وقال النسائيّ في كتاب الضعفاء: أحمد بن صالح المصري ليس بثقة- وسأل ابن بكير الدارقطني عن قول النسائيّ هذا، فقال: أحمد بن صالح ثقة.
وفي رواية عن النسائيّ: أبو جعفر أحمد بن صالح المصريّ ليس بثقة ولا مأمون: تركه محمّد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب.
حدّثنا عنه معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال: أحمد بن صالح كذّاب يتفلسف.
وحكى أبو عمرو عثمان المدنيّ عن مسلمة بن القاسم الأندلسيّ قال: الناس مجتمعون على ثقة أحمد بن صالح لعلمه وخيره وفضله. وإنّ أحمد بن حنبل وغيره وثّقوه وكتبوا عنه. وكان سبب تضعيف أحمد بن شعيب النسائيّ له أن أحمد بن صالح ﵀ كان لا يحدّث أحدا حتّى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنّه من أهل الخير والعدالة، فكان يحدّثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قدامة، فأتى النسائيّ ليستمع منه فدخل بلا إذن ولم يأت برجلين يشهدان له بالعدالة، فلمّا رآه بمجلسه أنكره وأمر بإخراجه فضعّفه النسائيّ لهذا.
وقال أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغداديّ: احتجّ سائر الأئمة بحديث أحمد بن صالح سوى أبي عبد الرحمن النسائيّ، فإنّه [٨٥ أ] ترك الرواية عنه وكان يطلق لسانه فيه. (قال الخطيب) وليس الأمر على ما ذكر النسائيّ.
فيقال: كانت آفة أحمد بن صالح الكبر وشراسة الخلق. ونال النسائيّ منه جفاء في مجلسه، فذاك السبب الذي أفسد الحال بينهما. قال بندار: كتبت إلى أحمد بن صالح خمسين ألف حديث، أي إجازة، وسألته أن يجيز لي أو يكتب لي بحديث مخرمة بن بكير. فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذلك إليّ. (قال الخطيب) ترى أنّ هذا الذي قاله بندار في أحمد بن صالح في تركه مكاتبته مع مسألته إيّاه ذلك، إنّما حمله عليه سوء الخلق. ولقد بلغني أنّه كان لا يحدّث إلّا ذا لحية، ولا يترك أمرد يحضر مجلسه. فلمّا حمل أبو داود السجستانيّ ابنه إليه ليسمع منه، وكان إذ ذاك أمرد، أنكر (١) أحمد بن صالح على أبي داود إحضاره ابنه المجلس فقال له أبو داود: هو، وإن كان أمرد، أحفظ من أصحاب اللحى، فامتحنه بما أردت! .
فسأله عن أشياء أجابه ابن أبي داود عن جميعها فحدّثه حينئذ. ولم يحدّث أمرد غيره.
قال الخطيب: وكان أحد حفّاظ الأثر عالما بعلل الحديث، بصيرا باختلافه. وورد بغداد قديما، وجالس بها الحفّاظ، وجرى بينه وبين أحمد بن حنبل مذاكرات. وكان أحمد بن حنبل يذكره ويثني عليه. وقيل: إنّ كلّ واحد منهما كتب عن صاحبه في المذاكرة حديثا. ثمّ رجع إلى مصر فأقام بها وانتشر عند أهلها علمه، وحدّث عند الأئمّة.
وقال [أبو] أحمد بن عديّ (٢): سمعت محمّد بن سعد السعديّ يقول: سمعت أبا عبد الرحمن النسائي يقول: سمعت معاوية بن صالح قال: سألت يحيى بن معين عن أحمد بن صالح فقال: رأيته كذّابا يخطر في جامع مصر. (قال ابن عديّ) كان النسائيّ هذا سيّئ الرأي فيه، وينكر عليه أحاديث، منها حديث ابن وهب عن مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «الدين النصيحة». (قال ابن عديّ) وأحمد بن صالح من حفّاظ الحديث، وخاصّة
стр. 247
حديث الحجاز، ومن المشهورين بمعرفته.
وحدّث عنه البخاريّ مع شدّة استنصابه، ومحمد بن يحيى، واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز، وعلى معرفته. وحدّث عنه من حدّث من الثقات، واعتمدوه حفظا وإتقانا. وكلام ابن معين فيه تحامل. وأمّا سوء ثناء النسائيّ عليه، فسمعت محمد بن هارون بن حسّان البرقيّ يقول:
هذا الخراسانيّ- يعني النسائيّ- يتكلّم في أحمد بن صالح. وحضرت مجلس أحمد بن صالح فطرده من مجلسه فحمله ذلك على أن تكلّم فيه. وهذا أحمد بن حنبل قد أثنى عليه، فالقول ما قاله أحمد بن حنبل، لا ما قاله غيره. وحديث «الدين النصيحة» الذي أنكره النسائيّ عليه، فقد رواه عن ابن وهب يونس بن عبد الأعلى وقد رواه عن مالك محمد بن خالد بن عثمة (١) وغيره.
وأحمد بن صالح من جلّة الناس. وذلك أنّي رأيت جمع أبي موسى الزمن في عامّة ما جمع من حديث الزهريّ يقول: كتب إليّ أحمد بن صالح: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ. قال ابن عديّ:
ولولا أنّي شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كلّ من تكلّم فيه متكلّم، لكنت أجلّ أحمد بن صالح أن أذكره.
وقال أبو سعيد أحمد بن عبد الرحمن بن يونس: أحمد بن صالح، يكنّى أبا جعفر. كان صالح جنديّا من طبرستان من العجم. ولد أحمد بمصر سنة سبعين ومائة. وتوفّي بمصر يوم الاثنين لثلاث خلون من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين ومائتين. وكان [٨٥ ب] حافظا للحديث. ذكر أبو عبد الرحمن النسائيّ يوما أحمد بن صالح فرماه وأساء الثناء عليه. وقال: حدّثنا معاوية بن صالح قال: سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن
صالح كذّاب متفلسف. قال أبو سعيد بن يونس:
ولم يكن عندنا بحمد الله كما قال [٣٥ أ] النسائيّ ولم يكن له آفة غير الكبر (٢).
٤٥١ - أبو النمر ابن صالح [- ٣١٦] (٣)
[٣٥ أ] أحمد بن صالح، أبو النمر، من الأبناء (٤).
عقد له الأمير أبو منصور تكين على برقة فسار إليها في جيش وملكها. واشتدّ سلطانه بها، وفرض بها فروضا من العرب (٥) وغيرهم. وخرج منها حتى بلغ سرت وحسن أثره من ولايته.
وتوجّه حباسة بن يوسف أحد قوّاد المهدي عبيد الله صاحب إفريقية من القيروان يريد مصر فحاربه وانتصف منه. وبينما هو موافقة إذ بعث إليه حباسة بأنّه قد عزل بخير المنصوري وسيّر له بذلك كتابا قدم عليه من مصر. فانصرف إلى برقة ومضى منها إلى مصر، وذلك في سنة ثلاثمائة.
٤٥٢ - ابن صدقة الروذباريّ
[٣٦ أ] أحمد بن صدقة، أبو علي، ابن أخت
стр. 248
عليّ بن صالح الروذباريّ (١).
ورد من مصر إلى عضد الدولة فنّاخسرو ابن ركن الدولة، أبي عليّ الحسن بن بويه، أحد ملوك بني بويه. فقبله وأكرمه. فلمّا أساح عضد الدولة الماء من نواحي إصطخر إلى الوادي، وعمل له السكر (٢)، وعمّر عليه الضياع الموات، وأنفق عليه عشرين ألف ألف درهم، وصفه الشعراء، فقال في ذلك [الهزج]:
شربنا ذهبا يجري ... بوادي فضّة تجري
وما زلنا على السّكر ... نداوي السّكر بالسّكر
وفاض النهر فيض البح ... ر منضمّا إلى بحر
كجدوى عضد الدول ... ة أو نائله الغمر
درينا كيف أصبحنا ... وأمسينا وما ندري
وغنّى أحد المغنّين بحضرة عضد الدولة أبيات ابن الرومي (٣)، وهي [الكامل]:
وحديثهما السحر الحلال لو أنّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك النفوس وفتنة ما مثلها ... للمطمئنّ وعقلة المستوفز (٤)
فقال عضد الدولة لمن بحضرته: من منكم يحلّ هذه الأبيات ويجعل معناها نثرا؟
فقال أبو علي أحمد بن صدقة هذا: ما كان أسحر ألفاظك التي ضاهت أنفاس الأحبّاء طيبة، وضارعت ماء بغداد عذوبة، لو لم تكن للنفس خاطفة، وشموسها كاسفة، يصيد القلوب الشاردة مسموعها، ويفرّق شمل الهمّ مجموعها، [٣٥ ب] فالقاطن مسرور بها، والظاعن مأسور لها.
٤٥٣ - أبو الفتح الواسطيّ [- ٦٢٤] (٥)
[٣٦ ب] أحمد بن صدقة بن أحمد بن الخضر بن القاسم بن الميمون، القرشيّ، الواسطيّ، الشيخ العارف، أبو الفتح، ابن أبي الغنائم، نزيل الإسكندريّة.
لقي جماعة من المشايخ بالعراق، وكان له القبول التامّ، من الخاصّ والعامّ.
ومات بالإسكندريّة في رابع عشر شوّال سنة أربع وعشرين وستّمائة.
٤٥٤ - الحجّار [٦٢٣ - ٧٣٠] (٦)
[٣٧ أ] أحمد بن أبي طالب ابن أبي النعم
стр. 249
نعمة بن حسن بن عليّ بن بيان، الصالحيّ، الدمشقيّ، الديرمقرنيّ، شهاب الدين، أبو العبّاس، الحجّار، المعروف بابن الشحنة، الخيّاط، المعمّر، الرحلة، المسند.
[نشأته وإفاداته]:
ولد بعد سنة عشرين وستّمائة، وخدم [٨٦ أ] حجّارا في قلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين. وكان بها في مدّة محاصرة هولاكو. ولم يظهر للمحدّثين سماعه إلى أثناء سنة ستّ وسبعمائة فسألوه فقال:
«كنّا سمعنا». فوجد سماعه على أجزاء علي أبي المنجّى ابن اللتي (١)، و [ابن] الزبيديّ.
فسمع عليه الذهبيّ وغيره جزء ابن مخلد، ومسند عمر النجّاد. ثمّ ظهر اسمه في كرّاس أسماء السامعين لصحيح البخاري على ابن الزبيديّ سنة ثلاثين وستّمائة. فحدّث بالجامع الصحيح للبخاري بضعا وسبعين مرّة بدمشق والصالحيّة، وبالقاهرة، قدم إليها مرّتين مطلوبا إليها. وحدّث أيضا بحماه وبعلبك وكفر بطنا (٢) وحمص. واشتهر اسمه وبعد صيته، وألحق الأحفاد بالأجداد، والأصاغر بالأكابر، ورأى العزّ والإكرام. فطلبه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصريّ إلى القاهرة. وسمع منه الأمير كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ، والأمير تنكز نائب الشام، والقضاة والأئمّة.
وروى بإجازته من ابن روزبة، وابن بهزوز، وابن القطيعيّ، والأنجب الحمّاميّ، وياسمين بنت البيطار، وجعفر الهمذانيّ، وخلق كثير. فرحل
إليه الناس من الآفاق، وسمع منه أمم لا يحصون، وتزاحموا عليه من سنة بضع عشرة وسبعمائة إلى أن مات في خامس عشرين صفر سنة ثلاثين وسبعمائة، وهو ابن مائة وبضع سنين، فكانت جنازته حفلة (٣). وحدّث يوم موته.
ونزل الناس بموته درجة.
[مناقبه]:
وكان صحيح التركيب، أشقر، طويلا، دمويّ اللون، له همّة، وفيه عقل. [و] يصغي جيّدا.
ويوم لا يسمع عليه شيء من الحديث يطلع إلى الجبل ويقطع الحجارة.
قال الذهبيّ: ما رأيته نعس فيما أعلم. وثقل سمعه في الآخر. وسألته عن عمره فقال: أحقّ حصار الناصر داود دمشق- وكان الحصار سنة ستّ وعشرين وستّمائة. وسمع في سنة ثلاثين هو وإخوته الثلاثة، وحصّل الذهب والدراهم والخلع. وقدّر له الدوادار معلوما نحو خمسة وأربعين درهما. وكان فيه دين وملازمة للصلاة ويحفظ ما يصلّي به. وربّما أخّر الصلاة في السفر على مذهب العوامّ. وصام وهو ابن مائة عام شهر رمضان، وأتبعه ستّا من شوّال. وحدّثت أنّه في هذه السنّ (٤) اغتسل بالماء البارد.
٤٥٥ - أبو العبّاس الحسينيّ [٥٠١ - ]
[٣٨ أ] أحمد بن طاهر بن حيدرة بن إبراهيم بن العبّاس بن الحسن بن العبّاس بن الحسين بن عليّ بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو العبّاس، ابن أبي الحسن، ابن أبي طاهر، الحسينيّ، النقيب.
стр. 250
ولد بمصر سنة إحدى وخمسمائة. وقدم دمشق وهو شابّ فأقام بها مدّة. ورجع إلى مصر. ثمّ قدم إلى دمشق مرّة ثانية، واستوطنها، وولي نقابة الطالبيّين. وكان عالما بالحساب والتواريخ وأخبار الناس. وكان يذهب مذهب أبي حنيفة ﵀.
ومات بدمشق [ ... ] (١) وخمسمائة.
٤٥٦ - ابن الموصول الحلبيّ [- ٣٩٠]
[٣٨ ب] أحمد بن طاهر بن الموصول، الأسديّ، الحلبيّ.
كان أحد الشهود الممتازين بحلب. وكان فيه من قوّة النفس مع الدين والزهد ما لم يكن مثله في سواه من أهل زمانه. واتّصل خبره بالحاكم بأمر الله أبي عليّ منصور أمير المؤمنين، فأنفذ إليه رسولا من القاهرة يستدعيه وأصحبه من المال والدوابّ ما يستعين به على طريقه. فلمّا مثل بين يديه أكرمه وخلع عليه وأحبّه. وأقام عنده مدّة طويلة. وبلغ من أنسه به أن قال له في بعض الأيّام: أدخل يدك يا أحمد حكّ ظهري!
ففعل ما رسم له وحكّ الموضع الذي أشار إليه. فلمّا أخرج يده، قال له الحاكم: يا أحمد، ما أردت بذلك إلّا إكرامك حتّى تقول: وضعت يدي على ظهر أمير المؤمنين ابن بنت رسول الله ﷺ ، وأزيدك كرامة [٨٦ ب] وتشريفا- وخلع عليه طيلسانا كان عليه وقلّده سيفا فاخرا كان يتقلّد به يوم ركوبه في الأعياد، وأعطاه دواة كانت تحضر بين يديه للتوقيعات. فبقي ذلك كلّه عند أولاده يتوارثونه أبا عن جدّ.
ولم يزل عند الحاكم مقيما بالقاهرة إلى أن
توفّي سنة تسعين وثلاثمائة.
ومن [أولاد] أولاده أبو الفضل هبة الله بن عبد القاهر بن أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن طاهر بن الموصول، وزير الملك رضوان ابن تتش (٢).
٤٥٧ - ابن الحطّاب القرطبيّ [- ٤١٦] (٣)
[٣٨ ب] أحمد بن طريف القرطبيّ، أبو بكر، ابن الحطّاب.
قرأ بمصر على أبي الحسن الأنطاكيّ، وأبي أحمد السّامريّ، وأبي الطيّب بن غلبون، وعمر بن عراك وغيرهم.
وعاد إلى بلده فسكن ميورقة، وأقرأ الناس حتّى مات في ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة وأربعمائة.
٤٥٨ - أحمد بن طولون [٢٢٠ - ٢٧٠] (٤)
أحمد بن طولون، الأمير أبو العبّاس.
[نشأة ابن طولون]:
كان أبوه تركيّا، بعث به نوح بن أسد السامانيّ، عامل بخارى إلى أمير المؤمنين عبد الله المأمون في سنة مائتين، وتوفّي سنة أربعين ومائتين.
стр. 251
وولد أحمد بسامرّاء في ثالث عشرين شهر رمضان سنة عشرين ومائتين.
وأمّه أمّ ولد اسمها قاسم. ويقال إنّ طولون تبنّاه، ولم يكن ابنه.
ظهرت النجابة فيه من صغره وصار له بأهل الحاجات عناية، فكان أبدا يسأل طولون فيهم فيعجب بذلك منه، حتّى دخل عليه يوما فقال له:
ما لك؟
قال: بالباب قوم ضعفاء، لو كتبت لهم بشيء؟
فقال: امض إلى موضع كذا فهناك قرطاس فائتني به حتّى أكتب لهم ما رغبت فيه.
فنهض فإذا في طريقه حظيّة لطولون قد خلا بها خادم. فسكت وأخذ حاجته وانصرف إليه، فكتب له وخرج. فخافت الحظيّة من أحمد، فأتت إلى طولون وقالت إنّ أحمد قد راودها عن نفسها.
فصدّقها، وكتب كتابا إلى بعض خدمه بأن يقتل حامل الكتاب، ودفعه إلى أحمد.
فخرج به أحمد مسرعا، والحظيّة تنظره.
فدعت به، ولم يشعر بما كاتبه به. فقال: أنا مشغول بحاجة أكيدة للأمير- وأراها الكتاب.
فأخذته منه وناولته الخادم الذي رآه أحمد معها، تريد بذلك أن يزداد حنق طولون على أحمد.
فمضى الخادم بالكتاب فقتله وبعث برأسه، فدهش طولون، واستدعى أحمد وسأله عن الخبر فأخبره بما رأى عليه الحظيّة وما كادت من أخذ الكتاب.
وبلغ الحظيّة مجيء رأس الغلام فخرجت إلى مولاها مريبة ذليلة تطلب العفو، وهي تظنّ أنّ الأمر قد صحّ عنده. فلم يزل بها حتى أخبرته ببراءة أحمد وأعلمته بالصحيح، فقتلها. وحظي عنده أحمد حتى ولّاه الأمر من بعده.
[شجاعة ابن طولون]:
وكان قد نشأ نشوءا جميلا، وطلب الحديث، وأحبّ الغزو، وخرج إلى طرسوس مرّات. ولقي الشيوخ المحدّثين وسمع منهم، وكتب العلم وحصّل من ذلك قطعة كبيرة. وصحب هناك جماعة من الزهّاد وأهل الدين والورع فتأدّب بآدابهم وحسنت طريقته وظهر فضله، حتّى تمكّن له في قلوب الأولياء ما ارتفع به على طبقته، وبان فضله على وجوه الأتراك، وصار عندهم ممّن يوثق به، فزوّجه يارجوخ ابنته فولدت له العبّاس وفاطمة.
وسأل الوزير عبيد الله بن يحيى أن يكتب له برزقه إلى الثغر وعرّفه رغبته في المقام به، فأجابه الوزير إلى ذلك.
وخرج من بغداد فأقام بطرسوس مدّة. ثمّ قفل يريد بغداد في رفقة تبلغ نحو الخمسمائة رجل، والخليفة يومئذ أمير المؤمنين المستعين بالله، وقد بعث خادما له إلى بلاد الروم في رسالة بسبب أعراض (١) له، فابتاع له الخادم من بلاد الروم طرائف وقر بغل. وقدم إلى طرسوس وخرج في الرفقة التي فيهم أحمد بن طولون. فبينما هم في مسيرهم خرج [٨٧ أ] عليهم الأعراب، وأخذوا له أشياء، منها البغل الذي يحمل طرف الخليفة.
فبادر أحمد إلى الأعراب وقاتلهم ورماهم بالنّشّاب، إلى أن استنقذ منهم سائر ما أخذوه.
فعظم أحمد في عين الخادم وكبر في نفوس أهل القافلة. فلمّا وصل إلى العراق ذكر الخادم للمستعين ما كان من ذهاب الطرف، وأنّه، لولا غلام من غلمان أمير المؤمنين يعرف بأحمد بن طولون خلّصه وجميع ما أخذ، لقتلت نفسي أسفا
стр. 252
على فواته. فأمر المستعين في الوقت لأحمد بألف دينار بعث بها مع خادم إليه سرّا، وأمره أن يومئ إليه إذا دخل مع الأتراك للسلام ليعرّف به. ففعل الخادم ذلك. وأشار إليه المستعين بالسلام، وصار ذلك رسمه كلّما دخل. ولم تزل صلات المستعين تأتيه حتّى حسنت حاله، وأنفذ إليه بجارية اسمها ميّاس فولدت له ابنه خمارويه.
[وفاء ابن طولون]:
فلمّا خلع المستعين بالمعتزّ بالله وأخرج إلى واسط، ندب الأتراك أحمد بن طولون معه وسلّموه إليه. فسار وأقام معه وبالغ مجاملة المستعين وأطلق له الصيد والتنزّه.
ثمّ إنّ قبيحة أمّ المعتزّ كتبت إلى أحمد بقتل المستعين وأنّها تقلّده واسط [ا]. فكتب إليها:
والله لا يراني الله أقتل خليفة له في رقبتي بيعة وأيمان مغلّظة.- فعظم عند ورود كتابه في قلوب الأتراك، وبعثوا بسعيد الحاجب وكتبوا معه أن يتسلّم المستعين من أحمد بن طولون. فأسلمه أحمد إليه بحضرة قاضي واسط. وخرج به سعيد إلى خيمة بالصحراء وقتله ومضى. فأتى أحمد وغسّله وصلّى عليه ودفنه. وسار إلى سرّ من رأى، وقد تقلّد بايكباك (١) مصر وأراد من يخلفه عليها، فقيل له: إن أحمد بن طولون الثقة الأمين، الخيّر الدّين. فقلّده خلافته على مصر وضمّ إليه الجيش وبعثه. فدخل مصر يوم الخميس لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، مقلّدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها كالإسكندريّة ونحوها، وعمره أربع وثلاثون سنة ويوم واحد. فلمّا جلس الناس لمشاهدة دخوله،
وفيهم الأعمى غلام أبي قبيل صاحب الملاحم، سأله رجل عمّا يجده في كتبهم عن أحمد بن طولون فقال: هذا رجل نجد صفته كذا وكذا، وأنّه يتقلّد البلد هو وولده قريبا من أربعين سنة. فما تمّ كلامه حتى أقبل أحمد بن طولون بالصفة التي وصفه بها الأعمى، لم يغادر منها شيئا.
[بسط نفوذه على مصر]:
وكان يومئذ على خراج مصر أحمد بن محمد بن المدبّر. فأهدى إلى ابن طولون هدايا قيمتها عشرة آلاف دينار. فردّها عليه فتخوّفه ابن المدبّر وقال: هذه همّة عظيمة! من كانت هذه همّته لا يؤمن على طرف من الأطراف- وتحدّث مع شقير الخادم مولى قبيحة أمّ المعتزّ، صاحب البريد بمصر، في مكاتبة الحضرة بإزالة ابن طولون. فورد عليه كتاب ابن طولون وفيه: قد كنت أعزّك الله، أهديت لنا هدية وقع الغناء عنها، ولم يجز أن نغتنم مالك، كثّره الله! رددناها توفيرا عليك. ونحبّ أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك، فأنا إليهم أحوج منك.
وكان لابن المدبّر مائة غلام من الغور (٢) لهم خلق حسن وبأس شديد يقفون بين يديه بالأقبية والمناطق، وفي أيديهم مقارع غلاظ مقمّعة (٣) في أطرافها بالفضّة، يكونون عن جانبي مجلسه إذا جلس، وركبانا قدّامه إذا ركب.
فلمّا ورد الكتاب على [ابن] المدبّر بطلبهم قال: هذه أخرى أعظم ممّا تقدّم قد ظهرت من هذا الرجل إذ كان يردّ الأعراض والأموال، ويستهديالرجال [٨٧ ب] ويثابر عليهم.
ولم يجد بدّا من إرسالهم، فتحوّلت هيبة ابن
стр. 253
المدبّر إلى ابن طولون. فكتب فيه ابن المدبّر إلى الحضرة. وبلغ ذلك ابن طولون فأسرّها في نفسه.
وأقرّ ابن طولون على الشرط يولغا (١) ثمّ صرفه لاثنتي عشرة بقيت من شوّال سنة أربع وخمسين، وجعل مكانه توران (١) التركيّ، فاستخلف محمد بن استنباذ (١) وكان توران ربّما صلّى بالناس في المسجد الجامع.
ثمّ خرج محمد بن أحمد (٢) بن عبد الله بن طباطبا، المعروف ببغا الأصغر، فيما بين الإسكندريّة وبرقة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين، وسار في جموعه إلى الصعيد. فقتل في محاربة بهم بن الحسين. ثمّ صرف توران وولّى على الشرط موسى بن طولون (٣). فلمّا خلع المعتزّ في شعبان سنة خمس وخمسين وبويع المهتدي بالله قتل بايكباك، وردّ جميع ما كان بيده إلى يارجوخ التركي حمي أحمد بن طولون.
فكتب إلى أحمد بن طولون أن «تسلّم من نفسك لنفسك»، وزاده الأعمال الخارجة عن قصبة مصر بأسرها، وكتب إلى إسحاق بن دينار، وهو يتقلّد الإسكندريّة، أن يسلّمها إليه. فعظمت منزلته. ثمّ كتب إليه بالخروج إلى عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني والي فلسطين والأردنّ لمّا تغلّب على دمشق. ففرض أحمد بن طولون فروضا واتّخذ السودان فأكثر، وخرج إليه لستّ خلون من جمادى الآخرة سنة ستّ وخمسين ومائتين، ورجع من الطريق بكتاب ورد عليه من العراق، فدخل الفسطاط لأيّام خلت من شعبان، وبعث إلى عيسى بن الشيخ بقائد يقال له ماجور التركيّ
فحاربه وهزمه وقتل ابنه منصورا وتسلّم أعمال الشام.
[استقلاله التدريجي بالحكم]:
ومات المهدي [في رجب. وشرع أحمد بن طولون] في بناء الميدان في شعبان، وكان في موضعه قبور اليهود والنصارى، فأمر بها فخرّبت وبنى مكانها. وقدم عليه ابناه العبّاس وخمارويه من مكّة أوّل سنة سبع وستّين. وورد عليه كتاب يارجوخ بتسلّم الأعمال الخارجة عن يده من أرض مصر، فتسلّم الإسكندريّة من إسحاق بن دينار، وخرج إليها لثمان خلون من رمضان فاستخلف على الفسطاط كيغلغ. ثمّ قدم من الإسكندريّة لأربع عشرة بقيت من شوّال. وخرج إليها ثانيا لثمان بقين من شعبان سنة تسع وخمسين واستخلف ابنه العبّاس. وعاد لثمان خلون من شوّال. وأمر ببناء المسجد الجامع على الجبل، وبناء المارستان للمرضى، فبني لهم.
وورد عليه كتاب المعتمد يستحثّه في حمل الأموال. فكتب إليه: لست أطيق ذلك، والخراج بيد غيري- فأنفذ المعتمد نفيسا الخادم إليه بتقليده الخراج بمصر وبولايته على الثغور الشاميّة، فتسلّم أرض مصر، وخراجها ثمانمائة ألف دينار ديوانيّة، فأقرّ أحمد أبا أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليه.
وضجّ أهل الثغور من ولاتهم، فعقد لطخشي [بن بليزد] على طرسوس في جمادى الأولى سنة أربع وستّين.
وتقدّم أبو أحمد الموفّق إلى موسى بن بغا [أن يصرف أحمد عن مصر ويردّها] إلى ماجور، وهو والي دمشق يومئذ، فتوقّف ماجور لعجزه عن مقاومة ابن طولون. فخرج موسى بن بغا إلى الرقّة فبلغ ابن طولون أنّه سائر إليه لمحاربته، فبنى أحمد حصن الجزيرة ليحصّن فيه ماله وحرمه،
стр. 254
واجتهد في المراكب الحربيّة وأطافها بالجزيرة واستعدّ غاية الاستعداد. فأقام موسى بالرقّة عشرة أشهر، وأحمد بن طولون في إحكام أموره.
فاضطرب أصحاب موسى عليه. ثمّ إنّه مات في صفر سنة أربع وستّين. ومات ماجور في دمشق، وخلفه ابنه عليّ بن ماجور، وهو صبيّ. فخلا [٨٨ أ] ذرعه لوفاة عبد الله بن يحيى وموسى بن بغا وماجور. وتحرّك للمسير إليه وكتب إلى [ابن ماجور] أن يجهّز الإقامات والأنزال لميرة العساكر فأجاب أحسن جواب.
[جامع أحمد بن طولون]:
وبنى أحمد الجامع بجبل يشكر لشكوى أهل مصر من ضيق الجامع يوم الجمعة بالجند والسودان. فكان الابتداء في بنائه من سنة أربع وستّين إلى أن انتهى في سنة ستّ وستّين.
وعسكر (١) بمنية الأصبغ، واستخلف ابنه العبّاس على مصر، وضمّ إليه أحمد بن محمد الواسطيّ.
فسار إلى الرملة، وأقيمت له بها الدعوة ومضى إلى دمشق فتلقّاه عليّ بن ماجور، وأقام له الدعوة بها، ثمّ استخلف عليها. ومضى إلى حمص فتسلّمها. ثمّ بعث إلى سيما الطويل وهو بأنطاكية يأمره بالدعاء له فامتنع. فسار أحمد إليه في جيش عظيم وقد تحصّن سيما. فحاصره أحمد ورماه بالمجانيق حتّى طال على أهل البلد فأدخلوه إليه في المحرّم سنة خمس وستّين، وقتل سيما وأخذ أمواله. ومضى إلى طرسوس فدخلها في ربيع الأول ومعه جمع كبير، فضاقت به وغلا السعر، ونابذه أهلها وأخرجوه.
فأتاه خبر عصيان ابنه العبّاس عليه فرجع إلى مصر وقدمها لأربع خلون من رمضان. فبعث إليه بكّار بن قتيبة القاضي بكتاب ألان فيه جانبه. فصار
إلى برقة ولقيه ثمّ عاد بغير طائل. فخرج بنفسه في مائة ألف. ثمّ عاد من الإسكندريّة لثلاث عشرة خلت من رجب، وأدخل بعد ذلك بالعبّاس مقيّدا لليلتين بقيتا من رجب سنة ثمان وستّين. ثمّ بعث بلؤلؤ غلامه على جيش إلى الشام، فكاتبه أبو أحمد الموفّق ورغّبه حتى خالف مولاه ولحق بالموفّق في جمادى الأولى سنة تسع وستّين. فبادر أحمد بن طولون وخرج في صفر سنة تسع رجاء أن يدرك لؤلؤ [ا]. وترك دمشق وعزم على المسير لمحاربة أهل طرسوس. فتلقّاه كتاب المعتمد يعلمه أنّه سائر إليه، فتوقّف.
[موقفه من حوادث الخلافة ببغداد]:
وخرج المعتمد من العراق في زيّ متصيّد، وركب الطريق إلى الرقّة، فبلغ ذلك الموفّق، فبعث إليه إسحاق بن كنداج فخذله وقبض على من معه من القوّاد. وأحدر المعتمد من الحديثة إلى سامرّاء ووكّل به خمسمائة رجل. وعقد الموفّق لإسحاق بن كنداج على مصر، فبلغ ذلك أحمد بن طولون. فكتب إلى عمّاله بإحضار القضاة والفقهاء والأشراف، وكتب بخبر المعتمد وما فعل به. فقرئ كتابه بمصر، وفيه: أنّ أبا أحمد الموفّق نكث بيعة المعتمد وأسره وحرّس عليه في دار [أبي] أحمد بن الخصيب، وأنّ المعتمد قد صار من ذلك إلى ما لا يجوز ذكره وأنّه بكى بكاء شديدا.
فلمّا خطب الخطيب يوم الجمعة بمصر ذكر ما نيل من المعتمد وزاد في خطبته: اللهمّ اكفه من ظلمه وحصره، واستنقذه ممّن أسره، وجار عليه وقهره- يريد الموفّق. ثمّ دعا للمفوّض (٢) ولأحمد بن طولون فقط.
стр. 255
وخرج من مصر بكّار بن قتيبة القاضي وجماعة إلى دمشق، وقد حضر أهل الشامات والثّغور.
فأمر أحمد بكتاب خلع فيه الموفّق من ولاية العهد لمخالفته المعتمد وحصره ايّاه، وكتب فيه: إنّ الموفّق خلع الطاعة، وبرئ من الذمّة، فوجب جهاده على الأمّة-. وشهد على ذلك جميع من حضر، إلّا بكّار [ا]، ومحمد بن إبراهيم الإسكندرانيّ، وفهد بن موسى، فإنّهم ضعّفوا الأمر. فتغافل عنهم وأسرّها في نفسه لبكّار.
فبلغ الموفّق ذلك فكتب إلى أنصاره يعيّر أحمد بن طولون على ما فعله [ويقول]: إنّ الله قد قرن بطاعته وطاعة رسوله طاعة أولي الأمر [٨٨ ب] الذين انتخبهم الله لإعزاز دينه وإقامة معالمه فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]. وإنّ عدوّ الله المباين لجماعة المسلمين المعروف بأحمد بن طولون أظهر ما كان منه من معصية ومن شقاق، وكفر ونفاق، فيما بين أقاصي المغرب إلى أكناف العراق، ومرق عن الدين، وخالف أمير المؤمنين، وأخرب ثغور المسلمين، وقاتل فيها المجاهدين، بأهل الفسق من المخالفين، واستباح حرمهم، وسفك دماءهم، فلمّا تبيّن أمير المؤمنين أمره، وعرف كفره وغدره، تبرّأ إلى الله منه ولعنه لعنا ظاهرا، وأمر بلعنه ليلحقه ذلك من خواصّ الأولياء وعوامّ الرعايا. اللهمّ العنه لعنا يفلّ حدّه، ويتعس جدّه، ويجعله مثلا للغابرين، إنّك لا تصلح عمل المفسدين، يا ربّ العالمين.
[وفاة ابن طولون]:
ثمّ خرج أحمد بن طولون من دمشق إلى طرسوس، فبعث من المصيصة بوجوه من معه إلى يازمان الخادم يدعوه إلى طاعته وأمّنه، فلم يجبه.
فسار إليه وقد تحصّن بطرسوس، ونزل عليها بجيوشه في شدّة البرد. ثم رحل عنها بغير طائل، وأقام بأذنة. ثمّ سار منها [إلى] المصيصة فأقام بها أيّاما، وعرضت له علّته التي مات منها، وكان بدؤها من هيضة سببها أكله لبن جاموس استكثر منه.
فأغذّ في السير إلى مصر، والعلّة تزيد به حتّى بلغ الفرما. فركب في النيل إلى الفسطاط، وقدم يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبعين ومائتين. فأوقف بكّارا القاضي للناس وأمر بسجنه، ثمّ أطلقه في شعبان.
وتزايدت علّته فأمر الناس بالدعاء له فغدوا إلى مسجد ابن محمود بسفح المقطّم يوم الاثنين لستّ خلون من شوّال ومعهم القصّاص فدعوا له. ثمّ غدوا أيضا للدعاء. وحضرت اليهود والنصارى ناحية. وحضروا أيضا اليوم الثالث ومعهم النساء والصبيان. وأقاموا على ذلك أيّاما. فتوفّي أحمد بن طولون ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، وعمره خمسون سنة وشهر وثمانية وعشرون يوما، ومدّة إمارته بمصر ستّ عشرة سنة وشهر وسبعة وعشرون يوما.
وأحصي من قتله صبرا أو مات في حبسه فكانوا ثمانية عشر ألف إنسان. وخلّف عشرة آلاف دينار، وثلاثة وثلاثين ولدا. وبلغ خراج مصر في أيّامه أربعة آلاف دينار وثلاثمائة ألف دينار. وكان يتصدّق في كلّ أسبوع بثلاثة آلاف دينار سوى الراتب، ويجري على أهل المساجد في كلّ شهر ألف دينار. وأبيع القمح في أيّامه عشرة أرادب بدينار، والخبز ستّين رطلا بدرهم.
[شعر في ابن طولون]:
ولمّا بلغ المعتمد موت أحمد بن طولون اشتدّ وجده وجزعه عليه وقال [المتقارب]:
стр. 256
إلى الله أشكو أسى ... عراني كوقع الأسل
على رجل أروع ... يرى فيه فضل الرجل
شهاب خبا وقده ... وعارض غيث أفل
شكت دولتي فقده ... وقد كان زين الدول
[إذا أمّه القاصدون ... حباهم جميع الأمل]
وقال محمد بن داود يذمّه [السريع]:
يا راكبا تحدي به حرّة ... يجوب عنها النجب الجونا
عرّج على اليحموم فانزل به ... واسلح على قبر ابن طولونا [٨٩ أ]
وقل له: يا شرّ مستودع ... أودع خبّ القلب ملعونا
يا حفرة النار التي أضرمت ... وظلّ فيها الرجس مدفونا
لا تجعلي لبسة جثمانه ... إلّا الأفاعي والثعابينا
فعزّ إبليس به أوّلا ... وعزّ من بعد الشياطينا
وقل لهم: قد كان يكفيكم ... ويهتك المعروف والدينا
ثمّ مضى غير فقيد ولا ... كان حميدا عمره فينا
وقال أيضا [الطويل]:
مضى غير مفقود وما كان عمره ... سوى نقمة للخلق شنعاء صيلم
فقد زيد في اليحموم بالرجس لعنة ... ولم يسق بالمرجوس ترب المقطّم
ولم تبكه الأرضون لكن تبسّمت ... سرورا، ولولا موته لم تبسّم
يبشّره إبليس عند قدومه ... عليه بأحمى بقعة من جهنّم
لقد طهّر الأرضون من سوء فعله ... ومن وجهه ذاك الكريه المذمّم
فلا سقيت أجداثه صوب مزنة ... وأنّى، وفيها شرّ أولاد آدم؟
وقال أيضا لمّا بنى أحمد بن طولون مارستانه [الطويل]:
ألا أيّها الأغفال إيها تأمّلوا ... وهل يوقظ الأذهان غير التأمّل؟
ألم تعلموا أنّ ابن طولون نقمة ... تسرّع من سفل إليكم ومن عل
ولولا جنايات الذنوب لما علت ... عليكم يد العلج السخيف المجهّل
يعالج مرضاكم ويرمي حريمكم ... بكلّ حميش القلب أدهم أغول
فيا ليت مارستانه نيط باستة ... وما فيه من علج عتلّ مغلّل
فكم ضجّة للناس من خلف ستره ... تضجّ إلى قلب عن الله مقفل
وقال لمّا أنشأ ابن طولون الحصن بجزيرة الفسطاط، وفيه تحامل [البسيط]:
لمّا ثوى ابن بغا بالرقّتين ملا ... ساقيه ذرقا إلى الكعبين والعقب (١)
بنى الجزيرة حصنا يستجنّ به ... بالعسف والضرب، والصّنّاع في تعب
стр. 257
وواثب الجيزة القصوى فخندقها ... وكاد يصعق من خوف ومن رعب
له مراكب فوق النيل راكدة ... فما سوى القار للنّظّار والخشب
ترى عليها لباس الذلّ مذ بنيت ... بالشطّ ممنوعة من عزّة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا ... لكن بناها غداة الروع للهرب
وقال معدان (١) بن عمرو يمدح ابن طولون لمّا عزم على محاربة أبي أحمد الموفّق وفكّ أمير المؤمنين المعتمد على الله من إساره [البسيط]:
طال الهدى بابن طولون الأمير كما ... يزهو به الدين عن دين وإسلام
فإذا الجيوش من الفسطاط يقدمها ... فيه على الهول ماض غير محجام
في جحفل للمنايا في مقانبه ... مكامن بين رايات وأعلام [٨٩ ب]
يسمو به من بني سام غطارفة ... بيض، وسود أسود من بني حام
لو أنّ روح ابن كنداج معلّقة ... بالمشتري لم يفته أو ببهرام
حاط الخلافة والدنيا خليفتنا ... بصارم من سيوف الله صمصام
يا أيّها الناس هبّوا ناصرين له ... مع الأمير بدهم الخيل في اللام (٢)
حتى يرى السيّد المأمون ذبّكم ... عن الإمام بأطراف القنا الدامي
ليست صلاة مصلّيكم بجائزة ... ولا الصّيام بمقبول لصوّام
وقال منصور (٣) بن خليفة الهذليّ في ذلك أيضا [الكامل]:
يا غرّة الدنيا الذي أفعاله ... غرر بها بين الورى يتعلّق
أنت الأمير على الشآم وثغرها ... والرّقّتين وما حواه المشرق
وإليك مصر وبرقة وحجازها ... كلّ إليك فؤاده متشوّق
هتك الخلافة صاعد وخليله ... إسحاق، بغيا، والحسود الأخرق
أسيافنا بيض المتون فليتها ... بنجيع من خذل الإمام تخلّق
تمسي وتصبح ضاربا من دونه ... بمهنّد منه الحتوف تفرّق
يتلوك سعد والمقدّم تيتك ... واللاذقيّ، وذو الحفيظة يلبق
[بعض فضائل ابن طولون]:
وكان أحمد بن طولون حسن التزهّد شديد التقشّف. حدّث محمد بن الحسن اليمانيّ قال:
رأيت أحمد بن طولون فيما يرى النائم، وكأنّه في روضة خضراء، وعليه لبسة رائعة، وقد حسنت صورته، ويده تحت خدّه، وقد استشعر كآبة شديدة. فقلت له: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي وأمر بي إلى الجنّة. وذلك أنّه لمّا فارقت نفسي جسدي، ساقها سائق عنيف في موضع لا أعرفه، فاحتزت بجهنّم وقد فغرت فاها وخرج لسانها. فملت عن الطريق التي يسوقني السائق فيها، خوفا أن تلتهمني. وابتدرت امرأة حسنة الوجه عظيمة الخلق فقالت: لا بأس عليك يا أحمد! قد وهبك ربّك لي- ومشت بيني وبين
стр. 258
النار، فكنت أخاف أن تستلبنا جميعا وتحرقنا لعظم لسانها، حتّى بدرت امرأة أخرى فقالت:
ابشر يا أحمد برضا ربّك! - وصاحت وصاحبتها على النّار فخمد لسانها وبعد عنّا. فسرت وقد أمنت نفسي. فقلت للمرأة الأولى: من أنت؟
فقالت: أنا أمّ الجهاد بطرسوس، الشاكرة لمزيّتك في شدائدنا وعفوك عن جرائمنا.
وقلت للأخرى: من أنت؟
قالت: أنا الصدقة التي كنت تفرّقني يمينا وشمالا، وصباحا ومساء.
وانصرفتا عنّي وهما تقولان: لا تنس شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله.
ثمّ نادى مناد: أدخلوه من باب المغفرة! - فدخلت إلى هذا الموضع.
فقلت: فما هذه الكآبة العارضة لك؟
قال: هي استحياء من ربّي لما اقترفته من الآثام وأتيته من العظائم.
وحدّث أحمد بن دحيم أحد قوّاد أحمد بن طولون قال: رأيت أحمد بن طولون في النوم بعد موته، وهو في حال جميلة. فسألته عن حاله فقال لي: يا ابن دحيم، ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحتفر حسنة [يعملها] ولا سيّئة يأتيها: عدل بي عن النار إلى الجنّة بتثبّتي (١) على متظلّم إليّ عييّ اللسانشديد التهيّب فسكّنت منه وصبرت عليه حتّى قامت حجّته وتقدّمت بإنصافه. وما في الآخرة على [٩٠ أ] رؤساء الدنيا أشدّ من ترويع الحجّاب لملتمسي التظلّم والإنصاف.
وحدّث محبوب بن رجاء قال: رأيت فيما يرى النائم أحمد بن طولون في حال حسنة، وكأنّي
سألته عمّا لقي، فقال: غفر لي.
فقلت: مع عظيم ما اقترفته؟
قال: خفّف عنّي أنّ أكثر من أسأت إليه كان مستحقا من ربّه أكثر ممّا نزل به منّي، وإنّما كنت له عقوبة بعثها الله عليه. وإنّما البلاء في ظلم من لا ظلم له.
(قال) قلت: فمستقرّك في الجنّة؟
قال: ما استقرّ أحد في الجنّة ولا النار بعد، ولكنّه تلوح لي دلالة المغفرة.
[كرمه مع رعاياه وتقشّفه مع نفسه]:
وأطبقت جريدته من الموالي على سبعة آلاف رجل. ومن الغلمان على أربعة وعشرين ألف غلام. ومن الخيل الميدانيّة على سبعة آلاف رأس. ومن الجمال على ألف وسبعمائة جمل.
ومن بغال القباب والنقل ستّمائة بغل. ومن المراكب الحربيّة مائة مركب. ومن الدوابّ لركابه [على] مائة وثلاثين دابّة.
وأنفق على بناء الجامع ونفقته مائة وعشرين ألف دينار. وعلى المارستان ومشتغله ستّين ألف دينار. وعلى حصن الجزيرة ثمانين ألف دينار.
وعلى الميدان مائة وخمسين ألف دينار. وعلى مرمّات الثغور مائتي ألف دينار.
وكان قائم صدقاته ألفي دينار، سوى ما يطرأ عليه من النذور، وصدقات الشكر على تجديد النعم.
وراتب مطبخه وعلوفته في كلّ يوم ألف دينار، وما يجريه على أبناء الستر والمستخدمين سرّا، سوى ما كان يجريه من مال السلطان، خمسمائة دينار، وما يحمل لصدقات الثغور، في كل شهر ألفا دينار.
وحمل إلى بغداد في أربع سنين ممّا نقدت به
стр. 259
السفاتج ولم تظهر تفرقته ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار.
ولمّا فرّق أبو الجيش كسوة أبيه أحمد بن طولون في حاشيته لم يخل ثوب منها من إرفاء، ووجد في بعضها رقعة.
ووقع بدمشق وهو بها، حريق. فركب إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن، وعمرو، وأبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ كاتبه حتّى طفئ الحريق. ثمّ أمر بإخراج سبعين ألف دينار من ماله فرّقت فيمن احترق له شيء، وقبل قول من ادّعى تلاف شيء، ولم يحلّفه، يجري ذلك على يد أحمد بن محمد الواسطيّ بحضرة شيوخ دمشق، ففضل من المال فضلة صالحة، فأمر أحمد بن طولون بها ففرّقت على أصحاب الحريق بقدر سهامهم. ثمّ أمر بمال عظيم ففرّق في فقراء أهل دمشق وفقراء الغوطة والنواحي، فأقلّ ما نال الواحد دينار.
[حزمه وجدّه]:
وكان يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل افتقاده على نفسه، وتسامحه على حاشيته وقاصديه، فإنّه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم، ولا تفسد معه سرائرهم.
وكان قويّ الفكر كثير السهوة من استغراقه في أموره، حتى إنّه دعا مرّة بالطشت ليتوضّأ بالعتمة، ومدّ يده فأكبّ الغلام بالإبريق ليصبّ عليه.
وشخص أحمد بن طولون إلى الشمعة فلم يزل ممدود اليد، ناظرا إلى الشمعة، غائبا في فكر، والغلام [ينظر]، إلى أن أذّن المؤذّن لصلاة الصبح، فكأنّه انتبه، وقال: يا هذا، فاتتنا والله العتمة! - وسقط الغلام من قامته، وأقام عليلا مدّة.
وكان يحبّ فعل الخير. فاتفق أنّه انصرف مرّة من ناحية حلوان في يوم شديد الحرّ. فانفرد عن عسكره وحده، ومرّ على مسجد الأقوام وفيه خيّاط، وقد بلغ منه العطش مبلغا كبيرا. فقال: يا خيّاط، عندك ماء؟
فأخرج له كرّازا (١) وقال له: اشرب ولا تمدّ!
فتبسّم أحمد بن طولون وشرب ومدّ فيه حتى شرب أكثره. وناوله الكرّاز [٩٠ ب] وقال: يا فتى، سقيتنا وقلت: لا تمدّ فيه!
فقال: نعم، أعزّك الله، موضعنا منقطع، وأنا أخيط جمعتي حتّى أجمع ثمن راوية.
فقال: والماء عندكم معوز؟
قال: نعم.
فمضى أحمد حتّى [إذا] جلس في داره أحضر الخيّاط فقال له: صر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء. وهذه ألف دينار، خذها وابتدئ في الإنفاق.
وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير، وقال له: بشّرني ساعة يجري الماء فيها.
فلمّا كملت السقاية وجرى الماء، أتاه الخيّاط بشيرا. فخلع عليه وحمله واشترى له دارا ليسكنها وأجرى عليه الرزق السنيّ.
وكان في جملة أحمد بن طولون رجل فأعطاه برذونين. ثمّ أعطاه مرّة أخرى برذونين. فلزمه بسبب ذلك مؤونة، وكان متحمّلا. فاتّفق أنّ أحمد بن طولون سخط على شخص وقال لجماعة مجلسه: أريد [أن] أعاقب فلان [ا]، فإيش ترون أن أعاقبه؟
فقال صاحب البراذين: أيّد الله الأمير، ادفع
стр. 260
إليه برذونين، ثم اتركه مدّة وادفع إليه برذونين!
فضحك أحمد وأطلق له مؤونة البراذين.
وكان يركب بنفسه في كلّ جمعة ويتفقّد خزائن المارستان وما فيها والأطبّاء وينظر في المرضى وسائر الأعلّاء والمحبوسين من المجانين.
[فراسته]:
وكانت له فراسة صادقة. منها أنّه رأى رجلا في جملة النّاس فقال: ائتوني بهذا!
فأتي به فقال: أنت جاسوس! - وأمر بتقريره فأقرّ فساقه إلى السجن. فسئل: كيف عرفته؟
فقال: رأيته متّكئا وقد تدلّى من مئزره تكّة حرير أرمنيّ- ففتّشوه فوجدوه كما قال.
ونظر مرّة في البنّائين وقال: ائتوني بذلك!
فلمّا جاءه قال: أنت جاسوس!
فأنكر فعاقبه فأقرّ. فقيل: بم عرفته أيّها الأمير؟
قال: كلّما حمل قصريّة جير عاد إلى الماء وغسل يديه، فعلمت أنّه متصنّع وأنّ هذا ليس من عمله.
ولمّا بنى الجامع رأى الصنّاع يبنون إلى العشاء، وكان في شهر رمضان. فقال: [متى] يشتري هؤلاء إفطارهم لأنفسهم ولعيالهم وأولادهم؟ - وأمر بانصرافهم من وقت العصر.
فلمّا انقضى شهر رمضان، قيل له: قد انقضى الصوم، ويعودون إلى رسمهم من العمل إلى المغرب.
فقال: قد بلغني دعاؤهم وتبرّكت به. وليس هذا ممّا يوفّر علينا شيئا.
وصار هذا سنّة من بعده لمصر.
ولمّا فرغ من بناء الجامع تقرّب الناس إليه بالصلاة فيه. فصلّى فيه بكّار بن قتيبة القاضي.
وعمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ ﷺ من قوله: من بنى مسجدا، ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتا في الجنّة.
فلمّا كان أوّل جمعة صلّاها أحمد بن طولون فيه وفرغت الصلاة، جلس الربيع خارج المقصورة، وقام المستملي بين يديه، وفتح باب المقصورة، وأحمد بن طولون جالس، وغلمانه قيام وسائر الحجّاب حتّى فرغ المجلس. فتقدّم إلى الربيع غلام بكيس فيه ألف دينار وقال: يقول لك الأمير: نفعك الله بما علّمك! وهذه لابنك أبي طاهر.
[مواجهته للموفّق]:
وكان قد زاد البعد فيما بينه وبين أبي أحمد طلحة الموفّق بالله: وذلك أنّ أمير المؤمنين المعتمد على الله أبا العبّاس أحمد ابن المتوكّل جعل أخاه الموفّق وليّ عهده من بعد المفوّض لله ابن المعتمد. وجعل غرب المملكة للمفوّض وشرقها للموفّق، وحلّفهما على ذلك. وكان الموفّق يحسد أخاه المعتمد ولا يراه أهلا للخلافة.
فشقّ عليه تقديم المفوّض في العهد. وتشاغل المعتمد بكثرة اللعب حتّى اختلّت المملكة وانفرد كلّ عامل بما يتقلّده.
وكان فيما كتب بين الموفّق والمفوّض أنّه ما حدث في عمل كلّ منهما من حدث كانت النفقة عليه من مال الخراج قسمة. فاستخلف المفوّض على قسمه موسى بن بغا. وانفرد الموفّق بقسمه.
وتقدّم إلى كلّ منهما ألّا ينظر في عمل صاحبه [٩١ أ]. وأفرد الموفّق لمحاربة [عليّ بن محمّد] صاحب الزنج [المعروف بعلويّ البصرة] وأخرج لمحاربته. فلمّا كبر أمره وطالت مدّة محاربته انقطع [ت] موادّ [خراج] الشرق عن الموفّق، وتقاعد الناس عن حمل المال. فدعت الضرورة
стр. 261
الموفّق أن كتب إلى أحمد بن طولون في حمل مال يستعين به- هذا ومصر ليست من عمل الموفّق، وإنّما هي من عمل المفوّض وخليفته موسى بن بغا- إلّا أنّه شكا في كتابه إلى ابن طولون شدّة حاجته إلى المال فيما هو بسبيله. وبعث بحمل المال من مصر نحريرا خادم المتوكّل. فورد في عقب كتاب الموفّق كتاب أمير المؤمنين المعتمد يأمر فيه ابن طولون بحمل المال إليه على رسمه مع ما جرى الرسم بحمله مع المال في كلّ سنة من طراز تنيس ودمياط والقيس والبهنسا، ومن الرقيق والخيل والشمع وغيره. وكتب سرّا: إنّ الموفّق لم ينفذ نحريرا إليك إلّا عينا عليك ليستقصي أخبارك، وقد كتب إلى عدّة من أصحابك، فاحترس منه واحمل المال إلينا [لئلّا] تقوى يد الموفّق به، وعجّل إنفاذه.
فاحترس ابن طولون على نحرير ومنعه من الركوب، ولم يمكّنه من الخروج من داره إلى أن أخرجه من مصر، وتلطّف حتّى أخذ منه ما معه من الكتب، وسيّر معه ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، مع ما جرى به الرسم في الحمل. وسار معه حتّى أوصله إلى العريش وسلّمه بما معه إلى ماجور صاحب دمشق. وأشهد عليه بذلك العدول الذين أخرجهم معه من مصر، وعاد.
فنظر في الكتب، فإذا هي لجماعة من قوّاده يضرّبهم الموفّق عليه ويستميلهم عنه إليه. فقبض على أرباب الكتب وعاقبهم حتّى هلكوا. فلمّا وصل المال إلى الموفّق استقلّه، وكتب إلى ابن طولون يقول إنّ الحساب يوجب أضعاف هذا المال- وبسط لسانه، والتمس فيمن معه من يقلّده مصر عوضا عن ابن طولون. فلم يوافقه أحد على ولاية مصر لكثرة مداراة ابن طولون وحسن تلطّفه بوجوه أهل الدولة.
ولمّا وقف على كتاب الموفّق قال: وأيّ حساب بيني وبينه؟ أو حال توجب مكاتبتي بهذا؟ - وكتب إليه (١): وصل كتاب الأمير أيّده الله وفهمته. وكان- أسعده الله- حقيقا بحسن التخيّر له في اختياره مثلي، وتصييره إيّاي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه الذي يصول به، وسنانه الذي يتّقي الأعداء بحدّه، لأني دأبت في ذلك، وجعلته وكدي، واحتملت الكلف العظام، والمؤن الثقال لاستخدام كلّ موصوف بشجاعة واستدعاء كلّ منعوت بغناء وكفاية، بالتوسعة عليهم وتواصل الصلات والمعاون لهم، صيانة لهذه الدولة، وذبّا عنها، وحسما لأطماع الشانئين لها، والمنحرفين عنها. فكان من هذه سبيله في الموالاة ومحلّه في المصانعة حريّا أن يعرف له حقّه، ويوفّر من الإعظام قدره، ومن كلّ حال جليلة حظّه ومنزلته.
فعوملت بضدّ ذلك من المطالبة بعمل ما أمر به، وجفاء في المخاطبة، بغير حال توجب ذلك. ثم أكلّف على الطاعة جعلا، وألزم في المناصحة ثمنا! وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من طاعته أن يستدعيه بالبرّ والإعطاء والإرغاب والإرضاء والإكرام، لا أن يكلّف ويحمّل من الطاعة مؤونة وثقلا. وإنّي لا أعرف السبب الذي يبيح الوحشة ويوقعها بيني وبين الأمير أيّده الله، وما ثمّ معاملة توجب مشاجرة أو تحدث منافرة، لأنّ العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى سواه، ولا أنا من قبله: فإنّه والأمير جعفر المفوّض أيّده الله قد اقتسما الأعمال، وصار لكلّ واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه أنّه من [٩١ ب] نقض عهده أو خفر ذمّته ولم يف لصاحبه بما أكّد على نفسه، فالأمّة بريئة منه ومن تبعته، وفي حلّ وسعة من خلعه.
стр. 262
والذي عاملني الأمير به من محاولة صرفي مرّة وإسقاط رسمي، وما يأتينيه ويسومنيه، ناقض لشرطه مفسد لعهده. وقد التمس أوليائي وأكثروا الطلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه، فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، وصبّرت نفسي على أحرّ من الجمر، وأمرّ من الصبر، وعلى ما لا تتّسع له الصدور. والأمير، أيّده الله، أولى من أعانني على ما أؤثره من لزوم عهده، وأتوخّاه من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف، وكفّ الأذى والمضرّة، وأن لا يضطرّني إلى ما يعلم الله كرهي له، [و] إلى أن أجعل ما أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن الخطوب، مصروفا إلى نقضها. فعندنا في حيّزنا من ولد رسول الله ﷺ من يرى أنّه أحقّ بهذا الأمر وأولى من الأمير. ولو أمنوني على أنفسهم، فضلا عن أن يرجعوا مني إلى ميل [لهم] أو قيام بنصرتهم، لاشتدّت شوكتهم ولصعب على السلطان معاركتهم. والأمير يعلم أنّ بإزائه منهم واحد [ا] قد كبر عليه، وفضّ كلّ جيش أنهضه إليه، على أنّه لا ناصر له إلّا لفيف البصرة وأوباش عامّتها. فكيف بمن يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا؟
وما مثل الأمير في أصالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له فيجعلها عدّة عليه، بغير ما سبب يوجب ذلك! .
فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به وأولى، وإلّا رجوت من الله كفاية أمره، وحسم مادّة شرّه وإجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا، والسلام.
[تهديده باستقلال مصر عن الخلافة]:
فلمّا وقف الموفّق على هذا الكتاب، أقلقه قلقا شديدا وألزم موسى بن بغا بصرف أحمد بن طولون وتقليدها ماجور. فلم يرض ماجور.
فخرج موسى يريد أن يدوس عمل المفوّض ليحمل منه الأموال ويتسلّم مصر من أحمد بن طولون، فمات بالرقّة، فكتب أحمد بن طولون إلى الموفّق: قد عجزت عن رضا الأمير أيّده الله، وكلّما تقرّب [ت] إليه بعدت نيّته. ولا أعرف لذلك سببا إلّا نصيحتي وخالص طويّتي وكفايتي ونصرتي لأمير المؤمنين. وبحضرتي من ولد رسول الله ﷺ من يرى نفسه لهذا الأمر أهلا وبه أحقّ. وقد جمع مع هذا السّتر والسماحة والولادة من رسول الله، والعلم والشجاعة والطهارة. وقد حدّثته نفسه بالنهوض لولا ما يتّقيه من جهتي، وكفّي له. والأمير يعلم أنّ دعيّا قام بالبصرة في أوباش، وليس وراءه من يعينه مع قرب داره، قد أتعبه هذه السنين، وأنفق عليه بيوت الأموال، وأفنى الرجال، وهو على حاله وأفعاله إلى يومنا هذا. فكيف يعمل إن قام في ناحيتي من يدلّ بصحّة نسبه، وحسن سيرته، وكثرة علمه، ووراءه وجوه الناس، مع بعد داره، وأنا من ورائه أعينه بالرجال والأموال، وأسدّده بالرأي وقوّة الحال؟
فإن كفّ الأمير عنّي أذاه، وإلّا جعلت بلدي بلد خلافة! وإنّما يوقفني عن ذلك رعاية حقّ أمير المؤمنين وحسن عهده.
فغاض هذا الموفّق وقال: من يعمل لي في إشعال قلب ابن طولون؟
فسرقت نعله من أحد بيوت خلواته التي لا يدخلها إلّا حظاياه وثقاته. فلمّا وصلت النعل إلى الموفّق بعثها إلى ابن طولون وقال [٩٢ أ] له الرسول الذي أحضرها: يقول لك الموفّق: من
стр. 263
قدر على أخذ هذه النعل من الموضع الذي تعرفه أليس هو قادر [ا] على أخذ روحك؟ وو الله لقد قام عليه أخذه هذه النعل بخمسين ألف دينار (١).
فعند ذلك خاف أحمد بن طولون وبني حصن الجزيرة ليحصّن به حرمه وأمواله.
[شيء من أخباره]:
ووقف له رجل [ينتحل التصوّف] وقد انصرف من صلاة الجمعة، فقال: أيّها المسرف على نفسه، المتمرّد على ربّه! فقد أرعيت أصحابك دينك وأفرشتهم أمانيك، وأخفت الناس خوفا منعهم من صدقك. وأنا لسان جماعاتهم إليك.
فأمر بالقبض عليه، وإحضار شيوخ مصر ووجوهها، وكانوا متوافرين. فلمّا حضروا وافى كاتب خبر السرّ برقعة يصف فيها قول الرجل المذكور. فقرأها عليهم أحمد بن أيمن (٢) الكاتب. ثمّ قال لهم أحمد بن طولون: ما هذا الذي أنكرتموه، ولم تصبروا عليه [حتّى أوفدتم الصوفيّ إليّ؟ ].
فحلفوا أنّهم ما أنكروا له فعلا، ولا بعثوا إليه أحدا. فأحضر الرجل وقال: أليس ذكرت أنّ أهل البلد نصبوك للقول فيما أنكروه؟
فقال: نصبني لهذا المظلوم والمقهور ومن مسّه جور أصحابك وسوء رعايتهم.
فقال له: لست أعجل عليك. أخبرني: ما اتّضح لك إنكاره؟
قال: لي ثلاثة أيّام أتجسّس عن بعض أصحابك وأتلطّف له حتى وقفت على امرأة طبّالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده.
واشترى رجل من أصحابك غلاما [أمرد
فنصب] له طرّة، وعمل له قرطقا ولبّسه أثوابا لا يسمح بها إلّا فاسق.
فقال له أحمد بن طولون: أمّا أنت، فقد دللتنا على عورتك وأعلمتنا أنّ التجسّس المنهيّ عنه، والظنّ السّيّئ الذي يعدّ أكثره في الآثام قد ينهاك على ما أردت الله به، ولله ستر على خلقه لا ينهتك بما التمسته. وأنا أرى أنّك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب. ولعلّ دخائلك الرديئة أوضح من دخائل من سفّهته واستعنت عليه بما لا يجوز لمتديّن أن يتسبّق به في قطع الحكم على أحد من الناس.
فقال رجل ممّن حضر: أيّها الأمير، إنّ هذا الرجل رام أن يترأّس الدنيا بالكذب علينا. وأنا أشهد- وعدّة من المسلمين- أنّ منزله الذي يسكنه غصب، وأنّ طعمته من إخافة بعض من بعض جاهه من ذوي اليسار (٣).
فعجّ الحاضرون بتصديقه. فأمر بضربه مائة سوط وطاف به على جمل.
واستدعى مرّة عبد الله بن القاسم كاتب ابنه العبّاس، بعد مضيّ ثلث الليل. فوافاه وهو مذعور، حتى دفع إلى بيت مظلم. فقيل له: سلّم!
فقال: السلام على سيّدنا الأمير الأجلّ ورحمة الله وبركاته.
فقال أحمد بن طولون [من داخل البيت، وهو في الظلام]: وعليك السلام. لأيّ شيء يصلح هذا البيت؟
فقال: للفكر.
قال: ولم ذاك؟
قال: لأنّه ليس فيه شيء يشغل الطرف.
стр. 264
فقال: أحسنت! بارك الله عليك! امض إلى العبّاس وقل له: اغد عليّ، وامنعه من أكل شيء- وكان العبّاس قليل الصبر على الجوع.
ففعل. وركب العبّاس، وكان يوم خميس، فجلس وأبطأ السلام حتى اشتدّ بالعبّاس الجوع.
ثمّ خرج السلام ودخل العبّاس إلى أبيه فوجد المائدة بين يديه. فدعاه وقدّم إليه سماني (١) كردناج. فانهمك العبّاس لفرط جوعه فأكل من صغائر الأطعمة حتّى شبع، وأحمد بن طولون متوقّف حتى جيء بدجاج فائق وبطّة صغيرة، مبزّر وغير مبزّر. فأخذ يأكل منها، ووضع بين يدي العبّاس فلم يجد فيه مساغا له. فقال له: يا عبّاس، لا تلق همّتك على صغائر الأمور فتفشل عن كبارها ولا يكون فيك موضع لما يجلّ قدره ويحسن موقعه. وهذا نظير تشاغلك [٩٢ ب] بالسّمانى عن الفائق وطيّب الطعام.
واعلم أنّه لا يتّصل بي أنّك أخذت على حاجة أقلّ من خمسمائة دينار لا يجد صاحبها مسّا منها ولا إجحافا عليه إلّا غضبت عليك ونلت كاتبك بغليظ العقوبة. ولا تستدع البرّ على الحوائج، ولكن أقمه مقام الهديّة التي تقبلها إن جاءتك عفوا، ولا تقتضيها إن تأخّرت عنك وتكافئ عليها بأحسن منها. فإنّ أعظم الفقر فقرك إلى رعيّتك. وإنّما أردت بحضورك اليوم معاتبتك.
[يقظته إزاء أعدائه]:
وكان له صديق بسرّمن رأى. فلمّا استقرّت أحواله بمصر كتب إليه يسأله زيارته، ورغّبه في ذلك. فأجابه: «إنّ السفر ثقل عليّ». فلمّا تباعد ما بين أحمد بن طولون وبين أبي أحمد الموفّق،
ورد كتاب صديقه يذكر شوقه ويستأذن في الزيارة، فأذن له. وكتب إلى طيفور خليفته بالحضرة يأمره بالسؤال عن حال الرجل ومنزلته، وإلى من ينقطع. فلم يكن بأسرع من موافاة الرجل. فأخرج إليه عدّة من الوجوه يتلقّونه، ودخل مكرّما مبجّلا، وأنزله في الميدان وأعدّ له جميع ما يحتاج إليه. وتلقّاه، وأخذ يحادثه إلى أن صلّيت العتمة.
ثمّ صرفه إلى داره التي أعدّت له، ومعه طائفة من أصحابه وحجّابه.
فما بعد عنه حتّى قال لخاقان الطرسوسي:
سلّمه إلى مفلح، واقبض على رحله ومن معه بحيث لا يفوت شيء منه، ففعل ذلك. وكان من عادته إذا فعل شيئا يتوهّم فيه إنكار الناس عليه، اعتذر عنه. فقال لأصحابه: استدعيت هذا الرجل، وحاله ضعيفة، وقربه حسنة، فتشاغل عنّي. فلمّا كان في هذا الوقت، سألني الإذن بالشخوص إليّ فأجبته إلى ذلك. فكتب إليّ طيفور أنّه قد حسنت حاله وكثر نشبه وزاد من السلطان محلّه، فاثرت مشاهدته لأنّي قدّرت أنّ الموفّق دسّه إليّ في حسن السفارة فيما بيني وبينه حتّى يصلح ما تشعّث بيننا. فلمّا حضر لم يدع للموفّق حسنة ورماه بكلّ قبيح. ورأيت صورته قد انقلبت إلى الشّر، وما أشكّ أنّ معه ما يصدّق سوء ظنّي فيه.
ثمّ أحضر غلامين كانا مع الرجل وتهدّدهما على صدقه في كتب إن كانت معه، فأحضرا سفطا (٢) فيه ثمانون كتابا من الموفّق إلى وجوه القوّاد وإلى غلمانه يعدهم بتقليد البلدان الخطيرة والجوائز السنيّة إن فتكوا به. فقبض الكتب وأهلك الرجل بهذا السبب.
стр. 265
ونزل في أيّامه بحارة الخراسانيّين شابّ من أهل بلخ حسن الصورة، فصيح اللسان، حافظ للقرآن والسنن، فأمّ في مسجد ولزمه أهل الحارة في كلّ عشيّة لكثرة فوائده، ورقّة مواعظه، وحسن تلاوته، وتوزّعوا له من بينهم ما يكفيه. فبينا هم جلوس معه في عشيّة إذ طلع عليهم كهل من الخراسانيّة وفي يده خنجر وعليه لباد. فلمّا رآه إمام الحارة قام وهرب. فعدا صاحب اللباد في أثره وقتله بخنجره، فقبض الجماعة عليه وقادوه إلى ابن طولون. فقال له: ما الذي حملك على قتله؟
قال: أصلح الله الأمير: كان هذا جاري ببخارى. فدخلت يوما منزلي فوجدته مفترشا زوجتي ففزعت إلى السيف وقطعتها به، وهرب منّي. وشهر أمري، وطلبه السلطان وأطلق لي قتله فلم أجده. وأخبرت بخروجه من بخارى فتركت كلّ ما أنا بسبيله ببلدي وطلبته. فكنت لا أدخل بلدا إلّا قيللي: «قد رحل»، إلى أن دخلت مصر فوجدته وأخذت بثأري، وما أبالي متى قتلت بعده.
فسأل أحمد بن طولون عن المقتول من الجماعة فأخبروه بخبره إلى أن قالوا له: «هرب منه ساعة [٩٣ أ] رآه». فقال للقاتل حينئذ: كثّر الله في الرجال مثلك! انصرف مكلوءا محفوظا.
فمضى من عنده إلى بلده.
[لجوءه إلى التجسّس]:
وقال مرّة لرئيس السّعاة: قد خفي عليّ أمر فلان- عن رجل من الأتراك- ولم أقف منه على خبر قطّ، حتّى كأنّه ببلد آخر. ومن العجب أن يضبط هذا نفسه على ما أعلمه من نقص عقله؟
فقال الساعي: قد عاينت أمره فوجدته يركب إلى دار الأمير ويؤخذ له حوائج مطبخه وما يحتاج إليه سائر يومه. فإذا رجع أغلق الباب ولم يفتح إلى الوقت الذي يركب فيه إليك.
فقال أحمد بن طولون: أريد أن أعلم ما يعمل في منزله سائر يومه.
فمضى الساعي وأخذ دارا تلاصق دار التركيّ وأظهر أنّه يريدها لقادم من الأولياء، فإذا هي تشرف على دار التركيّ. وعاينه فوجده يأكل في مجلس بقاعة ثمّ تسبل الستور فينام إلى وقت العصر. ثمّ يفرش له حصير عليه فرش في قاعة الدار. ويجلس ومعه جارية، وليس معهما ثالث، وتوضع بين يديه صينيّة وبين يديها صينيّة، وتأخذ عودا فتغنّيه أحسن غناء وتشرب أجمل شرب حتى [إذا سكر] (١) خلط في كلامه وقال للجارية: يا فلانة، خلا أحمد بن طولون في هذا الباب يلعب فيه.
فقالت له: دعنا من هذا! اسمع يا سيّدي هذا الصوت الطيّب! - وأخذت فيه. فلم ينثن، وقال لها: ويحك! في عنقي بيعة للخليفة، وليس يحلّ لي أن أمسك، وإنّ عزمي أن أضرب أحمد بن طولون في مقتله بخنجر، ولا أبالي أن أقتل بعده.
فإنّني كنت أدخل الجنّة ويدخل النار. يا جارية، هو والله عاص!
فقالت له: يا سيّدي، دعنا من هذا، واشرب ما في هذا الطاس على هذا الصوت الطيّب!
وغنّت فشرب الطاس. وزاد أمره فأخرجه الغيظ من أسر التحفّظ وقال: افتح الباب حتى أخرج إلى هذا العاصي، فإما أن يقتلني وإما أن أقتله.
فزادت الجارية في مداراته، ولم تزل تقبّله في
стр. 266
فمه ورأسه حتى نام، والساعي يكتب كلّ ما سمعه من كلمة صدرت عنه. ثمّ بكّر بالغداة إلى أحمد بن طولون ووضع الورقة بين يديه. فلمّا قرأها ضحك ساعة وتغيّظ أخرى. وأمسك حتى دخل إليه، فلمّا حاول القيام مع نظرائه قال له:
اجلس! - فلمّا لم يبق أحد قال له: أسأت إليك؟
قال: لا والله يا مولاي.
قال: ألم أوال أرزاقك وأدرّ إحساني إليك؟
قال: نعم يا سيّدي.
قال: فإيش هذا الذي تقوله على النبيذ؟ قلت البارحة كذا وكذا، وما زالت جاريتك تسكتك وما تسكت.- وتلا عليه ما كان في الرقعة.
فرفع التركيّ رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ، قدّمته علينا في المرتبة، وجعلت أرزاقنا تحت يده، فرضينا. فإيش كان هذا الكلام تفضّحت له به؟
فضحك أحمد بن طولون على شدّة وقاره ضحكا استحيى منه. ثمّ أخرجه إلى طرسوس.
[حنكته العسكرية]:
ولمّا شخص إلى طرسوس في سنة خمس وستّين ومائتين، ونابذه أهلها، ركب في أصحابه وقال لهم: لا تنابذوهم، وانهزموا عنهم!
ففعلوا. وقال له بعض قوّاده: إنّك كسرت قلوبنا عن منابذتهم، وليس بنا ضعف؟
فقال له: ويحك! إنّه لم يخف عن متملّك الروم العدّة التي دخلت فيها طرسوس، وما هي عليه من القوّة والنجدة. فأحببت أن يستقرّ عنده أنّنا نضعف عنهم ولا نقاومهم بما أظهرته من توقّفكم عنهم. وعزّهم فهو لله، وعزّكم فهو لي، وأنا أحرى به.
واتّفق له لمّا كان بطرسوس أنّه اجتمع فيها برجل كان يعرفه قديما، ممّن خرج عن نعمته فصار يعمل الحزم ويقتات منها ويرابط. فقال له:
ما الذي أنكرت من ربّك حتى شردت عنه هذا الشرود؟ واعلم أنّك مع تباعدك عنه لم تخرج عن قبضته. فارحم نفسك من [٩٣ ب] تحميلها ما لا تحتمل، فإنّ جدّه يمحّص هزلك، وأدلّته تحيل خدعك. ولا تستكثر من هذه الدنيا ما لا يخفّ حمله معك إذا دعاك. واعلم أنّك مردود إلى الله بعملك وحده، وأنّ ما غادرته متخلّف عنك- وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء.
ثمّ التفت الرجل وقال لرجل كان مع أحمد:
[أ] ما ترى الناس كيف يتضوّرون تحت الأقدار العلويّة؟
ثمّ رفع يده إلى السماء وقال: اللهمّ، انصره ورشّده وارحمه من سخطك عليه! انصرف في حفظ الله وكلاءته، فإنّني أخاف أن تغريني بحبّ الدنيا وطاعة الشهوات. فلست أنساك عند ذكري لك إن شاء الله.
وكان مع أحمد كاتب السرّ فكتب كلّ ما نطق به الزاهد.
وكان أحمد بن طولون إذا أراد إنفاذ أحد في رسالة أمر كاتب السرّ بتحرير تلك الرسالة. فإذا حضر الرسول ليودّعه قال له: ما الذي تقول لمن وجّهت [ك] إليه؟
فإذا أدّاها كما تحرّر أنفذه، وإن قصّر عنها حبسه واستبدل غيره.
وكان أكثر مبيته في قبّة الهواء وحده بغير حرمه. فيمضي الليل وهو جالس يفكّر. فقال له نسيم الخادم: إنّ سيدي الأمير لا ينام إلّا قريبا من الفجر، وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم.
فقال له: ويحك! إني حملت أهل هذا البلد
стр. 267
على خطّة عظيمة. ولو استوفيت نومي لما كان في دور هذا البلد أحد نائما.
وقال مرّة لأحمد بن أيمن: اطلب لي رجلا صادق اللهجة، ذكيّ الروح، صحيح التمييز.
(قال): فأحضرته فتى من أبناء الكتّاب فأسرّ إلى الخادم بما لا أعلمه، وانصرفت. وخفي عنّي خبر الرجل حتى مضى شهر. فجاءني مسلّما عليّ وقال لي: أنت مع رجل بعيد الغور لطيف الحسّ.
فسألته عن خبره فقال لي: لم يشافهني ولم يكلّمني بحرف حتى بعث بي إلى المطبق. فدخلته حائرا. واجتمع عليّ من في الحبس من الكتّاب والقوّاد وقالوا: ما خبرك؟
فقلت: والله ما لي سبب.
فأكذبني بعضهم. وصدّقني آخرون، لشدّة انحرافهم عن الأمير. ثمّ أخرجني وأجلس رجلا من ثقاته خلفي وأمره أن يكتب كلّ ما أتكلّم به.
وسألني عمّا قال رجل من المحبسين عند دخولي، وأنا أصدقه، فلم يدع شيئا يحتاج إلى علمه إلّا سألني عنه، وأجبته بحقيقة. ثمّ أخذ الذي كتبه ثقته وأعاد سؤالي ونظر إلى الكتاب فأجبته بذلك الجواب بعينه. فلمّا رأى اتّفاق القولين دفع إليّ مائتي دينار، وصرفني إلى منزلي. وو الله ما طلب إلّا أن أكون له صاحب خبر من حيث لا أعلم.
وكان أحمد يخلو في دير القصير (١) لإعمال رأيه، ويأنس براهب فيه كان حسن العقل يقال له أبو ندونة. فشكا إليه مرّة رهبان الدّير من ابن المدبّر لمّا كان يتقلّد الخراج أنّه يطالبهم بجزية رءوسهم، وكانت أسقطت عن الرهبان. فكتب إليه بإعفائهم، ثمّ قال لهم: لا تجعلوا توقيعي هذا مثل السيف الذي يصول به صاحبه، ولكن
استعملوا المداراة والاستكانة في إيصاله.
وأظهروه بعد ذلك!
فبلغ ابن المدبّر أنهم قد لقوا أحمد بن طولون، فما أحوجهم إلى إظهار التوقيع.
وكان قد أقام عدّة من أصحاب الأخبار يرفعون إليه رقاعا تكون سببا لاستصفاء نعم الناس وقتلهم. فكان أحمد إذا رفعت إليه الرقعة الشنيعة حفظ معناها وتقدّم بإبادة من رفعت فيه، ثمّ يأمر نسيم الخادم بتحريقها ولا يثق بغيره في ذلك.
فسعى أصحاب الأخبار في إفساد منزلته عنده لأنّه كان حربا لهم، وإذا رأى أحدا منهم لعنه جهارا. وصاروا يكتبون المرافعة في رقعتين متشابهتين، فإذا رفعوا واحدة وعلموا أنّ نسيما قد حرقها، رجعوا إليه بالأخرى وقالوا: «كيف لم تحرق هذه؟ » ويوهمو [ن] هـ أنّه أغفلها ليتقرّب بها إلى من رفعت فيه. وأحضروا منها رقعة إلى أحمد [٩٤ أ] بن طولون فخاف نسيم وحلف لأحمد بن طولون في خلوة أنّه ما أغفل تحريق رقعة يأمره بتحريقها، ولكنّ هؤلاء القوم يحتالون في إسقاط منزلتي منك. فقال أحمد: قد علمت أنّها حيلة منهم عليك لأنّ لي في الرقاع التي آمر بتحريقها علامة: وهو إدخال سبّابة يميني فيها حتى ينخسف موضع منها أعرفه. ولم أدفع إليك هذه الرقعة قطّ لأنها سليمة من علامتي. وصناعتهم رديئة، وليس يصلح لها إلّا شرار [الناس] ولا ينفذ فيها خيّر (٢).
وأقام أيضا رجلا يتبع من هرب ويفتّش عمّا استصعب وجوده، وكان يجد في ذلك أكثر ما يريد.
[مثال من دهائه]:
وكتب إليه طيفور خليفته بالحضرة: إنّ رجلا
стр. 268
من الموالي لا يجري ذكرك بحضرته في مجلس الموفّق أو غيره إلّا بسط لسانه فيك وحرّض عليك- فكتب إليه: قد وجّهت إليك كتابا يصل إليه من يدك. فأوصله سرّا من جميع الناس مع ما حملته إليك لتوصله إليه، ولا يقف عليه أحد! - وكان الكتاب يصف فيه شوقه إليه ويتطلّع إلى معرفة خبره، وأنّه قد كان منذ مدّة طويلة يطلب رجلا يعتمد عليه بالحضرة لمهمّاته، فعسر ذلك عليه خوفا أن ينكشف أمره فيتعذّر عليه ما يحتاج إلى معرفته من جهته. [وقال]: فلمّا بلغني مقالاتك فيّ، وبسط لسانك بذكري بما يسرّ العدوّ ويغمّ الصديق، علمت أنّه بهذه الحالة يتمّ لي منك ما أحبّه، وتيقّنت أنّ [هـ] بمودّتك ورجوعك إليّ يبلغ كلّ منّا غرضه. وقد أنفذت إليك ما أستميل به قلبك وأرغب فيه بمؤاخاتك ومسالمتك، فقد قال رسول الله ﷺ : «تهادوا تحابّوا! »، وقال عليّ ﵇: «الهديّة عطفة القلوب». وقد وجّهت إليك بما جعلته هديّة إليك: ألفي دينار تصرفها في بعض مهمّاتك. ولن أقطع مواصلتك بحسب ما أقف عليه من خلوص طويّتك وصحّة نيّتك. فلا تخلني يا أخي من ذكر أحوالك حسّنها الله، فتكاتبني بجميع ما أحتاج إلى علمه. فإنّ الذي تأتيه من ذلك يغيب ويستتر عن الخلق كلّهم لما يعرفونك به من الانحراف عنّي، ولا تقطع ذكرك لي بما جرت به عادتك فيّ، بل تزيّد في الطعن عليّ وثلبي، فإنك تبلغ لي بذلك ما أحبّه في قضاء حوائجي وتسرّني بما تأتيه فيه إن شاء الله.
فلمّا وصل الكتاب والمال، دعا وشكر، وصار من أخصّ أصحاب أحمد بن طولون يكاتبه بجميع ما يجري في دار الموفّق ودار المعتمد وسائر البلد بما يحتاج إلى علمه. واستتر أمره مدّة طويلة عن أصحاب أخبار الموفّق. ثمّ انكشف أمره للموفّق فأحضره وضربه بالسياط ورماه بالمطبق فأقام فيه أيّاما ومات. فانتفع به أحمد بن طولون ثم استراح منه بأهون سعي.
[زهادته في اللذات]:
وكان عند أمّ ولده جوار أهدين إليه ما رأت أحسن منهنّ ولا أجمل فشوّقته إليهن بحسن الصفة لهنّ. فذكر لها شغل قلبه عن ذلك. ثمّ دخل إليها بعد ليال فتبيّنت منه انشراح صدر وطيبة نفس.
فذكرتهنّ له، فقال: اعرضيهنّ عليّ! - ففعلت.
فنظر إلى الأولى وقال: حسنة والله! - ثمّ أحضر بعض الخدم وقال: امض بها إلى غلامي فلان وقل له: بحياتي عليك، اطلب منها الولد!
ثمّ لم يزل يفعل ذلك بواحدة واحدة حتّى استوفى عدّتهنّ منها. فتبيّن الغيظ في وجهها.
فضحك وقال: أراك مغيظة؟
فقالت: يا مولاي، آثرت بمثل هؤلاء، المتعذّر وجدانهنّ، غلمانك على نفسك!
فقال لها: يا ويحك! قد ارتفعت رغبتي في النكاح وما شابهه، وصارت رغبتي الآن في حراسة دولتي. وغرضي [٩٤ ب] ورأيي ضبط نعمتي (١).
ومن اضطرّ إلى من يظافره على أمره سلك هذا المسلك وآثر هذا الإيثار. وهؤلاء الغلمان هم عدّتي، وينسبون إليّ انتساب الأبناء إلى الآباء، وشهواتهم مقصورة على الأكل والشرب والنكاح.
فأنا أؤثرهم بما يحبّون وأرتفع عنه، كما أنّهم يؤثرو [ن] ني في أوقات المضايق على نفوسهم فيبذلون دوني مهجهم.
فقالت: وفّق الله الأمير!
فقال لها: اعلمي أنني أجد في فهم الرجل عنّي وإفهامه إيّاي من الالتذاذ أكثر ممّا يجد مجامع
стр. 269
الحسناء من لذّة جماعها، وحسبك!
فدعت له وانصرفت.
وقال مرّة: أنا أرى أن أدفع بمالي عن رجالي، وبرجالي عن نفسي. وما في الأرض أبغض إليّ ممّن يزيد ماله على فعاله، وحالته على كفايته.
واستكتب كاتبا فقال له: إنّي جعلتك صاحب خبر على لفظي، فانظر كلّ ما يجري بيني وبين من يخاطبني من الناس من صغير وكبير، فاكتب خطابه وجوابي له واعرضه عليّ! - وكان يراعي ذلك أشدّ مراعاة.
وقال أبو جعفر ابن عبدكان: كنّا ننشئ الكتب إلى السلطان وغيره وإلى العمّال، فيرد في الأجوبة غير ما صدرت به الكتب إليهم. فذكرت له ذلك، فضحك وقال: هذه أجوبة عن أشياء أضمّنها أنا في الكتب ولا أطلعكم عليها.
ولم يكن كتّابه يختمو [ن] كتابا ولا يحرّرو [ن] نسخة حتى تعرض عليه، فإن ارتضاه أمضاه، وإلّا أمر بإصلاحه.
[حذره من الجواسيس]:
ونظر مرّة شيخا في جملة من ينظر إليه وهو راكب في جيشه. فأمر بالقبض عليه [وإحضاره] وما زال به حتّى اعترف أنّه صاحب خبر عليه من الموفّق، وأنّ معه كتب الموفّق إلى القوّاد وغيرهم.
فسئل عن ذلك فقال: رأيت هذا الرجل في وسط الناس، وهو مشغول بالنظر إليّ والتأمّل فيّ، لا يطرف عنّي، فارتبت به، وكان كما ظننت.
ورأى يوما رجلا في جملة من دخل للسلام، فأمر بعقابه وقال: اصدقني ويلك! من أرسلك؟ - فاعترف أنّه صاحب خبر للموفّق. فأمر به إلى المطبق.
وسئل عن معرفة ذلك، فقال: رأيت هذا البارحة في النوم وكأنه يروم الدخول إليّ، فمنع من ذلك فتسلّق من طاق في مجلسي ليرى ما أعمل. فكانت عبارة رؤياي تدلّ على أنّه صاحب خبر لتسلّقه عليّ وتجسّسه، فصحّ فيه ما قدّرته.
ورأى مرّة وهو في مستشرف له على بعض بساتينه سائلا في ثوب خلق وحال سيّئة، وهو جالس يتأمّل المستشرف. فأحضر رغيفا أزيد من رطلين وجعل فيه دجاجة وفرخا وفرّوجا (١) وشواء وقطع لحم وفالوذجا، وغطّاه برغيف آخر مثله وعمل فوقه لوذنجا وغطّاه برقاقتين، وبعث به إلى السائل، وجعل يتأمّل ما يكون منه. فما هو إلّا أن أخذ ذلك [حتى] أمر بإحضاره واستنطقه فأحسن الجواب ولم يضطرب. فقال: أينالكتب التي معك؟ هاتها، واصدقني صدقا ينجيك من العقوبة بالسياط.
فاعترف أنّه صاحب خبر وأنّ معه كتبا، ولم يوصلها لتدّبر أمره. ثمّ قال [أحمد]: رأيت هذا الرجل على ما هو عليه من سوء الحال، فأشفقت عليه وأردت أن أسرّه بما أنفذت إليه ممّا يسرّ به الشّبعان، فكيف الجائع؟ فما هشّ له ولا مدّ يدا إليه، ولا رأيت منه حسن القبول له. فنفر قلبي منه وقلت: هذا رجل عينه ملأى وفي غنى عن هذا وهو جاسوس. فأحضرته، وكان ما رأيتموه من صحّة كلامه وجودة أجوبته، فزاد إنكاري لأمره من جهة قوّة قلبه واجتماع لبّه، وأنّه ليس عليه من شواهد الفقر ما يدلّ على جوعه.
وكان من عادته أن يركب سحرا في نفر من أصحابه ويجتاز بمواضع شعثة ليطالع جنايات أهل الشّر في الليل، فمن ظفر به منهم ضرب عنقه.
стр. 270
فلقي مرّة في طريقه صوائح (١) فوجّه معهنّ من يخفرهنّ إلى حيث يقصدن.
ثمّ وجد صوائح أخر فأمر بتفتيشهنّ فوجد معهنّ رجلين كان قد جدّ في طلبهما ولم يقدر عليهما، فسئل عن ذلك فقال: أمّا الأوّل [٩٥ أ] فكان صياحهنّ بحرقة وعلى غير تصنّع. وهؤلاء صياحهنّ بتصنّع، فعلمت أنّ معهنّ رجالا، فإنّ من شأن النساء التصنّع للرجال، فكان كما ظننت.
وكان عنده رجل يثق به قد جعله على أن يطالعه بالأمور. فعرفه الناس بذلك وهادوه استكفاء لشرّه حتى اكتسب مالا عظيما، وانكشف ذلك لأحمد بن طولون. فهرب منه خوفا على نفسه فشقّ ذلك على أحمد بن طولون لعلمه بكثير من أسراره. فرأى في منامه كأنّه حفر قبرا وأخرج منه ثعبانا عظيما وقبض عليه بعنقه وجعله في جرّة وسدّ رأسها.
فلمّا أصبح ركب على عادته مغلّسا إلى العين التي بناها في المعافر. فرأى جنازة امرأة وخلفها عشرة أنفس. فاستراب بها وقال لمن معها: أين حفرتم لهذه المرأة؟
فاضطربوا. فأمر بالجنازة فحطّت وكشف عنها فوجد الرجل الهارب منه قد [وقف] رأيه أن يخرج من البلد بهذه الحيلة من شدة الضبط عليه. فأمر به إلى المطبق وأخذ جميع ماله.
ورأى مرّة في الصحراء حمّالا على رأسه شيء قد أثقله، وهو تحته يضطرب اضطرابا شديدا.
فقال: لو كان هذا اضطراب [ا] من ثقل ما حمل، لغاصت رقبته في بدنه، وما هذا إلّا رعب ممّا يحمله.
فأوقفه وفتّش ما معه، فوجد امرأة مقتولة
مفصّلة. فقال له الحمّال: إنّ أربعة في دار أعطوني هذه الحملة ودينارا.
قال: أرني الموضع!
فعاد به فوجد القوم لم يتفرّقوا فقبض عليهم وضرب الحمّال مائة مقرعة وأطلقه.
وسلك مرّة شارع الحمر، وأمر طخشي أن يقف على دار عيّنها له وأن يوكّل بها ويحضر إليه من فيها، ففعل ذلك. فاستدعى بشيخ منهم فسأله من أين هو؟
فقال: من بغداد.
قال: وما جاء بك؟
قال: صاحب خبر عليك، بعثني الموفّق.
فسئل عن ذلك فقال: رأيته في طاق، فلمّا قربت منه أغلق الطاق، فارتبت منه. فكان كذلك.
وصعد مرّة إلى برج حمام هيتي لينظر إليه، فجلس على كرسيّ وهي تعرض عليه. ثمّ أمر بردّها فدرج واحد منها ووقف خلفه فأمر بعض خاصّته أن يتناوله. فلمّا مدّ يده لأخذ الفرخ ارتعدت هيبة. فرآه أحمد بن طولون وقال له:
«تنحّ! » فتنحّى. ونزل أحمد بن طولون عن الكرسيّ، ووضع خدّه على التراب في الموضع الذي [به] كانت قدم ذلك الذي ارتعدت يده.
وبكى وصار يعفّر (٢) خدّيه ويسأل الله العفو وإلهامه الشكر على نعمه عنده.
[سهره على صفاء عيار العملة]:
وركب مرّة إلى الأهرام. فأتي برجال عليهم ثياب صوف ومعهم المساحي والمعاول، فقالوا:
نحن قوم نطلب المطالب (٣).
стр. 271
فقال: لا تخرجوا بعد هذا إلّا بمنشور ورجل من قبلي- وضمّ معهم الرافقي (١)، وتقدّم إلى عامل الجيزة بإعانتهم بالرجال والنفقات.
وساروا. فلمّا ظهرت لهم العلامات ركب إليهم وهم يحفرون فظهر حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالقلم القديم. فأحضر من عرّبه فإذا فيه: أنا فلان بن فلان، الملك الذي ميّز الذهب من غشّه ودنسه. فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه، فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإنّ مخلّص الذهب من الغشّ مخلّص في حياته وبعد وفاته.
فقال: الحمد لله! ما نهتني هذه الكتابة عليه أحبّ إليّ من المال، ثمّ أمر لكلّ رجل كان يعمل [ب] مائتي دينار منه، ووفّى للصنّاع أجرهم ووهب لكلّ منهم خمسة دنانير، وأعطى الرافقيّ ثلاثمائة دينار، ولنسيم الخادم ألف دينار.
فوجد عيار ذلك الذهب أجود عيار، فتشدّد من ذلك اليوم في العيار حتى لحق ديناره بالدينار المعروف به، وصار يقال له «الأحمديّ» فكان لا يطلى إلّا به.
وكان إبراهيم بن قراطغان على صدقاته. فقال له يوما: أيّد الله الأمير، إنّا نقف في المواضع التي تفرّق فيها الصدقة [٩٥ ب] فتخرج إلينا الكفّ الناعمة المخضوبة نقشا، والمعصم الرائع الذي فيه الحديدة، والكفّ الذي فيه الخاتم.
فقال له: يا هذا، كلّ من مدّ يده إليك فأعطه.
فهذه هي الطبقة المستورة التي ذكرها الله في كتابه فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة: ٢٧٣]. فاحذر أن تردّ يدا امتدّت إليك، وأعط كلّ من يطلب منك!
وبات ليلة في قبّة الهواء خاليا مفكّرا. فقال له سوّار الخادم: قد مضى أكثر الليل، ومولاي منتصب. فلو أعطى نفسه حظّها من الراحة، كان ذلك أعود عليه.
قال: يا بنيّ، إنّا كلّفنا من القيام بأمر هذه البلدة ما كلّفناه. فإن نحن أعطينا أنفسنا حظّها من النوم والراحة، وأهملنا الفكر في تدبير أحوالها، والشغل بما يعود به صلاح أمورها وصيانة أهلها، لم يأمنوا في سربهم. لكنّي أرى أن أتعب ويناموا أصلح من أن أستريح ويخافوا.
وكان يقول لمن يقلّده الشرطة السفلانيّة: ارفق بالرعيّة، وانشر العدل عليهم واقض حوائجهم، وأظهر إكرامهم، وتفقّد مصالحهم، فإنّي أسير بالليل في محالّهم، فكلّ موضع أمرّ به لا يخلو من قارئ أو داع أو متهجّد أو ذاكر لله تعالى، فوفّر علينا دعاءهم لنا، واحرسنا من أن يكون دعاؤهم علينا!
وكان يقول لمن يقلّده الشرطة الفوقانية: تشدّد عليهم، وأرهبهم، وأغلظ عليهم ولا تلن لهم! فإنّي أسير في محالّهم فلا أسمع إلّا غناء أو صوت سكران أو معربد قد أخرجته عربدته إلى الوثوب والكفر.
وكان يتشدّد على قوّاده وغلمانه. وما خلت داره قطّ من كاتب خفيّ الشخص يقف عنده يعرف بكاتب السرّ يترصّد من يناظر، فيكتب الابتداء، والجواب بكلّ ما يجري. فإذا انقضى يومه أثبت جميع ما جرى وأنفذه مع من يثق به إلى أحمد بن طولون فيقف عليه ويتدبّره، فإن وجد فيه ما يحتاجإلى زيادة أو تغيير أمر به فيمتثل.
وعمل صنيعا فاخرا أطعم الناس فيه أيّاما، أوّلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من ربيع
стр. 272
الآخر سنة ستّين ومائتين: أطعم القوّاد يوما، والجند يوما، وأهل المسجد والتجّار يوما، وسائر الناس يومين. ذبح فيه ألفي كبش، وثلاثين ثورا، وخمسة عشر برذونا، وألف خروف، وألف جدي، وألف أوزّة، وعشرة آلاف دجاجة، وعشرين ألف فرخ حمام.
ثمّ صنع صنيعا ثانيا لقوّاده وخاصّته في يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى منها، فأطعم على سبع وعشرين مائدة أفضل وأحسن من الطعام الأول.
ثمّ أطعم في يوم الاثنين لثمان بقين منه أربعة آلاف مسكين وأعطى كلا منهم بعد فراغ أكله رغيفا أصبهانيا، وعراق لحم ودرهما.
ثمّ أطعم في يوم الخميس ثالث رمضان منها ألفي مسكين وأعطى لكلّ منهم عراق لحم ورغيفا ودرهما بعد ما أكلوا، وحملوا من الطعام ما أحبّوا.
٤٥٩ - ابن ظهيرة قاضي مكّة [٧١٨ - ٧٩٢] (١)
أحمد بن ظهيرة بن أحمد بن عبد الله بن ظهيرة بن مروان، القاضي شهاب الدين، المخزومي، المكيّ، قاضي مكّة وخطيبها.
ولد بها في سنة ثماني عشرة وسبعمائة. وسمع بها من القاضي نجم الدين محمد بن محمد بن المحبّ الطبريّ وأخيه، وأحمد بن الرضيّ الطبريّ، والجلال الأقشهري، والجمال محمد بن أحمد بن خلف الطبريّ، وعيسى بن عبد الله الحجيّ. وتفقّه على نجم الدين الأصفونيّ وتخرّج به، وأخذ عنه الحساب والفرائض. وأخذ عن الشيخ جمال الدين الإسنويّ بالقاهرة أصول الفقه. وقرأ بالروايات على إبراهيم بن مسعود
المسروريّ. وأذن له صلاح الدين العلائيّ بالإفتاء.
وتصدّر للاشتغال بالحرم مدّة فانتفع به جماعة.
وناب في الحكم بمكّة عن التقيّ أبي اليمن [٩٦ أ] محمد الحرازيّ ثمّ عن الجمال أبي الفضل محمد النويريّ، واستقلّ بعد وفاته بقضاء مكّة وخطابتها مدّة تقرب من سنتين. ثمّ صرف عن ذلك فلازم الاشتغال بالحرم حتى مات في ثاني عشرين شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة.
٤٦٠ - شهاب الدين الصعيدي [٦١٢ - ٦٩٥] (٢)
أحمد بن عبد الباري بن عبد الرحمن بن عبد الكريم، الصعيديّ، ثمّ الإسكندرانيّ، المقرئ، المؤدّب (٣)، شهاب الدين.
ولد سنة اثنتي عشرة وستّمائة، وقرأ القراءات على أبي القاسم بن عيسى، وسالم (٤) ابن الصفراوي، وجعفر الهمدانيّ وغيرهم (٥). وكان أحد الصالحين الأتقياء. له مسجد [ ... ] ويؤدّب فيه.
ومات في أوائل سنة خمس وتسعين وستّمائة.
٤٦١ - الوزير علم الدين الفارقيّ [- بعد ٤٥٤] (٦)
أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد، أبو عليّ، الفارقيّ، الوزير الأجلّ، قاضي القضاة وداعي الدعاة، علم الدين، ثقة المسلمين، خليل أمير المؤمنين، ابن قاضي القضاة أبي القاسم.
стр. 273
تنقّل في الخدم إلى أن ولي قضاء القضاة بعد القبض على الوزير أبي محمد الحسن بن عليّ اليازوريّ من قبل المستنصر بالله أبي تميم معدّ الظاهر، في ثالث عشرين صفر سنة خمسين وأربعمائة (١). وصرف بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب [المليجي] في ثالث ذي القعدة من السنة المذكورة. ثمّ أعيد بعد وفاة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن أبي زكريا في رابع عشر ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين، وصرف في خامس رجب منها بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب.
ثمّ ولي الوزارة والقضاء جميعا بعد موت أخيه عبد الكريم بن عبد الحاكم في رابع المحرّم سنة أربع وخمسين [وأربعمائة]، وصرف عن القضاء في صفر منها بأبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب، وعن الوزارة بعد سبعة عشر يوما بسديد الدولة أبي عبد الله الحسين بن علي الماشليّ.
وكان مأمونا ديّنا محقّا. ولمّا بطل من التصرّف سأل الفسحة له في المسير إلى القدس، فأجيب إلى ذلك وسار إليها.
وكانت وفاته بالشام في [ ... ].
٤٦٢ - ابن تيميّة [٦٦١ - ٧٢٨] (٢)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن تيميّة، تقيّ الدين، أبو العبّاس، المنعوت «شيخ الإسلام»، ابن الإمام
شهاب الدين أبي المحاسن، ابن العلّامة مجد الدين أبي البركات، الحرّانيّ الأصل، الدمشقيّ المنشإ والدار والوفاة.
[نشأته وشيوخه]:
ولد بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين وستّمائة. وقدم مع والده وأهله دمشق في سنة سبع وستّين وستّمائة. وسمع من ابن عبد الدائم وطبقته. ثمّ طلب بنفسه قراءة وسماعا من خلق كثير، وقرأ بنفسه الكتب، وكتب الطباق والأثبات، ولازم السماع مدّة سنين فبلغت شيوخه نحو مائة شيخ. قلّما حفظ شيئا فنسيه، إلى أن صار إماما في التفسير وعلوم القرآن، عارفا بالفقه واختلاف [العلماء]، بارعا في الأصلين، والنحو وما يتعلّق به، واللغة، والمنطق، وعلم الهيئة، والجبر والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابيّين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقليّة والعقليّة، حتّى إنه ما تكلّم معه فاضل في فنّ من الفنون إلّا ظنّ أنّ ذلك الفنّ فنّه. وصار حفظة للحديث، مميّزا بين صحيحه وسقيمه، عارفا برجاله وعلله، متضلّعا من ذلك، مع التبحّر في علم التاريخ.
[تولّيه تدريس الحديث بدمشق]:
ومات أبوه في السابع والعشرين من ذي الحجّة سنة اثنتين وثمانين بدمشق. وفي يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة ثلاث وثمانين، ذكر الشيخ تقيّ الدين للدرس موضع والده، بدار الحديث من القصّاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين الفزاريّ، وزين الدين ابن المرحّل، وزين الدين ابن المنجّى [٩٦ ب] وجماعة. وفي يوم الجمعة عاشر صفر، جلس بجامع دمشق على المنبر لتفسير القرآن الكريم مكان والده، وابتدأ من أوّل الفاتحة.
стр. 274
[أوّل حملة عليه بسبب قوله في التجسيم]:
وفي يوم الجمعة رابع شهر ربيع الآخر سنة تسعين وستّمائة، ذكر على كرسيّه شيئا من الصفات، فشنّع عليه نور الدين بن مصعب، وساعده الفقير المعتقد نجم الدين محمد الحريريّ، وصدر الدين ابن الوكيل (١)، وجماعة.
ومشوا إلى الشيخين شرف الدين المقدسيّ وزين الدين الفارقانيّ، ومنعوه من الجلوس فلم يمتنع، وجلس في الجمعة الثانية. وقال قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخويّي حاكم دمشق: أنا على عقيدة الشيخ تقيّ الدين فعوتب على ذلك. فقال: لأنّ ذهنه صحيح، وموادّه كثيرة، فلا يقول إلّا الصحيح.
ثمّ إنّ القاضي شرف الدين المقدسيّ قال: أنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي وأخي.
واجتمع به وجيه الدين ابن المنجّى، وزين الدين الخطيب، فتبرّأ من القضيّة، وعتب ولده صدر الدين، فسكن الأمر بعد ذلك.
[قضية النصرانيّ الذي سبّ النبيّ ﷺ ]
وتوجّه إلى الحجّ في سنة اثنتين وتسعين وعاد.
فلمّا كان في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين، دخل هو والشيخ زين الدين الفارقانيّ إلى الأمير عزّ الدين أيبك الحمويّ نائب دمشق وكلّماه في أمر النصرانيّ الذي سبّ النبيّ ﷺ ، فأجابهما إلى إحضاره، وخرج الناس. فرأوا عسّاف بن أحمد بن حجّي الذي أجار النصرانيّ، فكلّموه في أمره، وكان معه رجل من العرب، فقال للناس عن النصرانيّ: إنّه خير منكم! - فرجموه بالحجارة.
وهرب عسّاف. فأحضر النائب لمّا بلغه ذلك، ابن
تيميّة والفارقانيّ وأخرق بهما، وأمر بهما فضربا، وحبسا في العذراويّة، وضرب عدّة من العامّة وحبس منهم ستّة نفر، وضرب والي البلد جماعة وعلّقهم. وسعى النائب في إثبات العداوة بين النصرانيّ وبين من شهد عليه، ليخلّصه. فخاف النصرانيّ عاقبة هذه الفتنة وأسلم. فعقد النائب عنده مجلسا حضره قاضي القضاة وجماعة من الشافعيّة، وأفتوا بحقن دم النصرانيّ، بعد الإسلام. وطلب الفارقانيّ فوافقهم، وطلب ابن تيميّة وطيّب خاطره وأطلقه.
[حملة ثانية عليه بسبب عقيدته الحمويّة]:
وفي يوم الأربعاء سابع عشر شعبان سنة خمس وتسعين، درس ابن تيميّة بالمدرسة الحنبليّة عوضا عن زين الدين ابن المنجّى. وفي شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين، قام جماعة من الشافعيّة عليه، لكلامه في الصفات. ووقعت بأيديهم فتياه الحمويّة، فردّوا عليه وانتصبوا لعناده. ووافقهم القاضي جلال الدين، الحنفيّ. وأمر بإطلاق النداء على إبطال العقيدة الحمويّة، فنودي بذلك. فانتصر له الأمير سيف الدين طوغان المشدّ (٢)، وطلب الذين قاموا عليه، وضرب المنادي، وجماعة ممّن كانوا معه.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره، جلس على عادته وتكلّم على قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]. وحضر عنده من الغد قاضي القضاة إمام الدين القزوينيّ، وقرئت العقيدة الحمويّة بحضور جماعة، وحوقق على ما فيها فأجاب بما عنده وانفصل المجلس فسكنت القضيّة.
стр. 275
[وفادته على غازان]:
وفي شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة، خرج من دمشق في جماعة إلى غازان متملّك التتر لمّا قدم إلى الشام، وكان قد نزل تلّ راهط. فلم يمكّنه الوزير [سعد الدين] من لقاء غازان فعاد. ثمّ إنّه توجّه إليه ثانيا واجتمع به وكلّمه بغلظة، فكفّ الله يد غازان عنه: وذلك أنّه قال لترجمان الملك غازان: قل للقان: أنت تزعم أنّك مسلم، ومعك قاض، وإمام، وشيخ، ومؤذّنون على ما بلغنا، فغزوتنا. وأبوك وجدّك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت عامدا، فوفيا. وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت! - ومرّ في مثل هذه [٩٧ أ] المحاسبة، وقد حضر قضاة دمشق وأعيانها. فقدّم إليهم غازان طعاما فأكلوا، إلّا ابن تيميّة. فقيل له: لم لا تأكل؟
فقال: كيف آكل من طعامكم، وكلّه ممّا نهبتم من أغنام الناس وقطعتم من أشجار الناس؟
ثمّ إنّ غازان طلب منه الدعاء. فقال في دعائه:
اللهمّ، إن كنت تعلم أنّه إنّما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادا في سبيلك، فأيّده وانصره.
وإن كان للملك والدنيا والتكاثر، فافعل به واصنع! - يدعو عليه، وغازان يؤمّن على دعائه، وقضاة دمشق قد خافوا القتل وجمعوا ثيابهم خوفا أن يبطش به غازان فيصيبهم من دمه. فلمّا خرجوا قال قاضي القضاة ابن الصصرى لابن تيميّة: كدت تهلكنا معك. ونحن ما نصحبك من هنا!
فقال: وأنا لا أصحبكم!
فانطلقوا عصبة وتأخّر ابن تيميّة في خاصّة من معه. فلم يبق أحد من الحرّاس والأمراء حتّى أتوه من كلّ جهة وتلاحقوا به ليتبرّكوا برؤيته. فما وصل دمشق إلّا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، ودخلوا. وأمّا القضاة فخرج عليهم جماعة فجرّدوهم من ثيابهم، ودخلوا المدينة عراة.
[استنهاضه الهمم لجهاد التتار]:
فلمّا عاد غازان إلى بلاده، ركب ابن تيميّة البريد إلى مهنّأ بن عيسى واستحضره إلى الجهاد.
وركب بعده إلى القاهرة واستنفر السلطان. وواجه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره. ولمّا جاء السلطان إلى شقحب لاقاه وجعل يشجّعه ويثبّته. فلمّا رأى السلطان كثرة التتار قال: يا لخالد بن الوليد!
فقال له: لا تقل هذا. بل قل: يا لله! واستغث بالله ربّك ووحّده وحده تنصر، وقل: يا مالك يوم الدين، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين! - وما زال يطلّ تارة على الخليفة المستكفي بالله، وتارة على الملك الناصر محمد بن قلاوون ويهديهما ويربط جأشهما، حتى جاء نصر الله والفتح. وقال للسلطان: أنت منصور فاثبت.
فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله!
فقال: إن شاء الله، تحقيقا، لا تعليقا! - فكان كما قال.
[حملته على بائعي المسكرات]:
ولمّا أعيدت الخطبة بجامع دمشق- بعد رحيل غازان- للملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشرين شهر رجب من السنة المذكورة، دار [ابن تيميّة] بنفسه على ما جدّد من الخمّارات وأراق خمورها وكسر أوانيها وشقّ ظروفها، وعزّر الخمّارين هو وجماعته. وكان الناس يمشون معه، وهو يدور على الجماعات ويقرأ عليهم سورة القتال وآيات الجهاد وأحاديث الغزو والرباط والحرس، ويحثّهم على ذلك.
فلمّا عاد التتار إلى حلب في سنة سبعمائة،
стр. 276
وانجفل الناس منهم- وكان قد خرج عسكر ورجع- ركب ابن تيميّة خيل البريد إلى مصر فدخل قلعة الجبل في اليوم الثامن من خروجه من دمشق، وذلك في شهر جمادى الأولى، وحضّ على الجهاد في سبيل الله وأغلظ في القول.
واجتمع بالسلطان وأركان الدولة. وأنزل بالقلعة ورتّب له في كل يوم دينار ومخفية، وبعث إليه السلطان بقجة قماش. فلم يقبل من ذلك شيئا.
ثمّ عاد إلى دمشق وقد حرّض الدولة على قتال التتار.
[ضيق الحكّام بحملاته الزجريّة]:
فلمّا كان أوّل ذي القعدة سنة إحدى وسبعمائة، قام عليه جماعة وسألوا الأمير أيبك (١) الأفرم نائب دمشق منعه ممّا يتعاطاه من التعزير وإقامة الحدود. وكان قد حلق رءوسا وضرب جماعة.
ثمّ سكنت القضيّة.
وفي شهر رجب سنة ثلاث وسبعمائة، أحضر ابن تيميّة إبراهيم القطّان صاحب الدلق الكبير، وقصّ أظفاره وشعره المفتّل وشاربه المسبل، وأمره بترك الصياح والفحش وأكل الحشيشة وترك لباس الدلق الكبير، وفتقه، وكان فيه قطع كثيرة من بسط وعبيّ (٢). وفي سابع عشر أحضر الشيخ محمد [٩٧ ب] البلاسيّ فتاب على يده، وأشهد عليه بترك المحرّمات واجتنابها، وأنّه لا يخالط أهل الذّمّة ولا يتكلّم في تعبير الرؤيا ولا في شيء من العلوم بغير معرفة. وكتب عليه بذلك مكتوبا. وفي يوم الاثنين سادس عشرينه، حضر، ومعه عدّة من الحجّارين، وقطع الصخرة
التي بجوار مصلّى دمشق حتى زالت وأراح الناس من أمرها: فإنها كانت تزار وينذرها الناس ويتبرّكون بها.
[خروجه لقتال درزيّة جبل كسروان]:
وفي محرّم سنة خمس وسبعمائة توجّه مع الأفرم إلى جبل كسروان وغزا أهله وشدّ في وسطه السيف والتركاش وأفتى بقتالهم، وعاد وقد انتصر عليهم.
وفي جمادى الأولى اجتمع عند الأفرم جماعة من الفقراء الأحمديّة الرّفاعيّة، وحضر ابن تيميّة.
وأراد الفقراء إظهار شيء من أحوالهم. فقال: لا يسع أحد [ا] الخروج عن الشريعة بقول ولا فعل.
(وقال) هذه حيّل يتحيّلون بها في دخول النار وإخراج الزبد من الخلق. ومن أراد دخول النار فليغسل جسده في الحمّام ثمّ يدلكه بالخلّ وبعد ذلك يدخل النار. ولو دخل لا يلتفت إلى ذلك، بل هو نوع من فعل الدجّال عندنا- وكان جمعا كبيرا. فقال الشيخ الصالح شيخ المنيبع: نحن أحوالنا تنفق عند التتار، وما تنفق عند أهل الشرع.
وانفصل المجلس على أنّهم يخلعون أطواق الحديد، وأنّ من خرج عن الكتاب والسنّة تضرب رقبته. وكتب ابن تيميّة عقيب هذه الواقعة جزءا في حال الأحمديّة ومبدإ أمرهم وأصل طريقتهم، وما فيهم من الخير و [من] الشرّ.
[تعرّضه لنصر المنبجيّ المتصوّف]:
وكان قد ظهر الشيخ نصر الدين المنبجيّ بمصر واستولى على أرباب الدولة حتّى شاع أمره. فقيل لابن تيميّة إنّه اتّحاديّ وأنه ينصر مذهب ابن العربيّ وابن سبعين. فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه. فتكلّم نصر المنبجيّ مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدع، وأخاف على الناس من
стр. 277
شرّه- فحسّن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة [أ] وأن يعقد له مجلس بدمشق. فلمّا كان في يوم الاثنين ثامن شهر رجب، طلب ابن تيميّة والفقهاء إلى القصر الأبلق عند الأفرم. وسأله عن العقيدة فأحضر عقيدته الواسطيّة وقرئت في المجلس.
وبحث معه فيها، وانفصل المجلس ولم يكمل قراءتها. ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشره بعد الصلاة، وحضر الشيخ صفيّ الدين الهنديّ وأقامو [هـ] للبحث معه. ثمّ أقاموا الشيخ كمال الدين ابن الزملكانيّ فحاققه وبحث معه من غير مشايخه (١). فرضوا ببحثه وأثنوا على فضائله وانفضّوا، والأمر قد انفصل.
[تعرّضه لفقهاء دمشق]:
فاتّفق بعد ذلك أنّ بعض قضاة دمشق عزّر شخصا من أصحاب ابن تيميّة وطلب جماعة ثمّ أطلقوا فوقع هرج في البلد. وكان الأفرم قد خرج للصيد، فقرأ في يوم الاثنين ثاني عشرين رجب المذكور الشيخ جمال الدين المزّيّ فصلا في الردّ على الجهميّة من كتاب: «أفعال العباد» للبخاري، تحت [قبة] النّسر (٢)، فغضب بعض الفقهاء لذلك وقالوا: نحن المقصودون بهذا! - ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعيّ. فطلبه ورسم عليه.
فقام ابن تيميّة وأخرج المزّيّ من الحبس بنفسه، وخرج إلى القصر واجتمع هناك بقاضي القضاة وأثنى على المزّيّ. فغضب القاضي وأعاد المزيّ إلى الحبس فبقي أيّاما. فرسم الأفرم فنودي في
البلد بمنع الكلام في العقائد، ومن تكلّم فيها حلّ دمه وماله ونهبت داره وحانوته.
وعقد في تاسع شعبان مجلس ثالث بالقصر لابن تيميّة، فرضي الجماعة بالعقيدة، وعزل قاضي القضاة نجم الدين نفسه بسبب كلام سمعه من ابن الزملكانيّ. ثمّ وردت ولايته من مصر.
فقام نصر المنبجيّ بالقاهرة وقال لقاضي القضاة زين الدين بن مخلوف المالكيّ: قل للأمراء بأنّ ابن تيميّة يخشى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد [٩٨ أ] المغرب.
فحدّثهم بذلك حتى تخيّلوا منه. فورد كتاب السلطان بإحضار ابن تيميّة وإحضار قاضي القضاة نجم الدين ابن الصصرى إلى مصر. فمانع الأفرم نائب دمشق وقال: قد عقد له مجلسان بحضرتي وحضره القضاة والفقهاء، وما ظهر عليه شيء.
فقال له الرسول: أنا لك ناصح. وقد قال عنه الشيخ نصر المنبجي إنّه يجمع الناس عليك ويعقد البيعة لغير السلطان.
فخاف النائب وبكى منه.
[تتبّع السلطان له ولأصحابه بالقاهرة]:
فتوجّها في ثاني عشر شهر رمضان على البريد.
فلمّا دخل ابن تيميّة مدينة غزّة عمل بجامعها مجلسا.
وتوجّه إلى قلعة الجبل وقد كتب الأفرم معه كتابا إلى السلطان، وكتب معه محضر فيه خطوط عدّة من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء يصفون ما جرى في المجلسين بدمشق، وأنّه لم يثبت عليه فيهما شيء، ولا منع من الإفتاء. فلم يلتفت إلى ذلك.
وقصد ابن تيميّة أن يعقد بالقلعة مجلسا، وأراد أن يتكلّم فلم يمكّن من الكلام على عادته، وحبس
стр. 278
في البرج أيّاما. ثمّ نقل إلى الجبّ ليلة عيد الفطر، هو وأخواه.
وأكرم قاضي القضاة نجم الدين وخلع عليه، وأعيد إلى دمشق، ومعه كتاب قرئ بدمشق يتضمّن مخالفة ابن تيميّة في العقيدة وإلزام الناس بذلك، خصوصا أهل مذهبه، والوعيد بالعزل والحبس. ونودي بذلك في البلاد الشاميّة.
وكثر المتعصّبون على ابن تيميّة بالقاهرة، وأوذي الحنابلة، وحبس تقيّ الدين عبد الغنيّ، ابن الشيخ شرف الدين الحنبليّ. وألزم سائر الحنابلة بالرجوع عن عقيدة ابن تيميّة، وشنّع عليه. وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمّد الحرّانيّ بموافقة الجماعة، فوافق وألزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطّهم. ومرّ على الحنابلة ما لم يجر عليهم مثله. وكان ذلك كلّه بقيامالأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، تعصّبا للشيخ نصر المنبجيّ.
وفي أوائل شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وسبعمائة، اعتقل شرف الدين محمد بن نجيح الحرّانيّ، أحد أصحاب ابن تيميّة، بقلعة الجبل، بعد أن اجتمع بالأمير سلار والأمير بيبرس وتكلّم عندهما كلاما طويلا. واستمرّ في الحبس إلى سادس شعبان فأطلقه الأمير سلار.
[استتابة ابن تيميّة ورفضه الرجوع عن مقالته في الزيارة]:
وفي سلخ شهر رمضان جمع الأمير سلار القضاة، ما خلا الحنبليّ، والخزري، والنمراوي، وتكلّم في إخراج ابن تيميّة. فقال الفقهاء والقضاة: بشرط أن يلتزم أمورا، منها الرجوع عن بعض العقيدة.
وبعثوا إليه ليحضر فلم يوافق على الحضور، وتكرّر إليه الرسول مرّات، وهو مصمّم على عدم الحضور، فانصرفوا من غير شيء.
فلمّا كان في ثامن عشرين ذي الحجّة منها، ورد كتاب ابن تيميّة من الجبّ على الأفرم يخبره بحاله. فأثنى الأفرم على علمه وشجاعته وقال إنّه ما قبل شيئا من الكسوة السلطانيّة ولا من الأمراء، ولم يأخذ شيئا، قلّ ولا جلّ.
فلمّا كان في صفر سنة سبع وسبعمائة اجتمع قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعيّ بالشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة في دار الأمير الأوحديّ، بكرة الجمعة رابع عشرينه بقلعة الجبل، وطال بينهما الكلام، وتفرّقا قبل الصلاة.
وفي شوّال شكا الشيخ كريم الدين الآمليّ شيخ الصوفيّة بالقاهرة، وابن عطاء [الله] وجماعة نحو الخمسمائة نفس، من ابن تيميّة وكلامه في ابن العربيّ الصوفيّ (١) وغيره، إلى أمراء الدولة. فردّوا الأمر في ذلك إلى ابن جماعة. فعقد له مجلس، وادّعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت منها شيء. لكنّه اعترف بأنّه قال:
لا يستغاث بالنبيّ ﷺ استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسّل به. فقال بعض الحاضرين: ليس في هذا شيء.
ورأى ابن جماعة أنّ هذا [٩٨ ب] إساءة أدب وعنّفه على ذلك فحضرت رسالة إليه أن يعمل في ابن تيميّة ما تقتضيه الشريعة في ذلك فقال: قد قلت له ما يقال لأمثاله.
فلم يقنعهم ذلك. وخيّروا ابن تيميّة بين الإقامة
стр. 279
بدمشق أو الإسكندريّة بشرط الحبس، فاختار الحبس.
ودخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق، ملتزما ما شرط، فأجابهم، وركب البريد ليلة الثامن عشر من شوّال وسار. فأرسل إليه من الغد بريد اخر ردّه إلى عند ابن جماعة، وقد اجتمع الفقهاء. قال بعضهم: ما ترضى الدولة إلّا بالحبس.
فقال ابن جماعة: وفيه مصلحة له.
فاستناب شمس الدين التونسيّ المالكيّ، وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيء.
فأذن لنور الدين الزواوي المالكيّ، فتحيّر، فقال ابن تيميّة: أنا أمضي إلى الحبس وأتّبع ما تقتضيه المصلحة.
فقال الزواوي: فيكون في موضع يصلح لمثله.
فقيل له: ما ترضى الدولة إلّا بالحبس.
فأرسل إلى حبس القاضي. وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه قاضي القضاة تقيّ الدين ابن بنت الأعزّ لمّا حبس. وأذن له أن يكون عنده من يخدمه. وكان هذا جميعه بإشارة الشيخ نصر المنبجيّ.
[خروجه من حبس القاهرة بشفاعة أمير العرب]:
فاستمرّ في الحبس، يستفتى، ويزوره الناس، وتأتيه الفتاوي الغريبة المشكلة من الأمراء والأعيان، إلى ليلة الأربعاء العشرين من شوال، [ف] طلبأخواه زين الدين وشرف الدين، فوجد زين الدين ورسم عليه، وحبس عند الشيخ تقيّ الدين.
فلم يزالا إلى أن قدم مهنّأ بن عيسى أمير العرب إلى السلطان. فدخل على الشيخ وهو بالسجن، في أوائل ربيع الأوّل سنة تسع وسبعمائة، وزاره، وأخرجه بعد ما استأذن في ذلك.
فخرج يوم الجمعة ثالث عشرينه إلى دار النيابة بالقلعة. وحضر الفقهاء، وحصل بينهم وبينه بحث كبير إلى وقت الصلاة. ثمّ عادوا إلى البحث حتّى دخل الليل، ولم ينفصل الأمر.
ثمّ اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد خامس عشرينه مجموع النهار، وحضر أكثر الفقهاء، فيهم نجم الدين ابن الرفعة، وعلاء الدين التاجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعزّ الدين النصراوي، وشمس الدين ابن عدلان، ولم يحضر القضاة. وطلبوا فاعتذروا. وانفصل المجلس، وبات ابن تيميّة عند النائب. فأشار الأمير سلار بتأخيره أيّاما ليرى الناس فضله ويجتمعوا به. فعقد له مجلس آخر بالمدرسة الصالحيّة بين القصرين.
[خروجه من سجن الإسكندرية إلى دمشق]:
ثمّ أخرج من القاهرة [إلى الإسكندريّة و] معه أمير، ولم يمكّن أحد من جماعته أن يسافر معه.
ودخل إليها ليلا وحبس في برج. ثمّ توجّه إليه أصحابه واجتمعوا به. فأقام إلى ثامن شوّال.
وطلب فسار إلى القاهرة، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة رابع عشرينه فأكرمه وتلقّاه في مجلس حفل فيه القضاة والفقهاء، وأصلح بينهم وبينه.
ونزل إلى القاهرة فسكن بجانب المشهد الحسينيّ، وتردّد الفقهاء والأمراء والأجناد وطوائف الناس إليه.
فلمّا كان في العشر الأوسط من شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ظفر به أحد المتعصّبين عليه في مكان خال، فأساء عليه الأدب. وعلم بذلك أصحابه فحضر إليه كثير من الجند وتحدّثوا بالانتصار له، فأبى ذلك ومنعهم منه.
стр. 280
ثمّ خرج إلى دمشق مع العسكر قاصدا الغزاة، وتوجّه إلى القدس وسار إلى عجلون وزرعة، فدخل دمشق في أوّل ذي القعدة- وقد غاب عنها أكثر من سبع سنين- ومعه أخواه وجماعة من أصحابه. فخرج إليه خلق كثير، وسرّوا به سرورا كبيرا.
وفي يوم الأربعاء العشرين من شوّال سنة ستّ عشرة وسبعمائة، توفّيت والدته ستّ النعم بنت عبد الرحمن بن عليّ بن عبدوس الحرّانيّة بدمشق، ودفنت بمقابر الصوفيّة. وكان مولدها في سنة خمس وعشرين [٩٩ أ] وستّمائة تقريبا.
وولدت تسعة أولاد من الذكور، ولم ترزق بنتا.
[تجدّد النكير عليه بسبب فتياه في الطلاق، ومنعه زيارة القبور]:
وفي يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة اجتمع قاضي القضاة شمس الدين الحنبليّ بالشيخ تقيّ الدين، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل إشارته.
فلمّا كان مستهلّ جمادى الأولى منها، ورد البريد من مصر، ومعه مرسوم السلطان بمنعه من ذلك، وفيه: «من أفتى بذلك نكّل به». ونودي بذلك في البلد.
فلمّا كان يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة، جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير تنكز نائب الشام، وقرئ عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلّق بالشيخ تقيّ الدين بسبب فتياه في مسألة الطلاق. فعوتب على فتياه بعد المنع، وانفضّ المجلس على توكيد المنع.
ثمّ عقد له مجلس في يوم الخميس ثاني عشرين شهر رجب سنة عشرين وسبعمائة بدار السعادة من دمشق، وعاودوه في فتيا الطلاق وحاققوه عليها وعاتبوه بسببها. ثمّ إنّهم حبسوه بقلعة دمشق فأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين. فأخرج بعد العصر بمرسوم السلطان وتوجّه إلى منزله، فكانت مدّة سجنه بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يوما.
وفي يوم الاثنين بعد العصر، السادس من شعبان سنة ستّ وعشرين، اعتقل بقلعة دمشق بعد ما حضر إليه الأمير بدر الدين أمير مسعود ابنالخطير، الحاجب، بمرسوم السلطان بذلك، ومعه مركوب. فأظهر السرور وقال: أنا كنت منتظرا لذلك، وهذا فيه خير كثير! - وركب وهو معه إلى القلعة فأخليت له دار، وأجرى له فيها الماء، وأقام معه أخوه زين الدين [عبد الرحمن] يخدمه بإذن السلطان، ورسم له بما يقوم بكفايته.
وكان سبب هذه الكائنة فتوى وجدت بخطّه في المنع من السفر وإعمال المطيّ إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وفتوى في أنّ الطلاق الثلاث بكلمة يردّ إلى واحدة.
[اضطهاد أصحابه وسحب كتبه منه]:
وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان، أمر قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ بحبس جماعة من أصحابه بسجن الحكم. وكان ذلك بإشارة تنكز نائب الشام. وعزّر جماعة على دوابّ ونودي عليهم، ثمّ أطلقوا إلّا شمس الدين [محمد بن أبي بكر] ابن قيّم الجوزيّة، فإنّه حبس بالقلعة.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، أخرج ما كان قد اجتمع عند ابن تيميّة بالمكان الذي هو فيه معتقل بقلعة دمشق من الكتب والكراريس والأوراق، ومن دواة وأقلام، ومنع من الكتابة وقراءة الكتب وتصنيف شيء من العلوم البتّة. وحملت في مستهلّ شهر
стр. 281
رجب من القلعة إلى مجلس الحكم، فوضعت بخزانة في المدرسة العادليّة. وكانت أكثر من ستّين مجلّدا وأربع عشرة ربطة كراريس. فنظر القضاة والفقهاء فيها، وتفرّقت في أيديهم. وكان سبب هذا أنّه وجد له جواب عمّا ردّه عليه القاضي المالكيّ بديار مصر، وهو زين الدين ابن مخلوف، فأعلم السلطان بذلك فشاور القضاة فأشاروا بهذا.
[وفاته مسجونا بالقلعة]:
ولم يزل بالقلعة حتّى مات يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
فحضر جمع كبير إلى القلعة، وأذن لبعضهم في الدخول. وغسّل وصلّى عليه بالقلعة. ثم حمل على أصابع الرجال، وأتوا بنعشه من القلعة إلى الجامع الأمويّ. وحالما أذّن لصلاة الظهر، صلّى الإمام الشافعيّ من غير أن ينتظر صلاة المشهد على العادة. ثمّ صلّى عليه، وتوجّهوا به إلى مقابر الصوفيّة. فما وصلوا به إليها [٩٩ ب] حتّى أذّن للعصر. وأراد جماعة أن يخرجوا من باب الفرج أو باب النصر فلم يقدروا من شدّة الزحام وحمل على الأيدي والرءوس والأصابع. وكان الناس يلقون عمائمهم على النعش ويجرّونها إليهم طلبا للتبرّك بذلك. وحزر من صلّى عليه من الرجال فكانوا ستّين ألفا، وخمسة آلاف امرأة. وقيل أكثر من ذلك. وكان في عنقه خيط عمل بالزئبق لأجل القمل وطرده، فاشتري بجملة مال.
[مصنّفاته]:
وكتب بخطّه من التصانيف، والتعاليق المفيدة، والفتاوى المشبعة، في الأصول، والفروع، والحديث، وردّ البدع بالكتاب والسنّة، شيئا كثيرا يبلغ عدّة أحمال. فممّا كمل منها:
- كتاب الصارم المسلول على منتقص الرسول.
- وكتاب تبطيل التحليل.
- وكتاب اقتضاء السّراط المستقيم.
- وكتاب [في الردّ على] تأسيس التقديس [للرازي] في عدّة مجلّدات.
- وكتاب الردّ على طوائف الشيعة، أربع مجلّدات، وكتاب دفع الملام عن الأئمة الأعلام، وكتاب السياسة الشرعيّة، وكتاب التصوّف، وكتاب مناسك الحجّ، وكتاب الكلم الطيّب.
ومسائل كثيرة جدّا يقوم منها عدّات (١) كثيرة من المجلّدات.
وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تبيّض، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير. فإنّه أحرق منها شيء كثير، ولا قوّة إلّا بالله.
ومع ذلك قال القاضي الذهبيّ: ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرّاس وأكثر- وفسّر كتاب الله تعالى مدّة سنين من صدره أيّام الجمع.
[ثناء العلماء عليه]:
ولمّا ولي مشيخة دار الحديث بعد والده، وهو شابّ، وحضره الأعيان وأثنوا عليه وعلى فضائله وعلومه قال الشيخ إبراهيم الرقّيّ: الشيخ تقيّ الدين يؤخذ عنه ويقلّد في العلوم. فإن طال عمره ملأ الأرض علما وهو على الحقّ. ولا بدّ أن يعاديه الناس فإنّه وارث علم النبوّة- وقال كمال الدين ابن الزملكانيّ: لقد أعطي ابن تيميّة اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد! - ثمّ كتب على بعض تصانيفه هذه الأبيات من نظمه [الكامل]:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلّت عن الحصر
стр. 282
هو حجّة لله، قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدّهر
هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر
ثمّ نزغ الشّيطان بينهما وغلبت على ابن الزملكانيّ أهويته فمال عليه مع من مال.
وقال قاضي القضاة تقيّ الدين أبو الفتح محمد ابن دقيق العيد لمّا اجتمع به عند حضوره إلى القاهرة في سنة سبعمائة: رأيت رجلا كلّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد.
وحضر عنده العلّامة أثير الدين أبو حيّان [شيخ النحاة] فقال عنه: ما رأت عيناي مثله- ومدحه في المجلس بقوله [البسيط]:
لمّا أتينا تقيّ الدين لاح لنا ... داع إلى الله فرد، ما له وزر
على محيّاه من سيما الألى صحبوا ... خير البريّة نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرا ... بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيميّة في نصر شرعتنا ... مقام سيّد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الحقّ إذ آثاره اندرست ... وأخمد الشرّ إذ طارت له الشرر
[١٠٠ أ] كنّا نحدّث عن حبر يجيء، فها ... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
ثمّ دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه.
فتسرّع ابن تيميّة فيه بمقول نافره عليه أبو حيّان وقاطعه بسببه، ثمّ عاد أكثر الناس له ذمّا، واتّخذه ذنبا لا يغفر.
وكان قاضي القضاة نجم الدين أبو العبّاس ابن صصرى لا يسمح لمناظريه في بلوغ مرادهم من ضرره ويقول: ما لي وله؟
وحكى أبو حفص محمد بن علي بن موسى الزار البغداديّ قال: حدّثني الشيخ المقرئ تقيّ الدين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة فجاءني ابن تيميّة فجلس عند رأسي وأنا مثقل بالحمّى والمرض. فدعا لي وقال: قم، جاءت العافية! - فما كان إلا [أن] قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت وشفيت لوقتي.
[مدح ابن فضل الله العمريّ له]:
وقال فيه الإمام الأوحد القاضي الرئيس كاتب الأسرار شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمريّ:
هو البحر من أيّ النواحي جئته، والبدر من أيّ الضواحي أتيته. جرت آباؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف طليحا مريحا من تعبه، طلبا لا يرضى بغاية، ولا تقضى له نهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتّخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن نسي السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه [البسيط]:
وثقّف الله امرءا بات يكلؤه ... [يمضي] (١) حساماه فيه السيف والقلم
بهمّة في الثريّا أثر أخمصها ... وعزمة ليس من عاداتها السأم
على أنّه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونسأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيى معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس. وأصبح في فضله آية إلّا أنّه آية الحرس. عرضت له الكدى فدحرجها،
стр. 283
وعارضته البحار فضحضحها، ثمّ كان أمّة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كلّ عظيم، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم، ولم يكن منهم إلّا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]:
ما كان بعض الناس إلّا مثلما ... بعض الحصى الياقوتة الحمراء
جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثار جنود رعيل، وتجار أسود غيل، إلّا أنّ صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طمّ على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلّت قسورته على تلك السباع. ثمّ عبّئت له الكتائب فحطّم صفوفها، وخطم أنوفها.
وابتلع غديره المطمئنّ جداولها، واقتلع طوده المرجحنّ جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شراراتهم مصابيحه [الوافر]:
تقدّم راكبا فيهم إماما ... ولولاه لما ركبوا وراء
فجمع أشتات المذاهب وشتّات المذاهب (١)، ونقل عن أئمّة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثّل صورهم الذاهبة وأحضرها. فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره، لأدنى عصره إليه مقرّبا، أو مالك، لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعيّ، لقال: ليست هذا كان للأمّ ولدا، أو: ليتني كنت له أبا! والشيبانيّ ابن حنبل، لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا، بل داود الظاهريّ وسنان الباطنيّ (٢)،
لظنّا تحقيقه من منتحله، وابن حزم والشهرستانيّ، لحشر كلّ منهما ذكره أمّة في نحله، والحاكم النيسابوريّ والحافظ السلفيّ، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد [١٠٠ ب] الفتاوى ولا يردّها، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنّه كان قاعدا لها يعدّها [الكامل]:
أبدا على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيّب
يغدو مساجله بغرّة صافح ... ويروح معترفا بذلّة مذنب
ولقد تظافرت عليه عصب الأعداء فألجموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم ليجني الشهد نحله.
ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربّصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب، ونمّ فما زاد على أنّه اغتاب.
وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثمّ إلى الإسكندريّة، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى (٣) المنون، وهو على علم يسطّر صحفه، ويدّخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلّا أن يصنّفه، ويقرّط به ولو سمع امرئ واحد ويشنّفه، حتّى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا.
وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، [وطبع على قلبه] منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار (٤)
стр. 284
المنابر، وحلّ ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات، لا بل حيي، وعرف قدره لأنّ مثله ما رئي.
وكان يوم دفنه يوما مشهودا ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس، متبوعا بالنفوس، تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب! ولأقلامه النافقة: لا أبعد كنّ الله من شجرات! .
وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلّة في الجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله ويمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنة ولا تقدّم دعوة ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يطفأ ضرم عدوى [الطويل]:
وكلّ امرئ حاز المكارم محسود
[الكامل]:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنّه لدميم
كلّ هذا لتبريزه في الفضل حيث قصّرت النظراء، وتجلّيه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجّة التتار، واقتحامه، وسيوفهم تتدفّق، لجّة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورا في ضرمها، والسيوف فرقا في قرمها، خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، فطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمّن على دعائه وهو مقبل إليه. ثمّ كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كلّ من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ما له من جهاد في الله لم تفزعه فيه ظلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج، مواقف حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم [١٠١ أ] لدّ اقتحم معها الغمرات، وواكلها مختلف الثمرات، وقطع جدالها قويّ لسانه، وجلادها شبا سنانه، قام بها وصابرها، وبلي بأصاغرها، وقاسى أكابرها، وأهل بدع قام في دفاعها، وجاهد في حطّ يفاعها، ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل، وسقم التعليل، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رءوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقد الخضوع، وقاموا، وأرجلهم تتساقط للوقوع، بأدلّة أقطع من السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح [الطويل]:
إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت ... على كتفيه الدرع وانتثر السرد
إلّا أنّ سابق المقدور أوقعه في خلل المسائل، وخطل خطإ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل، وأظنّه- والله يغفر له- عجّلت له في الدنيا المقاصّة، وأخذ نصيبه من بلواها عامّة وله خاصّة، وذلك لحطّه على بعض سلف العلماء، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء، وقلّة توقيره للكبراء، وكثرة تكفيره للفقراء، وتزييفه لغالب الآراء، وتقريبه
стр. 285
لجهلة العوامّ وأهل المراء، وما أفتى به آخرا في مسألتي الزيارة والطلاق، وإذاعته لهما حتى تكلّم فيهما من لا دين له ولا خلاق، فسلّط وبال الأعداء على سليطه، وأطلق أيدي الاعتداء في تفريطه، ولقّم نارهم سعفه، وأرى أقساطهم شرفه. فلم يزل إلى أن مات عرضه منهوبا وعرضه موهوبا، وصفاته تتصدّع ورفاته لا تتجمّع. ولعلّ هذا لخير أريد به وأريغ له بحسن منقلبه. وكان تعمّده للخلاف وتقصّده لغير طريق الأسلاف، وتقويته للمسائل الضعاف، وتعويضه عن رءوس السعاف (١) تغيّر مكانته من خاطر السلطان، وتسبّب له التغرّب عن الأوطان، وتنفذ إليه سهام الألسنة الرواشق، ورماح الطعن في يد كلّ ماشق.
فلهذا لم يزل منغّصا عليه طول مدّته، لا تكاد تنفرج عنه جوانب شدّته.
هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود من الجود:
كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلّا ليهبه ولا يحفظه إلّا ليذهبه كلّه في سبيل البرّ وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر.
لم يمل به حبّ الشهوات ولا حبّب إليه من صلات الدنيا غير الصلاة. ولقد نافست ملوك جانكيز خان عليه، ووجّهت دسائس رسلها إليه، وبعثت تجدّ في طلبه، فنوسيت عليه لأمور أعظمها خوف توثّبه. وما زال على هذا ومثله إلى أن صرعه أجله، وأتاه بشير الجنّة يستعجله، فانتقل إلى الله، والظنّ به أنّه لا يخجله.
(قال) وحكي عن شجاعته في مواقف الحرب
نوبة شقحب، ونوبة كسروان، ما لم يسمع إلّا عن صناديد الرجال، وأبطال اللقاء، وأحلاس الحرب، تارة يباشر القتال وتارة يحرّض عليه.
(قال) وكان يجيئه من المال في كلّ سنة ما لا يكاد يحصى فينفقه جميعه آلافا ومئين، ولا يلمس منه درهما ولا ينفقه في حاجة له. وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألّف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلّة، ولا يتشهّى طعاما ولا يمتنع عن شيء منه، بل هو مع ما حضر لا يتجهّم مرآه، ولا يتكدّر صفوه ولا يسأم عفوه، (قال) ورئيت له منامات صالحة.
[رثاء ابن فضل الله له]:
ورثاه جماعات من الناس بالشام ومصر والعراق والحجاز والعرب من آل فضل.
(قال) ورثيته بقصيدة لي، وهي [البسيط]:
[١٠١ ب] أهكذا بالدياجي يحجب القمر ... ويحبس النوء حتى يذهب المطر؟
أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن ... منافع الأرض أحيانا فتستتر؟
أهكذا الدهر ليلا كلّه أبدا ... فليس يعرف في أوقاته سحر؟
أهكذا السيف لا تمضي مضاربه ... والسيف في الفتك ما في عزمه خور؟
أهكذا القوس ترمي بالعراء وما ... تصمي الرمايا وما في باعها قصر (٢)؟
أهكذا يترك البحر الخضم ولا ... يلوى عليه، وفي أصدافه الدّرر؟
أهكذا بتقيّ الدين قد عبثت ... أيدي العدى وتعدّى نحوه الضرر؟