← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

توفّي يوم [ ... ] شهر رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة (١). ١٥٥٠ - أبو المنجّى القرمطيّ [- بعد ٣٦٤] [٢٤٧ أ] عبد الله بن عليّ بن المنجّى، أبو المنجّى، القرمطيّ. قدم مع الحسن بن أحمد الأعصم (٢) القرمطيّ من الأحساء على دمشق في ذي القعدة سنة ستّين وثلاثمائة. وتركه على حصار سعادة بن حيّان بيافا، ومعه ظالم بن مرهوب العقيليّ. وسار إلى مصر فقاتله جوهر القائد وهزمه. فرحل أبو المنجّى وظالم عن يافا ونزلا على دمشق. فاختلف أبو المنجّى مع ظالم بسبب أخذ الخراج، وأراد كلّ منهما أخذه لينفقه في رجاله. فقدم الحسن بن أحمد بعد هزيمته من ظاهر القاهرة إلى بلده، ونزل على الرملة، فلقيه أبو المنجّى وعرّفه ما جرى بينه وبين ظالم من الاختلاف. وكان أبو المنجّى أثيرا عند الحسن القرمطيّ يولج إليه أموره ويستخلفه على تدبيره. فقبض على ظالم وحبسه. فلمّا انهزم الحسن من المعزّ نزل أذرعات وأنفذ أبا المنجّى في طائفة من الجند إلى دمشق، وكان ابنه (٣) واليا عليها. فوصل دمشق واستولى عليها. وكان ظالم قد تفلّت ونزل بعلبك. فلمّا رجع الحسن بن أحمد إلى الأحساء اتّفق ظالم مع أبي محمود إبراهيم بن جعفر بن فلاح على قتال أبي المنجّى. وسار ظالم من بعلبك حتى وافى عقبة دمّر (١*) فخرج إليه أبو المنجّى في ألفين من الجند، فتركه كثير منهم ولحقوا بظالم، فطرق ظالم أبا المنجّى بالميدان وقبض عليه وعلى ولده بعد أن وقعت فيه ضربة، وصار جميع من معه إلى ظالم، وملك دمشق في يوم السبت العاشر من شهر رمضان سنة ثلاث وستّين [وثلاثمائة]، وسجنه وابنه في عدّة من أصحابه وأخذ أموالهم. فنزل أبو محمود على دمشق يوم الثلاثاء، ثاني عشر منه، فسلّم إليه ظالم أبا المنجّى وابنه ومحمد بن أحمد بن سهل النابلسي (٢*)، فعمل لكلّ منهم قفصا من خشب وحملهم إلى المعزّ لدين الله. فقدموا القاهرة لأربع خلون من ذي القعدة [سنة ٣٦٣] فطيف بهم على الإبل بالبرانس والقيود في نيف وعشرين رجلا من القرامطة خلفهم على الإبل. ثم سجن الجماعة وقتل ابن النابلسيّ. فلم يزل أبو المنجّى في الاعتقال إلى أن أطلق لخمس بقين من المحرّم سنة أربع وستّين [وثلاثمائة] هو وابنه، وخلع عليه وحمل، وأطلق معه بضعة عشر من القرامطة. ١٥٥١ - التقيّ السروجيّ [- ٦٩٣] (٣*) [٢٤٧ ب] عبد الله بن علي بن منجّد بن ماجد بن بركات، تقيّ الدين، أبو محمد، المنعوت بالتقيّ السّروجيّ. كان رجلا عفيفا يتلو القرآن، وله معرفة بالنحو

стр. 1752

واللغة والأدب، متقلّلا من الدنيا، يغلب عليه حبّ الجمال مع العفّة التامّة والصيانة. وكان مأمون الصحبة طاهر اللسان، يتفقّد أصحابه. وكان كثير الانقطاع لا يكاد يظهر إلّا يوم الجمعة. وهوي شابّا من الترك وفطن أبوه به. فلمّا عرف عفّته جعله عنده في منزله وصار يخدمه بنفسه وأهله، حتى مات الشابّ وهو مقيم عندهم. وقيل له يوما عن الحمّام، فقال: بعد محمد أدخل الحمّام؟ وتوفّي بالقاهرة يوم [ ... ] شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وستّمائة بداره من الحسينيّة خارج القاهرة. وله شعر لطيف المنزع رقيق مستبدع. فمنه قوله [الكامل]: دنيا المحبّ ودينه أحبابه ... فإذا جفوه تقطّعت أسبابه وإذا أتاهم في المحبّة صادق ... كشف الحجاب له وعزّ جنابه ومتى سقوه شراب كأس منهم ... رقّت معانيه وراق شرابه وإذا تهتّك لا يلام لأنّه ... سكران عشق لا يفيد عتابه بعث السلام مع النسيم رسالة ... فأتاه في طيّ النسيم جوابه وقوله [الكامل]: أنعم بوصلك لي فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقته (١) وقوله [البسيط]: يا رائس الحبّ أدركني فقد وحلت ... مراكب الحبّ بي في بحر أشواقي ولي بضاعة صبر ضاع أكثرها ... وقد غدا ذا الهوى يستغرق الباقي ١٥٥٢ - عبد الله ابن سيّدنا عمر بن الخطّاب [- ٧٣] (١*) [٢٤٨ أ] عبد الله بن عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عديّ بن كعب، القرشيّ، العدويّ، أبو عبد الرحمن، ابن أمير المؤمنين أبي حفص، وأخو حفصة أمّ المؤمنين. أمّهما زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحيّ. أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم. وقيل: أسلم قبل أبيه، ولا يصحّ. وأصحّ منه أنّه هاجر قبل أبيه. وأجمعوا أنّه لم يشهد بدرا، مع أنّه روي عن أنس وعن سعيد بن المسيّب أنّه شهد بدرا. واختلفوا في شهوده أحدا. والصحيح أنّ أوّل مشاهده الخندق. وقال محمد بن عمر الواقديّ: كان عبد الله بن عمر يوم بدر ممّن لم يحتلم فاستصغره رسول الله ﷺ وردّه. وأجازه يوم أحد. ويروى عن نافع أنّ رسول الله ﷺ ردّه يوم أحد لأنّه كان ابن أربع عشرة، وأجازه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد روي حديث نافع على الوجهين جميعا. وشهد الحديبيّة وقيل إنّه أوّل من بايع يومئذ. والصحيح أنّ أوّل من بايع رسول الله ﷺ بالحديبيّة

стр. 1753

تحت الشجرة- بيعة الرضوان- أبو سنان الأسديّ (١). وعن مجاهد قال: أدرك ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنة، يعني فتح مكّة. وكان ﵁ من أهل الورع والحلم. وكان كثير الاتّباع لآثار رسول الله ﷺ شديد التحري والاحتياط والتوقّي في فتواه وفي كلّ ما يأخذ به نفسه. وكان لا يتخلّف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ . ثم كان بعد موته ﵇ مولعا بالحجّ قبل الفتنة وفي الفتنة، إلى أن مات، وكان أعلم [الصحابة] بمناسك الحجّ. وقال رسول الله ﷺ لزوجه حفصة بنت عمر: «إنّ أخاك عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل». فما ترك ابن عمر بعدها قيام الليل. وعن حذيفة قال: لقد تركنا رسول الله ﷺ يوم توفّي، وما منّا أحد إلا وغيّر عمّا كان عليه، إلّا عمر وعبد الله بن عمر. وقال مالك بن أنس: قال لي محمد بن شهاب الزهريّ: لا تعدلن عن رأي عبد الله بن عمر، فإنّه أقام بعد رسول الله ﷺ ستّين سنة فلم يغيّر عليه من أمر رسول الله ﷺ ولا أصحابه. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: كان ابن عمر في زمانه أفضل من عمر في زمانه. وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: ما رأينا ألزم للأمر الأوّل من عبد الله بن عمر. وقال قتادة عن سعيد بن المسيّب: لو [٢٤٨ ب] شهدت على أحد أنّه من أهل الجنّة لشهدت على ابن عمر. وعن نافع عن ابن عمر قال: لمّا فرض عمر لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف، وفرض لي ألفين وخمسمائة (١*) قلت له: يا أبت، لم تفرض لأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وتفرض لي ألفين وخمسمائة؟ والله ما شهد أسامة مشهدا غبت عنه، ولا شهد أبوه مشهدا غاب عنه أبي. قال: صدقت يا بنيّ، ولكن أشهد: لأبوه كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ من أبيك، ولهو أحبّ إلى رسول الله منك. فشهادة عمر لابنه أنّه لم يشهد أسامة مشهدا إلّا شهده، من أجلّ فضائل ابن عمر. وعن ابن عمر قال: بايعت النبيّ ﷺ يوم الحديبية على الموت مرّتين. قال [لي] عمر: «أرى الناس مجتمعين، اذهب فانظر ما شأنهم؟ » فإذا النبيّ ﷺ يبايع على الموت، فبايعته ثم رجعت إلى عمر فأخبرته فجاء فبايعه. ثم بايعته بعد ما بايع. وهذه من أجلّ فضائل ابن عمر. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ما منّا أحد أدرك الدنيا إلّا قد مالت به، إلّا عبد الله بن عمر. وعن نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة فسمعته يقول، وهو ساجد: قد تعلم، ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلّا خوفك. وعن محمد بن الحنفيّة قال: كان ابن عمر حبر هذه الأمّة. وعن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد وغيرهم كانوا يرون أنّه ليس أحد منهم على الحال التي فارق عليها محمّدا ﷺ غير ابن عمر.

стр. 1754

وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنّه قال: ابن عمر أزهد القوم، وأصوب القوم رأيا. وعن يوسف بن مهران قال: كنّا مع جابر بن عبد الله فقال: إذا سرّكم أن تنظروا إلى أصحاب محمد ﷺ الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا فانظروا إلى عبد الله بن عمر، ما منّا أحد إلّا غيّر. وقال محمد بن سوقة عن أبي جعفر: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ ﷺ إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثا أجدر أن لا يزيد فيه ولا ينقص منه، ولا، ولا، من ابن عمر. وعن ابن عمر: «تلوت هذه الآية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] فذكرت ما أعطاني الله فما وجدت شيئا أحبّ إليّ من جاريتي رضيّة (١) فقلت: هي حرّة لوجه الله ، فلولا أنّي لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها». فأنكحها نافع (٢)، فهي أمّ ولده. وعن نافع: لو رأيت ابن عمر وهو يتتبّع آثار رسول الله ﷺ لقلت: هذا مجنون. وقال ابن [٢٤٩ أ] وهب عن مالك قال: أقام ابن عمر بعد النبيّ ﷺ ستّين سنة يفتي الناس في الموسم وغير ذلك. (قال) وكان ابن عمر من أئمّة الدين. وفي رواية: بلغ عبد الله بن عمر ستّا وثمانين سنة فأفتى في الإسلام ستّين سنة، ونشر نافع عنه علما جمّا. وقال ميمون بن مهران (٣): ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عبّاس. وقال يوسف ابن الماجشون عن أبيه (١*) وغيره إنّ مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعد ما قتل عثمان ﵁، فعرضوا عليه أن يبايعوا له. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم ونقاتلهم. فقال: والله لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلّا أهل فدك، ما قاتلتهم! (قال) فخرجوا من عنده ومروان يقول [البسيط]: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا (٢*) وبعث إليه عليّ ﵁ بعد ما بويع بالخلافة، ولحق طلحة والزبير بمكّة وأجمعا على المسير بأمّ المؤمنين عائشة، ﵃، إلى البصرة، كميل بن زياد النخعيّ (٣*) فجاء به فقال: أنهض مع أهل المدينة، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلت معهم لم أفارقهم فيه، فإن يخرجوا أخرج، وإن يقعدوا أقعد. فقال: فأعطني زعيما بأن لا تخرج. قال: ولا أعطيك زعيما. قال: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيرا وكبيرا لأنكرتني، دعوه فأنا به زعيم! فرجع عبد الله إلى أهل المدينة وهم يقولون: لا والله، ما ندري كيف تصنع، وإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر.

стр. 1755

فخرج عبد الله من ليلته بعد ما أخبر أمّ كلثوم بنت عليّ ﵄ بالذي سمع من أهل المدينة، وأنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ، ما خلا النهوض. وكان صدوقا، فاستقرّ عندها. وأصبح عليّ ﵁ فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة والزبير وأمّ المؤمنين ومعاوية. فقال: وما ذاك؟ قالوا: خرج عبد الله بن عمر إلى الشام. فأتى عليّ السوق ودعا بالظّهر فحمل الرجال وأعدّ لكل طريق طلّابا. وماج أهل المدينة. وسمعت أمّ كلثوم بالذي هم فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رجل ثمّ أتت عليّا وهو واقف في السوق يفرّق الرجال في طلبه فقالت: ما لك؟ ما تريد من هذا الرجل؟ إنّ الأمر على غير ما بلغك. وحدّثته وقالت: أنا ضامنة له. فطابت نفسه وقال: انصرفوا. والله ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندي ثقة. فانصرفوا. قال الزهري: والعجب من ابن عمر يمتنع من بيعة عليّ ويبايع يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان! وعند ما أجمع طلحة والزبير وعائشة ﵃ على المضيّ من مكّة إلى البصرة بمن معهم من المسلمين ليدعوا إلى الأخذ بثأر عثمان ﵁ [٢٤٩ ب] دعوا عبد الله إلى المسير معهم فقال: «إنّي امرؤ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض أنهض، وإن يجتمعوا على القعود أقعد». فتركاه ورجعا. وكانت أخته حفصة بنت عمر ﵄ أرادت الخروج مع عائشة، فمنعها من ذلك وعزم عليها فلم تسر. وأعلمت عائشة بذلك فقالت: يغفر الله لعبد الله! وقيل لعبد الله: فيم تفرّقت قريش؟ فقال: أو هي تفرّقت؟ إنّما تفرّق الغوغاء، والشرّ بينهما. والله لا يزال ذلك دأب الغوغاء حتى يفتنوا قريشا وحتى يسلمهم ذلك إلى الكفر يوما. فلم يشهد عبد الله الجمل ولا صفّين. وعند ما عزم معاوية على المسير إلى صفّين كتب هو وعمرو بن العاص إلى مكّة: أمّا بعد، فمهما غاب عنّا من الأمور، فلم يغب عنّا أنّ عليّا قتل عثمان. والدليل على ذلك مكان قتلته منه. وإنّا إنّما نطلب بدمه حتّى يدفعوا إلينا فنقتلهم بكتاب الله. فإن دفعهم إلينا كففنا عنه وجعلناها شورى بين المسلمين على ما جعلها عمر بن الخطّاب. فأمّا الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا على أمرنا هذا، وانهضوا من ناحيتكم، فإنّ أيدينا وأيديكم إذا اجتمعت على أمر هاب عليّ ما هو فيه. فكتب إليهما عبد الله بن عمر: أمّا بعد، فلعمري لقد أخطأتما موضع النصرة وتناولتماها من مكان بعيد. وما زاد الله من شكّ في هذا الأمر بكتابكما إلّا شكّا. وما أنتما والمشورة؟ وما أنتما والخلافة؟ أمّا أنت يا معاوية فطليق، وأمّا أنت يا عمرو فظنون. ألا فكفّا عنّا أنفسكما، فليس لكما فينا وليّ ولا نصير! فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فإنّه لم يكن أحد من قريش أحبّ إليّ أن يجتمع إليه الناس بعد عثمان منك. ثم ذكرت خذلك إيّاه وطعنك على أنصاره فتغيّرت لك. وهوّن ذلك عليّ خلافك على عليّ وجرّني إليك بعض ما كان منك. فأعنّا رحمك الله على حقّ هذا الخليفة المظلوم، فإنّي

стр. 1756

لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدها لك. فإن أبيت كان [ت] شورى بين المسلمين (١). وكتب في أسفل كتابه [الطويل]: ألا قل لعبد الله واخصص محمّدا ... وفارسنا المأمول سعد بن مالك (٢) ثلاثة رهط من صحاب محمّد ... نجوما ومأوى للرجال الصعالك ألا تخبرونا والحوادث جمّة ... وما الناس إلّا بين ناج وهالك: أحلّ لكم قتل الإمام بذنبه ... فلست لأهل الجور أوّل تارك وإلّا يكن ذنب أحاط بقتله ... ففي تركه والله إحدى المهالك [٢٥٠ أ] وإمّا وقفتم بين حقّ وباطل ... فوقف نساء في إماء عوارك وما القول إلّا نصره أو قتاله ... إمامة قدم بدّلت غير ذلك فإن تنصرونا تنصروا أهل حرمة ... وفي خذلنا يا قوم جبّ الحوارك فأجابه عبد الله: أمّا بعد، فإنّ الرأي الذي أطمعك فيّ هو الذي صيّرك إليه الله. أنّى تركت عليّا في المهاجرين والأنصار وطلحة والزبير وعائشة أمّ المؤمنين واتّبعتك؟ (٣) وأمّا زعمك أنّي طعنت على عليّ فلعمري ما أنا في الإيمان والهجرة كعليّ، ومكانه من رسول الله ﷺ ونكايته في المشركين. ولكن حدث أمر لم يكن من رسول الله ﷺ فيه عهد إليّ، ففزعت فيه إلى الوقوف، إن كان هدى ففضل تركته، وإن كان ضلالة فشرّ نجوت منه. فأغن عنّا نفسك. وقال لابن غزيّة (١*): «أجب الرجل! » فقال: معاوي لا ترج الذي لست نائلا ... وحاول نصيرا غير سعد بن مالك ولا ترج عبد الله واترك محمّدا ... ففيما تريد اليوم جبّ الحوارك تركنا عليّا في صحاب محمّد ... وكان لما يرجى له غير تارك نصير رسول الله في كلّ موطن ... وفارسه المأمول عند المعارك وقد خفّت الأنصار معه وعصبة ... مهاجرة مثل الليوث الشوابك وطلحة يدعو والزبير وأمّنا ... فقلنا لها: قولي لنا ما بدا لك حذار أمور شبّهت ولعلّها ... صوانع في الأخطار إحدى المهالك وتطمع فينا يا ابن هند سفاهة ... عليك بعليا حمير والسكاسك وقوم يمانيّون يعطوك نصرهم ... بصمّ العوالي والسيوف البواتك فلمّا تواعد عليّ ومعاوية على تحكيم الحكمين كتب معاوية إلى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير أن يحضرا الحكومة. فأراد ابن عمر أن يقعد فدخل على أخته حفصة أمّ المؤمنين فقال: قد كان من أمر الناس ما ترين، ولم يجعل لي من الأمر شيء. قالت: فالحق بهم، فإنّهم ينتظرونك، وإنّي أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فقال: إنّهم لم يقاتلوا على هذا ليدفعوه إليّ.

стр. 1757

فلم تدعه حتى ذهب فقدم على معاوية فأمره ومن قدم معه أن يذهبوا إلى عمرو بن العاص فأتوه وقعدوا عنده. فسكت عمرو وسكتوا، حتّى همّ ابن عمر أن يقول له: الكبر منعك تتكلّم. ثم تكلّم عمرو فافتخر، وذكر [٢٥٠ ب] شيئا عرّض فيه بالرّشوة، فغمز ابن الزبير عبد الله بن عمر. قال ابن عمر: فهممت أن أتكلّم، فقلت: أأقطع كلامه؟ لا، ولكن أدعه. فلمّا فرغ قلت: «إنّ العرب قد حمّلوك ما لا طاقة لك به، وإنّه لم يبق من أجلك إلّا كظمإ الحمار يشرب غدوة ويظمأ [سائر] النهار، فاتّق الله وردّ الحقّ إلى أهله». وشئت أن أقول له الذي أردت أن أقول. ولأن أكون قلته أحبّ إليّ من أن أعطى كذا وكذا، غضبا لرسول الله ﷺ وأصحابه. قالوا: ما أردت أن تقول؟ قال: أردت أن أقول: كذبت! بل أنت ابن النابغة (١) العبد الهجين! وفي رواية، قال ابن عمر: لمّا اجتمع الحكمان دعا أبو موسى إليّ سرّا ولا أعلم، فقال: يا عمرو: وهل لك إلى عبد الله بن عمر؟ رجل لم يضع يده في الفتنة، ثمّ هو من قد عرفت، فعسى أن يركب بالناس ما يعرفون. (قال) فإذا عمرو والله يريدني على الرشوة، وما أدري حتّى ضرب عبد الله بن الزبير على فخذي وقال: هل تدري ما يريد الرجل؟ والله إن يريد إلّا الرشوة! (قال) قلت: أنا أرشوه؟ والله لا أرشوه فيها ولا أرتشي! ما يسرّني أنّ لي بحظّي من جنّات عدن شيئا. ويحك يا عمرو، اتّق الله. وقيل لابن عمر: لو أقمت للناس أمرهم، فإنّ الناس قد رضوا بك كلّهم؟ قال: أفرأيتم إن خالف رجل بالمشرق؟ قالوا: يقتل. وما قتل رجل في صلاح هذه الأمّة؟ فقال: والله ما أحبّ أنّ أمّة محمد أخذت بعالية رمح وأخذت بزجّه بقتل رجل من المسلمين، ولي الدنيا وما فيها. فلمّا تفرّق الحكمان عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعريّ خطب معاوية بن أبي سفيان فقال: من كان يريد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطل وليقصّر، فنحن أحقّ بذلك منه ومن أبيه- يعرّض بابن عمر. فقال حبيب بن مسلمة (١*) لابن عمر: فهلّا أجبته فداك أبي وأمّي؟ فقال ابن عمر: فحللت حبوتي فهممت أن أقول: أحقّ بذلك منك من قاتلك وأباك على الإسلام. ثمّ خشيت أن أقول كلمة تفرّق بين الجميع ويسفك فيها الدم وأحمل فيها على غير رأيي. فكان ما وعد الله في الجنان أحبّ إليّ من ذلك كلّه. فقال حبيب لابن عمر: فإنّك قد عصمت وحفظت ممّا خفت عرّته. فلما اجتمع الناس على معاوية بايعه. فقيل لنافع: ما بال ابن عمر بايع معاوية ولم يبايع عليّا؟ فقال: كان ابن عمر لا يعطي يدا في فرقة ولا [٢٥١ أ] يمتنع من جماعة. ولم يبايع معاوية حتى اجتمع الناس عليه. فلمّا

стр. 1758

عهد معاوية لابنه يزيد ودعا الناس إلى بيعته بولاية العهد من بعده قال ابن عمر لمعاوية: أبايعك على أنّي أدخل فيما تجتمع عليه الأمّة. فو الله لو اجتمعت على حبشيّ لدخلت معها. ثم عاد إلى منزله فأغلق بابه فلم يأذن لأحد. فلمّا مات معاوية بعث إليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أمير المدينة ليبايع ليزيد بن معاوية، فقال: «إذا بايع الناس بايعت». فتركوه وكانوا لا يتخوّفونه. وقيل إنّ ابن عمر كان بمكّة هو وعبد الله بن عبّاس، فلمّا عادا إلى المدينة لقيهما الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزبير فسألاهما: ما وراءكما؟ فقالا: موت معاوية وبيعة يزيد. فقال ابن عمر: لا تفرّقا جماعة المسلمين! وقدم هو وابن عبّاس المدينة، فلمّا بايع الناس بايعا. ومات عبد الله بن عمر بمكّة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل عبد الله بن الزبير بنحو ثلاثة أشهر- وقيل ستّة أشهر- وأوصى أن يدفن في الخلّ (١) فلم يقدر على ذلك من أجل الحجّاج، ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين. وكان الحجّاج قد أمر رجلا فسمّ زجّ رمحه وزحمه في الطريق ووضع الزجّ في ظهر قدمه. وذلك أنّ الحجّاج خطب يوما وأخّر الصلاة فقال ابن عمر: إنّ الشمس لا تنتظرك. فقال له الحجّاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك. قال: إن تفعل فإنّك سفيه مسلّط. وقيل إنّه أخفى قوله ذلك عن الحجّاج ولم يسمعه. وكان يتقدّمه في المواقيت بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبيّ ﷺ وقف فيها، فكان ذلك يعزّ على الحجّاج، فأمر رجلا معه حربة يقال إنّها كانت مسمومة. فلمّا دفع الناس في عرفة لصق به ذلك الرجل فأمرّ الحربة على قدمه وهي في غرز راحلته فمرض منها أيّاما فدخل عليه الحجّاج يعوده فقال: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: وما تصنع به؟ قال: قتلني الله إن لم أقتله! قال: ما أراك فاعلا: أنت الذي أمرت الذي نخسني بالحربة! قال: لا تفعل يا أبا عبد الرحمن! وخرج عنه. وروي أنّه قال للحجّاج إذ قال له: من فعل بك؟ قال: أنت أمرت بإدخال السلاح في الحرم. فلبث أيّاما ومات. وصلّى عليه الحجّاج. وقد روي عنه أنّه قال: ما آسى (١*) على شيء من الأشياء إلّا أنّي لم أقاتل مع عليّ الفئة الباغية. وقيل لعبد الله بن عمر: لو دعوت الله لنا بدعوات؟ فقال: اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا. فقال له الرجل: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعوذ [٢٥١ ب] بالله من الإسهاب! وقد روى عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ فأكثر. وروى عن أبي بكر، وبلال، وصهيب، وطائفة من الصحابة ﵃. وروى عنه بنوه، سالم وحمزة وعبيد الله، وبلال، وزيد، وعبيد الله، وعمر، وحفيده

стр. 1759

محمد بن زيد، وعبد الله بن واقد، وأبو بكر بن عبيد الله، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وأبو صالح السمّان، وزيد بن أسلم، ونافع مولاه، وآدم بن عليّ، وبكر بن عبد الله المزنيّ، وجبلة بن سحيم، وثابت بن أبي حبيب، وزهرة بن معبد، وعبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير. ومن أهل مصر: شراحيل بن بكيل، وابن طعمة، وثابت بن يزيد الخولاني، وقيصر مولى تجيب. ولأهل مصر عنه سند بثمانية أحاديث كلّها أغربوا بها. وشهد عبد الله بن عمر فتح مصر مع عمرو بن العاص. ثمّ قدمها أيضا في خلافة عمر ﵁ يريد غزو إفريقيّة، فغزاها مع عبد الله بن سعد ابن أبي سرح. قال ابن يونس: شهد الفتح بمصر واختطّ بها، وروى عنه أكثر من أربعين رجلا من أهل مصر. وكان مجاب الدعوة: لمّا كتب زياد بن أبيه إلى معاوية بن أبي سفيان: إنّي قد ضبطت العراق، شمالي ويميني فارغة، وسأله أن يولّيه الحجاز والعروض، كره ابن عمر جور سلطانه وشقّ عليه. فاستقبل القبلة وقال: اللهمّ تجعل في القتال كفّارة لمن تشاء من خلقك. اللهمّ، فموتا لابن سميّة لا قتلا! فخرجت على إصبعه طاعونة فما أتت عليه إلّا جمعة حتى مات. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: إليك ابن سميّة، لا دنيا بقيت لك، ولا آخرة أدركت! ١٥٥٣ - شيخ الشيوخ تاج الدين الحمّوييّ [٥٦٦ - ٦٤٢] (١) [٢٥٢ أ] عبد الله- وقيل: عبد السلام- بن عمر بن عليّ بن محمد بن حمّويه بن محمد بن حموية بن علي، شيخ الشيوخ، تاج الدين، أبو محمد، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتح، ابن الفقيه أصيل خراسان أبي الحسن، ابن الإمام الزاهد شيخ الإسلام علم الزهّاد أبي عبد الله، الجوينيّ الحمّوييّ، الدمشقيّ. ولد بدمشق في يوم الأحد رابع عشر شوّال سنة ستّ وستّين وخمسمائة. وسمع من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، ومن القطب مسعود النيسابوريّ. وسمع في بغداد من فخر النساء شهدة بنت أحمد الأيّوبي وجماعة. وبرع في عدّة علوم وأتقن الأصلين وكتب الأمالي والتخاريج. وصنّف كتاب السياسة الملوكيّة برسم الملك الكامل محمد، وصنّف كتاب المسالك والممالك. وقدم إلى القاهرة، وسار منها إلى بلاد المغرب في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ولقي هناك أبا محمد بن حوط الله (١*) وغيره، وأخذ عنهم. وعاد إلى مصر في سنة ستّمائة. وسار إلى دمشق ثمّ إلى الرها، وأقام بها سنين عند الملك الأشرف موسى. ثم عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أن توفّي يوم الأربعاء خامس صفر سنة اثنتين وأربعين وستّمائة. وكان متديّنا شريف النفس قليل الطّمع لا يلتفت إلى أحد من أبناء الدنيا. لا من أهله ولا من غيرهم. ومن شعره قوله [البسيط]: لم ألق مستكبرا إلّا تحرّك لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه

стр. 1760

ولا حلا لي من الدنيا ولذّتها ... إلّا مقابلتي للتّيه بالتّيه وقوله [السريع]: يا ساهر المقلة لا عن كرى ... غفلت عن همّي وأوصابي لو لم يكن وجهك لي قبلة ... ما أصبح الحاجب محرابي ١٥٥٤ - أبو عبد الرحمن ابن غانم الرعينيّ [١٢٨ - ١٩٠] (١) [٢٥٢ ب] عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل ابن ثوبان، الرعينيّ، أبو عبد الرحمن- من أهل إفريقيّة- أورع أهل زمانه وأفقه أهل مصره. رحل وقدم مصر حاجّا ولقي مالك بن أنس. ثم عاد إلى القيروان وولي القضاء لإبراهيم بن الأغلب. فرفع إليه أنّ أبا موسى هارون مولى ابن الأغلب اشترى بغالا بخمسمائة دينار ومطل أربابها، فضمّ ديوانه وقام مع الشكاة إلى ابن الأغلب وعرّفه الخبر. فأحضر هارون وسأله فأقرّ واعتذر بأنّه إنّما أخّر المبلغ ليدفعه من خراج ضيعته. فألزمه بدفع المال في المجلس فدفعه لأربابه. ودخل مرّة على ابن الأغلب وفي يده قارورة بها دهن، فقال: كم يقول القاضي أنّ هذا الدهن يساوي؟ فذكر شيئا تافها. فقال ابن الأغلب: «إنّ ثمنه كذا وكذا» فذكر مبلغا عظيما. فقال ابن غانم: وما هو؟ فقال: إنّه سمّ قاتل سريع. فقال: أرنيه! فناوله إيّاه، فضرب بها العمود فكسرها فقال له ابن الأغلب: ماذا الذي صنعت؟ فقال: لا أترك معك ما تقتل به الناس! ١٥٥٥ - أبو القاسم عبيد المقرئ [٢٩٥ - ٣٦٠] (١*) [٢٥٣ أ] عبيد الله بن عمر بن أحمد، أبو القاسم، القيسيّ، البغداديّ، المقرئ، الفقيه الشافعيّ، المعروف بعبيد، نزيل قرطبة. أخذ القراءة عرضا عن أبي بكر ابن مجاهد، وأحمد بن يعقوب التائب، وإسحاق بن أبي عمران الإمام، وعن عليّ بن بدهن بمصر. وكان إماما في مذهب الشافعيّ كثير التصنيف في أصول الفقه وغير ذلك. مات في شوّال سنة ستّين وثلاثمائة في آخره وله خمس وستّون سنة. ١٥٥٦ - عبد الله بن عمر قاضي اليمن [٥٣٠ - ٦٢٦] (٢*) [٢٥٤ أ] عبد الله بن عمر بن عبد الله، القاضي أبو محمد، المعروف بقاضي اليمن، الشافعيّ. ولد بدمشق في سنة ثلاثين وخمسمائة تخمينا. وسمع بالإسكندريّة من السّلفيّ وغيره. وتوجّه صحبة شمس الدولة توران شاه إلى بلاد اليمن، وأمّ به في الصلوات، وتقدّم عنده واختصّ به، وولّاه قضاء اليمن وحصّل مالا كثيرا.

стр. 1761

ثمّ عاد وأقام بدمشق وحدّث بها. ومات في عاشر ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين وستّمائة. ١٥٥٧ - أبو المعالي جمال الدين الحلاويّ [٧٢٨ - ٨٠٧] (١) [٢٥٥ ب] عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك، الشيخ المسند المعتقد، جمال الدين، أبو المعالي، ابن الشيخ المعتقد أبي عبد الله، الهنديّ، الصوفيّ، السعوديّ، الحلاويّ- بحاء مهملة. تفرّد بالسماع من يحيى ابن المصري وغيره من أصحاب النجيب وتصدّى للسماع عليه بزاوية أبيه وجدّه بالأبّارين من القاهرة. فسمع عليه الناس عدّة سنين. وكان حسن الإصغاء للسماع صبورا عليه لا يكاد ينعس حال السماع مع طول المجلس وإن كان ليلا. وللناس في أبيه وجدّه اعتقاد، وهم من أهل الصلاح والخير. توفّي وقد قارب الثمانين يوم [ ... ] صفر سنة سبع وثماني مائة. ومولده في تاسع المحرّم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ١٥٥٨ - عبد الله بن عمرو بن العاص [- ٦٥] (٢) [٢٥٦ أ] عبد الله بن عمرو بن العاصي بن وائل ابن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، القرشيّ، السهميّ، أبو محمد- وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصير، والأوّل أشهر. كان أسمه العاصي فبدّل رسول الله ﷺ اسمه واسم العاصي بن مطيع والعاصي بن عمر بن الخطّاب، وسمّى كلّ أحد منهم عبد الله، وذلك في يوم واحد. وعبد الله بن عمرو أمّه ريطة بنت منبّه بن الحجّاج السهميّة. ولد وعمر أبيه ثنتا عشرة سنة، فكان أبوه أسنّ منه بهذا- وقيل: كان أبوه أسنّ منه بإحدى عشرة سنة. وأسلم قبل أبيه، وكان فاضلا لما قرأ من الكتب. واستأذن النبيّ ﷺ في أن يكتب حديثه فأذن له. قال: يا رسول الله، أكتب كلّ ما أسمع منك في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول إلّا حقّا. وقال أبو هريرة: ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله ﷺ منّي إلا عبد الله بن عمرو فإنّه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، أستأذن رسول الله ﷺ في ذلك فأذن له. وروى شفيّ الأصبحيّ عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت عن النبيّ ﷺ ألف مثل. وكان يسرد الصوم ولا ينام الليل فشكاه أبوه إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : إنّ لعينك عليك حقّا، وإنّ لأهلك عليك حقّا، وإنّ لزورك عليك حقّا. قم ونم وصم وأفطر! صم ثلاثة أيّام من كلّ شهر فذلك صيام الدهر. قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك. فلم يزل يراجعه في الصيام حتى قال له: لا صوم أفضل من صوم داود: كان يصوم يوما ويفطر يوما. فوقف عبد الله عند ذلك وتمادى عليه.

стр. 1762

ونازل رسول الله ﷺ أيضا ختم القرآن، فقال: اختمه في شهر! قال: إنّي أطيق أفضل من ذلك. فلم يزل يراجعه حتّى قال: لا تقرأه في أقلّ من سبع- وبعضهم يقول: أقلّ من خمس. والأكثر على أنّه لم ينزل من سبع، فوقف عند ذلك-. وقد شهد صفّين مع معاوية، واعتذر من ذلك. قال ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو أنّه كان يقول: ما لي ولصفّين؟ ما لي ولقتال المسلمين؟ والله لوددت أنّي متّ قبل هذا بعشر سنين! ثمّ يقول: أما والله ما ضربت فيها بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، ولوددت أنّي لم أحضر شيئا منها، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه! إلّا أنّه ذكر أنّه كانت بيده الراية يومئذ، فندم ندامة شديدة على قتاله مع معاوية وجعل يستغفر الله من ذلك ويتوب إليه. وقدم مع أبيه مصر وشهد فتحها، وكان على مقدّمة أبيه في فتح الإسكندريّة، فأصابته [٢٥٦ ب] جراحات كثيرة فقال لوردان، وهو حامل اللواء: يا وردان، لو تقهقرت قليلا نصيب الرّوح؟ فقال وردان: الرّوح تريد؟ الروح أمامك وليس هو خلفك! فتقدّم عبد الله. فجاءه رسول أبيه ليسأله عن جراحه، فقال [الوافر]: أقول [لها] إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي! فرجع الرسول بذلك إلى عمرو فقال: هو ابني حقّا! واستخلفه أبوه على مصر في إحدى قدمتيه على عمر بن الخطّاب ﵁. واستخلفه لمّا قدم على عثمان ﵁. فصرف عثمان عمرا بعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله على مصر. فسار عنها وأقام مع أبيه بفلسطين. ثمّ سار معه إلى معاوية بدمشق. واستعمله معاوية في حرب صفّين على الميمنة، فتقلّد سيفين ودرعين، قد تقلّد بواحد وهو يضرب بالآخر، وأطافت به خيل عليّ ﵁ فقال عمرو: يا الله، يا رحمان، ابني ابني! فقال معاوية: اصبر، إنّه لا بأس عليه. فقال عمرو: لو كان يزيد بن معاوية، إذن لصبرت! ولم يزل حماة أهل الشام يذبّون عنه حتى نجا هاربا على فرسه. فلمّا اشتدّت الحرب بصفّين ورفع معاوية المصاحف ودعا عليّا ﵁ إلى الحكم بما في كتاب الله، اختلف عليه أصحابه: فمنهم من رأى أن يتمّ ما هو عليه من قتال أهل الشام، ومنهم من رأى أن يجيب إلى تحكيم القرآن. فجزع أهل الشام وقالوا: يا معاوية، ما نرى أهل العراق أجابونا إلى ما دعوناهم إليه، فأثرها جذعة فإنّك قد غمزت بدعائك القوم، وأطمعتهم فيك. فدعا معاوية عبد الله بن عمرو فأمره أن يكلّم أهل العراق، فأقبل حتى إذا كان بين الصّفّين نادى (١*): يا أهل العراق، أنا عبد الله بن عمرو بن العاص. إنّها قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين أو الدنيا، فإن تكن للدين فقد والله أعذرنا وأعذرتم. وإن تكن للدنيا فقد والله أسرفنا وأسرفتم. وقد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم. فإن يجمعنا وإيّاكم الرّضا فذاك من الله. فاغتنموا هذه

стр. 1763

الفرجة لعلّه أن يعيش فيها المحترف وينسى فيها القتيل فإنّ بقاء المهلك بعد الهالك قليل. فلمّا بلغ قوله عليّ بن أبي طالب قال لسعيد بن قيس الهمداني: أجب الرجل! فتقدّم سعيد فقال: يا أهل الشام، إنّه كان بيننا وبينكم أمور حامينا فيها عن [٢٥٧ أ] الدين والدنيا سمّيتموها غدرا [وسرفا] (١) وقد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه، ولم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه: أن نحكم بما أنزل الله. فالأمر في أيدينا دونكم، وإلّا فنحن نحن وأنتم أنتم. فلمّا انقضت صفّين ثمّ قتل عليّ ﵁، وصالح الحسن بن علي ﵇ معاوية واستقرّ له الأمر استعمل عبد الله بن عمرو على الكوفة. فأتاه المغيرة بن شعبة فقال: استعملت عبد الله على الكوفة وأباه على مصر فتكون نازلا بين نابي الأسد. فعزله عنها واستعمل المغيرة على الكوفة، فبلغ عمرو بن العاصي كلام المغيرة فدخل على معاوية وقال: استعملت المغيرة على الخراج، وإنّه ليغتال المال ولا تستطيع أن تأخذه منه. استعمل على الخراج رجلا يخافك ويتّقيك. فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة. وقدم عبد الله بن عمرو مع أبيه مصر فلم يزل بها حتّى مات أبوه وقد استخلفه على مصر فأقرّه معاوية عليها، ثمّ عزله بعتبة بن أبي سفيان، فأقام بمصر إلى أن مات معاوية واستخلف بعده ابنه يزيد بن معاوية. فكره عبد الله بن عمرو أن يبايع ليزيد. وكان مسلمة بن خالد الأنصاري أمير مصر يومئذ بالإسكندريّة فبعث إليه كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد فدخلا عليه ومعهما سليم بن عتر وهو يومئذ قاضي مصر وقاصّ. فوعظوا عبد الله في بيعة يزيد فقال: والله لأنا أعلم بأمر يزيد منكم. وإنّي لأوّل الناس أخبر به معاوية أن يستخلف. ولكن أردت أن يلي هو بيعتي. وقال لكريب: أتدري ما مثلك؟ مثل قصر عظيم في صحراء غشيه ناس قد أصابهم الحرّ فدخلوا يستظلّون فيه فإذا هو ملآن من مجالس الناس. وإنّ صوتك في العرب كريب بن أبرهة وليس عندك شيء. وأمّا أنت يا عابس بن سعيد، فبعت أخراك بدنياك. وأمّا أنت يا سليم بن عتر فكنت قاصّا فكان معك ملكان يعينانك ويذكّرانك، ثمّ صرت قاضيا فمعك شيطانان يزيغانك عن الحقّ ويفتنانك. وذكر أبو عمر الكنديّ أنّ مسلمة كتب إلى عابس بن سعيد من الإسكندرية بأخذ البيعة ليزيد، فبايعه الجند إلّا عبد الله بن عمرو، فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه. فلمّا رأى ذلك بايع ليزيد. ولم يزل بمصر حتّى مات بها للنصف من [٢٥٧ ب] جمادى الآخرة سنة خمس وستّين. فلم يستطع أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان بن الحكم في داره بسبب قتله الأكدر بن حمام. وقيل: مات ليالي الحرّة في ولاية يزيد بن معاوية، وكانت الحرّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين. وقيل: مات سنة ثلاث وسبعين. وقيل: مات بأرضه بالسّبع من فلسطين سنة خمس وستّين. وقيل: مات بمكّة سنة سبع وستّين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

стр. 1764

وقيل: توفّي بالطائف سنة خمس وخمسين. والصحيح أنّه مات بمصر كما تقدّم وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكان رجلا طوالا أحمر عظيم الساقين أبيض الرأس واللحية. وكان قد عمي في آخر عمره. وقيل: كان يخضّب بالسواد. وخرّج الحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: كانت أمّ عبد الله بن عمرو ريطة بنت منبّه بن الحجّاج، وكانت تلطّف برسول الله ﷺ ، فأتاها ذات يوم فقال: كيف أنت يا أمّ عبد الله؟ فقالت: بخير. فكيف أنت بأبي وأمّي يا رسول الله؟ قال: بخير. (قال) وكيف عبد الله؟ قالت: بخير- وعبد الله رجل قد ترك الدنيا- (١). قال له أبوه يوم صفّين: اخرج فقاتل! فقال: قد كان من عهد رسول الله ﷺ ما قد سمعت. قال: أنشدك بالله! أتعلم أنّ [هـ] ممّا كان من عهد رسول الله ﷺ إليك أنّه أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال: أطع أباك عمرو بن العاص؟ قال: نعم. قال: فإنّي آمرك أن تقاتل. (قال) فخرج يقاتل. فلمّا وضعت الحرب أوزارها قال عبد الله [الطويل]: فلو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفّين يوما شاب منها الذوائب عشيّة [جا] أهل العراق كأنّهم ... سحاب ربيع صفّفته الجنائب إذا قلت: قد ولّوا سراعا [بدت لنا] ... كتائب منهم وارجحنّت كتائب فقالوا لنا: إنّا نرى أن تبايعوا ... عليّا، فقلنا: بل نرى أن نضاربوا (١*) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في غزوة له ففزع الناس فخرجت وعليّ سلاحي فنظرت إلى سالم مولى أبي حذيفة عليه سلاحه يمشي وعليه السكينة فقلت: «لأقتدينّ بهذا الرجل الصالح! » فسرت معه حتى أتى فجلس عند باب رسول الله ﷺ ، وجلست معه. فخرج رسول الله ﷺ مغضبا فقال: يا أيّها الناس، ما هذه الخفّة! ما [٢٥٨ أ] هذا النزق؟ أعجزتم أن تصنعوا كما صنع هذان الرجلان المؤمنان؟ وقيل: كان اسم عبد الله بن عمرو «العاص» فغيّره النبيّ ﷺ وسمّاه عبد الله. وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ أحاديث كثيرة، وروى عن أبيه وأبي بكر وعمر ومعاذ وأبي الدرداء وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد على خلاف فيه (٢*)، وحفيده شعيب بن محمّد وأبو أمامة بن سهل وجبير بن نفير وسعيد بن المسيّب وأبو الخير اليزني ووهب بن منبّه وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخلائق. ولأهل مصر عنه نحو مائة حديث. ١٥٥٩ - عبد الله المطرف [- ٩٦] (٣*) [٢٥٩ أ] عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان بن

стр. 1765

أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ، الأمويّ، المعروف بالمطرف، والد محمد الديباج. قيل له «المطرف» لحسنه وجماله. أمّه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطّاب. يعدّ في الطبقة العالية من أهل المدينة. روى عن أبيه ورافع بن حديج وعبد الله بن عبّاس وجدّه لأمّه عبد الله بن عمر بن الخطّاب وجماعة. روى عنه محمد بن يوسف ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهشام بن سعد، وابنه محمد بن عبد الله، الديباج. خرّج له مسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ. ووثّقه النسائيّ وغيره. وكان شريفا نبيلا جوادا ممدّحا. مدحه الفرزدق وموسى شهوات (١). قال ابن سعد وأبو عمر الكندي: مات بمصر سنة ستّ وتسعين، وله أخبار، منها: قال عبد الله بن نافع: كان ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا قدم على عبد الملك بن مروان نهى بني أميّة عن كلامه. فخرج من عنده مرّة فمرّ بعبد الله بن عمرو بن عثمان وهو جالس مع أهل الشام. فجعل ثابت يتصفّح وجوههم. فقال له عبد الله: إلام تنظر؟ هؤلاء قتلة أبيك. قال: لكن أبوك ما قتله إلّا حملة القرآن. وقال مالك عن نافع إنّ ابنة سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل كانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان، فطلّقها البتّة، فانتقلت فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقال الزبير بن بكّار: قدم الوليد بن عبد الملك المدينة وهو خليفة فوضع أربع [ة] كراسيّ جلس عليها أربعة أشراف من قريش كلّهم أمّه من بني عديّ بن كعب: - عبد الله بن عمرو بن عثمان: أمّه حفصة ابنة عبد الله بن عمر بن الخطّاب. - ومحمد بن المنذر بن الزبير: أمّه عاتكة ابنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. - وطلحة بن عبد الله بن عوف: أمّه بنت مطيع ابن الأسود. - ونوفل بن مساحق: أمّه بنت مطيع بن الأسود. (قال): ولمّا نشأ عبد الله بن عمرو قال الناس: هذا حسن مطرف بعد عمرو بن الزبير. فبذلك أسمي عبد الله المطرف. (قال: ) وكان عمرو بن الزبير فائق الجمال. وذكر الأصمعي أنّ عبد الله بن عمرو بن عثمان مرّ هو وعمر بن عبد العزيز على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة وقد عمي (١*). فلم يسلّما عليه فأخبر بذلك فأنشأ يقول [الطويل]: لا تعجبا أن تؤتيا [ ... ] ... فما خشي الأقوام شرّا من الكبر (٢*) [و] مسّا تراب الأرض: منه خلقتما ... وفيها المعاد، والمصير إلى الحشر قال الزبير بن بكّار: قال جميل لبثينة: ما رأيت عبد الله بن عمرو بن عثمان يخطر على البلاط إلّا أخذتني الغيرة عليك وأنت بالجناب. ولعبد الله بن [٢٥٩ ب] عمرو يقول أبو الرّبيس (٣*) عباد بن طهفة التغلبيّ [الطويل]:

стр. 1766

جميل المحيّى واضح اللون لم يطأ ... بحزن ولم تألم له النكب أصبع من النفر الشمّ اللذين إذا ابتدوا ... وهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا إذا النفر الأدم اليمانون نمنموا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا جلا الغسل والحمّام والبيض كالدّمى ... وطيب الدهان رأسه فهو أصلع وأنشد لموسى شهوات فيه [الخفيف]: ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنّك فان أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان وله يقول الفرزدق [الوافر]: أعبد الله إنّك خير ماش ... وساع بالجراثيم الكبار نمى الفاروق أمّك وابن أروى ... أباك فأنت منصدع النهار هما قمرا السماء وأنت نجم ... به بالليل يدلج كلّ سار وهل في الناس من أحد يساوي ... يديك إذا تنوزع للفخار؟ كلا أبويك عبد الله برّ ... رفيع في المنازل والديار (١) وفيه أيضا يقول السريّ (٢) بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري [الخفيف]: يا ابن عثمان وابن خير قريش ... ابغني ما يقرّني بقباء (٣) ربّما بلّني نداك وجلّى ... عن جبيني عجاجة الغرماء وخرج الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان إلى الصحراء فأخذتهما السماء فأويا إلى سرحة، فكتب الحسن على السرحة [الخفيف]: خبّرينا خصصت يا سرح بالغي ... ث بصدق والصدق فيه شفاء هل يموت المحبّ من لاعج الشّو ... ق، ويشفي من الحبيب اللقاء؟ فكتب عبد الله بن عمرو: إنّ جهلا سؤالك السرح عمّا ... ليس فيه على الحبيب خفاء ليس للعاشق المحبّ من الح ... بّ سوى لذّة اللقاء شفاء ١٥٦٠ - عبد الله بن فرّوخ الخراساني [١١٥ - ١٧٥] (١*) [فقيه القيروان] [٢٦٠ أ] ويقال اليماميّ. نزيل المغرب. مولده سنة خمس عشرة ومائة. وروى عن هشام بن عروة، وابن عون، وأسامة بن زيد الليثيّ وجماعة. وعنه عمرو بن الربيع بن طارق، وسعيد بن أبي مريم وجماعة. وتفقّه لأبي حنيفة وحمل عنه مسائل. وقدم مصر سنة أربع وسبعين ومائة. فلمّا ور [د] ها قال عبد الله بن وهب: قدم علينا بعد موت الليث بن سعد فرجونا أن يكون خلفا منه.

стр. 1767

الصفحة الأخيرة من مخطوطة باريس.

стр. 1768

وقال ابن أبي مريم: هو أرضى أهل الأرض عندك. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: تعرف منه وتنكر. ويذكر أنّه ناظر زفر في حلقة أبي حنيفة فازدراه زفر، فلم يزل يعلو على زفر حتى قطعه. ثمّ ناظره أبو حنيفة فلم يزل به حتّى أبان له. وكان يقول حين انصرف إلى القيروان: كلّ من لقيه صاحبكم أفقه منه إلّا أبا حنيفة، يعني نفسه. وكانوا يتبرّكون به ويجلسون له على طريقه ليدعو لهم. وكان يقول بإباحة النبيذ وتحليل شربه ويروي أحاديث في ذلك. وكان يرى الخروج على أهل الجور. توفّي بمصر بعد انصرافه من الحجّ سنة خمس وسبعين ومائة. روى له أبو داود في سننه. ١٥٦١ - عبد الله بن القاسم الحسينيّ [- ٢٦١] [٢٦٠ ب] عبد الله بن القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. توفّي بمصر يوم الاثنين لاثنتي عشرة بقيت من رمضان سنة إحدى وستّين ومائتين (١*).

стр. 1769

التراجم الملحقة بكتاب درر العقود الفريدة هذه ٢٩ ترجمة من حرف العين: عمارة، عمر، عمران الخ .. - علاوة على واحدة من الدال أضفناها إلى المجلّد الثالث: داود ٤٠١! - كنّا عثرنا عليها في القسم المودع بمكتبة قوطا Arab ٢٧٠ من معجم المقريزي الثاني الذي خصّصه لمعاصريه. وكنّا نشرناها في ذيل الجزء الثامن من المقفّى. وننشرها اليوم في مكانها المعقول: الجزء الرابع من هذه الطبعة الثانية مرقّمة برقم متفرّع عن الرقم الأخير من المجلّد الرابع، أي من ١٥٦١/ ٢ إلى ١٥٦١/ ٣١. ومرتبة ترتيبا أبجديّا من عمارة إلى عيسى. *** هذه التراجم هي من مادّة المقفّى بالأدلّة الآتية: ١) أنّها ألصقت بكتاب الدرر مجتمعة بعد تراجم الألف مباشرة، مع أنّ الكتاب في طبعته الكاملة- إلى حدّ الآن- يشمل تراجم كثيرة من العبادلة والعائشات وعثمان الخ ... وأربعا من داود. وهذا الانقطاع دعا الدكتور الجليلي ناشر العقود ببيروت في العام الماضي- مع السبب الموالي- إلى طرح هذه التراجم الثلاثين من طبعته ملاحظا على حقّ أنّها «ليست من درر العقود ... ويبدو أنّها من المقفّى» (ص ١٠ من مقدّمة طبعته). ٢) أنّ أعلام هذه الترجمات ماتوا قبل سنة ٧٦٠، وهو التاريخ الذي جعله المقريزي برزخا يفصل بين تراجم المقفّى وتراجم المعجم الثاني درر العقود. ٣) أنّها لا تخضع لتسلسل ولا ترتيب معيّن: فبين عمارة وعمارة يأتي عيسى وعمر وعمران، فلذلك رتّبنا هذه الإضافات ترتيبا أبجديّا من عمارة إلى عيسى. *** والأصل واحد وحيد: هو مخطوط قوطا: أكمل به الدكتور الجليلي مادّة الجزءين الكبيرين الذين بقيا مدّة طويلة بحوزته، ونشره الدكتور محمد كمال الدين عزّ الدين علي- بتصرّف- وطرح منه هو أيضا هذه الملحقات، ونشره كاملا الدكتور عدنان درويش ومحمد المصري مع الاحتفاظ بالزوائد دون أن ينبّها أو ينتبها إلى خروجها عن شرط المقريزي لكتابه كما بيّنه في مقدّمته الآتية. ونظرا لاعتمادها واعتمادنا على ذلكم الأصل الفريد، نكتفي بتعيين رقم الورقة وبالإحالة إلى طبعة الدرويش/ المصريّ مع الإحالة طبعا إلى مصادر أخرى إن وحدت.

стр. 1770

مقدّمة المقريزي لكتاب الدرر (١) وبعد، فإنّي ما ناهزت من سني عمري الخمسين، حتّى فقدت معظم الأصحاب والأقربين، فاشتدّ حزني لفقدهم، وتنغّص عيشي من بعدهم، فعزّيت النفس عن لقائهم بتذكارهم، وعوّضتها عن مشاهدتهم باستماع أخبارهم، وأمليت ما حضرني من أنبائهم في هذا الكتاب، وسمّيته: درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة والله أسأل أن يبرّد في مقرّ البلى مضجعهم، ويقرّ ليوم التنادي مهجعهم، ويجمعني وهم بدار كرامته في نعمته، ويمنعني وإيّاهم بالخلود مع الأبرار في جنّته، بمنّه وكرمه. وفي ذلك أقول [الطويل]: فقدت لعمري ما كان لي يحلو ... وأوحشني قوم بهم كان لي شغل فلا غائب في الناس أرجو قدومه ... ولا زائر، همّي بزورته يجلو ولا صاحب أرجو لدفع كريهة ... إذا محن الأيّام ما خطبها سهل ولا مسعف بالرأي لي هو مرشد ... ولا منجد بالجاه قدري به يعلو [٢ أ] ولا فارج عنّي الهموم بإنسه ... يطارحني همّا يخفّ به الثكل ولم يبق لي من صبوة وصبابة ... تلذّ بها نفسي ويجتمع الشمل وقد أعرضت نفسي عن اللهو جملة ... وملّت لقاء الناس حتّى وإن جلّوا وصار بحمد الله شغلي وشاغلي ... فوائد علم لست من شغلها أخلو فطورا يراعي كاتب لفوائد ... بصحّتها قد جاءنا العقل والنقل واونة للعلم صدري جامع ... فتزكو به نفسي وعن همّها تسلو ثم إنّي رأيت بعد ذلك أن أجمع أخبار من أدركته، سواء غاب عنّي أو رأيته، من أهل مصر (١*) كان أو غيرها من البلدان، فأقيّد أخبار الملوك والأمراء، وأعيان الكتّاب والوزراء، وأذكر رواة الحديث والفقهاء، وحملة سائر العلوم والشعراء، ومن له ذكر شهير، أو قدر نبيه خطير، إمّا من رجال الدنيا أو طلّاب الأخرى، من ابتداء سنة ستّين وسبعمائة، وأورد في اسم كلّ ملك أوّليّة دولته، ومن سلف من ملوك مملكته، كي يحيط الناظر فيه علما بدول الزمان، وملوك العصر والأوان، «فكأن قد» وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢] وحسبي الله، وكفى به وكيلا.

стр. 1771

الورقة ١٨٥ أمن مخطوط قوطا) Arab ٢٧٠ الترجمة ١٥٦١/ ٥ السراج ابن ظافر)

стр. 1772

د ١٥٦١/ ٢ - عمارة اليمنيّ [٥١٥ - ٥٦٠] (١) [١٧٦ أ] عمارة بن أبي الحسن عليّ بن زيدان بن أحمد، الحكميّ، اليمني، أبو محمد، نجم الدين أو شمس الدين. ولد بمدينة مرطان من وادي وساع بتهامة اليمن، وبعدها عن مكة في مهبّ الجنوب أحد عشر يوما. وأصله من قحطان ثم من الحكم بن سعد العشيرة المذحجيّ. وبقي أهله في تهامة من غير مخالطة أهل الحضر، فكانوا لا يناكحون حضريا ولا يجيزون شهادته ولا يرضون بقتله قودا بأحد منهم، فسلمت لغتهم من الفساد. وصارت رئاستهم وسياستهم إلى المثيب بن سليم جدّ عمارة لأمّه، وإلى زيدان بن أحمد جدّه لأبيه، وهما ابنا عمّ. وكان زيدان يقول: أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدّا ما منهم إلّا عالم مصنّف في عدّة علوم. فورث علي بن زيدان عمّ عمارة، ومحمد بن المثيب خاله رئاسة حكم بن سعد، ووقفت عليهما وانتهت إليهما. وتميّز علي بن زيدان في قومه بالسؤدد فلم يكن يغضب ولا يقذع في القول ولا يبخل ولا يجبن ولا يضرب مملوكا أبدا، ولا يردّ سائلا، ولا عرف أنّه عصى الله بقول ولا فعل. وحجّ أربعين حجّة. فكان قومه لا يوردون ولا يصدرون إلّا عن رأيه ومشورته ويرون أنّه لو كان قرشيّا ودعاهم إلى بيعته لماتوا تحت رايته لاجتماع شروط الخلافة فيه واشتماله على أخلاق الصّدّيقين وهمّة الملوك، إلّا أنّه عدم النسب في قريش. ووفد إليه رجل من بني الحارث يدعى سالم بن شافع يستعين به في دية قتيل لزمته فوجده مريضا فأنشد [الوافر]: إذا أودى ابن زيدان عليّ ... فلا طلعت نجومك يا سماء ولا اشتمل النساء على جنين ... ولا روّى الثرى للسحب ماء على الدنيا وساكنها جميعا ... إذا أودى أبو الحسن العفاء! فلمّا سمعها دفع إليه ألف دينار وساق عنه الدية. وأجدب قومه مرّة ففرّق في المقلّين مائتي ناقة [لبون وأربعمائة بقرة] (١*) لبون ولم يقبلها بعد ما أغيثوا. وبعث مؤدّب ولده إليه بابنه ومعه لوح فيه إصرافة (٢*) وكان في اللوح سورة ص فأرسل له [بمائة بقرة] لبون معها أتباعها وغلّة تحصّل منها نحو ألفي إردبّ سمسم [١٧٥ - ب]. وكانت أمواله لا تدخل تحت حصر مع الحماسة الشديدة والشجاعة. وولد عمارة فبلغ الحلم في سنة تسع وعشرين وخمسمائة وخرج من [ ... ] (٣*) إلى زبيد في سنة إحدى وثلاثين، فتفقّه بها على مذهب الشافعيّ، وبرع في الفرائض وقال الشعر. وحجّ مع الملكة الحرة أمّ فاتك ملك زبيد، فاتّصل بها وحصل له منها جانب قويّ وصورة جميلة وشفاعة مقبولة، وتقدّم على الأكابر والأعيان، وصحب الوزير القائد أبا محمد سرور الفاتكيّ القائم بالدولة في

стр. 1773

زبيد. فكثر ماله وتردّد من زبيد إلى عدن للتجارة فأثرى ثراء عظيما واتّسع حاله وبعد صيته وصار يعدّ من أكابر التجّار ومن أهل الثروة ومن أكابر الفقهاء الذين أفتوا ودرّسوا، ومن أفضل أهل الأدب مع الوجاهة عند أهل الدول، والنعمة الظاهرة في الملبس، وكثرة السراريّ. وأقام على ذلك من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ثم ورد عليه كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن يستدعيه فسار من زبيد واجتمع به. فكوتب فيه أهل زبيد بأنّه قد مال مع علي بن مهدي صاحب الدولة باليمن ليأخذ زبيد. فتنكّر أهل زبيد على عمارة وأجمعوا على قتله. فلمّا رجع إليهم من عند محمد بن سبأ بلغه ذلك ففرّ من زبيد ولحق بمكّة في سنة تسع وأربعين وخمسمائة (١). فاتّفق موت هاشم بن فليتة أمير الحرمين وولاية ابنه قاسم بن هاشم، فبعث عمارة سفيرا عنه إلى القاهرة. فقدم إليها في شهر ربيع الأوّل سنة خمسين وخمسمائة، والخليفة حينئذ الفائز بنصر الله أبو (٢) القاسم عيسى ابن الظافر بأمر الله إسماعيل، ووزيره الصالح طلائع بن رزّيك. فتلقّاه أهل الدولة بالإكرام على عادتهم في ذلك، وأحضر للسلام على الخليفة في قاعة الذهب من القصر. فلمّا مثل بالحضرة أنشد [البسيط]: الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أوليت من نعم لا أجحد الحقّ عندي للركاب يد ... تمنّت اللجم فيها رتبة الخطم قرّ بن بعد مزار العزّ من نظري ... حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم فهل درى البيت أنّي بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلّا إلى حرم حيث الخلافة مضروب سرادقها ... بين النقيضين من عفو ومن نقم [١٧٥ أ] وللإمامة أنوار مقدّسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم وللنبوّة آيات تنصّ لنا ... على الخفيّين من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلى ألسن تثني محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذّاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجد ومن همم أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النجاة وأجر البرّ في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفرّاج للغمم اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلّا يد الطّيّعين السيف والقلم وجوده أوجد الأيّام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم قد ملّكته العوالي رقّ مملكة ... تعير أنف الثريّا عزّة الشمم أرى مقاما عظيم الشأن أوهمني ... في يقظتي أنّها من جملة الحلم يوم من العمر لم يخطر على أملي ... ولا ترقّت إليه رغبة الهمم

стр. 1774

ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح، فما أرضى لكم كلمي ترى الوزارة فيه وهي باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متّهم عواطف علّمتنا أنّ بينهما ... قرابة من جميل الرأي لا الرحم خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلّا على مفرق الإسلام والأمم زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى منّة الديم فكان الصالح يستعيد الأبيات في حال الإنشاد مرارا، والأمراء والأستاذون يذهبون في الاستحسان كلّ مذهب. ثم أفيضت عليه خلع الخلافة وهي مذهبة، ودفع له الصالح خمسمائة دينار عينا، وأخرجت إليه الشريفة العمّة ابنة الإمام الحافظ لدين الله مع بعض الأستاذين خمسمائة دينار أخرى. وخرج والمال محمول إلى منزله. وأطلقت له من دار الضيافة رسوم جليلة، وتهاداه أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم، واستحضره الصالح للمجالسة ونظمه في سلك أهل المؤانسة وانثالث عليه صلاته وغمره ببرّه. وأنشده يوما من أبيات [الطويل]: دعوا كلّ برق شمتم غير بارق ... يلوح على الفسطاط صادق بشره وزوروا المقام الصالحيّ، فكلّ من ... على الأرض ينسى ذكره عند ذكره [١٧٤ - ب] ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى ... فتجنوا على مجد المقام وفخره ولكن سلوا منه العلى تظفروا به ... وكلّ امرئ يرجى على قدر قدره فرمى الخريطة إليه فوجد فيها مائة دينار عينا وخمسين رباعيّا. ومدحه في شعبان سنة خمسين وخمسمائة بقصيدة فيها [الكامل]: قصدتك من أرض الحطيم قصائدي ... حادي سراها سنّة وكتاب (١*) منها: إن تسألا عمّا لقيت فإنّني ... لا مخفق أملي ولا كذّاب لم أنتجع ثمد النطاف ولم أقف ... بمذانب وقفت بها الأذناب لكن وردت قرارة العزّ الذي ... تغدو عبيدا عندها الأرباب (٢*) عثرت به قدم الثناء فلا لعا ... إن لم تقلها رفعة وثواب (٣*) فألقى إليه الخريطة فوجد فيها ثلاثة وسبعين دينارا. وودّع الخليفة والوزير بقصيدة، منها في ذكر العود إلى مكّة واليمن قوله [الكامل]: من لي بأن ترد الحجاز وغيرها ... أخبار طيب مواردي ومصادري زارت بي الآمال أكرم ساحة ... فوق الثرى فغدوت أكرم زائر ووفدت ألتمس الكرامة والغنى ... فرجعت من كلّ بحظّ وافر فكأنّ مكّة قال صادق فألها ... سافر تعد نحوي بوجه سافر فأوسعه إكرامهما توفيرا وإنعامهما توقيرا حتى قال سيف الدين حسين ابن أبي الهيجاء للتوزري متولّي الرسالة عن الخليفة إلى الوزير: ثلاثمائة

стр. 1775

دينار تسفير لعمارة من الخليفة قليل، فاستجملوا من الرجل فما جاءكم مثله، وزيدوه مائتي دينار، فتكون الوفادة خمسمائة دينار والتسفير خمسمائة دينار- ففعلت السيدة العمّة ذلك، وحمل إليه خمسمائة دينار تسفيرا. ثمّ دخل على الصالح بدار الوزارة ليوادعه فأنشده من أبيات [الكامل]: لازمت خدمته فأدّب خاطري ... فالمدح من إحسانه معدود فإذا نظمت له المديح فإنّما ... أهدي بضاعته له وأعيد فلأشعرنّ به مشاعر مكّة ... ولتسمعن عدن بها وزبيد صدر حمدت به الورود وإنّما ... ذمّت به عودي المطايا القود (١) فخلع عليه ودفع له مائتي دينار، وكتب له إلى والي قوص بمائة إردبّ قمحا وأن يحملها إلى مكّة من مال الديوان. وكتب له كتابا إلى محمد بن عمران [١٧٤ - أ] الداعي باليمن، فلمّا وصل إليه أسقط عن عمارة ثلاثة آلاف دينار كانت عليه. وسار عمارة من القاهرة في شوال سنة خمسين وخمسمائة. فلمّا وصل إلى عدن كتب إلى الصالح قصيدة، منها [الطويل]: لياليّ بالفسطاط في شاطئي مصر ... سقى عهدك الماضي عهاد من القطر لقد غمرتني من نداه مواهب ... أضافت إلى عزّ الغنى شرف القدر قصدت الجناب الصالحيّ تفاؤلا ... وقد فسدت حالي فأصلح لي دهري ولم يرض لي معروفه دون جاهه ... فسيّر كتبا كالكتائب في أمري كأنّ يدي في جانبيّ غدت بها ... تهزّ على الأيّام ألوية النصر وما فارقتني نعمة صالحيّة ... كأنّي من مصر رحلت إلى مصر فلمّا قرأها الصالح قال: لقد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا ولقد كان إمساكه للخدمة والصحبة أولى. ثم إن عمارة قفل من عدن إلى مكّة سنة إحدى وخمسين، فبعثه قاسم بن هاشم أمير الحرمين إلى القاهرة بسبب جناية بعض خدمه على حاجّ مصر والشام. فسار إلى قوص في البحر، وبعث متولّي قوص يخبر بقدومه. فكتب الصالح بتعويقه في قوص حتّى يردّ أمير الحرمين ما أخذ من مال التجّار، فأقام بها. ووشى به الأمير سيف الدين حسين ابن أبي الهيجاء إلى الصالح أنّه يطعن في مذهب الإماميّة، فتنكّر له. وخرج عمارة من قوص إلى مصر، فلمّا ورد ساحل مدينة مصر كتب إلى الصالح، وقد أرسى تحت دار الملك [الطويل]: ولي تحت دار الملك يومان لم تلح ... لعيني علامات الكرامة والبشر وقد أخذت أيّام قوص نصيبها ... فهل نقلت تلك السجايا إلى مصر؟ فخرج الأمر بإنزاله وإكرامه فأنزل. ووصل للسلام فأنشد أبياتا يصف فيها وقعة العريش مع الفرنج، وأشار فيها إلى البراءة ممّا نقل عنه من الطعن في مذهب الإماميّة، منها [الكامل]: فاعلم، وأنت بما أريد مقاله ... منّي ومن كلّ البريّة أعلم

стр. 1776

أنّي حسدت على كرامتك التي ... من أجلها في كلّ يوم أكرم وبدون ما أسديته من ننعمة ... سدّى الرجال الحاسدون وألحموا إن كان ما قالوا، وليس بكائن، ... فأنا امرؤ ممّن سعى بي ألأم غدر كأخبار الحسود وموقف ... ألزمت نفسي فيه ما لا يلزم كذب وحقّك لو حلمت بذكره ... أقسمت أنّي بعدها لا أحلم [١٧٢ ب] راجع جميل الرأي فيّ بنظرة ... تضحي عواطفها تسيح وتسحم فالليل إن أقبلت صبح مسفر ... والصبح [١٧٣ - ب] أن أعرضت ليل مظلم بدأت صنائعك الجميل ومثلها ... بأجلّ من تلك البداية يختم فزال ما كان في نفس الصالح منه وأمر له بمائة دينار، وخرج الأمر إلى الأمير عزّ الدين حسام بحمل رسومه من بيت المال ففعل، وأمر [هـ] بملازمة الخدمة في المجالسة والمؤاكلة والمدح. فتأكّدت الحرمة وتضاعفت المزيّة والاختصاص حتى إنّه جرى من بعض الأمراء في مجلس السّمر عند الصالح من ذكر السلف ما أوجب قيام عمارة عن المجلس، فخرج واعتذر بحصاة تعتاده، وانقطع في منزله ثلاثة أيّام، ورسول الصالح في كلّ يوم يرد إليه ومعه الطبيب. ثم ركب إليه بعد ذلك، والصالح في البستان مع جلسائه. فاستوحش من غيبته، فأعلمه أنّه لم يكن به وجع ولكنّه كره ما جرى في حقّ السلف وقال: إن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت، وإلّا فلا، وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة. فتعجّب الصالح من ذلك وقال له: سألتك بالله، ما الذي تعتقد في أبي بكر وعمر؟ فقال عمارة: أعتقد أنّه لولاهما لم يبق للإسلام حرمة، ولا علا له راية، وما من مسلم إلّا ومحبّتهما واجبة عليه- ثم قرأ قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]. فضحك الصالح، وكان مرتاضا حصيفا قد لقي فقهاء السنّة وسمع كلامهم. فلمّا انقضى المجلس كتب الصالح هذه الأبيات وبعثها إلى عمارة ومعها ثلاثة أكياس دراهم [الكامل]: قل للفقيه عمارة يا خير من ... أضحى يؤلّف خطبة وكتابا اسمع نصيحة من دعاك إلى الهدى ... قل حطّة وادخل إلينا البابا (١*) تلق الأئمّة شافعين ولا تجد ... إلّا لدينا سنّة وكتابا وعليّ أن يعلو محلّك في الورى ... وإذا شفعت إليّ كنت مجابا وتعجّل الآلاف وهي ثلاثة ... صلة وحقّك لا تعدّ ثوابا فأجابه عمارة: حاشاك من هذا الخطاب خطابا ... يا خير أملاك الزمان نصابا لكن إذا ما أفسدت علماؤكم ... معمور معتقدي وصار خرابا ودعوتم فكري إلى أقوالكم ... من بعد ذاك أطاعكم وأجابا فاشدد يديك على صفاء محبّتي ... وامنن عليّ وسدّ هذا البابا

стр. 1777

(وأتى دليل الحقّ في أقوالهم ... ودعوت فكري عند ذاك أجابا) (١) [١٧٣ أ] فلم يفاتحه بعد ذلك في هذا. وما زال على حاله إلى أن قتل الصالح (٢) وقام من بعده في الوزارة ابنه العادل رزّيك بن طلائع. فلمّا قتل رزّيك واستولى شاور على الوزارة وجلس بدار الوزارة وقام الشعراء والخطباء ولفيف الناس ينالون من بني رزّيك، قام عمارة في ذلك المحفل العظيم وأنشد [البسيط]: زالت ليالي بني رزّيك وانصرمت ... والحمد والذمّ فيها غير منصرم كأنّ صالحهم يوما وعادلهم ... في صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم هم حرّكوها عليهم وهي ساكنة ... والسلم قد تنبت الأوراق في السلم كنّا نظنّ وبعض الظنّ مأثمة، ... بأنّ ذلك جمع غير منهزم (٣) فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعا من ذلك الرخم لو لم يكونوا عدوّا ذلّ جانبه ... وإنّما غرقوا من سيلك العرم وما قصدت بتعظيم عداك سوى ... تعظيم شأنك فاعذرني ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها، لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمي يوما بذمّهم ... لم يرض فضلك إلّا أن يسدّ فمي والله يأمر بالإحسان عارفة ... منه وينهى عن الفحشاء في الكلم فشكره شاور وابناه على الوفاء لبني رزّيك. إلّا أنّ ضرغاما كان ينكر عليه وينقم قوله: فمذ وقعت وقوع النسر خانهم ... من كان مجتمعا من ذلك الرخم ويقول: يجعلنا رخما! فلمّا ثار ضرغام على شاور وأخرجه من مصر وتولّى الوزارة خافه عمارة لإنكاره عليه البيت المتقدّم ذكره، ولأنّه كان يقول: غلط معي عمارة غلطة في شهر رمضان الذي قتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه: وهي أنّي قلت له: اخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقيّة. فقال: أنا أكره أن أرى البرقيّة والأمير الظهير مرتفع المعروف بالجلواز (١*) في الاعتقال، ومذ قبض عليه الصالح لم أعبر بالبرقيّة- وذلك أنّ المرتفع كان صديق عمارة، وكان عمارة قد قال هذا لضرغام وهو من جملة الطائفة البرقيّة، وما عرف من يؤول إليه الحال من ولاية ضرغام الوزارة، قلمّا داخله الخوف من ضرغام التجأ إلى ناصر المسلمين همام أخي ضرغام، وما زال به حتّى أدخله على ضرغام بعد شهرين من وزارته، فأنس به واستوحش من غيبته، وأمر له بذهب وقال له: عنوان الأدب والجمال لمن جالستموه يا أصحاب الصالح! - فمدحه بقصيد. [١٧٢ أ] ولم يكن بأسرع من مجيء شاور بالغزّ من الشام وقتل ضرغام وعوده إلى الوزارة، فمدحه بعدّه قصائد وسأله أن يعفيه من عمل الشعر،

стр. 1778

وينقل الجاري له على الخدمة بالشعر راتبا على حكم الضيافة. فقال: ما منعك أن تستعفي في أيّام الصالح وابنه؟ قال: كانت لي أسوة بالشيخ الموفّق ابن الخلّال والقاضي الجليس ابن الجبّاب، وبابني الزبير، الرشيد والمهذّب، وبأبي الفتح محمود بن قادوس وغيرهم. وقد انقرض الجيل والنظراء، وصار تكسّبي بالشعر وتظاهري به منقصة. فأعفاه، وكتب له سجلا علّم عليه الخليفة العاضد بذلك، فمدحه على هذا بأبيات. فلمّا احترقت مدينة مصر نهبت داره فلزمه دين كبير أدّاه شاور عنه وأعطاه مائة دينار عينا ومائة كبش باعها بمائة وعشرين دينارا، فمدحه بقصيد. وشكا ابن دخان صاحب الدولة إلى شاور من عمارة، وأنّه يناكده في الجاري الذي له، وقال لشاور: إمّا صنتني منه وإلّا استعفيت. فقال شاور: يا هذا، استح على نفسك من مناكدة رجل يأكل معي في إناء واحد كلّ يوم مرّتين. فصار بعد ذلك خاصّة الدولة ابن دخان يكارم عمارة ويسارع إلى قضاء حوائجه ويقبل شفاعته فيما لا يسوغ. ووقعت الشمعة في بعض الليالي على طرف ثوب عمارة فجمد عليه سير من الشمع. فلمّا قام من المجلس إلى داره بعث إليه شاور في الحال مع الفرّاش بعشر نصافيّات رفاع. فلمّا أصبح حضر إلى شاور فقال له: قل للفرّاش تحبّ العشرة. فقال عمارة: نعم، هو يحبّهم- وقصد شاور استفهام عمارة عن وصول ذلك إليه. وما برح عند شاور مكرّما، وقلّ أن تمضي ليلة إلّا ويحمل إلى دار عمارة من مجلس شاور ألطاف، وفي الدائم تحمل إليه كلّ ليلة الحلوى الكثيرة، مع تفقّده في كلّ شهر من الدنانير بما يزيد على عشرين دينارا. ويقول مع ذلك: ما تركنا الزمان نفعل في حقّك يا عمارة ما يجب- ويقول إذا غاب عنه: لعن الله مجلسا لا يحضره عمارة! وترقّت به الحال حتّى صار يشفع عند شاور فيمن يأمر بقتله فيقبل شفاعته ويقول للمشفوع فيه: والله لولا عمارة لضربت رقبتك! واختصّ به عمارة اختصاصا زائدا. فلمّا زالت الدولة واستولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب استمرّ على غير ما كان عليه إلى منتصف شعبان سنة سبع [١٧٢ - أ] وستّين فقبض عليه. وسببه أنّ القاضي الفاضل كان من عادته إذا لقي عبد الصمد الكاتب أن يخدمه عبد الصمد ويبالغ في التواضع له. فلقيه في بعض الأيّام فلم يلتفت إليه. فخاف الفاضل أن يكون قد باطن السلطان صلاح الدين عليه، فاستدعى بزين الدين عليّ بن نجا الدمشقيّ وأعلمه بما جرى له مع عبد الصمد والتمس منه أن يكشف له عن الخبر. فعاد إليه وأعلمه أنّه كشف عمّا أشار به، فلم يجد من قبل السلطان شيئا يخشاه، وأنّ السبب في إعراض عبد الصمد هو أنّ عمارة وجماعة من أهل القصر قد اتّفقوا على إقامة خليفة ومحاربة السلطان- وكان ابن نجا يعرف أنّ بين الفاضل وبين عمارة عداوة من أيّام العاضد- فقال الفاضل لابن نجا: تحضر الساعة عند السلطان وتنهي الحال إليه. فقام من فوره إلى السلطان وهو ينتظر صلاة الجمعة بالجامع، وجلس إليه وأعلمه أنّ عمارة وعبد الصمد الكاتب والقاضي العوريس وابن عبد القويّ الداعي وضياء الدين المفضّل ابن كامل

стр. 1779

والقشّة أحد أمراء المصريّين ونجاح الحمامي وشخصا من النصارى منجّما، قد اتّفقوا على الوثوب بالقاهرة لإعادة دعوة المصريّين وردّ الدعوة العلويّة إلى ما كانت عليه، وقد وافقهم الجند المصريّون والرجّالة السودان وحاشية القصر على هذا، وأنّهم قد استمالوا من أمراء السلطان وجنده جماعة، وأطلعوني على أمرهم لثقتهم بي، وقد تعيّن الخليفة والوزير، وتقاسموا الدور وقرّروا الحال واستدّعوا بالفرنج من صقليّة ومن الساحل ليحضروا إلى القاهرة وعيّنوا لهم مقدارا كبيرا من المال وعدّة من أرض مصر وبلادها، فإذا قدم الفرنج وخرج السلطان إلى قتالهم ثاروا في القاهرة ومصر بمن فيها من جهة السلطان، وأعادوا الدعوة العلويّة فيصير السلطان بين الفرنج وبينهم فيؤخذ حينئذ قبضا باليد. فلم يحتمل السلطان ذلك وأمره بالعودة إليهم ومواطأتهم على ما هم فيه، وإعلامه بما يتجدّد. فسأله ابن نجا أن ينعم عليه بجميع ما لابن كامل من الدور والعقار والمال الظاهر والمدخور. فرسم له به ومضى عنه. فاتّفق وصول ملك الفرنج بالساحل ومعه هديّة ورسالة، فأوهم القوم السلطان بأنّ الرسول [١٧١ - ب] إنّما حضر لميعادالجماعة. فوضع عليه من يأتيه بخبره. فلم يزل يداخل الرسول إلى أن عاد إلى السلطان وأعلمه بالخبر على جليّته، فقبض على الثمانية. وكان عمارة لمّا أحسّ بالطلب فرّ ولجأ إلى دار القاضي الفاضل. فلمّا علم به أغلق بابه، وقيل له: القاضي نائم- فأنشد [الكامل]: عبد الرحيم قد احتجب ... إنّ الخلاص من العجب وأنشد أيضا، وهما لا يوجدان في ديوانه [سريع]: أعوذ بالله السميع العليم ... ممّن ذمّني ثمّ بعبد الرحيم تثنية لم تكد عن شركة ... لكن كريم ناب عنه كريم. وبينا هو يريد الفرار إذ أدركه الأعوان وأخذوه. وكان قد وقع لعمارة أمور لا يحتمل مثلها الملوك: منها أنّه كما تقدّم كان خصيصا بشاور، فلمّا قتل صلاح الدين يوسف شاور كما ذكر في ترجمته (١*) وصار الأمر لعمّه شيركوه ثم له، وأزال الدولة الفاطميّة، أخذ في محو آثارها وطمس مبارّها، ورأى هو ومن وافقه أنّه قد قام بأمر دينيّ، وأنّ القوم كانوا كفّارا، ونحو ذلك من شنيع القول. فشرع عمارة في معارضة السلطان وإشاعة فضائل الخلفاء الفاطميّين وذكر محاسنهم، ورثاهم بالقصيدة التي لم يسمع فيما بكيت به دولة بعد انقراضها مثلها، وقد ذكرتها في ترجمة العاضد (٢*). وحضر في سنة سبع وستّين وخمسمائة عند نجم الدين أيّوب والد السلطان صلاح الدين يوسف بمنظرة اللؤلؤة وكانت مسكنه وحضر أيضا يحيى ابن أبي حصينة الشاعر، فأنشد ابن [أبي] حصينة نجم الدين أيّوب مدحا فيه [البسيط]: يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا ... منها وما كان منها لم يكن طرفا قد عجّل الله هذي الدار تسكنها ... وقد أعدّ لك الجنّات والغرفا تشرّفت بك عمّا كان يسكنها ... فالبس بها العزّ ولتلبس بك الشرفا كانوا بها صدفا والدار لؤلؤة ... وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا

стр. 1780

فامتعض عمارة وغرّه ما كان منه في مجلس شاور من الثناء على بني رزيّك وأنشد: أثمت يا من هجا السادات والخلفا ... وقلت ما قلت في ثلبهم سخفا جعلتهم صدفا حلّوا بلؤلؤة ... والعرف ما زال سكنى اللؤلؤ الصدفا وإنّما هي دار حلّ جوهرهم ... فيها وشفّ فأسناها الذي وصفا فقال لؤلؤة عجبا ببهجتها ... وكونها حوت الأشراف والشرفا فهم بسكنائها الآيات إذ سكنوا ... فيها ومن قبلها قد أسكنوا الصحفا (١) [١٧١ أ] والجوهر الفرد نور ليس يعرفه ... من البريّة إلّا كلّ من عرفا لولا تجسّمهم فيه لكان على ... ضعف البصائر للأبصار مختطفا فالكلب يا كلب أسنى منك مكرمة ... لأنّ فيه حفاظا دائما ووفا فطارت هذه الأبيات كلّ مطار وعدّت على عمارة. ثم ما قنع بها حتى زاد في التعصّب ولم يفكّر في عاقبته، وقال عند ما أخذ المظفّر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب منازل العزّ التي بمدينة مصر وسكنها [البسيط]: لي بالديار غداة البين وقفات ... أبكي رسوما خلت منهنّ سادات هي المنازل لي فيها علامات ... من بعد سكّانها أهل العلى ماتوا منازل العزّ يبكيني تشعّثها ... منازل لم تزل عندي عزيزات شاورت أبله قلبي في السلوّ وقد ... يقال للبله في الدنيا إصابات فقال: رأي ضعيف لست أقبله ... كيف السلوّ ولي في القوم نيّات قد مات قوم وما ماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات يا ربّ إن كان لي في وصلهم طمع ... عجّل عليّ فللتأخير آفات ولم يكتف بهذا حتّى قال يهجو تقيّ الدين عمر، وهو شرارة القوم [السريع]: عظّمتما الأمر وفخّمتماه ... فما ابن شاهنشاه إلّا ابن شاه الشاة لا ينكحها ضيغم ... إن شئتم أخبرتكم من أباه فمن تكون الشاة أمّا له ... فما يكون التيس إلّا أباه فشنّعت القالة عليه وصار في نصاب من يذمّ أولياء السلطان ويمدح أعداءه وينازعه في أغراضه ومقاصده، وهذه خلال لا يحتملها السلطان فتنبّهت له أعين الرقباء، ونصبت له الأعداء حبائل المصائب وبحثوا عن عوراته فألّفوا له بيتا أفتى فقهاء مصر حينئذ بتكفيره وقالوا: هذا منه تصريح بأنّ النبوّة مكتسبة وتمالئوا على قتله، وحسابه وحسابهم على الله الذي لا يظلم مثقال ذرّة. والبيت [البسيط]: قد كان أوّل هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيّد الأمم فأخرج به وبالجماعة في يوم السبت الثاني من شهر رمضان سنة تسع وستّين وخمسمائة إلى بين القصرين، وقيل له عند ما أحضر إلى الخشب: أنت اشتهيت هذا ودعوت الله، وقد استجاب

стр. 1781

دعوتك وقضى شهوتك في الاجتماع بأحبابك حيث تقول [البسيط]: [٤٧٠ ب] يا ربّ إنّ كان لي في وصلهم طمع ... عجّل عليّ فللتأخير آفات وشنق فيما بين باب الذهب وباب البحر من أبواب القصر وشنق ابن كامل في رأس الخروقيّة في سوق الغوريين على درب السلسلة، وأحيط على سائر ما خلّفوه ولم يرجع إلى ورثتهم منه شيء. وكأن عمارة كان يصف حاله وما آل إليه أمره حين قال في طرخان لمّا صلب [الوافر]: أراد علوّ مرتبة وقدر ... فأصبح فوق جذع وهو عال ومدّ على صليب الجذع منه ... يمينا لا تطول إلى الشمال وقال فيه الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي [الطويل]: عمارة في الإسلام أبدي خيانة ... وبايع فيها بيعة وصليبا وأمسى شريك الشرك في بغض أحمد ... فأصبح في حبّ الصليب صليبا وكان خبيث الملتقى إن عجمته ... تجد منه عودا في النفاق صليبا سيلقى غدا ما كان يسعى لأجله ... ويسقى صديدا في لظى وصليبا وكان عمارة فقيها شافعيّا حسن الاعتقاد شديد التعصّب لمذهب أهل السنّة. ومن العجب في أمره أنّ الصالح طلائع بن رزّيك كما تقدّم دعاه إلى الانتماء إلى مذهب التشيّع- ويقال إنه بذل له ألف دينار عينا- فأبى ذلك وامتنع منه. ثم غطّى القدر على بصره وتعصّب للقوم بعد موتهم وانقراض دولتهم وبالغ في مدحهم مع تصريح السلطان بالإزراء عليهم والتشنيع لما كانوا عليه وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [الرعد: ١١]. وكان أديبا ماهرا وشاعرا مجيدا ومحادثا ممتعا، وله ديوان شعر في غاية الجودة وله كتاب «النكت العصريّة في أخبار الوزراء المصريّة»، وكتاب تاريخ اليمن. ومن شعره في الخلفاء الفاطميّين [الكامل]: ما ضرّكم والمصطفى لكم أب ... فقدانكم لقضيبه وللبده ما بين آلات النبيّ وآله ... إلّا كما بين الحسام وغمده ١٥٦١/ ٣ - عمارة بن غزيّة [- ١٤٠] (١*) [١٩٠ أ] عمارة بن غزيّة بن الحارث بن عمرو بن [غزيّة] الأنصاريّ، المازنيّ، المدنيّ. قدم مصر مع محمد بن أبي بكر الصدّيق. روى عن أنس بن مالك، وأبي صالح السمّان، وشرحبيل بن سعد، وعبّاد بن تميم، ومحمد بن إبراهيم بن القاسم، ونعيم المجمر، وخلق. وروى عنه عمر بن الحارث، والليث بن سعد، ويحيى بن أيّوب، ويونس الأيلي، وبكر بن مضر، والدراورديّ، وبشر بن المفضّل، وخلق. خرّج له مسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ، ووثّقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة. وقال أبو حاتم وغيره: ما به بأس. وقال ابن يونس: قدم الإسكندريّة. يقال توفّي بالمدينة سنة أربعين ومائة. وقال الزبير بن بكّار: إنّ ابن غزيّة الأنصاريّ ثمّ

стр. 1782

النجّاريّ قدم على عليّ بن أبي طالب (رضه) من مصر، وقدم عبد الرحمن بن شبيب الفزاريّ عليه من الشام وكان عيّنه بها. فأمّا الأنصاريّ فكان مع محمد بن أبي بكر، فحدّثه بما رأى وعاين من هلاك محمد بن أبي بكر (١)! وحدّثه الفزاريّ أنّه لم يخرج من الشام حتّى قدم البشراء من قبل عمرو بن العاصي تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر حتى أذّن معاوية بقتله على المنبر. وقال له: ما رأيت يا أمير المؤمنين قوما أسرّ، ولا سرور قوم قطّ أظهر من شيء رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر. فقال له عليّ (رضه): أما إنّ حزننا على قتله على قدر سرورهم، لا بل يزيد أضعافا. وحزن على محمد بن أبي بكر حزنا ريئ في وجهه وتبيّن فيه. وقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال (٢): ألا إنّ مصر قد فتحت، ألا وإنّ محمد بن أبي بكر قد أصيب رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه. أما والله إن كان كما علمت لممّن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر ويحبّ سمت المؤمن. إنّي والله ما ألوم نفسي في نقص ولا عجز. إنّي بمقاساة الحروب لجدّ خبير وإنّي لأتقدّم في الأمر فأعرف وجه الحزم فأقوم فيكم بالرأي المصيب فأستصرخ معلنا وأناديكم نداء المستغيث فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة وأنتم القوم لا تدرك بكم الأوتار ولا يشفى بكم الغلّ. دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ (١*) وتثاقلتم إلى الأرض تثقال من ليس له نيّة في جهاد العدوّ ولا اكتساب الأجر. ثمّ خرج لي منكم جنيد متذائب متضاعف [١٨٩ ب] كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ [الأنفال، ٦]. فأفّ لكم! ثم نزل فدخل رحله. ١٥٦١/ ٤ - عزّ الدين المدلجيّ النسائيّ [- ٧١٠] (٢*) [١٨٦ أ] عمر بن أحمد بن أحمد بن مهدي، عزّ الدين، المدلجيّ، النسائيّ، الفقيه، الشافعيّ. سمع الحافظ شرف الدين الدمياطي، وبرع في الفقه ودرس بالفاضليّة والكهاريّة. وله إشكالات على الوسيط وفوائد كبيرة. وعليه تفقّه مجد الدين الزنكلونيّ. وكان صالحا ورعا. توفّي بمكّة في ذي الحجّة سنة عشر وسبعمائة. وهو والد الشيخ كمال الدين النشائيّ. ١٥٦١/ ٥ - السراح ابن ظافر خطيب المدينة [٦٣٦ - ٧٢٦] (٣*) [١٨٥ - أ] عمر بن أحمد بن خضر بن ظافر بن طراد، سراج الدين، الخزرجيّ، الأنصاريّ، الشافعيّ، خطيب المدينة النبويّة وقاضيها ومفتيها.

стр. 1783

ولد بناحية صندقا من قرى مصر الغربيّة. وسمع على ابن الرشيد العطّار. وقرأ على الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام، وحدّث. وتفقّه بالسديد التزمنتيّ وغيره. وولي إمامة مسجد رسول الله ﷺ في سنة إحدى وثمانين وستّمائة ثم أضيفت له الخطابة أيضا مع التدريس، فخطب نحو أربعين سنة. ومرض فسار يريد التداوي بالقاهرة، فمات قبل وصوله في المحرّم سنة ستّ وعشرين وسبعمائة بالسويس عن تسعين سنة. ١٥٦١/ ٦ - الكمال ابن العديم [٥٨٩ - ٦٦٠] (١) [١٨٧ أ] عمر بن أحمد بن هبة الله، ابن قاضي حلب أبي الحسن وأبي الفضل أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة- واسم أبي جرادة عامر- بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل، العقيليّ، الحلبيّ، أبو القاسم، كمال الدين، ابن قاضي القضاة أبي الحسن، ابن قاضي القضاة أبي الفضل، ابن قاضي القضاة أبي غانم، ابن أبي الفضل، الحنفيّ، الإمام، العالم، الوزير، الصاحب، المعروف بابن العديم. ولد بحلب سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وسمع الحديث من أبيه وعمّه أبي غانم محمد وابن طبرزد والافتخار والنديّ وابن الحرستانيّ وجماعة كثيرة بدمشق وحلب والقدس والحجاز والعراق وغير ذلك. وحدّث وفقّه وأفتى ودرّس وصنّف. وكان إماما في عدّة فنون وترسّل إلى الخلفاء والملوك مرارا عديدة. وكان جيّد المعرفة بالحديث حسن الظنّ بالفقراء وأهل الخير محسنا إليهم. وأقام بدمشق في أيّام الملك الناصر يوسف ابن العزيز مدّة. وقدم إلى مصر مرارا. ومات بها في يوم [العشرين من جمادى الأولى] سنة ستّين وستّمائة. وكان محدّثا حافظا صادقا، مؤرّخا، فقيها حنفيّا، كاتبا منشئا بليغا، رأسا في الخطّ المنسوب، لا سيّما النسخ والحواشي. أطنب الدمياطيّ في وصفه وقال: ولي قضاء حلب خمسة من آبائه متتالية. وقال ياقوت: سألته: لم سمّيتم بني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه. وقال هو: اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون به ولم يكن في نساء أهلي من يعرف بهذا. ولا أحسب إلّا أنّ جدّ جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى كان مع ثروة واسعة ونعمة شاملة يكثر في شعره من ذكر العدم وشكوى الزمان فسمّي بذلك. فإن لم يكن هذا سببه فلا أدري ما سببه. وقال: ختمت القرآن ولي تسع سنين، وقرأت بالعشر ولي عشر سنين، ولم أكتب على أحد مشهور، إلّا أنّ تاج الدين محمد بن أحمد ابن البرقطي البغدادي ورد إلى حلب فكتبت عليه أيّاما لم يحصل منه فيها طائل. وله: كتاب الدراريّ في ذكر الذراريّ جمعه للملك الظاهر يوم ولد له ابنه الملك العزيز. وكتاب ضوء الصباح في الحثّ على السماح. وكتاب الأخبار المستفادة في ذكر بني جرادة. [و] كتاب في الخطّ وعلومه ووصف أدواته وطروسه وأقلامه. وكتاب دفع التجرّي عن أبي العلاء المعريّ.

стр. 1784

وكتاب الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار. وكتاب تاريخ [١٨٦ ب] حلب في أربعين مجلّدة. وكان يركب في سفره محفّة تشدّ بين بغلين فيكتب وهو فيها. وكان إذا قدم مصر يلازمه أبو الحسن الحرّار ويمدحه. [ ... ] (١) وقال حين دخل مسلّما على الوزير مؤيّد الدين أبي طالب محمد ابن العلقميّ (٢) وزير الديوان العزيز عزّ نصره [بسيط]: ماذا يقول الذي تتلو محامده ... وقد أتتنا بها الآيات والسور؟ إن قال فالقول يفنى دون غايتها ... وإن أطال ففي تطويله قصر خليفة الله لا تحصى مناقبكم ... إنّ البليغ به عن حصرها حصر أمّا الشفاعة منكم في المعاد لنا ... لذي الكبائر والزلّات تدّخر أمّا الندى من نداكم جاد صيّبه ... من بعد ما ضنّ فاستسقى بكم عمر فالغيث في هذه الدنيا لنا بكم ... والغوث نرجوه في الأخرى وننتظر ١٥٦١/ ٧ - الأمير ركن الدين ابن أرغون (٣) [١٨٤ أ] عمر بن أرغون، ركن الدين، ابن الأمير سيف الدين نائب السلطنة. ١٥٦١/ ٨ - الحبّال صاحب أبي مدين (١*) [١٩١ ب] عمر الحبّال أبو حفص، أحد أصحاب الشيخ أبي مدين. قدم مصر، وكانت له أحوال عجيبة، منها أنّه غلب عليه الحال مرّة ففصد ذراعيه وخرج ودمه يجري، إلى البرّيّة يريد تلاف نفسه شوقا إلى الله تعالى وفرارا إليه حتى سقط إلى الأرض فقيّض الله له رجلا فربط ذراعيه ولاطفه إلى أن عاد إلى حسّه. وركب البحر يريد الحجّ فغرقت المركب وهلك فيها من هلك وسلم من سلم. فوجد في قعر البحر جالسا متربّعا كما كان جالسا قبل غرقه، لم يتحرّك منه عضو ولا خرج عن هيئته، استسلاما لله تعالى وفناء بين يديه سبحانه. ١٥٦١/ ٩ - عمر بن عاصم اليعلميّ [- ٦٨٤] (٢*) [٢٠٢ أ] عمر بن عاصم بن محمد بن عاصم بن محمد بن عاصم بن عيسى، الكنانيّ، اليعلميّ. قال الجندي: كان فقيها كاملا عارفا بالنحو واللغة والحديث، وله أشعار مستحسنة وهي [ ... ] العليف (٣*). تفقّه به جماعة، منهم والدي يوسف بن يعقوب (٤*)، وأبو الحسن الإخميميّ، وإسماعيل الحصريّ، وانتهت إليه رئاسة الفقه والفتوى بزبيد. وصنّف «زوائد البيان على [«المهذّب» فبلغ ذلك] قاضي زبيد فصار يقضي بها [حتّى فيما يتعلّق] بالمدرسة التي هو بها. وكان

стр. 1785

للفقيه عمر عند المظفّر محلّة [فكاتب] السلطان. فقال للقاضي: يا قاضي [بهاء الدين] من الناظر على [مدارس] زبيد؟ قال: فلان. قال: اكتب عليه [أن ليس] له رئاسة على مدرسة الفقيه ابن عاصم. فبادر بذلك. ومات ابن عاصم في العشر الأخير من ربيع سنة أربع وثمانين وستّمائة. ١٥٦١/ ١٠ - [عمر بن عبد العزيز] (١) [١٩٣ أ] وقال الناس: دية خبيب [ ... ] (٢). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بعسف الحجّاج بن يوسف بأهل العراق واعتدائه عليهم [ ... ] [١٩٢ ب] ما صنع فانتقل آل الزبير إلى دار عمر ابن مصعب بن الزبير ببقيع الزبير من المدينة واجتمعوا عنده حتى مات. فبينا هم جلوسا إذ جاءهم الماجشون (٣) يستأذن عليهم، وخبيب مسجّى بثوبه. فقال عبد الله بن عروة بن الزبير: ائذنوا له. فلما دخل قال: كان صاحبكم في مرية من موته، اكشفوا له عنه. فكشفوا عنه. فلمّا رآه انصرف. (قال) فانتهيت إلى دار مروان فقرعت الباب فدخلت فوجدت عمر بن عبد العزيز كالمرأة الماخض قائما وقاعدا، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: مات الرجل. فسقط إلى الأرض فزعا. ثم رفع رأسه يسترجع. فلم نزل نعرف ذلك فيه حتّى مات. واستعفى من المدينة وامتنع من الولاية. وكان يقال له: إنّك قد فعلت كذا فأبشر. فيقول: كيف بخبيب؟ (١*). وقال عبد الله بن مصعب: سمعت أصحابنا يقولون: قسم فينا عمر بن عبد العزيز قسما في خلافته خصّنا به (٢*). ١٥٦١/ ١١ - القطب [ابن قليلة] الشارعيّ [٦١٨ - ] (٣*) [٢٠١ أ] عمر بن عوض بن عبد الرحمن، قطب الدين، أبو حفص، الشارعيّ. ولد بالشارع في سنة ثماني عشرة وستّمائة. ١٥٦١/ ١٢ - ابن كريب التجيبيّ [- ٨٣] (٤*) [١٩٩ أ] عمر بن كريب بن صبح بن ثمامة، التجيبيّ. ولّاه عبد العزيز بن مروان الحرس والأعوان والخيل بعد موت جناب بن مرثد، فتوفّي بعد أربعين ليلة، وذلك سنة ثلاث وثمانين.

стр. 1786

١٥٦١/ ١٣ - ابن بندار التبريزيّ [- ٦١٥] (١) [٢٠٠ ب] عمر بن أبي القاسم بن بندار بن محمد بن عبد الرحمن، أبو حفص، من أهل توريز (٢). قدم بغداد وتفقّه بالمدرسة النظاميّة مدّة، وصحب الصوفيّة. ثم سافر إلى الحجاز واليمن ومصر. وعاد إلى بغداد وقد أثرت حاله، فأقام بها ورتّب حاجبا بالمخزن. ونفذ رسولا إلى كيش وغيرها من البلاد مرّات فحمدت أفعاله. ورتّب حاجب الحجّاب في سنة إحدى وستّمائة. وكان شيخا ظريفا حسن الأخلاق مقبول الصورة. سمع بتبريز كتاب شرح السنّة للبغويّ (٣) من أبي منصور عنه (٣)، ولم يرو شيئا. توفّي ببغداد يوم الاثنين مستهلّ ذي الحجّة سنة خمس عشرة وستّمائة، وقد بلغ السبعين أو نحوها. ١٥٦١/ ١٤ - أبو التقى المقدسيّ [- ٥٦٦] [١٩٧ ب] عمر بن محمد بن الحسن، أبو التقى، المقدسيّ، الفقيه، المالكيّ [ ... ] (٤). توفّي بمصر في أواخر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين وخمسمائة. ١٥٦١/ ١٦ - زين الدين البلفيائيّ [٦٨١ - ٧٤٩] (١*) [٢٠٣ أ] عمر بن محمد بن عبد الحاكم بن عبد الرزّاق، أبو حفص، زين الدين، ابن شرف الدين، البلفيائيّ، القاضي، الفقيه، الشافعيّ. مولده سنة إحدى وثمانين وستّمائة تخمينا. وسمع من أبي المعالي الأبرقوهيّ وعليّ بن محمد بن هارون وعليّ بن عيسى ابن [القيّم] وغيرهم. وحفظ كتاب التنبيه في الفقه وبرع في الفقه إلى الغاية حتى كان يقال: لو حلف الحالف أن يستفتي أفقه الشافعيّة فاستفتى ابن البلفياتيّ لم يحنث. وقال الشيخ تقيّ الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكيّ: ما رأيت أفقه نفسا منه. ولي قضاء البهنسى لأوّل ولاية قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة. ثم ولي قضاء القضاة بحلب عوضا عن فخر الدين عثمان بن علي ابن خطيب جبرين (٢*) في سنة تسع وثلاثين وسبع مائة بتعيين ابن جماعة، وتوجّه إليها. فلم تطل مدّته وأقام نحو ثلاثة أشهر وتعصّب عليه الحلبيّون لقلّة سياسته، مع أمانته وعفّته. وقال فيه زين الدين عمر ابن الوردي (٣*) من أبيات [رمل]: كان والله عفيفا نزها ... وله عرض عريض ما اتّهم وهو لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهمّ ووقع بينه وبين الأمير طرغاي نائب حلب

стр. 1787

بسبب عزل بعض قضاة النواحي. وقد أراد عزله فلم يمكّنه النائب من عزله، فكتب إلى السلطان يذمّ النائب فكتب إلى النائب بذلك فأجاب بأنّه قاض مجنون وأحكامه فاسدة، واستشهد بعدّة من كبار الحلبيّين. فرسم السلطان بعزله وعتب ابن جماعة على تعيينه، فأثنى عليه وذكر علمه وفضله، فلم يوافق السلطان على ولايته وولّى عوضه برهان الدين إبراهيم بن خليل الرسعنيّ. وقدم البلفياتيّ دمشق فعني به قاضي القضاة تقيّ الدين السبكي حتى ولّاه الأمير تنكز المدرسة النوريّة بحمص فتعصّب عليه قاضيها فخرج إلى مصر. فولّاه ابن جماعة قضاء المنوفيّة مدّة، ثم استنابه في الحكم بالقاهرة وأجلسه بباب الفتوح منها. ثمّ رسم له في أوّل سنة تسع وأربعين بولايته قضاء حلب وكتب بتوقيعه. ثمّ انتقض ذلك وولي قضاء صفد فتوجّه إليها وقدمها في آخر صفر فأقام نحو خمسين يوما ومات في طاعون صفد لأيّام من ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة. والبلفيائيّ نسبة إلى بلفيا بكسر الباء الموحّدة واللام وإسكان الفاء أخت القاف والياء آخر الحروف: بليدة بالبهنسى. وقد قال فيه التاج عبد الوهّاب ابن السبكي: جبل فقه منيع يردّ عنه الطرف وهو كليل، وفارس بحث [يناديه لسان الإنصاف: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: ٩١] وطود علم [الطويل]: رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل (١) مجموع لشوارد الفقه جموع وأصل موضوع متكاثر الفروع. ١٥٦١/ ١٧ - ابن حوائج كاش [٥٢٠ - ٥٧٤] (١*) [١٩٧ أ] عمر بن محمد بن عبد الله بن الخضر بن مسافر بن رسلان بن معمر، أبو الخطّاب العليميّ، - ويعرف بابن حوائج كاش- من أهل دمشق، أحد التجّار. سافر ما بين الشام وديار مضر وبلاد الجزيرة والعراقين وخراسان وما وراء النهر وخوارزم. وطلب الحديث وسمع الحديث من المشايخ في كلّ بلد دخله، وكتب الأجزاء بخطّه حتى حصّل من ذلك شيئا كثيرا. فسمع بدمشق الفقيه نصر الله بن محمد بن عبد القويّ المصيصيّ، وأبا القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل السوسيّ، وجماعة، وبمصر الشريف أبا الفتوح ناصر بن الحسن بن إسماعيل الحسنيّ، وأبا محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعديّ، وبالإسكندريّة أبا طاهر أحمد بن محمد السلفيّ، وبحلب أبا الحسن علي بن عبد الله بن أبي جرادة العقيليّ، وبسائر البلاد خلقا كثيرا وبالغ في الطلب حتى سمع من أقرانه وأمثاله وممّن دونه. وكان يكتب خطّا حسنا، وله فهم ومعرفة. وكان صدوقا محمود السيرة مرضيّ الطريقة. حدّث ببغداد ودمشق. سمع منه ببغداد الشريف أبو الحسن عليّ بن أحمد الزيديّ، وصبيح البصريّ، وأبو محمد ابن الأخضر وأثنى عليه. وسمع منه أبو سعد ابن السمعانيّ بمرو وأخرج عنه في معجم شيوخه وأثنى عليه. ومولده بدمشق سنة عشرين وخمسمائة، ووفاته بها في شوّال سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وكان فاضلا حسن الأخلاق طيّب المعاشرة.

стр. 1788

١٥٦١/ ١٨ - الشهاب السهرورديّ الصوفيّ [٥٣٩ - ٦٣٢] (١) [١٩٧ أ] عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سعد بن الحسن بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (رضه)، الشيخ العارف، شيخ الشيوخ، أبو حفص، شهاب الدين، السهرورديّ، الصوفيّ، ابن أخي الشيخ أبي النجيب عبد القاهر بن عبد الله. ولد بسهرورد (٢) في رجب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. سمع الحديث من عمّه أبي النجيب، ومن أبي المظفّر هبة الله بن أحمد بن محمد ابن الشبليّ، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي ابن البطّيّ (٣)، وأبي زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسيّ، وأبي بكر سلامة بن أحمد ابن الصدر وغيرهم. وصحب عمّه وغيره من المشايخ وسلك طريق الرياضات والمجاهدات، وقرأ الفقه والخلاف والعربيّة وحصّل من العلم ما لا بدّ منه. ثمّ انقطع عن الناس ولازم الخلوة واشتغل بإدامة الصيام والقيام والذكر وتلاوة القرآن إلى أن خطر له عند علوّ سنّه أن يظهر للناس ويتكلّم عليهم. فعقد مجلس الوعظ [١٥٧ ب] بمدرسة عمّه على شاطئ دجلة من بغداد، وكان قدمها في صباه. وصار يتكلّم بكلام مفيد من غير تزويق ولا تنميق، وحضر عنده خلق عظيم وظهر له قبول عظيم من الخاصّ والعامّ، واشتهر اسمه وقصده المريدون من سائر الأقطار وظهرت بركة أنفاسه على خلق كثير من العصاة فتابوا وأنابوا إلى الله (عج) وحسنت طرائقهم، ووصل به خلق عظيم إلى الله (عج)، وصار له أصحاب وأتباع كالنجوم يعرفون أينما كانوا. وبقي شيخ وقته في علم الحقيقة وطريق التصوّف. وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين. ودعا الخلق إلى الله تعالى وتسليك طريق العبادة والزهد في الدنيا. وكان صدوقا نبيلا. وله مؤلّفات، منها: كتاب عوارف المعارف في شرح علوم الصوفيّة وأحوالهم. وكتاب مغاني العاني في التصوّف وآداب القوم وأحوالهم، حدّث به مرارا. وأملى في آخر عمره كتابا في الردّ على الفلاسفة. وكان أرباب الطريق من مشايخ العصر يكتبون من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن أشياء من أحوالهم ومواجيدهم فكتب إليه بعضهم: يا سيّدي إن تركت العمل أخلدت إلى البطالة، وإن عملت دخلني العجب، فأيّهم أولى؟ فكتب في جوابه: اعمل واستغفر الله من العجب. ثم إنّه ندب إلى الرسالة ليفد رسولا من الديوان العزيز مرّات إلى الشام ومصر والعراق وخوارزم، ورأى من الجاه والحرمة عند الملوك ما لم يره أحد من أبناء جنسه. ثم إنّه رتّب شيخا بالرباط الناصريّ وغيره من الربط، وجلس للوعظ مدّة. ثم إنّه أضرّ في آخر عمره وأقعد فكان لا يقدر على القيام، ومع ذلك فما أخلّ بالأوراد من النوافل وتلاوة القرآن ودوام الذكر وحضور المسجدالجامع يوم الجمعة في محفّة والمضيّ إلى الحجّ في المحفّة، إلى أن دخل في عشر المائة وعجز وضعف فانقطع في منزله إلى حين وفاته يوم الأربعاء مستهلّ المحرّم سنة اثنتين وثلاثين

стр. 1789

وستّمائة، وكانت جنازته عظيمة. وكان تامّ المروءة كبير النفس ليس للمال عنده قدر. ولقد حصل له ألوف كثيرة من المال فأنفقها ولم يدّخر منها شيئا، ومات ولم يخلّف كفنا ولا شيئا من أسباب الدنيا. وكان مليح الخلق والخلق متواضعا كامل الأوصاف الجميلة والأخلاق الشريفة. وحجّ مرّة وفي صحبته خلق من الفقراء لا يعلمهم إلّا الله. وكان مع ذلك يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظ في ثياب البذلة (١) ويغيث الملهوف ويعين المحتاجين. ومن شعره قوله [١٥٨ أ] [البسيط]: ربع الحمى مذ حللتم معشب نضر ... تروق أكنافه يزهو بها النظر لا كان وادي الغضا لا ينزلون به ... ولا الحمى سحّ في أرجائه مطر ولا الرياح وإن رقّت نسائمها ... إن لم تفد نشركم، لا ضمّها سحر ولا خلت مهجتي تشكو دسيس جوى ... وحرّ قلبي بريّا حبّكم عطر ولا رقت عبرتي حتّى تكون لمن ... ذاق الهوى وصبا في عبرتي عبر وقوله [المخلّع]: تصرّمت وحشة الليالي ... وأقبلت دولة الوصال وصار بالوصل لي حسودا ... من كان في هجركم رثى لي وحقّكم بعد إذ حصلتم ... بكلّ ما فات لا أبالي تقاصرت عنكم قلوب ... فيا له موردا خلالي عليّ ما للورى حرام ... وحبّكم في الحشا حلالي تشرّبت أعظمي هواكم ... فما لغير الهوى وما لي فما على عادم أجاجا ... وعنده [أعين] الزلال (١*) ووعظ لمّا قدم دمشق فلم يتحرّك أحد فأنشد على الكرسيّ [الكامل]: لا تسقني وحدي فما عوّدتني ... أنّي أشحّ بها على جلّاسي أنت الكريم وما يليق تكرّما ... أن تحرم الندماء دور الكاس فلم يبق أحد حتى تواجد وطاب، وقطّعت يومئذ جماعة شعورهم من على رءوسهم وتابوا عن الخطايا. وقال مرّة في مجلس وعظه [البسيط]: ما في الصحاب أخو وجد يطارحني ... حديث ليلى ولا صبّ يجاريني فأنشد بعض الحاضرين: ما في الرفاق أخو وجد يطارحه ... إلّا محبّ له في الركب محبوب كأنّما يوسف في كلّ راحلة ... والحيّ في كلّ بيت منه يعقوب فصاح ونزل عن المنبر وقصد الشابّ الذي أنشد البيتين وكان الجمع عظيما، فلم يجده ووجد موضعه حفرة فيها دم كثير من شدّة ما فحصبقدميه عند تواجده.

стр. 1790

١٥٦١/ ١٩ - ابن عراك المصريّ المقرئ [- ٣٨٨] (١) [١٩٦ أ] عمر بن محمد بن عراك، أبو حفص، الحضرميّ، المصريّ، المقرئ. قرأ على حمدان بن عون وعبد الله بن مسكين وقسيم بن مطير، وسمع الحروف من أحمد بن محمد بن زكريا الصدفيّ، وأحمد بن إبراهيم بن جامع السكّريّ. أخذ عنه الحروف أيضا وتلا على أبي غانم المظفّر بن أحمد. قرأ عليه تاج الأئمّة أحمد بن علي بن هاشم، وأبو الفتح فارس بن أحمد وجماعة. وكان متبحّرا في قراءة ورش، وكان يقول: أنا كنت السبب في تأليف أبي جعفر ابن النحّاس (٢) كتاب اللامات. توفّي بمصر في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. ١٥٦١/ ٢٠ - عماد الدين الحمّويي الشافعيّ [٥٨١ - ٦٣٦] (٣) [١٩٤ أ] عمر بن محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حمّويه بن محمد بن حمّويه، شيخ الشيوخ، عماد الدين، أبو الفتح، ابن الإمام العلّامة صدر الدين شيخ الشيوخ أبي الحسن، ابن الإمام شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتوح ابن الفقيه أصيل خراسان أبي الحسن، ابن الإمام الزاهد علم الزهّاد أبي عبد الله الحمّوييّ، الجوينيّ، الشافعيّ. ولد بدمشق يوم الاثنين سادس عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ونشأ بمصر، وسمع من الأثير أبي الطاهر محمد بن محمد بن بنان، وأبي الفضل محمد بن يوسف بن عليّ الغزنويّ وغيرهما، وحدّث. وكانت أمّه قد أرضعت الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب فتقدّم عنده هو وإخوته فخر الدين يوسف، وكمال الدين أحمد، ومعين الدين حسن. وبعثه في الرسالة إلى بغداد وتنقّل في عدّة ولايات بمصر والشام وبلاد الشرق، وتولّى مشيخة الشيوخ بالخانقاه الصلاحيّة سعيد السعداء، وتدريس المدرسة الناصريّة بجوار الشافعيّ بقرافة مصر. فلمّا مات الملك الكامل بدمشق قام بتحليف العسكر للملك العادل أبي بكر ابن الكامل فيمن قام من أعيان الدولة، ورتّب الأمور وأقام الملك الجواد يونس بن مودود نائبا بدمشق، وعاد بالعساكر المصريّة إلى قلعة الجبل. فقبض العادل على الأمير فخر الدين يوسف ابن شيخ الشيوخ وهمّ بالقبض على عماد الدين ونسبه إلى أنه مالأ الملك الجواد مظفّر الدين يونس بن مودود ابن العادل أبي بكر بن أيّوب نائب السلطنة بدمشق. فلمّا بلغ عماد الدين ذلك خاف أن يجري عليه ما جرى على أخيه فخر الدين، فاجتمع بالملك العادل والتزم له بإحضار الملك الجواد إلى طاعته بمصر. فمال إلى قوله وسيّره من القاهرة ليحضره من دمشق. فسار إلى الملك الجواد وقدم عليه فأكرمه، وأخذ عماد الدين يتحدّث معه في المسير إلى مصر، فسوّف به ومطله حتى فطن بأنّه غير سائر معه. فأحضر عند ذلك الولاة والشادّين والنوّاب والدواوين بدمشق وأعمالها وقال لهم إنّ السلطان قد عزل الملك الجواد عن دمشق فلا تدفعوا إليه مالا ولا تقبلوا قوله. فعزّ ذلك على الملك
следующие страницы →