← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

رجب من القلعة إلى مجلس الحكم، فوضعت بخزانة في المدرسة العادليّة. وكانت أكثر من ستّين مجلّدا وأربع عشرة ربطة كراريس. فنظر القضاة والفقهاء فيها، وتفرّقت في أيديهم. وكان سبب هذا أنّه وجد له جواب عمّا ردّه عليه القاضي المالكيّ بديار مصر، وهو زين الدين ابن مخلوف، فأعلم السلطان بذلك فشاور القضاة فأشاروا بهذا. [وفاته مسجونا بالقلعة]: ولم يزل بالقلعة حتّى مات يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. فحضر جمع كبير إلى القلعة، وأذن لبعضهم في الدخول. وغسّل وصلّى عليه بالقلعة. ثم حمل على أصابع الرجال، وأتوا بنعشه من القلعة إلى الجامع الأمويّ. وحالما أذّن لصلاة الظهر، صلّى الإمام الشافعيّ من غير أن ينتظر صلاة المشهد على العادة. ثمّ صلّى عليه، وتوجّهوا به إلى مقابر الصوفيّة. فما وصلوا به إليها [٩٩ ب] حتّى أذّن للعصر. وأراد جماعة أن يخرجوا من باب الفرج أو باب النصر فلم يقدروا من شدّة الزحام وحمل على الأيدي والرءوس والأصابع. وكان الناس يلقون عمائمهم على النعش ويجرّونها إليهم طلبا للتبرّك بذلك. وحزر من صلّى عليه من الرجال فكانوا ستّين ألفا، وخمسة آلاف امرأة. وقيل أكثر من ذلك. وكان في عنقه خيط عمل بالزئبق لأجل القمل وطرده، فاشتري بجملة مال. [مصنّفاته]: وكتب بخطّه من التصانيف، والتعاليق المفيدة، والفتاوى المشبعة، في الأصول، والفروع، والحديث، وردّ البدع بالكتاب والسنّة، شيئا كثيرا يبلغ عدّة أحمال. فممّا كمل منها: - كتاب الصارم المسلول على منتقص الرسول. - وكتاب تبطيل التحليل. - وكتاب اقتضاء السّراط المستقيم. - وكتاب [في الردّ على] تأسيس التقديس [للرازي] في عدّة مجلّدات. - وكتاب الردّ على طوائف الشيعة، أربع مجلّدات، وكتاب دفع الملام عن الأئمة الأعلام، وكتاب السياسة الشرعيّة، وكتاب التصوّف، وكتاب مناسك الحجّ، وكتاب الكلم الطيّب. ومسائل كثيرة جدّا يقوم منها عدّات (١) كثيرة من المجلّدات. وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تبيّض، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير. فإنّه أحرق منها شيء كثير، ولا قوّة إلّا بالله. ومع ذلك قال القاضي الذهبيّ: ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرّاس وأكثر- وفسّر كتاب الله تعالى مدّة سنين من صدره أيّام الجمع. [ثناء العلماء عليه]: ولمّا ولي مشيخة دار الحديث بعد والده، وهو شابّ، وحضره الأعيان وأثنوا عليه وعلى فضائله وعلومه قال الشيخ إبراهيم الرقّيّ: الشيخ تقيّ الدين يؤخذ عنه ويقلّد في العلوم. فإن طال عمره ملأ الأرض علما وهو على الحقّ. ولا بدّ أن يعاديه الناس فإنّه وارث علم النبوّة- وقال كمال الدين ابن الزملكانيّ: لقد أعطي ابن تيميّة اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد! - ثمّ كتب على بعض تصانيفه هذه الأبيات من نظمه [الكامل]: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلّت عن الحصر

стр. 282

هو حجّة لله، قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدّهر هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر ثمّ نزغ الشّيطان بينهما وغلبت على ابن الزملكانيّ أهويته فمال عليه مع من مال. وقال قاضي القضاة تقيّ الدين أبو الفتح محمد ابن دقيق العيد لمّا اجتمع به عند حضوره إلى القاهرة في سنة سبعمائة: رأيت رجلا كلّ العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد. وحضر عنده العلّامة أثير الدين أبو حيّان [شيخ النحاة] فقال عنه: ما رأت عيناي مثله- ومدحه في المجلس بقوله [البسيط]: لمّا أتينا تقيّ الدين لاح لنا ... داع إلى الله فرد، ما له وزر على محيّاه من سيما الألى صحبوا ... خير البريّة نور دونه القمر حبر تسربل منه دهره حبرا ... بحر تقاذف من أمواجه الدرر قام ابن تيميّة في نصر شرعتنا ... مقام سيّد تيم إذ عصت مضر فأظهر الحقّ إذ آثاره اندرست ... وأخمد الشرّ إذ طارت له الشرر [١٠٠ أ] كنّا نحدّث عن حبر يجيء، فها ... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر ثمّ دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه. فتسرّع ابن تيميّة فيه بمقول نافره عليه أبو حيّان وقاطعه بسببه، ثمّ عاد أكثر الناس له ذمّا، واتّخذه ذنبا لا يغفر. وكان قاضي القضاة نجم الدين أبو العبّاس ابن صصرى لا يسمح لمناظريه في بلوغ مرادهم من ضرره ويقول: ما لي وله؟ وحكى أبو حفص محمد بن علي بن موسى الزار البغداديّ قال: حدّثني الشيخ المقرئ تقيّ الدين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة فجاءني ابن تيميّة فجلس عند رأسي وأنا مثقل بالحمّى والمرض. فدعا لي وقال: قم، جاءت العافية! - فما كان إلا [أن] قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت وشفيت لوقتي. [مدح ابن فضل الله العمريّ له]: وقال فيه الإمام الأوحد القاضي الرئيس كاتب الأسرار شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمريّ: هو البحر من أيّ النواحي جئته، والبدر من أيّ الضواحي أتيته. جرت آباؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف طليحا مريحا من تعبه، طلبا لا يرضى بغاية، ولا تقضى له نهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتّخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن نسي السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه [البسيط]: وثقّف الله امرءا بات يكلؤه ... [يمضي] (١) حساماه فيه السيف والقلم بهمّة في الثريّا أثر أخمصها ... وعزمة ليس من عاداتها السأم على أنّه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونسأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيى معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس. وأصبح في فضله آية إلّا أنّه آية الحرس. عرضت له الكدى فدحرجها،

стр. 283

وعارضته البحار فضحضحها، ثمّ كان أمّة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كلّ عظيم، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم، ولم يكن منهم إلّا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]: ما كان بعض الناس إلّا مثلما ... بعض الحصى الياقوتة الحمراء جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثار جنود رعيل، وتجار أسود غيل، إلّا أنّ صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طمّ على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلّت قسورته على تلك السباع. ثمّ عبّئت له الكتائب فحطّم صفوفها، وخطم أنوفها. وابتلع غديره المطمئنّ جداولها، واقتلع طوده المرجحنّ جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شراراتهم مصابيحه [الوافر]: تقدّم راكبا فيهم إماما ... ولولاه لما ركبوا وراء فجمع أشتات المذاهب وشتّات المذاهب (١)، ونقل عن أئمّة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثّل صورهم الذاهبة وأحضرها. فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره، لأدنى عصره إليه مقرّبا، أو مالك، لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعيّ، لقال: ليست هذا كان للأمّ ولدا، أو: ليتني كنت له أبا! والشيبانيّ ابن حنبل، لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا، بل داود الظاهريّ وسنان الباطنيّ (٢)، لظنّا تحقيقه من منتحله، وابن حزم والشهرستانيّ، لحشر كلّ منهما ذكره أمّة في نحله، والحاكم النيسابوريّ والحافظ السلفيّ، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد [١٠٠ ب] الفتاوى ولا يردّها، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنّه كان قاعدا لها يعدّها [الكامل]: أبدا على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيّب يغدو مساجله بغرّة صافح ... ويروح معترفا بذلّة مذنب ولقد تظافرت عليه عصب الأعداء فألجموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم ليجني الشهد نحله. ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربّصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب، ونمّ فما زاد على أنّه اغتاب. وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثمّ إلى الإسكندريّة، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى (٣) المنون، وهو على علم يسطّر صحفه، ويدّخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلّا أن يصنّفه، ويقرّط به ولو سمع امرئ واحد ويشنّفه، حتّى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا. وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، [وطبع على قلبه] منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار (٤)

стр. 284

المنابر، وحلّ ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات، لا بل حيي، وعرف قدره لأنّ مثله ما رئي. وكان يوم دفنه يوما مشهودا ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس، متبوعا بالنفوس، تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب! ولأقلامه النافقة: لا أبعد كنّ الله من شجرات! . وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلّة في الجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله ويمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنة ولا تقدّم دعوة ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يطفأ ضرم عدوى [الطويل]: وكلّ امرئ حاز المكارم محسود [الكامل]: كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنّه لدميم كلّ هذا لتبريزه في الفضل حيث قصّرت النظراء، وتجلّيه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجّة التتار، واقتحامه، وسيوفهم تتدفّق، لجّة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورا في ضرمها، والسيوف فرقا في قرمها، خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، فطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمّن على دعائه وهو مقبل إليه. ثمّ كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كلّ من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ما له من جهاد في الله لم تفزعه فيه ظلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج، مواقف حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم [١٠١ أ] لدّ اقتحم معها الغمرات، وواكلها مختلف الثمرات، وقطع جدالها قويّ لسانه، وجلادها شبا سنانه، قام بها وصابرها، وبلي بأصاغرها، وقاسى أكابرها، وأهل بدع قام في دفاعها، وجاهد في حطّ يفاعها، ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل، وسقم التعليل، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رءوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقد الخضوع، وقاموا، وأرجلهم تتساقط للوقوع، بأدلّة أقطع من السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح [الطويل]: إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت ... على كتفيه الدرع وانتثر السرد إلّا أنّ سابق المقدور أوقعه في خلل المسائل، وخطل خطإ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل، وأظنّه- والله يغفر له- عجّلت له في الدنيا المقاصّة، وأخذ نصيبه من بلواها عامّة وله خاصّة، وذلك لحطّه على بعض سلف العلماء، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء، وقلّة توقيره للكبراء، وكثرة تكفيره للفقراء، وتزييفه لغالب الآراء، وتقريبه

стр. 285

لجهلة العوامّ وأهل المراء، وما أفتى به آخرا في مسألتي الزيارة والطلاق، وإذاعته لهما حتى تكلّم فيهما من لا دين له ولا خلاق، فسلّط وبال الأعداء على سليطه، وأطلق أيدي الاعتداء في تفريطه، ولقّم نارهم سعفه، وأرى أقساطهم شرفه. فلم يزل إلى أن مات عرضه منهوبا وعرضه موهوبا، وصفاته تتصدّع ورفاته لا تتجمّع. ولعلّ هذا لخير أريد به وأريغ له بحسن منقلبه. وكان تعمّده للخلاف وتقصّده لغير طريق الأسلاف، وتقويته للمسائل الضعاف، وتعويضه عن رءوس السعاف (١) تغيّر مكانته من خاطر السلطان، وتسبّب له التغرّب عن الأوطان، وتنفذ إليه سهام الألسنة الرواشق، ورماح الطعن في يد كلّ ماشق. فلهذا لم يزل منغّصا عليه طول مدّته، لا تكاد تنفرج عنه جوانب شدّته. هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود من الجود: كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلّا ليهبه ولا يحفظه إلّا ليذهبه كلّه في سبيل البرّ وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر. لم يمل به حبّ الشهوات ولا حبّب إليه من صلات الدنيا غير الصلاة. ولقد نافست ملوك جانكيز خان عليه، ووجّهت دسائس رسلها إليه، وبعثت تجدّ في طلبه، فنوسيت عليه لأمور أعظمها خوف توثّبه. وما زال على هذا ومثله إلى أن صرعه أجله، وأتاه بشير الجنّة يستعجله، فانتقل إلى الله، والظنّ به أنّه لا يخجله. (قال) وحكي عن شجاعته في مواقف الحرب نوبة شقحب، ونوبة كسروان، ما لم يسمع إلّا عن صناديد الرجال، وأبطال اللقاء، وأحلاس الحرب، تارة يباشر القتال وتارة يحرّض عليه. (قال) وكان يجيئه من المال في كلّ سنة ما لا يكاد يحصى فينفقه جميعه آلافا ومئين، ولا يلمس منه درهما ولا ينفقه في حاجة له. وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألّف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلّة، ولا يتشهّى طعاما ولا يمتنع عن شيء منه، بل هو مع ما حضر لا يتجهّم مرآه، ولا يتكدّر صفوه ولا يسأم عفوه، (قال) ورئيت له منامات صالحة. [رثاء ابن فضل الله له]: ورثاه جماعات من الناس بالشام ومصر والعراق والحجاز والعرب من آل فضل. (قال) ورثيته بقصيدة لي، وهي [البسيط]: [١٠١ ب] أهكذا بالدياجي يحجب القمر ... ويحبس النوء حتى يذهب المطر؟ أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن ... منافع الأرض أحيانا فتستتر؟ أهكذا الدهر ليلا كلّه أبدا ... فليس يعرف في أوقاته سحر؟ أهكذا السيف لا تمضي مضاربه ... والسيف في الفتك ما في عزمه خور؟ أهكذا القوس ترمي بالعراء وما ... تصمي الرمايا وما في باعها قصر (٢)؟ أهكذا يترك البحر الخضم ولا ... يلوى عليه، وفي أصدافه الدّرر؟ أهكذا بتقيّ الدين قد عبثت ... أيدي العدى وتعدّى نحوه الضرر؟

стр. 286

ألابن تيميّة ترمى سهام أذى ... من الأنام ويدمى الناب والظفر؟ بذّ السوابق ممتدّ العبادة لا ... يناله ملل فيها ولا ضجر ولم يكن مثله بعد الصحابة في ... علم عظيم وزهد ما له خطر طريقه كان يمشي قبل مشيته ... بها أبو بكر الصدّيق أو عمر فرد المذاهب في أقوال أربعة ... جاءوا على أثر السّبّاق وابتدروا لمّا بنوا قبله عليا مذاهبهم ... بنى وعمّر منها مثل ما عمروا مثل الأئمّة قد أحيا زمانهم ... كأنّه كان فيهم وهو منتظر إن يرفعوهم جميعا رفع مبتدإ ... فحقّه الرفع أيضا إنّه خبر (١) أمثله بينكم يلفى بمضيعة ... حتّى يطيح له عمدا دم هدر (٢) يكون وهو أمانيّ لغيركم ... تنوبه منكم الأحداث والغير والله لو أنّه في غير أرضكم ... لكان منكم على أبوابه زمر مثل ابن تيميّة ينسى بمحبسه ... حتى يموت ولم يكحل به بصر مثل ابن تيميّة ترضى حواسده ... بحبسه ولكم في حبسه عذر مثل ابن تيميّة في السجن معتقل ... والسجن كالغمد وهو الصارم الذّكر مثل ابن تيميّة يرمى بكلّ أذى ... وليس يجلى قذى منه ولا نظر مثل ابن تيميّة تذوي خمائله ... وليس يلقط من أفنانه الزهر مثل ابن تيميّة شمس تغيب سدى ... وما ترقّ لها الآصال والبكر مثل ابن تيميّة يمضي وما عتقت ... بمسكه العاطر الأردان والطرر! مثل ابن تيمية يمضي وما نهلت ... له سيوف ولا خطيّة سمر ولا تجارى له خيل مسوّمة ... وجوه فرسانها الأوضاح والغرر ولا تحفّ به الأبطال دائرة ... كأنهم أنجم في وسطها قمر ولا تعبّس حرب في مواقفه ... يوما ويضحك في أرجائه الظّفر حتّى يقوّم هذا الدين من ميل ... ويستقيم على منهاجه البشر بل هكذا السلف الأبرار ما برحوا ... يبلى اصطبارهم جهدا وهم صبر [١٠٢ أ] تأسّ بالأنبياء الطّهر كم بلغت ... فيهم مضرّة أقوام وكم هجروا في يوسف في دخول السجن منقبة ... لمن يكابد ما يلقى ويصطبر ما أهملوا أبدا، بل أمهلوا لمدى ... والله يعقب تأييدا وينتصر أيذهب المنهل الصافي وما نقعت ... به الظماء ويبقى الحمأة الكدر (٣)؟ مضى حميدا ولم يعلق به وضر ... وكلّهم وضر في الناس أو وذر (٤)

стр. 287

طود من الحلم لا ترقى له قنن ... كأنّما الطود من أحجاره حجر (١) بحر من العلم قد فاضت بقيّته ... فغاضت الأبحر العظمى وما شعروا يا ليت شعري هل في الحاسدين له ... نظيره في جميع القوم إن ذكروا هل فيهم لحديث المصطفى أحد ... يميّز النقد أو يروى له خبر؟ هل فيهم من يضمّ البحث في نظر ... أو مثله من يضمّ البحث والنظر؟ هلّا جمعتم له من قومكم ملأ ... كفعل فرعون مع موسى لتعتبروا؟ قولوا لهم: قال هذا فابحثوا معه ... قدّامنا وانظروا الجهّال إن قدروا تلقي الأباطيل أسحار لها دهش ... فيلقف الحقّ ما قالوا وما سحروا فليتهم مثل ذاك الرهط من ملإ ... حتى يكون لكم في شأنه عبر وليتهم أذعنوا للحقّ مثلهم ... فآمنوا كلّهم من بعد ما كفروا يا طالما نفروا عنه مجانبة ... وليتهم نفعوا في الضيم أو نفروا هل فيهم صادح بالحقّ مقوله ... أو خائض للوغى والحرب تستعر؟ رمى إلى نحر غازان مواجهة ... سهامه من دعاء عونه القدر (٢) بتلّ راهط والأعداء قد غلبوا ... على الشآم وطار الشرّ والشرر وشقّ في المرج والأسياف مسلطة ... طوائف كلّها أو بعضها التتر (٣) هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم ... مثل النساء بظلّ الباب مستتر وبعدها كسروان والجبال وقد ... أقام أطوادها والطود منفطر (٤) واستحصد القوم بالأسياف جهدهم ... وطالما بطلوا طغوى وما بطروا قالوا: قبرناه، قلنا: إنّ ذا عجب ... حقّا أالكوكب الدرّيّ قد قبروا؟ وليس يذهب معنى منه متّقد ... وإنّما تذهب الأجسام والصور لم يبكه ندما من لا يصبّ دما ... تجري به ديما تهمي وتنهمر لهفي عليك أبا العبّاس كم كرم ... لمّا قضيت قضى من عمره العمر سقى ثراك من الوسميّ صيّبه ... وزان مغناك قطر كلّه قطر (٥) ولا يزال له برق يغازله ... حلو المراشف في أجفانه حور لفقد مثلك يا من ما له مثل ... تأسى المحاريب والآيات والسور

стр. 288

يا وارثا من علوم الأنبياء نهى ... أورثت قلبي نارا وقدها الفكر [١٠٢ ب] يا واحدا لست أستثني به أحدا ... من الأنام ولا أبقي ولا أذر يا عالما بنقول الفقه أجمعها ... أعنك تحفظ زلّات كما ذكروا؟ يا قامع البدع اللاتي تجنّبها ... أهل الزمان، وهذا البدو والحضر ومرشد الفرقة الضّلال نهجهم ... من الطريق فما حاروا ولا سهروا ألم تكن للنصارى واليهود معا ... مجادلا، وهم في البحث قد حصروا وكم فتى جاهل غرّ أبنت له ... رشد المقال فزال الجهل والغرر ما أنكروا منك إلّا أنّهم جهلوا ... عظيم قدرك لكن ساعد القدر قالوا بأنّك قد أخطأت مسألة ... وقد يكون، فهلّا منك تغتفر (١)؟ غلطت في الدهر أو أخطأت واحدة ... أما أجدت إصابات فتعتذر؟ ومن يكون على التحقيق مجتهدا ... له الثواب على الحالين، لا الوزر ألم تكن بأحاديث النبيّ إذا ... سئلت تعرف ما تأتي وما تذر؟ حاشاك من شبه فيها ومن شبه ... كلاهما منك لا يبقى له أثر عليك في البحث أن تبدي غوامضه ... «وما عليك إذا لم يفهم البقر» (٢) قدّمت لله ما قدّمت من عمل ... وما عليك بهم، ذمّوك أو شكروا هل كان مثلك من يخفى عليه هدى ... ومن سمائك تبدو الأنجم الزهر؟ وكيف تحذر من شيء تزلّ به ... أنت التقيّ فماذا الخوف والحذر؟ [مرثية ابن الورديّ فيه]: وقال زين الدين عمر بن الورديّ (٣) يرثيه [الوافر]: عثا في عرضه قوم سلاط ... لهم من نثر جوهره التقاط تقيّ الدين أحمد خير حبر ... خروق المعضلات به تخاط توفّي وهو محبوس فريد ... وليس له إلى الدنيا انبساط ولو حضروه حين قضى لألفوا ... ملائكة النعيم به أحاطوا فيا لله ماذا ضمّ لحد ... ويا لله ما غطّى البلاط! فكم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط

стр. 289

وحبس الدرّ في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسجن اغتباط بآل الهاشميّ له اقتداء ... فقد ذاقوا المنون وما تواطوا إمام لا ولاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رباط ولا جاراكم في كسب مال ... ولم يعهد له بكم اختلاط سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيّتكم إذا نصب الصراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا وحلّوا واعقدوا من غير ردّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط [١٠٣ أ] [٤٦٣ - شهاب الدين المقدسيّ المعبّر [(٦٢٨) - ٦٩٧] (١) أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن مسرور، شهاب الدين، أبو العبّاس، المقدسيّ، النابلسيّ، الحنبليّ، مفسّر المنامات، المقرئ، الفقيه. سمع من عمّه تقيّ الدين يوسف سنة ستّ وثلاثين وستّمائة، ومن الصاحب محيى الدين [يوسف بن عبد الرحمن ابن] (٢) الجوزيّ. وسمع بمصر من ابن رواج والساويّ وابن الجمّيزى. وبالإسكندريّة من السّبط. وروى الكثير بالقاهرة. وكان عارفا بالمذهب. وكان أعجوبة في تفسير المنامات حتى قال ابن تيميّة: كان له رئيّ من الجنّ يخبره بالمغيّبات. توفّي يوم [ ... ] عشرين ذي القعدة سنة سبع وتسعين وستّمائة. وكان صاحب أوراد وصلاة وكان وافر الحرمة لا يعاب بشيء. وللناس فيه عقيدةصالحة. واختصّ به الأمير الطيبرس وأنشأ له مسترقى على المجنونة بجوار بركة الفيل، وبالغ في برّه. وكان في تعبير الأحلام آية من آيات الله، ويعدّ كثير من الناس ذلك كرامة، ويرميه بعضهم بأنّه يأخذه من علم النجوم. ويقول قائل: هي كهانة، ويزعم آخر أنّها قوّة في النفس لأنّه ربّما قال لصاحب الرؤيا أخبارا ماضية ومستقبلة وأحوالا كان صاحب الرؤيا عنها في غفلة حتى يتعجّب من يسمعه. وقام له بدمشق سوق نافقة. فلمّا ورد إلى القاهرة افتتن الناس به حتّى رسم بتحويله منها وإبعاده عنها. فخرج منها في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وستّمائة. وأقام بدمشق في غاية الإكرام والإعظام. فمن غرائبه أنّ إنسانا قال له: رأيت أنّي صرت أترجّة. فقال: أترجّة: أ- ت- ر- ج- هـ- وعدّها على أصابعه خمسة أحرف وقال: تموت بعد خمسة أيّام- فكان كذلك. وقال له آخر: رأيت قائلا يقول: اشرب شراب الهكاري. ففكّر ساعة ثمّ قال له: أنت فؤادك يؤلمك؟ قال: نعم. قال: اشرب عسلا تبرأ. فسئل من أين ذلك؟ فقال: فكّرت أنّهم يقولون: شراب ديناريّ، شراب كذا، فلم أجد لهم شرابا يعرف بالهكاري، فرجعت إلى

стр. 290

الحروف، فإذا هي: شراب الهكاري، والأري: العسل. وذكرت الحديث: كذب [بطن أخيك] عليك [ب] العسل. وأتاه مرّة اثنان فقال أحدهما: رأيت [رؤيا- وقصّها- فقال له: ما رأيت شيئا، وإنّما تريد الامتحان.- فخرجا بعد ما اعترفا] (١). ٤٦٤ - ابن أبي عصمة [- ٤١٣] (٢) أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الملك بن القاسم بن بدر بن القاسم ابن أبي عصمة، ابن أبي القاسم، ابن أبي حسين، ابن أبي عبد الله، ابن أبي القاسم، اللخميّ، الرقّيّ، القاضي بالرقّة. قدم مصر، وحدّث عن يونس بن أحمد ابن أبي سلمة الرافعيّ. روى عنه محمد بن عليّ الصوريّ. ومات سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. ٤٦٥ - شهاب الدين الشّارمساجيّ [٦٦٣ - ٧٢٠] (٣) أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن قاسم بن عبد الله بن عبد الخالق بن ساهل أمره، شهاب الدين، أبو يوسف، الكنانيّ، الشارمساحيّ (٤)، الأديب، الشاعر. [نشأته وشعره]: ولد سنة ثلاث وستّين وستّمائة. وكان جيّد الشعر وفيه مكارم، وله مروءة. وكان كثير الهجو. روى عنه أثير الدين أبو حيّان، وفتح الدين محمد ابن سيّد الناس، وغيرهما من الأئمّة. وكان يتنقّل في البلاد، ولم تكن طريقته مشكورة. ولمّا قال قصيدته السينيّة طلب ليوقع به البلاء وسجن فقام الأمير آي دغدي شقير معه حتى أفرج عنه يوم السبت ثاني جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فاخترق الفلاة وسار إلى منفلوط فعاجلته المنيّة في [ ... ] سنة عشرين وسبعمائة. ومن شعره يمدح الملك الناصر محمد بن قلاوون لمّا عاد إلى السلطنة بعد فرار الملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ويهجو بيبرس [البسيط]: ولّى المظفّر لمّا فاته الظفر ... وناصر الحقّ وافى وهو منتصر [١٠٣ ب] وقد طوى الله من بين الورى فتنا ... كادت على عصبة الإسلام تنتشر فقل لبيبرس إنّ الدهر ألبسه ... أثواب عارية في طولها قصر لمّا تولّى تولّى الخير عن أمم ... لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا وكيف تمشي به الأحوال في زمن ... لا النيل وفّى ولا وافاهم مطر؟ ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحّل، قل لي: كيف ينتصر؟ [من هجائه]: وقدم دمشق فدخل على قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن أحمد الخوييّ، ودفع إليه رقعة فيها هجوه. فقرأها ودفعها إليه. فأعادها عليه

стр. 291

فردّها إليه ثانيا. فقال: يا مولانا كأنّك ذاهل. فقال: بل عالم غير جاهل. ما الذي حملك على هذا؟ قال: رأيت الناس قد أجمعوا على كرمك، ووفود الشعراء على حرمك. ولست مجيدا في النظم فأعرف، واسمي أحمد فما أصرف. ولو مدحتك أعطيتني قليلا ولم يعلم بي أحد، ولم يكن لي في الشهرة ملتحد. فإذا هجوتك وعزّرتني، وطفت بي وشهّرتني، يقال، هذا الذي هجا قاضي القضاة، وقابله بما لا ارتضاه. فأحسن الخويّيّ صلته ولم يؤاخذه. ولمّا عزل شمس الدين محمد بن عدلان عن القضاء عند عود الملك الناصر من الكرك، دخل عليه ومعه قصيدة. فسلّم عليه وقال له [البسيط]: والله ما سرّني عزل ابن عدلان ... فقال له: حاشاكم يا مولانا، جزاكم الله خيرا. فقال: ... من غير صفع ولا والله أرضاني فقال: قبّحك الله يا نحس! وسافر الشيخ أثير الدين أبو حيّان مرّة إلى الإسكندريّة فأشيع أنّه غرق في النيل ودفن في بلدة يقال لها «بولة»، على شاطئ النيل. فقال أبياتا، فيها [الطويل]: وقد دفنوا ذاك الخراء ببولة ... وحقّ لذاك الميت تلك المقابر ومن جيّد شعره [الطويل]: محجّبة بين الترائب والحشا ... فدمعي لها طلق وقلبي بها رهن وحال الهوى ما ليس يدرك كنهه ... وهل هو وهم يعتري القلب أو وهن ومسلكه بالطرف سهل وإنّما ... له منهج أعيى القلوب به حزن لديه الأماني بالمنايا مشوبة ... وفيه الرجا والخوف واليأس والأمن وكم مهلك فيه يقين لعاشق ... ومطلبه من دونه في الورى ظنّ ٤٦٦ - أبو العبّاس القصبيّ المقرئ [- ٥٤٠] (١) أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين بن عاصم، الثقفيّ، أبو العبّاس، القصبيّ، الأندلسيّ، المقرئ. أخذ القراءات عن أبي عمران موسى بن سليمان. وسمع من أبي داود، وابن الدوش، وأبي خالد يزيد مولى المعتصم بن صمادح، وأبي الحسن ابن أبي زيد. وحجّ فمرّ بالقاهرة. وتصدّر بالمريّة للقراءة. أخذ عنه أبو بكر ابن رزق، وأبو القاسم ابن حبيش، وأبو يحيى ابن اليسع (٢) بن حزم، في آخرين. توفّي في حدود سنة أربعين وخمسمائة. ٤٦٧ - علم الدين درادة [- ٧١٨] (٣) أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن عليّ بن جعفر درادة، علم الدين، القرشيّ، المصريّ.

стр. 292

سمع من ابن بنت الجمّيزى، وابن [ر] واج، وحدّث. ومات بالقرافة في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة. ودرادة قبيلة من الأكراد. ٤٦٨ - كمال الدين ابن العجمي [٦٢٠ - ٦٦٦] (١) أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم، كمال الدين، أبو العبّاس، ابن العجميّ. كتب الدرج في أيّام الناصر يوسف بن العزيز بحلب. ثمّ قدم دمشق في أوائل دولة الظاهر بيبرس وكتب بها. ثمّ طلب إلى مصر واستكتب في الإنشاء. ٤٦٩ - أبو الطيّب المقدسيّ الواعظ [- ٥٣١] (٢) [١٠٤ أ] أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن حبيب، أبو الطيّب، المقدسيّ، الفقيه، الواعظ، إمام جامع الرافقة. سمع أبا عبد الله الحسين بن عليّ الطبريّ بمكة. وذكر أنّه سمع الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسيّ (٣)، ومرّ بمصر، مجتازا إلى المغرب. وله شعر حسن. مات بعد سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ومن شعره قوله [البسيط]: يا ناظري، ناظري وقف على السهر ... ويا فؤادي، فؤادي مسكن الضرر ويا حياتي، حياتي غير طيّبة ... وهل تطيب لفقد السمع والبصر؟ ويا سروري، سروري قد ذهبت به ... وإن تبقّى قليل، فهو في الأثر فالعين بعدك يا عيني مدامعها ... تسقي مغانيك ما يغني عن المطر والقلب بعدك يا قلبي تقلّبه ... أيدي الأسى من شدّة الفكر لم يبك مثلي على ما فاته أحد ... في الناس كلّهم إلّا أبو البشر لو أنّ أيوب لاقى بعض ما لقيت ... نفسي لبادر يشكو غير مصطبر وما مصيبة إسرائيل فادحة ... لأنّه كان يرجو فرحة الظفر ٤٧٠ - ابن الكهيف [٦٤٨ - ٧١٨] (٤) أحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن جعفر بن عمر، الشيخ عماد الدين، ابن الكهيف، الأزديّ، المالكيّ. ولد بمصر سنة ثمان وأربعين وستّمائة. وسمع صحيح مسلم من الرضيّ ابن البرهان. وحدّث وأعاد. توفّي بمصر في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبعمائة.

стр. 293

٤٧١ - ابن بدهن البغدادي المقرئ [- ٣٥٩] (١) أحمد بن عبد العزيز بن موسى بن عيسى بن بدهن، أبو الفتح، ابن أبي القاسم، الخوارزميّ الأصل، البغداديّ، المقرئ، نزيل مصر. كان أبوه ثقة به طرش. روى عنه الدارقطنيّ. وقرأ أحمد على أحمد بن سهل الأشنانيّ، وسعيد بن عبد الرحيم الضرير، ومحمد بن موسى الزينبيّ، وأبي بكر بن مجاهد، وأبي الحسن محمد بن الأخرم [الدمشقيّ]. وحذق، ومهر، وطال عمره واشتهر. وحدّث عن إبراهيم بن عبد الله المحرّميّ. وكان من أطيب الناس صوتا بالقرآن وأفصحهم أداء. أخذ عنه عبد المنعم بن غلبون، وابنه طاهر بن عبد المنعم، ومحمد بن عليّ بن محمد المالكيّ، والحسن بن سليمان النافعيّ. توفّي بالرملة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ٤٧٢ - النفيس القطرسيّ [- ٦٠٣] (٢) أحمد بن عبد الغنيّ بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن مسلم بن قطرس (٣)، الفقيه الأديب المتكلّم، نفيس الدين، أبو العبّاس، ابن أبي القاسم، القطرسيّ، اللخميّ، المغربيّ الأصل، المصريّ، المالكيّ. تفقّه على مذهب الإمام مالك على الفقيه أبي منصور ظافر بن الحسين الأزديّ. وقرأ الأصلين والمنطق وغير ذلك. وقرأ الأدب على الموفّق أبي الحجّاج يوسف بن محمد بن الخلّال كاتب الدست، وصحبه مدّة. وقال الشعر. وتصدّر للقراءة، وعني بعلوم الأوائل. وترك الفقه وخدم في الديوان بقوص بعد ما طاف البلاد. وقدم حلب ومدح بها الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وتوفّي بقوص يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وستّمائة وقد ناهز السبعين سنة. وله ديوان شعر جيّد. فمن شعره، أنشده العماد في الخريدة [البسيط]: يسرّ بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثراء، وأمّا المقترون فلا هل سرّني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني، وعلى رأسي به ابن جلا عيد عزاني الغنى فيه إلى سفل ... لا تعرف العرف أيديهم ولا القبلا [١٠٤ ب] ظللت أنحر فيه مهجتي أسفا ... وهم به ينحرون الشاء والإبلا تبّا لها قسمة لو أنّها عدلت ... لكان أرفع حظّينا الذي سفلا وقال [الكامل]: يا من تعوّذه محاسنه ... من عين عاشقه إذا يشكو فبوجهه ياسين طرّته ... وعلى لماه ختامه مسك وقال [البسيط]:

стр. 294

يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتّفق ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق وله في الياسمين [الطويل]: ولمّا حللناها سماء زبرجد ... لها أنجم زهر من الذهب الغضّ تناولها الجاني من الأرض قاعدا ... ولم أر من تحتي النجوم من الأرض وله [المتقارب]: أحبّ المعالي وأسعى لها ... وأتعب نفسي لها والجسد لأرفع بالعزّ أهل الولا ... وأخفض بالذلّ أهل الحسد والقطرسيّ- بضمّ القاف وسكون الطاء المهملة وضمّ الراء المهملة، وبعد السين المهملة ياء النسب- نسبة إلى جدّه قطرس، وكان ينبز بذلك (١). ٤٧٣ - ابن مكتوم القيسيّ [٦٨٢ - ٧٤٩] (٢) أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم بن محمد، القيسيّ، أبو محمد، تاج الدين، الفقيه، الحنفيّ، النحويّ. مولده بالقاهرة في العشر الأوّل من ذي الحجّة سنة اثنتين وثمانين وستّمائة. وبرع في الفقه والنحو واللغة. وكتب بخطّه كثيرا. واشتغل بالحديث دهرا. وأخذ عن أصحاب النجيب، وابن علاق، وهذه الطبقة. وصنّف كتاب الإبداه في تاريخ النحاة، وكتاب الدرّ اللقيط [انتقاه] من البحر المحيط [لأبي حيّان] في التفسير، ودرّس وناب في الحكم. ومات في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة. قرأت بخطّ الشيخ تقيّ الدين السبكي أنّه مات في شهر رمضان منها. ومن شعره [الخفيف]: ما على الفاضل المهذّب عار ... إن غدا خاملا، وذو الجهل سام فاللباب الشهيّ بالقشر خاف ... ومصون الثمار تحت الكمام والمقادير لا تلام بحال ... والأماني حقيقة بالملام وأخو الفهم من تزوّد للمو ... ت وخلّى الدّنى لنهب الطغام ومنه [الكامل]: ومعذّر قال العذول عليه لي: ... شبّهه واحذر من قصور يعتري فأجبته: هو بانة من فوقها ... بدر يحفّ بهالة من عنبر ومنه [الوافر]: نفضت يدي من الدنيا ... ولم أضرع لمخلوق [١٠٥ أ] لعلمي أنّ رزقي لا ... يجاوزني لمرزوق ومن عظمت جهالته ... يرى فعلي من الموق (٣)

стр. 295

٤٧٤ - ابن برهان الربعيّ [- ٦٨٥] (١) أحمد بن عبد القويّ بن عبد الله بن شدّاد، الربعيّ، كمال الدين، ابن برهان، ناظر قوص ورئيسها. سمع الحديث بدمشق ومصر، وأجاز له جمع كبير من أهل الشام وبغداد، وحدّث فسمع عليه جماعة. وهو الذي بنى على الضريح النبويّ بالحجرة الشريفة من المدينة هذه القبّة فأنكر عليه ذلك وعدّ صعود النجّارين فوق القبر المقدّس ودقّ الخشب إساءة للأدب. فاتّفق في تلك السنة [أن] حصل بينه وبين بعض الولاة كلام اقتضى ورود مرسوم سلطانيّ بضربه، فضرب. وصادر [هـ] الأمير علم الدين الشجاعيّ وخرّب داره، ونقل رخامها وخزائنها إلى القاهرة، وأدخل ذلك في المدرسة المنصوريّة، فعدّ ما نزل به عقوبة على ما ارتكبه من سوء الأدب. وكانت تقع منه عجائب فيظنّ بذلك أن له رئيّا من الجنّ يخبره. فمن ذلك أنّ الشيخ محمد ابن نجم الدين ابن السديد العجميّ كان في طريق عيذاب، ومعه رجل مغربيّ، فمات فقام بنفسه وفتّشه، فإذا في دفّاسه (٢) ذهب، فأخذه ولم يعرف به أحد. فلمّا عاد إلى قوص قال له الكمال: ذاك الذهب الذي عدّته كذا الذي أخذته من المغربيّ، أحضره وأنا أعوّضك. ومات فجأة في ثاني عشر ذي الحجّة سنة خمس وثمانين وستّمائة. ٤٧٥ - ابن الخطيب الإسنائيّ [- ٧١٢] (٣) أحمد بن عبد القويّ بن عبد الرحمن بن علي بن إبراهيم بن عليّ بن جعفر بن سليمان بن الحسن بن الحسين بن عمر بن الحكم بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ضياء الدين، ابن الخطيب، القرشيّ، الإسنائيّ، الشافعيّ. من بيت علم ورئاسة بمدينة إسنا. واشتغل بها وبالقاهرة، وصحب الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبريّ (٤). واعتزل الناس ببلده سنين متوجّها إلى الله تعالى. ثمّ عزم على الحجّ من البحر فمات في شوّال سنة ثنتي عشرة وسبعمائة بأدفو، فحمل إلى إسنا. وكان عالما فاضلا صالحا. تفقّه بإسنا على البهاء القفطيّ. ثمّ قدم القاهرة وتفقّه بها مدّة ثمّ عاد إلى بلده وانقطع إلى الله تعالى. وكان له كرامات. ٤٧٦ - رضي الدين القيسرانيّ [٥٧٠ - ٦٣٦] (٥) أحمد بن عبد القويّ بن أبي الحسن بن ياسين بن أبي القاسم، رضيّ الدين، أبو الرضا، القيسرانيّ الأصل، المصريّ المولد والدار، الكتبيّ، المحدّث. مولده في شهر رمضان سنة سبعين وخمسمائة. سمع من أبي طاهر إسماعيل بن قاسم الزيّات، وأبي الجيوش عساكر بن عليّ المقرئ، وأبي

стр. 296

القاسم عبد الرحمن بن محمد بن الحسين السبتيّ، والعلّامة ابن برّيّ، وأبي القبائل عشير المزارع، وأبي عبد الله محمد الأرتاحيّ، وغيره. وتوفيّ ليلة الخامس والعشرين من رجب سنة ستّ وثلاثين وستّمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطّم. ٤٧٧ - البليانيّ [- ٧٠٦] أحمد بن عبد الكافي بن عبد الوهاب البلياني، الفقيه، الشافعيّ. كان فاضلا فقيها. ناب في الحكم بالقرافة والخبيب (١). وكان أبوه على قضاء البهنسى. ومات بالقاهرة سنة ستّ وسبعمائة. ٤٧٨ - قاضي القضاة ابن أبي عقيل [- ٥٣٣] (٢) أحمد بن عبد الرحمن بن محمد، ابن أبي عقيل، القاضي الأعزّ. ولي قضاء القضاة بديار مصر بعد عزل سناء الملك أبي عبد الله محمد بن هبة الله [١٠٥ ب] بن ميسّر في سابع المحرّم سنة إحدى وثلاثين. فباشر ذلك إلى أن مات، وهو قاض، في شعبان سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. فقال [ ... ] يرثيه [الطويل]: هو الدهر للخطب المبرّح يخطب ... ويندب للأمر الذي منه يندب يجلّ الثرى إذ آثروه ...... ... ................ .... (٣) مواعيده برق لراجيه خلّب ... فلا تك (٤) ممّن بالمطامع يخلب وما أحد تخفى عليه فعاله ... فيرجو، ولكنّ البقاء محبّب بنفسي من أهدى الزمان بقاءه ... وعاد بما أهدى يهدّ ويسلب وأقام الحكم بعده شاغرا ثلاثة أشهر، وعيّن الفقيه أبو العبّاس أحمد بن الحطيئة (٥) فاشترط أن لا يحكم بمذهب الدولة فلم يجب إلى ذلك، وعدل عنه. فأذن الوزير رضوان للفقيه أبي محمد عبد المولى بن محمد بن عقبة اللخميّ اللبنيّ (٦) المغربيّ المالكيّ أن يعقد الأنكحة. ثمّ ولّى القضاء فخر الأمناء هبة الله بن الحسن الأنصاريّ. ٤٧٩ - الجلال الدشنائيّ [٦١٥ - ٦٧٧] (٧) أحمد بن عبد الرحمن بن محمد، الكنديّ، الدشنائيّ، الشيخ جلال الدين، الشافعيّ. [نشأته ومصنّفاته]: ولد بدشنا من صعيد مصر في سنة خمس عشرة وستّمائة. وسمع الحديث من الحافظ عبد العظيم المنذريّ، ومن مجد الدين عليّ القشيريّ، وعزّ الدين بن عبد السلام، وأخذ عنهما الفقه والأصول. وأخذ الأصول أيضا عن الشيخ شمس الدين محمّد الأصبهاني. وقرأ العربيّة على شرف الدين محمد بن أبي الفضل المرسيّ. وشرح التنبيه في الفقه ولم يكمله. وصنّف مناسك

стр. 297

الحجّ، وكتب مقدّمة لطيفة في النحو. وأسندت إليه رئاسة الفتوى والتدريس بمدينة قوص، وتخرّج به خلائق. وقيل للشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: ما أظنّ في الصعيد مثل الجلال الدشنائيّ، وتقيّ الدين ابن دقيق العيد. فقال: ولا في المدينتين. وكان حسن الخلق مرتاض النفس، إماما، جمع بين العلم والعمل والفضل، مع النسك والزهادة والورع، حتّى قيل إنّه كان من الأبدال، وحكيت عنه مكاشفات. [وصيّته لابنه تاج الدين ابن الجلال]: وكتب لابنه تاج الدين أبي الفتح محمد وصيّة، وهي: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً [الكهف: ١٠]، يا بنيّ، أرشدك الله وأيّدك! أوصيك بوصايا إن أنت حفظتها وحافظت عليها رجوت لك السعادة في دينك ومعاشك، بفضل الله ورحمته إن شاء الله تعالى، ولا قوّة إلّا بالله. فأوّلها وأولاها: مراعاة تقوى الله العظيم بحفظ جوارحك كلّها عن معاصي الله ، حياء من الله، والقيام بأوامر الله، عبوديّة لله. وثانيها: ألّا تستقرّ على جهل ما تحتاج إلى علمه. وثالثها: أن لا تعاشر إلّا من تحتاج إليه في مصلحة دينك ومعاشك. ورابعها: أن تنصف من نفسك ولا تنتصف لها إلّا لضرورة. وخامسها: أن لا تعادي مسلما ولا ذمّيّا. وسادسها: أن تقنع من الله بما رزقك من جاه ومال. وسابعها: أن تحسن التدبير فيما في يدك، استغناء به عن الخلق. وثامنها: أن لا تستهين بمنن الناس عليك. وتاسعها: أن تقمع نفسك عن الخوض في الفضول، بترك استعلام ما لم تعلم، والإعراض عمّا قد علمت. وعاشرها: أن تلقى الناس مبتدئا بالسلام، محسنا في الكلام، منطلق الوجه، متواضعا باعتدال، مساعدا بما تجد إليه السبيل، متّجها [١٠٦ أ] إلى أهل الخير، مداريا لأهل الشرّ، متّبعا في ذلك السنّة. [علاقته بالبهاء القفطي وابن دقيق العيد]: وكان يزور الشيخ بهاء الدين القفطيّ بإسنا، وهي مسيرة يومين عن قوص. فكان البهاء يقول له: إذا جئت إليّ انو إدخال السرور على قلب مسلم، فإنّي أسرّ برؤيتك. واتّفق أنّه كان بقوص عبد انتقل ملكه إلى بيت المال، وكان عبدا صالحا. فقصد أن يبتاع ولا يكون عليه ولاء. فقال له الشيخ جلال الدين: اشتر نفسك! ففعل ذلك. فردّ شرف الدين إبراهيم بن عتيق قاضي قوص البيع. فبعث إليه جلال الدين يسأله عن ردّه البيع: لماذا؟ فقال: ليس لوكيل بيت المال أن يعتق أرقّاه بيت المال. فلمّا ذكر ذلك لجلال الدين سكت ساعة، ثمّ حمّ، ومات بمدينة قوص في سنة سبع وسبعين وستّمائة. واتّفق أنّه سافر إلى الحجاز، فمرض شيخه مجد الدين القشيريّ المعروف بابن دقيق العيد. فدخل عليه تاج الدين محمد أبو الفتح، ابن

стр. 298

الجلال الدشنائيّ، فقال له: يا تاج [الكامل]: أخبر أباك إذا أتى من حجّه ... مع جملة الزهّاد والعبّاد أهلا وسهلا بالذين أحبّهم ... وهم من الدارين جلّ مرادي فمات القشيريّ في مرضه. ولمّا قدم الجلال أخبره ابنه بما قال الشيخ، فتألّم وقال: لو علمت أنّ الشيخ يموت في هذه السنة ما سافرت. ٤٨٠ - بحشل ابن وهب [- ٢٦٤] (١) أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم ال [ق] رشيّ، مولاهم، أبو عبيد الله، ابن أخي ابن وهب الفقيه الشهير، كان يلقّب بحشل. أكثر عن عمّه [عبد الله بن وهب] وعن الشافعيّ وغيرهما. روى عنه مسلم وابن خزيمة في صحيحيهما، وأبو حاتم الرازيّ (٢). ومات سنة أربع وستّين ومائت [ين]. ٤٨١ - ابن النحّاس الدمشقيّ [بعد ٦٤٠ - ٧٠١] (٣) أحمد بن عبد الرحيم بن شعبان، شهاب الدين، ابن النّحّاس، الدمشقيّ، الحنفيّ، المقرئ. ولد بعد سنة أربعين وستّمائة. وقرأ على زين الدين عبد السلام بن عليّ بن عمر الزواوي القاضي. وتصدّر للإقراء فقرأ عليه جماعة. وقرأ عليه الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ عدد الآي للزواوي. توفّي يوم [ ... ] المحرّم سنة إحدى وسبعمائة بدمشق. وكان خيّرا متقشّفا متودّدا حسن المعرفة بالقراءات، ضابطا للخلاف، يتكلّم بإعراب، وعنده فضائل. وكان معنيّا بضبط من يموت من الكبار والصغار، يحبّ ألفيّة ابن معط على جمال الدين ابن مالك. ٤٨٢ - الواثق بالله ابن أبي دبّوس [- بعد ٧٤٩] (٤) أحمد بن عبد السلام بن عثمان، الواثق بالله، والمعتمد على الله، ابن أبي دبّوس أبي العلاء إدريس بن محمد ابن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن بن عليّ الكوميّ. [انقراض دولة الموحّدين]: ملك السيّد أبو دبّوس إدريس مدينة مرّاكش دار خلافة الموحّدين في أوّل سنة خمس وستّين وستّمائة. وفرّ المرتضى أبو حفص عمر بن إسحاق بن يوسف بن عبد المؤمن فقتل (٥). وأقام في الخلافة ثلاث سنين. وقتل أوّل المحرّم سنة

стр. 299

ثمان وستّين (١). فبويع ابنه عبد الواحد ولقّب المعتصم فأقام خمسة أيّام وفرّ. فانقرض أمر بني عبد المؤمن، وتفرّق أولاد أبي دبّوس في الأرض. ولحق عثمان منهم بطاغية برشلونة، وأقام عنده ثمّ جهّزه لإعادة ملكه وأمدّه. فنزل على مدينة اطرابلس في سنة ثمان وثمانين وحصرها وقد اجتمع عليه العرب. فلم ينل منها الغرض. وتقلّب مع العرب، فنصّبه أحمد بن أبي الليل شيخ الكعوب خليفة. ونازل تونس فبرزت إليه العساكر وهزمته. فبقي بجهات قابس وطرابلس إلى أن مات بجزيرة جربة. ولحق بنو ابنه عبد السلام بتونس، وأقاموا بها. ثمّ اعتقلوا أيّام السلطان أبي بكر. ثم غرّبهم إلى الإسكندريّة، فأقاموا بها. [ترشيح العرب ابن أبي دبوس للملك]: ورجع [١٠٦ ب] أحمد هذا من جملتهم ونزل توزر، واحترف بالخياطة، حتى خالف العرب على السلطان أبي الحسن المريني لمّا قدم تونس، وخرجوا على الطاعة، وأخذوا في الفحص عمّن يقيمو [ن] هـ سلطانا. فدلّهم على أحمد هذا بعض من يعرفه، فأتوه وجمعوا له الآلة، ونصبوه للأمر وبايعوه على الاستماتة دونه، وزحفوا. فخرج إليهم السلطان أبو الحسن في عاشر ذي الحجّة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ولقيهم دون القيروان، فغلبهم وأجفلوا أمامه إلى القيروان. ثمّ تحالفوا ورجعوا مستميتين في ثاني محرّم سنة تسع وأربعين وقاتلوه، فاختلّ مصافّه ودخل القيروان وانتهبوا عسكره بما اشتمل عليه، وحاصروه، فخرج إليهم الحاجب أبو محمد عبد الله ابن تافراكين، وقام بحجابة أحمد هذا ومضى لأخذ قصبة تونس، وتبعه سلطانه ونزلا على المدينة ونصبا عليها المجانيق فلم يقدروا عليها. وبلغهما خروج السلطان أبي الحسن من القيروان وقصده تونس. فركب ابن تافراكين البحر إلى الإسكندريّة في شهر ربيع الأوّل منها. ومضى أحمد بن أبي دبّوس بمن معه. ونزل أبو الحسن تونس في ربيع الأوّل، فأجلب العرب، وابن أبي دبّوس معهم، على الحضرة. ونازلوا السلطان أبا الحسن. فامتنعت عليهم. ورجعوا إلى مهادنته، فعقد لهم على السلم، ودخل كبيرهم حمزة بن عمر إليه فحبسه حتّى أمكنوه من سلطانهم ابن أبي دبّوس. فحبسه وحمله معه لمّا مضى من تونس إلى المغرب فلحق بالأندلس. ٤٨٣ - القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل [٥٧٣ - ٦٤٣] (٢) أحمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن المفرّج بن الحسين، القاضي الأشرف، بهاء الدين، أبو العبّاس، ابن القاضي الفاضل أبي علي، ابن القاضي الأشرف أبي المجد، ابن القاضي السعيد أبي محمّد، اللخميّ، البيسانيّ. [تقلّبه في خدمة السلطان]: ولد يوم [ ... ] المحرّم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. واجتهد فيه أبوه حتّى حصّل الأصول الكبيرة، وبرع في الفقه وغيره من العلوم، وقال الشعر، ودرّس في مدرسة أبيه بالقاهرة. وكان مقدّما عند الملك العادل أبي بكر بن أيّوب في رتبة الوزراء. ثمّ تخوّف من الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر، وفرّ إلى بغداد وتشفّع بالخليفة الناصر لدين الله. وأحضر

стр. 300

كتابه إلى الملك العادل بالشفاعة فيه فقبلها وأكرمه إلى أن مات. وعرضت عليه الوزارة بعد موت العادل غير مرّة فلم يرضها. وتوفّر على الرسيلة (١) والاقتداء برأيه. ونفذ به في الرسالة إلى الديوان العزيز ببغداد عدّة مرار. فقدمها في أيّام الخليفة الناصر والمستنصر. وكانا يحترمانه لذاته ولأبيه. ودخلها مرّة في سلطنة الملك الكامل محمد ابن العادل، فأظهر من الحشمة والصدقات والصلات أمرا عظيما، وأجازه الخليفة بعشرة آلاف دينار، وأنفقها كلّها هناك. [نكبته]: وفي خامس جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وستّمائة أوقعت الحوطة على داره، وحملت خزائن كتبه جميعها إلى قلعة الجبل في سادس عشرينه. فكانت عدّتها ثمانية وستّين ألف مجلّدة، منها كتاب «الأيك والغصون» لأبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّي، في ستّين مجلّدا. وحمل من داره في ثالث جمادى الآخرة خشب خزائن الكتب مفصّلة في تسعة وأربعين حملا، وكانت جمال الكتب تسعة وخمسين جملا، حملت على ثلاث دفعات (٢). ثم ردّ إليه من الكتب في ثاني عشرين شهر رجب أحد عشر ألفا وثمانمائة وثمانية كتب، مع الخزائن. وكانت وفاته بالقاهرة في يوم سادس جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. ودفن بالقرافة عند أبيه. وكان عالما صالحا نزها عفيفا [١٠٧ أ] نبيلا، مجموع فضائل، إلّا أنّ ابن سعيد في كتاب المغرب في أخبار المغرب ذمّه فقال: «كان من عجائب الدنيا، فإنّه قرأ وروى من الحديث ما لم يظفر به كثير، واجتمع عنده من كتب أبيه وما استفاده من الكتب ما هو مشهور، ووفّر الله له من المال ما ورثه عن أبيه ونمّاه بتجارته وتقتيره ما لم يكن لأحد في بلده مثله. ورزقه الله من جاه السلطان، واحترام أهل البلد، والمنصب المتوارث، ما كان معه في منصب الوزارة والرسالة إلى الخلافة. ولم يحرم مع ذلك من حسن النظم والنثر، وتصرّف في فنون الأدب. ومع هذا كلّه فإنّه كان من أبخل الناس بأن يسمع عليه حديث، أو يعير كتابا، أو يسعى لأحد في حال، أو ينعم على بشر بدرهم، أو يأكل أحد في بيته كسرة خبز، وقد نقلت عنه ممّن كان يصحبه في ذلك العجائب». وهذا تحامل من ابن سعيد! ومن شعره قوله [الكامل]: أستودع الله الذين فقدتهم ... فقد العيون الساهرات كراها وحمدت ربّي حيث كان لقاؤهم ... يوما على الحال التي نهواها وقوله [السريع]: من شرف العفّة لا كان لي ... في غيرها قسم ولا رزق أنّك إن رحت لها مؤثرا ... أحبّك الخالق والخلق وقوله [السريع]: قد وفد الصبح فقم نصطبح ... من الذي لا صبر لي عنه

стр. 301

فنهرنا قد درّجته الصّبا ... فصار شاذروانه منه ٤٨٤ - الصلاح الإربليّ [٥٧٠ - ٦٣١] (١) أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمّد بن مروان بن جابر بن قحطان، الأمير صلاح الدين، أبو العبّاس وأبو الفضل، الهندياني، الإربليّ المولد والمنشأ، المصريّ الدار. ولد بمدينة أربل (٢) في صفر سنة سبعين وخمسمائة- وقيل: في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين- ومات بالرها في العشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ودفن بها خمس سنين، ثمّ نقل منها إلى الديار المصريّة ودفن بقرافة مصر. [دخوله في خدمة الأيّوبيّين]: وكان قد ناب بإربل، وقال الشعر الرائق، وتقدّم عند الملوك، وصار حاجبا للملك المعظّم مظفّر الدين كوكبري ابن زين الدين علي كجك، صاحب إربل، إلى أن بعث الملك العادل أبو بكر بن أيّوب ولديه المغيث عمر، والملك الأوحد أيّوب إلى صاحب إربل، فتعرّف الصلاح بالملك المغيث. فلمّا بعث مظفّر الدين الأمير شهاب الدين قرطاي إلى الملك العادل، صحبه الصلاح. فلمّا أدّيا الرسالة، أقام الصلاح عند المغيث حتّى مات. ثمّ خدم بعده الملك الكامل محمد ابن العادل، فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختصّ به في خلواته، وجعله من أمراء مصر. ثمّ تغيّر عليه واعتقله عدّة سنين. فعمل دو بيت وأملاه على بعض القيان. فلمّا غنّي به بين يدي الكامل أعجبه فقال: لمن هو؟ فقيل: للصلاح الإربليّ- فرضي عنه. والبيتان المذكوران [دو بيت]: ما أمر تجنّيك على الصبّ خفي ... أفنيت زماني بالأسى والأسف ماذا غضب بقدر ذنبي، ولقد ... بالغت وما قصدت إلّا تلفي [١٠٧ ب] ثمّ غنّي أيضا عند الكامل من شعره [دو بيت]: اصنع ما شئت، أنت أنت المحبوب ... ما لي ذنب بل كما قلت ذنوب هل تسمح بالوصال في ليلتنا ... تجلو صدا القلب وتعفو وأتوب؟ فرقّ له وأفرج عنه وأعاده إلى ما كان عليه. ولمّا وصل ملك الفرنج بصقلّيّة المعروف بالأمبراطور إلى سواحل الشام في سنة ستّ وعشرين وستّمائة، بعثه الملك الكامل برسالة إليه. فلمّا قرّر معه القواعد وحلّفه كتب إلى السلطان من شعره [الكامل]: زعم اللعين الأمبرور بأنّه ... سلم يدوم لنا على أقواله شرب اليمين فإن تعرّض ناكثا ... فليأكلنّ لذاك لحم شماله وركب مرّة مع السلطان بالحرّاقة في النيل فمسك بيمينه ذيل السلطان وجعل يساره في النيل، وأنشد [السريع]: يقال في الأمثال: من شاء أن ... يأتيه في الناس غنى عاجل

стр. 302

يجاور البحر أو الملك إذ ... في ذا وفي هذا غنى حاصل كيف يزور الفقر بيتي ولي ... بحران: ذا هام وذا هامل البحر منّي في يساري وفي ... يمنى يديّ الملك الكامل وساير السلطان مرّة في أرض العبّاسيّة وقد تشقّقت الأراضي فقال السلطان: هذه أرض طيّبة لولا هذه الشقوق! فأنشد في الحال [السريع]: لا تعتب الأرض على أنّها ... توعّرت للناس في السوق (١) هجرتها دهرا فلا غرو أن ... تشقّقت من عطش الشوق وتغيّر السلطان مرّة على بعض إخوته فكتب إليه الصلاح [البسيط]: [و] شرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته أسوا فقابلهم بالعفو، وافتقروا ... فبرّهم وتولّاهم برحمته فعفا السلطان عن أخيه. وكتب إليه ابن عنّين [الوافر]: أبثّك ما لقيت من الليالي ... لقد قصّت نوائبها جناحي وكيف يفيق من عنت الليالي ... مريض لا يرى وجه الصلاح؟ وأوصى أن يكتب على أكفانه بالزعفران [الكامل]: عبد أتى يرجوك رهن ذنوبه ... والمستجار بعفوكم والجود فشماله في ذيل حرمة شيبه ... ويمينه في قبضة التوحيد ومن شعره [الكامل]: ندعو فيرتفع الدعاء وإنّما ... تقف الذنوب بوجهه فيعود كيف السبيل إلى وصول دعائنا ... وطريقه بذنوبنا مسدود؟ لا تيأسنّ عسى بفتحة رحمة ... يأتي الدعاء ويحصل المقصود واتّفق في سنة خمس عشرة وستّمائة أنّ الوجيه الدمنهوريّ أسلم تحت العقوبة في يد الصلاح الإربليّ، وارتدّ الزين ابن البيّاع، فكتب الصلاح إلى الملك الكامل [الكامل]: ما لي [١٠٨ أ] على أهل الخيانة والخنا ... قلب يرقّ ولا لسان شاكر عاقبتهم حتّى تنصّر مسلم ... من شدّة البلوى وأسلم كافر فهجاه ابن البيّاع- ويقال إنّها من نظم المهذّب محمد بن عليّ الخيميّ- بقوله [الكامل]: ظهر الفساد من الصلاح وهل أتى ... بصلاح أمر للبريّة زامر؟ أو هل يؤمّل من مغنّ فاجر ... ورع، [ألا] لعن المغنيّ الفاجر (٢) وعذابه [ ... ] يشهد أنّه ... وإن ادّعى دين الحنيفة كافر ٤٨٥ - قاضي القضاة الفارقيّ [- بعد ٤٦١] (٣) أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد،

стр. 303

الفارقيّ، الوزير الأجلّ الأوحد، سيّد الوزراء، مجد الأصفياء، قاضي القضاة، وداعي الدعاة، خليل أمير المؤمنين، جلال الملك، أبو أحمد، ابن الوزير الأجلّ قاضي القضاة أبي محمّد. ولي الوزارة والحكم في ثالث عشر [المحرّم] (١) سنة خمس وخمسين بعد أبي الفرج [عبد الله بن محمد] البابلي (٢). ثمّ صرف عنهما في سابع عشر صفر فأعيدت الوزارة لأبي الفضل عبد الله بن يحيى بن المدبّر، والقضاء إلى أبي القاسم عبد الحاكم بن وهيب. ثمّ أعيد بعد أبي محمد الحسن بن مجلّي ابن أبي كدينة في خامس ذي الحجّة سنة خمس وخمسين فاستخلف أخاه أبا الحسن عليّا على الحكم، ثمّ صرف عنهما في ثالث عشرين المحرّم سنة ستّ وخمسين. فولي الوزارة أبو المكارم الشرف ابن أسعد، والقضاء ابن أبي كدينة. ثمّ أعيد في رابع ذي الحجّة منها عوضا عن ابن أبي كدينة. وصرف في حادي عشرين المحرّم سنة سبع وخمسين بابن أبي كدينة. ثمّ أعيد بعد أربعة أيّام إلى القضاء في سادس عشرينه. وصرف في نصف جمادى الآخرة بابن أبي كدينة. ثمّ أعيد في سادس عشرين صفر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ونعت بقاضي القضاة الأعظم، وأضيفت إليه الوزارة في رابع جمادى الآخرة فجمع بين الحكم والوزارة. ومدحه أبو الحسين علي بن بشر الصقلّي الأديب الكاتب (٣). ثمّ صرف عن الوزارة بعد أيّام، وأعيد إلى القضاء، بعد عبد الحاكم بن وهيب في ثامن عشرين ذي القعدة سنة تسع وخمسين. وصرف في صفر سنة ستّين بابن أبي كدينة. ثمّ أعيد في جمادى الأولى وصرف بعبد الحاكم بن وهيب في سلخ رمضان. وأعيد إلى الوزارة في ثالث عشرين صفر سنة إحدى وستّين وصرف في يومه بخطير الملك محمد ابن الوزير أبي محمد الحسن بن عليّ اليازوريّ. ونكب وعوقب. ثمّ سار إلى الشام فتوفّي هناك في [ ... ]. ٤٨٦ - ابن عبد الواحد الحورانيّ [٥٨٣ - ٦٦٧] (٤) أحمد بن عبد الواحد بن مري بن عبد الواحد بن نعام، السعديّ، المقدسيّ الأصل، الصرخديّ المولد، المعروف بالحورانيّ، الشافعيّ. ولد بصرخد في منتصف صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وتأدّب وتفقّه. وسار إلى بغداد ومدح الإمام المستنصر بالله. وولي الإعادة بالمدرسة المستنصريّة. وقدم إلى مصر قبيل سنة ستّين وستّمائة. وحدّث بشيء من شعره. منه [الكامل]: ريم تسير من العراق سريعا ... فلعلّها ترد الحجاز ربيعا

стр. 304

أضحت تحنّ إلى العقيق صبابة ... وتمدّ أعناقا لهنّ خضوعا وردت على ماء العذيب فسرّها ... ذاك الورود فنقّطته دموعا والله لولا حبّ من سكن الحمى ... ما كان قلبي للغرام مطيعا [١٠٨ ب] وتوفّي بمدينة رسول الله ﷺ بعد مجاورة طويلة بمكّة في شهر رجب سنة سبع وستّين وستّمائة ودفن بها. ٤٨٧ - الأسعد الركابيّ [- بعد ٤٥٩] (١) أحمد بن عبد الواحد، الأسعد، المرتضى، المعروف بالركابيّ. قبض عليه المستنصر بالله أبو تميم معدّ في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وأربعمائة، فوجد له ألف ثوب ديباج، وعشرة أعدال من رفيع الثياب، وألف قطعة من الملابس الشريفة وغيرها، وثلاثمائة سفط من دقّ تنيس ودمياط، ومالا صامتا في أحد وعشرين صندوقا. ووجد له من السروج والمناديل الرفيعة المعمّمة ما لا يحصى كثرة، وعدلان كبيران من أوتار العيدان برسم قيانه، وعدل محزوم فيه مضاربة العيدان، وثلاثمائة طبل، وهاون فضّة وزنه زيادة على سبعين رطلا. ووجد له من التوابل وما شاكلها ما يزيد عن الحدّ ويتجاوز الوصف. ومن آلات الزّمر وسائر الملاهي أمر عظيم. ٤٨٨ - أحمد بن المدروز الزنبيل [- ٦١٧] (٢) أحمد بن عبد الواحد المدروز، العجميّ. ورد مصر، وصحب روزبهار، وصحب قضيب البان بالموصل (٣). وكان يدروز بالزنبيل حتى عرف بالشيخ أحمد الزنبيل. وسار إلى حلب وأقام بها في مسجد. وكان الملك الظاهر وأمراؤه يحترمونه، حتّى مات بها في ثامن شوّال سنة سبع عشرة وستّمائة، وقد ناهز المائة سنة. ٤٨٩ - معين الدين الدّروي [- بعد- ٦٨٠] (٤) أحمد بن عبد المجيد بن عبد الحميد، معين الدين، ابن نوح، الدروي، القوصيّ، الشافعيّ. تفقّه وولي قضاء أدفو وأسوان والأقصر. وكان حسن السيرة مرتضى في أفعاله. ومات بأسوان بعد سنة ثمانين وستّمائة. ٤٩٠ - القاضي المكين أبو طالب ابن حديد [٤٦٢ - ٥٢٨] (٥) أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد [بن حمدون، الكنانيّ]، القاضي مكين الدولة وأمينها، أبو طالب، ابن القاضي أبي [ ... ].

стр. 305

ولد في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة. وولي قضاء الإسكندريّة بعد أبيه في [ ... ]. وأضيف إليه مشارف الثغر التي تعرف اليوم بنظر الإسكندريّة. فباشر ذلك إلى أن توفّي في ثغر رشيد، وهو عائد من القاهرة إلى الإسكندريّة في يوم [ ... ] جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ورثي بقصائد كثيرة. وكان قد استولى على سائر أمور الإسكندرية ولم يبق لأحد معه فيها كلام. وضمنها للدولة بجملة أموال في كلّ سنة. وكان ذا مروءة عظيمة، يحذو في أفعاله ما نقل عن البرامكة. وقد مدحه ظافر الحدّاد وأميّة بن [عبد العزيز بن] أبي الصلت وجماعة من الشعراء بعدّة مدائح. وكان الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، إذا اعتنى بأحد، كتب معه إلى ابن حديد هذا، فيبالغ في الإفضال عليه حتى يبلغ منه فوق ما يؤمّله. وكان له بستان بظاهر الثغر يتفرّج فيه، وله به جرن كبير من رخام قطعة واحدة، ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره وسعته. وكان يجد في نفسه برودة هذا الجرن زيادة ترف على من سواه من أهل عصره، ويسامي بذلك الأكابر. فوشي به إلى الغالية البدويّة محبوبة الخليفة الآمر بأحكام الله أبي عليّ المنصور، فطلبته من الآمر، فأنفذ إليه بإحضار الجرن. فلم يسعه إلّا أن قلعه من مكانه وحمله إلى مصر. فعمله الآمر في الهودج الذي بناه للبدويّة (١) في الجزيرة التي تعرف بالروضة تجاه مدينة مصر. فبقي في قلب المكين حزازة لأخذ هذا الجرن، ورأى أن قد أتّضع بذلك. فبذل جهده في خدمة الغالية وجميع من يلوذ بها حتى قالت، لعظم ما حمله إليها هذا الرجل: قد أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه، ولم يكلّفنا قطّ أمرا نقدر عليه عند [١٠٩ أ] الخليفة مولانا. فقال، لمّا بلغه عنها ذلك: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها وطول حياتها، غير ردّ الجرن الذي قلع من داري التي بنيتها في أيّامهم من نعمتهم، إلى موضعه. فعجبت الغالية من ذلك وردّته عليه فأعاده كما كان. وأخذ خواصّه في لومه وقالوا له: قد حصلت في حدّ أن خيّرتك الغالية البدويّة في سائر المطالب، فنزلت همّتك إلى قطعة حجر. فقال: أنا أعرف بنفسي: ما كان لها أمل سوى أن لا تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلّغها الله أملها. ولمّا ولي المؤتمن سلطان الملوك حيدرة بن فاتك، أخو الوزير الأجلّ المأمون عبد الله محمد بن فاتك البطائحيّ الإسكندريّة، وصف له الطيب- وقد نزل بظاهرها- دهن شمع بحضور القاضي مكين الدولة. فللوقت أمر بعض غلمانه أن يحضر من داره الدهن المذكور، فلم يكن فيه مسافة الطريق حتى جاء ومعه صرّ مختوم. ففكّ عنه، فإذا فيه منديل لطيف مذهب على مداف (٢) بلّور، فيه ثلاثة بيوت، كلّ بيت عليه قبّة ذهب مشبّكة مرصّعة بياقوت وجوهر: ففي بيت منها دهن شمع بمسك، وفي بيت دهن شمع بكافور، وفي بيت دهن شمع بغير طيب. وليس شيء من ذلك ممّا صنع لوقته، بل يشهد

стр. 306

الحال بأنّه قد عمل من قبل بأيّام. فلمّا شاهد المؤتمن ذلك تعجّب، وتعجّب الحاضرون من علوّ همّة القاضي وسعة نفسه وجليل رئاسته. فبالغ القاضي في شكر إنعام المؤتمن، وحلف بالحرام إن عاد المداف إلى ملكه. فقال المؤتمن: قد قبلته منك ليس لحاجة إليه ولا نظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمّة وإذاعتها. وذكر أنّ قيمة هذا المداف وما عليه خمسمائة دينار مصريّة. وخلع عليه المؤتمن بدلة مذهبة وطيلسان [ا] مقوّر [ا] وثياب حرير، وقدّم له دابّة بسرج ذهب ثقيل. ثمّ خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك. وخلع على أخيه أبي علي الحسين بن عبد المجيد. وسيّر إلى دار المكين حلّتين مكملتين مذهبتين لنسائه، ورزمة فيها شقق حرير تختصّ بالنساء. وأنعم على كلّ من أصحابه وحاشيته. و[كان] لا يقبل له ولا لأحد هديّة مدّة إقامته على الثغر حتى سار عنه. فانظر، أعزّك الله: من يكون مداف دهن الشمع الذي عنده بخمسمائة دينار مصريّة، فما ظنّك بما عنده سوى ذلك من الآلات، والفرش، والثياب، والخيول، والعبيد، والإماء، وحلي النساء، إلى غير ذلك من الدنانير والدراهم؟ . ٤٩١ - بدر الدين السلميّ الشاعر [٥٤١ - ٦٠١] (١) أحمد بن عبد الرحمن بن المبارك- وقيل عبد الرحمن بن عليّ بن المبارك- بن الحسن بن نفادة، أبو الفضل، نشوء الدولة، بدر الدين، السلميّ، الدمشقيّ، الشاعر المجيد. كان يكتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، ويصحبه حضرا وسفرا. ولد بدمشق سنة إحدى- أو اثنتين- وأربعين وخمسمائة، ومات بها في تاسع المحرّم سنة إحدى وستّمائة. ومن شعره [الخفيف]: سفرت عن جبينها الوضّاح ... فأرتنا في الليل ضوء الصباح أيّها اللائمي على حبّها أق ... صر فما أنت فيه من نصّاحي (٢) مقلة الظبي، سالف الريم، قدّ ال ... غصن، خدّ الشقيق، ثغر الأقاحي ٤٩٢ - ابن الرفعة العدوي [٦٤٤ - ٧٣١] (٣) أحمد بن عبد المحسن بن الرفعة، ابن أبي المجد، المسند، شرف الدين، أبو العبّاس، ابن الشيخ [١٠٩ ب] فخر الدين، العدويّ. ولد سنة أربع وأربعين وستّمائة، وسمع من النجيب عبد اللطيف الحرّاني، وأبي إبراهيم البروجردي، وعبد الهادي القيسيّ، وغيره [م]. وحدّث فسمع عليه الجماعة. وتوفّي ليلة الأربعاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. وأبوه هو الذي أنشأ الجامع المعروف بابن الرفعة خارج القاهرة (٤).

стр. 307

٤٩٣ - أبو الحسن الغرّافيّ [قبل ٥٨٠ - ٦٦٦] (١) أحمد بن عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف أبو العباس، ابن أبي محمد، ابن أبي العبّاس، الحسينيّ، الغرّافيّ، الواسطيّ، الشافعيّ- والغرّاف، بفتح الغين المعجمة وتشديد الراء ثمّ فاء: قرية من عمل واسط. ولد قبل الثمانين وخمسمائة وطاف الأقطار في التجارة. وسمع بالإسكندريّة من أصحاب السلفيّ وغيرهم. وسمع ببغداد من أصحاب أبي الوقت. وسمع بمصر والشام. وسكن الإسكندريّة وحدّث بها. وكان فيه معرفة وفضل. وله شعر حسن. توفّي بالإسكندريّة ليلة الثلاثاء خامس صفر سنة ستّ وستّين وستّمائة. ومن شعره [الطويل]: زمان علا فيه اللئيم ترفّعا ... وحطّ به أهل النّهى والتجارب تطاول نوكاه إلينا وقوّضت ... معاقل كانت للكرام الأطايب وكتب على كتاب التنبيه في الفقه شرحا جليلا استدلّ فيه بعدّة أحاديث وخرّجها، سمّاه «معتمد النبيه على أحاديث مسائل التنبيه» (٢). ٤٩٤ - شهاب الدين العزازيّ [٦٣٣ - ٧١٠] (٣) أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم بن جامع بن راضي بن جامع، شهاب الدين، العزازيّ. أصله من عزاز (٤)، وسكن القاهرة. كان شاعرا جيّد النظم مطبوعا. وكان يجلس بحانوت من قيسريّة جهاركس يبيع الثياب، ويخشاه الأكابر والفضلاء. وكان يجالس الملوك. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة. ومات يوم الأحد تاسع عشرين محرّم سنة عشر وسبعمائة. وحدّث بشيء من شعره. قال الصلاح الصفديّ: كان شاعرا جيّد المقاصد، لطيف الاقتناص للمعاني، خفيّ المراصد، لتراكيبه حلاوة، وعلى ألفاظه طلاوة. وله شيء كثير من الموشّحات، وكلّها بالصناعة البديعيّة مؤتنقات. وكان قد أتقن فنّي القريض والتوشيح، وغني اشتهاره في ذلك عن التلويح بالتصريح. وقال عنه الشهاب محمود (٥): كان قويّ التراكيب، صحيح الأساليب. ومن شعره [الخفيف]: وحديث كأنّه قطع الرّو ... ض سقتها دموع وبل وطلّ وعتاب أرقّ من نسمة الفج ... ر همت بين ماء وظلّ (٦)

стр. 308

٤٩٥ - ابن الحطيئة الفاسيّ [٤٧٨ - ٥٦١] (١) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة بن عبد الله بن الحطيئة، أبو العبّاس، اللخميّ، القرطبيّ، المغربيّ، الفاسيّ، المقرئ، المالكيّ. ولد بمدينة فاس في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. وخرج من بلاد المغرب، وحجّ. وقدم دمشق. واستوطن مصر، وسكن بجامع راشدة [خارج الفسطاط] (٢). وكان رأسا في القراءات والعربيّة والأدب. قرأ القراءات بالإسكندريّة على أبي القاسم ابن الفحّام وغيره. وسمع الحديث من أبي الحسن ابن المشرّف، وأبي عبد الله الحضرميّ وجماعة. وقرأ الفقه والعربيّة. وتصدّر بمصر للإقراء فقرأ عليه جماعة [١١٠ أ]، منهم شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجيّ. وكتب عنه أبو طاهر السّلفيّ. وكان صالحا عابدا متعفّفا كبير القدر. ولمّا تعطّل منصب القضاء بمصر مدّة ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة- والخليفة يومئذ الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد- وقع الاختيار عليه في ذي القعدة منها، فاشترط أن لا يقضي إلّا بمذهبه، فلم يجب إلى ذلك. فولي غيره. وكان لا يقبل من أحد شيئا، ولا يرتزق على إقرائه أجرا. وكانت له زوجة وابنة تكتبان خطّا مثل خطّه سواء، فإذا شرعوا في نسخ كتاب أخذوا أجزاءه وتفرّقوها وكتبوا، فلا يفرّق بين خطوطهم. وهذا من عجيب الاتّفاق. وكان يقيم حاله من النسخ. فكتبوا من كتب الفقه والحديث والأدب شيئا كثيرا بالأجرة وللبيع. وكان يخطّ خطّا صحيحا فتكون رغبة الناس [فيه] لصحّته وتحقيقه. وكان إذا غلا شيء تركه فلا يشتريه، ويقول: إذا تعدّى الشيء الحدّ، وفي غيره غنية عنه، كان شراؤه سفها. ووقعت مجاعة بمصر اشتدّ فيها الحال، فمشى إليه جماعة من الأجلّاء بمصر، وعرضوا عليه المال فلم يقبل من أحد شيئا وامتنع غاية الامتناع، حتّى أعياهم أمره. فأجمعوا حينئذ رأيهم على أن يخطب الفضل بن يحيى الطويل بنته، وكان عدلا بزّازا بمصر. فتزوّجها وسأل أن تكون أمّها عندها مدّة. فأذن لها في ذلك. ولم يكن القصد بهذا إلّا تخفيف مؤونة العيال عنه. وبقي سنة ينسخ ويتقوّت حتّى زالت الشدّة. وما برح على قدم المجاهدة إلى أن مات بمصر ليلة الأحد الثامن والعشرين من المحرّم سنة إحدى وستّين وخمسمائة. ودفن بالقرافة، وقبره يزار ويتبرّك بزيارته. وكان على قدم صدق من الديانة والتحرّي وملازمة الجدّ في الأمور، والإنكار على الأمراء والسلاطين. وكان أوّل أمره يطرز، ثمّ ترك ذلك وتقوّت من النسخ. ولم يزل في مسجد راشدة إلى أن تعرّض له بعض الدعّار فانتقل منه وسكن داخل مدينة مصر. ومن كلامه: لقد طويت سعادة الإسلام في

стр. 309

أكفان عمر بن الخطّاب ﵁. واتّفق أنّه مرض، ومرض أيضا الكامل شجاع بن شاور- وكان أبوه شاور يومئذ وزير مصر- فكتب الكامل إلى الشيخ [رقعة] يسأل فيها عنه، وكانت رقعة طويلة فكتب الشيخ جوابها، وهو: «بي مثل ما بك يا حمامة»، فاعلمي أنّي وإن كنت قد مرضت مرضا، صيّرني حرضا، وأذاقني جرضا (١)، لمتزايد الكرب لما بي من ألم ألمّ بحضرة المولى الولد الفاضل الأجلّ الكامل، شفاه الله بالعافية، وأسبغ عليه ثوب نعمه الضافية، وعجّل لأودّائه ذهاب دائه، وأبقاه وارثا لحسدته وأعدائه، ومعتبرا بهجوم المرض لغدر الدنيا وتقلّبها، فالواثق بها مغرور، والساكن إلى دفئها مقرور، والراكن إلى الفلج (٢) منها مقمور، صفوها كدر، وسلامتها غرر، وسهامها صائبة، ومنصرفات آفاتها آئبة، جعل الله الحضرة في زخارف الدنيا زاهدة، وله بها على نعمته حامدة، والصحّة له شعارا ودثارا، ولا جعل لها عن طاعته نكوصا ولا عثارا، وأكمل صحّتها وأبقى على الزمان بهجتها وما ذلك على الله بعزيز. ٤٩٦ - القلقشنديّ [- ٨٢١] (٣) أحمد بن عبد الله بن أحمد، شهاب الدين، القلقشندي (٤) الشافعيّ. كتب في الإنشاء، وناب في الحكم، وبرع في الفقه وغيره. وكتب «صبح الأعشى في قوانين الإنشاء». توفّي يوم السبت عاشر [١١٠ ب] جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عن خمس وستّين سنة. ٤٩٧ - ابن الأستاذ قاضي حلب [٦١١ - ٦٦٢] (٥) أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع، كمال الدين، ابن [قاضي القضاة] زين الدين، ابن المحدّث أبي محمّد ابن الأستاذ [الأسديّ، الشافعيّ]، شارح الوسيط (٦). ولد في سنة إحدى عشرة وستّمائة وسمع جدّه، وثابت بن مشرف، وابن روزبه. وسمع حضورا من الافتخار الهاشميّ. روى عنه الدمياطيّ، وكان يدعو له لما أولاه من الإحسان. وبرع في الفقه على مذهب الشافعيّ. وولي قضاء حلب بعد عمّه. وكان وافر الحرمة عند الناصر يوسف صاحب الشام. فلمّا أخذ هولاكو حلب، سار إلى القاهرة بعد ما رزئ في أهله وماله. ودرّس بالمدرسة الكهاريّة (٧). ثمّ أعيد إلى قضاء حلب، فتوجّه إليها، وأقام بها أشهرا. ومات في نصف شوّال سنة اثنتين وستّين وستّمائة، عن نيّف وخمسين. وله حواش على فتاوى ابن الصلاح فيها فوائد تدلّ على فضل كبير.

стр. 310

٤٩٨ - ابن طوغان المقرئ [٧٦١ - ٨١١] (١) أحمد بن عبد الله بن الحسن بن طوغان الأوحديّ، المقرئ، [الأديب]، المؤرّخ، [شهاب الدين]. ولد في المحرّم سنة إحدى وستّين وسبعمائة. وقرأ على الواسطيّ القراءات الأربع عشرة. ثمّ لازم الشيخ فخر الدين [البلبيسيّ] إمام جامع الأزهر. وسمع الحديث، وطاف على الشيوخ. وجمع مجاميع وكتب بخطّه، وبرع في القراءات والأدب والتاريخ، وكان بزيّ الأجناد قليل ذات اليد. ومات في سابع وعشرين جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وثمانمائة. ٤٩٩ - ابن رزيق البغداديّ [- ٣٩١] (٢) أحمد بن عبد الله بن حميد بن رزيق- بتقديم المهملة- المخزوميّ، أبو الحسين، البغداديّ، نزيل مصر. سمع من المحامليّ، ومحمد بن يوسف الهرويّ، وعبد الرحمن بن أحمد بن مدين، وأحمد بن عمرو بن جابر الرمليّ، وبكر بن أحمد التنيسيّ، وجعفر بن محمد الهرويّ (٣). وحدّث بمصر. روى عنه سبطه أبو الحسين محمد بن مكّي ورشأ بن نظيف والأزجي ويوسف بن رباح. ومات في ثاني عشرين ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وكان ثقة مأمونا. ٥٠٠ - الحافظ العجلّي الكوفي [(١٨٢) - ٢٦١] (٤) أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلمة العجليّ، أبو الحسن، الكوفيّ، الحافظ [نزيل طرابلس الغرب]. كان فاضلا علّامة، من أهل الحديث والفضل. وكان [جدّه] صالح من أقران الثوريّ، وأبوه عبد الله بن صالح من أقران أبي نعيم (٥)، وقد ولي قضاء شيراز. وأمّا أحمد فإنّه تحوّل إلى المغرب [أيّام محنة القرآن]، وصنّف كتاب الثقات.

стр. 311

٥٠١ - أبو محمد المعقليّ، «الباز الأبيض» [- ٣٥٦] (١) أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن بشر بن معقل بن حسّان بن عبد الله بن معقل، أبو محمّد، المزنيّ، المعقليّ، الهرويّ، الملقّب بالباز الأبيض، من أعيان أهل خراسان. رحل، وسمع بدمشق وهراة من الحسن بن سفيان وجماعة. وسمع بالعراق من يوسف بن يعقوب القاضي وغيره. وسمع بمصر من علّان بن أحمد الصيقل وطائفة. وروى عنه أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيّوب الضبعي، وهو أكبر منه، وعمر بن الربيع بن سليمان إمام جامع مصر، وأبو العبّاس ابن عقدة الحافظ، وأبو عبد الله الحاكم الحافظ. ومن شعره [الوافر]: نزلنا مكرهين بها فلمّا ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حبّ الديار بنا، ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا قال الحاكم: كان إمام أهل العلم، وأحد الوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة. (قال) ودخل الشام، وأقام بمصر ثلاث سنين، وحجّ بالناس، وخطب بمكّة بكتاب ورد عليه من مصر بأن يحجّ بالناس فحجّ بهم. وقدم إليه المقام (٢) وهو قاعد في جوف الكعبة. ولقد سمعتهم [١١١ أ] بمكّة يذكرون أنّ هذه الولاية لم تكن قطّ لغيره. وصلّى بعرفات وأتمّ صلاته، فصاح به الناس وعجّوا. فصعد المنبر وقال: أيّها الناس، أنا مقيم وأنتم على سفر، فلذلك أتممت (٣). توفّي يوم الثلاثاء سابع عشر رمضان سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة. وحملت جثّته إلى هراة وطنه فدفنت هناك. ٥٠٢ - أبو جعفر ابن هلال المقرئ [- ٣١٠] (٤) أحمد بن عبد الله بن محمد بن هلال، أبو جعفر، الأزديّ، المصريّ، أحد أئمّة القرّاء بمصر. قرأ على أبيه، وعلى إسماعيل بن عبد الله النحّاس. وسمع الحروف من بكر بن سهل الدمياطيّ، متصدّر للإقراء. قرأ عليه المظفّر بن أحمد أبو غانم، ومحمّد بن أبي الأصبغ، وحمدان بن عون، وسعد بن جابر الأندلسيّ، وعتيق بن ما شاء الله، وآخرون. توفّي في ذي القعدة سنة عشر وثلاثمائة. ٥٠٣ - القاضي محبّ الدين الطبريّ [٦١١ - ٦٩٤] (٥) أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، الحافظ أبو العبّاس، محبّ الدين، الطبريّ، شيخ الحرم وحافظ الحجاز.

стр. 312

ولد في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستّمائة. وسمع ابن المقيّر و [ابن] الجمّيزى وجماعة. روى عنه البرزالي وآخرون. وتفقه بقوص من صعيد مصر على المجد القشيريّ. وصنّف كتاب الأحكام [الصغرى] في الحديث، دالّا على فضل كبير، وكتاب [ا] مختصر [ا] في الحديث رتّبه على أبواب التنبيه، وكتاب «فضل مكّة». وشرح كتاب «التنبيه» في الفقه (١) شرحا مبسوطا. وتوجّه إلى اليمن باستدعاء متملّكها له حتّى سمع عليه الحديث، وأقام عنده مدّة. وقال قصيدة بديعة يتشوّق إلى مكّة شرّفها الله تعالى، منها [الوافر]: مريض من صدودك لا يعاد ... به ألم لصدّك لا يعاد وقد ألف التداوي بالتداني ... فهل أيّام وصلكم تعاد؟ لحى الله العواذل كم يلجّوا (٢) ... وكم عذلوا فما أصغي وعادوا وكم لمحوا من الأحباب معنى ... فما أبدوا هناك ولا أعادوا منها: أريد وصالها وتريد بعدي ... فيا أسفي! مريد لا يراد! ٥٠٤ - ابن كاتب البكتمري [- بعد ٣٦٥] (٣) أحمد بن عبد الله، أبو العبّاس- وقيل: أبو الفتح- المعروف بابن كاتب البكتمري. كان أبوه كاتبا لوصيف البكتمري متولّي حلب فاشتهر بذلك. وكان شاعرا مجيدا من شعراء سيف الدولة بن حمدان. فلمّا مات سيف الدولة سار إلى أمير المؤمنين العزيز بالله نزار، ابن المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ، وقدم عليه القاهرة وأقام بها. ومن شعره [السريع]: قلت وقالوا: بان أحبابه ... وبدّلوه البعد بالقرب والله ما شطّت نوى ظاعن ... سار من العين إلى القلب! ٥٠٥ - ابن النقيب البعلبكيّ [٦٩٤ - ٧٦٤] (٤) أحمد بن عبد الله، شهاب الدين، البعلبكيّ، الشافعيّ، المعروف بابن النقيب. واسم والده بلبان. ولد سنة أربع وتسعين وستّمائة. وسمع الحديث، وبرع في الفقه والنحو. وصار إماما في النحو والقراءات ومعرفة وجوهها، مشاركا في فنون عديدة. وناب في الحكم بدمشق، وقدم القاهرة، وأخذ

стр. 313

عن الأثير أبي حيّان، وعن الشمس الأصفهانيّ. ومات بدمشق يوم الاثنين سابع عشرين رمضان سنة أربع وستّين وسبعمائة. وكان صحيح الذهن، حسن الاستحضار والضّبط لكثير من شواهد العربيّة، يكتب الخطّ الجيّد. ٥٠٦ - شهاب الدين الوادي آشي [- ٧٣٩] (١) أحمد بن عبد الله بن مهاجر، شهاب الدين، الأندلسيّ، الوادي آشي، الحنفيّ. قدم إلى القاهرة، واستوطن طرابلس الشام. ثمّ سكن حلب وصار من عدولها [١١١ ب] المبرّزين. وناب عن قاضي حماة ناصر الدين ابن العديم حتّى مات بها في سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. كان عارفا باللغة والنحو والعروض، يشتغل بذلك، مع تودّد حسن. ومن شعره [الكامل]: ما لاح في درع يصول بسيفه ... والوجه منه يضيء تحت المغفر إلّا حسبت البحر مدّ بجدول ... والشمس تحت سحائب من عنبر وقال من قصيدة يمدح بها الشيخ كمال الدين محمد ابن الزملكانيّ [البسيط]: يمن ترنّم فوق الأيك طائره ... وطائر عمّت الدنيا بشائره وسؤدد أصبح الإقبال ممتثلا ... في أمره ما أخوه العزّ آمره وخمّس لامية العجم تخميسا بديعا (٢). ٥٠٧ - أبو الفضائل العلاميّ [٦٤٨ - ٦٩٩] (٣) [٥٩ أ] أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر، اللخميّ، العلاميّ، من بني علامة، ومن بني النعمان بن المنذر، علاء الدين، أبو الفضائل، ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد، ابن القاضي الأعزّ أبي القاسم، ابن القاضي رشيد الدين أبي الثناء، ابن القاضي تقيّ الدين أبي الضياء، المعروف والده بابن بنت الصاحب والوزير فخر الدين الأعزّ أبي الفوارس مقدام بن شكر. ولد في يوم [ ... ] عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وستّمائة بالقاهرة ونشأ بها. ودرس بالكهاريّة (٤) والقطبيّة. وولي الحسبة [ ... ]. وكانت له معرفة بالأدب مع العبارة الفصيحة، وجمال الصورة، وكثرة المكارم والإحسان والمروءة، ولطف المزاج، وكان بسّاما شهما جذلا. حجّ ودخل اليمن وعاد إلى القاهرة. وبها مات في شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة. وكان إماما عالما فاضلا رئيسا أديبا شاعرا ماهرا فقيها أصوليّا، عالما بالفقه وأصوله وفروعه، مناظرا بحّاثا، ذا ذهن ثاقب، وجدّ صائب. جمع بين الرئاسة والوجاهة والفضيلة التامّة. وهو من بيت فضيلة وسيادة ورئاسة. وهو أخو القاضيين صدر الدين عمر، وتقي الدين عبد الوهاب (٥).

стр. 314

وكان يركب البغلة ويتحنّك على ما كانت عليه عادة أهل مصر قديما. ومن شعره في مليح سبح في ماء النيل وتلطّخ بالطين [الكامل]: ومترّب لولا التّراب بجسمه ... لم تبصر الأبصار منه منظرا فكأنّه بدر عليه سحابة ... والتّرب ليل من سناه أقمرا وله [دو بيت]: في السّمر معان لا ترى في البيض ... تالله لقد نصحت في تعريضي ما الشّهد إذا طعمته كاللبن ... يكفي فطنا محاسن التعريض وله [البسيط]: إن أومض البرق في ليل بذي سلم ... فإنّه ثغر سلمى لاح في الظّلم وإن سرت نسمة في الكون عابقة ... فإنّما نسمة من ربّة الخيم وكتب إلى الشيخ أثير الدين أبي حيّان (١) من روضة مصر، وبعث بهما إليه مع بعض غلمانه [الدو بيت]: حيّيت أثير الدين شيخ الأدبا ... أقضي حقّا له كما قد وجبا حيّيت فتى بطاق آس نضر ... كالقدّ بدا ملئت منه طربا فأجابه [١١٢ أ]: أهدى لنا غصنا من ناضر الآس ... أقضى القضاة حليف الجود والبأس لمّا رأى سقمي أهداه مع رشإ ... حلو التّثنّي فكان الشّافي الآسي ٥٠٨ - النويريّ صاحب نهاية الأرب [- ٧٣٣] (٢) [٦٠ أ] أحمد بن عبد الوهاب بن محمّد (٣) بن عبد الدائم بن عبادة، شهاب الدين، البكريّ، النويريّ، الشافعيّ. سمع الحديث وكتب بخطّه كثيرا. وجمع تاريخا كبيرا سمّاه «نهاية الأرب في فنون العرب» (٤) يدخل في ثلاثين مجلّدا، وهو مشهور. وتقلّب في الخدم الديوانيّة. وكان ذكيّا مليح الشكل، فيه مكارم وأريحيّة وتودّد. ومات في يوم الحادي والعشرين من رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وكتب بخطّه البخاري ثماني مرّات فكان يكتب النسخة ويقابلها ويكتب الطباق عليها ويجلّدها ويبيعها ما بين الألف إلى سبعمائة درهم. وباع نسخة من تاريخه لجمال الكفاة بألفي درهم. وكان يكتب في اليوم ثلاث كراريس. وحصل له قرب من الدولة بواسطة شهاب الدين أحمد بن علي بن عبادة وكيل السلطان، فإنّه استنابه في نظر المدرسة الناصريّة والمدرسة المنصوريّة وغير ذلك، ومكّنه من الاجتماع مع الملك الناصر محمد بن قلاوون فصار السلطان يستدعيه كلّ وقت ويتحدّث معه.

стр. 315

فاتفق أنّه سأله عن ابن عبادة، واستدرجه بالكلام إلى أن اغترّ وبسط لسانه بالوقيعة في ابن عبادة، فأعلم السلطان ابن عبادة بذلك وسلّمه إليه ليفعل فيه ما يريد فضربه بالمقارع ضربا زائدا، وصادره. وكثر إنكار الناس على النويريّ واستقبحوا وقيعته في ابن عبادة، فإنّه في الحقيقة ربّ نعمته. وكان يتقلّب في المباشرات، فولي نظر الجيش بطرابلس. وولي نظر الدقهليّة والمرتاحيّة من أرض مصر. ومولده بقوص. وسمع الحديث على الشريف موسى بن علي بن أبي طالب، وعلى يعقوب بن أحمد، وعلى أحمد بن نعمة الحجّار، وزينب بنت منجّى (١)، والبدر محمد ابن جماعة. وله نظم ونثر. ويقال إنّه (٢) [ ... ]. ٥٠٩ - أبو عليّ، ابن المهديّ الفاطميّ [- ٣٨٢] (٣) [٥٦٠ ب؟ ] أحمد بن عبد الله (٤) بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، أبو عليّ، ابن المهدي أبي محمد. قدم مع ابن ابن أخيه المعزّ إلى مصر فأقام بالقصر إلى أن مات في النصف من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. ٥١٠ - أحمد بن عبيد الله العبّاسيّ (٥) [٥٦٠ ب؟ ] أحمد بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن منصور بن المهدي محمد بن [أبي جعفر] المنصور عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس. ٥١١ - الماهر الموازيني [- ٤٥٢] (٦) [٦١ أ] أحمد بن عبيد بن فضّال، أبو الفتح، الحلبيّ، الموازينيّ، الشاعر المعروف بالماهر. كان ينظم الجيّد والرديئ، حتى قيل فيه: ينظم الدرّة وأذن الجرّة. وكان له رسم على الوزير الناصر للدين أبي محمد الحسن بن عليّ اليازوري: مائة دينار في كلّ سنة على قصيدة يمدحه بها. فلمّا كان في بعض السنين وفد عليه ومدحه وأخذ رسمه. فلمّا كان في بعض الليالي خلا الوزير بنفسه فقال: هاتوا قصيدة الماهر! فأتي بها، فقرأها من أوّلها حتى بلغ إلى بيت، فأعجبه وكرّر قراءته وقال: ما أنصفناه! ثمّ قرأ فمرّ بآخر فأعجبه وكرّر قراءته وقال: ما أنصفناه! ثمّ قرأ فمرّ به بيت آخر فأعجبه وقال: ولا أنصفناه!

стр. 316

ثمّ مرّ به بيت حتى مرّ إلى آخرها. ثمّ استدعى بحسين بن سلامة صاحب دواته وقال: إذا كان في غد فاحمل إلى الماهر مائة وخمسين دينارا وقلله: رسمك قد أخذته، وهذه لثلاثة أبيات أعجبتنا في قصيدتك وهي كذا وكذا. فأخذها وانصرف. وكان أوّلا موازينيّا (١). ثمّ ترك ذلك وانتقل إلى دمشق فاستوطنها. وكان يتردّد إلى غيرها [١١٢ ب] من البلاد. ومات بدمشق (٢) في صفر سنة ثنتي [ن] وخمسين وأربعمائة. ومن شعره [الوافر]: أرى نفسي تحدّثها الظّنون ... بأنّ البين بعد غد يكون وما ترك الفراق عليك دمعا ... يسحّ ولا تشحّ به الجفون وفرض البين ملتزم فقل لي: ... عليك بأيّ دمع أستعين؟ كأنّي من حديث النفس عندي ... جهينة عندها الخبر اليقين ومدح أيضا الوزير أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ بقصيدة طويلة، منها [الكامل]: لو سرت حين ملكت سيرة منصف ... لسننت وحدك سنّة لم تعرف من صحّ قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصحّ، ومن وفى حتّى تفي؟ عرف الهوى في الخلق مذ خلق الورى ... بمذلّة الأقوى وعزّ الأضعف فلألبسنّ حملت أو لم أحتمل ... فيك السّقام عطفت أو لم تعطف حتّى يعاين كلّ لاح عاذل ... منّي لجاجة كلّ صبّ مدنف يا من توقّد في الحشا لصدوده ... نار بغير وصاله ما تنطفي أمررت عيشي دون حلو محبّتي ... وأطلت تعذيبي بأعذب مرشف [٦١ ب] قد شفّني ولهي إليك وزادني ... كلفي عليك ملام من لم يكلف وظننت جسمي أن سيخفى بالضّنى ... عن عاذلي، فلقد ضنيت وما خفي (٣) ومعلّل ما بين ظنّ كاذب ... أنا في هواك وبين وعد مخلف ٥١٢ - أبو عبد الرحمن النسويّ [- بعد ٢٨٤] [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن النسويّ. سمع هشام بن عمّار، ودحيما، وعبّاس بن الوليد بن مزيد، وحرملة بن يحيى، وجماعة. وروى عنه جماعة. وقدم إلى مصر رفيقا لأبي حاتم في الرحلة الثانية. قال ابن أبي حاتم (٤): سمعت منه، وهو صدوق ثقة. وقال الحاكم: كتب بخراسان والحجاز والعراق. سمع قتيبة بن سعيد، وأبا مصعب الزهريّ. حدّث بنيسابور سنة أربع وثمانين ومائتين.

стр. 317

٥١٣ - الشهاب ابن السلعوس أخو الوزير [- ٦٩٧] (١) [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن أبي الرجاء، ابن أبي الزهر، ابن السلعوس، التنوخي، الدمشقيّ. كتب إلى أخيه الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس (٢) لمّا صارت إليه الوزارة في أيّام الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وبعث بهاإليه من دمشق [وافر]: تثبّت (٣) يا وزير الوقت واعلم ... بأنّك قد وطئت على الأفاعي وكن بالله معتصما فإنّي ... أخاف عليك من نهش الشجاعي (٤) فلمّا نكب الوزير ابن السلعوس بعد قتل الملك الأشرف، تسلّمه الأمير سنجر الشجاعيّ، وأحضر جميع أقاربه وأسبابه من دمشق إلى القاهرة، وفيهم أحمد هذا، وكان قد سمع بالشعر المذكور فسأل عن قائله، فعرّف به، فعفا عنه وأطلقه دون جميع أقاربه، وعاد إلى دمشق سالما. وصدق شعره: فإنّ الشجاعيّ هو الذي قتل [الوزير] ابن السلعوس (٥) في الحقيقة. ٥١٤ - نظام الدين ابن أبي الحديد [٥٧٠ - ٦٢٥] (٦) [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن الحكم بن الوليد بن سليمان، نظام الدين، أبو الحسن- وقيل: أبو العبّاس- ابن أبي الحديد، السلميّ، الدمشقيّ، من بيت كبير بدمشق، فمنهم العلماء والخطباء والرواة. ومولده بها في [١١٣ أ] جمادى الآخرة سنة سبعين وخمسمائة. سمع [بدمشق] أبا الفرج الثقفيّ، وبركات بن إبراهيم الخشوعيّ، وأبا الفضل إسماعيل بن عليّ بن إبراهيم الجنزويّ (٧). وسمع بمصر أبا القاسم البوصيريّ. وسمع ببغداد أبا الفرج ابن الجوزيّ. وسمع بأصبهان وخراسان. وكان معه فردة [٦٢ ب] نعل النبيّ ﷺ ورثه عن آبائه، وكان معروفا عندهم. وكان الملك الأشرف موسى ابن العادل أبي بكر بن أيّوب يقرّبه لأجله. وكان يؤثر أن يشتريه منه ويقفه في مكان يزار فيه، فلم يسمح بذلك. ثمّ إنّه سمح بأن يقطع له منه قطعة، فأفكر الملك الأشرف أنّ الباب ينفتح في ذلك، ويقطّع النعل الشريف قطعا، فامتنع من ذلك. ثمّ إنّ الأشرف رتّبه بمشهد الخليل إبراهيم ﵇ المعروف ب «الذهبانيّ» (٨) فيما بين حرّان والرقّة، ورتّب له معلوما، وقال: قصدت بترتيبه في هذا المكان أن تجتمع فيه زيارتان: أثر النبي ﷺ ، وهو نعله الشريف، ومقام إبراهيم ﵇. فلم يزل مقيما به إلى أن حضره الموت، فأوصى بالنعل الشريف للملك الأشرف، فسرّ به سرورا عظيما، وبنى بدمشق دارا للحديث ووقفه بها وجعله في خزانة فيها يزار ويتبرّك به.

стр. 318

وتوفّي بمشهد الذهبانيّ من عمل حرّان في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وستّمائة. ٥١٥ - التاج ابن التركمانيّ [٦٨١ - ٧٤٤] (١) [٦٢ ب] أحمد بن عثمان بن مصطفى بن إبراهيم (٢) بن سليمان، تاج الدين، الماردينيّ، التركمانيّ، الفقيه الحنفيّ. ولد بالقاهرة ليلة السبت الخامس والعشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين وستّمائة. وسمع الحديث وبرع في الفقه على مذهب أبي حنيفة ودرّس وأفتى وصنّف وناب في الحكم. وقال الشعر، وشارك في عدّة فنون حتّى مات مستهلّ جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وقد ذكرت أخاه علاء الدين أبا الحسن عليّ بن عثمان، وابن أخيه جمال الدين عبد الله بن عليّ (٣)، وابنه صدر الدين محمد بن عبد الله، وثلاثتهم ولوا قضاء القضاة الحنفيّة بالقاهرة. وله تعليقة على المحصّل للإمام فخر الدين (٤)، وشرح على المنتخب للباجي في أصول الفقه، وثلاث تعاليق على الخلاصة في الفقه (٥)، وشرح الجامع الكبير في الفقه (٦)، وشرح الهداية في الفقه (٧). وكتب مصنفين في الفرائض، وتعليقة على مقدّمة ابن الحاجب في النحو (٨)، وشرح المقرّب (٩) لابن عصفور في النحو. وشرح عروض ابن الحاجب. وله كتاب أحكام الرمي والسبق والمحلّل (١٠) وكتاب الأبحاث الجليّة على مسألة ابن تيميّة، وشرح الشمسيّة في المنطق (١١) وشرح التبصرة في الهيئة للخرقيّ. وله نظم جيّد، ونثر مليح، وخطّ منسوب. ومن شعره [الطويل]: غرامي بكم بين البريّة قد فشا ... فكيف أبالي بالرقيب ومن مشى؟

стр. 319

ولا غرو أن غرّت صفاتك من حكى ... فما قدر ما حاك الربيع وما وشى؟ وإن قستها بالدرّ قال لي السّهى: ... أفق، إنّ ذاك الدرّ في بحره انتشى (١) فقمت بها أشدو على كلّ مشهد ... فكلّ به عجبا تواجد وانتشى مغارسه طابت وطاب أبوّة ... «وذلك فضل الله يؤتيه من يشا» (٢) فما أنبت الخطيّ إلّا وشيجه ... ولا بات إلّا في مطهّره الحشا فجاء فريد الدهر أوحد عصره ... وكم بين ذي نور ومن كان ذا عشا (٣) ٥١٦ - أبو جعفر الفنكيّ القرطبيّ [٥٢٨ - ٥٩٦] (٤) أحمد بن عليّ بن عتيق بن إسماعيل بن عبد الله، الإمام أبو جعفر، الأندلسيّ، القرطبيّ، الفنكيّ [١١٣ ب]، بفتح الفاء والنون وكسر الكاف، نسبة إلى فنك، حصن أو قرية من أعمال قرطبة، المقرئ، الفقيه الشافعيّ، نزيل دمشق. مولده بقرطبة في ليلة نصف شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. وقدم إلى مصر، وسار منها إلى دمشق، واستوطنها إلى أن مات بها في يوم الاثنين سادس عشر شوّال سنة ستّ وتسعين وخمسمائة، ودفن من الغد بجبل قاسيون. سمع ببلده موطّأ مالك بن أنس على أبي الوليد يوسف بن [عبد العزيز ابن] الدبّاغ [الأنديّ] (٥) بقراءة والده. وقرأ بها القرآن الكريم وسنّه سبع. وختم على شيخ أبيه في القراءات أبي بكر محمد بن جعفر بن صاف (٦)، وجمع عليه بالسّبع. وخرج إلى مكّة فقرأ بها القرآن على عبد الكافي بن موكّل الجبليّ. وسمع بها الحديث من الميانشيّ، وعبد المنعم الفراويّ، وغيره. وسمع ببغداد من يحيى بن ثابت بن بندار، وأبي بكر عبد الله بن محمد بن النقور وغيرهما. وسمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل عبد الله ابن الطوسيّ وغيره. وقرأ بها القرآن على أبي بكر القرطبيّ ويحيى بن سعدون. وقدم حلب، وسمع بها من النضير محمد بن لطف الله بن الميمنيّ، ومن الخطيب هاشم بن أحمد الحلبيّ. وقرأ بها القرآن على عبد العزيز بن عليّ بن الطحّان. وسمع بدمشق من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وأبي المعالي بن صابر، وقطب الدين النيسابوريّ، وأبي الفهم ابن أبي العجائز، وجماعة. وهو أوّل من سكن دار الحديث النوريّة بدمشق. وولي الإمامة بالكلاميّة بجامع دمشق أيّام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وعني بالحديث والقراءات. وكتب الكثير، وخطّه معروف حلو. وكان إماما صالحا قانتا لله كبير القدر. أقرأ القراءات. روى عنه ولداه: تاج الدين محمد وإسماعيل، ويوسف بن خليل، والشهاب القوصيّ.

стр. 320

وتوفّي يوم [الاثنين تاسع عشر شهر] (١) رمضان سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. ٥١٧ - أبو العبّاس الصفّار [٥٦٩ - ٦٢٩] أحمد بن عليّ بن أبي محمد بن علي بن محمد بن عليّ، أبو العبّاس، الصفّار، الشيبانيّ، الدمشقيّ، النحويّ. ولد بمصر سنة تسع وستّين وخمسمائة. ومات بدمشق في سنة تسع وعشرين وستّمائة. وكان فاضلا في العربيّة والكتابة، حسن الشعر، وهو خال النجيب ابن شقيشقة (٢). ٥١٨ - ابن بدر الدين القصّار [٧١٨ - ٨٠٠] (٣) أحمد بن علي بن عبد الله، التميميّ، المصريّ، ابن بدر الدين، القصّار. ولد سنة ثماني عشرة وسبعمائة. واشتغل قليلا، وعني بمطالعة التواريخ والأخبار، ونظر في كلام ابن حزم وابن العربيّ- ففتن بهما، فكان ظاهريّا باطنيّا، أعجوبة في الاستحضار والذكاء. وعلّمه أبو [هـ] القصارة (٤) فكان يحترف بها ويحصّل الكتب. وكان حسن الذاكرة حادّ النادرة، جميل المحاضرة. توفّي بمصر في سادس صفر سنة ثمانمائة. ٥١٩ - كمال الدين الجوينيّ [٥٨٤ - ٦٣٩] (٥) أحمد بن عليّ- وقيل: أحمد بن محمد- بن عمر بن عليّ بن محمد بن حمويه [بن] عليّ، أبو العبّاس، ابن أبي الحسن [عليّ]، ابن أبي الفتح [عمر]، ابن أبي الحسين [عليّ]، ابن أبي [ ... ]، ابن أبي جعفر، الجوينيّ الأصل، الملقّب كمال الدين، ابن شيخ الشيوخ صدر الدين [عليّ]، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين [عمر]. يقال: إنّ حمويه بن عليّ جدّ جدّه من ولد رزم بن ثوبان أحد قوّاد كسرى أنوشروان. وكان حمويه هذا قائد جيش نصر بن نوح السامانيّ، مدبّرا لدولته. وكان شجاعا ذا براعة وشهامة ونجدة ورأي وثيق وفضل غزير. وهو جدّ جدّ شيخ الإسلام محمد، وأخيه أبي سعيد. فترك محمد الدنيا، واشتغل بالعلم والأدب، إلى أن برّز. وأخذ عن إمام الحرمين الفقه، وصنّف في علوم القرآن والفقه، ثمّ تزهّد. ورزق ابنه عليّ بن محمد من ابنة عمّه أبي سعد أولادا هم: سعد الدين، ومعين الدين حسن، وعماد الدين أبو الفتح عمر بن علي، والد شيخ الشيوخ صدر الدين [١١٤ أ] عليّ بن عمر. وقدم عماد الدين إلى دمشق، وصار شيخ الشيوخ بها. وأتاه ولده علي صدر الدين فصار بعده شيخ الشيوخ بدمشق، وأتاه عدّة أولاد. وقدم إلى مصر كما ذكر في ترجمته (٦).
следующие страницы →