← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ويقول: ما في قريش كلّها أرجح حلما ولا أفضل علما ولا أسكن طائرا ولا أبعد من كلّ كبر وطيش ودنس من محمّد بن عليّ. فقال له مروان بن الحكم ذات يوم: والله ما نعرفه إلّا بخير. فأمّا كلّ ما تذكر، فإنّ غيره من مشيخة قريش أولى به. فقال معاوية: لا تجعلن من يتخلّق لنا تخلّقا وينتحل لنا الفضل انتحالا كمن جبله الله على الخير وأجراه على السداد. فو الله ما علمتك إلّا موزعا (١) مغرى بالخلاف. وكان يزيد بن معاوية يعرف له ذلك أيضا. فلمّا ولي يزيد، لم يسمع عن ابن الحنفيّة إلّا جميلا، وببيعته إلّا تمسّكا ووفاء، فازداد له حبّا، وعليه تعطّفا. [مصانعة يزيد لابن الحنفيّة] فلمّا قتل الحسين بن عليّ ﵄ وكان من أمر عبد الله بن الزبير ما كان، على ما ذكر في ترجمته (٢) من هذا الكتاب، كتب يزيد بن معاوية إلى محمد بن الحنفيّة يعلمه أن قد أحبّ رؤيته وزيارته إيّاه، ويأمره بالإقدام إليه. فقال له عبد الله ابنه: فإنّي غير آمنه عليك- فخالفه ومضى إلى يزيد. فلمّا قدم عليه أمر فأنزل منزلا وأجرى عليه ما يصلحه ويسعه، ثمّ دعا به فأدنى مجلسه وقرّبه حتى سار معه. ثمّ قال له: آجرنا الله وإيّاك في الحسين بن عليّ. فو الله لئن كان نقصك لقد نقصني. ولئن كان أوجعك لقد أوجعني. ولو أنّي أنا الذي وليت أمره ثمّ لم أستطع دفع الموت عنه إلّا بحزّ أصابعي أو بذهاب نواظري لفديته بذلك، وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي. ولا أحسبه إلّا قد بلغك أنّا نقوم به فننال منه ونذمّه. وايم الله! ما نفعل ذلك لئلّا تكونوا الأحبّاء الأعزّاء، ولكنّا نريد إعلام الناس بأنّا لا نرضى أن ننازع أمرا خصّنا الله به وانتجبنا الله له. فقال له محمد بن الحنفيّة: وصلك الله، ورحم حسينا وغفر له. قد علمنا أنّ ما نقصنا فهو لك ناقص، وما غالنا فهو لك غائل، وما حسين بأهل أن [١٢٦ أ] تقوم به فتقصبه وتجدّبه (٣)، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين ألّا تسمعني فيه شيئا أكرهه. فقال يزيد: يا ابن عمّ، لست تسمع شيئا تكرهه. وسأله عن دينه فقال: ما عليّ دين. فقال يزيد لابنه خالد بن يزيد: إنّ عمّك هذا بعيد من الخبث واللّؤم والكذب. ولو كان كبعض هؤلاء لقال: عليّ كذا وكذا. ثمّ أمر له بثلاثمائة ألف درهم، فقبضها. ويقال إنّه أمر له بخمسمائة ألف درهم، وعروض بمائة ألف درهم. وكان يزيد يتصنّع لابن الحنفيّة ويسأله عن الفقه والقرآن. فلمّا جاء ليودّعه قال له: يا أبا القاسم، إن كنت رأيت منّي خلقا تنكره نزعت عنه وأتيت الذي تشير به عليّ. فقال: والله لو رأيت منك منكرا ما وسعني إلّا أن أنهاك عنه وأخبرك بالحقّ لله فيه، لما أخذ الله على أهل العلم من أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه. وما رأيت منك إلّا خيرا. [مبدأ فتنة ابن الزبير] وشخص من الشام حتى ورد المدينة. فلمّا وثب الناس بيزيد وخلعوه ومالوا إلى عبد الله بن الزبير، وأتاهم مسلم بن عقبة المرّي في أهل

стр. 2382

الشام، جاء عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وعبد الله بن مطيع في رجال من قريش والأنصار وقالوا لابن الحنفيّة: اخرج معنا نقتل يزيد (١). فقال لهم: على ماذا أقاتله، ولم أخلعه؟ قالوا: إنّه قد كفر وفجر وشرب الخمر وفسق في الدين. فقال لهم: ألا تتّقون الله؟ هل رآه أحد منكم يعمل ما تذكرون؟ لقد صحبته أكثر ممّا صحبتموه فما رأيت منه سوءا. فقالوا: إنّه لم يكن يطلعك على فعله. قال: أفأفطلعكم أنتم عليه؟ فلئن كان فعل، إنّكم لشركاؤه! ولئن كان لم يطلعكم لقد شهدتم غير ما علمتم. فخافوا أن يثبط قعوده الناس عن الخروج. فعرضوا عليه أن يبايعوه إذ كره أن يبايع لابن الزبير. فقال: لست أقاتل، تابعا ولا متبوعا. قالوا: فقد قاتلت مع أبيك؟ قال: وأين مثل أبي اليوم؟ فأخرجوه كارها ومعه بنوه متسلّحين، وهو في نعل ورداء، وهو يقول: يا قوم اتّقوا الله! لا تسفكوا دماءكم! فلمّا رأوه غير [١٢٦ ب] منقاد لهم، خلّوه. فذهب أهل الشام ليحملوا عليه، فضارب بنوه دونه، فقتل ابنه القاسم بن محمّد، وضرب أبو هاشم بن محمد قاتل أخيه فقتله. وأقبل ابن الحنفيّة إلى رحله فتجهّز، ثمّ خرج إلى مكّة من فوره ذلك. فأقام بها حتّى حصر عبد الله بن الزبير حصاره الأوّل، وهو في ذلك قاعد عنه لا يغشاه ولا يأتيه. وسأل قوم من الشيعة من أهل الكوفة عن خبره فأعلموا أنّه بمكّة، فشخصوا إليه. وكانوا سبعة عشر رجلا، وهم: معاذ بن هاني بن عديّ، ابن أخي حجر بن عديّ الكنديّ، ومحمد بن يزيد بن بزعل الهمدانيّ ثمّ الصائديّ، ومحمد بن نشر الهمدانيّ، وأبو المعتمر حنش بن ربيعة الكنانيّ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانيّ، وهاني بن قيس الصائديّ، وصخير بن مالك المزنيّ، وسرح بن مالك الخثعميّ، والنعمان بن جعد المحامديّ، وشريح بن إحنا الحضرميّ، ويونس بن عمرو بن عمران الجابريّ، من غمدان، وعبد الله بن هاني الكنديّ، وهو الذي قتل مع المختار بعد ذلك، وجندب بن عبد الله الأزديّ، ومالك بن حزام بن ربيعة، قتله المختار بعد ذلك، وهو ابن أخي لبيد بن ربيعة الشاعر، وعبد الله بن ربيعة، وقيس بن جعونة الضباثيّ (٢)، وعبد الله بن ورقاء السلوليّ. [رفض ابن الحنفيّة مبايعة ابن الزبير] فبعث عبد الله بن الزبير إلى ابن الحنفيّة بعد انصراف أهل الشام من مكّة مع الحصين بن نمير السكونيّ، وموت يزيد بن معاوية أن: هلمّ فبايعني! فأبى عليه. وبايع الناس ابن الزبير بالمدينة والكوفة والبصرة. فأرسل إليه: إنّ الناس قد بايعوا واستقاموا فبايعني! فقال له: إذا لم يبق غيري بايعتك. وبعث إلى السبعة العشر الكوفيّين يسألهم عن

стр. 2383

حالهم فأمرهم بالبيعة له فقالوا: نحن قوم من الكوفة اعتزلنا الناس حين اختلفوا، وأتينا إلى هذا الحرم لئلّا نؤذي أحدا ولا نؤذى. فإذا اجتمعت الأمّة على رجل دخلنا معهم فيما دخلوا فيه وهذا مذهب صاحبنا، ونحن معه عليه وله صحبناه. فوقع ابن الزبير حينئذ في ابن الحنفيّة وتنقّصه وقال: والله ما صاحبكم [١٢٧ أ] بمرضيّ الدين، ولا محمود الرأي، ولا راجح العقل، ولا لهذا الأمر بأهل! فقام عبد الله بن هاني فقال: قد فهمت ما ذكرت به ابن عمّك من السوء. ونحن أعلم به وأطول معاشرة له منك. وأنت تقتل من لم يبايعك وتقول: والله ما أحبّ أنّ الأمّة بايعتني كلّها غير سعد مولى معاوية. فبعثت إليه فقتلته- وإنّما عرّض بابن الزبير لأنّه كان بعث إلى سعد فقتله- وكلّمه عبد الله بن هاني بكلام كبير. فقال: الهزوه وجئوا في قفاه (١)! فقال: أتفعل هذا في حرم الله وأمنه وجوار بيته؟ فقالوا له: لئن لم يضرّك إلّا تركنا بيعتك لا يضرّك شيء أبدا ولا يلحقك مكروه. ودعا ابن الزبير بعبد الله بن هاني فقال: أبي تضرب الأمثال، وإيّاي تأتي بالمقاييس؟ فقال: إني عذت بربّي، وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب! فقال ابن الزبير: ادفعوهم عنّي، لعنكم الله من عصابة! فأتوا محمد بن الحنفيّة فأخبروه بما كان بينهم وبين ابن الزبير فجزاهم خيرا، وعرض عليهم أن يعتزلوه فأبوا. وقالوا: نحن معك في اليسر والعسر، والسهل والوعر، لا نفارقك حتى يجعل الله لك فسحة وفرجا. وبايعوه على ذلك، فقال لهم: إنّي بكم لمتأنّس كبير. وسأله بعضهم أن يرصدوا ابن الزبير فيقتلوه إذا خرج من الحرم، فكره ذلك وقال: ما يسرّني أنّي قتلت حبشيّا مجدّعا ثمّ أجمع سلطان العرب كلّه. وقدّم على السبعة العشر الرجل من أبنائهم ثلاثة نفر: بشر بن سرح، والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وبشر بن هاني بن قيس. فلمّا يئس ابن الزبير من بيعة ابن الحنفيّة وأصحابه، وقد فسدت عليه الكوفة، وغلب المختار بن أبي عبيد الثقفيّ عليها، وأخرج ابن مطيع عامل ابن الزبير عنها، ودعت الشيعة بها لابن الحنفيّة، ثقل عليه مكان ابن الحنفيّة معه، وخشي أن يتداعى الناس إلى الرضاء به [١٢٧ ب] فحبسه وأهل بيته ومن كان معه من أصحابه أولئك بزمزم، ومنع الناس منهم، ووكّل بهم الحرس. ثمّ بعث إليهم: أعطي الله عهدا. لئن لم تبايعوني لأضربنّ أعناقكم أو لأحرّقنّكم بالنار! وكان رسوله بذلك عمرو بن عروة بن الزبير. فقال له ابن الحنفيّة: قل لعمّك: لقد أصبحت جريئا على الدماء، منتهكا للحرمة، متلثلثا (٢) في الفتنة. وقال له عدّة من السبعة العشر الرجل: إنّ هذا قد حصرنا بحيث ترى وخوّفنا بما تعلم. وو الله ما ينتظر إلّا أن يقدم علينا وقد ظهر بالكوفة من يدعو إلى بيعتك والطلب بدماء أهل بيتك. فالطف لبعثة رسل من قبلك يعلمونهم حالك وحال أهل بيتك. فقال: اختاروا منكم نفرا.

стр. 2384

فاختاروا الطفيل بن عامر بن واثلة- وهو المقتول مع عبد الرحمن بن الأشعث- ومحمد بن نشر، وأبا المعتمر، وهاني بن قيس، فأمرهم ابن الحنفيّة بكتمان أمرهم. وأمر لهم بأربع نجائب، وأجّلهم لذهابهم ومجيئهم ستّا وعشرين ليلة. [استنجاد ابن الحنفيّة بالمختار الثقفيّ] فلمّا هدأت العيون ونام طالع الكلاب (١) ورمق الحرس فوجدهم نياما مستثقلين، دفع إليهم كتابا منه إلى المختار بن أبي عبيد، وإلى من قبله من الشبعة يخبرهم فيه بحالهم وما يتخوّفون من ابن الزبير ويقول فيه: يا غوثنا بالله! يا غوثنا بالله! وقال: إن رأيتم منهم ما تحبّون حمدتم الله على ذلك. وإن رأيتم منهم تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحالة التي تركتمونا عليها. فلمّا قرأ المختار الكتاب دعا أصحابه فقرأه عليهم، فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجّون ويقولون للمختار: سرّحنا إليه وعجّل! فخطب المختار الناس وقال: هذا كتاب مهديّكم، وصريخ أهل بيت نبيّكم، ومن معهم إخوانكم قد تركوا محظورا عليهم حظر كزرب الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار، في آناء الليل وتارات النهار. لست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا وأصرف إليهم الخيل في آثار الخيل كالسيل يتلوه السيل [١٢٨ أ] حتّى يحلّ بابن الكاهليّة (٢) الويل. وأنفذ المختار جواب كتاب ابن الحنفيّة مع محمد بن نشر والطفيل ابن أبي الطفيل عامر بن واثلة. واحتبس قبله أبا المعتمر وهاني بن قيس ليسرّح معهما جيشا. ثمّ وجّه أبا عبد الله ابن عبد، من ولد واثلة بن عمرو بن تاج بن يشكر بنعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان- وهو الذي يعرف بأبي عبد الله الجدليّ لأنّ أمّ عدنان بن عمرو وفهم بن عمرو يقال لها: جديلة، فهم ينسبون إليها- في سبعين راكبا. ووجّه أيضا عقبة بن طارق الجشميّ في أربعين راكبا، ويونس بن عمرو بن عمران الجابريّ في أربعين راكبا. وكان يونس قد رجع إلى الكوفة قبل شخوص هؤلاء الأربعة النفر. فسار هؤلاء المائة والخمسون ومن عليهم حتّى وافوا مكّة، ومحمد بن الحنفيّة وأهل بيته وأولئك القوم قد أعدّ لهم عبد الله بن الزبير الحطب ليحرّقهم بالنار حتّى يبايعوه، فعقل القادمون رواحلهم وكبّروا ونادوا: يا لثارات الحسين! ثمّ شدّوا على الحرس الموكّلين بابن الحنفيّة وأصحابه فطردوهم، ودخلوا عليه يفدونه بآبائهم وأمّهاتهم ويقولون: خلّ بيننا وابن الزبير! فقال: لا أستحلّ القتال في الحرم! وقال ابن الزبير: فوا عجبا من هذه الخشبيّة التي اغتزوني في سلطاني ينعون حسينا كأنّي أنا قاتل حسين. والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم! - وكان دخولهم على ابن الزبير، وفي أيديهم الخشب، كراهة أن يشهّروا في الحرم والمسجد الحرام السيوف. وقال بعضهم: بل وثبوا على الخشب الذي كان ابن الزبير جمعه حول زمزم لإحراق ابن الحنفيّة، وأخذ كلّ امرئ منهم بيده خشبة فسمّوا «الخشبيّة». وأقبل ابن الزبير على أبي عبد الله الجدليّ وأصحابه فقال: أتروني أخلّي سبيل صاحبكم دون أن يبايع وتبايعوا؟

стр. 2385

فقال الجدليّ: وربّ الركن والمقام، والحلّ والإحرام، لتخلّينّ سبيله فينزل من مكّة حيث شاء، ومن الأرض حيث أحبّ، أو لنجالدنّك بأسيافنا! [١٢٨ ب] فقال ابن الزبير- ورأى أصحابه قد ملئوا المسجد، وأنّ أصحاب ابن الحنفيّة لم يبلغوا المائتين-: وما هؤلاء والله لو أذنت لأصحابي فيهم ما كانوا عندهم إلّا كأكلة رأس! فقال صخير بن مالك: أما والله إنّي لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل إليك قبل أن ترى فينا ما تحبّ. وقام الطفيل بن عامر فقال [الرجز]: قد علمت ذات الشباب الزود ... والجرم ذي البضاضة الممسود أنّا الأسود بنو الأسود فقال ابن الحنفيّة لعامر: يا أبا الطفيل اومر ابنك فليسكت! وتكلّم ابن الحنفيّة فقال: آمركم بتقوى الله وأن تحقنوا دماءكم. إنّي معتزل لهذه الفتنة حتى تجتمع الأمّة، إذ اختلفت وتفرّقت، فأطيعوني. وقال عبد الله بن عبّاس ﵄ لابن الزبير: قد نهيتك عن هذا الرجل وأعلمتك أنّه لا يريد منازعتك، فاكفف عنه وعن أصحابه! فقال: والله لا أفعل حتّى يبايع. أيبايع يزيد ولا يبايعني؟ [وصول الأمداد من الكوفة] فمكث القوم ثلاثة أيّام قد صفّ بعضهم لبعض في المسجد، والمعتمرون يمشون بينهم بالصلح. فلمّا كان اليوم الثالث قدم عليهم من قبل المختار أبو المعتمر في مائة، وهاني بن قيس في مائة، وضبيان بن عمارة القينيّ في مائتين، ومعه مال بعث به المختار، وهو أربعمائة ألف درهم. ثمّ أقبلوا جميعا حتّى دخلوا المسجد يكبّرون وينادون: يا لثارات الحسين! - فلمّا رآهم أصحاب ابن الزبير خافوهم. ورأى ابن الحنفيّة أنّه قد امتنع وأصحابه، فقال لهم: اخرجوا بنا إلى الشعب- ولم يقدر ابن الزبير على حبسهم. فخرج فنزل شعب عليّ فضمّ إليه المال الذي عنده. وأتته الشيعة من عشرة وعشرين، ورجل ورجلين، حتّى اجتمع معه أربعة آلاف رجل أو نحوها. فقسم بينهم المال الذي أتاه، ولمّا صار ابن الحنفيّة في هذا الجمع، استأذنه قوم ممّن كان قدم إليه في إتيان الكوفة للإلمام بأهليهم ثمّ الرجوع إليه، منهم عبد الله بن هاني الكنديّ، وعقبة بن طارق الجشميّ، ومالك بن حرام بن ربيعة [١٢٩ أ] الكلابيّ، وعبد الله بن ربيعة الجشميّ. فقدموا الكوفة. فلمّا كانت وقعة جبّانة السبيع (١) قاتلوا المختار إلّا عبد الله بن هاني، فيقال إنّه رجع إلى ابن الحنفيّة. ثمّ إنّ المختار بعث إلى ابن الحنفيّة بثلاثين ألف دينار مع عبد الرحمن بن أبي عمير الثقفيّ وعبد الله بن شدّاد الجشميّ، والسائب بن مالك الأشعريّ، وعبد الله- وهو عبدل- بن الخضل الطائيّ. وبعث معهم برأس عبيد الله بن زياد، وحسين بن عبيد، وابن ذي الكلاع. فنصبت الرءوس على باب المسجد. وقسم ابن الحنفيّة بين أصحابه فقووا وعزّوا. [تضعضع ابن الحنفيّة بعد قتل المختار] ولم يزل ابن الحنفيّة بالشعب عزيزا أمينا حتى

стр. 2386

قتل المختار، فظهر مصعب بن الزبير على الكوفة. فاشتدّ أمر عبد الله بن الزبير وتضعضع أمر أصحاب ابن الحنفيّة، وانقطعت موادّهم واشتدّت حاجتهم. وقال ابن الزبير لابن عبّاس: ألم يبلغك قتل الكذّاب؟ فقال: ومن الكذّاب؟ قال: ابن أبي عبيد. فقال: بلغني قتل المختار. قال: كأنّك تكره تسميته كذّابا وتتوجّع له؟ فقال: ذلك رجل قتل قتلتنا وطلب بدمائنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة. فقال ابن الزبير: لست أدري أأنت معنا أم علينا؟ ومرّ ابن عبّاس بعروة بن الزبير فقال: قد قتل الكذّاب المختار وهذا رأسه. فقال: إنّه قد بقيت لكم عقبة، فإن صعدتموها فأنتم أنتم- يعني عبد الملك بن مروان وأهل الشام. وبعث ابن الزبير إلى ابن الحنفيّة: إنّ البلاد قد اقتحمت، وإنّ الأمور قد استوسقت. فاخرج إليّ فادخل فيما دخل فيه الناس، وإلّا، فإنّي منابذك- وكان رسوله بذلك عروة بن الزبير. فقال له: توصي لأخيك بالجدّ في إسخاط الله وتغفله عن ذات الله! وقال لأصحابه: بلغني أنّ هذا العدوّ الذي قربت داره وساء جواره واشتدّت غائلته، يريد أن يثور إلينا بمكاننا هذا من يومنا هذا. وقد أذنت لمن أحبّ الانصراف عنّا في ذلك، فإنّه لا ذمام عليه منّا ولا لوم. فإنّي مقيم حتّى يفتح الله بيني وبينه وهو خير الفاتحين. فقام إليه أبو عبد الله الجدليّ، ومحمد بن نشر، وعبد الله بن [١٢٩ ب] سيفي فتكلّموا وأعلموه أنّهم غير مفارقيه. وجدّ ابن الزبير في قتال ابن الحنفيّة، وكره ابن الحنفيّة أن يقاتله في الحرم. وقد كان خبر ابن الحنفيّة انتهى إلى عبد الملك بن مروان وبلغه فعل ابن الزبير. فبعث إليه يعلمه أنّه إن قدم عليه أحسن إليه، وعرض عليه أن ينزل إلى الشام [حيث] شاء حتى يستقيم أمر الناس. وكتب عبد الله بن عبّاس إلى عبد الملك في محمد بن الحنفيّة كتابا يسأله فيه الوصاة به والعناية بشأنه والحيطة عليه إذا صار إلى الشام. فأجابه عبد الملك بكتاب حسن يعلمه فيه قبوله وصيانته ويسأله أن ينزل به حوائجه. [خروجه إلى الشام هروبا من ابن الزبير] فخرج ابن الحنفيّة وأصحابه يريدون الشام، وخرج كثيّر عزّة أمامه وهو يقول [الرجز]: هديت يا مهديّنا ابن المهتدي ... أنت الذي نرضى به ونرتجي أنت ابن خير الناس من بعد النبيّ ... أنت إمام الحقّ، لسنا نمتري يا ابن عليّ سر ومر مثل عليّ (١) وأتى ابن الحنفيّة مدين وبها المطهّر بن حرّ العكّي من قبل عبد الملك. فحدّثه أصحابه بما كان من غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق بعد أن أعطاه العهود المؤكّدة، فحذره. ونزل أيلة، فتحدّث الناس بفضل محمد وكثرة صلاته وزهده وحسن هديه. فلمّا بلغ عبد الملك ندم على إذنه له في قدوم بلده، وكتب إليه: إنّك قدمت بلادنا بإذن منّا. وقد رأيت ألّا يكون في

стр. 2387

سلطاني رجل لم يبايعني. فلك ألف ألف درهم أعجّل لك منها مائتي ألف درهم ولك السفن التي أرفأت (١) إليك من مصر- وكانت سفنا بعث بها إليه فيها أمتعة وأطعمة. فكتب إليه ابن الحنفيّة: قد قدمنا بلادك بإذنك إذ كان ذلك لك موافقا. وارتحلنا عنها إذ كنت لجوارنا كارها. [رجوعه إلى مكّة ثمّ خروجه إلى الطائف] وقدم ابن الحنفيّة مكّة فنزل الشعب. فبعث إليه ابن الزبير: ارتحل عن هذا الشعب! فما أراك منتهبا عنه أو يشعّب الله لك ولأصحابك فيها أصنافا من العذاب. وكتب إلى مصعب بن الزبير أخيه يخبره بأسماء رؤساء أصحاب ابن الحنفيّة ويأمره أن يسيّر نساءهم من الكوفة. فسيّر نساء نفر [١٣٠ أ] منهم. وكفّ ابن الزبير عن ابن الحنفيّة حتّى إذا حجّ الناس وكان يوم النّفر أرسل إليه: تنحّ عن هذا المنزل، وانفر مع الناس. وإلّا فإنّي منازلك. فسأله معاذ بن هاني وغيره من أصحابه أن يأذن في مقارعته، وقالوا: قد بدأك بالظلم واضطرّك وإيّانا إلى الامتناع. فقال له ابن مطيع: لا يغرّنّك قول هؤلاء! فإنّهم قتلة أبيك وأخيك. فقال: نصبر لقضاء الله. اللهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذلّ والخوف. وسلّط عليه وعلى أشياعه وناصريه من يسومهم مثل الذي يسوم الناس! اللهمّ أبلسهم بخطيّته واجعل دائرة الشرّ عليه! سيروا بنا على اسم الله إلى الطائف! فقام ابن عبّاس ﵁ فدخل على ابن الزبير ﵁ فقال له: ما ينقضي عجبي من تنزّيك على بني عبد المطّلب! تخرجهم من حرم الله وهم والله أولى به وأعظم نصيبا فيه منك. إنّ عواقب الظلم لتردّ إلى وبال. فقال ابن الزبير: ما منك أعجب، ولكن من نفسي حين أدعك تنطق عندي ملء فيك. قال ابن عبّاس: والله ما نطقت عند أحد من الولاة أخسّ منك! قد والله نطقت غلاما عند رسول الله ﷺ وأبي بكر. ونطقت رجلا عند عمر، وعثمان وعليّ ﵄ يرونني أحقّ من نطق فيستمع لرأيي وتقبل مشورتي. وكلّ هؤلاء خير منك ومن أبيك. فقال: والله لئن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعين (٢) سنة. فقال ابن عباس: ذلك والله أبلغ إلى جاعرتيك (٣). بغضي والله صرّك وآثمك (٤) إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبيّ ﷺ في خطبتك. فإذا عوتبت على ذلك قلت: إنّ له أهيل سوء، فإذا صلّيت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رءوسهم. فقال ابن الزبير: اخرج عنّي، ولا تقربني! فقال: أنا أزهد فيك من أن أقربك. ولأخرجنّ عنك خروج من يذمّك ويقليك. فلحق بالطائف، فلم يلبث إلّا يسيرا حتى توفّي. فصلّى عليه ابن الحنفيّة وكبّر أربعا (٥) وضرب على قبره فسطاطا.

стр. 2388

[مبايعته عبد الملك بن مروان] ولم يزل ابن الحنفيّة بالطائف حتّى [١٣٠ ب] أقبل الحجّاج بن يوسف من عند عبد الملك بن مروان لقتال عبد الله بن الزبير. فلمّا حصره عاد ابن الحنفيّة إلى الشام. وكتب إليه عبد الملك بعد قتل مصعب بن الزبير وبعثته الحجّاج: أمّا بعد فإذا أتاك كتابي فاخرج إلى الحجّاج عاملي فبايعه. فكتب إليه: إنّي لا أبايع حتّى يجتمع الناس عليك. فإذا اجتمعوا كنت أوّل من يبايع. فلمّا قتل عبد الله بن الزبير، وهو (١) يومئذ بالشعب، سرّح أبا عبد الله الجدليّ بكتاب منه إلى عبد الملك يسأله الأمان لنفسه ولأصحابه. وبعث إليه الحجّاج يأمره بالبيعة فأبى، وقال: قد كتبت إلى عبد الملك كتابا فإذا جاءني جوابه بما سألته بايعت. قال: أو تشترط على أمير المؤمنين؟ لتبايعنّ طائعا أو كارها. فأتاه عبد الله بن عمر ﵄ فقال له: ما تريد من رجل ما نعلم في أهل زماننا مثله. أمسك عنه حتى يأتيه كتاب ابن عمّه! - وقد كان كتاب عبد الملك أتى الحجّاج قبل قتل ابن الزبير يأمره فيه بالكفّ عن ابن الحنفيّة والرّفق به. فأمسك الحجّاج حتى قدم على ابن الحنفيّة رسوله أبو عبد الله الجدليّ بجواب كتابه ببسط الأمان له وتصديق قوله ووصف ما هو عليه في إسلامه وعفافه وفضله وقرابته وعظيم حقّه. وقال: لعمري، لئن ألجأتك إلى الذهاب في الأرض خائفا، لقد ظلمتك وجفوتك وقطعت رحمك! فبايع الحجّاج على بركة الله! وأمره بالقدوم عليه آمنا مأمونا، وفي الرحب والسعة، وإلى الكرامة والأثرة والمواساة. فخرج إلى الحجّاج فبايعه لعبد الملك. وأشخصه معه إلى عبد الملك في جماعة، منهم عبد الله بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن سعد بن أبي وقّاص، وعروة بن الزبير ﵃. فلمّا قدم على عبد الملك، أعظمه وبرّه وأكرمه وأقبل عليه. فحسده الحجّاج على ما رأى من احتفاء عبد الملك به. فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد أردت أن أضرب عنقه لولا تقدّمك إليّ بأمره، لتأخّره وتثاقله عن البيعة. فقال له عبد الملك: مهلا يا حجّاج. فسأله ابن الحنفيّة أن ينزع عنه سلطانه، فقال: إنّه لا سلطان له عليك ولا لأحد من الناس [١٣١ أ] دوني. ولك في كلّ سنة رحلة إليّ ترفع فيها حوائجك فأقضيها لك. ويقال: إنّه قال: أخلني يا أمير المؤمنين! فقال: إنّه ليس دون الحجّاج سرّ. قال: فأعدني (٢) عليه، فإنّه يكلّفني الغدوّ والرواح إليه ويعدي عليّ غرمائي قبل بيع الثمرة. فقال عبد الملك: لا سلطان لك عليه دون بلوغ الثمرة، ولا على عبد الله بن جعفر، فإنّهما ينتظران الغلّة أو صلتنا. ثمّ انصرف من عند عبد الملك، وكان معه جماعة من أصحابه، منهم عامر بن واثلة أبو الطفيل، ومحمد بن نشر، ومحمد بن يزيد بن مزعل، حتّى قدموا المدينة. وقال أبو الحسن المدائنيّ عن ابن جعدبة (٣) عن ابن كيسان قال: قال عبد الملك لابن الحنفيّة حين

стр. 2389

قدم عليه، وهما خلوان: تذكّر فعلتك يوم الدار! فقال: أنشدك الله والرحم يا أمير المؤمنين! فقال: والله ما ذكرتها ولا أذكرها لأحد. وكان محمد سمع مروان قال لعليّ ﵁ يوم الدار: قطع الليلة أثرك. فأخذ محمد بحمائل سيف مروان، فرجع عليّ ففرّق بينهما. ويقال: إنّ الحجّاج وجّه ابن الحنفيّة إلى عبد الملك وافدا. فأكرمه وبرّه ثمّ ردّه إلى المدينة، وقال: فد إليّ في كلّ عام! - وإنّ الحجّاج لم يشخصه معه. [رواية الواقديّ للأحداث] وقال محمد بن سعد عن الواقدي: أرسل ابن الزبير إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة أن بايعا، فقالا: يجتمع الناس على رجل ثم نبايع. فإنّك في فتنة، فغضب من ذلك. ولم يزل الأمر يغلظ بينه وبينهما حتّى خافاه خوفا شديدا، وحبس ابن الحنفيّة في زمزم. فبعث إلى الكوفة يخبر بما هو فيه من ابن الزبير. فأخرج إليه المختار أربعة آلاف عليهم أبو عبد الله الجدليّ، فصاروا إلى المسجد الحرام. فلمّا رأى ابن الزبير ذلك دخل منزله، وقد كان أيضا ضيّق على ابن عبّاس، فبعث إلى حطب فجعله على باب ابن عبّاس، وحوّل مجلس ابن الحنفيّة من زمزم فمنعه ذلك الجيش ممّا أراد. وسار ابن الحنفيّة إلى الشعب فنزله. ثمّ إنّ ابن الزبير قوي على ابن الحنفيّة حين قتل المختار وغلب مصعب على الكوفة. فأخرج ابن عبّاس وابن الحنفيّة [١٣١ ب] عنه وقال: لا تجاوراني ولا تبايعاني! فخرجا إلى الطائف، فمرض ابن عبّاس ثمانية أيّام، ثمّ توفّي بالطائف، فصلّى عليه ابن الحنفيّة وكبّر عليه أربعا (١) ودفنه. وكان الذين تولّوا حمله ودفنه مع ابن الحنفيّة أصحابه الشيعة. وقال بعض الرواة: ومات ابن الحنفيّة بأيلة.- وذلك غلط. والثبت أنّ ابن الحنفيّة مات بالمدينة، وله خمس وستّون سنة. وصلّى عليه أبان بن عثمان بن عفّان، وهو والي المدينة، وقال له أبو هاشم ابنه: نحن نعلم أنّ الإمام أولى بالصلاة، ولولا ذلك ما قدّمناك. ويقال إنّ أبا هاشم أبى أن يصلّي على أبيه أبان، فقال أبان: أنتم أولى بميّتكم! - فصلّى عليه أبو هاشم. وروى الواقدي أنّ محمد بن الحنفيّة قال في سنة الجحاف (٢) حين دخلت سنة إحدى وثمانين: هذه لي خمس وستّون سنة، قد جاوزت سني أبي بسنتين- وتوفّي تلك السنة. ويقال: توفّي سنة اثنتين وثمانين. ودفن بالبقيع. ويروى أنّه لمّا كان من أمر ابن الحنفيّة ما كان تجمّع بالمدينة قوم من السودان، غضبا له، ومراغمة لابن الزبير. فرأى عبد الله بن عمر ﵄ غلاما له فيهم وهو شاهر سيفه، يقال له رباح. قال رباح: والله إنّا خرجنا لنردّكم عن باطلكم إلى حقّنا- فبكى ابن عمر وقال: اللهمّ إنّ هذا بذنوبنا.

стр. 2390

وقيل: إنّما تجمّعوا يوم الحرّة وهم يظهرون نصرة يزيد على ابن الزبير. وخرج غلام ابن عمر معهم. [من مأثور كلامه] ومن كلام محمد بن الحنفيّة: ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد بدّا من معاشرته حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا. وقال: الكمال في ثلاث: العفّة في الدين، والصبر في النوائب، وحسن التقدير للمعيشة. وقال: من كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينه. وقال: إنّما يأمن في غده من خاف الله في يومه. وقال: شرّ عادات المرء اتّباعه هواه. وقال: من لم يستعن بالرفق في أمره أضرّ الحمق (١) بعمله. وكان خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد مع ابن الحنفيّة. وكان المهاجر أبوه مع عليّ بصفّين. فأخذ عبد الله بن الزبير خالد بن المهاجر فعلّق في عنقه زكرة [١٣٢ أ] مملوءة شرابا ثمّ ضربه الحدّ. فقال ابن الحنفيّة: إنّ ابن الزبير لرحب الذراع بما يضرّه. وقال رجل لابن الحنفيّة وهو بالشام: أعليّ أفضل أم عثمان؟ فقال: أعفني. فلم يعفه. فقال: أنت شبيه فرعون حين سأله موسى فقال: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ [طه: ٥١ - ٥٢]. فصاح الناس بالشاميّ: يا شبيه فرعون! - حتى هرب إلى مصر. وأهدى يزيد بن قيس إلى الحسن والحسين ﵇ هديّة فحطأ (٢) عليّ ﵁ على كتف ابن الحنفيّة ثمّ قال متمثلا [الوافر]: وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا (٣) فأهدى إليه كما أهدى لأخويه (٤) [ ... ] (٥). [نسله] [١٣٢ ب] وكان لمحمّد ابن الحنفيّة من الولد: أبو القاسم (٦) الحسن، أمّه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطّلب بن عبد مناف. وهو أوّل من تكلّم في الإرجاء. وأبو هاشم عبد الله، وجعفر الأكبر، وحمزة، وعليّ، لأمّ ولد تدعى نائلة، وجعفر الأصغر، وعون، أمّهما أمّ جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب. وقاسم، وعبد الرحمن، وأمّ القاسم، وأمّ أبيها، ورقيّة، وحبابة، أمّهم الشهباء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل بن عبد المطّلب، وإبراهيم، وأمّه مشرعة- ويقال بشيرة- بنت عبّاد بن شيبان بن جابر بن نصيب بن وهيب. فالقاسم وعبد الرحمن لا بقيّة لهما. وقال أبو اليقظان: لا عقب لأبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفيّة.

стр. 2391

وقال غيره: ولد له أبو هاشم، ومحمد الأكبر، ومحمّد الأصغر، وغيرهم. وكانت الشيعة تزعم أنّ محمد ابن الحنفيّة هو الإمام بعد عليّ بن أبي طالب، قال كثيّر عزّة من أبيات [الوافر]: هو المهديّ خبّرناه كعب ... أخو الأحبار في الحقب الخوالي فقيل له: لقيت كعب الأحبار؟ قال: لا. قيل: فلم قلت: خبّرناه كعب؟ قال: في الوهم. [تشيّع كثيّر لابن الحنفيّة] وكان كثيّر شيعيّا يرى الرجعة، ويقول بتناسخ الأرواح. وقال أيضا [الوافر]: ألا إنّ الأئمّة من قريش ... ولاة الحقّ أربعة سواء عليّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس لهم خفاء فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء وسبط لا تراه العين حتّى ... يقود الخيل يقدمها لواء (١) ٥ تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء [وكذلك السيّد الحميريّ] وكانت شيعته تزعم أنّه لم يمت. وقال السيّد الحميريّ [الوافر]: ألا قل للوصيّ فدتك نفسي ... أطلت بذلك الجبل المقاما أضرّ بمعشر والوك منّا ... وسمّوك الخليفة والإماما وعادوا فيك أهل الأرض طرّا ... مقامك عنهم ستّين عاما وما ذاق ابن خولة طعم موت ... ولا وارت له أرض عظاما ٥ لقد أمسى بمورق شعب رضوى ... تراجعه الملائكة الكلاما وإنّ له به لمقيل صدق ... وأندية تحدّثه كراما هدانا الله إذ جزتم لأمر ... به وعليه نلتمس التماما تمام مودّة المهديّ حتى ... تروا راياتنا تترى نظاما [١٣٣ أ] وقال أيضا [الكامل]: يا شعب رضوى ما لمن لك لا يرى ... وبنا إليه من الصبابة أولق حتّى متى وإلى متى وكم المدى ... يا ابن الوصيّ، وأنت حيّ ترزق؟ [انتقال الوصيّة من العلويّين إلى بني العبّاس] ولمّا مات محمد ابن الحنفيّة قالت شيعته: الإمام هو ابنه أبو هاشم، وكان أبوه حين حضرته الوفاة أوصى إليه وقلّده أمر الشيعة والقيام بشأنهم. فوشى بأبي هاشم رجل إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقال: إنّ له بالعراق شيعة وإنّه يتسمّى بأمير المؤمنين. فقبل الوليد ذلك وبعث إليه فأقدمه وحبسه بسجن دمشق، ثمّ حوّله من السجن إلى داره حتّى قدم عليّ بن الحسين ﵄ على الوليد،

стр. 2392

وكان مرضيّا عندهم، فكلّمه فيه فأطلقه وأنزله في قصره، فكان يسمر عنده. فقال له ليلة: لقد أسرع إليك الشيب يا أبا البنات! - وكان أكثر ولده بنات- فقال له: أتعيّرني بالبنات، وكان نبيّ الله لوط، ونبيّ الله شعيب، ومحمد نبيّ الله ﷺ أبا بنات؟ فغضب الوليد وقال: إنّك لألدّ! - وأمره أن يرحل عنه، فرحل يريد المدينة. فلمّا كان بالبلقاء مرض، فمال إلى محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، فتوفّي عنده بالحميمة. وأوصى إليه وقال له: إنّ هذا أمر أنت أوّل من يقوم به، ولولدك آخره. وفي رواية أنّه قال له: يا ابن عمّ، إنّا كنّا نظنّ أنّ الإمامة فينا. فقد زال الشكّ، وصرّح اليقين بأنّك الإمام دون أبي ﵀. وأعطاه كتبه، وسمّى له شيعته. ويقال إنّه مات مسموما، وأنّ الوليد بن عبد الملك سمّه أو دسّ إليه من سمّه (١). ٢٧٦١ - الشريف عطوف [- ٧١٠] (٢) [١٣٣ ب] محمد بن عليّ بن أبي طالب، الحسينيّ، العطّار، المعروف بالشريف عطوف. حدّث عن الرشيد أحمد بن المفرّج بن مسلمة. وتوفّي يوم الخميس خامس جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة بالقاهرة. ٢٧٦٢ - الوجيه ابن سويد [٦١١ - ٦٧٠] (٣) محمد بن عليّ بن أبي طالب- واسمه سويد- ابن معالي بن محمّد بن أبي بكر، وجيه الدين، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، المعروف بابن سويد، الربعيّ، التغلبيّ، التكريتيّ، التاجر. ولد سنة إحدى عشرة وستّمائة. وكان من أعيان التجّار وذوي المكانة عند الملوك وسعة المال وكثرة الجاه والمتاجر لا يتعرّض لها متعرّض. وكانت كتبه نافذة عند سائر الملوك. ولم يبلغ أحد أمثاله من الحرمة ما بلغ. وكان من خواصّ الملك الناصر يوسف ابن العزيز. وسمع ببغداد من ابن القميرة، وبتكريت من أصحاب ابن سويدة، وحدّث. فلمّا أخذ التتار البلاد قدم القاهرة وغرم ألف ألف درهم. فقرّبه الملك الظاهر بيبرس وأدناه ووكّله على الأملاك المبتاعة برسم الملك السعيد بركة، واستنابه في استغلالها، فنفق مع جميع أرباب الدولة. وكان كثير المكارم والمهاداة، كثير الصدقة، حريصا على تحصيل المال. وكان إليه وصايا كثيرة، وتحت يده وقوف كثيرة، وأموال جمّة ذهبت على أصحابها. وكان في مبدإ أمره يتّجه بمال أبيه ومال غيره من بغداد إلى تكريت ثمّ إلى ديار مصر. وما زال يتردّد إلى سنة خمس وأربعين وستّمائة [ف] توفّي له مضارب (٤) [١٣٤ أ] بحلب، فأخذ رسالة شهاب الدين ريحان نائب شرف الدين إقبال الشرابيّ، أحد عظماء خدّام الخلافة ببغداد إلى الصاحب تاج الدين محمد بن نصر زعيم إربل بالشفاعة إليه ليكتب إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب

стр. 2393

الموصل، حتى يكتب إلى الملك الناصر يوسف ابن العزيز صاحب حلب. فكتب له صاحب الموصل إلى الأمير شمس الدين لؤلؤ مدبّر دولة الناصر، فقدم به عليه وتسلّم بضاعته ومبلغها مائة ألف وعشرة آلاف درهم، وصارت له بلؤلؤ صحبة. فكتب معه إلى صاحب الموصل كتابا فكتب على يده إلى الديوان العزيز بشكره، فحصل له بذلك النفع العامّ. فلمّا ملك الناصر دمشق في سنة ثمان وأربعين وستّمائة، كان مقيما بها، فجمع شمس الدين لؤلؤ بينه وبين الناصر، وسكن منه وصار يأنس به. وتوجّه من دمشق إلى بغداد بكتاب الناصر إلى الوزير. وما زال رئيسا جليلا حتى مات بدمشق ليلة الجمعة السابع والعشرين من شوّال سنة سبعين وستّمائة. ٢٧٦٣ - محمد بن عليّ الجزريّ [- ٦٧٥] [١٣٤ ب] محمد بن عليّ بن أبي الطاهر مقلّد بن خلف، ابن القاضي عتّاب، أبو عبد الله، العمريّ، الجزريّ- من جزيرة ابن عمر- أحد التجّار الكبار. طاف بلاد العجم والهند واليمن. وقدم الإسكندريّة. وحجّ من القاهرة. وسكن دمشق حتّى مات بها يوم السبت عيد النحر سنة خمس وسبعين وستّمائة. وذكر أنّه دخل ثلاثمائة بلد فيها جامع وخطبة. وما سافر من بلد حتّى كتب به فضيلة. ٢٧٦٤ - ابن جبّاش البلخيّ [- ٢٩٨] (١) [١٣٥ أ] محمد بن عليّ بن طرخان بن عبد الله بن عليّ بن طرخان بن عبد الله بن جبّاش- بفتح الجيم وتشديد الباء الموحّدة، وبعد الألف شين معجمة- أبو بكر، وأبو عبد الله، البلخيّ، [البيكنديّ]. أصله من بيكند إحدى بلاد بخارى. سكن بلخ. وكان حافظا للحديث، حسن التصنيف. رحل إلى مصر والشام والكوفة والبصرة. حدّث عن محمد بن الخليل البلاطيّ الخشنيّ، ومحمد بن الفضل، وقتيبة بن سعيد، وهشام بن عمّار، والحسن بن محمد الزعفرانيّ، في آخرين. توفّي في رجب سنة ثمان وتسعين ومائتين. [١٣٥ ب] ٢٧٦٥ - محمد بن عليّ بن طلحة (٢) ٢٧٦٦ - ابن الكعبيّ [٥٥٢ - ٦٢٥] (٣) [١٣٦ أ] محمد بن عليّ بن ظافر بن أبي السعادات، [ ... ] الدين، أبو الفتوح، ابن أبي الحسن، التغلبيّ، الحمدانيّ، المعروف بابن الكعبيّ، الأديب، الكاتب. مولده بالقاهرة في العشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وقرأ الأدب على أبي عبد الله محمد بن عمر ابن البنّاء، وعلى أبي

стр. 2394

الطاهر المغربيّ. وله شعر حسن، كثير المحفوظات. ولي ديوان الجيش في أيّام الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب. وكان يذكر أنّه من بني سيف الدولة ابن حمدان. وتوفّي بالقاهرة يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي الحجّة سنة خمس وعشرين وستّمائة. ومن شعره [المنسرح]: بكيت شوقا ثمّ ابتسمت وقد ... جاء بشير بقرب لقياك فصرت كالروض غبّ سارية ... تبصره العين ضاحكا باكي ٢٧٦٧ - ابن ظونة الشنتمريّ [- ٥٢٨] [١٣٦ ب] محمد بن عليّ بن ظنة- ويقال: ظونة، ويقال: دونه- وقد تكتب بواو بين الظاء والنون، وقد يقال: ذونه بذال معجمة، وهو اسم روميّ معناه: سيّد- أبو عبد الله، السهميّ، الأندلسيّ، الشنتمريّ. روى عن أبي الفضل جعفر بن محمد بن يوسف الأعلم، وأحمد بن عبد العزيز بن غزوان. قال السلفيّ: من أهل الأدب البارع، والشعر الرائع، قدم الثغر، وكتب عنّي من الحديث جملة صالحة. وله إليّ قصائد ومقطّعات. وحجّ وكتب بمكّة، وكان من أذكى الناس. توفّي وقت توجّهه إلى المغرب قبل وصوله إلى وطنه، وقد علّقت عنه، في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ٢٧٦٨ - أبو عبد الله الطنجيّ [- بعد ٦٥٠] [١٣٧ أ] محمد بن علي بن عبد الله بن جوهر، أبو عبد الله، الطنجيّ، الفقيه، المالكيّ. قدم الإسكندريّة وأقام بها واشتغل بمذهب الشافعيّ. وسمع الحديث من أبي عبد الله بن عماد، وأبي الفضل جعفر الهمذانيّ، وأبي القاسم الصفراويّ. وقرأ كثيرا، وقرأ القراءات، وحجّ. وسكن الشام، ومات بحلب بعد الخمسين وستّمائة. ومن شعره [الوافر]: أتوحشني وأنت اليوم أنسي ... وتتركني رهينا بالبعاد؟ فلا قلبي يفيق من الرزايا ... ولا عيني تملّ من السهاد كتمت الحبّ حتّى عيل صبري ... فنمّ به دموعي وانكمادي ٢٧٦٩ - ابن الشيخ أبي الحسن الشاذليّ [- ٧٢٦] محمد بن علي بن عبد الله بن عبد الجبّار بن تميم بن هرم بن حاتم بن قصيّ بن يوشع بن يرد بن بطال بن أحمد بن محمّد بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، شرف الدين، أبو عبد الله، ابن الشيخ أبي الحسن الشاذليّ، المالكيّ، الصوفيّ، أحد المشايخ المعروفين، والصلحاء المذكورين. قرأ العربيّة على الشيخ محيي الدين حافي رأسه (١)، وقرأ فقه المالكيّة على ناصر الدين عليّ بن إسماعيل الأبياريّ. وقدم القاهرة مرارا.

стр. 2395

وكان مع والده لمّا سافر إلى الحجاز في سنة ستّ وخمسين وستّمائة، فمات والده، وقد اختلف في سنّه. وتوفّي في ثامن ربيع الأوّل سنة ستّ وعشرين وسبعمائة بدمنهور الوحش، من أعمال الديار المصريّة، ودفن بها. ٢٧٧٠ - العجوليّ الحنبليّ [٦٤٠ - ٧١٠] محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفاتح بن عبد الله، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، ابن أبي محمّد، الحرّانيّ، الحلبيّ، الصابونيّ، العجوليّ، بيّاع العجول بالقاهرة، الحنبليّ. ولد بحلب في سابع عشرين شهر رمضان سنة أربعين وستّمائة. وسمع من أبي القاسم بن رواحة، وأبي الحجّاج يوسف بن خليل. وحدّث عنهمابالقاهرة. وبها مات في أوائل جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة. ٢٧٧١ - الحافظ أبو عبد الله الصوريّ [٣٧٧ - ٤٤١] (١) محمد بن عليّ بن عبد الله بن محمّد، أبو عبد الله، الصوريّ، الحافظ. قدم مصر سنة خمس وأربعمائة، فسمع بها من محمد بن عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزديّ، وعبد الغنيّ بن سعيد الحافظ، وأبي محمد عبد الرحمن بن عمر ابن النحّاس وغيرهم. وسمع ببغداد وغيرها من جماعة. وروى عنه أبو بكر الخطيب، وقاضي [١٣٧ ب] القضاة أبو عبد الله محمد بن عليّ الدامغاني، في آخرين. مولده في سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة. قال الخطيب: كان من أحرص الناس على معرفة علم الحديث، وأحسنهم معرفة به، ولم يقدم علينا من الغرباء الذين لقيتهم أفهم منه بعلم الحديث. وكان مع كثرة طلبه صعب المذهب فيما يسمعه، ربّما كرّر قراءة الحديث الواحد على شيخه مرّات. وكان يسرد الصوم لا يفطر إلّا يوم (٢) العيدين وأيّام التشريق. وذكر لي أنّ عبد الغنيّ بن سعيد كتب عنه أشياء في تصانيفه، وصرّح باسمه في بعضها، وقال في بعضها: «حدّثني الورد بن عليّ»، كناية عنه. وكان صدوقا. ولم يزل ببغداد إلى أن توفّي بها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وقيل: إنّ وفاته يوم الأربعاء، ودفن يوم الخميس الثامن عشر من شهر رجب سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. وصلّى عليه في ثلاثة مواضع. وقال أبو الوليد الباجي: أحفظ من لقينا: لا يستبعد أن يذاكر بمائتي ألف حديث. قال الخطيب: وكان دقيق الخطّ، صحيح النقل. وحدّثني أنّه لم يكن سمع الحديث في صغره، وإنّما طلبه بنفسه في حال الكبر. وكتب عن أبي الحسين بن جميع بصيدا، وهو أسند شيوخه، ثمّ صحب عبد الغنيّ بن سعيد وكتب عنه. وقال غيث بن عليّ الأرمنازي: أوّل سماعه سنة تسع وثمانين وثلاثمائة بصيدا من شيخ كان عنده في المكتب يعرف بأبي الحسن محمد بن الليث بن القاسم العنزيّ. رأيت جماعة من أهل العلم يقولون: ما رأينا أحدا أحفظ منه. وقلت لأبي بكر الحافظ- يعني الخطيب-: كان الصوريّ حافظا؟

стр. 2396

قال: إيه والله! ومن شعره [الخفيف]: قل لمن عاند الحديث وأضحى ... عائبا أهله ومن يدّعيه أبعلم تقول هذا؟ ابن لي ... أم بجهل؟ فالجهل خلق السفيه أيعاب الذين هم حفظوا الدي ... ن من التّرّهات والتمويه؟ وإلى قولهم وما قد رووه ... راجع كلّ عالم وفقيه (١) ٢٧٧٢ - ابن باسر الجيّانيّ [٤٩٢ - ٥٦٣] (٢) محمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن ياسر، أبو بكر، الأندلسيّ، الجيّانيّ، ويعرف بابن ياسر. رحل عن بلاده ودخل ديار مصر والشام والعراق، وخراسان، وما وراء النهر. ولقي الفقهاء، وتفقّه ببخارى حتّى [١٣٨ أ] مهر في المذهب والخلاف والجدل. ثمّ اشتغل بالحديث وسماعه وحفظه وحصّل منه كثيرا. ثمّ سكن بلخ مدّة وعاد إلى بغداد فدخلها في شوّال سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وتوجّه إلى مكّة وحجّ. ورجع إلى الشام واستوطن حلب، إلى أن توفّي بها. ووقف كتبه. وكان متديّنا صدوقا حافظا عالما بالحديث، وفيه فضل. ولد بجيّان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. ومات بحلب ليلة السبت سابع ربيع الآخر- وقيل في جمادى الأولى- سنة ثلاث وستّين وخمسمائة. قال ابن عساكر (٣): وكان يعلّم الصبيان، وكان منه عسر في الرواية. ٢٧٧٣ - أبو طاهر الأنباريّ [- ٤٠٢] (٤) محمد بن علي بن عبد الله بن مهديّ بن سهل بن الفضيل، أبو طاهر، الأنباريّ. سمع بمصر من أبي طاهر أحمد بن محمد بن عمرو المدينيّ، وعليّ بن عبد الله الإسكندرانيّ، وأبي حفص ابن الحدّاد. قال الخطيب: وكان ثقة. وذكر ابن ميسّر: توفّي في ثالث عشر شعبان سنة اثنتين وأربعمائة ببغداد. ٢٧٧٤ - العماد ابن المحلّيّ [٦١٣ - ٦٨٩] [١٣٨ ب] محمد بن عليّ بن عبد الرحمن بن عليّ بن عبد الكريم، عماد الدين، أبو عبد الله، القرشيّ، عرف بابن المحلّيّ. مولده بمصر سنة ثلاث عشرة وستّمائة. سمع من البهاء ابن الجمّيزى، وفخر القضاة أحمد بن محمّد بن عبد العزيز ابن الجبّاب. وتوفّي بمصر ليلة الثلاثاء ثامن عشرين ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وستّمائة، ودفن بسفح المقطّم، وله شعر. ٢٧٧٥ - ابن الفقاعيّ [٦٠١ - ٦٦٧] محمد بن علي بن عبد الرحمن بن فارس،

стр. 2397

ضياء الدين، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، ابن أبي البركات، القرشيّ، الزهريّ، عرف بابن الفقاعيّ، الكاتب، المصريّ. ويقال له: الأخفش، لضعف بعينيه. مولده سنة إحدى وستّمائة بالقاهرة. قرأ النحو على عبد المنعم النحويّ الإسكندرانيّ، وهو الذي سمّاه الأخفش. وقرأ جامع الأصول على شرف الدين يعقوب الهذبانيّ بالمشهد الحسينيّ من القاهرة. واجتمع بعالم كثير، وحدّث. فروى عنه الشريف أبو القاسم أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسينيّ، وأبو الفتح محمد بن محمد بن أبي بكر الأبيورديّ. وكتب عنه الرشيد ابن الزكيّ. وقبض عليه أبو الحسن عليّ بن مسعود الصوابيّ شادّ الدواوين بمصر في يوم الثلاثاء ثامن صفر سنة ستّ وستّين وستّمائة، وعاقبه، هو والسراج أحمد بن محمود الأرمويّ قاضي الحسينيّة، حتى مات ليلة الخميس ثاني عشرين ربيع الأوّل سنة سبع وستّين وستّمائة، ودفن بالروحة تحت قلعة الجبل. ومن شعره، ما كتب به إلى الصوابي، قوله [المتقارب]: سألتك أن تحذر النائبات ... وتعفو، فمثلك من قد عفا فجد بالسؤال لربّ السؤال ... بحلو المقال وصدق الوفا فأنت الأمير فقل للوزير ... فيا ألف مولى، جرى ما كفى فأمّا الضياء ففي ظلمة ... وهبّ الهوا فالسراج انطفا وقوله [السريع]: قد طلب العشّاق لمّا التحى ... ديونهم عنهم لتعكيسه بموقع الشّعر على خدّه ... قضوا على محضر تفليسه ٢٧٧٦ - أبو إسحاق الجابي الحنفيّ [٦٠٨ - ٦٩٤] [١٣٩ أ] محمد بن عليّ بن عبد السلام، تقيّ الدين، أبو إسحاق، المعروف بالجابي، الحنفيّ. ولد بالقدس سنة ثمان وستّمائة. وحدّث بالقاهرة. وكان يجبي في أوقاف الحنفيّة. توفّي يوم الأحد ثاني عشر ذي الحجّة سنة أربع وتسعين وستّمائة بالقاهرة. ٢٧٧٧ - عفيف الدين المنشاويّ [٦٢٨ - ] [١٣٩ ب] محمد بن عليّ بن عبد الرزّاق بن عبد المعطي بن عبد الله، عفيف الدين، المنشاويّ، المؤدّب. ولد سنة ثمان وعشرين وستّمائة تخمينا. حدّث بالقاهرة عن أبي القاسم عبد الرحمن بن مكّي سبط السلفيّ وغيره. ومات في [ ... ]. ٢٧٧٨ - ابن الهني البغداديّ المقرئ [٥٨٣ - ٦٥٤] (١) [١٤٠ أ] محمد بن علي بن عبد الصمد بن الهنيّ بن أحمد، ابن أبي القاسم، عفيف الدين، أبو المنصور، المعروف بابن الهني، البغداديّ، المقرئ، الخيّاط، التاجر.

стр. 2398

ولد ببغداد سنة ثلاث وثمانين- وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين- وخمسمائة. وسمع الكثير من مشايخ بغداد وصار أحد طلبة الحديث المشهورين بها. روى عن الحافظ أبي محمد عبد العزيز بن الأخضر، وأبي الفضل سليمان بن محمد بن عليّ الموصليّ، وأبي حفص عمر بن طبرزد، وجماعة. وبدمشق من قاضيها أبي القاسم عبد الصمد ابن الحرستانيّ، وأبي اليمن الكندي، وأبي البركات داود بن أحمد بن ملاعب، والموفّق عبد الله بن أحمد بن قدامة، وغيره. وحدّث بمصر ودمشق وبغداد والإسكندريّة، فروى عنه الناس. ٢٧٧٩ - محمد بن عليّ الهمذانيّ الشافعيّ [٦٥٥ - ٧٢٦] (١) [١٤٠ ب] محمد بن علي بن عبد القادر بن عبد الهادي، كمال الدين، أبو عبد الله، التّميميّ، الهمذانيّ، المصريّ، الشافعيّ. ولد بمصر سنة خمس وخمسين وستّمائة، وسمع من النجيب الحرّانيّ، وأبي الفضل ابن خطيب المزّة، وحدّث. وكان له معرفة تامّة بعلم الحديث، وجمع فيه كثيرا، خصوصا على صحيح البخاريّ. وباشر دار الطراز، ثمّ المطابخ السلطانيّة، وآخر الأمر نظر في الأوقاف. وكان ذا مروءة وخير ودين. توفّي يوم الجمعة سابع عشرين المحرّم سنة ستّ وعشرين وسبعمائة بمصر، ودفن بالقرافة. ٢٧٨٠ - محيي الدين ابن المارستانيّ الحنفيّ [٦٤٧ - ٧٢٤] (٢) [١٤١ أ] محمد بن علي بن عبد القويّ بن عبد الباقي، ابن أبي اليقظان، ابن أبي الحصينا، محيي الدين، أبو عبد الله، التنوخيّ، المعرّي، الدمشقيّ، الحنفيّ. ولد بدمشق سنة سبع وأربعين وستّمائة. وسمع من البرهان [ ... ] (٣)، ومن عثمان ابن خطيب القرافة، ومن العماد ابن الحرستانيّ، وإبراهيم بن خليل الآدميّ، وخرّج له الحافظ أبو محمد الدمياطيّ مشيخة. وكان كثير المطالعة والإشغال والاشتغال، فاضلا في النحو والفقه، مشهورا بالعلم، عارفا بالتفسير وغيره من العلوم، زاهدا. وكان معيدا بعدّة مدارس من القاهرة. ومات بها ليلة الأحد ثامن عشر شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ٢٧٨١ - التاج ابن الكبلج [- ٧٣٧] (٤) محمد بن علي بن عبد الكريم، الشيخ تاج الدين ابن الكبلج، القرشيّ، المخزوميّ [ ... ] (٥). ... توفّي يوم السبت تاسع عشرين شوّال سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.

стр. 2399

٢٧٨٢ - أبو الفضائل المصريّ القاضي [٦٩١ - ٧٥١] (١) محمد بن علي بن عبد الكريم، فخر الدين، أبو الفضائل، ابن تاج الدين، المعروف بالمصريّ، الفقيه، الشافعيّ، نزيل دمشق. ولد سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وسمع من ستّ الوزراء. وتفقّه على كمال الدين الزملكانيّ، وبرع في الفقه، وشاع اسمه، وبعد صيته. وكان من أذكياء العالم. استخلفه الجلال القزوينيّ على الحكم بدمشق، وجاور بمكّة مرارا. ومات بدمشق يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وولد بديار مصر سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وكان جدّه عبد الكريم نصرانيّا، أسلم وعانى ابنه تاج الدين المباشرة بالكتابة الديوانيّة (٢)، فاشتغل ابنه فخر الدين بالعلم حتّى برع. وكان من الأئمّة الحذّاق. وأفتى وناظر. وتقدّم في علم النحو والأصول. ودرّس بدمشق في العادليّة الصغرى وغيرها. ٢٧٨٣ - ابن الزملكانيّ [٦٦٧ - ٧٢٧] (٣) [١٤١ ب] محمد بن عليّ بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان بن سلطان بن أحمد بن خليل بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن يحيى بن المنذر بن خالد بن عبد الله بن خالد، ابن فارس رسول الله ﷺ أبي دجانة سماك بن خرشة، كمال الدين، أبو عبد الله، [و] أبو المعالي، المعروف بابن الزملكانيّ، الأنصاريّ، الفقيه الشافعيّ، الدمشقيّ. مولده بدمشق ليلة الاثنين ثاني شوّال سنة سبع وستّين وستّمائة. سمع من الفخر أبي الحسن عليّ بن أحمد بن عبد الواحد المقدسيّ، وأبي الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة، وأبيالمعالي أحمد بن إسحاق بن المؤيّد الأبرقوهيّ. وأخذ النحو عن بدر الدين ابن مالك، والفقه عن التاج الفركاح، والأصول عن قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكيّ، وغيره. وولي عدّة مناصب دينيّة. ودرّس في مدارس متعدّدة بدمشق. وكتب في الدرج (٤)، وولي وكالة بيت المال، ونظر الخزانة، ونظر المارستان النوريّ بدمشق، وتدريس عدّة مدارس. وكتب الخطّ المنسوب، وأفتى ودرّس. وكان عالما فاضلا بارعا كثير الفضائل، جمّ العلوم، سريع الإدراك، يتوقّد ذكاء وفطنة، بشوشا، ضحوكا، متواضعا، أجمع أهل عصره على فضله وتقدّمه في المذهب. له مصنّفات كثيرة وشعر رائق. وما زال بدمشق

стр. 2400

إلى أن ولّاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء القضاة بحلب في سنة أربع وعشرين وسبعمائة، بعد موت زين الدين عبد الله بن محمد بن عبد القادر الأنصاريّ. وكتب بتقليده من مصر، وحمل إلى الأمير تنكز نائب الشام. فاستدعاه وأخبره بولايته قضاء حلب، فامتنع من ذلك امتناعا كبيرا. فغضب منه تنكز، وعزله من وظائفه كلّها، ورسم عليه حتّى يقدم جواب السلطان، وكتب بخبره. فاتّفق قدوم البريد من حلب بموت ابن عبد القادر، فتعجّب تنكز من ذلك، وبعث إلى ابن الزملكانيّ وأحضره وطيّب خاطره حتى قبل الولاية فصار إلى حلب. ثمّ استدعاه السلطان من حلب ليولّيه قضاء دمشق. فوصل إلى بلبيس قبل دخوله القاهرة، فتوفّي بها ليلة الأربعاء سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة. فحمل ميتا ودفن بالقرافة يوم الخميس قريبا من قبر الإمام الشافعيّ. ومن شعره [البسيط]: أهواك يا ربّة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك وأعمل العيس، والأشواق تحملني ... عسى يشاهد معناك معنّاك تهوى بها البيد لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغرّ مضناك (١) تشوقها نسمات الصبح سارية ... تسوقها نحو رؤياك بريّاك ٥ يا ربّة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه، من أين هذا الأمن لولاك؟ قد أكثر الناس في سلع وكاظمة ... والأبرقين، وليس القصد إلّاك يا ربّة الحسن ذات الخال ما نظرت ... عين المحبّين أبهى من محيّاك إن شبّهوا الخال بالمسك الذكيّ فه ... ذا الخال من دونه المحكيّ والحاكي [١٤٢ أ] أفدي بأسود قلبي نور أسوده ... من لي بتقبيله من بعد يمناك! ١٠ إنّي قصدتك لا ألوي على نشب ... ترمي النوى بي سراعا نحو مرماك وقد حططت رحالي في حماك عسى ... تحطّ أثقال أوزاري بلقياك كما حططت بباب المصطفى أملي ... وقلت للنفس: بالمأمول بشراك! وقال [الطويل]: سواكم بقلبي لا يحلّ ولا يحلو ... كما أنّه من حبّكم قطّ لا يخلو حللتم عرى صبري وحلّلتم دمي ... وحرّمتم وصلي فلذّ لي القتل وأوعدتم هجرا فأودعتم الحشا ... لهيبا على ما كان من حبّكم قبل وألبستم جسمي الضنى وسلبتم ... رقادي، وأسبلتم دموعا لها سبل ٥ أحبّه قلبي ليس قبلي متيّم ... كمثلي، ولا في العالمين لكم مثل فلا تحسبوا أنّي مللت هواكم ... ولا أنّني يوما أميل ولا أسلو [وقال الطويل]: (٢) وإنّي وإن أعرضت عنكم وصدّني ... زمان رماني منه في أعظم الخطب لأنتم إلى عينيّ أشهى من الكرى ... وفي مهجتي أحلى من البارد العذب

стр. 2401

وإنّي على ما تعهدون محافظ ... مقيم على الميثاق في البعد والقرب وقال [الكامل]: يا من حشا إنسان عيني حسنه ... آنست قلبي إذ حللت بربعه عذّبت قلبي بالبعاد فقد غدا ... يذري من الأشواق مسبل دمعه فالطرف يشكوكم لشدّة ضرّه ... والقلب يشكركم لزائد نفعه هذان مختلفان فاجمع أمرهم ... بالوصل إن تك راغبا في جمعه ورثاه الشهاب أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري بقصيدة، منها [الكامل]: قف وقفة الباكي على أطلاله ... فالدين مضطرب لفقد كماله الله أكبر! أيّ موقف ساعة ... في أرض بلبيس لحطّ رحاله! يا سفرة ما انجاب جنح ظلامها ... بضحى وأدركها محاق هلاله لو تنطق الخرساء ساعة دفنه ... أبكت عيون المستهام الواله ٥ يا يوم بلبيس بموت محمّد ... أعدمت هذا الدهر خير رجاله لهفي على الشهباء بعد فراقه ... بانت وكانت من وثيق حباله يمضي سدى وتعيش أقوام إذا ... ما شرّفوا كانوا شراك نعاله (١) ٢٧٨٤ - أبو البركات الخليفيّ [٥٦٥ - ٦٣٨] (٢) [١٤٢ ب] محمد بن علي بن عبد الوهّاب بن خلف بن عبد القويّ بن عيسى بن أحمد بن طريف، أبو البركات [و] أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، ابن أبي أحمد، الجذاميّ، السعديّ، البرقيّ الأصل، الإسكندرانيّ المولد والدار، المعروف بالخليفي- بضمّ الخاء المعجمة وفتح اللام، وسكون الياء آخر الحروف وبعدها فاء. ولد في ثالث صفر سنة خمس وستّين وخمسمائة. وسمع من السلفيّ، وحدّث عنه بالثغر والقاهرة. روى عنه الحافظ أبو محمّد الدمياطيّ، والحافظ أبو الحسين يحيى بن عليّ القرشيّ العطّار. وبيته مشهور بالإسكندريّة بالتقدّم والرئاسة. وتوفّي شهيدا: سقط عليه جدار فقتله، ليلة الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. ٢٧٨٥ - القاضي ابن أبي الفرج الإسكندريّ [- ٦٦٢] محمد بن علي بن عبد الوهّاب بن محمد بن أبي الفرج، موفّق الدين، أبو الفرج، ابن أبي الحسن، ابن أبي القاسم، المعروف بابن أبي الفرج، الإسكندريّ، القاضي المالكيّ. سمع من أبي الحسن ابن أبي الكرم ابن البنّاء، وأبي الحسن عليّ بن المفضّل المقدسيّ، ومن والده أبي الحسن عليّ بن عبد الوهّاب، وأبي القاسمالصفراويّ، وتفقّه به. ودرّس بمدرسة والده. وولي قضاء الثغر بعد أبي محمد الربعيّ في

стр. 2402

شهر ربيع الأوّل سنة أربع وأربعين وستّمائة. وأضيف إليه الخطابة في حادي عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين. فاستخلف على القضاء بالثغر أبا عبد الله محمد بن الحسين بن عبد السلام، وأبا العبّاس أحمد بن سليمان ابن المرجانيّ، وأبا عبد الله محمد بن عليّ التنيسيّ، وأبا العبّاس أحمد بن عبد الله بن الحسين الهمذانيّ الموقّع، خال منصور بن سليم. قال منصور: كان ذا نفس عليّة، وصورة بهيّة، فاق أهل عصره رئاسة ونبلا، وسياسة وفضلا. وولي قضاء الإسكندريّة خمس مرّات. ومات وهو قاض يوم الخميس عاشر رجب سنة اثنتين وستّين وستّمائة. سقط عليه جدار من داره. وقيل: سقط عليه سقف بيته. ووجد له من الكتب ألفا مجلّد وسبعة عشر مجلّدا. ٢٧٨٦ - أبو الحسين ابن عتيق الوكيل [- بعد ٤٤٧] [١٤٣ أ] محمد بن علي بن عتيق بن جامع، أبو الحسين، المعدّل، الوكيل. سمع بتنيس من أبي العبّاس محمد بن حمد بن إبراهيم ابن الحدّاد سنة إحدى وأربعمائة. وسمع منه بمصر، ومن أبي بكر محمد بن عليّ بن يحيى بن السريّ التنيسيّ بتنيس في صفر منها. سمع منه أبو الفتح محمد بن عبد الله بن طلحة ابن النحّاس في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وأخوه طلحة، وأبوهما أبو محمّد، وأبو القاسم عبد المحسن ابن عثمان بن غانم التنيسيّ الكاتب وغيره. ٢٧٨٧ - ابن عثمان القاضي الأسعد [٥٤١ - ٥٨٢] [١٤٣ ب] محمد بن عليّ بن عثمان بن إبراهيم بن يوسف، القاضي الأسعد، أبو الطاهر، ابن القاضي السعيد أبي الحسن، القرشيّ، المخزوميّ، المغيريّ، الشافعيّ، المعروف بابن عثمان. مولده في صفر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. سمع السلفيّ، والشريف أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثمانيّ. وتوفّي ببزاعة شهيدا في صفر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وحمل إلى مصر فدفن بالقرافة. ٢٧٨٨ - ابن علويّة الرزّاز الجرجانيّ [- ٢٩٠] (١) [١٤٤ أ] محمد بن علي بن علويّة، أبو عبد الله، الفقيه، الجرجانيّ، الرزّاز، الشافعيّ. تفقّه على المزنيّ بمصر، وحدّث عن هشام بن عمّار، وعبد الحميد بن محمد بن المستام، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، سمع منهما بمصر، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وأبي كريب، ومحمد بن عيسى بن زياد الدامغانيّ، ومحمد بن حميد الرازيّ، وعمّار بن رجاء، وأبي سعيد الأشجّ، وعلي بن المنذر الطريقيّ. روى عنه أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن بن الشرقيّ، وأبو بكر أحمد بن عليّ، وأبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الأصمّ، الحفّاظ، وأبو زكريا يحيى بن منصور القاضي، وغيره.

стр. 2403

قال الحاكم: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: كان من أئمّة عصره الشافعيّين. سمع بخراسان والعراق ومصر. أقام عندنا سنين يدرّس. وسمعنا منه مختصر المزنيّ سماعا من المزنيّ. توفّي بجرجان سنة تسعين ومائتين. ٢٧٨٩ - شمس الدين النصيبيّ الصوفيّ [٦٤٥ - ٧٢٨] محمد بن عليّ بن علويّ بن سليمان بن بدر بن حسين الزاهد، ابن محمد بن أحمد الدونيّ، ابن جعفر بن يحيى بن قاسم الأكبر بن عبّاس بن عليّ بن أبي طالب، شمس الدين، أبو عبد الله، النصيبيّ، الصوفيّ. أجاز له جماعة، وسمع من جماعة تجمعهم المشيخة التي خرّجها له أبو المعالي محمد بن رافع السلاميّ، وقرئت عليه بالقاهرة في شعبان سنة ستّ وعشرين وسبعمائة. وتوفّي بها يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ومولده سنة خمس وأربعين وستّمائة. ٢٧٩٠ - ابن الخيميّ [٥٤٩ - ٦٤٢] (١) محمد بن عليّ بن علي بن عليّ بن المفضّل بن القامغار، مهذّب الدين، أبو طالب، ابن أبي الحسن، الحلّي الأصل، ثمّ المصريّ، الكاتب، النحويّ، اللغويّ، المعروف بابن الخيميّ. ولد بالحلّة المزيديّة في ثامن عشرين شوّال سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وقرأ الأدب على فرسان الحلّيّ، ودخل بغداد مع والده صغيرا. وأسمعه الحديث من أبي بكر ابن الزاغونيّ. ثمّ دخلها بعد ذلك وجالس ابن الخشّاب، وهو الذي لقّبه «مهذّب الدين». ثمّ دخلها سنة سبعين وخمسمائة، وقرأ بها الأدب على ابي الحسن علي بن عبد الرحيم العصّار، وابن الأنباريّ، وابن الدبّاغ، وجماعة. وسافر إلى الشام بعد الثمانين، وقرأ على الكندي بدمشق. ثمّ قدم إلى القاهرة في سنة أربع وثمانين [وخمسمائة] وأقام بها. قال ابن النجّار: وهو شيخ فاضل لقيته بالقاهرة وكتبت عنه [١٤٤ ب]، كامل المعرفة والأدب، يقول الشعر الجيّد ويكتب خطّا حسنا صحيحا، وله مصنّفات. وهو حسن الطريقة متديّن طيّب الأخلاق متواضع. سمعته يقول: صنعت بالديار المصريّة من الكتب: كتاب [الحروف] (٢) في علم القرآن، سبعة كراريس. كتاب أمثال القرآن، عشرة كراريس، كتاب الكلاب، سبعة، كتاب «قد»، عشرة، كتاب «يحيى» مائة كرّاس، كتاب استواء الحكم على القاضي، والردّ على الوزير المغربيّ، كرّاسان. كتاب المؤانسة في المقابسة، كرّاس. كتاب لزوم الخمس، ثلاثة كتب. الملخّص الديوانيّ في علم الأدب والحساب، وكتاب المقصورة، كرّاسان، كتاب المطاول في الردّ على المعرّي في مواضع سها فيها، ستّة. كتاب اسطرلاب الشعر، كرّاسان. كتاب شرح التحيّات لله، كرّاسان. كتاب الأربعين، جزء. كتاب الديوان المعمور في مدح الصاحب، سبعة. كتاب الجمع بين الأخوات والحضّ على المحافظة عليهنّ وهنّ المسيئات، كرّاسان. كتاب صفة القبلة، كرّاسان. رسالة من أهل الإخلاص والمودّة إلى الناكثين من أهل القدرة والردّة.

стр. 2404

وسمع أبو طالب بديار مصر من أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن نجا الواعظ وامرأته فاطمة بنت سعد الخير، وأبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيريّ، وأبي يعقوب يوسف بن هبة الله بن الطفيل. وكتب عنه الحفّاظ أبو محمد المنذريّ، وأبو الحسين يحيى بن عليّ القرشيّ، وأبو عبد الله ابن النجّار، وسمع منه أبو محمد الدمياطيّ (١). وتوفّي بالقاهرة يوم الأربعاء العشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين وستّمائة، ودفن قريبا من الدينوري بالقرافة، بعد ما صلّى عليه ولده شرف الدين عليّ. ومن شعره قوله [البسيط]: أستغفر الله في حلّي وفي ظعني ... إنّ الزمان غليظ القول أسمعني كأنّني كنت بيتا ما أقام له ... وزنا، وكان عروضيّا فقطّعني واتّفق في سنة ستّ عشرة وستّمائة أنّه قدم من الإسكندريّة إلى القاهرة رجل معه بغل، زعم أنّه رأى في منامه أنّ هذا البغل إذا مضى به إلى بيت المقدس وخلّى عنه، سار حتى يقف بمكان، فإذا حفر حيث وقف، يوجد بلاطة تحتها رمل أصفر، متى أخذ منه شيء ونثر بين الفرنج المحاصرين لمدينة دمياط، هلكوا بأسرهم أو رحلوا [١٤٥ أ] عن المدينة. فاجتمع على ذلك الرجل وعلى ذلك البغل من العالم ما لا يحصي عددهم إلّا الله تعالى. فقال أبو طالب في ذلك [المنسرح]: لا تطعنوا في رواية الكتب ... ولا الذي ضمّنته من عجب ولا حديث التوراة عن خبر ال ... عجل المصوغ المصنوع من ذهب أليس في عام ستّ عشرة في ... شهر جمادى المفضي إلى رجب ضلّ ببغل في مصر طائفة ... وعظّموه فصيّروه نبيّ؟ ٥ وقيل هذا يمضي إلى بلد ال ... قدس فيأتي بفرجة الكرب يأتي برمل إلى الفرنج بدم ... ياط فيفضي بهم إلى العطب فمن نجا منهم وعاش فلل ... ساعة والوقت جدّ في الهرب ٢٧٩١ - ابن العدّاس [- بعد ٤٠٠] [١٤٦ أ] محمد بن عليّ بن عمر بن العدّاس، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، الكاتب. خلع عليه الحاكم بأمر الله أبو علي منصور مع أبيه في رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة (٢) وحمله. فلمّا قتل الحاكم أباه وحرّقه بالنار (٣) اختلّت حاله. ثمّ تصرّف في كتابة الخراج، وولي ديوانه إلى أن سخط عليه الحاكم وقطع يده في يوم الاثنين خامس عشرين جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. ثمّ خلع عليه في يوم الثلاثاء سابع محرّم سنة أربعمائة. ٢٧٩٢ - أبو بكر ابن الجبّان [- نحو ٤٠٥] [١٤٦ ب] محمد بن عليّ بن عيسى بن

стр. 2405

عبد الله بن جرير، أبو بكر، ابن الجبّان، التنيسيّ. حدّث بتنيس عن أبي عمرو عثمان بن محمد بن أحمد السمرقنديّ، وجعفر بن محمد بن الحسن الجرويّ، وأبي الحسن عليّ بن جعفر بن مسافرالهذليّ، وأبي محمد القاسم بن إسماعيل بن عرباض، وأبي جعفر عمر بن أبي طليق إمام جامع تنيس، وأبي الحسن عثمان بن محمد بن عليّ الذهبيّ البغداديّ، وأبي العبّاس أحمد بن عيسى بن محمد بن الوشّاء. روى عنه القاضي أبو القاسم عبيد الله بن الحسن بن علي الزيّات بتنيس، وأبو الحسن عليّ بن عبيد الله بن محمد الهمذانيّ، وأبو ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ الحافظ (١)، وقال: قرأت عليه في منزله من أصله، شيخ ثقة. ٢٧٩٣ - أصيل الدين الحمويّ الحنفيّ [٥٩٩ - ٦٣٨] (٢) [١٤٧ أ] محمد بن عليّ بن غازي بن عليّ بن محمد، أصيل الدين، أبو عبد الله، الحمويّ، الفقيه الحنفيّ، الأديب، نزيل بغداد. ولد بحماه سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وتفقّه بالشام. وقدم مصر، ومدح الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب، وسافر معه إلى تروجة في خدمة العلاء ابن جلدك التقويّ. ودخل الإسكندريّة ووعظ بها، وسمع الحديث، ودرّس ببغداد للحنفيّة. وولي قضاء واسط. وكان له فضل وأدب، وشعر حسن. مات في عاشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. ٢٧٩٤ - أبو الغمر الإسنائيّ الشاعر [- ٥٤٧] (٣) [١٤٧ ب] محمد بن علي بن الغمر، أبو الغمر، الهاشميّ، الإسنائيّ، القوصيّ، الشاعر. ذكره ابن الزبير في الجنان، والعماد في الخريدة، وقال: إنّه أشعر أهل زمانه، وأفضل أقرانه. توفّي سنة سبع وأربعين- وقيل: أربع وأربعين- وخمسمائة. ومن شعره [الخفيف]: طرقتني تلوم لمّا رأت في ... طلب الرزق للتذلّل زهدي وترى أن أهيم في كلّ واد ... بمهذّب القريض خاطب رفد هبك أنّي أرضى لنفسي بالكد ... ية يا هذه فممّن أكدّي (٤) وقوله [الخفيف]: وغزال خلعت قلبي عليه ... وهو باد لأعين النظّار دمه منه صار محمرّ خدّ ... وسويداؤه سواد عذار قد أرانا بنفسج الشعر يبدو ... طالعا من منابت الجلنار وقدت نار خدّه فسواد ال ... شّعر فيه دخان تلك النار ٢٧٩٥ - ابن الفرج الخطيب [- ٤٣٦] محمد بن علي بن الفرج، أبو عبد الله، الخطيب.

стр. 2406

مات في رجب سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة. ٢٧٩٦ - أبو عبد الله الإربليّ الصوفيّ [٥٩٧ - ] محمد بن عليّ بن أبي الفرج، أبو عبد الله، الإربليّ، الصوفيّ. ولد في حدود سبع وتسعين وخمسمائة. وكان كثير الجولان في البلدان. قدم مصر وروى عن ابن مسدي. ٢٧٩٧ - ابن الخروف الحنبليّ [٦٤٠ - ٧٢٧] (١) محمد بن عليّ بن أبي القاسم، ابن أبي العزّ، ابن أبي الحسن، أبو عبد الله، المعروف بابن الورّاق وبابن الخروف، الموصليّ، الحنبليّ. ولد بالموصل سنة تسع وثلاثين وستّمائة تخمينا، وسمع بها من الكوّاشيّ، وابن العجميّ. وسمع أيضا من أبي الحسن عليّ بن وضّاح وغيره. وعرف القراءات ووجوهها، وقرأ على أبي أحمد عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر ابن أبي الجيش البغداديّ بها القراءات السبع. وقال الشعر. وقدم إلى القاهرة، وسمع منه أثير الدين أبو حيّان وأثنى عليه. وكان حسن الأخلاق، جميل الهيئة، مليح المحاضرة. وعاد إلى دمشق وتولّى مشيخة الإقراء. ثمّ توجّه إلى الموصل، وبها مات يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ومن شعره [السريع]: يا صاح بالصحبة والأنس ... وباجتماع كان بالأمس وعيشة ولّت بسفح اللوى ... مع أوجه أبهى من الشمس قد أصبحت أطلالهم عبرة ... كأنّها لم تغن بالأمس [١٤٨ أ] وأمست الطير بأرجائها ... تندبهم بالألسن الخرس فقم بنا نبك صحابا مضوا ... فنحن بنيان بلا أسّ ٢٧٩٨ - الكمال ابن الجلاجليّ البغداديّ [٥٤١ - ٦١٢] (٢) محمد بن علي بن مبارك بن محمد، أبو الفتوح، ابن أبي الحسن، المعروف بابن الجلاجليّ، البغداديّ، التاجر. كان جدّه مبارك حسن الصوت بالقراءة فعرف بالجلاجليّ. وأثرى أبو الفتوح وصار أحد التجّار المعروفين بالحشمة وكثرة المال. وسافر إلى مصر والشام والحجاز واليمن، وعبر إلى الهند، وخوارزم، وما وراء النهر. وسمع في صباه الحديث ببغداد من أبي القاسم هبة الله بن الحسين ابن الحاسب، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطّيّ، وجماعة. وسمع من السلفيّ بالإسكندريّة، وقرأ شيئا من القرآن على أبي الحسن عليّ بن عساكر البطائحيّ. سمع منه أبو الحسن علي المنذريّ، وأبو الحسن علي بن المفضّل المقدسيّ، وأبو عبد الله ابن النجّار، وقال: كان صدوقا حسن الأخلاق.

стр. 2407

مولده ليلة الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ومات بالقدس يوم الأربعاء رابع عشر رمضان سنة ثنتي عشرة وستّمائة. ٢٧٩٩ - ابن محرز البغداديّ [- ٢٦١] (١) محمد بن علي بن محرز- بسكون الحاء المهملة، وبعدها الراء، وبعدها زاي- أبو عبد الله، البغداديّ. قال ابن يونس: قدم مصر، وكان فهما للحديث. وكان في أخلاقه زعارة (٢). حدّث بمصر عن أهل الكوفة وأهل بغداد. وكان ثقة. وقال الخطيب: سمع يعقوب بن إبراهيم، ويحيى بن آدم، وأبا أحمد الزبيريّ، وحسين بن محمد المرّوذيّ، وإسحاق بن إسماعيل. ونزل مصر وحدّث بها، فكتب عنه أهلها. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان صديقا لأحمد بن حنبل وجاره. كتب أبي عنه وقال: ثقة. قال ابن يونس: توفّي بمصر يوم الخميس ليومين خلوا من ربيع الآخر سنة إحدى وستّين ومائتين. ٢٨٠٠ - ابن تاجر عينة [٥٤٩ - ٦٣٨] (٣) محمد بن علي بن محفوظ بن تميم بن إسماعيل، وجيه الدين، أبو البركات، ابن أبي الحسن، المعروف بابن تاجر عينة، الأنصاريّ، الإسكندريّ. ولد بالإسكندريّة يوم الجمعة سادس عشر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وحدّث عن السلفيّ بسماعه منه. وأضرّ قبل موته. ٢٨٠١ - أبو شجاع العثمانيّ [٥٦٥ - ٦٣٣] (٤) [١٤٨ ب] محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد، فخر الدين، أبو شجاع، القرشيّ، الأمويّ، العثمانيّ، البغداديّ، الشافعيّ، نزيل مصر. مولده ببغداد ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة خمس وستّين وخمسمائة. وقدم إلى مصر، وسمع بالإسكندريّة من أبي القاسم عبد الرحمن بن مكّي بن علّاس، وحدّث. روى عنه أبو محمد المنذريّ وقال: كان وقورا، حسن السّمت، كثير التصوّن جدّا، يسمو إلى معالي الأمور، من أعيان الطائفة العثمانيّة. وتقلّب في الخدم الديوانيّة وترفّه جدّا. ثمّ ضعف حاله كثيرا وصبر على ذلك. وانقطع إلى العبادة، إلى أن حضر أجله بجزيرة مصر في الخامس من شعبان سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. ٢٨٠٢ - محمد بن عليّ الدهّان الغرناطيّ [- ٦٥٢] (٥) محمد بن علي بن محمد بن إدريس، أبو عبد الله، التجيبيّ، الأغرناطيّ، يعرف بالدهّان. شيخ حسن السمت، بارع الخطّ والخلق والخلق، ظريف، رحل إلى الحجّ وجال في البلاد سني خمس وستّ وستّمائة، فأخذ بمكّة والشام

стр. 2408

ومصر والإسكندريّة عن جماعة كثيرة. وكان عدلا فاضلا، على خير ودين. وكان متحرّفا بالتجارة بغرناطة. ثمّ خرج منها فمات بقوص بعد ما حجّ سنة خمسين، وصدر من مكّة في صفر سنة اثنتين وخمسين وستّمائة قبل منتصف السنة. ٢٨٠٣ - ابن قطيطة الورّاق [٥٩٥ - ٦٧٧] (١) محمد بن علي بن محمد [بن إسماعيل بن خالد بن الحسن]، شرف الدين، أبو عبد الله، ابن قطيطة، القرشيّ، المصريّ، الورّاق. مولده يوم الجمعة رابع عشر شوّال سنة خمس وتسعين وخمسمائة. سمع من أبي بكر عبد العزيز بن أحمد بن باقا. وحدّث. وكان شيخا ديّنا عدلا محبّا لطلب الحديث. ووراقته معروفة بمصر. توفّي [بمصر] ليلة الخامس عشر من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستّمائة ودفن بالقرافة. ولمّا حضرته الوفاة قال لعبده: أوصيك بطلبة الحديث، ولا تردّ سائلا. ٢٨٠٤ - ابن الجارود الكفر عزّيّ [- ٦٢٩] (٢) محمد بن علي بن محمد بن الجارود، أبو عبد الله [المارانيّ]، الكفرعزّيّ. ولد بكفر عزّ (٣)، وانتقل إلى إربل، وأقام بها، وناب في الحكم بها. ثمّ ولي قضاء شهرزور مدّة. ثمّ انتقل إلى القاهرة بأهله. ثمّ عاد إلى إربل ومات بها ليلة السبت ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستّمائة بعد ما صلّى الجمعة، واشتكى أنّه كلّف الحكم بما لا يجوز، فدعا على نفسه بالموت، وقام من الجامع فتوفّي العشاء الآخرة. وكان عنده فقه وأدب. ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، وأنشد له [المتقارب]: مشيب أتى، وشباب رحل ... فحلّ العناء به حيث حلّ وعمر تقضّى ولا طاعة ... فويحك يا نفس كم ذا الزلل! [١٤٩ أ] وذنبك جمّ ألا فارجعي ... وعودي فقد جاء وقت الأجل وديني الإله ولا تقصري ... ولا يخدعنّك طول الأمل ٥ فما لك غير التقى مستعدّ ... ولا صاحب غير حسن العمل ٢٨٠٥ - محمد بن عليّ المهرجانيّ [- بعد ٥٠٣] محمد بن علي بن محمد بن حامد، أبو عبد الله، الأشعريّ، المهرجانيّ، من أهل أسفرايين، أحد الجوّالين في الآفاق. دخل بلاد الشام، والعراق، والحجاز، والبصرة، ومصر، وماردران (٤)، وبلاد الترك، والهند. وسمع بأسفرايين أبا جعفر محمد بن محمد الصفّار، وغيره. وبمصر أبا الحسن عليّ بن الحسن بن الحسين الخلعيّ. وببيت المقدس وعكّة والإسكندريّة، والجزيرة، ومكّة، وآمد، ونيسابور، والبصرة، ودمشق، وتنيس، وساوة، من جماعة.

стр. 2409

وكان قليل المعرفة بالحديث، يسقط الرجال، ويخلط الأسانيد، لا عن قصد، ولكن لقلّة معرفته بهذا الشأن. توفّي بأسفرايين بعد سنة ثلاث وخمسمائة. ٢٨٠٦ - ناصر الدين الخلاطيّ [- ٧٣٧] محمد بن علي بن محمد بن حسين، ناصر الدين، ابن علاء الدين، الخلاطيّ، المنسوب إليهم زاوية الخلاطيّ خارج باب النصر من القاهرة. كانت لهم وجاهة. وأقعد في آخر عمره وكفّ بصره. مات يوم الجمعة نصف جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ودفن بالزاوية. ٢٨٠٧ - أبو عمر الإشبيليّ النحويّ [٦١٧ - ] (١) محمد بن علي بن محمد بن أبي الربيع بن عبيد الله، ابن أبي الربيع، أبو عمر، القرشيّ، العثمانيّ، الأندلسيّ، الإشبيليّ، النحويّ. ولد ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة سبع عشرة وستّمائة. وقدم مصر، وسمع الكثير بدمشق وغيرها. وكان إماما عالما، ونحويّا فاضلا. كتب عنه أبو محمد الدمياطيّ، والقطب عبد الكريم. توفّي [ ... ]. ٢٨٠٨ - محمد بن علي الخراساني محمد بن علي بن محمد بن رستم، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، الخراسانيّ الأصل، المصريّ المولد. محبّ في الآداب، سمع من أبيه كثيرا. من شعره [ ... ] (٢). ٢٨٠٩ - ابن الرّويم الحلبيّ [٦١٩ - ] محمد بن علي بن أبي محمّد بن سعد الله، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، عرف بابن الرويم- بضمّ الراء وفتح الواو، وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة، بعدها ميم- الحلبيّ، المعروف بابن النحّاس. ولد بحلب يوم الأربعاء رابع [١٤٩ ب] عشرين جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستّمائة. وحدّث بالإسكندريّة عن أبي القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة. ومات في [ ... ]. ٢٨١٠ - الصاحب فخر الدين ابن حنّا [٦٢٢ - ٦٦٨] (٣) محمد بن علي بن محمد بن سليم- بفتح السين المهملة وكسر اللام- بن حنّا- بحاء مهملة مكسورة بعدها نون مشدّدة مفتوحة- الصاحب فخر الدين، أبو عبد الله، ابن الوزير الصاحب بهاء الدين، ابن القاضي السديد أبي عبد الله، ابن أبي الفرج. ولد بمصر سنة اثنتين وعشرين وستّمائة. سمع بالقاهرة من أبي الحسن بن المقيّر وغيره، وبدمشق من أبي العبّاس أحمد بن عبد الدائم وغيره. وحدّث. كتب عنه أبو محمد الدمياطيّ. ودرّس الفقه على مذهب الشافعيّ بمدرسة والده بمصر، وناب

стр. 2410

عن حميه (١) الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزيّ في الوزارة، وعن والده الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم. وولي ديوان الأحباس. وكان وزير الصحبة في الأيّام الظاهريّة بيبرس. وكان محبّا لأهل الخير والصلاح، مؤثرا لهم، متفقّدا لأحوالهم. وعمّر رباطا حسنا بقرافة مصر يشرف على بركة الحبش، ورتّب فيه جماعة من الفقراء. وتوفّي بمصر يوم الاثنين حادي عشرين شعبان سنة ثمان وستّين وستّمائة، ودفن من الغد قريبا من الفخر الفارسيّ بالقرافة. واتّفق له ما فيه معتبر وذكرى: وهو أنّ الصاحب زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع بن الزبير مات في ثالث عشر ربيع الآخر بالسجن، وأخرج على جنويّة (٢) كالطّرحاء ليس معه مشيّع من خلق الله خوفا من الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن حنّا. وكان الصاحب فخر الدين هذا يتنزّه في أيّام الربيع بمنية القائد ومعه خواصّه. فلمّا قدم عليه البشير بموت ابن الزبير وخروجه على الصفة المذكورة، استخفّه الطرب ولم يتمالك نفسه، وأمر المطربين فغنّوه، وقام ورقص بمن عنده، وأظهر من الفرح والسرور ما لا مزيد عليه، وأخلع على المبشّر. فلم يمهل بعد ذلك سوى ثلاثة أشهر وثمانية وعشرين يوما ومات. فكانت جنازته حافلة جدّا، مراعاة لأبيه. وعند ما دفن قام شرف الدين محمد بن سعيد بن حمّاد البوصيريّ صاحب البردة على قبره وأنشد [الخفيف]: نم هنيئا محمّد بن عليّ ... لجميل قدّمت بين يديكا لم تزل عوننا على الدهر حتّى ... غلبتنا يد المنون عليكا [١٥٠ أ] أنت أحسنت في الحياة إلينا ... أحسن الله في الممات إليكا (٣) ومن شعر الصاحب فخر الدين [البسيط]: من يسمع العذل فيمن وجهها قمر ... فذاك عندي ممّن لبّه فقدا لو شاهدت عذّلي ما تحت برقعها ... من الجمال لماتوا كلّهم شهدا روحي الفداء لمن عشّاقها قتلت ... فكم أسير لها ما يفتدى بفدا من علّم الغصن لولا قدّها ميسا ... أو علّم الظبي لولا جيدها غيدا؟ ٢٨١١ - المطرّز الدمشقيّ النحويّ [- ٤٥٦] (٤) [١٥٠ ب] محمد بن عليّ بن محمد بن صالح بن عبد الله، أبو عبد الله، السلميّ، المطرّز. سمع بمصر من أبي الحسن عليّ بن إبراهيم الحوفيّ، وبدمشق وغيرها تمّام بن محمّد الرازي وغيره. روى عنه الخطيب أبو بكر أحمد بن عليّ البغداديّ. وكان أديبا، وصنّف مقدّمة في النحو. مات مستهلّ ربيع الأوّل- وقيل سلخ المحرّم- سنة ستّ وخمسين وأربعمائة بدمشق.

стр. 2411

وكان على رأي الأشعريّ. ٢٨١٢ - أبو الحسن الحارثيّ البصريّ الشافعيّ [- ٤٤٣] (١) محمد بن علي بن محمد بن صخر، أبو الحسن، الأزديّ، الحارثيّ، البصريّ، القاضي الشافعيّ. قدم مصر، وحدّث بها عن يوسف بن يعقوب النجيرميّ، وأبي القاسم عمر بن يوسف البغداديّ، وجماعة. سمع منه بمصر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال وغيره، في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وأربعمائة. وانتقى عليه أبو نصر الوائليّ مجالس خمسة بمصر. ٢٨١٣ - ابن طلحة الأصبهانيّ [- بعد ٤٣٥] محمد بن عليّ بن محمد بن طلحة، أبو مسلم، الأصبهانيّ. سمع بمصر من أبي القاسم عليّ بن محمد بن عليّ الفارسيّ، وأبي الحسن أحمد بن محمد بن مرزوق الأنماطيّ، وأبي الحسن علي بن منير الخلّال. وسمع مجلس البطاقة على أبي الحسن عليّ بن عمر بن حمّصة (٢) الحرّانيّ في شوّال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بمصر. وسمع منه بتنيس أبو محمد عبد الله بن الحسن بن طلحة ابن النحّاس، وببيت المقدس أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسيّ، وبدمشق أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن كتيبة النجّار. ٢٨١٤ - جمال الدين ابن السابق [٦٦٥ - ٧٣١] محمد بن علي بن محمد بن عبد الواحد بن الخضر، جمال الدين، أبو عبد الله، ابن علاء الدين، الحلبيّ، المعروف بابن السّابق. ولد بالإسكندريّة سنة خمس وستّين وستّمائة. وولي نظر بيت المال بدمشق، ونظر بعلبك، وكان مشكورا في ولايته متواضعا. وتوفّي عقب خروجه من الحمّام من غير مرض، ليلة الأحد رابع عشرين ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. ٢٨١٥ - ابن رواحة الحمويّ [٦١٩ - بعد ٦٧٧] محمد بن علي بن أبي محمد بن عليّ بن رواحة، أبو عبد الله، الأنصاريّ، الحمويّ. ولد بحلب في رابع عشرين جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستّمائة. وقدم مصر، وكان بالإسكندريّة سنة سبع وسبعين وستّمائة. ٢٨١٦ - محمد بن علي الزوجانيّ الشافعيّ [- قبل ٦٤٦] (٣) [١٥١ أ] محمد بن علي بن محمد بن عليّ بن

стр. 2412

نصر بن سلامة، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، التغلبيّ، الرحبيّ، الزوجانيّ، الشافعيّ. سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازيّ. وسمع بمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى بن خلف المدينيّ. وروى حديث مسلسل التشبيك باليد (١) عن أبي القاسم الحسين بن مسافر بن الحسين الدوري بمصر. سمع منه بمصر عليّ بن المفضّل المقدسيّ، وأبو المعالي عبد الرحمن بن عليّ بن عثمان المخزوميّ، وغيره. ٢٨١٧ - ابن قطرال القرطبيّ [٦٥٥ - ٧١٠] (٢) محمد بن عليّ بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن يوسف بن يوسف، أبو عبد الله، ابن أبي الحسن، ابن أبي بكر، ابن أبي الحسن، المعروف بابن قطرال (٣)، الأندلسيّ، المرّاكشيّ. ولد بمراكش في خامس عشر ذي الحجّة سنة خمس وخمسين وستّمائة. وسمع ببلاد المغرب كثيرا من شيوخ العصر، وكتب بخطّه. وقدم إلى مصر فسمع بها من جماعة، وحصّل، وكتب. وكان فاضلا عالما محدّثا صالحا زاهدا عابدا ورعا عاقلا رئيسا أصيلا كثير التواضع حسن الصوت، من بيت أصالة وعلم. وحدّث وجمع لنفسه مجاميع وفوائد. وجاور في آخر عمره بمكّة، وفيها كانت منيّته: سقط من مكان مرتفع فمات، يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة ودفن بالمعلّى. وكان ضابطا ثقة حجّة. ٢٨١٨ - أبو المعالي البالسيّ [٦٣٨ - ٧١١] (٤) محمد بن علي بن محمد بن عليّ بن عليّ بن منصور بن مؤمّل بن محمد، أبو المعالي، ابن أبي الحسن، ابن أبي المعالي، البالسيّ، ثمّ الدمشقيّ. قدم مصر وحدّث بها. وكان أبوه قد أحضره على جماعة من أصحاب أبي القاسم بن عساكر. وسمع على جماعة، منهم كريمة بنت عبد الوهّاب القرشيّة. وكان معدّلا. ولد يوم الاثنين رابع عشر صفر- وقيل في ذي القعدة- سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. ومات بدمشق يوم الأربعاء نصف جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وانقطع بموته قطعة من الرواية. ٢٨١٩ - أبو بكر البلنسيّ [٥١٩ - ٥٨٨] (٥) محمد بن علي [بن محمد بن علي بن]

стр. 2413

هذيل، أبو بكر [و] أبو عبد الله، ابن الأستاذ أبي الحسن، البلنسيّ. رحل، وسمع من السلفيّ، وحجّ. ذكره أبو الربيع ابن سالم وقال: شيخ صدوق متيقّظ. سمع أباه وأبا الوليد ابن الدبّاغ [١٥١ ب]، وأبا الحسن طارق بن موسى بن يعيش، وجماعة. وأخذ بمكّة عن أبي عليّ الحسن بن عبد الله بن عمر المقرئ سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقفل إلى الأندلس سنة ستّ وأربعين فأخذ عنه وسمع منه جماعة. قال ابن الأبّار: وكان غاية في الصلاح والورع وأعمال البرّ، له حظّ من علم العبادة ومشاركة في اللغة. توفّي ببعض قرى بلنسية يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. ومولده سنة سبع أو تسع عشرة وخمسمائة. ٢٨٢٠ - أبو الفتح الكوفيّ [- نحو ٤٤٠] محمد بن علي بن محمد بن عليّ، أبو الفتح، التّميميّ، الكوفيّ. سمع من المؤمّل بن أحمد الشيبانيّ بمصر (١). سمع منه بإطرابلس أبو العيش محمد بن عليّ بن عمرو بن رجاء الجمحيّ الأطرابلسيّ. ٢٨٢١ - القاضي أبو العيش الطرابلسيّ [- ٤٦٠] محمد بن علي بن محمد بن عمر (٢)، ابن أبي العيش، أبو العيش، الجمحيّ، الأطرابلسيّ، القاضي. حدّث عن أبي العبّاس منير بن أحمد ابن الخلّال، وأبي محمد ابن النحّاس، وأبي النعمان قراب بن عمرو بن عبيد، سمع منهم بمصر، وأبي محمد ابن أبي نصر، وأبي عبد الله ابن أبي كامل. واستنابه القاضي ابن أبي عقيل على قضاء صيدا، وحدّث بها وبإطرابلس. وروى عنه أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن بن سعدويه الدهستانيّ، ومكّي بن عبد السلام الرميليّ. وكان شيخا (٣) صالحا. توفّي في شعبان سنة ستّين وأربعمائة. ٢٨٢٢ - أبو البركات نجم الدين الموصليّ محمد بن علي بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن إبراهيم، نجم الدين، أبو البركات، ابن أبي الحسن، الأنصاريّ، الموصليّ، الشافعيّ، الخطيب. ولي الحكم بمدينة حماة في زمان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي. وقدم مصر، وولي قضاء أسيوط. وجمع كتابا سمّاه «عيون الأخبار وغرر الحكايات». ٢٨٢٣ - ابن ورّاز النفطيّ [٥٣٦ - ٦٠٨] (٤) محمد بن علي بن محمد بن ورّاز، أبو عبد الله، النفطيّ، المالكيّ. ولد بنفطة من قرى توزر عام ستّة وثلاثين وخمسمائة. وقدم مصر حاجّا. وكان صالحا، له

стр. 2414

سمت حسن، يعرف العربيّة، وانتفع بجدّه الشيخ الصالح أبي الحسن محمد الغسّاني النفطيّ، وتخرّج به. ومات بعد عوده إلى بلاده سنة ثمان وستّمائة. ٢٨٢٤ - قاضي القضاة ابن الزكيّ [٥٥٠ - ٥٩٨] (١) محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن عليّ بن عبد العزيز بن عليّ بن الحسين، قاضي [١٥٢ أ] القضاة، محيي الدين، أبو المعالي، ابن قاضي القضاة زكيّ الدين أبي الحسن، ابن القاضي الأجلّ قاضي القضاة أبي المفضّل، ابن أبي الحسن، ابن أبي محمّد، المعروف بابن الزكيّ، القرشيّ، الأمويّ، العثمانيّ، الدمشقيّ. ولد سنة خمسين وخمسمائة. وتفقّه على جماعة. وسمع من أبيه ومن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن الدارانيّ، وأبي المظفّر سعيد بن سهل الفلكيّ، وأبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن هلال، وأبي القاسم عليّ، وأبي الحسين هبة الله، ابني الحسن بن عساكر، وحدّث هو، وأبوه، وجدّه، وجدّ أبيه. وكان ذا فضائل عديدة، من الفقه والأدب وغيرهما. وله النظم المليح [والخطب] والرسائل. وتولّى القضاء بدمشق، هو وأبوه وجدّه وولداه. وكانت له عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب منزلة عالية ومكانة مكينة. ولمّا فتح السلطان حلب في صفر سنة ثمانين وخمسمائة، أنشده محيي الدين هذا قصيدة، منها قوله [البسيط]: وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشّر بفتوح القدس في رجب فكان كذلك، وفتح السلطان القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. فقيل له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير أبي الحكم ابن برّجان في قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١، - ٢]. ولمّا فتح السلطان القدس تطاول إلى الخطابة به في يوم الجمعة كلّ أحد من العلماء الذين شهدوا الفتح، وجهد كلّ منهم في عمل خطبة بليغة ورجا أن يكون هو الذي يعيّن لذلك. فخرج المرسوم إلى المحيي هذا أن يخطب، فخطب خطبة بليغة جدّا في معنى فتح القدس. وذكر منتجب الدين أبو الفضل يحيى بن أبي طيّئ حميد النجار: حدّثني جماعة، منهم الركن ابن جهبل العدل أنّ الفقيه مجد الدين [طاهر بن نصر الله] (٢) بن جهبل الشافعيّ وقع إليه تفسير القرآن الكريم لأبي الحكم المغربيّ، فوجد فيه عند قوله تعالى: الم* غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١، - ٢] الآية، أنّ الروم يغلبون في شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويفتح البيت المقدّس وتصير دار إسلام إلى آخر الأبد. واستدلّ على ذلك بأشياء ذكرها في كتابه، فلمّا فتح السلطان حلب، كتب إليه المجد ابن جهبل ورقة يبشّره بفتح القدس على يديه، وعيّن فيها الزمان الذي يفتحه فيه، وأعطى الورقة للفقيه عيسى الهكّاريّ. فلمّا وقف عليها الفقيه عيسى، لم يتجاسر على عرضها على السلطان، وأعلم بما

стр. 2415

في الورقة محيي الدين [١٥٢ ب] محمد ابن الزكيّ الدمشقيّ. وكان ابن الزكيّ واثقا بعقل ابن جهبل، وأنّه لا يقدم على هذا القول حتّى يحقّقه ويثق به. فعمل قصيدة مدح بها السلطان حين فتح حلب في صفر، وقال فيها: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... قضى لكم بافتتاح القدس في رجب فلمّا سمع السلطان ذلك، تعجّب من مقالته، ثمّ حين فتح السلطان القدس، خرج المجد ابن جهبل إلى خدمته مهنّئا له بفتحه، وحدّثه حديث الورقة. فتعجّب السلطان من قوله وقال: قد سبق إلى ذلك محيي الدين ابن زكيّ الدين، غير أنّي أجعل لك حظّا لا يزاحمك فيه أحد- ثمّ جمع له من هناك من الفقهاء وأهل الدين، ثمّ أدخله إلى القدس. ولمّا كانت [ ... ] ولّى صلاح الدين محيي الدين قضاء حلب، وقدم إلى القاهرة رسولا من الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب إلى الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين يحثّه على قصد الفرنج. فأقام بها أيّاما يسيرة، وعاد من القاهرة يريد دمشق في يوم الأحد ثالث صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة (١)، وتوفّي يوم الأربعاء سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بدمشق. ٢٨٢٥ - شمس الدين ابن سكّر الحنفيّ [٧١٩ - ٨٠١] (٢) محمد بن علي بن محمد بن علي بن ضرغام بن عبد الكافي بن عيسى بن الحسين بن الحسن بن يوسف بن أنس بن عبد الله بن سعد [ ... ] عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، شمس الدين، أبو عبد الله، البكريّ، المعروف بابن سكّر- بضمّ السين المهملة وتشديد الكاف وفتحها ثمّ راء مهملة، وهو لقب جدّ جدّه (٣) - الفقيه الحنفيّ، المقرئ، المحدّث، المصريّ، دارا ومنشأ، المكّيّ وفاة. ولد بالقاهرة في أخريات شهر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة وسبعمائة، وطلب بنفسه من سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. سمع من [مسند نصر شرف الدين يحيى بن يوسف المعروف بابن المصري، الأربعين لابن أسلم الطوسيّ، ومجلسي السلميّ وابن بالويه، كلاهما عن ابن رواج، ومن أوّل مشيخة ابن الجمّيزى. وسمع على الملك أسد الدين عبد القادر بن عبد العزيز الأيّوبيّ سداسيّات الرازيّ والتوكّل لابن أبي الدنيا والسلماسيّات (للسلفيّ)، كلاهما عن محمد بن عبد الهادي عن السلفيّ وعلى] (٤) عدّة من أصحاب النجيب وابن عبد الدائم. وأخذ القراءات عن أثير الدين أبي حيّان وروى عنه كثيرا. وقرأ أيضا على شمس الدين محمد بن محمد بن السراج. وأجاز له من دمشق أبو بكر ابن الرضيّ، والحافظ أبو الحجّاج يوسف المزّيّ، والحافظ علم الدين البرزاليّ، وجماعة. تفقّه على مذهب أبي حنيفة. وسافر إلى مكّة في شوّال سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وأقام بها حتى مات في يوم الأربعاء خامس عشرين صفر سنة إحدى وثمانمائة بعد ما رحل إلى اليمن. وكتب بخطّه كثيرا خطّا رديئا، وتنازل بالسماع حتى سمع على من دونه لمحبّته في الرواية. وكان يطوف في الموسم على الحاجّ ويسأل عن أهل العلم ليروي عنهم فصار عنده

стр. 2416

أشياء كثيرة جدّا. وكان مع ذلك نكدا عسرا حرج الخلق مشنوءا من الناس لا يكاد أحد من أهل مكّة يروي عنه. وأعانني الله عليه لمّا جاورت بمكّة في سنة سبع وثمانين وسبعمائة حتى قرأت عليه كثيرا من مرويّاته، ولم يقع بيني وبينه سوء قطّ، والحمد لله. وكثر فرحه بأخذي عنه، وكتب لي خطّه. ٢٨٢٦ - جلال الدين ابن نباتة [٥٧١ - ] [١٥٣ أ] محمد بن عليّ بن محمد بن يحيى بن طاهر ابن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة، الوزير جلال الدين، أبو الفتح، الفارقيّ. ولد بميافارقين في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وقدم مصر وأقام بها مدّة [ ... ]. ومن شعره [الطويل]: كتبت، ولو أنّي استطعت وحقّكم ... جعلت بياض العين موضع طرسه وعوّضت من فرط الحنين إليكم ... بإنسانها المسودّ عن لون نقسه (١) فمن لمشوق قد عرته صبابة ... أعاضته بالإيحاش من بعد أنسه؟ يراكم على بعد المزار وقربه ... أعزّ عليه من حشاشة نفسه ٢٨٢٧ - أبو سلمة البيّاسيّ الغرناطيّ [- ٧٠٣] (٢) محمد بن علي بن محمد [بن يحيى بن عليّ] بن يحيى بن سلمة، أبو عبد الله وأبو سلمة، البيّاسيّ، الأنصاريّ، الغرناطيّ، ناصر الدين. روى عن الحافظ أبي جعفر بن الزبير وغيره. وقدم القاهرة وحجّ. واستوطن القاهرة حتّى مات بها في ثامن عشر شعبان سنة ثلاث وسبعمائة. وكان عارفا بعلم الحديث، وكتب منه كثيرا. ومال إلى مذهب الظاهريّة. وانتفع به جماعة من طلبة الحديث. وكان ثقة. ٢٨٢٨ - حفيد القاضي عياض [٦٠٠ - ٦٨٧] (٣) محمد بن علي بن محمد بن يعلى، ابن القاضي أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض بن لبيب بن ثابت بن رافع بن رويفع بن عنان بن هلال بن طارق، أبو عبد الله، ابن أبي الحسين، اليحصبيّ، المغربيّ، التلمسانيّ، المالكيّ. ولد ليلة الحادي والعشرين من شوّال سنة ستّمائة بتلمسان. قدم القاهرة سنة خمس وثمانين (٤) وستّمائة. وسمع الحديث ببلخ من أبي جعفر محمد بن أبي جعفر بن طاهر الحسينيّ، وببخارى من أبي الفضل أحمد بن الحسن الطالقانيّ. ودخل الهند. ووجد بخطّه: حدّثنا الشيخ المعمّر أبو بكر المقدشي- بالشين المعجمة- وكان عمره ثلاثمائة وعشرين سنة لفظا ببلدة السوسان من بلاد الهند في أوّل رجب سنة اثنتين وخمسين وستّمائة: قال المعمّر خواجار بن عبد الله بطرندة في بلاد الهند أنّه مشى إلى المدينة فوجد النبيّ ﷺ [١٥٣ ب] والصحابة يحفرون، وأسلم على يديه ورجع إلى بلاد الهند. ومات بالقاهرة ليلة الحادي عشر من ربيع الأوّل

стр. 2417

سنة سبع وثمانين وستّمائة. ٢٨٢٩ - ابن العلّاف [- ٤٤٢] (١) محمد بن علي بن محمد بن يوسف، أبو طاهر، الواعظ، يعرف بابن العلّاف، وابن الفرّاء. سمع أبا بكر بن مالك القطيعيّ، وأحمد بن جعفر بن مسلم، ومخلد بن جعفر، وغيره. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا، مشكورا، ظاهر الوقار، وله مجلس وعظ. مات يوم الجمعة الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وذكره المنذريّ في المصريّين. وحدّث بالإسكندريّة. ٢٨٣٠ - محيي الدين ابن العربيّ [٥٦٠ - ٦٣٨] (٢) محمد بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبد الله، محيي الدين، أبو عبد الله، ابن العربيّ، الطائيّ، الحاتميّ، من ولد عبد الله بن حاتم أخي عديّ بن حاتم، الصوفيّ، الفقيه الظاهريّ، المحدّث. ولد بمرسية في شهر رمضان سنة ستّين وخمسمائة. وسمع بقرطبة من الحافظ أبي القاسم خلف بن بشكوال وغيره. وبإشبيلية من أبي بكر محمّد بن خلف بن صاف اللخميّ، وقرأ عليه القرآن الكريم بالقراءات السبع، وبالكتاب الكافي لأبي عبد الله محمد بن شريح الرعينيّ المقرئ في مذاهب القرّاء السبعة المشهورين، وحدّثه به عن ابن المؤلّف أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعينيّ عن أبيه. وقرأ أيضا القرآن بالكتاب المذكور على أبي القاسم عبد الرحمن بن غالب الشرّاط القرطبيّ وحدّثه به عن ابن المؤلّف. وسمع على قاضي مدينة فاس أبي محمد عبد الله التادليّ كتاب التبصرة في مذاهب القرّاء السبعة لأبي محمد مكّيّ بن أبي طالب المقرئ عن أبي بحر سفيان عن المؤلّف. وسمع على القاضي أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي جمرة كتاب التيسير في مذاهب القرّاء السبعة لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني عن أبيه عن المؤلّف. وسمع على القاضي أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون الأنصاريّ، وعلى أبي محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن بن عبد الله الإشبيليّ، وعلى عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل ابن الحرستانيّ، وعلى يونس بن يحيى بن أبي الحسن العبّاسيّ نزيل مكّة، وعلى المكين ابن شجاع بن آمر بن رستم الأصبهانيّ إمام المقام، وعلى البرهان نصر ابن أبي الفتوح بن علي، وسالم بن رزق الله الإفريقي، ومحمد بن أبي الوليد بن أحمد بن شبل، وأبي عبد الله بن عيشون وأجازه جماعة كثيرة، منهم الحافظ الكبير ابن عساكر، وأبو الطاهر السلفيّ، وأبو الفرج ابن الجوزيّ. وقدم إلى مصر. وأقام بالحجاز مدّة. ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم. ومات بدمشق في ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستّمائة، ودفن بسفح قاسيون. قال ابن الأبّار: هو من أهل إشبيلية، وأصله من سبتة. وقال أبو جعفر ابن الزبير: أراه من أهل المريّة.

стр. 2418

وقال ابن النجّار: أقام بإشبيليّة إلى سنة ثمان وتسعين، ثمّ دخل بلاد الشرق. وقال ابن الأبّار: أخذ عن مشيخة بلده ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة. ثمّ رحل إلى المشرق حاجّا فأدّى الفريضة ولم يعد بعدها إلى الأندلس. وقال أبو محمد المنذريّ: ذكر أنّه سمع بقرطبة من أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال وجماعة سواه. وسمع بإشبيليّة من أبي بكر محمد بن خلف بن صاف [اللخميّ]، وأنّه سمع بمكّة وبغداد والموصل وغيرها من جماعة. وطاف البلاد، وسكن بلاد الروم مدّة، وجمع مجاميع في الطريقة. وقال ابن الأبّار: وسمع الحديث من أبي القاسم الحرستانيّ، وسمع صحيح مسلم مع شيخنا أبي الحسن ابن أبي نصر في شوّال سنة ستّ وستّمائة. وكان يحدّث بالإجازة العامّة عن السلفيّ ويقول بها. وبرع في علم التصوّف [١٥٤ أ]. وله في ذلك مصنّفات جليلة طويلة كثيرة. لقيه جماعة من العلماء والمتعبّدين وأخذوا عنه. وقال أبو جعفر ابن الزبير: وجال في بلاد المشرق، وأخذ في رحلته. وألّف في التصوّف وما يرجع إليه، وفي التفسير، وغير ذلك تواليف لا يأخذها الحصر، منها: كتاب الجمع والتفصيل في إبداء معاني التنزيل، وكتاب كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى، وكتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام، إلى غير ذلك. وله شعر، وتصرّف في فنون من العلم، وتقدّم في علم الكلام والتصوّف. وقال ابن الدبيثيّ: قدم بغداد في سنة ثمان وستّمائة. وكان يومأ إليه بالفضل والمعرفة. والغالب عليه طرق أهل الحقيقة. وله قدم في الرياضة والمجاهدة، وكلام على لسان أهل التصوّف. ورأيت جماعة يصفونه بالتقدّم والمكانة عند جماعة من أهل هذا الشأن بدمشق وبلاد الشام والحجاز. وله أصحاب وأتباع. ووقفت له على مجموع من تأليفه، وقد ضمّنه منامات رأى فيها رسول الله ﷺ ، وما سمعه منه، ومنامات قد حدّث بها عمّن رآه ﷺ . فكتب عنّي شيئا من ذلك، وعلّقت عنه منامين فحسب. وقال ابن النجّار: وكان قد صحب الصوفيّة وأرباب القلوب، وسلك طريق الفقر. وحجّ وجاور، وصنّف كتبا في علم القوم، وفي أخبار مشايخ المغرب وزهّادها. وله أشعار حسنة وكلام مليح. اجتمعت به بدمشق في رحلتي إليها، وكتبت عنه شيئا من شعره. ونعم الشيخ هو! ذكر لي أنّه دخل بغداد في سنة إحدى وستّمائة فأقام بها اثني عشر يوما. ثمّ دخلها ثانيا حاجّا مع الركب في سنة ثمان وستّمائة. وأنشدني لنفسه [الطويل]: أيا حائرا ما بين علم وشهوة ... ليتّصلا، ما بين ضدّين من وصل ومن لم يكن يستنشق الريح لم يكن ... يرى الفضل للمسك الفتيق على الزبل وسألته عن مولده فقال: في ليلة الاثنين سابع عشر رمضان سنة ستّين وخمسمائة بمرسية من بلاد الأندلس. وقال ابن مسدي: كان يلقّب بالقشيريّ، لقبا غلب عليه لما كان يشير من التصوّف إليه. وكان جميل الجملة والتفصيل، محصّلا لفنون العلم أخصّ تحصيل. وله في الأدب الشأو الذي لا يلحق، والتقدّم الذي لا يسبق. سمع ببلده من أبي عبد الله محمد بن [١٥٤ ب] سعيد بن زرقون القاضي، ومن الحافظ أبي بكر محمد بن

стр. 2419

عبد الله بن الجدّ، وأبي الوليد [ ... ] بن أبي أيّوب الحضرميّ، وبسبتة من أبي محمد بن عبيد الله. وقدم عليه إشبيلية أبو محمد عبد المنعم ابن محمد الخزرجيّ فسمع منه، وأبو جعفر بن مضاء (١). واختصّ بمحمّد بن يحيى فقرأ عليه القرآن بالروايات. وسمع بمرسية من القاضي أبي بكر ابن أبي جمرة وغيره. وذكر أنّه لقي عبد الحقّ ابن عبد الرحمن ببجاية، وفي ذلك نظر (٢). قال كاتبه (٣): قال الشيخ محيي الدين في إجازته للملك المظفّر غازي ابن العادل أبي بكر بن أيّوب: ومن شيوخنا الأندلسيّين أبو محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزديّ الإشبيليّ ﵀، حدّثني بجميع مصنّفاته في الحديث، وعيّن لي من أسمائها: تلقين المهتدي، والأحكام الكبرى، والوسطى، والصغرى، وكتاب التهجّد، وكتاب العاقبة ونظمه ونثره، وحدّثني بكتب الإمام أبي محمد عليّ بن أحمد بن حزم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه [انتهى] (٤). ... وأنّ الحافظ (٥) السلفيّ أجاز له، وأحسبها الإجازة العامّة. وله تواليف. وكان مقتدرا على الكلام، ولعلّه ما سلم من الكلام. وكان ظاهريّ المذهب في العبادات، باطنيّ النظر في الاعتقادات. قال ابن النجّار: توفّي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستّمائة بدمشق. ودفن يوم الجمعة بجبل قاسيون. واتّفق أنّه لمّا أقام ببلاد الروم، ركّبه ذات يوم الملك، فقال: هذا بدعوة الأسود. فسئل عن ذلك، فقال: خدمت بمكّة بعض الصلحاء، فقال لي يوما: اللهيذلّ لك أعزّ خلقه. وأمر له ملك الروم مرّة بدار تساوي مائة ألف درهم. فلمّا دخلها وأقام بها، مرّ به في بعض الأيّام سائل فقال: شيء لله! فقال: ما عندي غير هذه الدار، خذها لك! فتسلّمها السائل وصارت له. وقد نقل عن الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام أنّه قال عن ابن العربيّ: هذا شيخ سوء كذّاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرّم فرجا- وفي رواية: شيخ سوء كذّاب مقبوح يقول بقدم العالم ولا يرى تحريم فرج- وأنّه سئل عن كذبه فقال: كان ينكر تزويج الإنس بالجنّ ويقول: الجنّ روح لطيف، والإنس جسم كثيف لا يجتمعان- ثمّ زعم أنّه تزوّج امرأة من الجنّ وأقامت معه مدّة ثمّ ضربته بعظم جمل فشجّته- وأرانا شجّة بوجهه وقد برئت. ويقال أيضا أنّه خرج هو [ ... ] ابن سراقة العامريّ من باب الفراديس بدمشق، فقال: بعد كذا وكذا ألف سنة يخرج ابن العربيّ وابن سراقة من هذا الباب على هذه الهيئة. وقال في حقّه شمس الدين محمد بن عثمان الذهبيّ: له توسّع في الكلام وذكاء وقوّة خاطر وحافظة وتدقيق في التصوّف وتواليف جمّة في العرفان لولا شطحه في كلامه وشعره. لعلّ ذلك

стр. 2420

وقع له حال سكره وغيبته فيرجى له الخير. وقال القطب اليونيني في ذيل مرأة الزمان عن ابن عربيّ: وكان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء. [١٥٥ ب] وحكى ابن شودكين عنه أنّه كان يقول: ينبغي للعبد أن يستعمل همّته في الحضور في (١) مناماته بحيث يكون حاكما على خياله يصرفه بعقله نوما كما كان يحكم عليه يقظة. فإذا حصل للعبد هذا الحضور وصار خلقا له وجد ثمرة ذلك في البرزخ وانتفع به جدّا، فليهتمّ العبد بتحصيل هذا القدر، فإنّه عظيم الفائدة بإذن الله. وقال: إنّ الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك. وقال: ينبغي للسالك [أنه] متى خطر له أنّ [يعقد] على أمر أو يعاهد الله تعالى عليه، أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته. فإن يسّر له فعله فعله، وإن لم ييسّر الله فعله يكون مخلصا من نكث العهد، ولا يتّصف بنقض الميثاق. وقال: بلغني في مكّة عن امرأة من أهل بغداد أنّها تكلّمت فيّ بأمور عظيمة. فقلت: هذه قد جعلها الله سببا لخير وصل إليّ. فلأكافئنّها. - وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما أعتمر في رجب يكون لها وعنها- ففعلت ذلك. فلمّا كان الموسم استدلّ عليّ رجل غريب. فسأله الجماعة عن قصده فقال: رأيت بالينبع في الليلة التي بتّ فيها كأنّ آلافا من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر. فعجبت من كثرته، ثمّ سألت لمن هو، فقيل: هو لمحمّد بن عربيّ (٢) يهديه إلى فلانة - وسمّى تلك المرأة- ثمّ قال: وهذا بعض ما تستحقّ. قال ابن عربيّ: فلمّا سمعت الرؤيا، واسم المرأة- ولم يكن أحد من خلق الله علم منّي ذلك- علمت أنّه تعريف من جانب الحقّ. وفهمت من قوله: إنّ هذا بعض ما تستحقّ أنّها مكذوب عليها. فقصدت المرأة وقلت: اصدقيني! - وذكرت لها ما كان من ذلك. فقالت: كنت قاعدة قبالة البيت، وأنت تطوف، فشكرك الجماعة التي (٣) كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهمّ إنّي أشهدك أنّي قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين ويوم الخميس- وكنت أصومهما وأتصدّق فيهما- (قال): فعلمت أنّ الذي وصل إليّ منها بعض ما [١٥٥ أ] تستحقّه (٤)، فإنّها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدّم. ٢٨٣١ - أبو بكر النحويّ [٣٠٢ - ٣٨٨] (٥) محمد بن علي بن محمد، أبو بكر، النحويّ. ولد سنة اثنتين وثلاثمائة. وتوفّي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. قال القرّاب عن المالينيّ: كتبنا عنه. ٢٨٣٢ - أبو سهل الهرويّ [٣٧٢ - ٤٣٣] (٦) محمد بن علي بن محمد، أبو سهل، الهرويّ، اللغويّ، نزيل مصر.
следующие страницы →