر بن حبيب الصوري، وأحمد بن صالح التيميّ وغيره.
وبالكوفة أبا العباس بن عقدة وغيره.
وبالبصرة أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره.
وبالعسكر عبدان الأهوازي.
وببغداد أبا محمد بن صاعد، ومحمد بن يحيى بن سليمان.
وبمصر أبا عبد الرحمن النسائي، وعلي بن سعيد الرازي، والقاسم بن عبد الله الإخميميّ، وخلائق سوى هؤلاء.
روى عنه ابن عقدة من شيوخه وأبو سعد الماليني (١*) وجماعة. وكان مصنّفا حافظا ثقة، على لحن فيه.
ومولده يوم السبت غرّة ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين.
وصنّف في معرفة ضعفاء المحدّثين كتاب «الكامل» في ستّين جزءا، قال فيه الدارقطنيّ: فيه كفاية، لا يزاد عليه.
وجمع أحاديث مالك، والأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، وشعبة (٢*)، وإسماعيل بن أبي خالد.
وصنّف على كتاب المزني (٣*) كتاب «الانتصار»، ولم يكن في زمانه مثله.
قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤*): أبو محمد بن عديّ حافظ لا بأس به.
وتوفّي ليلة السبت غرّة جمادى الآخرة سنة خمس وستّين وثلاثمائة.
١٥٤٣ - عبد الله بن عطّاف الأزدي [- ٥٧٢]
[٢٣٥ ب] عبد الله بن عطّاف بن الحسن، أبو
стр. 1739
محمد، الأزدي.
ولد في [ ... ].
سمع أبا عبد الله العزازيّ بالإسكندريّة وأبا بكر الطرطوشيّ وأبا الحجّاج الميورقيّ (١) وأبا الحسين التونسيّ، وحدّث.
وكان صحيح السماع متحرّيا في الرواية فقيها.
توفّي في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
١٥٤٤ - عبد الله بن عقبة بن نافع [- بعد ١١٠]
عبد الله بن عقبة بن نافع الفهريّ، أبو عبيدة.
ولي غزو البحر عدّة سنين، وقفل من القسطنطينيّة في خلافة عمر بن عبد العزيز. ثمّ غزا البحر سنة تسع، ثم غزا الصائفة سنة عشر ومائة (٢).
١٥٤٥ - الوزير ابن شكر [٥٤٨ - ٦٢٢] (٣)
[٢٣٦ أ] عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد الخالق ابن الحسين بن الحسن بن منصور بن إبراهيم بن عمّار بن منصور بن علي، الوزير الصاحب، صفيّ الدين، أبو محمد، ابن القاضي أبي الحسن، الشيبي، الدميريّ، المالكي، المعروف بابن شكر. وابن شكر إنّما هو زوج أمّه القاضي الأعزّ أبو الفوارس مقدام بن أحمد بن شكر، نسب إليه
من أجل أنّه ربّاه صغيرا، فعرف به.
مولده بناحية دميرة (١*) إحد [ى] قرى مصر في تاسع صفر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
[تحصيله العلم]
وتفقّه على الفقيه أبي بكر عتيق البجائي وبه تخرّج. وتفقّه بالإسكندريّة على الإمام شمس الإسلام أبي القاسم مخلوف بن علي بن جادة، وسمع منه، ومن الإمام أبي الطاهر إسماعيل بن مكّي بن عوف الزهريّ، وأبي الطيّب عبد المنعم بن يحيى بن الخلوق الحميري وأبي الحسين محمد بن أحمد ابن أبي نوح النحويّ.
وسمع إنشادا من الحافظ السّلفي. وأجاز له أبو الحسين أحمد بن حمزة بن عليّ السلميّ، وأبو عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحرّانيّ، وأبو محمد عبد الرحمن بن علي بن المسلم اللخميّ، وأبو الفضل إسماعيل بن عليّ بن إبراهيم، وغيره.
وحدّث بدمشق والقاهرة وبرع في الفقه وصنّف فيه مختصرا حفظه عدّة من الناس في مدّة وزارته، فكان من حفظه أكرمه وأنعم عليه وصار إليه منه حظّ وافر. وكان يريد أن يتشبّه في ذلك بالوزير عون الدين بن هبيرة (٢*).
وأوّل ما عرف من نباهته أنّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب لمّا سلّم أمر أسطول مصر إلى أخيه الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب في سنة سبع وثمانين وخمسمائة وأفرد له من الأبواب الديوانيّة الزكاة بديار مصر، وكانت تبلغ في السنة شيئا كبيرا بحيث إنّها ضمّنت بخمسين ألف دينار مصريّة، وأفرد له الحبس الجيوشي
стр. 1740
بالبرّين الشرقيّ والغربيّ، وكان في هذا الحبس عدّة نواح بالجيزة وضواحي القاهرة، منها سفط ونهيا والأميريّة وغير ذلك، وأفرد له النطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ، وساحل السنط (١) والمراكب الديوانيّة، وناحيتي إسنى وطنبذى (٢)، فاستخدم العادل في مباشرة ديوان الأسطول صفيّ الدين هذا، فاشتهر من حينئذ ذكره، وتخصّص بالملك العادل.
[إكثاره من المصادرات]
فلمّا قدّر الله تعالى بأنّ الملك العادل ملك ديار مصر في سنة ستّ وتسعين [٢٣٦ ب] وخمسمائة عظم قدر الصفيّ وولّاه الوزارة بعد الصنيعة ابن النحّال فحلّ عنده محلّ الوزراء الكبار والعلماء المشاورين، وباشر الوزارة بسطوة وجبروت وتعاظم، وصادر كتّاب الدولة واستصفى أموالهم ففرّ منه القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل عبد الرحيم (٣) بن عليّ إلى بغداد وتشفّع بالخليفة الناصر، وأحضر كتابه إلى الملك العادل بالشفاعة فيه. وهرب منه أيضا القاضي علم الدين إسماعيل بن أبي الحجّاج متولّي ديوان الجيش والأسعد ابن مماتي (٤) ناظر الديوان. وصادر بني حمدان وبني الجيّاب وبني الجليس وأكابر الكتّاب
من غير أن يعترض عليه السلطان في شيء ممّا يفعله. ومع ذلك كان يكثر من التجنّى والغضب على السلطان فيحتمله ولا يؤخذاه، إلى أن غضب عليه في سنة خمس وستّمائة، وكان العادل في رأس عين، لإنكار أنكره عليه السلطان.
وخرج فتبعه الملك المنصور صاحب حماة والأمير مجد الدين جهاركس وداروا عليه في بريد رأس عين حتى وجدوه وأتوا به فعفا عنه، ومن حينئذ انحطّت منزلته.
وكان المنصور كثير العناية به، وهو أوّل من مشى إليه من الملوك. ثم إنّه حرد [عليه] (١*) وحلف أنّه لا يباشر فلم تصر له السلطة على ذلك، وصرفه عن الوزارة يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة تسع وستّمائة، وولّى الوزارة عوضا عنه القاضي الأعزّ مجد الدين مقدام بن أحمد بن شكر.
ثمّ أخرج الصفيّ من القاهرة بجميع أمواله وحرمه وغلمانه فخرج، و [كان] نقله على ثلاثين حملا، وشرع أعداؤه في إغراء السلطان به وزيّنوا له أن يأخذ ماله فلم يوافق على ذلك. وسار إلى آمد فأقام بها عند متملّكها الملك الصالح محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق حتى مات العادل في سنة خمس عشرة وستّمائة.
[رجوعه إلى الوزارة]
فاستدعاه الملك الكامل محمد ابن العادل إلى القاهرة، فقدم عليه مستهلّ ذي القعدة منها وهو في نوبة دمياط على مقابلة الفرنج، وقد دعته الضرورة إلى ذلك بعد ما كان يعاديه في أيّام أبيه.
فخرج إلى لقائه بالمنزلة العادليّة وأكرمه، وشكا إليه ما دهمه من موت أبيه ومحاربة الفرنج
стр. 1741
ومخالفة الأمير عماد الدين أحمد ابن المشطوب (١) عليه، مع اضطراب أرض مصر بثورة العربان وكثرة المين والخلاف. فثبّته وقوّى قلبه وتكفّل له بتحصيل الأموال وتدبير الأمور. ففوّض إليه الوزارة في ذي القعدة منها.
وتوجّه إلى القاهرة فباشر على عادته وصادر أرباب الأموال من الكتّاب والتجّار، وقرّر على الأملاك مالا، وجدّد حوادث (٢) عديدة وبعث بالأموال إلى السلطان شيئا بعد شيء فزاد تمكّنه وعظمت مهابته واشتدّت في أعاديه نكايته وتوفّرت مكانته ورتبته بحيث إنّ السلطان لمّا عاد إلى القاهرة بعد انقضاء نوبة الفرنج كان يأتيه إلى داره ويجلس عنده بمنظرة على [٢٣٧ أ] الخليج ويشاوره في مهمّات الدولة. وما زال على هذا إلى أن توفّي وهو وزير في يوم الجمعة الثامن من شعبان سنة اثنتين وعشرين وستّمائة، فدفن برباطه الذي كان بقرب داره، وهو الآن بجوار مدرسته.
وكان بعيد الغور جمّاعا للمال ضابطا له من الإنفاق في غير واجب، قد ملأت مهابته الصدور، وانقاد له على الرغم والرضى الجمهور، وأخمد جمرات الرجال. وأضرم رمادا لم يخطر إيقاده على بال. وبلغ من الرتبة عند الملك الكامل أنّه بعث إليه بابنيه الملك الصالح نجم الدين أيّوب، والملك العادل سيف الدين أبي بكر يوم العيد، فقاما على رأسه وهو جالس، والشعراء تنشده مدائحهم فيه، فزاد القوصيّ (٣) في قصيدته عند ما شاهد الملكين قياما على رأسه [الكامل]:
لو لم تقم في الله حقّ قيامه ... ما كنت تقعد والملوك قيام
وقطع في وزارته الأرزاق المرتّبة على الدولة، ومبلغها في السنة أربعمائة ألف دينار. وتسارع إلى بابه أرباب الحوائج فكانوا يقفون ببابه وتمتلئ الطرقات بهم. وأكثر من يحضر إنّما هو لخوفه منه. وكان يهين الجميع ولا يحفل بشيخ منهم ولا عالم. وأوقع برؤساء مصر وأرباب البيوت بها، وأذلّ عزيزهم وأفقر غنيّهم ومحا آثارهم، وقدّم عدّة من الأراذل في مناصبهم.
[قساوته على نفسه وعلى غيره]
وكان مع ذلك جلدا قويّا حتى إنّه مرض مرّة بدوسنطاريا أزمنت به وقويت بحيث يئس الأطبّاء من حياته، فعند [ما] اشتدّ به الأمر وأشفى على الموت استدعى بعشرة من وجوه الكتّاب كانوا في حبسه وقال لهم: أنتم في راحة وأنا في الألم، كلّا والله لا يكون ذلك!
وأمر بهم فعصروا ونوّع عذابهم فصاروا يصرخون من شدّة العقوبة، وهو يصرخ لما به من الألم الشديد طول الليل إلى الصبح. فلم يمض غير ثلاثة أيّام حتى زال ما به وركب أقوى ما كان.
وكان كثيرا ما يقول: لم يبق في قلبي حسرة إلّا كون ابن البيسانيّ لم يمرّغ شيبته على عتباتي، يعني القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيسانيّ فإنّه مات قبل وزارته.
وكان درّيّ اللون تعلوه حمرة، طلق المحيّا، حلو اللسان، حسن الهيئة، كثير الدهاء مع هوج وخبث في طيش ورعونة مفرطة وحقد لا تخبو ناره [٢٣٧ ب] بحيث ينتقم ويظنّ أنّه ما انتقم فيعود.
وكان لا ينام عن عدوّه ولا يقبل معذرة أحد ويعادي سائر الرؤساء ولا يرضيه من عدوّه إلّا
стр. 1742
إهلاكه وقطع أثره. وإذا انتقم لا يرحم أحدا ولا يبالي بعاقبة. وكان له ولأهله كلمة يروونها ويعملون بها كما يعمل بالأقوال الإلهيّة، وهي:
«إذا كنت دقماق [ا] (١) فلا تكن وتد [ا]! » وكان الواحد منهم يعيد هذه الكلمة في كلّ يوم مرّات ويجعلها حجّة عند انتقامه.
وكان قد استولى على الملك العادل ظاهرا وباطنا وحجب عنه كلّ أحد ولم يمكّن أحدا من الدنوّ منه ولا الوصول إليه، حتى الطبيب والحاجب والفرّاش كان له عليهم أعين فلا يتكلّم أحد منهم بكلمة خوفا منه.
وكان أكبر أغراضه إبادة أرباب البيوت ومحو آثارهم وهدم ديارهم، وتقريب شرار ال [س] فهاء (٢) وسقّاط الناس.
[أعماله المعماريّة]
وكان لا يأخذ من مال السلطان فلسا ولا ألف دينار، ويبالغ في إظهار الأمانة، فإذا لاح له مال عظيم احتجنه. وكان مبلغ إقطاعه في السنة مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. وهو الذي بلّط الجامع الأمويّ بدمشق في سنة إحدى عشرة وستّمائة من مال السلطان الملك العادل، وكان الجامع كلّه حفرا وجورا (٣)، فأعجب الناس بذلك، وأحاط على مصلّى دمشق سورا، وعمل الفوّارة وعمّر جامع المزّة.
وفي آخر عمره عمي فأظهر جلدا عظيما وعدم استكانة بحيث لم يتبيّن عليه العمى، وإذا حضر إليه الأمراء والأكابر وجلسوا على خوانه قال:
قدّموا اللون الفلاني للأمير فلان، واللون الفلانيّ
للصدر فلان، ولون كذا للقاضي فلان، ويبني أموره في معرفة مكان المشار إليه برموز ومقدّمات يكابر فيها دوائر الزمان فيمشي هذا منه على الناس ولا يفطن بعماه.
وكان يتشبّه في ترسّله بالقاضي الفاضل، وفي محاضراته بالوزير عون الدين ابن هبيرة حتى اشتهر عنه ذلك، ولم يكن فيه أهليّة هذا، لكنّه كان من دهاة بني آدم. وكان إذا لحظ إنسانا لا يقنع له إلّا بكثرة الغنى ونهاية الرفعة ويرى مع ذلك أنّه مقصّر. وإذا غضب لا يتأخّر عن قطع دابر من غضب عليه. وكان كثيرا ما ينشد [البسيط]:
إذا وترت امرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا (١*)
وينشد كثيرا [الطويل]:
تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني ... صديقك، إنّ الرأي منك لعازب (٢*)
وأخذه مرة مرض من حمّى قويّة وحدث به النافض (٣*)، وهو في مجلس [٢٣٨ أ] السلطان ينفّذ الأشغال فلم يتأثّر ولا ألقى جنبه إلى الأرض وتمادى في شغله حتى ذهبت.
وكان يتعزّز على الملوك والجبابرة، ويلزم رؤساء الناس وكبراءهم بالوقوف على بابه من نصف الليل ومعهم المشاعل والشموع إلى الصبح، فإذا كان الصباح ركب ولا يراهم ولا يرونه لأنّه عند ما يخرج، إمّا أن يرفع رأسه إلى السماء تيها، وإمّا أن يعرّج على طريق غير طريقهم التي هم بها، وإمّا أن يأمر الجانداريّة (٤*) التي في
стр. 1743
ركابه بضرب الناس وطردهم من طريقه، ويكون الرجل الجليل قد وقف على بابه طول الليل إمّا من أوّله أو من نصفه بغلمانه ودوابّه فيطرد عنه ولا يراه، ومع ذلك لا يجد سبيلا إلى الانقطاع خوفا من الهلاك وسلب المال واستئصال الأهل والأولاد، فيعود من الغد والحال كذلك أبدا.
وكان له بوّاب يأخذ من الناس المال الكثير، ومع الأخذ فإنّه يهينهم إهانة مفرطة. وكان عليه [للصاحب] في كلّ يوم خمسة دنانير عن ثمن فقّاع (١) ديناران وعن ثمن حلوى ثلاثة دنانير، وعليه مع هذا نفقات الغلمان وكسوتهم، وأفضل بعد ذلك مالا صار له منه عدّة ضياع وأملاك.
ولمّا مات الصاحب أوقع السلطان الحوطة على سائر موجوده وقبض على أولاده تاج الدين يوسف، وعزّ الدين محمد، و [ ... ] وسجنهم.
ولمّا عزل الملك العادل صفيّ الدين بن شكر قال مظفّر الأعمى [الخفيف]:
أين حجّابك المطيفون بالبغ ... لة والرافعون فضل الثياب؟
ردّك العزل كالنداء على الما ... ء بلا حاجب ولا بوّاب
١٥٤٦ - عبد الله بن عليّ العبّاسيّ [- ١٤٧] (٢) (أبو محمد الشمّاخ)
[٢٣٩ أ] عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس ابن عبد المطّلب بن هاشم، أبو محمد الأصغر، وبعضهم يسمّيه الشمّاخ، ابن أبي محمد السجّاد، ابن
أبي العبّاس حبر الأمّة وترجمان القرآن، ابن أبي الفضل عمّ رسول الله ﷺ ، القرشيّ، الهاشميّ، العبّاسي.
ولد [ ... ].
[قتاله لمروان الجعديّ]
ولّاه أبو العبّاس عبد الله بن محمد السفّاح محاربة مروان. وذلك أنّه كان ممّن سار من الحميمة واختفى بالكوفة مع أبي العبّاس. فلمّا بويع أبو العبّاس بالخلافة ندب أهل بيته إلى قتال مروان بن محمد الجعديّ، فلم ينتدب له إلّا عبد الله بن علي هذا، فوجّهه لحربه وضمّ إليه وجوه قوّاد خراسان. فلقي مروان بالزاب نحو الموصل، ومروان في مائة ألف فقاتله وهزمه وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وغرق في الزاب أكثر ممّن قتل. ومضى مروان إلى حرّان ثمّ إلى دمشق، ومضى منها إلى مصر، وخلّف بدمشق الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك بن مروان، فحصره عبد الله بن عليّ واقتحمها وقتل الوليد بن معاوية- وقيل بل بعث به إلى أبي العبّاس فقتله وصلبه بالحيرة. ومكث الناس يقتلون بمدينة دمشق عدّة ساعات، وهدم عبد الله سور المدينة.
ثم توجّه إلى فلسطين، وصار إلى نهر أبي فطرس (١*)، ووجّه أخاه صالح بن علي إلى مصر في طلب مروان، وعلى مقدّمته عامر [٢٣٩ ب] بن إسماعيل بن نافع أحد بني مسلية فقتل مروان ببوصير كما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب (٢*).
ويقال إنّ أبا العبّاس كتب إلى عبد الله بن عليّ يأمره بتوجيه صالح إلى مصر. وبعث صالح برأس مروان إلى عبد الله فأنفذه إلى أبي العبّاس وهو
стр. 1744
بالكوفة فنصب بها- ويقال: بل بعث به صالح إلى أبي العبّاس.
[نبشه قبور بني أميّة]
ولمّا صار عبد الله بن عليّ إلى نهر أبي فطرس أمر فنودي في بني أميّة بالأمان، فاجتمعوا إليه فعجّلت الخراسانيّة إليهم بالعمد فقتلوهم، وقتل عبد الله جماعة منهم ومن أشياعهم. وأمر بنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يوجد من معاوية إلّا خطّ (١)، وبنبش قبر يزيد بن معاوية فوجد منه سلاميات رجله، ووجد من عبد الملك بعض شؤون (٢) رأسه، ولم يوجد من الوليد وسليمان إلّا رفات. ووجد هشام صحيحا إلّا شيئا من أنفه وشيئا من صدغه، وذلك لأنّه كان طلي بالزئبق والكافور وماء الفوّة (٣). ووجدت جمجمة مسلمة بن عبد الملك فاتّخذت غرضا حتى تناثرت. ولم يعرض لعمر بن عبد العزيز. وجمع ما في القبور فأحرق.
[انتصابه منافسا لأبي جعفر المنصور]
فلمّا توفّي أبو العبّاس السفّاح كتب إليه عيسى ابن علي وعيسى بن موسى بن محمد بوفاته وتوليته عهده أبا جعفر عبد الله بن محمّد وعيسى بن موسى بن محمد إن كان بعده. وكان أبو جعفر حاجّا وشخص إليه بالكتاب بذلك أبو غسّان حاجب أبي العبّاس السفّاح ومولاه زياد- ويقال يزيد- والهيثم بن زياد الخزاعيّ. فلمّا قرأ الكتاب قال: إنّ أمير المؤمنين أبا العباس السفّاح ندب الناس إلى مروان فتثاقلوا عنه فقال: «من انتدب له
من أهل بيتي فهو الخليفة بعدي»، فانتدبت له.
فصدّقه أبو غسّان وسلّم عليه بالخلافة. ووعظه الهيثم فقال له: نشدتك الله أن تهيج الفتنة وتعرّض نفسك وأهل بيتك للهلكة وزوال النعمة.
وخطب عبد الله بن عليّ فقال: «إنّ أمير المؤمنين ﵀ استخلفني» فصدّقه أبو غسّان وكذّبه الهيثم فأمر به فضربت [٢٤٠ أ] عنقه.
وقال المدائني: كتب أبو العبّاس إلى عبد الله بن عليّ يأمره بغزو الصائفة فوافاه خبر وفاته وهو ممّا يلي درب الحدث- يريد دخوله بلاد الروم- فدعا عبد الحميد بن ربعي الطائيّ، وخفاف بن منصور المازنيّ، ونصير بن المحتفر المزني، وحبّاش بن حبيب الطائيّ فقال: «إنّ أبا العبّاس وجّهني إلى مروان على أن جعل لي الأمر بعده». فقاموا فسلّموا عليه بالخلافة. وأرسل إلى الحكم بن ضبعان الجذاميّ، وزفر بن عاصم الهلاليّ، وبكّار بن مسلم العقيليّ، وعثمان بن سراقة بن عبد الأعلى بن سراقة الأزديّ فقال لهم مثل مقالته لأبي غانم وأصحابه، فقال بكّار: أنا سهمك!
وقال زفر: إنّكم أهل البيت لم تطمعوا في بني أميّة حتّى اختلفوا، فأنا أحذّرك الاختلاف، فإن اجتمع أمرك وأمر من بالأنبار عززتم، وإن اختلفتم فهي الفتنة.
وقال ابن ضبعان: إن كان عهد إليك وعقد لك عند وفاته فقد كفيت [ ... ]، وإلّا فلست من الأمر على ثقة.
وقال له ابن سراقة: إنّ بلاءك عند أهل الشام غير جميل، فلن ينفعك إلّا مثلي، ممّن لك عنده بلاء حسن وأياد متظافرة، أو رجل صاحب فتنة يلتمس أن يدرك فيها شرفا.
стр. 1745
فعزم عبد الله على ادّعاء الخلافة وخطب الناس بين دلوك ورعبان. وقد كان قدم عليه أبو غسّان والهيثم بن زياد، فاستشهدهما. فأمّا أبو غسّان فشهد له. وأمّا الهيثم فقال: «أشهد أنّ أبا العبّاس ولّى الخلافة أبا جعفر»، فقتله.
وبايع الناس عبد الله بن عليّ، وبايعه حميد بن قحطبة.
وسار فنزل قنسرين، فاستعمل [٢٤٠ ب] عليها زفر بن عاصم، وولّى عثمان بن عبد الأعلى دمشق، والحكم بن ضبعان فلسطين. وكتب إلى الحسن بن قحطبة وهو بأرمينية، وإلى ماكد بن الهيثم وهو بأذربيجان، وإلى محمد بن صول وهو بسميساط مقيم في خمسة آلاف، يدعوهم، فلميجيبوه. فسار إلى حرّان وعليها مقاتل بن حكيم العكّي، وهو في أربعة آلاف، وهو على الجزيرة فحصره ووضع عليها المجانيق. ثمّ طلب مقاتل الصلح فصالحه. ودخل مدينة حرّان في صفر سنة سبع وثلاثين ومائة.
ثمّ أتى الرقّة واستعمل على الجزيرة عبد الصمد ابن عليّ أخاه، وولّاه عهده، وصيّر على شرطته منصور بن جفونة بن الحرث، أحد بني عامر بن ربيعة.
وبعث العكّي إلى ابن سراقة وأمره أن يقتله وابنه خالدا فلم يفعل وحبسه.
واستعمل حميد بن قحطبة على قنسرين، وعزل زفر بن عاصم في الظاهر، فكتب إلى زفر: «إذا ورد عليك حميد فاقتله ومن معه». فعلم حميد بذلك فسار حتى قدم على المنصور فأمره أن يلحق بأبي مسلم.
[تكليف أبي مسلم بقتال عبد الله بن عليّ]
وكان أبو مسلم كتب إلى أبي العبّاس يستأذنه في الحجّ فأذن له فقدم فحجّ. وكان أبو جعفر المنصور حاجّا أيضا. فلمّا قدما الأنبار قال أبو مسلم لأبي جعفر: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك. وإن شئت أتيت خراسان فأمددتك بالجنود. وإن شئت شخصت إلى عبد الله بن علي فحاربته.
فوجّهه لمحاربته وشيّعه إلى عكبرا. وكان الحسن بن قحطبة بأرمينية فكتب إليه المنصور في اللحاق بأبي مسلم، فوافاه بأرض الموصل في ألف. فصيّره أبو [٢٤١ أ] مسلم على مقدّمته.
ووافى مالك بن الهيثم أبا مسلم بالموصل بكتاب المنصور إليه في اللحاق به والسمع والطاعة له.
ودسّ المنصور محمد بن صول إلى عبد الله بن عليّ ليفتك به إن أمكنه ذلك ويكتب إليه بأخباره فأتاه وصار معه. فكتب بعض عيون عبد الله بن عليّ في عسكر المنصور: «صل بابن صول قبل أن يصول بك! » فقتله عبد الله وابنين له.
ويقال: قدم المنصور الكوفة فولّاها طلحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث. وسار إلى الأنبار فوجد أبا مسلم بها فولّاه حرب عبد الله بن علي، وأعطى الجند الذين معه اثني عشر ألف ألف درهم- ويقال ثمانية عشر ألف ألف-. وكان أبو العبّاس السفّاح حطّ الأرزاق في سنة خمس وثلاثين [ومائة] إلى ستّين ستّين، فصيّرها أبو جعفر المنصور ثمانين ثمانين، وسوّغهم عطاء أعطاهم إيّاه عيسى بن موسى فشكروا ذلك.
ووهب المنصور لكلّ رجل من عمومته ألف ألف درهم، وكان أوّل خليفة أعطى ألف ألف بصكّ (١*) إلى بيت المال يجري في الدواوين.
ولم يقم بالأنبار إلّا جمعة، وعزل جهور بن مرّار العجليّ عن شرطته وولّاها عبد الجبّار بن
стр. 1746
عبد الرحمن. ووجّه جهور إلى قرقيسيا فتلقّى أصحاب عبد الله بن عليّ.
وخرج المنصور فعسكر بدير الجاثليق على دجلة، ووجّه عيسى بن عقيل إلى هيت، وعبد العزيز أخا عبد الجبّار إلى بلد (١) وقال له: إن بلغك أنّ ابن عليّ انهزم فلا تبرح مكانك ولا تخلّ بمركزك!
ووجّه قائدا إلى تكريت، وكتب إلى موسى بن كعب أن [٢٤١ ب] استخلف ابنك عيينة واقدم! وقد أمرت لك بخمسمائة ألف درهم فاقبضها!
وكتب إلى الحسن بن قحطبة وهو بأرمينية فقدم.
وقدم عبد الله بن عليّ نصيبين فخندق وجمع الأطعمة واستعدّ للحرب. فنزل أبو مسلم بإزائه وكايده لينزل منزله فغرّب وأظهر أنّه يريد الشام لتولية أمير المؤمنين إيّاه الجزيرة والشام، وأنّ قادما تقدّم لمحاربة عبد الله بن عليّ مكانه. فضجّ أهل الجزيرة والشام وقالوا: الآن يقدم أبو مسلم بلادنا فيجتاح أموالنا ويسبي نساءنا وذرارينا ويقتل من وراءنا من رجالنا، ونحن من ملك الدنيا وسعتها في خندق!
فرحل عبد الله بن علي من خندقه، ونزل أبو مسلم رأس العين، ثم انكفأ راجعا حتى نزل خندق عبد الله بن عليّ، ونزل عبد الله خندقه وقد علم أنّهامكيدة من أبي مسلم.
وكاتب أبو مسلم أهل خراسان فانحاز إليه منهم بشر كانوا مع عبد الله، فتخيّل عبد الله ممّن بقي معه منهم وقتل خلقا كبيرا منهم.
وحارب أبو مسلم عبد الله بن عليّ أربعة أشهر.
ثم إنّهم اقتتلوا ذات يوم قتالا شديدا وقد خفّ
أصحاب عبد الله، وأتت أبا مسلم الأمداد وأبو مسلم يقول [الرجز]:
فرّ من الموت وفي الموت وقع ... من كان يهوى أهله فلا رجع! (١*)
[انهزام عبد الله بن عليّ]
فانهزم أصحاب عبد الله أقبح هزيمة. وسار عبد الله إلى ناحية حرّان ثم إلى الرقّة، وعبر جسرها ثم أحرقه، ومضى في البرّ إلى البصرة فنزل على أخيه سليمان بن عليّ.
وكان أبو مسلم لمّا قدّم مقدّمته وعليها حميد بن قحطبة لقوا عبد الصمد بن عليّ ببلد فقاتله حميد فهزمه وأخذه أسيرا.
ويقال إنّ أبا مسلم وجّه في أيّام محاربته عبد الله بن علي [٢٤٢ أ] حميدا إلى عبد الصمد وهو بالجزيرة فقاتله وهزمه حتى لحق بالرصافة فأخذ بها وأتى به أبو مسلم فوجّه المنصور مرزوقا أبا الخصيب مولاه فحمله إليه في سلسلة فكلّمه فيه إسماعيل بن عليّ فعفا عنه وأمر له بألف دينار.
وقيل: بل قدم به أبو مسلم معه.
وقيل: بل اختفى بالكوفة حتى كلّم فيه المنصور فأمّنه ووصله.
وقيل: لمّا هزم أتى الرصافة فوافاه عبد الله بن عليّ منهزما هاربا فمضى، وأقام عبد الصمد لأمر أراده وعزم على أن يتبع عبد الله من يومه ولم ير أنّه مطلوب، فوافاه زبارة بن جرير وكان ممّن رتّب قرقيسيا فجرّ برجله وأوثقه وحمله إلى أبي مسلم وهو بتلّ مدايا.
وقدم صالح بن علي بن عبد الله من مصر متمسّكا بطاعة المنصور ومقيما عليها فحارب ابن
стр. 1747
ضبعان في اليوم الذي هزم فيه عبد الله بن عليّ.
وحوى أبو مسلم أموال عبد الله بن علي وجميع ما كان في عسكره وأطلق من أسره ووهب لكلّ أسير أربعة دراهم. ولم يقتل إلّا أبا غسّان لشهادته بما شهد به لعبد الله بن عليّ.
ولمّا علم عامل عبد الله بن علي على دمشق الخبر قتل العكّيّ وابنه خالدا وكانا في حبسه.
وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه أنّ الجزيرة والشام بمواضع من الثغور مشحنة للعدوّ وأنّها لا تسدّ إلّا بهم، وسأله الصفح عنهم، وأشار عليه باستصلاح وجوههم واصطناعهم. ووفد [ ... ] إليه عدّة من أشرافهم.
وكان عبد الله بن علي لمّا توجّه لغزو الصائفة بلغه أنّ أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك قد أقبل يريده في أربعة آلاف فقصد له ووجّه على مقدّمته حميد بن قحطبة [٢٤٢ ب] والعبّاس بن زبيد فلم يكن منهم كبير قتال حتى انهزم أبان وأصحابه وتحصّنوا في حصن كيسوم، فنزل عليه عبد الله فطلبوا الأمان فأمّنهم. وهرب أبان فدلّ عبد الله عليه، وكان في غار، فقطع عبد الله يديه ورجليه ثم ضرب عنقه. وأتى دابق فبلغه خبر وفاة أبي العبّاس. وكانت عند عبد الله بن عليّ أمة الحميد (١) ويقال: أختها أمّ البنين بنت محمد بن عبد المطّلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطّلب بن هاشم فقالت له: قتلت أهل الشام فأسرفت، ثم قتلت أهل خراسان وكانوا أنصاركم وأولياء دعوتكم، ثم انتحلت الخلافة وقابلت ابن أخيك، وهو الخليفة، فلم تبق غاية ولم تدع جهدا، ثم هربت إلى غير ملجا ولا حرز. فهلّا متّ كريما! أما والله لتقاسينّ ذلّا طويلا!
فغضب فطلّقها، وكان له منها: محمد، وعيسى، وأمّ محمد، وأمّ عبد الله.
ولمّا هرب عبد الله بلغ المنصور أنّ عبد الحميد بن ربعيّ أبا غانم بالرها، وكان صديقا لأبي الأزهر المهلّب بن العبثر المهريّ، فوجّهه يطلب الشراة وأهل الفساد من الأعراب ويسكّن الناس، فجعل يقتل الأعراب من أهل الدعارة حتى أتى الرها. فبعث إلى أبي غانم: إنّي مشتاق إليك وقد وجّهت في أمر فتركته وملت إليك لأحدث بك عهدا.
فخرج إليه وجعلا يتنادمان، ثمّ ذاكره الخروج إلى المنصور فقال: أنا مستوحش، ولا عذر لي ولا حجّة فيما كان منّي.
ثم إنّه خرج إليه يوما في خفّ فأسكره وحمله فارتحل فأوفده على حميد بن قحطبة وهو وال على الجزيرة فأنفذه إلى المنصور، فقال له [٢٤٣ أ] المنصور: ويحك! ما حملك على ما صنعت؟
قال: لا عذر لي فأتكلّم.
فقال: أنا أكره أن أقتل رجلا من آل قحطبة، ولكنّي أهب مسيئهم لمحسنهم، وقد وهبتك لا بني قحطبة حميد والحسن.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يكن فيّ مصطنع فاقتلني!
قال: إنّك أحمق أهوج. اخرج فأنت عتيق لهم أبدا!
ولمّا أقام عبد الله بن عليّ بالبصرة خرج سليمان ابن عليّ إلى المنصور فطلب له أمانا وقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عفوك لا يضيق عنه، وهو ابن أبيك، وفيه مستصلح.
стр. 1748
فقال: هو آمن إذا رأيته.
واستأذن له في الحجّ فقال: إن حجّ ظاهرا فقد أذنت له.
فلم يحجّ.
ومات يونس بن عبيد الفقيه مولى عبد القيس فمشى عبد الله بن علي وسليمان في جنازته.
وأراد المنصور استخراج مزارع من البطيحة فضجّ أهل البصرة وقالوا: «إنّما نستعذب الماء من البطيحة». وأتوا عبد الله بن علي فقال [وا]: «انزل يا أمير المؤمنين إلينا نبايعك! » وكفّهم سليمان بن علي وفرّقهم.
وكان عبد الله بن علي يجمّع بالبصرة، ويقعد في خلفه يزيد الرقاشيّ، فوجّه المنصور سليمان بن مجالد وأمره بإبلاغ سليمان بن علي أن يشخص عبد الله معه، وكتب إليه في ذلك، فلم يفعل وقال: «قد جعلت له عهد الله أن أتوثّق له».
فولّى المنصور سليمان بن مجالد بريد البصرة وأخبارها. ووجّه روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب ابن أبي صفرة إلى البصرة في أربعة آلاف من أهل البأس والنجدة والطاعة، وأظهر أنّه قد ولّاه عمان ونواحيها. ثم وجّه سفيان بن معاوية واليا على البصرة في جيش كثيف، وبعث أبا الأسد القائد في جيش وأمره أن يقيم على [٢٤٣ ب] آخر البطيحة. ودخل سفيان البصرة وتسلّمها من سليمان بن علي. ووجد عليه المنصور لما كان منه في أمر عبد الله بن عليّ. وتتامّ بالبصرة أكثر من اثني عشر ألفا من أهل خراسان.
[أمان عبد الله بن علي وتشديد ابن المقفّع فيه]
وكتب سليمان بن علي إلى أخيه عيسى بن عليّ يسأله أن يستأذن له المنصور في القدوم عليه منفردا، فقدم ودخل مع عيسى إلى المنصور وكلّماه في أمان عبد الله بن عليّ فأجابهما إلى ذلك. وكان عبد الله بن المقفّع كاتب عيسى بن علي فأمره فكتب له أمانا تعدّى فيه ما يكتبه الخلفاء من الأمانات، وكتب: فإن لم يف أمير المؤمنين بما جعل له فهو بريء من الله ورسوله، والأمّة في حلّ وسعة من خلعه.
[نقض المنصور للأمان]
ثم شخص عيسى وسليمان ابنا علي من البصرة، ومعهما عبد الله بن علي. ووكّل بهم سفيان بن معاوية قائدا يقال له عقبة بن عازب في ألف وبعثأبا الأسد معهم. فلمّا صاروا إلى واسط تسلّم عاملها عبد الله بن علي، ثم سلّمه إلى أبي الأسود فأورده الكوفة. وكان المنصور قد وقّع في الأمان: «هذا الأمان نافذ إن رأيت عبد الله».
فلمّا قدم به ورأى [ ... ] في بابه قال لأبي الأزهر المهلّب بن عبثر: «إذا أمرتك بإدخال عبد الله عليّ فلا ترني وجهه وأدخله المقصورة». ففعل ذلك ووكّل به الحرس. وكلّمه فيه بنو عليّ فجعل يقول: أقسمت عليكم لمّا لم تكلّموني فيه، فإنّه أراد أن يفسد علينا وعليكم أمرنا.
ومكث محبوسا تسع سنين. ثم حوّله من عنده إلى عيسى بن موسى وأمره [٢٤٤ أ] بقتله في خفية فحبسه وأراد قتله فقال له أبو عون يونس بن فروة الأنباري- وكان كاتبه: «إن قتلته فنكّل به! » فأمسك عن قتله.
ثم إنّ المنصور سأل عيسى بن موسى عنه فقال: قتلته.
فأظهر غضبا وقال: أتقتل عمّي؟ لأقتلنّك به!
فقال: إنّي والله خفت هذه منك فاستبقيته.
قال: فادفعه إلى المهلّب بن العبثر.
فدفعه إليه، فغمّه وجارية له حتى ماتا، ثم
стр. 1749
جعلها إلى جانبه كأنّها معانقة له ثمّ عزق (١) البيت فسقط عليهما.
ودفن عبد الله ببغداد بعد أن أدخل عليه ابن علاثة القاضي وعدوله، فنظروا إليه وما به شيء.
وبعث المنصور إلى عبد الله بن عيّاش الهمداني المنتوف أن أخبرني عن خلعاء ثلاثة أوّل اسم كلّ امرئ منهم عين قتل رجلا من أقربائه أوّل اسم كلّ امرئ منهم عين؟
[تخابث المنصور بعد قتل عمّه عبد الله]
فقال: عبد الله بن الزبير قتل عمرو بن الزبير، وعبد الملك بن مروان قتل عمرو بن سعيد بن العاص. وعبد الله بن علي سقط عليه البيت.
فقال: إذا سقط عليه البيت، فما ذنبي؟
ويقال: لمّا حبس عبد الله بن علي في المقصورة مع المنصور ووكّل به قال له بنو عليّ:
يا أمير المؤمنين، سجنت عبد الله؟
فقال: إنّ أهل خراسان متسرّعون إليه لما كان منه إليهم، ولا آمن أن يفتكوا به، فقد بلغني أنّهم مجمعون على ذلك، فجعلته عندي إلى أن أدعو به.
فيئس سليمان بن علي منه فمضى إلى البصرة حتى مات بها سنة اثنتين وأربعين ومائة.
ويقال: كان عبد الله بن علي مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فأسره ابن ضبارة وبعث به إلى مروان بن محمّد. فقال: «إنّما أتيته طالبا لرفده». فخلّى سبيله. فلمّا حاربه قيل له:
هذا الرجل [٢٤٤ ب] الشديد البياض الحسن الوجه المصفرّ الدقيق الذراعين الفصيح اللهجة الذي
كنت أتيت به فعفوت عنه.
فقال مروان: ربّ معروف يخبّئ لصاحبه شرّا!
وكان عبد الله بن علي إذا ضحك انقلبت شفته العليا.
ومات في سنة سبع وأربعين ومائة، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. وهو الذي هدم قصر مروان بن محمد بحرّان، وكان أنفق عليه عشرة آلاف ألف درهم.
وقال رؤبة بن العجّاج في عبد الله بن علي يمدحه:
يا أيّها القائل قولا أحنفا ... سفاهة من رأيه وصلفا
ما قام عبد الله إلّا أنفا ... خوفا على الإسلام أن يستضعفا
ومن صلاح الدين أن يستحلفا ... أشجع من ليث عرين أغضفا
وقال أيضا:
إنّ لعبد الله عندي أثرا ... ونعما جزاؤها أن تشكرا
وقال ابن شبرمة [الوافر]:
أقول لذي كاسرة وضغن ... سعرت الحرب بين بني أبيكا (١*)
وأورثت الضغائن من بنيهم ... بني أبنائهم وبني بنيكا
كأنّك قد أصابك سهم حتف ... وأسلمك العداة لأقربيكا
стр. 1750
١٥٤٧ - القاضي أبو محمد المخزوميّ [٥٤٩ - ٥٩٢] (١)
[٢٤٥ ب] عبيد الله بن علي بن عثمان بن يوسف، القاضي أبو محمّد، ابن القاضي أبي الحسن، المخزوميّ، الشافعيّ، العدل الأديب.
مولده في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وقرأ على ابن برّي.
وقال السعد: توفّي في سادس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
١٥٤٨ - قاضي القضاة ابن التركماني [٧١٩ - ٧٦٩] (٢)
[٢٤٦ أ] عبد الله بن علي بن عثمان بن مصطفى ابن سليمان، المارديني، المعروف بابن التركماني، قاضي القضاة، جمال الدين، أبو محمد، ابن قاضي القضاة علاء الدين أبي الحسن، الحنفيّ.
ولد في يوم [ ... ] سنة تسع عشرة وسبعمائة، وبرع في الفقه وولي قضاء القضاة بعد أبيه في يوم [ ... ] المحرّم سنة خمسين [وسبعمائة] بسؤال طلبة الحنفيّة الأمير شيخو العمري أن يولّيه عليهم فاتّفق رأي الأمراء على ولايته. وطلب إلى قلعة الجبل، وفوّض إليه السلطان الملك الناصر الحسن بن محمد بن قلاوون القضاء، وخلع عليه. فنزل وباشر القضاء أجمل مباشرة من الحشمة، والرئاسة، وكثرة الإفضال لسائر من يقصده، مع لين الجانب، والحياء، والمعرفة التامّة
بالأحكام، والقوّة على أرباب الدولة، والشدّة عليهم، مع تعظيمهم له ومحبّتهم فيه، واعتقادهم إجلاله دينا يثابون عليه، وتواضعه مع الفقراء، وتقريبه أهل العلم وإكرامهم والإحسان إليهم، وسدّ أبواب الريب، وترك كلّ ما يعتذر منه، وتشدّده في ترك الاستبدال بالأوقاف، ومنعه ذلك جملة، واعتراف فضلاء مذهبه له بالفضيلة التامّة.
وبالجملة فما يجد حاسده ما يعيبه به.
وما زال على سداد ورشاد حتى توفّي ليلة الجمعة حادي عشر شعبان سنة تسع وستّين وسبعمائة. ودفن بمقبرتهم خارج باب النصر.
﵀ فلقد كان مفخرا من مفاخر الدهر وزينا لقضاة مصر.
١٥٤٩ - القاضي جمال الدين العسقلاني [٧٥١ - ٨١٧] (١*)
[٢٤٦ ب] عبد الله بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح، جمال الدين، ابن قاضي قضاة دمشق، علاء الدين، الكنانيّ، العسقلانيّ، الحنبليّ، الجنديّ، سبط أبي الحرم القلانسيّ.
سمع على محمد بن إسماعيل الأيّوبي، والعرضي، وعلى جدّه كثيرا، وأحضر على الميدوميّ، وألبسه القطب القسطلاني خرقة التصوّف.
وحدّث بمسند الإمام أحمد عن العرضيّ.
وأقبل الناس عليه في آخر عمره فسمعوا عليه كثيرا.
وكان خيّرا متديّنا فاضلا يتزيّى بزيّ الأجناد.
стр. 1751
توفّي يوم [ ... ] شهر رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة (١).
١٥٥٠ - أبو المنجّى القرمطيّ [- بعد ٣٦٤]
[٢٤٧ أ] عبد الله بن عليّ بن المنجّى، أبو المنجّى، القرمطيّ.
قدم مع الحسن بن أحمد الأعصم (٢) القرمطيّ من الأحساء على دمشق في ذي القعدة سنة ستّين وثلاثمائة. وتركه على حصار سعادة بن حيّان بيافا، ومعه ظالم بن مرهوب العقيليّ. وسار إلى مصر فقاتله جوهر القائد وهزمه. فرحل أبو المنجّى وظالم عن يافا ونزلا على دمشق. فاختلف أبو المنجّى مع ظالم بسبب أخذ الخراج، وأراد كلّ منهما أخذه لينفقه في رجاله.
فقدم الحسن بن أحمد بعد هزيمته من ظاهر القاهرة إلى بلده، ونزل على الرملة، فلقيه أبو المنجّى وعرّفه ما جرى بينه وبين ظالم من الاختلاف. وكان أبو المنجّى أثيرا عند الحسن القرمطيّ يولج إليه أموره ويستخلفه على تدبيره.
فقبض على ظالم وحبسه.
فلمّا انهزم الحسن من المعزّ نزل أذرعات وأنفذ أبا المنجّى في طائفة من الجند إلى دمشق، وكان ابنه (٣) واليا عليها. فوصل دمشق واستولى عليها.
وكان ظالم قد تفلّت ونزل بعلبك. فلمّا رجع الحسن بن أحمد إلى الأحساء اتّفق ظالم مع أبي محمود إبراهيم بن جعفر بن فلاح على قتال أبي
المنجّى. وسار ظالم من بعلبك حتى وافى عقبة دمّر (١*) فخرج إليه أبو المنجّى في ألفين من الجند، فتركه كثير منهم ولحقوا بظالم، فطرق ظالم أبا المنجّى بالميدان وقبض عليه وعلى ولده بعد أن وقعت فيه ضربة، وصار جميع من معه إلى ظالم، وملك دمشق في يوم السبت العاشر من شهر رمضان سنة ثلاث وستّين [وثلاثمائة]، وسجنه وابنه في عدّة من أصحابه وأخذ أموالهم.
فنزل أبو محمود على دمشق يوم الثلاثاء، ثاني عشر منه، فسلّم إليه ظالم أبا المنجّى وابنه ومحمد بن أحمد بن سهل النابلسي (٢*)، فعمل لكلّ منهم قفصا من خشب وحملهم إلى المعزّ لدين الله. فقدموا القاهرة لأربع خلون من ذي القعدة [سنة ٣٦٣] فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود في نيف وعشرين رجلا من القرامطة خلفهم على الإبل. ثم سجن الجماعة وقتل ابن النابلسيّ. فلم يزل أبو المنجّى في الاعتقال إلى أن أطلق لخمس بقين من المحرّم سنة أربع وستّين [وثلاثمائة] هو وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة.
١٥٥١ - التقيّ السروجيّ [- ٦٩٣] (٣*)
[٢٤٧ ب] عبد الله بن علي بن منجّد بن ماجد بن بركات، تقيّ الدين، أبو محمد، المنعوت بالتقيّ السّروجيّ.
كان رجلا عفيفا يتلو القرآن، وله معرفة بالنحو
стр. 1752
واللغة والأدب، متقلّلا من الدنيا، يغلب عليه حبّ الجمال مع العفّة التامّة والصيانة. وكان مأمون الصحبة طاهر اللسان، يتفقّد أصحابه.
وكان كثير الانقطاع لا يكاد يظهر إلّا يوم الجمعة.
وهوي شابّا من الترك وفطن أبوه به. فلمّا عرف عفّته جعله عنده في منزله وصار يخدمه بنفسه وأهله، حتى مات الشابّ وهو مقيم عندهم.
وقيل له يوما عن الحمّام، فقال: بعد محمد أدخل الحمّام؟
وتوفّي بالقاهرة يوم [ ... ] شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وستّمائة بداره من الحسينيّة خارج القاهرة.
وله شعر لطيف المنزع رقيق مستبدع. فمنه قوله [الكامل]:
دنيا المحبّ ودينه أحبابه ... فإذا جفوه تقطّعت أسبابه
وإذا أتاهم في المحبّة صادق ... كشف الحجاب له وعزّ جنابه
ومتى سقوه شراب كأس منهم ... رقّت معانيه وراق شرابه
وإذا تهتّك لا يلام لأنّه ... سكران عشق لا يفيد عتابه
بعث السلام مع النسيم رسالة ... فأتاه في طيّ النسيم جوابه
وقوله [الكامل]:
أنعم بوصلك لي فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقته (١)
وقوله [البسيط]:
يا رائس الحبّ أدركني فقد وحلت ... مراكب الحبّ بي في بحر أشواقي
ولي بضاعة صبر ضاع أكثرها ... وقد غدا ذا الهوى يستغرق الباقي
١٥٥٢ - عبد الله ابن سيّدنا عمر بن الخطّاب [- ٧٣] (١*)
[٢٤٨ أ] عبد الله بن عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عديّ بن كعب، القرشيّ، العدويّ، أبو عبد الرحمن، ابن أمير المؤمنين أبي حفص، وأخو حفصة أمّ المؤمنين. أمّهما زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحيّ.
أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم. وقيل:
أسلم قبل أبيه، ولا يصحّ. وأصحّ منه أنّه هاجر قبل أبيه. وأجمعوا أنّه لم يشهد بدرا، مع أنّه روي عن أنس وعن سعيد بن المسيّب أنّه شهد بدرا.
واختلفوا في شهوده أحدا. والصحيح أنّ أوّل مشاهده الخندق.
وقال محمد بن عمر الواقديّ: كان عبد الله بن عمر يوم بدر ممّن لم يحتلم فاستصغره رسول الله ﷺ وردّه. وأجازه يوم أحد.
ويروى عن نافع أنّ رسول الله ﷺ ردّه يوم أحد لأنّه كان ابن أربع عشرة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد روي حديث نافع على الوجهين جميعا.
وشهد الحديبيّة وقيل إنّه أوّل من بايع يومئذ.
والصحيح أنّ أوّل من بايع رسول الله ﷺ بالحديبيّة
стр. 1753
تحت الشجرة- بيعة الرضوان- أبو سنان الأسديّ (١).
وعن مجاهد قال: أدرك ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنة، يعني فتح مكّة.
وكان ﵁ من أهل الورع والحلم.
وكان كثير الاتّباع لآثار رسول الله ﷺ شديد التحري والاحتياط والتوقّي في فتواه وفي كلّ ما يأخذ به نفسه. وكان لا يتخلّف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ . ثم كان بعد موته ﵇ مولعا بالحجّ قبل الفتنة وفي الفتنة، إلى أن مات، وكان أعلم [الصحابة] بمناسك الحجّ.
وقال رسول الله ﷺ لزوجه حفصة بنت عمر:
«إنّ أخاك عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل». فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل.
وعن حذيفة قال: لقد تركنا رسول الله ﷺ يوم توفّي، وما منّا أحد إلا وغيّر عمّا كان عليه، إلّا عمر وعبد الله بن عمر.
وقال مالك بن أنس: قال لي محمد بن شهاب الزهريّ: لا تعدلن عن رأي عبد الله بن عمر، فإنّه أقام بعد رسول الله ﷺ ستّين سنة فلم يغيّر عليه من أمر رسول الله ﷺ ولا أصحابه.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: كان ابن عمر في زمانه أفضل من عمر في زمانه.
وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: ما رأينا ألزم للأمر الأوّل من عبد الله بن عمر.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيّب: لو [٢٤٨ ب] شهدت على أحد أنّه من أهل الجنّة لشهدت على ابن عمر.
وعن نافع عن ابن عمر قال: لمّا فرض عمر
لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف، وفرض لي ألفين وخمسمائة (١*) قلت له: يا أبت، لم تفرض لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وتفرض لي ألفين وخمسمائة؟ والله ما شهد أسامة مشهدا غبت عنه، ولا شهد أبوه مشهدا غاب عنه أبي.
قال: صدقت يا بنيّ، ولكن أشهد: لأبوه كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من أبيك، ولهو أحبّ إلى رسول الله منك.
فشهادة عمر لابنه أنّه لم يشهد أسامة مشهدا إلّا شهده، من أجلّ فضائل ابن عمر.
وعن ابن عمر قال: بايعت النبيّ ﷺ يوم الحديبية على الموت مرّتين. قال [لي] عمر:
«أرى الناس مجتمعين، اذهب فانظر ما شأنهم؟ » فإذا النبيّ ﷺ يبايع على الموت، فبايعته ثم رجعت إلى عمر فأخبرته فجاء فبايعه. ثم بايعته بعد ما بايع.
وهذه من أجلّ فضائل ابن عمر.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ما منّا أحد أدرك الدنيا إلّا قد مالت به، إلّا عبد الله بن عمر.
وعن نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة فسمعته يقول، وهو ساجد: قد تعلم، ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلّا خوفك.
وعن محمد بن الحنفيّة قال: كان ابن عمر حبر هذه الأمّة.
وعن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد وغيرهم كانوا يرون أنّه ليس أحد منهم على الحال التي فارق عليها محمّدا ﷺ غير ابن عمر.
стр. 1754
وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنّه قال: ابن عمر أزهد القوم، وأصوب القوم رأيا.
وعن يوسف بن مهران قال: كنّا مع جابر بن عبد الله فقال: إذا سرّكم أن تنظروا إلى أصحاب محمد ﷺ الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا فانظروا إلى عبد الله بن عمر، ما منّا أحد إلّا غيّر.
وقال محمد بن سوقة عن أبي جعفر: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ ﷺ إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثا أجدر أن لا يزيد فيه ولا ينقص منه، ولا، ولا، من ابن عمر.
وعن ابن عمر: «تلوت هذه الآية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئا أحبّ إليّ من جاريتي رضيّة (١) فقلت: هي حرّة لوجه الله ، فلولا أنّي لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها». فأنكحها نافع (٢)، فهي أمّ ولده.
وعن نافع: لو رأيت ابن عمر وهو يتتبّع آثار رسول الله ﷺ لقلت: هذا مجنون.
وقال ابن [٢٤٩ أ] وهب عن مالك قال: أقام ابن عمر بعد النبيّ ﷺ ستّين سنة يفتي الناس في الموسم وغير ذلك. (قال) وكان ابن عمر من أئمّة الدين.
وفي رواية: بلغ عبد الله بن عمر ستّا وثمانين سنة فأفتى في الإسلام ستّين سنة، ونشر نافع عنه علما جمّا.
وقال ميمون بن مهران (٣): ما رأيت أورع من
ابن عمر ولا أعلم من ابن عبّاس.
وقال يوسف ابن الماجشون عن أبيه (١*) وغيره إنّ مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعد ما قتل عثمان ﵁، فعرضوا عليه أن يبايعوا له. قال: كيف لي بالناس؟
قال: تقاتلهم ونقاتلهم.
فقال: والله لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلّا أهل فدك، ما قاتلتهم! (قال) فخرجوا من عنده ومروان يقول [البسيط]:
والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا (٢*)
وبعث إليه عليّ ﵁ بعد ما بويع بالخلافة، ولحق طلحة والزبير بمكّة وأجمعا على المسير بأمّ المؤمنين عائشة، ﵃، إلى البصرة، كميل بن زياد النخعيّ (٣*) فجاء به فقال:
أنهض مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لم أفارقهم فيه، فإن يخرجوا أخرج، وإن يقعدوا أقعد.
فقال: فأعطني زعيما بأن لا تخرج.
قال: ولا أعطيك زعيما.
قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني، دعوه فأنا به زعيم!
فرجع عبد الله إلى أهل المدينة وهم يقولون: لا والله، ما ندري كيف تصنع، وإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر.
стр. 1755
فخرج عبد الله من ليلته بعد ما أخبر أمّ كلثوم بنت عليّ ﵄ بالذي سمع من أهل المدينة، وأنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ، ما خلا النهوض. وكان صدوقا، فاستقرّ عندها.
وأصبح عليّ ﵁ فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة والزبير وأمّ المؤمنين ومعاوية.
فقال: وما ذاك؟
قالوا: خرج عبد الله بن عمر إلى الشام.
فأتى عليّ السوق ودعا بالظّهر فحمل الرجال وأعدّ لكل طريق طلّابا. وماج أهل المدينة.
وسمعت أمّ كلثوم بالذي هم فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رجل ثمّ أتت عليّا وهو واقف في السوق يفرّق الرجال في طلبه فقالت: ما لك؟ ما تريد من هذا الرجل؟ إنّ الأمر على غير ما بلغك.
وحدّثته وقالت: أنا ضامنة له.
فطابت نفسه وقال: انصرفوا. والله ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندي ثقة.
فانصرفوا. قال الزهري: والعجب من ابن عمر يمتنع من بيعة عليّ ويبايع يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان!
وعند ما أجمع طلحة والزبير وعائشة ﵃ على المضيّ من مكّة إلى البصرة بمن معهم من المسلمين ليدعوا إلى الأخذ بثأر عثمان ﵁ [٢٤٩ ب] دعوا عبد الله إلى المسير معهم فقال: «إنّي امرؤ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض أنهض، وإن يجتمعوا على القعود أقعد». فتركاه ورجعا.
وكانت أخته حفصة بنت عمر ﵄ أرادت الخروج مع عائشة، فمنعها من ذلك وعزم عليها فلم تسر. وأعلمت عائشة بذلك فقالت:
يغفر الله لعبد الله!
وقيل لعبد الله: فيم تفرّقت قريش؟
فقال: أو هي تفرّقت؟ إنّما تفرّق الغوغاء، والشرّ بينهما. والله لا يزال ذلك دأب الغوغاء حتى يفتنوا قريشا وحتى يسلمهم ذلك إلى الكفر يوما.
فلم يشهد عبد الله الجمل ولا صفّين.
وعند ما عزم معاوية على المسير إلى صفّين كتب هو وعمرو بن العاص إلى مكّة: أمّا بعد، فمهما غاب عنّا من الأمور، فلم يغب عنّا أنّ عليّا قتل عثمان. والدليل على ذلك مكان قتلته منه.
وإنّا إنّما نطلب بدمه حتّى يدفعوا إلينا فنقتلهم بكتاب الله. فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عمر بن الخطّاب. فأمّا الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا على أمرنا هذا، وانهضوا من ناحيتكم، فإنّ أيدينا وأيديكم إذا اجتمعت على أمر هاب عليّ ما هو فيه.
فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أمّا بعد، فلعمري لقد أخطأتما موضع النصرة وتناولتماها من مكان بعيد. وما زاد الله من شكّ في هذا الأمر بكتابكما إلّا شكّا. وما أنتما والمشورة؟ وما أنتما والخلافة؟ أمّا أنت يا معاوية فطليق، وأمّا أنت يا عمرو فظنون. ألا فكفّا عنّا أنفسكما، فليس لكما فينا وليّ ولا نصير!
فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فإنّه لم يكن أحد من قريش أحبّ إليّ أن يجتمع إليه الناس بعد عثمان منك. ثم ذكرت خذلك إيّاه وطعنك على أنصاره فتغيّرت لك. وهوّن ذلك عليّ خلافك على عليّ وجرّني إليك بعض ما كان منك. فأعنّا رحمك الله على حقّ هذا الخليفة المظلوم، فإنّي