← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هو من شيوخ أبي عبد الله ابن الحطّاب الرازي (١). ومن شيوخه هو أبو مسلم الكاتب. ذكره السلفي في مشيخة الرازيّ. ٤١٣ - أمير أحمد مشدّ الشرابخاناه [- ٧٥٤] (٢) [١٢٨ أ] أحمد بن بدليك، الأمير شهاب الدين، المعروف بأمير أحمد السّاقي، مشدّ الشربخانة، النّاصريّ. أصله من الأويراتيّة (٣). بعث به نائب البيرة هو وإخوته الثلاثة من البلاد الشرقيّة، وهم سيف الدين شادي، وسيف الدين حاجّي، وركن الدين عمر. فأعطاه السلطان للأمير بكتمر الساقي وصار ساقيا له. ثمّ بعد مدّة رآه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأعجبه شكله فأخدمه عنده وعمله مشدّا لشربخانه، واختصّ به. وبعثه إلى بلاد الشرق ليصلح بين الشيخ حسن ابن الأمير حسين ابن أقبغا بن ايلكان متولّي العراق، وبين طغاي بن سوناي وكتب إليهما على يده كتبا، وحمّله إليهما هديّة. فسار على البريد في سنة أربعين وسبعمائة، وصحبته عشرة مماليك، فقضى غرضه وعاد. فلمّا مات السلطان وقبض على الأمير بشتاك، أخرج إلى طرابلس، لميله إلى بشتاك. ثمّ قدم في نوبة سلطنة الناصر أحمد، واستقرّ أمير شكار عوضا عن قماري المستقرّ أمير أقور بعد آي دغمش، حتى كانت سلطنة الكامل شعبان بن محمّد، [ف] أخرجه إلى صفد في ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين هو وإخوته ثمّ أعيد إلى مصر. فتعاظم في نفسه ودخل مع المماليك المظفّريّة حاجّي حتى انتقضت دولته، وأقيم بعده في السلطنة أخوه الناصر حسن فخشي الأمراء من أحمد هذا، فإنّه كان جسورا معروفا بنقل الكلام وكثرة الفتن، واتّهموه بأنّه اتّفق مع الأمير الجيبغا المظفّريّ والأمير طنيرق على الركوب على الأمير بيبغا أروس النائب، وأخيه الأمير منجك الوزير، وإزالتهما، فإنّهما كانا قد استبدّا بتدبير أمور الدولة، بعد ما كانت الأمور منوطة بستّة أمراء، [هم] النائب بيبغا أروس (٤) والوزير منجك، والأمير شيخون [العمريّ] والأمير طشتمر طللية، والأمير الجيبغا الطوسي (٥)، والأمير شهاب الدين أحمد هذا. فأخرج لنيابة صفد في رابع عشرين ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين عوضا عن الأمير مظفّر. ثمّ استقرّ في نيابة غزّة وعزل عنها بالأمير بلجك ابن أخت قوصون لسوء سيرته، وأحضر إلى مصر، وأنكر عليه، ثمّ أعيد إلى صفد. فلمّا أمسك الأمير منجك الوزير، توجّه الأمير قماري الحمويّ السلاحدار لإيقاع الحوطة على موجوده. وأسرّ إليه مسك أمير أحمد هذا. ففطن لذلك وجهّز إليه من تلقّاه وأدخله عنده ومنعه من الاجتماع بالناس. فلمّا أراد العود إلى القاهرة، قال له: السلطان يطلبك، فتوجّه معي إليه!

стр. 212

فقال: [٧٢ أ] لم ما قلت هذا أوّل قدومك؟ وليس في الكتاب الذي [١٢٨ ب] على يدك ما يدلّ على هذا. ثمّ طلب الأمراء وفيهم نائب القلعة، وأعلمهم أنّه طلب، وهو متوجّه، وأمر مباشريه أن ينظروا كم له في القلعة من الغلال، فقالوا: مائة غرارة. ففرّقها على مماليكه، وأمرهم أن يطلعوا لأخذها، فعند ما صاروا في القلعة أنزلوا جميع من كان فيها وملكوها. وكتب على يد قماري الجواب، وأعاده ومعه واحد من جهته. فكتب السلطان إلى نوّاب الشام والعربان بأخذ الطرقات عليه ومحاربته وأخذه، وأن يتوجّه الأمير أيتمش نائب الشام لمحاربته والقبض عليه. فكتب يتشفّع بنائب الشام أن يكون من جملة أمراء دمشق، فأجيب إلى ذلك، فامتنع وتمادى على العصيان. فسار إليه الأمير أيتمش بعسكر دمشق، وهم أربعة آلاف، والأمير فارس الدين البكيّ نائب غزّة بعسكرها، والأمير بكلمش نائب طرابلس بعسكرها في أوّل محرّم سنة اثنتين وخمسين، ومعهم الأمير علاء الدين الطنبغا برناق، وقد استقرّ في نيابة صفد عوضا عن أمير أحمد. فبعث إليهم بأنّي ما أنا بعاص. وسأل أن يكون نائب قلعة صفد، فأجابوه بأن يطلق الأمراء الذين أمسكهم، وهم أيدمر الشمسيّ، ودقماق، والقاضي، وناظر الجيش، فلم يوافق. فحصروه وهو بالقلعة وزحفوا عليه يوم الجمعة ثامن عشره وبعثوا إليه ليحقن الدماء ويطيع. فأطلق من كان عنده من الأمراء وغيرهم. وحلفوا له، وأنزلوه، وبعثوه صحبة الأمير قطلوبغا الكركيّ إلى السلطان في ثالث عشرينه. وعادت العساكر إلى بلادها. فلمّا وصل قطيا (١) عمل في الحديد، ومضى به الأمير قماري إلى الإسكندريّة. ثمّ أفرج عنه فيمن أخرج من الحبس أوّل الأيّام الصالحيّة صالح في حادي شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. واستقرّ في نيابة حماة عوضا عن طنيرق، فقدم دمشق صحبة مسفّره الأمير جركتمر عبد الغنيّ، في حادي عشرين شعبان منها، ومضى إلى حماة. فلمّا خامر الأمير بيبغا أروس كان ممّن وافقه ورافقه في تلك النوبة، ومضى معه إلى قراجا بن دلغادر فقبض عليه فحمل إلى حلب وسجن بها في حادي عشرين ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين، هو وبكلمش نائب طرابلس. فشهّرا ثمّ قتلا في أوّل المحرّم سنة أربع وخمسين وسبعمائة. وكان شجاعا أهوج جهولا مقداما. ٤١٤ - ابن بيليك المحسنيّ [٦٩٩ - ٧٥٣] (٢) أحمد بن بيليك المحسنيّ، شهاب الدين، ابن الأمير بدر الدين. ولد يوم الثلاثاء رابع عشرين المحرّم سنة تسع وتسعين وستّمائة. وكتب طبقة، ونظم ونثر، وجمع وصنّف. وتوجّه صحبة أخيه الأمير محمد ابن المحسنيّ (٣) لمّا أخرج إلى طرابلس. ثمّ أنعم عليه بإقطاع في دمشق، فراج عند الأمير تنكز النائب، فسمر معه، وصار يقرأ له في

стр. 213

مجلّدات يأتيه بها. فلمّا أخذ أخوه إلى القاهرة في أيّام تحكّم الأمير قوصون قدم معه، وولي دمياط. توفّي في يوم [ ... ] سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وكان يعرف الفقه على مذهب الشافعيّ. ونظم كتاب التنبيه في الفقه (١). ومن شعره [البسيط]: لله ساق رشيق القدّ أهيفه ... كأنّما صيغ من درّ ومن ذهب يسقي معتّقة تحكي شمائله ... أنوارها تزدري بالسبعة الشهب [٧٢ ب] حبّاتها ثغره والطعم ريقته ... ولونها لون ذاك الخدّ في اللهب ٤١٥ - محبّ الدين اللبليّ [٥٧٣ - ٦٢٥] (٢) أحمد بن تميم بن هشام بن حيّون، محبّ الدين، أبو العبّاس، اللبليّ، الأندلسيّ. ولد بلبلة من قرى الأندلس سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وقدم إلى مصر وسار إلى بغداد وخراسان. وسمع من أبي القاسم منصور بن أبي المعالي عبد المنعم ابن أبي البركات الفزاريّ بنيسابور، والمؤيد بن محمد الطوسيّ. ومات بدمشق يوم الخميس سابع عشر رجب سنة خمس وعشرين وستّمائة. ٤١٦ - أبو القاسم ابن جعفر المقرئ [٥٠٠ - ٥٦٨] (٣) أحمد بن جعفر بن أحمد بن إدريس، الإمام أبو القاسم، الشافعيّ، المقرئ، الخطيب. ولد سنة خمسمائة. وقرأ على أبي البركات محمد بن عمر صاحب أبي معشر [الطبريّ]. قرأ عليه شكر بن صقر الكوفيّ (٤)، وأبو القاسم الصفراويّ، وأحمد بن ريّان. [ومات] بالإسكندريّة في العشرين من شوّال سنة ثمان (٥) وستّين وخمسمائة. ٤١٧ - جلال الدين الرازيّ [٦٥١ - ٧٤٥] (٦) [ليدن ٣ أ] أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان، قاضي القضاة، جلال الدين، أبو المفاخر، ابن قاضي القضاة حسام الدين، ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي المفاخر، الرازيّ، ثمّ الروميّ، الحنفيّ. مولده في سنة إحدى وخمسين وستّمائة بمدينة أنكوريا (٧) من بلاد الروم. وتفقّه على أبيه وغيره. وبرع في الفقه والتفسير والنحو. وولي قضاء خربرت (٨) وعمره سبع عشرة سنة. وقدم مع أبيه دمشق، واستقرّ في قضاء قضاة

стр. 214

الحنفيّة بها عوضا عن أبيه لمّا توجّه إلى مصر في ثاني صفر سنة ستّ وتسعين وستّمائة. ودرس وأفتى، وعمي في آخر عمره. وتوفّي يوم الجمعة تاسع عشر شهر رجب سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وقد تقدّم ذكر أبيه الحسن بن أحمد (١). قال الشهاب أحمد بن يحيى، ابن فضل الله العمريّ: وهو كثير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيّب الأخلاق، سخيّ النفس جدّا. وله نيف وسبعون سنة يدرّس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكّام والمدرّسين كانوا فقهاء عنده، وقلّ منهم من أفتى ودرّس بغير خطّه. حكى لي أعجوبة جرت له قال: كان والدي قد سفر بي لإحضار أهله من الشرق، فلمّا أجزت البيرة (٢) ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة. فبينما أنا [٣ ب] نائم إذا شيء يوقظني فانتبهت فإذا أنا بامرأة وسط من النساء لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت، فقالت: ما عليك! إنّما أتيتك لتتزوّج ابنة لي كالقمر. فقلت، لخوفي منها: على خيرة الله! ثمّ نظرت فإذا برجال قد أقبلوا كهيئة المرأة التي أتتني، عيونهم كلّهم مشقوقة بالطول، في هيئة قاض وشهود. فخطب القاضي وعقد، فقبلت ونهضوا. وعادت المرأة ومعها جارية حسناء، إلّا أنّ عينها مثل عين أمّها. وتركتها عندي وانصرفت. فزاد خوفي واستيحاشي. وبقيت أرمي من معي بالحجارة لينتبهوا، فما انتبه والله ولا واحد منهم، فأقبلت في الدعاء والتضرّع. ثمّ آن الرحيل، فرحلنا، وتلك الشابّة لا تفارقني. فدمت على هذا ثلاثة أيّام، وأنا مقبل على الدعاء، والتضرّع. فلمّا كان في اليوم الرابع أتتني المرأة وقالت: كأنّ هذه الشابّة ما أعجبتك؟ وكأنّك تختار فراقها؟ فقلت: إيه والله! فقالت: طلّقها! فطلّقتها وانصرفتا. ثمّ لم أرهما. (قال) فسألته إن كان أفضى إليها، فزعم أن لا. ولمّا قدم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك سنة تسع وسبعمائة تردّد إليه ونفق عليه. فجلس مرّة هو والقضاة إلى جانبه وقت [٧٣ أ] صلاة الجمعة في الميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم يحر القضاة جوابا. فقال هو للسلطان بالتركيّ: هؤلاء حمير، ما فيهم من يعرف التفسير. ثمّ أخذ يفسّرها له بالتركيّ، فقال له: لم لا تقول بالعربيّ؟ فقال: لأنّ هؤلاء ما هم أهل لأن أعلّمهم، وإنّما الخطيب يعرف- يريد جلال الدين القزويني- وسيتفرّج السلطان عليّ وعليه ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة. فضحك السلطان وجميع من حضر. ثمّ قرأ الخطيب وصلّى. فلمّا فرغ طلبه السلطان فأعاد السؤال فتكلّم هو والرازي وتناظرا والقضاة سكوت وقد سقطوا من الأعين كلّها. فكان الاستظهار للرازيّ.

стр. 215

٤١٨ - الشهاب ابن الزركشيّ [- ٧٣٨] [٣ ب] أحمد بن الحسن بن أحمد، شهاب الدين، ابن الزركشي، الحنفيّ. توفّي في ثامن عشرين رجب سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وقد برع في الفقه ودرّس بالحساميّة من القاهرة. ووضع شرحا على الهداية (١)، وانتخب شرح الصغناقيّ في [ ... ] وشارك في علوم. ٤١٩ - الشهاب السويداويّ [٧٢٥ - ٨٠٤] (٢) [٤ أ] أحمد بن الحسن بن محمد بن محمد بن زكريا [بن يحيى]، شهاب الدين، ابن مجد الدين، ابن بدر الدين، المعروف بابن القدسيّ وبابن السويداويّ، الشافعيّ. ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة. واشتغل بالفقه، وسمع بإفادة أبيه الكثير من يحيى ابن المصريّ، والعلّامة شمس الدينمحمد ابن القمّاح، وأحمد بن كشتغدي، ومحمد بن غالي، وصالح [بن مختار] الأشنهيّ، وركن الدين ابن القوبع، والحافظ قطب الدين عبد الكريم الحلبيّ، في آخرين. وأجاز له الحافظان المزّيّ والبرزاليّ وأبو بكر ابن الرضيّ وزينب بنت الكمال وحدّث بالكثير. وكان كثير الرواية والأجزاء من بيت الحديث. توفّي بعد ما عمي في يوم تاسع عشر ربيع الآخر سنة أربع وثمانمائة. وكان يجلس في حوانيت الشهود قبل عماه. ٤٢٠ - أبو نصر الشيرازيّ [- بعد ٤٦٣] أحمد بن حسن بن حسين بن أحمد، أبو نصر، الشيرازيّ، الواعظ. سار إلى بلاد الشام، وجال في أقطارها وسواحلها. وسكن ديار مصر. قال أبو سعد ابن السمعانيّ: وكان حافظا عارفا بطرق الحديث. توفّي بعد سنة ثلاث وستّين وأربعمائة. صنّف كتاب معجم أسماء الصحابة في مجلّدين. ٤٢١ - مولانا زادة السرائيّ [٧٥٤ - ٧٩١] (٣) [٥ أ] أحمد بن أبي يزيد بن محمد، الشيخ شهاب الدين، ابن الشيخ ركن الدين، ابن شمس الدين، السرائيّ (٤) المولد، البخاريّ المحتد، المعروف بمولانا زاده، العجميّ، الحنفيّ. كان أبوه فاضلا، زاهدا، سخيّا، عالما. ولي

стр. 216

الأوقاف ببلاد سراي، وجعل إليه حمل أموال الأوقاف والجزية ببلاد الروس، فلم يتناول منها درهما قطّ لنفسه ولا لعياله حتّى ولا أطعم منها دابّة له. وكان يقول: كلّ هذا الزهد في هذا المال الدنيء ليرزقني الله ولدا صالحا كما أحبّ وأختار. فولد له مولانا زادة هذا في يوم عاشوراء سنة أربع وخمسين وسبعمائة. ومات أبوه وعمره تسع سنين، وبرع في أنواع العلوم، وعمره ثماني عشرة سنة، وصار يضرب به المثل في الذكاء، ثمّ خرج من بلاد سراي وهو ابن عشرين سنة. فطاف البلاد، وأقام بالشام مدّة، ودرس الفقه والأصول على مذهب أبي حنيفة، وكان يشارك فيهما بذكائه وحسن فطنته مشاركة جيّدة. ودرس العربيّة، وكان بصيرا بدقائقها، وبالعلوم المشتركة. وكان يقول: أعجب الأشياء عندي البرهان القاطع الذي لا يكون فيه للمنع مجال، والشكل الذي يكون لي ساعة فيه اشتغال. وما زال كلّ بلد يحلّه يشهد له أهله بالفضل. ثمّ إنّه أحبّ سلوك طريق أهل الله، فصحب جماعة من المشايخ وخدمهم عدّة سنين. [٧٣ ب] وقدم إلى القاهرة، واستقرّ في تدريس الحديث النبويّ بالمدرسة الظاهريّة بين القصرين، وتدريس الحديث بالمدرسة الصرغطمشيّة خارج القاهرة، وقرّر فيهما كتاب علوم الحديث للحافظ أبي عمرو ابن الصلاح تقريرا جيّدا بما عنده من قوّة العارضة وشحذ القريحة حتّى أعجب الناس به. وما زال على ذلك حتّى مات بعد مرض طويل في يوم الأربعاء حادي عشرين المحرّم سنة إحدى وتسعين وسبعمائة عن ستّة وثلاثين عاما، بعد ما تزوّج وأتاه ولد ذكر. ﵀، فلقد كان الثناء عليه غزيرا. وبلا الناس منه علما وفضلا كبيرا. وله شعر، منه [ ... ]. ٤٢٢ - موفّق الدين الشارعي [- ٧٣٩] (١) [٦ أ] أحمد بن أحمد بن عثمان بن مكّي بن عثمان، الشيخ موفّق الدين، ابن تاج الدين، السعديّ، الشارعيّ، الشافعيّ. سمع من جدّ أبيه جمال الدين أبي عمرو عثمان، وهو آخر من حدّث عنه، فسمع منه الوانيّ وابنه، وأبو الفتح السبكيّ، والسروجيّ، وابن رافع، في آخرين. توفّي وقد بلغ عمرا طويلا- نحو تسعين- في يوم [ ... ] جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة بمصر. ٤٢٣ - ابن نعمة النّابلسي [- ٦٩٤] (٢) أحمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد، شرف الدين، أبو العبّاس، النابلسيّ، المقدسيّ، خطيب دمشق، الشافعيّ. أجاز له الفتح ابن عبد السلام (٣)، وأبو علي الجواليقيّ، وأبو جعفر السّهرورديّ. وسمع من ابن الصلاح، والسخاويّ، وغيرهما. وتفقّه على الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام (٤) بالقاهرة. وناب في الحكم عن ابن الخويّيّ. وولي خطابة جامع بني أميّة بدمشق. وصنّف كتابا في الأصول جمع فيه بين الإمام فخر الدين الرازيّ والسيف

стр. 217

الآمديّ. وكان فقيها محقّقا متقنا للمذهب والأصول والعربيّة، حادّ الذهن، سريع الفهم، بديع الكتابة. توفّي في شهر رمضان سنة أربع وتسعين وستّمائة. ٤٢٤ - شهاب الدين الأبرقوهيّ [٦١٥ - ٧٠١] (١) أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيّد بن علي ابن إسماعيل بن أبي طالب، الشيخ المسند المعمّر الجليل، شهاب الدين، أبو المعالي وأبو محمّد، ابن رفيع الدين قاضي أبرقوه، الأبرقوهيّ، الهمدانيّ، ثمّ المصريّ، القرافيّ، الشافعيّ، الصوفيّ. ولد بأبرقوه من بلاد شيراز في رجب- أو شعبان- سنة خمس عشرة وستّمائة. وقدم مصر وأقام بالقاهرة، وحضر السماع على عبد السلام السرقولي في الثانية من عمره سنة سبع عشرة وستّمائة. وسمع في الخامسة من أبي بكر بن سابور بشيراز. وسمع ببغداد من الفتح ابن عبد السلام، وأحمد بن صرما، وابن البيّع، وأكمل ابن أبي الأزهر، والمبارك ابن أبي الجواد، وأبي عليّ ابن الجواليقيّ، وجماعة. وبالموصل وحرّان من الفخر ابن سميّة، وبدمشق من ابن أبي نعمة، وابن المصريّ. وبالقدس من الأوقيّ (٢)، وبمصر من أبي البركات ابن الجبّاب. وحدّث عن هؤلاء وغيرهم. فروى عنه الأئمّة والحفّاظ: البرزالي، وابن سيّد الناس، وخلائق. وخرّجت له عدّة معاجم. وعمّر وانفرد بالرواية، ورحل الناس إليه. وكان شيخا حسنا متيقّظا عالما صالحا، مقرئا متواضعا. وكان يذكر أنّه رأى النبي ﷺ في منامه وأخبره أنّه يموت بمكّة. فحجّ ومات بعد قضاء نسكه بمكّة، في العشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وسبعمائة وسنّه سبع وثمانون سنة. وكان قد تفرّد وألحق الأحفاد بالأجداد، ورحل الناس إليه. وكان مباركا خيّرا ديّنا له صبر على الطلبة. وحدّث عنه خلق كثير، وأكثر عنه الذهبيّ. ٤٢٥ - الجرذ قاضي حلب [- ٣٥٠] أحمد بن إسحاق بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن موسى [٧٤ أ]، ابن جعفر، الإصطخريّ، الحلبيّ، قاضي حلب، الملقّب بالجرذ. حدّث ببغداد ومصر وحلب، عن محمّد بن معاذ المعروف ببدران، وأبي عبد الله أحمد بن خليد الكنديّ، الحلبيّ. روى عنه ابن أخيه عليّ بن محمد بن إسحاق القاضي، وقضى (٣) بحلب أيّام سيف الدولة. وتوفّي سنة خمسين وثلاثمائة. ٤٢٦ - أبو الهدى ابن الجبّاب [٦٤٣ - ٧٢٠] (٤) [١٢٠ أ] أحمد بن إسماعيل بن عليّ بن عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن أحمد ابن أبي الفضل بن جعفر بن الحسين بن أحمد بن محمود بن زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب، التميميّ، السعديّ، فخر الدين، أبو الهدى، ابن أبي الطاهر، عرف بابن الجبّاب.

стр. 218

ولد بمصر في يوم [ ... ] جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. سمع من السبط، والرشيد العطّار (١)، وغيرهما. ومات بمصر يوم [ ... ] تاسع عشر شهر رمضان سنة عشرين وسبعمائة. ٤٢٧ - الشهاب الحسيانيّ [٧٤٩ - ٨١٥] (٢) [١٢٠ ب] أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العالي، [شهاب الدين الحسيانيّ]. ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وتفقّه بأبيه وغيره. وسمع الكثير من أصحاب الفخر ابن البخاريّ وغيرهم، وطلب بنفسه. وكان موصوفا بالذكاء. وجمع أشياء حسنة، منها تفسير القرآن. وعلّق على الحاوي (٣). وكتب من تخريج أحاديث الرافعيّ قطعة. وشرح ألفيّة ابن مالك. ثم ناب في الحكم بدمشق مدّة، وولي قضاءها مرارا. فلم تحمد سيرته. ومات في عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمانمائة. ٤٢٨ - ابن كريم الملك المزدقاني [- ٦١٥] (٤) [١٢١ أ] أحمد بن أسعد بن أحمد بن عبد الرزّاق بن بكران، الوزير أبو الفضل، ابن أبي المعالي، ابن أبي الفضل، ابن أبي محمّد، المعروف بابن كريم الملك، المزدقانيّ، الأصمّ. سمع الحديث من أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون وتفقّه عليه. وسمع من القاضي أبي الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوريّ، ومحمد بن أسعد بن الحليم، وأبي محمد عبد الله بن عبد الواحد بن الحسن بن الفرج الكتّاني. وصار فقيها فاضلا عالما. وتنقّل حتى وزر للملك المعزّ عزّ الدين بهرام شاه ابن فرخ شاه ابن شاهنشاه ابن أيّوب صاحب بعلبك. ومات بها يوم الجمعة ثامن المحرّم سنة خمس عشرة وستّمائة. قدم إلى القاهرة وبها خدم الملك المعزّ. ومن شعره [الخفيف]: كيف طابت نفوسكم بفراقي ... وفراق الأحباب مرّ المذاق لو علمتم مضرّتي وصبابا ... تي ووجدي ولوعتي واحتراقي لرثيتم للمستهام المعنّى ... ووفيتم بالعهد والميثاق ولمّا عزم على السفر إلى ديار مصر لأمر قد ضاق صدره في الشام بسببه وقصد خدمة الملك المعزّ، هتف به هاتف وأنشد [الكامل]: يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها ودع التكاثر في الغنى لمعاشر ... أضحوا على جمع الدراهم ولّها واعلم بأنّ الله ﷻ ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها

стр. 219

٤٢٩ - سيف الدين الهكاريّ [٥٨٠ - ] [١٢٢ أ] أحمد ابن أبي القاسم بن محمد بن أحمد [ ... ] الهكاريّ، البحتريّ، الطائيّ، الأمير سيف الدين. ولد بالموصل في سنة ثمانين وخمسمائة. وقدم القاهرة ودخل المغرب [٧٤ ب] وادّعى السلطنة وملك بها حصنا. ثم أخذ منه وعاد إلى القاهرة. وكان فيه فضل ونزاهة. ٤٣٠ - أبو العبّاس القيسيّ [- ٦٢٤] (١) [١٢٢ ب] أحمد ابن أبي القاسم، أبو العبّاس، القيسيّ، الإسكندرانيّ، الشيخ الفقيه. وجد مخنوقا بسقاية مدرسته بالموصل في الثاني من ذي الحجّة سنة أربع وعشرين وستّمائة. وحدّث وروى. ٤٣١ - ابن كنجك [(٧٢٣) - ٨٠٣] (٢) أحمد بن أق برس بن بلغاق بن كنجك، الخوارزميّ، الكنجيّ، الدمشقيّ. سمع من إسحاق بن يحيى الآمديّ، وأحمد بن المحبّ، وزينب بنت الكمال، وجماعة من الشاميّين والمصريّين، وحدّث. توفّي في سنة ثلاث وثمانمائة بدمشق. ٤٣٢ - أحمد بن أيمن [١٢٤ أ] أحمد بن أيمن [ ... ] كاتب أحمد بن طولون. كان ذا جثة عظيمة وعقيرة جهيرة [ ... ] ثم سخط عليه وحبسه، وسبب ذلك أنّه كان لأحمد بن طولون ساع يسعى بالكتّاب والمعاملين من أبناء القبط يعرف بأبي الذؤيب، حسن الموقع منه، يجلس مع منادميه. فلما كان في ليلة من الليالي، قال أحمد بن طولون لمغنّيه: أشتهي صوتا ما سمعته منذ خرجت من سرّ من رأى، وهو [البسيط]: ألا سقيتم بني حزم أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي غلّة صادي فقال: ما هو معي. فحمل النبيذ أحمد بن أيمن على أن قال: أنا أحسنه- واندفع يغنّيه، وطرب، وقام ورقص على إيقاع اللحن. فغمزه أحمد بن طولون على أبي الذؤيب الساعي فتزالق على البساط وألقى نفسه بجثّته العظيمة عليه، فبكى كما يبكي الصبيّ إذا ضرب، بعاميّة وسوء أدب. فزجره أحمد بن طولون فقال: لم يوجعني أيّد الله الأمير، ما وقع عليّ من جسمه، إنّما آلمني ما كان على ظهره من البدرات التي اختانها للأمير. فقال: ارفع هذا إليّ الصحو، ولا تخلط الجدّ بالهزل! ففطن ابن أيمن عند ذلك أنّه قد غلط بفرط الانبساط. ولم تمض له مديدة حتّى أوقع به وحبسه. فلم يزل في حبسه إلى أن مات [ابن طولون]، فأخرجه أبو الجيش فيمن أخرج من المحابيس بعد موت أبيه.

стр. 220

٤٣٣ - المتنبيّ [٣٠٣ - ٣٥٤] (١) أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد، أبو الطيّب، الكوفيّ، الشاعر المعروف بالمتنبّي. وقيل: بل هو أحمد بن الحسين بن مرّة بن عبد الجبّار. وكان أبو الحسين يعرف «بعيدان السقاء»، عيدان بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، قاله الخطيب البغداديّ (٢). [نسبه]: وقال ياقوت الحمويّ: رأيت ديوان أبي الطيّب المتنبّي بخطّ أبي عليّ الحسن بن عيسى الربعيّ، قال في أوّله: الذي أعرفه عن نسب أبي الطيّب أنّه أحمد بن الحسين بن مرّة بن عبد الجبّار الجعفيّ، وكان يكتم نسبه. وقد سألته عن سبب طيّه ذلك فقال: «لأني أنزل دائما بعشائر وبقبائل العرب، ولا أحبّ أن يعرفوني خيفة أن يكون لهم في قومي ترة». وهذا الذي صحّ لي من نسبه. وقال القاضي أبو علي المحسّن بن عليّ التنوخيّ: حدّثني أبو الحسين محمّد بن يحيى الزيديّ العلويّ قال: كان المتنبّي، وهو صبيّ، ينزل بجواري بالكوفة. وكان أبوه يعرف بعيدان السقّاء، يستقي لنا ولأهل المحلّة. ونشأ هو محبّ [ا] للعلم والأدب، وطلبه، وصحب الأعراب في البادية، فجاءنا بعد سنتين بدويّا. وقد كان تعلّم الكتابة والقراءة فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الورّاقين، فكان علمه من دفاترهم. فأخبرني ورّاق كان يجلس إليه يوما، قال لي: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى [٧٥ أ] ابن عيدان قطّ! فقلت له: كيف؟ قال: كان عندي اليوم، وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعيّ يكون نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ينظر فيه طويلا، فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك. فإن كنت تريد حفظه، فهذا إن شاء الله يكون بعد شهر! . فقال له ابن عيدان: فإن كنت قد حفظته في هذه المدّة، فما لي عليك؟ قال: أهب لك هذا الكتاب! (قال) فأخذت الدفتر من يده وقلت: هيّا! فأقبل يتلوه عليّ إلى آخره. ثمّ استلمه فجعله في كمّه. فعلق به صاحبه يطالبه بالثمن. فقال: ما إلى (٣) ذلك سبيل، وقد وهبته لي؟ (قال) فمنعناه منه وقلنا له: أليس شرطت على نفسك هذا للغلام؟ فتركه. وقال لي أبو الحسين: كان عيدان والد المتنبّي يذكر أنّه من جعفى. وكانت جدّة المتنبّي همدانيّة صحيحة النسب لا أشكّ فيها، وكانت جارتنا، من صلحاء النساء الكوفيّات. قال التنوخيّ: فاتّفق مجيء المتنبّي بعد سنين إلى الأهواز منصرفا إلى (٤) فارس. فذاكرته بأبي الحسين فقال: تربي وصديقي وجاري بالكوفة. وسألت المتنبّي عن نسبه فما اعترف به وقال: أنا

стр. 221

رجل أخبط القبائل وأطأ البلاد والبوادي، وخفت أنّني متى انتسبت لم آمن أن تأخذني بعض العرب بطلبة بينها وبين القبيلة التي انتسبت إليها. وما دمت غير منتسب إلى أحد فأنا أسلم من جميعهم، ويخافون لساني. فذكرت له ما أخبرني به أبو الحسين من انتسابه إلى جعفى وأنّ جدّته همدانيّة، فما أنكر ذلك ولا اعترف به. (قال) ومحلّ أبي الحسن فوق أن يحكي إلّا صدقا. (قال) واجتمعت بعد موت المتنبّي بسنين مع القاضي أبي الحسين شيبان الهاشميّ الكوفيّ، وجرى ذكر المتنبّي، فقال: أعرف أباه بالكوفة شيخا ينضح على بعير له، يسمّى عيدان. وكان جعفيّا صحيح النسب. ثمّ رأيت رجلا كوفيّا ضريرا ببغداد، ويذكر أنّه أخو المتنبّي من أبيه وأمّه. وسألته عن نسبه فقال: كان أبونا يقول إنّه ابن جعفى. (انتهى). وكان مولد أبي الطيّب في كندة من الكوفة سنة ثلاث- وقيل: إحدى- وثلاثمائة، والأوّل أصحّ. [سبب تلقيبه بالمتنبّي]: وقد اختلف في تسميته بالمتنبّي. فقيل إنّه ادّعى النبوّة في حداثته. وقيل غير ذلك. قال القاضي التنوخي (١): وقد كان المتنبّي لمّا خرج إلى كلب وأقام فيهم ادّعى أنّه علويّ حسيني. ثمّ ادّعى بعد ذلك النبوّة في حداثته. وقيل غير ذلك. قال أبي (٢): ثم عاد يدّعي أنّه علويّ إلى أن أشهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين، وحبس دهرا طويلا، وأشرف على القتل. ثمّ استتيب. (قال) وكان يتردّد في نفسي أن أسأل أبا الطيّب المتنبّي عن تنبّئه والسبب فيه، وهل ذلك اسم وقع عليه على سبيل اللقب، أو أنّه كما كان يبلغنا، فكنت أستحي منه لكثرة من يحضر مجلسه ببغداد، وأكره أن أفتح عليه بابا يكره مثله. فلمّا جاء إلى الأهواز ماضيا إلى فارس خلوت به وطاولته الأحاديث وجرّرتها إلى أن قلت له: أريد أن أسألك عن شيء في نفسي منذ سنين، وكنت أستحي خطابك فيه من كثرة من كان يحضرك ببغداد، وقد خلونا الآن، ولا بدّ أن أسألك عنه- وكان بين يديّ جزء من شعره، وكان مكتوبا عليه: شعر أبي الطيّب المتنبّي. فقال: تريد تسألني عن سبب هذا؟ - وجعل يده فوق الكتابة التي هي «المتنبّي». فقلت: نعم. فقال: هذا شيء كان في الحداثة أوجبته [أ] مور. فما رأيت دهشة (٣) ألطف منها لأنّه يحتمل المعنيين [٧٥ ب]: في أنّه كان قد تنبّأ واعتمد الكذب، أو أنّ عنده أنّه كان صادقا. إلّا أنّه اعترف بالمتنبّي على كل حال. (قال) ورأيت ذلك قد صعب عليه فاستقبحت أن أستقصي وألزمه الإفصاح بالقصّة، فأمسكت عنه. وحكى القطربّليّ، وابن أبي الأزهر في تاريخ اجتمعا على تصنيفه، أنّ المتنبّي أخرج ببغداد من الحبس إلى مجلس الوزير أبي الحسن عليّ بن عيسى، فقال: أنت أحمد المتنبّي؟ فقال: أنا أحمد النبيّ! - وكشف عن بطنه فأراه سلعة فيه وقال: «هذا طالع نبوّتي، وعلامة رسالتي». فأمر بقلع شمشكه وصفعه به خمسين وأعاده إلى محبسه. ذكر ذلك عليّ بن منصور القارح في رسالته إلى أبي العلاء المعرّي (٤).

стр. 222

وقال أبو علي ابن أبي حامد: سمعت بحلب يحكون، وأبو الطيّب المتنبّي بها إذ ذاك، أنّه تنبّأ في بادية السماوة ونواحيها، إلى أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيديّة وقاتله وأسره، وشرّد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما، وحبسه في السجن دهرا طويلا، ثمّ استتابه ممّا نقل عنه وأخرجه. (قال) ومن قرآنه قوله من سورة: «والنجم السيّار، والفلك الدوّار، والليل والنهار، إنّ الكافر لفي أخطار. امض على سنّتك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في دينه وضلّ عن سبيله»، وهي طويلة. [تحامل ابن خالويه عليه]: وقال له ابن خالويه النحويّ في مجلس سيف الدولة: لولا أنّك جاهل لما رضيت بأن تدعى بالمتنبّي، لأن «متنبّ» معناه: كاذب. ومن رضي أن يدعى بالكاذب فهو جاهل. فقال: أنا لست أرضى أن أدعى بهذا، وإنّما يدعوني به من يريد الغضّ منّي، ولست أقدر على الامتناع. وقال أبو علي ابن [أبي] حامد: قال لي أبي، وقد سمع قوما يحكون عن أبي الطيّب المتنبّي هذه السورة، التي قدّمنا ذكرها: لولا جهله، أين قوله: امض على سنّتك .. إلى آخر كلامه، من قول الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] إلى آخر الآية (١). فهل تتقارب الفصاحة فيهما، أو يشتبه الكلامان؟ وقال أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقيّ: قدم المتنبّي اللاذقيّة في سنة نيّف وعشرين وثلاثمائة، وهو ما عذّر (٢)، وله وفرة إلى شحمة أذنيه، وضوى (٣) إليّ فأكرمته لما رأيت من فصاحته وحسن سمته. وقلت له يوما: والله إنّك لشابّ خطير، تصلح لمنادمة ملك كبير. فقال: ويحك! أتدري ما تقول؟ أنا نبيّ مرسل! قلت: مرسل إلى من؟ قال: إلى هذه الأمّة الضالّة المضلّة. قلت: تفعل ماذا؟ قال: أملؤها عدلا كما ملئت جورا. قلت: بماذا؟ قال: بإدرار الأرزاق والثواب العاجل والآجل لمن أطاع وأتى، وضرب الأعناق وقطع الأرزاق لمن عصى وأبى. فقلت له: إنّ هذا أمر عظيم أخاف منه عليك أن يظهر- وعذلته على قوله ذلك، فقال بديها [الوافر]: أبا عبد الإله معاذ، إنّي ... خفيّ عنك في الهيجا مقامي ذكرت جسيم ما طلبي، وإنّا ... نخاطر فيه بالمهج الجسام أمثلي تأخذ النكبات منه ... ويجزع من ملاقاة الحمام؟ ولو برز الزمان إليّ شخصا ... لخضّب شعر مفرقه حسامي وما بلغت مشيئتها الليالي ... ولا سارت، وفي يدها زمامي [٧٦ أ] إذا امتلأت عيون الخيل منّي ... فويل في التيقّظ والمنام

стр. 223

فقلت له: ألم تكن ذكرت أنّك نبيّ مرسل إلى هذه الأمّة؟ أفيوحى إليك؟ قال: نعم. قلت: فاتل عليّ شيئا من الوحي إليك. فأتاني بكلام ما مرّ على سمعي أحسن منه. فقلت: وكم أوحي إليك من هذا؟ فقال: مائة وأربع عشرة عبرة. قلت: وما العبرة؟ فأتى بمقدار أكبر الآي من كتاب الله. قلت: ففي كم مدّة الوحي إليك؟ قال: جملة واحدة. قلت: فاسمع! في هذا القرآن لك طاعة في السماء. فما هي؟ [نموذج من «معجزاته»]: قال: أحبس المدرار لقطع أرزاق العصاة والفجّار. قلت: أتحبس من السماء مطرها؟ قال: إي، والذي فطرها! أفما هي معجزة؟ قلت: بلى والله! قال: فإن حبست [المطر] (١) عن مكان تنظر إليه ولا تشك فيه، أتؤمن بي، وتصدّقني على ما أوتيت به من ربّي؟ قلت: أي والله! قال: سأفعل، ولا تسألني عن شيء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة. ولا تظهر شيئا من هذا الأمر حتى يظهر. وانتظر ما وعدته من غير أن تسأله. فقال لي بعد أيّام: أتحبّ أن تنظر إلى المعجزة التي جرى ذكرها؟ قلت: بلى والله. قال لي: إذا أرسلت إليك أحد العبيد، فاخرج معه، ولا يركب معك أحد! قلت: نعم. فلمّا كان بعد أيّام، تغيّمت السماء في يوم من أيّام الشتاء، وإذا عبد قد أقبل فقال: يقول لك مولاي: اركب للوعد! فبادرت إلى الركوب معه، وقلت: أين ركب مولاك؟ قال: بالصحراء، ولم يخرج معه أحد غيري. واشتدّ وقع المطر فقال: بادر بنا حتّى نستكنّ معه من هذا المطر، فإنّه ينتظرنا بأعلى تلّ لا يصيبه فيه المطر. قلت: وكيف عمل؟ قال: أقبل ينظر إلى السماء أوّل ما بدأ السحاب الأسود، وهو يتكلّم بما لا أفهم، ثمّ أخذ السوط فأدار به في موضع- ستنظر إليه- من التلّ، وهو يهمهم، والمطر ممّا يليه، ولا قطرة منه عليه. فبادرت معه حتّى نظرت إليه، فإذا هو على تلّ على نصف فرسخ من البلد. فأتيته وإذا هو عليه قائم، ما عليه من ذلك المطر قطرة واحدة، وقد خضت في الماء إلى ركبتي الفرس، والمطر في أشدّ ما يكون. ونظرت إلى نحو مائتي ذراع في مثلها في ذلك التّل: يابس، ما فيه ندى ولا قطرة مطر. فسلّمت عليه فردّ عليّ، وقال لي: ما ترى؟ قلت: ابسط يدك، فإنيّ أشهد أنك رسول الله! فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوّته. [ثمّ قال لي: ما قال لك هذا الخبيث لمّا دعاك؟ - يعني عبده. فشرحت له ما قال لي في الطريق لمّا

стр. 224

استخبرته. فقتل العبد] (١)، وقال: أيّ محلّ أرتقي ... أيّ عظيم أتّقي وكلّ ما قد خلق ال ... لّه وما لم يخلق محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي وأخذت بيعته لأهلي. ثم صحّ بعد ذلك أنّ البيعة عمّت كلّ مدينة بالشام، وذلك بأصغر حيلة تعلّمها من بعض العرب، وهي صدحة (٢) المطر يصرفه بها عن أيّ مكان أحبّ بعد أن يحوّي عليه بعصا، وينفث بالصدحة التي لهم. وقد رأيت كثيرا منهم بالسكون وحضر موت والسكاسك من اليمن يفعلون هذا ولا يتعاظمونه حتّى إنّ أحدهم يصدح عن غنمه وإبله وبقره، وعن القرية من القرى فلا يصيبها من المطر قطرة، ويكون المطر ممّا يلي الصدحة. وهو ضرب من السّحر. ورأيت فيهم من السحر ما هو أعظم من هذا. وسألت المتنبّي بعد ذلك: هل [٧٦ ب] دخلت السكون؟ قال: نعم. ووالدي منها. أما سمعت قولي [الوافر]: أمنسيّ السكون (٣) وحضرموتا ... ووالدتي وكندة والسبيعا فقلت: من ثمّ استعار ما جوّزه على طغام أهل الشام. [أنموذج آخر]: وقال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّي (٤): أخبرني بعض الكتّاب قال: كنت بالديوان في بعض بلاد الشام. فأسرعت المدية في أصبع بعض الكتّاب، وهو يبري قلمه، وأبو الطيّب حاضر. فقام إليه وتفل عليه، وأمسكها ساعة بيده، ثمّ أرسلها وقد اندملت بدمها. فجعل يعجب من ذلك، ويرى من حضر أن ذلك من معجزاته. وقال أبو الفتح عثمان بن جنّيّ النحويّ: سمعت أبا الطيّب يقول: إنّما لقّبت بالمتنبّي لقولي [الخفيف]: أنا في أمّة تداركها اللّ ... هـ غريب كصالح في ثمود ما مقامي بأرض نخلة إلّا ... كمقام المسيح بين اليهود وقيل: على من تنبّأت؟ قال: على الشعراء. فقيل له: لكلّ نبيّ معجزة. فما معجزتك؟ قال: قولي [الطويل]: ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ [دخوله مصر]: ودخل أبو الطيّب في صباه إلى الشام وجال في أقطارها، وصعد بعد ذلك إلى مصر (٥). وكان بها في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وقدم وافدا على سيف الدولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فأكرمه وأنفق عليه، إلى أن خرج

стр. 225

من حلب غضبان بسبب كلام وقع بينه وبين أبي عبد الله ابن خالويه في مجلس سيف الدولة، فضربه ابن خالويه بمفتاح، في سنة ستّ وأربعين وثلاثمائة. وصار إلى مصر مرّة ثانية، ومدح الأستاذ أبا المسك كافور الإخشيديّ، ولم يمدح بمصر غيره سوى فاتك الإخشيديّ المعروف بالمجنون، عند ما بعث إليه من الفيّوم، وكان مقيما بها. [لأنّ الفيّوم وأعمالها كانت إقطاعا له .. وحمل إلى المتنبيّ ألف دينار هديّة وأتبعها] (١) مالا كثيرا وكسوة وجمالا، ومبلغ ذلك ستّمائة دينار. وذلك أنه بلغه تقصير كافور به. فمدحه بقصيدة أوّلها [البسيط]: [لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال واجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول، ونعمى الناس أقوال] (١) وكان المتنبيّ يقف بين يدي كافور، وهو متّكئ على سيفه في عشيّة كلّ عيد، والشعراء تنشد مدائحهم في كافور، فكلّما فرغ شاعر من إنشاده، رفع كافور رأسه إلى المتنبّي وقال: «إيش تقول يا أبا الطيّب في هذا الشاعر؟ » فيقول له ما يمكنه. وما زال مع كافور كذلك إلى أن هرب ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلاثمائة. وسبب هربه تقصير كافور في حقّه: فإنّه طلب منه أن يوليه عملا من أعمال مصر فلم يجبه إلى ذلك فسخط. وعند ما عزم على الهرب من مصر، أرسل إلى أبي بكر الفرغانيّ أحد جلساء كافور يقول له: إنّي أجد وجعا، وللأستاذ عندي رقعة فيها مهمّ، فتدفعها إليه عشيّة العيد عند العتمة إذا خلا: فقد هنّأته بالعيد وذكرت عذري في التأخّر. فأخذ الفرغاني الرقعة. وهرب المتنبيّ من ساعته. وأصبح الناس بشغل العيد. وجلس كافور عشيّة العيد للشعراء فسأل عن المتنبّي وقال: سلوا عنه! فتوانى من قيل له، وتوانى الفرغاني أيضا تلك الليلة في إيصال الرقعة إلى كافور، فلم يوصلها إليه إلّا من الغد. فجاء بها كافور مع العتمة وقال له، والشمع بين يديه: دفع لي عبدك أبو الطيّب المتنبّي رقعة، وهو ضعيف من شيء يجده. وعرّفني أنّ فيها مهمّا. فاتّهمه كافور أنّه قد هجاه في الرقعة، فأخذها بيده وقال: أرسلوا إلى أبي الطيّب، سلوا عنه! . فمضى عدّة من الرسل في طلبه، فانكشف الأمر أنّه هرب. فوضع كافور الرقعة في الشمعة وأحرقها بيده، وعلم أنّه هجاه. وأخذ يسبّ من حسّن له التقصير في أمره، وتحسّر عليه وقلق [٧٧ أ] بذهابه. [رحيله إلى البويهيّ]: وقدم المتنبّي على عضد الدولة بشيراز. فلمّا وصل إلى حضرته في أوّل مجلس شاهده فيه قال لأبي القاسم عبد العزيز بن يوسف: اخرج واستوقفه واسأله كيف شاهد مجلسنا، وأين الأمراء الذين لقيهم في نفسه منّا؟ (قال) فامتثلت ما أمرني به ولحقته وجلست معه وحادثته وطاولته وأطلت معه في المعنى الذي ذكره. فكان جوابه عن جميع ما سمعه منّي أن قال: «ما خدمت عيناي قلبي كاليوم! ».

стр. 226

فجاء بالجواب موزونا، واستوفى القول في اختصار من اللفظ. ويقال إنّه لمّا دخل على عضد الدولة بشيراز قال: «أنا لا أنشد ماثلا! » فأمر له عضد الدولة بكرسيّ. فلمّا دخل ورآه أنشده قائما، فأمره بالجلوس. فأبى وقال: «هيبتك تمنع ذلك». فوقع قوله وفعله منه أحسن موقع. [وقال أبو الحسن الطرائفيّ- وكان لقي المتنبّي في حال عسره ويسره- إنّ المتنبّي قد مدح بدون العشرة والخمسة من الدراهم] (١). ومن شعره [في صباه] [البسيط]: انصر بجودك ألفاظا تركت بها ... في الشرق والغرب، من عاداك مكبوتا فقد نظرتك حتّى حان مرتحل ... وذا الوداع، فكن أهلا لما شيتا وخرج من شيراز لثمان خلون من شعبان قاصدا بغداد. ثمّ سار منها إلى الكوفة حتى إذا بلغ دير العاقول، وخرج منه قدر ميلين، خرج عليه فرسان ورجّالة من بني أسد وشيبان، فقاتلهم مع غلامين من غلمانه ساعة. فقتلوه وقتلوا معه أحد الغلامين، وهرب الآخر، وأخذوا جميع ما كان معه، وقتلوا ابنه المحسّد. وذلك يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة بالقرب من النعمانيّة. وقيل لخمس بقين من رمضان المذكور. وقيل: في شوّال بالصافية من أرض واسط. والذي قتله فاتك ابن أبي جهل، ابن خالة ضبّة الذي هجاه المتنبّي، وكان على شاطئ دجلة. [أخبار مقتله]: وذكر الخالديّان عن أبي نصر محمد بن المبارك الجبليّ قالا: خرج المتنبّي من واسط يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل ببيوزى (٢) - بفتح أوّله وضمّ ثانيه، وبعده زاي معجمة، مقصور على وزن فعولى- بشطّ الفرات، ضيعة بقرب دير العاقول، في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من رمضان. وكان معه يوم قتل سبعون ألف دينار. وأخرج من الماء مقتولا ودفن بالصافية. والذي قتله فاتك ابن أبي الجهل بن فراس بن بكّار، وهو قرابة لوالدة ضبّة بن يزيد العينيّ، الذي هجاه المتنبّي بقوله: ما أنصف القوم ضبّة ... وأمّه الطرطبّة ويقال: إنّ فاتكا خال ضبّة. وديوان شعر أبي الطيّب مشهور، والجيّد من شعره لا يجارى فيه ولا يلحق. والرديء منه في نهاية الرداءة والسقوط. هذا هو الإنصاف في حقّه. والناس فيه مذهبان، وقد تعصّب له وعليه طوائف ما بين غال ومقصّر. [رواة شعره]: وقد روى عنه القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي (٣)، وأبو الفتح عثمان

стр. 227

ابن جنّي النحويّ، وأبو محمد الحسن بن علي بن الصقر الكاتب، وأبو الحسين عليّ بن أيّوب بن الحسين بن الساربان الكاتب، والأستاذ أبو علي أحمد بن مسكويه، وأبو عبد الله ابن باكويه الشيرازيّ، وأبو الحسن علي بن عيسى الربعيّ، وأبو القاسم بن الحسن الحمصيّ، وعبد الصمد بن زهير بن أبي جرادة، ومحمد بن عبد الله بن سعد النحويّ، الحلبيّان، وعبد الله بن عبيد الله الصفريّ الشاعر الحلبيّ، وعبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الجوع [٧٧ ب] الوزّان المصريّ، وأبو بكر الطائيّ، وأبو القاسم البلنجي، وأبو محمد الحسن بن عمر بن إبراهيم، وأبو العبّاس بن الجون، وجماعة سواهم. ويقال: إنّ بعض الأشراف قدم من الكوفة، فدخل إلى مجلس فيه المتنبّي، فنهض الناس كلّهم له سوى المتنبّي. فجعل كلّ واحد من الحاضرين يسأله عن الأحوال بالكوفة، وما تجدّد هناك. فقال له المتنبّي: يا شريف، كيف خلّفت الأسعار بالكوفة؟ فقال: راوية برطلين خبز! فأخجله، وذلك أنّه قصد أنّ أباه عيدان كان سقّاء. [محاسن شعره]: وقال أبو العبّاس الناميّ المصيصيّ: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبّي، وله معنيان (١) ما سبق إليهما: قوله [الوافر]: رماني الدهر بالأرزاء حتّى ... فؤادي في غشاء من نبال والآخر [الكامل]: في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنّما يبصرن بالآذان وقال أبو الفتح ابن جنّي: كنت أقرأ ديوان أبي الطيّب عليه، فقرأت قوله في كافور [الطويل]: أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب حتّى بلغت إلى قوله: ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا أشتكي فيها ولا أتعتّب؟ وبي ما يذود الشعر عنّي أقلّه ... ولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب فقلت: يعزّ عليّ كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة؟ فقال: حذّرناه وأنذرناه، ما نفع. ألست القائل [الطويل]: أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطينّ الناس ما أنا قائل فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره وقلّة تمييزه. وذكر صالح بن إبراهيم بن رشدين قال: قال لي نصر بن غيّاث النصرانيّ الكاتب: اعتلّ أبو الطيب المتنبّي بمصر العلّة التي وصف [منها] الحمّى في أبياته من القصيدة الميميّة، فكنت أواصل عيادته وقضاء حقوقها. فلمّا توجّه إلى الصلاح وأبلّ أغببت زيارته ثقة بصلاحه، ولشغل قطعني عنه. فكتب إليّ: وصلتني وصلك الله معتلّا، وقطعتني مبلّا، فإن رأيت أن لا تحبّب العلّة إليّ فلا تكدّر الصحّة عليّ، فعلت إن شاء الله. وقال علي بن حمزة البصريّ: بلوت من

стр. 228

المتنبّي ثلاث خصال ذميمة كلّ الذمّ: وهي أنّه ما صام ولا صلّى ولا قرأ القرآن. وبلوت منه ثلاث خصال محمودة: ما كذب، ولا زنى، ولا لاط. وقال أبو العبّاس ابن الحارث الورّاق: أنشدني أبو الطيّب المتنبّي لنفسه [الطويل]: تضاحك منّا دهرنا لعتابنا ... وعلّمنا التمويه لو نتعلّم شريف دعاويّ وزاني مذكّر ... وأعمش كحّال وأعمى منجّم (١) وما أحسن قوله [الطويل]: هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا فذا اليوم في الأيّام مثلك في ... الورى كما كان فيهم أوحدا كنت أوحدا وقال، وقد نعي في مجلس سيف الدولة، وهو يومئذ عند كافور بمصر [البسيط]: يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كلّ بما زعم الناعون مرتهن كم قد قتلت، وكم قد متّ عندكم ... ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن قد كان شاهد دفني قبل قولهم ... جماعة ثمّ ماتوا قبل من دفنوا ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن [٧٨ أ] وقال، وقد مرض بمصر، وهي أحسن ما وصفت به الحمّى [الوافر]: ولمّا صار ودّ الناس خبّا ... جزيت على ابتسام بابتسام وصرت أشكّ فيمن أصطفيه ... لعلمي أنّه بعض الأنام ولم أر في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخبّ بي المطيّ ولا أمامي وملّني الفراش، وكان جنبي ... يملّ لقاءه في كلّ عام قليل عائدي، سقم فؤادي، ... كثير حاسدي، صعب مرامي وزائرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلّا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السّقام إذا ما فارقتني غسّلتني ... كأنّا عاكفان على حرام كأنّ الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام ويصدق وعدها، والصدق شرّ ... إذا ألقاك في الكرب العظام أبنت الدهر عندي كلّ بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام؟ جرحت مجرّحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف ولا السّهام يقول لي الطبيب: أكلت شيئا ... وداؤك في شرابك والطعام فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حمّ اعتزامي

стр. 229

[ممّا رثي به]: ورثاه أبو القاسم المظفّر بن علي الزوزني (١) الكاتب بقوله [الخفيف]: لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان كان في نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي كبرياء ذي سلطان كان في لفظه نبيّا ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني وقالت أخت المتنبّي (٢) لما قتل [البسيط]: يا حازم الرأي إلّا في تهجّمه ... على المكاره، غاب البدر في الطّفل لنعم ما عاملتك المرهفات به ... ونعم ما كنت توليها من العمل الأرض أمّ أصبناها بواحدها ... فاسترجعته وردّته إلى الحبل [مناظرته سيف الدولة في النقد]: ومن عجيب نقد الشعر أنّ المتنبّي لمّا أنشد سيف الدولة ابن حمدان قصيد [ت] هـ التي أوّلها [الطويل] (٣): على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... كأنك في جفن الردى وهو نائم [٧٨ ب] تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم [ ... ] ف [م] ما انتقد على امرئ القيس قوله [الطويل]: كأنّي لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل ... لخيلي: كرّي كرّة بعد إجفال فكما كان ينبغي لامرئ القيس أن يركّب القسم الأخير من بيته الأوّل على القسم الأوّل من بيته الثاني، فيقول: كأنّي لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال ولم أسبأ الزقّ الرويّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال فقرن لذّة الشرب بلذّة النكاح، وركوبه الجواد بأمره الخيل بالكرّ، فكذلك كان ينبغي أن تركّب هذين البيتين فتقول: وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... ووجهك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنّك في جفن الردى وهو نائم حتى يأتلف المدح بيقين الموت مع توضّح الوجه وتبسّم الثغر ويأتلف (٤) ... ٤٣٤ - ابن الشكران الحسينيّ الشاعر [- بعد ٣٥١] أحمد بن الحسين بن عليّ بن محمد الشكران، ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن الأفطس بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو القاسم، الحسينيّ، الأنطاكيّ، الشاعر. ولد بمصر ثمّ انتقل إلى نصيبين وصار إلى أنطاكية فسكنها، وعرف لذلك بالأنطاكيّ.

стр. 230

ووفد على سيف الدولة بحلب في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. ومن شعره [الخفيف]: قدك (١) عيني سئمت ذلّ الضراعة ... أنا ما لي وضيعة وبضاعة؟ إنّما العزّ قدرة تملأ الأر ... ض، وإلّا فعفّة وقناعة ٤٣٥ - نجم الدين ابن حمدان العطّار [٦٠٣ - ٦٩٥] (٢) [٣٩ أ] أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن محمود، أبو عبد الله، نجم الدين، الحرّانيّ، الحنبليّ، العطّار. كان أبوه من فقهاء حرّان. وولد بها سنة ثلاث وستّمائة. وسمع من الحافظ عبد القادر [الزهاويّ]، والفخر ابن تيميّة، وابن روزبه وجماعة. وبرع في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ودرّس وأفتى وناظر، مع اليد الطولى في الأصول، والخلاف، والجبر والمقابلة. وقدم القاهرة وسكن بها، ودرّس، وصار شيخ الحنابلة ومسند الوقت. وصنّف كتاب الرعاية في الفقه، وحشاه بكثرة الروايات الغريبة التي لا تكاد توجد في غيره، لكثرة اطّلاعه وتبحّره في المذهب. واختصره بكتاب الرعاية الصغرى (٣). وله قصيدة مطوّلة في السنّة. ومات في سنة خمس وتسعين وستّمائة. ٤٣٦ - أبو الحسن العرقيّ النحويّ [٤٦٢ - ] (٤) [٤٠ أ] أحمد بن حمزة بن أحمد، أبو الحسن العرقيّ- ويقال: كنيته أبو يعلى. وقيل: أبو يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد- التنوخي، النحويّ. ولد سنة اثنتين وستّين وأربعمائة. وقرأ القرآن على أبي الحسين ابن الخشّاب، واللغة على ابن القطّاع، والنحو على مسعود الدولة الدمشقي نزيل مصر. وقدم إلى مصر من الشام فأفاد بها. وسمع من السّلفيّ الحديث وعلّق السلفيّ عنه فوائد أدبيّة. فلمّا قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ إلى القاهرة ودبّر الأمور استخدمه في الحكم نائبا عنه، فاستمرّ إلى أن مات بالإسكندريّة، وحمل إلى مصر، في [ ... ] (٥). ٤٣٧ - الأمير أحمد الكامليّ [- ٦٣٤] (٦) [٤٠ ب] أحمد بن خضر الكاملي، كان أحد الأمراء في أيّام الكامل محمد ابن العادل ابن أيّوب. ومات [٧٩ أ] في سادس عشر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستّمائة بالقاهرة. ٤٣٨ - ابن كيلان شاه [٥٤٨ - ٦٢١] (٧) [٤١ أ] أحمد بن رستم بن كيلان شاه، الديلميّ الأصل، الدمشقيّ المولد، أبو العبّاس، الشافعيّ.

стр. 231

ولد بدمشق في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وسمع بها من أبي الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز ابن أبي العجائز الأزديّ، وأبي علي الحسن بن هبة الله بن يحيى ابن البوقيّ (١) الواسطيّ، وأبي محمد القاسم بن عليّ بن الحسن الحافظ. وسمع بمصر من أبي طاهر إسماعيل بن ياسين المعرّي، وأبي القاسم البوصيريّ، وأبي عبد الله بن حمد الأرتاحيّ، وفاطمة بنت سعد الخير، وغيرهم. وكان أبوه يعرف باسباسلار. وكان هو شيخا حسنا فقيها أديبا شاعرا ناثرا أمينا ثقة. أقام بحلب مدّة في صحبة مجد الدين أبي محمّد طاهر بن جهبل الحلبيّ. وانتقل معه من حلب إلى القدس، فأقاما بها إلى أن هدم الملك المعظّم عيسى أسوار مدينة القدس في سنة خمس عشرة وستّمائة (٢). فعاد إلى دمشق وسكنها، إلى أن مات بها يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجّة سنة إحدى وعشرين وستّمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومن شعره [المتدارك]: اشتدّي أزمة تنفرجي ... فالضيق ينوط بالفرج والصبر يؤول إلى يسر ... والروح تراح من الحرج قد لاح بياض في لمم ... من بعد سواد كالسبج فاسمع يا صاح وصيّة من ... في زور الباطل لم يلج اعلم واعمل بالعلم لكي ... تسمو في الخلد ذرى الدرج لا ترض أخاك وتوسعه ... مكرا فالبهرج لم يرج لا ترم الناس بمعضلة ... يرموك بقاصمة الثبج إيّاك فلا تك معتذرا ... للآثم من أمر مرج إيّاك وعيب سواك فكن ... ما عشت بعيبك ذا لفج وابخل فواس بما ملكت ... كفّاك بلا خلق سمج (٣) ٤٣٩ - ابن زبهراد السيرافيّ [٢٥٣ - ٣٤٤] [٤١ ب] أحمد بن زبهراد بن مهران، أبو الحسن، السيرافي، المقرئ، الفقيه، الحنفيّ، المتكلّم، المعتزليّ. ولد سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وحدّث عن أبي داود سليمان بن الأشعث، والربيع بن سليمان المراديّ، والقاضي بكّار. وسمع منه بمصر لمّا قدمها أبو جعفر عمر بن شاهين، وعبد الغنيّ بن سعيد. وتوفّي بها سنة أربع- وقيل سنة ستّ- وأربعين وثلاثمائة.

стр. 232

٤٤٠ - ابن نفيس المقرئ [- ٤٥٣] (١) [٤٢ أ] أحمد بن سعيد بن أحمد بن نفيس، أبو العبّاس، المقرئ، الأطرابلسيّ الأصل، المصريّ الدار. انتهى إليه علوّ الإسناد ورئاسة الإقراء. قرأ على أبي أحمد [عبد الله] السامرّيّ، وعبد المنعم بن غلبون، وأبي عديّ عبد العزيز [بن عليّ] وغيرهم. وحدّث عن علي بن الحسين بن بندار الأنطاكي، وأبي القاسم الجوهريّ صاحب المسند، وجماعة. عرض عليه القراءات جماعة منهم: أبو القاسم الهذلي، وأبو القاسم ابن الفحّام [الصقلّيّ]، وأبو الحسن علي بن بليمة، وأبو الحسين ابن الخشّاب. وحدّث عنه جعفر بن إسماعيل بن خلف الصقلّي وعبد الغنيّ بن طاهر وأبو عبد الله محمد بن أحمد الرازيّ، وآخرون. وكان صحيح الرواية رفيع الذكر [٧٩ ب]. توفّي يوم [آخر] رجب سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وهو في عشر المائة. ٤٤١ - الحاكم العبّاسي الثاني [- ٧٤٩] (٢) أحمد بن سليمان بن أحمد بن الحسن بن الحسن بن أبي بكر، ابن الخليفة، أبو القاسم الحاكم بأمر الله، ابن المستكفي بالله أبي الربيع، ابن الحاكم بأمر الله، أبي العبّاس، العبّاسيّ. ولد [ ... ] وعهد إليه أبوه بالخلافة قبل موته بقوص، وأشهد ذلك أربعين عدلا وأثبته على الحاكم (٣) بقوص. فأقام الملك الناصر محمد بن قلاوون إبراهيم بن محمد بن أحمد الحاكم (٤)، وبايعه بيعة خفيّة لم تظهر، ولم يمض عهد أبي الربيع لابنه أحمد. فلمّا أقيم السلطان الملك المنصور أبو بكر في السلطنة بعد موت أبيه الناصر محمّد، احتيج إلى أن يعهد إليه الخليفة ويوليه السلطنة ويكتب له التقليد بها على العادة. فقدح غير واحد في إبراهيم بأنّه أخذ الخلافة بغير حقّ، وهي إنّما يستحقّها أحمد ابن أبي الربيع بعهد أبيه إليه. فجمع الأمير قاجار الدوادار قضاة القضاة وإبراهيم الواثق، وأحمد ابن أبي الربيع بجامع القلعة في يوم السبت آخر ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. فلم يمضوا لخلافة إبراهيم وأثبتوا خلافة أحمد. فأمضيت له، ولقّب بالحاكم بعد ما لقّبه أبوه المستنصر، وكنّي بأبي العبّاس بعد ما كان [يكنّى] أبا القاسم. وكتب عنه عهد السلطان بعد ما خلع عليه في يوم الاثنين ثاني المحرّم سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة] بحضرة القضاة والأمراء وأهل الدولة خلعة سوداء من تحتها قبا أخضر كنجي (٥)، وعمامة سوداء على قبع أسود من فوقها طرّاحة سوداء. ونزل من

стр. 233

القلعة والمعاونون قليل بين يديه حتّى دخل منزله. وكان لمّا دخل إلى دار العدل من القلعة جلس على الدرجة الثالثة من درج تخت الملك، وقد خلع عليه ثوب أخضر وطرحة (١) فوق عمامة لونها أسود برقمين (١). فخرج السلطان من باب السرّ فقام له الخليفة والقضاة وغيرهم وجلس على الدرجة السفلى دون الخليفة. فقام الخليفة بعد جلوسه وافتتح خطبته بقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [النحل: ٩٠ - ٩١]. ثمّ أوصى السلطان بالرفق بالرعيّة، وإقامة الحقّ، وتعظيم شعائر الإسلام، ونصرة الدين. ثمّ قال: «فوّضت إليك جميع أحكام المسلمين وقلّدتك ما تقلّدته من أمور الدين». ثمّ تلا قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: ١٠]، وجلس. فقدّمت له خلعة سوداء فأفاضها على السلطان بيده، وقلّده سيفا عربيّا. وأخذ علاء الدين عليّ بن يحيى بن فضل الله كاتب السرّ، يقرأ عهد الخليفة للسلطان حتّى فرغ منه. ثم قدّم للخليفة فكتب عليه بالإمضاء وكتبت بعده القضاة بالشهادة. ثمّ قدّم السماط وانقضت الخدمة. وفي خلافته قدم رسول متملّك الهند بهديّة وكتاب يتضمّن السلامة والتودّد، ويطلب أن يولّيه الخليفة ويكتب له تقليدا بجميع بلاده لتصبح سلطنة، وأن يكون التقليد على يد رجل من أهل العلم [٨٠ أ] والدين ليعلّمهم من أمور الديانة ما لا يعرفونه. فرسم السلطان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاوون له بكتابة ما أشار به. فكتب عنه تقليد خليفيّ وتوجّه به الركن شيخ خانكاه سرياقوس في سنة أربع وأربعين وسبعمائة. ولم يزل في الخلافة حتى توفّي يوم [ ... ] ذي الحجّة سنة تسع وأربعين وسبعمائة في الطاعون (٢). وبويع بعده أخوه أبو الفتح أبو بكر (٣) المعتضد. ٤٤٢ - ابن كساء [٥٦٧ - ٦٣٥] أحمد بن سليمان بن حميد بن إبراهيم بن مهلهل بن أحمد بن علي بن إبراهيم، الأديب أبو العبّاس، القرشيّ، المخزوميّ، البلبيسيّ، الشافعيّ، المعروف بابن كساء. مولده في سنة سبع وستّين وخمسمائة ببلبيس. ومات بالقاهرة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وستّمائة. وكان قد طاف البلاد ومدح الملوك ودخل بغداد وخراسان، واجتمع بالإمام فخر الدين، ابن خطيب الريّ، الرازيّ، بخوارزم. وأقام في خدمة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالموصل ومدحه. وبلغ عليّ الأشرفيّ أنّه هجاه فأحضره وقال له: «بلغني أنّك هجوتني، وها أنا أهجوك لتعلم أيّنا أهجى، وأيّ الهجوين أوجع». ثمّ مدّه وما زال يضربه بالدبابيس حتّى أشرف على الموت. ورفع على باب إلى السجن فبقي فيه مدّة ثمّ أطلقه.

стр. 234

ومن شعره [الكامل]: وركبت ظهر توصّلي في أوبتي ... وحلفت أنّي لا أنام عن السرى حتى أريت الأفق أنّ بدوره ... تخفى وبدر الدين متّقدا يرى وقال فيه ابن سعيد في كتاب المغرب في حلى بلاد المغرب (١): «شاعر محسن»، وأنشد له في لؤلؤ زعيم الموصل، وقد كبا به فرسه قوله [الخفيف]: يا أجلّ الأنام قدرا وأندى ال ... ناس وجها وأفضل الخلق نجرا إن يكن قد كبا الجواد فلم يأ ... ت عظيما ولم يكن ذاك نكرا قد علاه طود وليث وبحر ... أفبدع إن قبّل الأرض شكرا وقوله [الرجز]: سل عن دمي غير السيوف والأسل ... ولا تحد عن الخدود والمقل ففي الخدود لمحة منها متى ... طالبتها بالثأر ورّت بالخجل مواهب تجمع أشتات المنى ... وأنعم تضحك في وجه الأمل ٤٤٣ - شهاب الدين الصالحيّ [٦٢٢ - ٧٣٣] (٢) أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر بن قدامة الصالحي، شهاب الدين، ابن القاضي تقيّ الدين، الحنبليّ. ولد في سابع رمضان سنة اثنتين وستّين، وأسمعه أبوه الكثير. ومات في رابع عشرين ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. ٤٤٤ - الصاحب تقيّ الدين الدمشقيّ [٧٢٣ - ٧٤٨] (٣) أحمد بن سليمان بن محمد بن هلال الدمشقيّ، الصاحب، تقيّ الدين، ابن جمال الدين، ابن أمين الدين. قدم إلى القاهرة في الأيّام الناصريّة محمّد بن قلاوون. وتوصّل بالستّ مسكة (٤) حتى رسم للأمير تنكز نائب الشام في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة أن يقرّره في جملة كتّاب الدرج، فلم يتمّ له ذلك. ثمّ قدم أيضا في الأيّام الكامليّة شعبان بن محمد ورتّب في حسبة دمشق ووكالة بيت المال وتوقيع الدست. ثمّ وقفت ولايته. فلمّا استقرّ المظفر حاجّي في السلطنة سعى [٨٠ ب] بالأمير سيف بن فضل لمّا قدم وبالصوّاف تاجر الخاصّ حتى استقرّ ناظر النظّار بدمشق عوضا عن علاء الدين الحرّانيّ. وقدمها في شوّال سنة سبع وأربعين فباشرها. وكثرت الشناعة عليه، وقلّت حرمته فصرف بالصاحب شمس الدين موسى ابن التاج إسحاق في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، وقد لزمه دين كثير. فلزم بيته حتّى مات ليلة الجمعة سادس رجب منها (٧٤٨) عن خمس وعشرين سنة. وكان شابّا جميلا يكتب قويّا سريعا، وفيه كرم.

стр. 235

وقد مدحه الجمال محمد بن نباتة فقال [الكامل]: هنّئت ما أوتيته من دولة ... حملتك في العينين من إجلالها في مقلة الأجفان أنت، فقل لنا ... أنت ابن مقلتها أو ابن هلالها (١)؟ وقال فيه الشمس محمد الخيّاط الدمشقي (٢) [الكامل]: إنّ الوزارة والكتابة لم تجد ... أحدا سواك يزيد في إجلالها جعلتك في العينين منها، يا ترى ... أنت ابن مقلتها أو ابن هلالها؟ ٤٤٥ - ابن الشّيرجي [٦٥٣ - ٧١٨] (٣) أحمد بن سليمان بن محمد بن أحمد، ابن أبي بكر محمد، ابن عبد الوهاب بن عبد الله بن علي بن أحمد، الصدر، شرف الدين الأنصاري، الدمشقيّ، عرف بابن الشّيرجي. ولد سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. وسمع من ابن عبد الدائم وعمر بن محمد الكرمانيّ، ويوسف ابن النابلسيّ. وحدّث. وهو من بيت مشهور بالرئاسة. ولي عدّة مناصب. وكان ديّنا صاحب مروءة وسعة. توفّي يوم الاثنين سابع عشرين ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة وسبعمائة بدمشق. ٤٤٦ - أبو الفتح الفخري الشاعر [- قبل ٤١٩] (٤) أحمد بن سليمان، أبو الفتح، الفخريّ، الحلبيّ. شاعر من أهل حلب كان في عصر عبد المحسن الصوري (٥). رحل إلى مصر وأقام بها إلى أن مات. وكتب إلى عبد المحسن الصوريّ، وقد بلغه ما صار عليه من الفقر [الوافر]: أعبد المحسن الصوريّ لم قد ... جثمت جثوم منهاض كسير؟ فإن قلت: العيالة أقعدتني ... على مضض، وعاقت عن مسيري فهذا البحر يحمل هضب رضوى ... ويستثني بركن من ثبير وإن حاولت سير البرّ يوما ... فلست بمثقل ظهر البعير إذا استحلى أخوك قلاك يوما ... فمثل أخيك موجود النظير تحرّك علّ أن تلقى كريما ... تزول بقربه إحن الصدور فما كلّ البريّة من تراه ... ولا كلّ البلاد بلاد صور فكتب إليه عبد المحسن: جزاك الله عن ذا النصح خيرا ... ولكن جئت في الزّمن الأخير وقد حدّت لي السبعون حدّا ... نهى عمّا أردت من الأمور

стр. 236

ومذ صارت نفوس الناس عندي ... قصارا عذت بالأمل القصير ولو يك في البريّة من يرجّى ... غنينا عن مشاورة المشير (١) ٤٤٧ - ابن أبي الربيع الأندلسي المقرئ [- قبل ٤٤٠] (٢) أحمد بن سليمان [بن أحمد]، أبو جعفر، الكنانيّ (٣)، الأندلسيّ، الطنجيّ، المقرئ، المعروف بابن أبي الربيع، مسند [٨١ أ] القرّاء بالأندلس. رحل وقرأ بالروايات على أبي أحمد السامريّ، وأبي بكر الأدفويّ (٤)، وأبي الطيّب بن غلبون. وأقرأ الناس ببجّانة والمريّة. وعمّر دهرا طويلا. توفّي قبل سنة أربعين وأربعمائة بالمريّة. ٤٤٨ - شمس المعالي كتيفات [- ٥٢٦] (٥) أحمد بن شاهنشاه بن بدر الجمالي، الوزير شمس المعالي، أمير الجيوش، أبو علي، الملقّب كتيفات، السيّد الأفضل بن الأفضل أبي القاسم ابن أميرالجيوش [بدر الجمالي]. كان أصغر أولاد الأفضل، أحضره الآمر بأحكام الله إليه، بعد ما امتنعت أمّه من إخراجه إليه، وضمّه إليه وقبّله وأحسن إليه وأجلسه عن يمينه، ثمّ أعاده إلى أمّه ولم يتعرّض لقتله كما فعل بإخوته. فلم يزل إلى أن مات الخليفة الآمر بأحكام الله (٦) وقام من بعده الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد. ورتّب في الوزارة هزار الملوك (٧) جوامرد، وقد اجتمع بين القصرين خمسة آلاف فارس وراجل، ورأسهم رضوان بن ولخشيّ (٨) فشقّ على العادل بزغش تقدّم هزار الملوك عليه بتقلّده الوزارة، فقال لأبي علي ابن الأفضل، وهو جالس: يا مولاي الأجلّ، أنا أشحّ عليك أن تطيل جلوسك حتى يخرج هذا الفاعل الصانع وهو وزير، فتخدمه ويسومك المشي في ركابه. اخرج إلى دارك، وإذا قضى الله مضيت منها لهنائه (٩). وكان قصده في الباطن أنّه إذا خرج، ورآه العسكر، تعلّقوا به وأقاموه وزيرا، فيفسد الأمر على هزار الملوك. وكذا كان: فإنّه، عند ما قال له بزغش ذلك، قام ليخرج فمنعه طغج أحد نوّاب الباب. فقال له بزغش: لم تمنع هذا المولى من الخروج؟ قال: كيف لا أمنعه، وهذا الجمع واقف، ولا يؤمن تعلّقهم؟ فنهره بزغش وقال له: «دع عنك الفضول! » وقام بنفسه إلى أن أخرجه إلى آخر الدهاليز من القصر. فأحدقت به الصبيان الحجريّة عند ركن

стр. 237

القصر المتخلّق (١) وقالوا: «ما يكون الوزير إلّا ابن الأفضل، لأنّه أحقّ بهذه المنزلة! » وساعدهم أمراء الديلم على ذلك لأنّهم أنفوا من وزارة هزار الملوك، وشمّوا من أحمد روائح أبيه، وكان أكثرهم غلمان أبيه وجدّه وأولاد غلمانه. وتكاثر الجند حتى قوي الأمر. وتقدّم إلى باب الذهب (٢) وكثر اللغط، فأخذوا السيوف من السيوفيّين ونهبوا من باب الفتوح إلى باب زويلة، ونهبت القيساريّة وكان فيها ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم. وكان هذا أوّل حادث حدث بالقاهرة من النهب والطمع. فعند ما رآه رضوان ومن معه، وقد كانوا كرهوا وزارة هزار الملوك تواثبوا إليه وقالوا: هذا الوزير ابن الوزير ابن الوزير! فأراد أن يتفلّت منهم واعتذر بأنّه شرب دواء، فلم يقبلوا منه. وطلب رضوان خيمة بيت صدار، فأحضر ذلك في الحال، وضرب له في جانب بين القصرين. وقام الصائح، وثار العسكر بأجمعهم معه وصرخوا كلّهم معلنين بالرضا بوزارته، وقالوا بصيحة واحدة: «لا نرضى أن يلي علينا هذا الفاعل الصانع ولا سبيل إلى ذلك! » وأعلنوا بشتم هزار الملوك، فغلّقت أبواب القصر، وكادت الحرب أن تقع. فأحضر ضرغام وطائفته سلالم وأقاموها إلى طاقات المنظرة، وأطلعوا الأمير صبح بن شاهنشاه حتّى أشرف على طاق المنظرة. فبادر إليه الأستاذون ينكرون عليه ما ارتكبه، فقال: يا قوم، هذه فتنة ما يسواها (٣) هذا الذي خلعتم عليه، ويحصل من ذلك على الخليفة من الغرامة وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى. وما هذا منّي والله [٨١ ب] إلا نصيحة لمولانا، فإنّني علمت من رأي القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عنّي بهذا! فمضى الأستاذون إلى الخليفة وأبلغوه مقالة الأمير صبح ابن شاهنشاه، وهزار الملوك بين يديه بخلع الوزارة، فقال له: ها أنت تسمع! واشتدّ الأمر وكثر غوير (٤) العسكر. فقيل لصبح بن شاهنشاه: قد أجبتم إلى وزارة أبي علي ابن الأفضل، ولسنا له كارهين. وقبض على هزار الملوك، واستدعي بالخلع لأبي عليّ فأفيضت عليه وركب إلى دار الوزارة، والجمع كلّه مشاة بين يديه وفي ركابه حتى نزلها، وذلك في يوم الخميس سادس ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة. فأوّل ما بدأ به أنّه قبض على الخليفة الحافظ لدين الله وسجنه بخزانة في القصر، واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذخائر ونقلها إلى دار الوزارة، وفرّق أكثرها على الأمراء وغيرهم. وكان السعر قد نزع، وأبيع كلّ إردبّ قمح بدينار. ففرّق الغلال في الناس على سبيل الإنعام، وكانت مئات (٥) ألوف أرادب. وردّ على الناس الأموال التي فضلت في بيت المال من مال المصادرات التي أخذت في خلافة الآمر بأحكام الله أيّام مباشرة الراهب [أبي نجاح النصراني] (٦) واستبشرت الكافّة به وفرحت العامّة بأيّامه، وصبّحوا بالدعاء له في سائر أعمال مصر، وظهر فرحهم وابتهاجهم.

стр. 238

وأقطع الطائفة الحجريّة البلاد، وأكرم بزغش الذي أشار بخروجه من القصر، وبالغ في تعظيمه والإنعام عليه، وأعاد أملاكا كثيرة إلى أربابها ممّا كان قد قبض وصار في الديوان. ولهج بذمّ الخليفة الآمر بأحكام الله وإشاعة معايبه. وأظهر مذهب الشيعة الإماميّة وأعلن بالدعاء للإمام المنتظر صاحب السرداب محمد بن الحسن العسكريّ. وضرب الدراهم باسمه، ونقش عليها: «الله الصمد. الإمام محمّد». وخطب بنفسه في يوم الجمعة. وكان قليل العلم فغلط في الخطبة. وأسقط منذ قام ذكر الإمام إسماعيل بن جعفر [الصادق] الذي ينتسب إليه الفاطميّون، وأزال من الأذان قول: «حيّ على خير العمل» وقول: «محمد وعليّ خير البشر». واخترع لنفسه دعاء يدعي به على المنابر وهو: السيّد الأجلّ الأفضل مالك أصحاب الدول، والمحامي عن حوزة الدين والناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحقّ في حالة غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى اتّباع شرع الحقّ واعتماده، مرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ورافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف والقلم، أبو علي أحمد ابن السيّد الأجلّ الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش ابن أمير الجيوش. وبالغ في مضرّة أهل القصر وأكثر تهديدهم وإزعاجهم في التفتيش على ولد (١) الخليفة الآمر بأحكام الله ليقتله كما قتل الآمر أولاد الأفضل ابن أمير الجيوش، فلم يظفر، وعلى الأمير السعيد يانس متولّي الباب، وعلى صبيان الخاصّ (٢) الآمريّة. وعزم على قطع (٣) الحافظ وقتله فلم يتمكّن من ذلك. ورتّب أربعة قضاة، كلّ منهم يحكم بمذهبه، وهم: شافعيّ، ومالكيّ، وإماميّ، وإسماعيليّ. ولم يعرف ذلك عن أحد قبله. فلمّا اشتدّ الضرر على أهل القصر، تعصّب قوم من الأجناد من خاصّ الخليفة عليه بترتيب يانس وتحالفوا على قتله، وكانوا أربعين رجلا. وترقّبوا فرصة تلوح لهم منه، إلى أن ركب إلى رأس الطابية ليعرق (٤) فرسا في الميدان [٨٢ أ] من البستان الكبير خارج باب الفتوح من القاهرة، ويلعبالكرة على عادته، وقد اجتمع من صبيان الخاصّ الذين تحالفوا على قتله عشرة. فخرج أبو عليّ وحده وهو يصيح بالخيل: «راحت! » ومرّ ليسوق فأجابه العشرة: «عليك! » وحملوا عليه وأردوه عن فرسه، فأدركه بعض أستاذيه وألقى نفسه عليه فقتلوهما معا، وذلك في يوم الثلاثاء سادس عشر محرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. واجتمع الأربعون وساروا إلى القصر، وأخرجوا الخليفة الحافظ لدين الله من اعتقاله، وطرحوا رأس أبي علي بين يديه، فكانت مدّة وزارته سنة وشهرين وأيّاما. ودفن بتربة جدّه أمير الجيوش خارج باب النصر. ولظافر الحدّاد يمدحه، من أبيات [المتقارب]: جزى الملك ملكا أغاث النفوسا ... فأيّ نفيس تولّى نفيسا

стр. 239

وإن تك أفعال آبائه ... بدورا فقد بثّ فينا شموسا هدى ثمّ أهدى لأرواحنا ... بإحسانه أنعما بعد بؤسا وأحيا نفوسا وأذهب بؤسا ... وأخلى حبوسا وخلّى مكوسا وحقّك يا ثاني الأفضلين ... يمينا برّة ألا غموسا (١) لقد سستما الأمر والعالمين ... فأعجزتما مالكا أن يسوسا فإنّك إسكندر المحدثين ... فهل خضر تصطفيه جليسا؟ ٤٤٩ - النّسائيّ صاحب السنن [٢١٥ - ٣٠٣] (٢) أحمد بن شعيب بن عليّ بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائيّ، القاضي، الحافظ، صاحب السنن، وأحد الأئمّة المبرّزين والحفّاظ الأعلام. طوّف البلاد، وسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة من خلق. وروى القراءة عن أحمد بن نصر النيسابوري، وأبي شعيب السوسيّ. وقال: أشبه (٣) أن أكون ولدت في سنة خمس عشرة (٤) ومائتين. ورحلت إلى قتيبة سنة ثلاثين ومائتين، فأقمت عنده سنة وشهرين. ومن كبار شيوخه: قتيبة بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وهشام بن عمّار، وعيسى بن حمّاد زغبة، ومحمد بن نصر (٥) المروزيّ. وروى عنه أحمد بن جوصا، وأبو جعفر الطحاويّ، وأبو بشر الدولابيّ، وأبو جعفر العقيليّ، وأبو عوانة الأسفرايينيّ، وأبو سعيد ابن الأعرابيّ، وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن النحّاس النحويّ، وأبو سعيد ابن يونس الصدفيّ، وابنه عبد الكريم ابن النسائيّ، وأبو القاسم الطبرانيّ، وأبو أحمد عبد الله بن عديّ، وحمزة بن محمد الكنانيّ، وأبو بكر [أحمد] ابن السنيّ، والحسن ابن الخضر الأسيوطيّ، والحسن بن رشيق [المعدّل] (٦)، ومحمد بن عبد الله بن حيّويه النيسابوريّ، وأبيض بن محمد الفهريّ، وهو آخر من روى عنه، وخلق سواهم. قال الطحاويّ: أبو عبد الرحمن النسائيّ إمام من أئمّة المسلمين. وقال الحافظ أبو علي النيسابوريّ: حدّثنا النسائيّ، الإمام في الحديث بلا مدافعة. وقال: رأيت في وطني وأسفاري أربعة من أئمّة الحديث: ابن خزيمة (٧) وإبراهيم بن أبي طالب بنيسابور، والنسائيّ بمصر، وعبدان بالأهواز. وقال محمد بن المظفّر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبي عبد الرحمن بالتقدّم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة [٨٢ ب] بالليل والنهار، ومواظبته على الحجّ والجهاد،

стр. 240

وأنّه خرج إلى الغداء مع والي مصر، فوصف من شهامته، وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين والمشركين، واحترازه عن مجالسة السلطان الذي خرج معه، والانبساط بالمشروب والمأكول في رحله، وأنّه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد ﵁ بدمشق من جهة الخوارج (١). وقال الدارقطنيّ: أبو عبد الرحمن تقدّم على كلّ من يذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ: من يصبر على ما يصبر عليه النّسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة [ترجمة- يعني عن قتيبة عنه] (٢) فما حدّث بشيء منها، وكان لا يرى أن يحدّث بحديثه. وقال الحاكم: سمعنا أحمد بن محبوب الرمليّ بمكّة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن يقول: لمّا عزمت على جمع كتاب السنن، استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقفت الخيرة على تركهم. فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم. وقال ابن طاهر: سألت أبا القاسم سعد بن عليّ الزّنجانيّ بمكّة عن حال رجل من الرواة، فوثّقه. فقلت: إنّ النسائيّ ضعّفه. فقال: يا بنيّ، لأبي عبد الرحمن في الرجال شرط أشدّ من شرط البخاريّ ومسلم. وقال حمزة السهميّ: سئل الدارقطنيّ: إذا حدّث النسائيّ وابن خزيمة، فأيّهما تقدّم؟ فقال: أمّا النسائيّ، فإنّه لم يكن مثله ولا أقدّم عليه أحدا. ولم يكن في الورع مثله، لم يحدّث بما روى ابن لهيعة، وكان عنده عاليا عن قتيبة. وقال الدارقطنيّ: سمعت إبراهيم بن محمد العدل النسويّ بمصر يقول: سمعت أبا بكر بن الحدّاد- وذكره بالفضل والاجتهاد- وقال: كان يختم في رمضان نحو ستّين ختمة. وقال الدارقطنيّ: كان ابن الحدّاد كثير الحديث، ولم يحدّث عن غير النسائيّ، وقال: رضيت بالنسائيّ حجّة بيني وبين الله . (قال) وقرأت في كتاب الوزير ابن حنزابة بسماعه من أبي بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون الهاشميّ [صاحب النسائيّ] (٣) أنّه قال: كنت في دهليز الدار التي يسكنها النسائيّ في زقاق القناديل ننتظره لينزل ويمضي إلى الجامع. فقال بعض من حضر: ما أظنّ أبا عبد الرحمن إلّا يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه والدّم الظاهر مع السنّ. وقال آخرون: ليت شعري، ما يقول في إتيان النساء في أدبارهنّ؟ فقلت: أنا أسأله. فلمّا ركب مشيت إلى جانب حماره، فسألته. فقال: النبيذ حرام، لحديث أمّ (٤) سلمة عن عائشة: كلّ شراب أسكر، فهو حرام، فلا يحلّ لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا. قلت: فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهنّ؟ فقال: لا يصحّ في إباحته ولا تحريمه شيء. ولكنّ محمد بن كعب [القرظي] (٥) حدّث عن جدّك ابن عبّاس: اسق حرثك من حيث شئت. فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله.

стр. 241

(قال) وكان أبو عبد الرحمن يؤثر لباس البرود النوبيّة الخضر، ويقول: هذا عوض عن الخضرة من النبات فيما يراد لقوّة البصر. وكان يكثر الجماع مع صوم يوم وإفطار يوم. وكان له أربع زوجات يقسم لهنّ، ولا يخلو مع ذلك من جارية واثنتين يشتري الواحدة بالمائة دينار ونحوها، ويقسم لها كما يقسم للحرائر. وكان قوته كلّ يوم رطل خبز جيّد، ولا يأكل غيره، صائما كان أو مفطرا، وكان يكثر أكل الديوك الكبار تشترى له وتسمّن وتذبح. ويذكر أنّ ذلك ينفعه في باب الجماع. وسمعت قوما ينكرون عليه كتاب الخصائص لعليّ بن أبي طالب ﵁ [٨٣ أ] وترك فضائل الثلاثة ﵃، ولم يكن في ذلك الوقت صنّفها. فحكيت له ما سمعت فقال: دخلنا إلى دمشق، والمنحرف عن عليّ كثير بها، فصنّفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله . ثمّ صنّف بعد ذلك فضائل الصحابة وقرأه عليه الناس. وقيل له، وأنا حاضر: ألا تخرّج فضائل معاوية؟ فقال: أيّ شيء أخرّج؟ [ما أعرف له فضيلة إلّا حديث: ] (١) «اللهمّ لا تشبع بطنه! » -[سكت] السائل. قال الحاكم: سمعت الدارقطنيّ يقول: كان النسائيّ أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم، وأعلمهم بالرجال، فلمّا بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع. فقال: أخرجوني إلى مكّة. فأخرجوه إلى مكّة وهو عليل. وتوفّي بها مقتولا شهيدا ﵀. وقال الحاكم: فحدّثني محمد بن إسحاق الأصبهانيّ- يعني [أبا عبد الله] (٢) ابن مندة- قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أنّ أبا عبد الرحمن فارق مصر في أواخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية وما روي في فضائله، فقال: ألا يرضى معاوية أن يروح رأسا برأس حتّى يفضّل؟ فما زالوا يدفعون في حضنيه- أي في جنبيه- حتى أخرج من المسجد. ثمّ حمل إلى مكّة فمات بها سنة ثلاث وثلاثمائة. وهو مدفون بها. وقال أبو بكر الماذرائيّ: حدّثني الأمير أبو منصور تكين قال: قرأ عليّ أبو عبد الرحمن النسائيّ كتاب الخصائص. فقلت: حدّثني بفضائل معاوية. فجاءني بعد جمعة بورقة فيها حديثان. فقلت: هذه بس؟ فقال: وليست بصحاح! هذه غرم معاوية عليها الدراهم. فقلت له: أنت شيخ سوء! لا تجاورني! فقال: ولا لي في جوارك حظّ! - وخرج. وقال أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوّام [السعديّ] قاضي مصر: حدّثنا أحمد بن شعيب النسائيّ: حدّثنا إسحاق بن راهويه: حدّثنا محمد بن أعين قال: قلت لابن مبارك: إنّ فلانا يقول: من زعم أنّ قوله تعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤]

стр. 242

مخلوق، فهو كافر. فقال ابن المبارك: صدق. قال النسائيّ: بهذا أقول. وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس: قدم مصر قديما، وكتب بها، وكتب عنه. وكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا. وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة. وتوفّي بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة. قال الطحاويّ: مات في صفر بفلسطين. وقيل: مات بالرملة ودفن ببيت المقدس. وسئل النسائيّ عن اللحن في الحديث فقال: إن كان شيئا تقوله العرب، وإن لم يكن في لغة قريش، فلا يغيّر، لأنّ النبيّ ﷺ كان يكلّم الناس بكلامهم، وإن كان ممّا لا يوجد في كلام العرب، فرسول الله ﷺ لا يلحن. ٤٥٠ - ابن الطبريّ الحافظ [١٧٠ - ٢٤٨] (١) أحمد بن صالح، المصريّ، الحافظ، أبو جعفر، [المقرئ] (٢)، المعروف بابن الطبريّ: غلام كان أبوه جنديّا من أهل طبرستان مع العجم. وكان أبو جعفر من كبار الحفّاظ وأحد القرّاء الأ [فاضل]. ولد بمصر سنة سبعين ومائة. وروى عن عبد الله بن وهب، وسفيان بن عيينة، وعنبسة بن سعيد، وحرميّ بن عمارة، وابن أبي فديك، وقدامة بن محمد المدينيّ، ويحيى بن حسّان، وعبد الله بن نافع الصائغ، وإسماعيل بن أبي أويس، [وأخيه أبي بكر] (٣)، وإبراهيم بن الحجّاج، وعبد الرزّاق بن همّام. [٨٣ ب] وقدم دمشق وأخذ القراءة عرضا وسماعا (٤) عن ورش، وقالون، وإسماعيل بن أبي أويس، وأخيه أبي بكر عن نافع. وروى حرف عاصم عن حرمي بن عمارة [بن أبي حفصة]. فسمع منه بها أبو زرعة. وروى عنه أيضا محمد بن إسماعيل البخاريّ في صحيحه، وربّما روى عن رجل عنه. وروى عنه أيضا عمرو بن محمّد الناقد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن غيلان المروزيّ، ومحمد بن المثنّى، وأربعتهم من طبقته. وروى عنه أبو داود السجستانيّ، ومحمد بن إبراهيم بن سميع، وإسماعيل بن محمد بن قيراط، وعليّ بن الجنيد الرازيّ، وأبو يعقوب يوسف بن موسى المرورّوذيّ، وأبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ، والعبّاس بن محمد ابن العبّاس البصريّ، وأبو يوسف يعقوب بن سفيان [الفسويّ]، وصالح بن محمد البغداديّ المعروف بجزرة، وأبو بكر عبد الله ابن أبي داود السجستاني، وهو آخرهم موتا. وروى عنه القراءة أحمد بن محمّد بن حجّاج

стр. 243

الرشدينيّ، والحسن ابن أبي مهران، والحسن بن علي بن مالك الأشنانيّ، والحسن بن القاسم، وغيرهم. قال أبو زرعة (١): سألني أحمد بن حنبل قديما: من بمصر؟ قلت: بها أحمد بن صالح- فسرّ بذكره ودعا له. (قال) وحدّثت أحمد بن حنبل بحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار. فأعجبه، واستزادني مثله. فقلت: ومن أين مثله؟ وهذا الحديث يرويه أحمد بن صالح عن عنبسة: حدّثنا يونس قال: سألت أبا الزناد عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، وما يذكر في ذلك. فقال: كان عروة بن الزبير يحدّث عن سهل ابن أبي حثمة (٢) عن زيد بن ثابت قال: كان الناس يتبايعون الثمار، إذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم- قال أبو جعفر أحمد بن صالح: أظنّه قال: تعاضيهم (٣) - قال المبتاع: إنّه أصاب الثمر الدّمان، وأصابه قشام، وأصابه مراض- عاهات يحتجّون بها- فقال رسول الله ﷺ : «فإمّا [لا] فلا تتبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه» - كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم. أخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح. وقال صالح بن محمد بن حبيب المعروف بجزرة: قال أحمد بن صالح المصريّ: كان عند ابن وهب مائة ألف حديث، كتبت عنه خمسين ألف حديث (قال) ولم يكن بمصر أحد يحسن الحديث ولا يحفظ غير أحمد بن صالح. كان يعقل الحديث ويحسن أن يأخذ، وكان رجلا جامعا، يعرف الفقه والحديث والنحو، ويتكلّم في حديث الثّوريّ، وشعبة، وأهل العراق. وكان قدم العراق وكتب عن عفّان وهؤلاء. وكان يذاكر بحديث الزهريّ ويحفظه. وقال أحمد بن صالح: كتبت عن ابن زبالة (٤) مائة ألف حديث. ثمّ تبيّن لي أنّه كان يضع الحديث فتركت حديثه. وكان أحمد بن صالح يثني على أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ويقع في حرملة ويونس بن عبد الأعلى. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت محمّد بن عبد الله بن نمير يقول: حدّثنا أحمد بن صالح، وإذا جاوزت الفرات فليس أحد مثله. وقال عبد الرحمن ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أحمد بن صالح، فقال: ثقة. (قال أبي) كتبت عنه بمصر وبدمشق وبأنطاكية. وقال محمد بن إسماعيل البخاري: أحمد بن صالح أبو جعفر المصري: ثقة صدوق، ما رأيت أحدا يتكلّم فيه بحجّة. كان أحمد بن حنبل وعليّ وابن نمير يثبّتون أحمد بن صالح. وكان يحيى يقول: سلوا أحمد بن صالح، فإنّه أثبت. وقال ابن نمير: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين (٥) يقول: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى- يريد أحمد بن صالح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قدمت العراق، فسألني أحمد بن حنبل: من خلّفت بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح- فسرّ بذكره وذكر خيرا

стр. 244

ودعا الله له. وقال يعقوب بن سفيان الفسويّ: كتبت عن ألف شيخ وكسر، كلّهم ثقات، ما أحد منهم أتّخذه عند الله حجّة إلّا رجلين: أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل بالعراق. وقال أبو الحسين عليّ بن محمود الهرويّ: فقال: أحمد بن صالح المصريّ، ومحمد بن يحيى النيسابوريّ. وقال أبو زرعة الرازي (١): ارتحلت إلى أحمد بن صالح المصريّ فدخلت عليه مع أصحاب الحديث. فتذاكرنا إلى أن ضاق الوقت. ثمّ أخرجت من كمّي أطرافا فيها أحاديث سألته عنها. فقال لي: تعود- فعدت من الغد، ومعي أصحاب الحديث، فأخرجت الأطراف وسألته عنها فقال: تعود. فقلت: أليس قلت لي بالأمس: تعود؟ ما عندك ممّا يكتب شيء! أورد عليّ مسندا أو مرسلا أو حرفا ممّا أستفيد، فإن لم أروه لك عمّن هو أوثق منك، فلست بأبي زرعة! ما عندك ممّا يكتب! ثمّ قمت وقلت لأصحابنا: من ههنا ممّن يكتب عنه؟ فقالوا: يحيى بن بكير. فدخلت عليه فقلت: أخرج أحاديثك! - فأخرج، فأعلمت عليها وكتبت عنها وخرجت فقلت للناس: اكتبوا عنه! وقال موسى بن سهل: قدم أحمد بن صالح الرملة فسألوه أن يحدّثهم ويجلس للناس، فأبى وامتنع عن ذلك. فكلّموا ابن أبي السريّ العسقلانيّ فكلّمه للناس، فحدّثنا حينئذ بألوف من حفظه. وقال أحمد بن صالح: صنّف ابن وهب مائة ألف وعشرين ألف حديث. فعند بعض الناس منها الكلّ- يعني حرملة- وعند بعض الناس منها النصف- يعني نفسه. وقال أبو بكر بن زنجويه: قدمت مصر فأتيت أحمد بن صالح، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: أين منزلك من منزل أحمد بن حنبل؟ قلت: أنا من أصحابه. قال: تكتب لي موضع منزلك: فإنّي أريد أن أوافي العراق حتى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل. فكتبت له. فوافى أحمد بن صالح سنة اثنتي عشرة ومائتين إلى عفّان، فسأل عنّي فلقيني فقال: الموعد الذي بيني وبينك؟ فذهبت به إلى أحمد بن حنبل فاستأذنت له وقلت: أحمد بن صالح بالباب. فقال: ابن الطبريّ؟ فقلت: نعم. فأذن له فقام إليه ورحّب به وقرّبه وقال له: بلغني أنك جمعت حديث الزهريّ، فتعال حتّى نذاكر ما عند الزهريّ عن أصحاب رسول الله ﷺ . فجعلا يتذكران ولا يغرب أحدهما عن الآخر حتى فرغا. فما رأيت أحسن من مذاكرتهما. ثمّ قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: تعال حتّى نذاكر ما روي عن أولاد أصحاب رسول الله ﷺ . فجعلا يتذاكران ولا يغرب أحدهما عن الآخر إلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح:

стр. 245

عندك عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف: قال النبيّ ﷺ : ما يسرّني أنّ لي حمر النعم، وأني لم أشهد حلف المطيّبين! فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم ويقول: ورواه عن الزهريّ رجل مقبول- أو صالح-[٨٤ ب]: عبد الرحمن بن إسحاق. فقال: من رواه عن عبد الرحمن؟ فقال: حدّثنا رجلان تقيّان: إسماعيل بن عليّة، وبشر بن المفضّل. فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلّا أمليته عليّ! فقال أحمد بن حنبل: من الكتاب! فقام ودخل وأخرج الكتاب وأملى عليه. فقال أحمد بن صالح: لو لم أستفد بالعراق إلّا هذا الحديث كان كثيرا- ثمّ ودّعه وخرج. وقال أحمد بن عبد الله العجليّ: [كتب] أحمد بن صالح عن سلامة بن روح، وكان لا يحدّث عنه، وكتب عن ابن زبالة خمسين ألف حديث، وكان لا يحدّث عنه. وحدّث أحمد بن صالح، ولم يبلغ الأربعين. وكتب عبّاس العنبريّ عن رجل عنه (١). وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن سهل بن مخلد الغزال: أحمد بن صالح، أبو جعفر، طبريّ الأصل. كان واعيا رأسا في علم الحديث وعلله. وكان يصلّي بالشافعيّ، ولم يكن في أصحاب ابن وهب أحد أعلم منه بالآثار. وقال ابن نمير وذكر أحمد بن صالح فقال: هو واحد الناس في علم الحجاز والمعرب فيهم- وجعل يعظّمه، وحدّث عنه بغير شيء. وقال محمد بن مسلم بن وارة: أحمد بن صالح بمصر، وأحمد بن حنبل ببغداد، وابن نمير بالكوفة، والنفيليّ بحرّان: هؤلاء أركان الدين. وقال أبو أحمد ابن عديّ: سمعت عبدان الأهوازيّ يقول: سمعت أبا داود السجستانيّ يقول: أحمد بن صالح ليس هو كما يتوهّم الناس- يعني: ليس بذاك في الجلالة. (قال) وسمعت القاسم بن عبد الله بن مهديّ يقول: كان أحمد بن صالح يستعير منّي كلّ جمعة الحمار فيركبه إلى صلاة الجمعة. وكنت جالسا عند حرملة في الجامع، فجاز أحمد بن صالح على باب الجامع، فنظر إلينا وإلى حرملة ولم يسلّم. فقال حرملة: انظر إلى هذا: بالأمس يحمل دواتي- يعني المحبرة- واليوم يمرّ بي فلا يسلّم. (قال) وسمعت عصمة بن [ ... ] (٢) يقول: سمعت صالح جزرة يقول: حضرت مجلس أحمد بن صالح، فقال أحمد: حرج على كلّ مبتدع وماجن أن يحضر مجلسي. فقلت: وأمّا الماجن فأنا هو! - وذاك أنّه قيل له: إن صالح [ا] الماجن (٣) قد حضر مجلسك. وقال أبو داود سليم [ان] بن الأشعث السجستاني: كان أحمد بن صالح يقوّم كلّ لحن في الحديث (٤).

стр. 246

وقال النسائيّ في كتاب الضعفاء: أحمد بن صالح المصري ليس بثقة- وسأل ابن بكير الدارقطني عن قول النسائيّ هذا، فقال: أحمد بن صالح ثقة. وفي رواية عن النسائيّ: أبو جعفر أحمد بن صالح المصريّ ليس بثقة ولا مأمون: تركه محمّد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب. حدّثنا عنه معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال: أحمد بن صالح كذّاب يتفلسف. وحكى أبو عمرو عثمان المدنيّ عن مسلمة بن القاسم الأندلسيّ قال: الناس مجتمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله. وإنّ أحمد بن حنبل وغيره وثّقوه وكتبوا عنه. وكان سبب تضعيف أحمد بن شعيب النسائيّ له أن أحمد بن صالح ﵀ كان لا يحدّث أحدا حتّى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنّه من أهل الخير والعدالة، فكان يحدّثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة، فأتى النسائيّ ليستمع منه فدخل بلا إذن ولم يأت برجلين يشهدان له بالعدالة، فلمّا رآه بمجلسه أنكره وأمر بإخراجه فضعّفه النسائيّ لهذا. وقال أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغداديّ: احتجّ سائر الأئمة بحديث أحمد بن صالح سوى أبي عبد الرحمن النسائيّ، فإنّه [٨٥ أ] ترك الرواية عنه وكان يطلق لسانه فيه. (قال الخطيب) وليس الأمر على ما ذكر النسائيّ. فيقال: كانت آفة أحمد بن صالح الكبر وشراسة الخلق. ونال النسائيّ منه جفاء في مجلسه، فذاك السبب الذي أفسد الحال بينهما. قال بندار: كتبت إلى أحمد بن صالح خمسين ألف حديث، أي إجازة، وسألته أن يجيز لي أو يكتب لي بحديث مخرمة بن بكير. فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذلك إليّ. (قال الخطيب) ترى أنّ هذا الذي قاله بندار في أحمد بن صالح في تركه مكاتبته مع مسألته إيّاه ذلك، إنّما حمله عليه سوء الخلق. ولقد بلغني أنّه كان لا يحدّث إلّا ذا لحية، ولا يترك أمرد يحضر مجلسه. فلمّا حمل أبو داود السجستانيّ ابنه إليه ليسمع منه، وكان إذ ذاك أمرد، أنكر (١) أحمد بن صالح على أبي داود إحضاره ابنه المجلس فقال له أبو داود: هو، وإن كان أمرد، أحفظ من أصحاب اللحى، فامتحنه بما أردت! . فسأله عن أشياء أجابه ابن أبي داود عن جميعها فحدّثه حينئذ. ولم يحدّث أمرد غيره. قال الخطيب: وكان أحد حفّاظ الأثر عالما بعلل الحديث، بصيرا باختلافه. وورد بغداد قديما، وجالس بها الحفّاظ، وجرى بينه وبين أحمد بن حنبل مذاكرات. وكان أحمد بن حنبل يذكره ويثني عليه. وقيل: إنّ كلّ واحد منهما كتب عن صاحبه في المذاكرة حديثا. ثمّ رجع إلى مصر فأقام بها وانتشر عند أهلها علمه، وحدّث عند الأئمّة. وقال [أبو] أحمد بن عديّ (٢): سمعت محمّد بن سعد السعديّ يقول: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول: سمعت معاوية بن صالح قال: سألت يحيى بن معين عن أحمد بن صالح فقال: رأيته كذّابا يخطر في جامع مصر. (قال ابن عديّ) كان النسائيّ هذا سيّئ الرأي فيه، وينكر عليه أحاديث، منها حديث ابن وهب عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «الدين النصيحة». (قال ابن عديّ) وأحمد بن صالح من حفّاظ الحديث، وخاصّة

стр. 247

حديث الحجاز، ومن المشهورين بمعرفته. وحدّث عنه البخاريّ مع شدّة استنصابه، ومحمد بن يحيى، واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز، وعلى معرفته. وحدّث عنه من حدّث من الثقات، واعتمدوه حفظا وإتقانا. وكلام ابن معين فيه تحامل. وأمّا سوء ثناء النسائيّ عليه، فسمعت محمد بن هارون بن حسّان البرقيّ يقول: هذا الخراسانيّ- يعني النسائيّ- يتكلّم في أحمد بن صالح. وحضرت مجلس أحمد بن صالح فطرده من مجلسه فحمله ذلك على أن تكلّم فيه. وهذا أحمد بن حنبل قد أثنى عليه، فالقول ما قاله أحمد بن حنبل، لا ما قاله غيره. وحديث «الدين النصيحة» الذي أنكره النسائيّ عليه، فقد رواه عن ابن وهب يونس بن عبد الأعلى وقد رواه عن مالك محمد بن خالد بن عثمة (١) وغيره. وأحمد بن صالح من جلّة الناس. وذلك أنّي رأيت جمع أبي موسى الزمن في عامّة ما جمع من حديث الزهريّ يقول: كتب إليّ أحمد بن صالح: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ. قال ابن عديّ: ولولا أنّي شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كلّ من تكلّم فيه متكلّم، لكنت أجلّ أحمد بن صالح أن أذكره. وقال أبو سعيد أحمد بن عبد الرحمن بن يونس: أحمد بن صالح، يكنّى أبا جعفر. كان صالح جنديّا من طبرستان من العجم. ولد أحمد بمصر سنة سبعين ومائة. وتوفّي بمصر يوم الاثنين لثلاث خلون من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وكان [٨٥ ب] حافظا للحديث. ذكر أبو عبد الرحمن النسائيّ يوما أحمد بن صالح فرماه وأساء الثناء عليه. وقال: حدّثنا معاوية بن صالح قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذّاب متفلسف. قال أبو سعيد بن يونس: ولم يكن عندنا بحمد الله كما قال [٣٥ أ] النسائيّ ولم يكن له آفة غير الكبر (٢). ٤٥١ - أبو النمر ابن صالح [- ٣١٦] (٣) [٣٥ أ] أحمد بن صالح، أبو النمر، من الأبناء (٤). عقد له الأمير أبو منصور تكين على برقة فسار إليها في جيش وملكها. واشتدّ سلطانه بها، وفرض بها فروضا من العرب (٥) وغيرهم. وخرج منها حتى بلغ سرت وحسن أثره من ولايته. وتوجّه حباسة بن يوسف أحد قوّاد المهدي عبيد الله صاحب إفريقية من القيروان يريد مصر فحاربه وانتصف منه. وبينما هو موافقة إذ بعث إليه حباسة بأنّه قد عزل بخير المنصوري وسيّر له بذلك كتابا قدم عليه من مصر. فانصرف إلى برقة ومضى منها إلى مصر، وذلك في سنة ثلاثمائة. ٤٥٢ - ابن صدقة الروذباريّ [٣٦ أ] أحمد بن صدقة، أبو علي، ابن أخت

стр. 248

عليّ بن صالح الروذباريّ (١). ورد من مصر إلى عضد الدولة فنّاخسرو ابن ركن الدولة، أبي عليّ الحسن بن بويه، أحد ملوك بني بويه. فقبله وأكرمه. فلمّا أساح عضد الدولة الماء من نواحي إصطخر إلى الوادي، وعمل له السكر (٢)، وعمّر عليه الضياع الموات، وأنفق عليه عشرين ألف ألف درهم، وصفه الشعراء، فقال في ذلك [الهزج]: شربنا ذهبا يجري ... بوادي فضّة تجري وما زلنا على السّكر ... نداوي السّكر بالسّكر وفاض النهر فيض البح ... ر منضمّا إلى بحر كجدوى عضد الدول ... ة أو نائله الغمر درينا كيف أصبحنا ... وأمسينا وما ندري وغنّى أحد المغنّين بحضرة عضد الدولة أبيات ابن الرومي (٣)، وهي [الكامل]: وحديثهما السحر الحلال لو أنّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز شرك النفوس وفتنة ما مثلها ... للمطمئنّ وعقلة المستوفز (٤) فقال عضد الدولة لمن بحضرته: من منكم يحلّ هذه الأبيات ويجعل معناها نثرا؟ فقال أبو علي أحمد بن صدقة هذا: ما كان أسحر ألفاظك التي ضاهت أنفاس الأحبّاء طيبة، وضارعت ماء بغداد عذوبة، لو لم تكن للنفس خاطفة، وشموسها كاسفة، يصيد القلوب الشاردة مسموعها، ويفرّق شمل الهمّ مجموعها، [٣٥ ب] فالقاطن مسرور بها، والظاعن مأسور لها. ٤٥٣ - أبو الفتح الواسطيّ [- ٦٢٤] (٥) [٣٦ ب] أحمد بن صدقة بن أحمد بن الخضر بن القاسم بن الميمون، القرشيّ، الواسطيّ، الشيخ العارف، أبو الفتح، ابن أبي الغنائم، نزيل الإسكندريّة. لقي جماعة من المشايخ بالعراق، وكان له القبول التامّ، من الخاصّ والعامّ. ومات بالإسكندريّة في رابع عشر شوّال سنة أربع وعشرين وستّمائة. ٤٥٤ - الحجّار [٦٢٣ - ٧٣٠] (٦) [٣٧ أ] أحمد بن أبي طالب ابن أبي النعم

стр. 249

نعمة بن حسن بن عليّ بن بيان، الصالحيّ، الدمشقيّ، الديرمقرنيّ، شهاب الدين، أبو العبّاس، الحجّار، المعروف بابن الشحنة، الخيّاط، المعمّر، الرحلة، المسند. [نشأته وإفاداته]: ولد بعد سنة عشرين وستّمائة، وخدم [٨٦ أ] حجّارا في قلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين. وكان بها في مدّة محاصرة هولاكو. ولم يظهر للمحدّثين سماعه إلى أثناء سنة ستّ وسبعمائة فسألوه فقال: «كنّا سمعنا». فوجد سماعه على أجزاء علي أبي المنجّى ابن اللتي (١)، و [ابن] الزبيديّ. فسمع عليه الذهبيّ وغيره جزء ابن مخلد، ومسند عمر النجّاد. ثمّ ظهر اسمه في كرّاس أسماء السامعين لصحيح البخاري على ابن الزبيديّ سنة ثلاثين وستّمائة. فحدّث بالجامع الصحيح للبخاري بضعا وسبعين مرّة بدمشق والصالحيّة، وبالقاهرة، قدم إليها مرّتين مطلوبا إليها. وحدّث أيضا بحماه وبعلبك وكفر بطنا (٢) وحمص. واشتهر اسمه وبعد صيته، وألحق الأحفاد بالأجداد، والأصاغر بالأكابر، ورأى العزّ والإكرام. فطلبه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصريّ إلى القاهرة. وسمع منه الأمير كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ، والأمير تنكز نائب الشام، والقضاة والأئمّة. وروى بإجازته من ابن روزبة، وابن بهزوز، وابن القطيعيّ، والأنجب الحمّاميّ، وياسمين بنت البيطار، وجعفر الهمذانيّ، وخلق كثير. فرحل إليه الناس من الآفاق، وسمع منه أمم لا يحصون، وتزاحموا عليه من سنة بضع عشرة وسبعمائة إلى أن مات في خامس عشرين صفر سنة ثلاثين وسبعمائة، وهو ابن مائة وبضع سنين، فكانت جنازته حفلة (٣). وحدّث يوم موته. ونزل الناس بموته درجة. [مناقبه]: وكان صحيح التركيب، أشقر، طويلا، دمويّ اللون، له همّة، وفيه عقل. [و] يصغي جيّدا. ويوم لا يسمع عليه شيء من الحديث يطلع إلى الجبل ويقطع الحجارة. قال الذهبيّ: ما رأيته نعس فيما أعلم. وثقل سمعه في الآخر. وسألته عن عمره فقال: أحقّ حصار الناصر داود دمشق- وكان الحصار سنة ستّ وعشرين وستّمائة. وسمع في سنة ثلاثين هو وإخوته الثلاثة، وحصّل الذهب والدراهم والخلع. وقدّر له الدوادار معلوما نحو خمسة وأربعين درهما. وكان فيه دين وملازمة للصلاة ويحفظ ما يصلّي به. وربّما أخّر الصلاة في السفر على مذهب العوامّ. وصام وهو ابن مائة عام شهر رمضان، وأتبعه ستّا من شوّال. وحدّثت أنّه في هذه السنّ (٤) اغتسل بالماء البارد. ٤٥٥ - أبو العبّاس الحسينيّ [٥٠١ - ] [٣٨ أ] أحمد بن طاهر بن حيدرة بن إبراهيم بن العبّاس بن الحسن بن العبّاس بن الحسين بن عليّ بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو العبّاس، ابن أبي الحسن، ابن أبي طاهر، الحسينيّ، النقيب.

стр. 250

ولد بمصر سنة إحدى وخمسمائة. وقدم دمشق وهو شابّ فأقام بها مدّة. ورجع إلى مصر. ثمّ قدم إلى دمشق مرّة ثانية، واستوطنها، وولي نقابة الطالبيّين. وكان عالما بالحساب والتواريخ وأخبار الناس. وكان يذهب مذهب أبي حنيفة ﵀. ومات بدمشق [ ... ] (١) وخمسمائة. ٤٥٦ - ابن الموصول الحلبيّ [- ٣٩٠] [٣٨ ب] أحمد بن طاهر بن الموصول، الأسديّ، الحلبيّ. كان أحد الشهود الممتازين بحلب. وكان فيه من قوّة النفس مع الدين والزهد ما لم يكن مثله في سواه من أهل زمانه. واتّصل خبره بالحاكم بأمر الله أبي عليّ منصور أمير المؤمنين، فأنفذ إليه رسولا من القاهرة يستدعيه وأصحبه من المال والدوابّ ما يستعين به على طريقه. فلمّا مثل بين يديه أكرمه وخلع عليه وأحبّه. وأقام عنده مدّة طويلة. وبلغ من أنسه به أن قال له في بعض الأيّام: أدخل يدك يا أحمد حكّ ظهري! ففعل ما رسم له وحكّ الموضع الذي أشار إليه. فلمّا أخرج يده، قال له الحاكم: يا أحمد، ما أردت بذلك إلّا إكرامك حتّى تقول: وضعت يدي على ظهر أمير المؤمنين ابن بنت رسول الله ﷺ ، وأزيدك كرامة [٨٦ ب] وتشريفا- وخلع عليه طيلسانا كان عليه وقلّده سيفا فاخرا كان يتقلّد به يوم ركوبه في الأعياد، وأعطاه دواة كانت تحضر بين يديه للتوقيعات. فبقي ذلك كلّه عند أولاده يتوارثونه أبا عن جدّ. ولم يزل عند الحاكم مقيما بالقاهرة إلى أن توفّي سنة تسعين وثلاثمائة. ومن [أولاد] أولاده أبو الفضل هبة الله بن عبد القاهر بن أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن طاهر بن الموصول، وزير الملك رضوان ابن تتش (٢). ٤٥٧ - ابن الحطّاب القرطبيّ [- ٤١٦] (٣) [٣٨ ب] أحمد بن طريف القرطبيّ، أبو بكر، ابن الحطّاب. قرأ بمصر على أبي الحسن الأنطاكيّ، وأبي أحمد السّامريّ، وأبي الطيّب بن غلبون، وعمر بن عراك وغيرهم. وعاد إلى بلده فسكن ميورقة، وأقرأ الناس حتّى مات في ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة وأربعمائة. ٤٥٨ - أحمد بن طولون [٢٢٠ - ٢٧٠] (٤) أحمد بن طولون، الأمير أبو العبّاس. [نشأة ابن طولون]: كان أبوه تركيّا، بعث به نوح بن أسد السامانيّ، عامل بخارى إلى أمير المؤمنين عبد الله المأمون في سنة مائتين، وتوفّي سنة أربعين ومائتين.
следующие страницы →