← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

المعادات، في الاعتقاد، وأيضا كتاب الجنّة في اعتقاد أهل السنّة، وكتاب خير البشر بخير البشر، وكتاب ملح اللغة فيما اتّفق لفظه واختلف معناه، على حروف المعجم، وكتاب إبهام الغوّاص في إبهام الخواصّ، في بيان غلط أبي محمد الحريريّ، وكتابان في شرح مقامات الحريريّ، أحدهما كبير والآخر صغير، وكتاب كشف الكسف في نقض الكتاب المسمّى بالكسف، وكتاب غرر أنباء النجباء من الأبناء، وكتاب مالك الأذكار في مسالك الأفكار، وكتاب الخوذ الواقية والعوذ الراقية [في الوعظ]، وكتاب نصائح الذكرى، وكتاب رياض الذكرى، وكتاب إكسير كيمياء التفسير، وكتاب البرهانيّة في شرح الأسماء الحسنى، وكتاب الاشتراك اللغويّ والاستنباط المعنويّ، وكتاب الإنباء عن الكتاب المسمّى بالإحياء، وكتاب الإشارة إلى علم العبارة، وكتاب القواعد والبيان، مختصر في النحو، وكتاب الجود الواصب، وكتاب سلوان المطاع في عدوان الأتباع. وله شعر جيّد، منه [الطويل]: حملتك في قلبي، فهل أنت عالم ... بأنّك محمول وأنت مقيم ألا إنّ شخصا في فؤادي محلّه ... وأشتاقه شخص عليّ كريم وكان قصير القامة دميم الخلقة، إلّا أنّه صبيح الوجه. واجتمع مع الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وتناظرا في اللغة والنحو، فوقف في مسائل نحويّة، وكان حاله في اللغة قريبا، فقال: الشيخ تاج الدين أعلم منّي بالنحو، وأنا أعلم منه باللغة. فقال الكنديّ: الأوّل مسلّم، والثاني ممنوع. واجتمع بالحافظ أبي طاهر السلفيّ، وروى عنه، وعن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله العزّيّ (١). وصنّف كتاب سلوان المطاع في إبّان مقامه بصقلّية سنة أربع وخمسين وخمسمائة. قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: وأخبرني الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عبد الله بن يوسف بن حمزة الأنصاريّ القرطبيّ، المعروف بالعابد، أنّه وقف على نسخة من سلوان المطاع تصنيف ابن ظفر بمكّة، وعليها خطّه، موقوفة في رباط الخليفة، في نظر القطب ابن القسطلانيّ، تكون في مقدار هذه التي بأيدي الناس مرّتين، وفي أوّلها: إنّ ملكا حسن السيرة، مظنون [٨٢ ب] حسن السريرة، أمرني أن أصنّف له كتابا يكون لهرمه شافيا، ولد منة وكليلة قافيا، فأجبته بذلك مكافيا- وذكر اسمه ونسبه. ومن شعره [المتقارب]: يقول المنجّم لي لا تسر ... فإنّك إن سرت لاقيت شرّا فإن كان يعلم أنّي أسير ... فقد جاء بالنهي لغوا وهدرا وإن كان يجهل أنّي أسير ... فجهل العواقب أولى وأحرى وقال [الخفيف]: أيّها المستجيش ألسنة الو ... عّاظ، قد أسهبوا وما أيقظوكا هاك بيتا يغنيك عن كلّ سجع ... وقريض كانوا به وعظوكا لا تشاغل بالناس عن ملك النا ... س فلولا نعماه ما لحظوكا وقال [المتقارب]:

стр. 2627

بباء البراءة عند الغلوّ ... وسين سروري بالمعرفة وبالميم من مرحي عند ما ... تبشّرني آية أو صفة أقل عبدك المذنب المستجير ... بعفوك من سوء ما أسلفه ٣٢٦٢ - ابن القاسم المطريّ [- ٣٩١] (١) [٨٣ أ] محمد بن القاسم، أبو عبد الله، المعافريّ، المطريّ، المحدّث. توفّي يوم الجمعة النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. ٣٢٦٣ - أبو خليفة الحجريّ [- ٣٢٢] محمد بن قرّة بن محمد بن حميد بن هشام بن حميد بن خليفة بن زرعة بن مرّة، أبو خليفة، ابن أبي الحارث، ابن أبي قرّة، الرعينيّ، الحجريّ- حجر رعين- المصريّ. سمع من أبيه قرّة بن محمّد، ومن مقدام بن داود. قال ابن يونس: كتبت عنه، توفّي في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة (٢). ٣٢٦٤ - ناصر الدين ابن قزل محمد بن قزل بن عثمان بن قزل بن عبد الله، ناصر الدين، أبو المعالي، ابن عماد الدين، ابن الأمير فخر الدين. سمع أبا عيسى عبد الله بن علاق، وأبا الفرج الحرّانيّ وغيره. وحدّث بمدرسة جدّه بالقاهرة. ٣٢٦٥ - السلطان محمد بن قلاوون [٦٨٤ - ٧٤١] (٣) محمد بن قلاوون، السلطان الملك الناصر، ناصر الدين، أبو المعالي، أبو الفتح، ابن الملك المنصور سيف الدين، الألفيّ، الصالحيّ، النجميّ. أمّه أشلون خاتون بنت سكناي بن قراجين. ولد في السابعة من نهار السبت السادس عشر المحرّم بالحساب، والخامس عشر بالرؤية، سنة أربع وثمانين وستّمائة، والطالع برج السرطان، وذلك بقلعة الجبل، وشهد من العجب عند ولادته أنّه نزل وكفّاه مقبوضتان، فعند ما فتحتهما القابلة سال منهما دم كثير، وصار مرّة يقبضهما ومرّة يفتحهما، وكلّما فتحهما سال منهما دم كثير. فأنذر ذلك بأنّه ستسفك على يديه دماء كثيرة، وكذا كان. [سلطنته الأولى- محرّم ٦٩٣ - محرّم ٦٩٤] فلمّا قتل أخوه الملك الأشرف، اتّفق الأمراء على إقامته من بعده، فأحضروه في يوم السبت سادس عشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّمائة، وأجلسوه على سرير السلطنة وعمره يومئذ تسع سنين سواء. واستقرّ الأمير كتبغا نائب السلطنة والأمير سنجر الشجاعي وزيرا ومدبّرا، والأمير

стр. 2628

لاجين الروميّ الحساميّ الأستادار أتابك العساكر، والأمير بيبرس الجاشنكير أستادار، وبيبرس المنصوريّ الدواداريّ دوادار، وأعطي إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء في المكاتبات والأجوبة والبريد، وأنفق في العسكر، وحلفوا على العادة. وصار كتبغا هو المتحدّث في جميع الأمور والقائم بأمور المملكة، وليس للملك الناصر من الأمر شيء البتّة. وكتب إلى الشام عن الملك الأشرف ب «أنّا قد استنبنا أخانا الملك الناصر ناصر الدين محمدا وجعلناه وليّ عهدنا، حتى إذا توجّهنا إلى لقاء العدوّ يكون لنا من يخلفنا». ورسم أن يحلف الناس له ويقرن اسمه باسم الملك الأشرف في الخطبة. فتوجّه بذلك الأمير ساطلمش، والأمير بهادر التتريّ على البريد، فقدما دمشق في رابع عشرينه. فجمع أيبك الحمويّ نائب الشام الناس، وحلّف الأمراء والعساكر وخطب للناصر بعد الأشرف في يوم الجمعة ثالث عشر منه، وكان ذلك من تدبير الشجاعيّ. فورد من الغد مرسوم بالحوطة على موجود بيدرا ولاجين، وطرنطاي الساقي، وسنقر شاه وبهادر رأس نوبة. وظهر [الخير ب] قتل الأشرف وإقامة أخيه محمد في السلطنة. وتتبّعت قتلة الأشرف فأخذ بهادر رأس نوبة، وآقوش الموصليّ المعروف بنميلة الحاجب، وطرنطاي الساقي، ونوغاي السلاح دار، والناق الساقي السلاح دار، والطنبغا الجمدار، وآقسنقر الحساميّ، ومحمد خواجا، واروس، في خامس عشر صفر، فقطّعت أيديهم وسمّروا، وطيف بهم مع رأيس بيدرا، ثمّ قتلوا إلى العشرين منه قتلا شنيعا. وقبض على كثير من المماليك وأنزلوا من قلعة الجبل. وأسكن طائفة منهم بمناظر الكبش، ومناظر الميادين، وطائفة بدار الوزارة من القاهرة. ثمّ خطب للناصر بمفرده على منبر دمشق يوم الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأوّل. فلمّا كانت ليلة الأربعاء عاشر المحرّم سنة [٨٤ ب] أربع وتسعين خرج المماليك من مناظر الكبش يريدون إثارة فتنة على كتبغا، فظفر بهم [كتبغا] وقتلهم، وجعل هذه الحركة سببا لخلع الملك الناصر، وتسلطن في يوم الأربعاء حادي عشره. فكانت مدّة سلطنة الناصر هذه سنة تنقص ثلاثة أيّام. وأسكن هو وأمّه في بعض قاعات القلعة، وعومل بما لا يليق به. ثمّ أخرج إلى الكرك في صفر سنة سبع وتسعين [وستّمائة] بعد خلع العادل كتبغا وسلطنة المنصور حسام الدين لاجين، ومعه سيف الدين سلّار، والأمير سيف الدين بهادر الحمويّ، والأمير سيف الدين أرغون، وسيف الدين طيدمر حوباش، في عدّة من المماليك. فقدم إلى الكرك في رابع ربيع الأوّل، وبها الأمير جمال الدين آقوش الأشرفيّ نائبا. فقام بخدمته إلى أن قتل المنصور لاجين ليلة الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستّمائة. فاتّفق أمراء الدولة، وهم: عزّ الدين أيبك الخازندار المنصوريّ، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وسيف الدين سلّار الأستادار، وحسام الدين لاجين الروميّ، وجمال الدين آقوش الأفرم، وجمال الدين عبد الله السلاح دار، وسيف الدين كرت الحاجب، وطغجي، وكرجيّ، وغيرهم، على مكاتبة الملك الناصر ليحضر من الكرك، وأن يكون طغجي نائب السلطنة، وأن لا يقع أمر من الأمور إلّا بموافقة الجميع، وتحالفوا على ذلك من ليلتهم. فلمّا أصبحوا حضر إليهم من كان بالقاهرة من

стр. 2629

الأمراء، وهم الأمير جمال الدين آقوش قتّال السّبع وغيره، فرضوا بذلك، وكتبوا إلى كلّ من نوّاب الشام بما اتّفق من قتل السلطان والرّضا بالملك الناصر. فعارضهم في ذلك كرجي وأبى إلّا سلطنة طغجي وأن يكون هو نائب السلطنة. فاتّفق قدوم الأمير بكتاش الفخريّ بالعسكر المجرّد إلى غزو سيس، وقتل طغجي وكرجي في رابع عشر ربيع الآخر بعد قتل لاجين بأربع ليال كما ذكر في ترجمتهما (١). وصار الأمراءيتردّدون إلى دار الأمير بكتاش الفخري بالقاهرة للاجتماع عنده، وقد صار العسكر فريقين، هما البرجيّة وكلّهم مع الأمير بيبرس الجاشنكير، والصالحيّة وهم بأجمعهم مع الأمير سلّار. واتّفق الكلّ على إحضار الملك الناصر، فبعثوا في إحضاره الأميرين سيف الدين آل الملك الجوكندار، وعلم الدين سنجر الجاولي. وركبا الهجن (٢) في يوم الخميس سابع عشر ربيع الآخر، بعد قتل طغجي [٨٥ أ] وكرجي بثلاثة أيّام. واتّفق الأمراء على تدبير الأمور فكانوا يجلسون جميعا ويكتب كلّ منهم علامته على الكتب والمراسيم، وأوّل من يكتب الأمير حسام الدين لاجين أستادار، ثمّ الأمير عزّ الدين أيبك الخازندار، ثمّ الأمير سلّار الأستادار، ثمّ الأمير كرت الحاجب، ثمّ الأمير جمال الدين آقوش الأفرم، ثمّ الأمير جمال الدين عبد الله السلاح دار، ثمّ الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فلا يصدر مكتوب إلّا وعليه خطوط هؤلاء كلّهم. فإذا كان يومي الاثنين والخميس، نزل الجميع إلى دار الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح وأكلوا على سماطه. وصار الأمير عزّ الدين أيبك الخازندار يجلس في مرتبة النيابة منذ قتل طغجي ويجلس الأمراء عن يمينه وعن شماله، ثمّ رتّب بدله الأمير سلّار وأقام التخت بغير سلطان مدّة خمسة وعشرين يوما حتى قدم الملك الناصر. [سلطنته الثانية- جمادى الأولى ٦٩٨ - ٧٠٨] وذلك أنّه لمّا سار الحاج آل الملك وسنجر الجاولي إلى الكرك، وجدا الملك الناصر يتصيّد بالغور، فسارا إليه. ودخل الأمير آقوش الأفرم على أمّ السلطان فبشّرها. فخافت أن يكون ذلك مكيدة من لاجين وتوقّفت في مسيرها وابنها إلى مصر. وعند ما وصل آل ملك والجاولي إلى السلطان، نزلا وقبّلا الأرض وأعلماه بالخبر. فأتى إلى الكرك وأخذ في تجهيز أموره، والبريد يتواتر من مصر باستحثاثه على القدوم. فاطمأنّت أمّه وتحقّقت صدق الخبر. وسار ومعه الأفرم نائب الكرك. فخرج الأمراء والأجناد والمماليك وسائر الناس إلى لقائه فرحا به، بحيث لم يبق بالقاهرة ومصر من الناس إلّا القليل، وذلك في يوم السبت رابع جمادى الأولى. وصعد قلعة الجبل وجلس على تخت الملك في يوم الاثنين سادسه. وجدّدت له البيعة، وكتب شرف الدين محمد بن فتح الدين القيسرانيّ عهده عن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العبّاس أحمد. وأقرّ الأمير سيف الدين سلّار في نيابة السلطنة بديار مصر، وجعل في الأتابكيّة حسام الدين لاجين أستادار، وتولّى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستداريّة والأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائب دمشق، والأمير سيف الدين كرت الحاجب نائب طرابلس، وعمل عوضه حاجبا سيف الدين قطلوبك، وأفرج عن الأمير شمس الدين قراسنقر نائب حلب وولّاه نيابة قلعة الصّبيبة، والأمير [٨٥ ب] عزّ الدين أيبك الحمويّ والوزير شمس

стр. 2630

الدين سنقر الأعسر، وخلع عليهم وعلى سائر أهل الدولة. وكتب بالبشارة إلى سائر الأعمال، وزيّنت القاهرة ومصر زينة عظيمة. فلمّا كان يوم الأربعاء ثامنه ركب السلطان بخلعة الخلافة، والتقليد بين يديه، وعمره أربع عشرة [سنة]. وأقرّ الوزير فخر الدين عمر بن الخليليّ في الوزارة. وصار الأمراء يجتمعون عند السلطان في يومي الاثنين والخميس ويقرّون أمور الدولة مع الأميرين بيبرس وسلّار، فتصدر سائر الأمور عنهما، وليس للسلطان معهما إلّا مجرّد الاسم، وشرعا في تقديم حواشيهما والزامهما، وقويت شوكة البرجيّة ومقدّمها الأمير بيبرس، وصار لهم حمايات كبيرة، وتردّد الناس إليهم في حوائجهم. وأمّر الأمير بيبرس جماعة منهم. وقام الأمير سلّار بأمر الصالحيّة والمنصوريّة فوقع التحاسد بين الطائفتين، وكانت البرجيّة أكثر عددا وأقوى. وبقي بيبرس إذا أمر واحدا من البرجيّة وقفت طائفة سلّار إليه وطلبوا منه أن يؤمّر منهم واحدا كما أمّر بيبرس. وبينا هم في ذلك إذ توثّب الأمير سيف الدين برلغي وشارك بيبرس وسلّار في التحدّث في أمور الدولة، وانتمت إليه الأشرفيّة فعزّ بهم جانبه. واشتدّ الحجر على الملك الناصر بحيث كان لا يقدر أن يستدعي ما يريده من مأكل ومشرب، وإذا جلس في المركب وقف بيبرس وسلّار وعرضا عليه ما يريدان، وشاورا الأمراء، ويقولان: قد رسم السلطان بكذا، فتمضي الأمور على ما يريدانه، فيخرجان ويجلسان ويصرّفان الأحوال. وبينا هم في ذلك إذ ورد الخبر بحركة القان الجليل إيلخان معزّ الدين غازان محمود بن أرغون بن أبقا بن هولاكو بن تولي بن جنكز خان وجمعه لأخذ بلاد الشام. فخرج الأمراء بالسلطان في رابع عشرين ذي الحجّة منها، ولم ينفق في العسكر شيء، وجعل نائب الغيبة الأمير ركن الدين بيبرس المنصوريّ، وسار إلى غزّة، وقد كثر تحاسد الأمراء، وأقبلوا في غزّة على الصيد. فاجتمعت طائفة الأويراتيّة على الأمير قطلوبرس العادليّ واتّفقوا على قتل بيبرس الجاشنكير وإعادة العادل كتبغا. فلمّا وقع الرحيل من غزّة ونزل السلطان والأمراء بتلّ العجول وركبوا للخدمة على العادة، وبيبرس مع سلّار [٨٦ أ] فعند ما ترجّل الأمراء ولم يبق راكبا غير بيبرس وسلّار، شهّر طرنطاي سيفه وكان ماشيا في ركب بيبرس، فضربه ضربة سقطت على كفل الفرس [ف] حلّت ظهره وأتبعها بأخرى قطعت كلفتاه وجرحت وجهه. فأخذت السيوف طرنطاي من كلّ ناحية حتى هلك، ووقعت الصيحة فركب العسكر وانحازت الأويراتيّة إلى الدهليز السلطانيّ يريدون اغتيال السلطان. فظنّ الأمير بكتمر الجوكندار والمماليك السلطانيّة أنّ الأمراء يريدون قتل السلطان ولم يبلغهم خبر بيبرس، فنشروا العصائب السلطانيّة ووقفوا مستعدّين للحرب وقد عاد بيبرس وسلّار ومن معهما إلى خيامهم، وتقدّموا إلى الحجّاب والنقباء بجمع العسكر إلى مخيّم الأمير سلّار النائب، فمضوا بأجمعهم إلى العصائب السلطانيّة ووقفوا تحتها ولم يلتفتوا إلى ردّ الحجّاب لهم، فاشتدّ تخيّل بيبرس وسلّار من السلطان، وبعثا إلى الأمير بكتمر الجوكندار، وهو يومئذ جاندار، يعتبانه ويقولان: ما هذه الفتنة، ونحن على لقاء العدوّ، وقد بلغنا أنّ الأويراتيّة قد اتّفقوا مع مماليك السلطان على قتلنا؟ وكان هذا برأيك وموافقة السلطان، فإن كان الأمر كما بلغنا فنحن مماليك السلطان ومماليك الشهيد ونكون فداء المسلمين. وإن كان الأمر بخلاف ما بلغنا

стр. 2631

فابعثوا إلينا غرماءنا. فلمّا سمع السلطان الرسالة بكى وحلف أنّه لم يكن له علم بشيء من ذلك. وحلف أيضا بكتمر وقال: إنّما ركبنا وفي ظنّنا أنهم يريدون قتل السلطان وإقامة غيره، وقصد الأمراء بهذا الكلام أن يمسكوا مماليك السلطان شيئا بعد شيء حتّى يتمكّنوا من غرضهم، وأنا آخذ ابن أستاذي ومماليكه وأسير إلى الكرك. فغضب الأمراء من كلام بكتمر وهمّوا بالركوب عليه ومحاربته. ثمّ بعثوا إلى الأمير بكتاش الفخري الأتابك، وكان على الجاليش (١)، وبينهما مرحلة، يخبرونه بما وقع، فبعث يوصيهم بأن لا يتعرّض أحد إلى السلطان بما يكره. فأخذ سلّار يداري الأمر، وركب بنفسه وأصلح بين بكتمر والبرجيّة، وقبض على الأويراتيّة وعاقبهم فأقرّوا بما عزموا عليه من قتل بيبرس وسلّار وإعادة كتبغا [٨٦ ب] إلى السلطنة. فاطمأنّوا عند ذلك إلى السلطان، وشنق من الأويراتيّة نحو الخمسين بثيابهم وكلفتاتهم، وفرّ قطلوبرس فنهب أثقاله، وأخذت البرجيّة تغري بيبرس بسلّار وتوحش بينهما بأنّه موافق لمماليك السلطان. فلمّا بلغ سلّار ذلك دارى الأمر ووافق السلطان على إرسال جماعة من المماليك إلى الكرك، فبعثهم إليها وحبسهم بها. ووقع الرحيل إلى قرتيّة (٢) بعد أيّام ورسم بالإقامة عليها حتى يعود الرسل بأخبار غازان. فأتى سيل عظيم تلفت فيه أكثر أمتعة العسكر، وافتقر جماعة منهم فتشاءموا به وتطيّروا منه بأنّه منذر بهزيمتهم من العدوّ، وكثر تحدّثهم بذلك. فصحّ ما قالوه، ثمّ عقب السيل جراد سدّ الأفق حتى حجب الشمس عن الأبصار فاشتدّت طيرتهم بأنّه منذر بقدوم العدوّ عليهم، ولهجوا بذكر ذلك بحيث صارت السوقة تتداول الكلام به. [خروج الناصر لحرب غازان] فلمّا أهلّ ربيع الأوّل [سنة ٦٩٩] رحل السلطان والأمراء يريدون دمشق، فدخلها يوم الجمعة ثامنه. وقدم الجفل من حلب وغيرها من الغد. وورد البريد بنزول غازان في عسكر عظيم على الفرات. فأنفق السلطان في العسكر حينئذ ما بين أربعين دينارا وثلاثين دينارا للفارس، هذا والجند يتتابع قدومهم والإرجاف يعظم بمدد الططر فشحّت أنفس العسكر بإخراج النفقة في شراء ما يحتاجون إليه وتزايدت الأسعار، وأجرى الله على لسان كلّ أحد أنّ عسكر السلطان مكسور، ولهجت الألسنة بذمّ البرجيّة. ثمّ قدم البريد بأنّ غازان على الفرات وجفل أهل الضياع عن آخرهم. وقدم أسندمر كرجي متولّي فتوحات سيس ومعه صاحب سيس، وأخبر بأنّ عسكر غازان استولى على تلّ حمدون بما فيه من الحواصل. فخرج السلطان وقت الزوال من يوم الأحد سابع عشره، ونزل على حمص وعساكر غازان على سلميّة. فأقام العسكر ثلاثة أيّام بالسلاح، وغلت الأسعار. وركب السلطان سحر يوم الأربعاء ثامن عشرينه بالعساكر وجدّ في السير إلى الرابعة من النهار. فظهرت طوالع غازان، فنودي في العسكر: ارموا الرماح واعتمدوا على ضرب السيف والدبّوس! فألقوا رماحهم [على] الأرض وساروا ساعة إلى [٨٧ أ] مجمع المروج الذي يعرف اليوم بوادي

стр. 2632

الخزندار (١)، وهم تسعة وعشرون ألف فارس وغازان نحو مائة ألف. فترتّب العسكر، ووقف الأمير عيسى ابن مهنّأ في رأس الميمنة ويليه الأمير بلبان الطبّاخي نائب حلب بعساكر حلب وحماة. ووقف في الميسرة الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح، والأمير جمال الدين آقوش قتّال السّبع، ونجم الدين سنجر الدواداري، وطغريل الإيغانيّ، والحاج كرت نائب طرابلس، في كثير من الأمراء والعساكر. ووقف في القلب الأميران بيبرس الجاشنكير وسلّار، وبرلغي وقطلوبك الحاجب، وأيبك الخازندار في جمع كبير، وجعلوا جناحهم المماليك السلطانيّة. ووقف السلطان ومعه الحسام [لاجين الدوري] أستادار على بعد من المصافّ حتى لا يعرف فيقصد. وتقدّم خمسمائة مملوك من الزرّاقين تجاه العساكر. وبينا هم في ذلك إذ نزل بالأمير بيبرس مرض منعه من الركوب، فاعتزل ناحية. وركب الأمير سلّار بالحجّاب والأمراء والفقهاء، ودار على العساكر. وأخذ الفقهاء في وعظ الناس وتقوية عزائمهم على الثبات حتّى كثر البكاء واشتدّ النحيب. ومع ذلك فلم يتحرّك غازان ولا أحد ممّن معه، وقد تقدّم إليهم أن يراعوه جميعا بنظرهم حتى إذا حمل على عساكر المسلمين حملوا معه حملة واحدة، فقلق العسكر من ثباته وبادر إلى لقائه وأشعل الزرّاقون النار في النفوط، وحملوا على غازان فلم يعبأ بهم ووقف في موضعه. فمرّت خيول المسلمين تعدو عدوا سريعا، ثمّ قصّرت لمّا طال المدى، وخمدت نار النفط. [هزيمة وادي الخزندار- ربيع الأوّل ٦٩٩] فانقضّ عند ذلك غازان بجموعه وخرقهم، وبين يديه عشرة آلاف راجل يرمون بالنشّاب رميا متتابعا تلف به كثير من الخيول وسقط عنها الفرسان إلى الأرض وكان أكثرها في العربان فولّوا منهزمين، وتبعتهم عسكر حلب وحماة. فتمّت هزيمة الميمنة من ميسرة غازان وصدمت ميسرة المسلمين ميمنة غازان، ففرّقت جمعها وشتّتتها عن آخرها وقتلت منها نحو الخمسة آلاف، وكاد غازان أن يولّي. ثمّ ثبت حتى تلاحق به أصحابه وحمل بهم على القلب، فولّى الأمير سلّار النائب ومعه بكتمر الجوكندار وبرلغي وسائر البرجيّة، وركب غازان أقفيتهم بحيث كانت سهامه تقع في خوذهم. فبكى السلطان وجعل يدعو الله ويقول: يا ربّ لا تجعلني كعبا نحسا (٢) على المسلمين! - وهمّ أن يفرّ فمنعه [٨٧ ب] الحسام لاجين أستدار وثبّته. وأخذ من معه يتسلّل حتى بقي في اثني عشر مملوكا. هذا والميسرة الإسلاميّة قد مرّت في إثر ميمنة غازان تقتل وتأسر ولا علم لها بما وقع بالميمنة والقلب من الكسرة. فلمّا عادت إلى ظاهر حمص بعد العصر بالغنائم رأت البرجيّة منهزمة والتتر في أعقابها فسقط في أيديهم. ثمّ إنّ غازان خاف أن يكون للمسلمين كمين فكفّ عن اتّباعهم. ووافى المنهزمون حمص عند غروب الشمس وقد أخذ التتر سائر ما كان معهم فغنموا ما لا يدخل تحت حصر، وصار الأمراء والعسكر يلقي كلّ أحد منهم ما عليه من السلاح فيتركه خلفه يريد نجاة نفسه إلى أن وصلوا بعلبك، وخيولهم لا تكاد تخطو من العيّ والكلال، بكرة يوم الجمعة. فامتاروا منها ومرّوا على وجوههم إلى دمشق فدخلوها يوم السبت أوّل ربيع الآخر. ومضى كثير منهم على الساحل. فماجت مدينة دمشق وجفل أهلها بأجمعهم وتركوا أموالهم وتشتّتوا في سائر الجهات. ومرّ العسكر أيضا يريد

стр. 2633

مصر، فنزل بالناس من العرب والعشير بلاء عظيم. وقتل في هذه الوقعة الأمير كرت نائب طرابلس، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير أيدمر الحلبيّ، وبلبان التقوي، من أمراء طرابلس، وبيبرس الغتمي نائب قلعة الورق بمرقب، وأزبك نائب بلاطنس (١)، وبيليك الطيّار، من أمراء دمشق، ونوكاي التتري، وآقوش كرجي الحاجب، وآقوش المطروحي حاجب دمشق، ونحو الألف من أجناد الحلقة والمماليك. وفقد قاضي القضاة الحنفيّ بدمشق، حسام الدين حسن بن أحمد الرومي، وعماد الدين إسماعيل ابن الأثير الموقّع (٢). وقتل من جموع غازان نحو الأربعة عشر ألفا. ثمّ إنّ غازان نزل وقت العشاء الآخرة على حمص، وبها الخزائن السلطانيّة مع الأمير ناصر الدين محمّد ابن الصارم، فأحاط بها وسار إلى دمشق وقد امتلأت أيدي أصحابه بالأموال الجليلة القدر. ولم يبق بدمشق إلّا القليل فإنّه وقع فيهم وقت الظهر من يوم السبت المذكور صيحة عظيمة خرج فيها النساء باديات الوجوه، وترك الباعة الحوانيت بما فيها وتسارع الناس يخرجون من دورهم، فمات في الزحام خلائق بأبواب المدينة. وبقي الناس في القرى ورءوس الجبال كأمثال الجراد المنتشر. ومضى الكثير منهم إلى مصر. وخرج أهل السجون في ليلة الأحد فامتدّت الأيدي لنهب الأموال [٨٨ أ] من عدم الحاكم واجتمع من تأخّر من الناس بالجامع الأمويّ واتّفقوا على لقاء غازان. فخرج قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعيّ، وشيخ الإسلام أحمد بن تيميّة في جمع موفور من الفقهاء والأعيان وغيرهم، في يوم الاثنين ثالثه بعد الظهر، فوافوا غازان على النّبك (٣) وهو سائر، فترجّلوا له وقبّل بعضهم الأرض. فوقف لهم، ونزلت عساكره عن خيولها، وقام الترجمان بينه وبين الناس- فطلبوا منه الأمان، وقدّموا له شيئا كان معهم، فلم يلتفت إلى تقدمتهم، وقال: قد بعثت إليكم بالأمان- وصرفهم، فعادوا إلى دمشق بعد العصر يوم الجمعة. ولم يخطب يومئذ في دمشق باسم أحد، فوجدوا أمان غازان قدم من يوم الخميس. ثمّ اجتمع في يوم الجمعة المذكور جماعة من التتر عليهم إسماعيل التتريّ، فاجتمع الناس يوم السبت ثامنه بالجامع وقرئ عليهم الأمان. وأقام إسماعيل بالمدينة، وجمعت الخيول والبغال والأموال من يوم السبت. فنزل غازان على المدينة يوم الاثنين عاشره، وعاثت عساكره في الغوطة وظاهر المدينة تنهب وتفسد، وانتشروا إلى القدس فنهبوا الأغوار إلى غزّة وأسروا خلقا كثيرا. [صمود أرجواش بقلعة دمشق] وكان بقلعة دمشق الأمير علم الدين سنجر أرجواش، فامتنع بها وأبي من تسليمها، إلى يوم الجمعة رابع عشره، فخطب لغازان على منبر دمشق، وقرئ تقليد الأمير قبجك المستحبّ إليه بنيابة دمشق وحلب وحماة وحمص. فلمّا كان يوم السبت خامس عشره ابتدأ التتر في نهب الصالحيّة خارج دمشق فما عفّوا ولا كفّوا حتى قام ابن تيميّة في ذلك مع غازان ومنعهم، في يوم الاثنين ثامن عشره. فانتقل التتار منها ونهبوا المزّة وداريّا وقتلوا كثيرا من الناس. فخرج ابن تيميّة إلى غازان

стр. 2634

بتلّ راهط خارج دمشق واجتمع بوزيره سعد الدين وبرشيد الدين، لشغل غازان بشرب الخمر، وحدّثهما في أمر الناس فقالا: لا بدّ من حمل المالللقان. [تسلّط غازان على أهل الشام] فعاد، وشرع الناس في جباية المال. وأخذ التتر في حصار القلعة ونصبوا عليها المجانيق بالجامع الأمويّ ونزلوا به وجعلوه حانة خمّار يشربون فيه الخمر ويزنون ويلوطون ويقامرون، ونهبوا ما حوله. فحرق أرجواش ما حول القلعة وهدّمه. فاشتدّ الأمر وغلت الأسعار حتى بلغت غرارة القمح إلى ثلاثمائة درهم [٨٨ ب] وغرارة الشعير إلى ثمانين درهما، والرطل من الخبز إلى درهمين، ومنّ اللحم إلى اثني عشر درهما، ومنّ الزيت إلى ستّة دراهم، وبلغ البيض كلّ أربع بيضات بدرهم. واشتغل الناس بما فرض عليهم من المال، ووكّل بكلّ طائفة قوم من المغل فبالغوا في عقوبات الناس بالضرب والعصر ونحوه. وعظم النهب والقتل بالقرى حتى قيل إنّه قتل من الأجناد والفلّاحين نحو مائة ألف إنسان. وحمل إلى غازان من المدينة ثلاثة آلاف ألف وستّمائة ألف درهم فضّة، سوى السلاح، والثياب، والدوابّ، والغلال، وسوى ما نهبه التتار. وأخذ الأصيل ابن نصير الطوسيّ منجّم غازان وناظر الأوقات عن معلوم النظر مائتي ألف درهم، وأخذ الصفيّ السنجاريّ متولّي الاستخراج لنفسه مائة ألف درهم، وأخذ شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن عليّ الشيبانيّ على جهة البرطيل نحو الثلاثين ألف دينار، وأخذ لقبجق وأمراء المغل جملة كثيرة جدّا. وحمل لغازان مرتّبه في كلّ يوم وهو بجملة وافرة. [عملاء غازان على الشام] فلمّا انتهى ذلك وتقرّر الأمير قبجق في نيابة دمشق، والأمير بكتمر السلاح دار في نيابة حلب وحماة وحمص، والأمير البكي في نيابة صفد وطرابلس والساحل، وأقيم مع كلّ منهم جماعة من المغل، وجعل المقدّم على الجميع قطلوشاه في عشرين ألفا لحماية الشام، رحل غازان في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى. فنهب التتر مدينة دمشق ولجّوا في حصار القلعة فلم يقدروا منها على شيء، إلى أن رحل غازان في ثاني عشر جمادى الأولى، وترك بدمشق الأمير قبجق، والأمير بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكي، ومعهم قلطوشاه في عشرين ألفا من التتر، فما زال قبجق بقلطوشاه حتّى رحل عن دمشق إلى حلب في ثاني عشرينه، ودبّر قبجق أمر دمشق. وأمّا السلطان، فإنّه منذ وقعت الكسرة سار، ومعه الأميران زين الدين قراجا وبكتمر الحساميّ أمير أخور في نفر يسير من خواصّه إلى مصر. فقدم قلعة الجبل يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الآخر. وبالغ الأمير بكتمر في خدمته بنفسه وماله. وقدمت العساكر شيئا بعد شيء إلى القاهرة وهم بأسوإ حال، فوقع الاهتمام بأمرهم وأخرجت الأموال ففرّقت فيهم. وكثر الصراخ في دور من قتل. [الاستعداد للوقعة الثانية مع التتار] واهتمّ الأمراء بالتجهيز للسفر وجمع المال للنفقة على العساكر. وكتب إلى الأعمال القبليّة والبحريّة بطلب الخيول والجمال [٨٩ أ] والسيوف والرماح، فبلغ ثمن الفرس ثلاثة أمثاله. وانتهت قيمة آلات الحرب ونحوها إلى عشرة أمثالها. ونودي بحضور الأجناد البطّالين فحضر كثير من أرباب الصنائع، وكتبت أسماؤهم، وفرّق على

стр. 2635

الأمراء منهم طائفة، فأخذ الأمراء الألوف كلّ أمير عشرة، وكلّ أمير من أمراء الطبلخاناه خمسة، وكلّ أمير من أمراء العشرات رجلين. واستخدم أيضا عدّة من الغزاة المطوّعة وأذن للأمير ناصر الدين ابن الشيخيّ أن يجمع الأموال، فأخذ من التجّار وغيرهم مالا جزيلا. فما أهلّ جمادى الأولى إلّا وقد تجهّز عسكر كثير، وغصّت القاهرة ومصر وظواهرهما بعالم عظيم ممّن قدم من البلاد الشاميّة، بحيث ضاقت عنهم المساكن ونزلوا بالقرافة وحول جامع ابن طولون وعمرو، ونزلوا بأطراف الحسينيّة. ومنّ الله مع ذلك برخاء الأسعار، فنزل القمح من ثمانية عشر كلّ إردبّ إلى ثلاثة عشر، والشعير من عشرة دراهم إلى ثمانية، والفول من ثمانية دراهم إلى ستّة. ونفقت الأموال في العساكر فأخذ كلّ فارس أربعين دينارا، وحمل إلى كلّ أمير من أمراء مصر والشام مال على مقداره فانحطّ الذهب إلى سبعة عشر درهما الدينار بعد أن كان بخمسة وعشرين درهما. [رجوع غازان عن الشام] فبينما هم في ذلك إذ ورد الخبر برحيل غازان عن بلاد الشام وعوده إلى بلاده، فسرّ الناس بذلك. وكتب إلى الأمير قبجق وبكتمر السلاح دار والبكي بالدخول في الطاعة، فعادت أجوبتهم بالسمع والطاعة. ثمّ خرجوا من دمشق في ثامن رجب يريدون مصر. فاستولى الأمير أرجواش نائب القلعة على مدينة دمشق وأعاد الخطبة للملك الناصر في يوم الجمعة سابع عشره بعد انقطاع اسمه من الخطبة بدمشق مائة يوم، وأبطل ما تجدّد من المنكرات. ونودي بالقاهرة على العساكر أن تخرج إلى بلاد الشام، وهدّد من تأخّر بالقتل، وأن يكون سعر الدينار بعشرين درهما. وركب السلطان من قلعة الجبل في تاسع رجب [سنة ٦٩٩] وسار إلى الصالحيّة وأقام بها. وتقدّم الأميران بيبرس وسلّار بالعساكر يريدان دمشق في ثاني عشرينه، فلقيهم قبجق والأمراء فيما بين غزّة وعسقلان، فسلّم على الأمراء ومضى حتى لقي السلطان بالصالحيّة، فسار [السلطان] إلى قلعة الجبل فقدمها في يوم السبت رابع عشر شعبان. وقدم الأمير قراسنقر المنصوريّ [٨٩ ب] نائب حلب بعساكرها إلى دمشق في حادي عشر شعبان، وكان قد ولي نيابة حلب عوضا عن بلبان الطبّاخيّ، وأقام الطبّاخيّ في جملة الأمراء بمصر على إقطاع آقسنقر كرتاي بعد موته. ثمّ قدم أسندمر كرجي نائب طرابلس بعساكرها وقد ولي نيابة طرابلس عوضا عن قطلوبك في ثاني عشره. وقدم الأمير بكتاش الفخري بميسرة العساكر في ثالث عشره. وقدم بعده حسام الدين لاجين أستادار بالميمنة. ثمّ قدم الأمير بيبرس والأمير سلّار بالمماليك السلطانيّة ومعهما العادل كتبغا وقد استقرّ في نيابة حماة بعد قراسنقر المنتقل لنيابة حلب، ومعهما الأمير كراي المنصوريّ نائب صفد. [رجوع الشام إلى طاعة الناصر] فرتّب الأميران بيبرس وسلّار أمور ممالك الشام، وبعثا كلّ نائب بعسكره إلى معاملته (١)، وألزم مشايخ العشير من قيس ويمن بإحضار ما نهب للعسكر وأهل البلاد. وخرج الأميران بعسكر مصر من دمشق في يوم السبت ثامن رمضان فوصلا إلى ظاهر القاهرة يوم الثلاثاء سادس شوّال، وخرج السلطان للقائهما فكان يوما مشهودا.

стр. 2636

فلمّا أهلّت سنة سبعمائة قدم الخبر بحركة غازان. فوقع الاهتمام بالسفر وندب الوزير شمس الدين سنقر الأعسر، ومتولّي القاهرة ناصر الدين محمد بن ذبيان ابن الشيخي لتحصيل الأموال، وكتب بذلك إلى بلاد الشام. وقرّر بمصر والشام على العقارات من الدور والبساتين ونحوها مال، وفرض على الأغنياء مال، فجبي من القاهرة ومصر والوجه القبليّ والوجه البحريّ مائة ألف دينار، وجبي أيضا من الشام مال عظيم. واستجدّ عسكر بدمشق عدّته ثمانمائة فارس أعطي كلّ منهم ستّمائة درهم. وعرض عسكر مصر بميدان القبق تحت القلعة لمدّة عشرين يوما. وعبّئت الإقامات بطريق الشام. وخرج السلطان في يوم السبت ثالث عشر صفر وسار إلى غزّة. فقدم الخبر بعبور غازان من الفرات إلى أنطاكية وأنّ الناس قد جفلوا قدّامه وخلت بلاد حلب، وأنّ قراسنقر نائبها تأخّر إلى حماة، وبرز هو وكتبغا نائب حماة بظاهرها. فرحل السلطان إلى العوجاء واشتدّ البرد والأمطار حتى أقامت مدّة أحد وأربعين يوما لا تبطل. فانقطع المدد وغلا السعر حتّى أبيعت العليقة الشعير بثلاثة دراهم، والحمل من التبن بأربعين درهما، والخبز كلّ ثلاثة أرغفة [٩٠ أ] بدرهم، واللحم كلّ رطل ستّة دراهم. وجاء عقيب المطر سيلجارف أتلف أكثر متاع العسكر، وهلك عدّة من الغلمان وأربعة من الأجناد. ثمّ وقع الرحيل، بعد هذه المدّة، من العوجاء، فقدم البريد بمسير غازان من جبال أنطاكية على جبال السماق إلى قرون حماة وشيزر فنهب وسبى خلقا كثيرا وساق مواشي لا تعدّ، وتوجّه يريد دمشق. فأرسل الله عليه من الثلوج والأمطار ما لم ير مثله، فوقع في عساكره وخيوله وجماله وباء شديد، هلك فيه من جشارات (١) غازان خاصّة عشرة آلاف فرس وصار أكثر فرسانه رجّالة، وعاد. ثمّ إنّ غازان بعد ذلك خاض الفرات في حادي عشر جمادى الأولى، فسرّ الناس بذلك سرورا كثيرا. وندب الأميران بكتمر السلاح دار، وبهاء الدين يعقوبا بألفي فارس إلى حلب لتقع سمعة ذلك في البلاد وتطمئنّ الرعايا. وعاد السلطان ببقيّة العساكر إلى مصر في سلخ ربيع الآخر. وصعد قلعة الجبل في يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، فاستقرّ بها إلى أن كان شهر رجب. [حادثة اللباس المميّز للنصارى واليهود] [ف] اتّفقت واقعة النصارى وألزموا بلبس العمائم الزّرق، وألزم اليهود بلبس العمائم الصفر، كما قد ذكر في ترجمة بيبرس الجاشنكير (٢). فالتزموا جميعهم ذلك، فاستمرّ إلى اليوم من بلاد النوبة إلى الفرات. [سفارة من غازان في الصلح] وفي ثالث عشرين ذي القعدة قدم إلى دمشق رسل غازان في نحو عشرين فارسا. فحمل منهم كمال الدين موسى بن يونس [الإربليّ] قاضي الموصل في اثنين (٣) إلى مصر، فقدموا ليلة خامس عشر ذي الحجّة وأنزلوا بقلعة الجبل، واجتمع الأمراء والعساكر وقت العصر من يوم الثلاثاء سادس عشره بالقلعة، وألبست المماليك السلطانية كلفتاة زركش وأقبية بطرز زركش. وجلس السلطان بعد العشاء الآخرة، وبين يديه ألف شمعة تشتعل، والمماليك وقوف صفّين من

стр. 2637

باب القلعة إلى الديوان، وجيء بالرسل، فسلّموا، وقام ابن يونس فخطب خطبة بليغة وجيزة في معنى الصلح دعا فيها للسلطان ولغازان والأمراء، وأخرج كتاب غازان مختوما. فلم يفتح، وأخرج الرسل إلى مكانهم ولم يفتح الكتاب إلى ليلة الخميس، وهو في قطع نصف البغداديّ مكتوب بالقلم المغلي ويتضمّن: أنّ عساكر مصر أتت في العام الماضي إلى أطراف بلاده وأفسدت، فأنف من ذلك وقدم إلى الشام وهزم العساكر، ثمّ عاد ولم يخرج إليه أحد. فرجع شفقة على الناس حتى لا تخرب البلاد، وأنّه مستعدّ للحرب، وداع إلى الصلح. فكتب الجواب [٩٠ ب] وجهّز [هـ] مع الأمير شمس الدين محمد ابن التيتي، والخطيب عماد الدين ابن السكّريّ، والأمير حسام الدين أزدمر المجيريّ. [الحملة ضدّ العربان بالصعيد] ولمّا دخلت سنة إحدى وسبعمائة اشتدّ فساد العربان بالصعيد وكثر قطعهم الطريق وفرضوا على التجّار وأرباب المعايش بمدن الصعيد أموالا تجبى منهم، ومنعوا الخراج، وأقاموا لهم أمراء سمّوا بعضهم بيبرس وبعضهم سلّار، ولبسوا السلاح وأخرجوا أهل السجون. فجمع القضاة والفقهاء واستفتوا فيهم، فأفتوا بقتالهم وقتلهم. فأخذ الأمراء في الحركة لحربهم. وأوّل ما بدءوا به أخذ الطرق على العربان حتّى لا يمتنعوا بالجبال والمفازات. ورسم لناصر الدين محمد ابن الشيخيّ متولّي الجيزة، وإلى والي أطفيح بمنع الكافّة من السفر إلى الصعيد في البرّ والبحر، وهدّد أنّه متى ظهر أنّ أحدا من الناس سافر إلى الصعيد كانت روحه وأرواح الولاة قبالة ذلك. فاشتدّ الحرص على ما رسم به، وأشيع بأنّ الحركة إلى بلاد الشام. وتعيّن للسفر عشرون أميرا من أمراء الألوف بمضافيهم، وأن يكونوا أربعة أقسام: قسم يسير في برّ الغرب، وقسم في برّ الشرق، وقسم يركب النيل، وقسم يتوجّه في الطريق السالكة، وأن يخرج سنقر الأعسر في طائفة من الأمراء إلى جهة الواحات. وتأخّر عند السلطان أربعة منالأمراء، وأنّ الذين يتوجّهون إلى الصعيد يضع كلّ منهم سيفه فيمن يراه من صغير وكبير، وجليل وحقير، ولا يترك شيخا ولا صبيّا، وأن يوقع الحوط على سائر الأموال. وكان أمر الدولة حينئذ مضبوطا. فتمّ لهم ما قصدوه. وساروا من القاهرة للنصف من ربيع الأوّل، وقد عميت الأخبار على العربان. فطرقوا بلاد الصعيد بغتة على حين غفلة من أهلها، ووضعوا السيف من الجيزة بالبرّ الغربيّ، ومن إطفيح بالبرّ الشرقيّ، فلم يتركوا أحدا من العربان إلّا قتلوه، وأخذوا ماله وسبوا حريمه، فإذا ادّعى أنّه من الحضر امتحن بأن يقول: «دقيق»، فإن عقد القاف (١) قتل. ووقع الرعب في قلوب العرب حتى طبّق الأمراء عليهم من كلّ ناحية فرّوا لها، وأخرجوهم من خباياهم وقتلوهم بجانبي النيل من الجيزة وإطفيح إلى قوص. وعثروا بمن احتمى منهم بمغاور الجبال فدخنوا عليهم بالنار حتى هلكوا عن آخرهم. وأسر منهم ألف وستّمائة رجل لهم زراعات، وأخذ من أموالهم ما لا ينحصر، وتفرّقته الأيدي وصار للديوان منه [٩١ أ] ستّة عشر ألف رأس من الغنم، وثلاثة آلاف رأس من الخيل، واثنا عشر ألف جمل، وثمانية آلاف رأس من البقر، سوى ما أرصد في معاصر قصب السكر، ومن السلاح مائة وستّون حملا. وذلك

стр. 2638

غير ما نهبه العسكر، فإنّه لكثرته صار الواحد من الغلمان ومن الفقراء يبيع الكبش السمين بثلاثة دراهم وبدرهمين، والعنز بدرهم، والرطل السمن بربع درهم. ولم يوجد أحد يشتري الغلال من كثرتها. فلم يعد العسكر إلّا والبلاد خالية، يمشي المسافر فلا يرى بالطريق أحدا، وينزل القرية فلا ينظر إلّا امرأة أو صبيّا صغيرا. وعند ما استقرّ العسكر بالقاهرة، أفرج عن المأسورين لأجل حفظ البلاد. فاتّفق زكاء (١) الغلال بالوجه القبليّ وكثرتها في هذه السنة إلى الغاية. ثم جهّز الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح على جيش إلى جهة سيس في شهر رمضان منها [سنة ٧٠١] فحاصروها وغنموا وسبوا. ورتّب [السلطان] أربعة شوان حربيّة من مصر في المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة إلى جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس تجاه طرابلس، فخرّبوها وأسروا من بها من الفرنج، وعادوا غانمين. وفي رجب [سنة ٧٠٢] خرجت عساكر مصر من القاهرة إلى لقاء غازان وقد نزل على الفرات، وحاصر الرحبة مدّة. ثمّ عاد وسيّر عساكره صحبة قطلوشاه- من أمرائه- إلى الشام، وكتب إلى الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم يدعوه إلى طاعته. فجفل أهل حلب وحماة إلى دمشق، فهمّ أهلها بالرحيل إلى مصر، فمنع الأفرم من ذلك، وسرّح العساكر إلى حماة، وقد نزلت طائفة من التتر على القريتين (٢)، فأدركهم العسكر وقتلوهم وأسروا منهم عدّة. [خروج الناصر للقاء غازان ثانية] وخرج السلطان من قلعة الجبل في ثالث شعبان ومعه الخليفة أبو الربيع سليمان المستكفي بالله ابن الحاكم بالله أحمد بن الحسن في عسكر، واستناب على ديار مصر الأمير عزّ الدين أيبك البغداديّ، فقدم البريد بنزول قطلوشاه على قرون حماة في ثالث عشرينه، فجفل الناس إلى دمشق، ثمّ خافوا مفاجأة العدوّ فنادوا بالرحيل وركبوا يوم السبت أوّل يوم من شهر رمضان [سنة ٧٠٢]، فاضطربت دمشق بأهلها وجدّوا في الرحيل على وجوههم منها، فبلغ ثمن الجمل إلى ألف درهم، وثمن الحمار إلى ستّمائة درهم، وصعد جماعة منهم إلى القلعة، فلم يأت الليل حتى قامت النوادب [٩١ ب] في سائر نواحي البلد. وسار العسكر مخفّا، ووقف بجامع بني أميّة جمع ممّن بقي، يدعون الله طول ليلتهم. فأصبح التتر راحلين من غوطة دمشق. وبلغ الأمراء موافاة السلطان، فساروا من مرج راهط حتّى لقوه بعقبة الشحّورا (٣) في يوم السبت المذكور. فبينا هم يقبّلون الأرض بين يديه، ورد الخبر بموافاة العدوّ. فلبس العسكر السلاح واتّفق الجميع على اللقاء في الموضع الذي يقال له شقحب (٤) تحت غباغب، فساروا إليه. وكان قطلوشاه قد وقف على أعلى النهر. فوقف السلطان في القلب، وإلى جانبه الخليفة، والأميران بيبرس وسلّار، ومعه من الأمراء عزّ الدين أيبكالخازندار، وسيف الدين بكتمر أمير جندار، وجمال الدين آقوش الأفرم نائب الشام، وبرلغي، وأيبك الحموي، وبكتمر البوبكريّ، وقطلوبك، ونوغاي السلاح دار، وأغرلوا الزينيّ.

стр. 2639

ووقف في الميمنة من الأمراء الحسام لاجين أستادار، ومبارز الدين سوار أمير شكار، ويعقوبا الشهرزوري، ومبارز الدين أوليا بن قرمان. ووقف في الجناح الأيمن الأمير قبجق بعساكر حماة والعربان. ووقف في الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح، وقراسنقر نائب حلب بعساكرها، وبتخاص نائب صفد بعساكرها، وطغريل الإيغاني، وبكتمر السلاح دار، وبيبرس الدوادار بمضافيهم. [وقعة شقحب] فلمّا تهيّأت العساكر وكملت تعبئتها مشى السلطان والخليفة معا، ومعهما القرّاء يتلون من القرآن الكريم ما يحثّ عزائم القوم على الثبات ويحرّضهم على الصدق في اللقاء ويشوّقهم إلى الجنّة، وفي كلّ قبيل يقف السلطان والخليفة، ويقول الخليفة: يا مجاهدون، لا تنظروا لسلطانكم، قاتلوا عن حريمكم وعن وليّ نبيّكم ﷺ ، فتذرف عند ذلك العيون بالدموع ويكثر النحيب حتى إنّ فيهم من يسقط عن فرسه لشدّة ما ينزل به من الخشوع. فتواعدوا جميعا على صدق اللقاء وتعاهدوا على الثبات إلى الممات. فلمّا تمّ ذلك عاد السلطان إلى موقفه، ووقف الغلمان والأثقال صفّا واحدا من وراء العسكر، ونودي فيهم: من خرج من العسكر عن المصافّ فاقتلوه، ولكم فرسه وسلاحه! - فلمّا تمّ هذا، زحفت كراديس التتار كقطع الليل، وذلك بعد الظهر [٩٢ أ] وأقبل قطلوشاه بمن معه من التوامين (١) وحمل بهم على الميمنة فثبتت له وقاتلته قتالا شديدا، قتل فيه الحسام لاجين استادار، وأوليا بن قرمان، وسنقر الكافريّ. وأيدمر الشمسيّ القشّاش، وآقوش الشمسيّ الحاجب، والحسام عليّ بن باخل، ونحو الألف فارس. فأدركهم الأمراء الذين في القلب وفي الميسرة، وصرخ الأمير سلّار: هلك والله أهل الإسلام! - وصرخ بيبرس في البرجيّة فأتوه، وصدم بهم قطلوشاه، وأبلى يومئذ بلاء عظيما هو وسلّار حتّى كشفوا التتار عن المسلمين، فكان جوبان وقرمجي من طوامين التتار قد أدركا بولاي، ومرّوا خلف المسلمين يقاتلونهم. فلمّا رأوا قطلوشاه وقد انكسر، أتوه فوقفوا في وجه بيبرس وسلّار. فخرج إليهم الأمير أسندمر، وقطلوبك، وقبجق في المماليك السلطانيّة مددا لبيبرس وسلّار، فقويا على قطلوشاه وهزماه. فمال التتر على الأمير برلغي ومزّقوه. واستمرّت الحرب بين بيبرس وسلّار وبين قطلوشاه، وكلّ من الفريقين ثابت. هذا وقد انهزم من كان مع الأمراء المقتولين وركب التتار أقفيتهم يتبعونهم، فظنّ الناس أنّها كسرة، وأقبل السواد الأعظم على الخزائن السلطانيّة فكسروها ونهبوا ما فيها من الأموال، وجفل النساء والأطفال الذين خرجوا من دمشق، وحسر النساء عن وجوههنّ وأسبلن شعورهنّ، وضجّ ذلك الجمع بالدعاء والتضرّع، وقد كادت العقول أن تذهب لمشاهدة الهزيمة. فلم ير منظر أعظم هولا من تلك الحالة، إلى أن كفّ كلّ من المسلمين والتتار عن القتال، ومال قطلوشاه بمن معه إلى جبل بالقرب منه يقال له مانع خلاطه (٢) وصعد عليه، وفي نفسه أنّه انتصر وأنّ بولاي في أثر المنهزمين يطلبهم. فعند ما علا الجبل رأى السهل والوعر كلّه عساكر، ورأى

стр. 2640

ميسرة المسلمين ثابتة، وأعلامها تخفق، فبهت وتحيّر. وما برح مكانه حتى تلاحق به أصحابه وأتاه من كان منهم خلف المنهزمين من عساكر المسلمين، وقد أسروا جماعة، منهم الأمير عزّ الدين أيدمر نقيب المماليك. فأحضره قطلوشاه وسأله عن أمره فأخبره أنّه من أمراء مصر الذين قدموا مع السلطان- وكان يظنّ أنّ السلطان بمصر وأنّه لم يحضر إلى الشام [٩٢ ب]، وأنّه إنّما يقاتل عساكر الشام- فسقط عند ذلك في يده وشاور أصحابه. وبينا هم في إدارة الرأي، وإذا بكوسات السلطان والأمراء وبوقاتهم حرّكت يدا واحدة فأرجفت على الآذان بحسّها الأرض وأزعجت القلوب، فلم يثبت بولاي- أحد مقدّمي التتر- وخرج من تجاه قطلوشاه في عشرين ألفا، ونزل عن الجبل بعد غروب الشمس ومرّ هاربا. وبات السلطان وسائر عساكر المسلمين على ظهور الخيل، وطبولهم تضرب فتلاحق بهم من كان قد انهزم، وجاءوا شيئا بعد شيء على حسّ الطبول، واستداروا حول الجبل الذي فوقه التتار، وصار بيبرس وسلّار وقبجق وجميع الأكابر من الأمراء في طول الليل دائرين على العساكر يوصونهم ويرتّبونهم ويبالغون في التأكيد عليهم في التيقّظ وأخذ الأهبة. فما طلع الفجر حتى اجتمع شمل العساكر وأخذ كلّ أهبته، وقام الجفل من الناس مع الأثقال على بعد من المصافّ، فرأى التتار ما أذهلهم. وأخذ قطلوشاه يرتّب أصحابه، ونزل بهم عن الجبل مشاة وركبانا، وحطّموا (١) على العسكر. فانتدب لهم المماليك السلطانيّة يقاتلون قطلوشاه وجوبان (٢)، واشتغل الأمراء بقتال من في قبالتهم يتناوبون القتال أميرا بعد أمير، وأبلى المماليك بلاء عظيما، وقتل تحتهم خيول كثيرة بحيث كان يقتل تحت الواحد منهم الفرسان والثلاثة. وتمادى القتال منذ طلعت الشمس إلى الظّهر من يوم الأحد. فصعد قطلوشاه إلى الجبل بعد ما قتل منه ثمانون فارسا، وفشت الجراحات في أصحابه، واشتدّ عطشهم. وبلغ ذلك الأمراء، وأنّهم على عزم من معاودة القتال في سحر يوم الاثنين يدا واحدة، فبات الفريقان ليلة الاثنين كما باتا من قبل. وركب التتار في الساعة الرابعة من نهار الاثنين ونزلوا من الجبل فلم يتعرّض أحد لقتالهم وتركوهم حتى اقتحموا النهر من شدّة العطش، فركبتهم العساكر حينئذ ركوبا. وأنزل الله بهم نصره، فحصدوا رءوس التتار عن أبدانهم، وتتّبعوا أثر من فرّ، وهم يقتلون ويأسرون إلى العصر. ثمّ عادوا إلى السلطان فكتب بالبشارة على أجنحة الحمام إلى غزّة، وأن يمنع من قدمها من المنهزمين أن [٩٣ أ] يسيروا إلى القاهرة، وأن يفحص عمّن نهب الخزائن السلطانيّة ويحاط به. وندب الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح للمسير بالبشارة إلى مصر، فسار لوقته. وكتب أيضا إلى دمشق وإلى سائر القلاع بالبشارة. وبات السلطان ليلة الثلاثاء بمنزلته، فأتاه أهل دمشق للهناء، وسار بهم إلى دمشق، وبين يديه وعن يمينه وشماله ومن خلفه عالم من الرجال والنساء والصبيان لا يحصيهم عدد، وهم يضجّون بالدعاء والهناء، وعبراتهم تنحدر من الفرح، والبشائر تدقّ، فكان يوما يجلّ عن الوصف، حتّى نزل بالقصر الأبلق خارج المدينة، فتأنّق الناس في زينة المدينة. وتمادى الأمراء في اتّباع التتار إلى القريتين

стр. 2641

حتى كلّت خيول التتار، وخارت قواهم، وألقوا سلاحهم واستسلموا للقتل، فقتلتهم العساكر قتلا ذريعا بغير مدافعة عنهم عن أنفسهم، فكان أرذال العامّة والغلمان يقتلون منهم خلائق ويغنمون شيئا كثيرا، ويقتل الواحد من العساكر العشرين من التتر وأكثر. وخرج عربان البلاد إليهم وكادوهم بأن صار يأتي الجماعة من التتر اثنان أو ثلاثة من العرب في صورة من يدلّهم على الطريق فيدخل بهم البرّيّة ويسير معهم إلى الليل، ثمّ يتركهم ويمضي فيتحيّرون في البرّيّة طول الليل، فإذا أصبحوا ماتوا عطشا. وكان منهم جماعة قد اختفوا في غوطة دمشق فقتلوا عن آخرهم. وتتبّع بغزّة من نهب الخزائن، وأخذوا بما نهبوه منها، بحيث لم يذهب منها إلّا القليل. وشمل السلطان الأمراء بالخلع والإنعام، ثمّ توجّه من دمشق في ثالث شوّال إلى جهة مصر. ومرّ قطلوشاه على وجهه في قليل من أصحابه إلى غازان، فنزل به من الغمّ ما لا يوصف. [احتفال القاهرة بالنصر] وقدم السلطان إلى القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوّال، وقد تزيّنت زينة عظيمة جدّا نصب فيها سبعون قلعة من باب النصر إلى باب زويلة وإلى باب القلعة، بلغت النفقة عليها آلافا كثيرة. وقدم أهل الأرياف لرؤية السلطان، وخرج أهل القاهرة ومصر عن آخرهم، فبلغ اكتراء البيت للفرجة من بين خمسين درهما إلى مائة درهم. وعند ما وصل السلطان إلى باب النصر، ترجّل الأمراء كلّهم وسار على رأسه الجترة (١) بالقبّة والطير على شفاف الحرير، وهو يتأمّل القلاع التي [٩٣ ب] نصبها الأمراء وزيّنوها، وصار كلّ أمير يفرش الشقاق الحرير من قلعته إلى قلعة غيره. وقدّمت أسرى التتر بين يدي السلطان، وفي أرجلهم القيود، ورءوس قتلاهم معلّقة في رقابهم، وعدّتهم ألف وستّمائة أسير، في أعناقهم ألف وستّمائة رأس. وحملت ألف رأس على ألف رمح، وجعلت طبولهم مخرّقة، وأعلامهم منكّسة، وسهامهم مكسّرة. فلمّا وصل السلطان إلى المدرسة المنصوريّة صعدها وزار قبر أبيه، ثم توجّه على شقاق الحرير بفرسه إلى أن عبر قصره بقلعة الجبل. فكان يوما عظيما إلى الغاية. فلمّا دخلت سنة ثلاث وسبعمائة، أكمل السلطان عمارة المدرسة الناصريّة بجوار المارستان المنصوريّ بين القصرين. وكان العادل كتبغا قد شرع في بنائها، فخلع ولم تكمل. فلمّا تمّ بناؤها قرّر بها [السلطان الناصر] أربعة دروس على المذاهب الأربعة، وجعل لها أوقافا جليلة فاستمرّت إلى يومنا. وفيها توجّهت العساكر ونازلت [قلعة] تلّ حمدون حتّى فتحتها. ودخل بعض العسكر الدربند (٢) ونهب وأسر. وفي سنة خمس وسبعمائة (٣) غزت العساكر جبل كسروان الروافض. [القطيعة بين الناصر والأميرين بيبرس وسلّار] فلمّا كان أوّل محرّم سنة سبع وسبعمائة (٤) عيل

стр. 2642

صبر السلطان من كثرة تحكّم بيبرس الجاشنكير وسلّار النائب عليه، ومنعهما له من التصرّف، وضيق ذات يده. فشكا ذلك لخاصّته، وأكثر من التوجّع. فوعدوه بالقيام معه وأخذ الأميرين وأحبّوا الاستظهار على ذلك بأحد من الأمراء. فوقع الاختيار على الأمير بكتمر الجوكندار أمير جاندار لما كان يظهر من موادّته للسلطان في السرّ. فاستدعاه السلطان وعرّفه ما وقع عليه الاتّفاق، فوافق عليه، وقرّر أنّه إذا غلق باب القلعة وباب القلّة وحضرت المفاتيح عند السلطان على العادة ألبس مماليكه وأركبهم الخيول منالاسطبل فيمضو [ن] إلى إسطبلات بيبرس وسلّار وأتباعهما ويأخذون خيولهم منها، وتضرب الكوسات السلطانيّة ليجتمع الناس لطاعة السلطان. ثم إنّه يأتيهم وقت أذان الفجر حتى يتوجّه هو والمماليك السلطانيّة، ويهجموا على بيبرس وسلّار في دورهما بالقلعة ويأخذوهما. فنقل ذلك إلى بيبرس وسلّار من أعين كانت لهما دائما تنقل إليهما ما يكون في مجلس السلطان. فكتما ذلك وأخذا في الاحتراس، وبيّتا مع الأمير بلبان الدمشقيّ والي القلعة- وكان من أخصّاء بيبرس، ومن جملة البرجيّة- أن لا يغلق أبواب القلعة في تلك الليلة ويوهم أنّه غلّقها ويطرّف أقفالها ويدخل بالمفاتيح على ذلك. ففعل ذلك، وظنّ [٩٤ أ] المماليك السلطانيّة أنّهم قد حصلوا على ما أرادوه. فتهيّئوا وانتظروا بكتمر الجوكندار أن يأتيهم، فلم يحضر، حتى فتح باب القلّة بعد الفجر، فبعثوا إليه، فإذا به جالس مع بيبرس وسلّار، وقد تحالفوا أن يكونوا يدا واحدة. وفتح باب القلعة وحضر الأمراء بأجمعهم إلى الخدمة على العادة. فاشتدّ وهم السلطان وظنّ أنّ الجوكندار غدر به وانتظر وقوع المكروه به من الأمراء. وما كان الجوكندار بالذي غدر، إلّا أنّه لمّا بلغ بيبرس وسلّار ما وقع الاتّفاق عليه اجتمعا بدار النيابة من القلعة، وعزم بيبرس على أن يبعث إلى الجوكندار من يهجم عليه بيته ويأخذه منه بالقوّة. فمنعه سلّار من ذلك- وكان كثير السياسة حسن التدبير- وبعث من يستدعيه برفق لضرورة حديث. وقال بيبرس: إن امتنع، فأخرجوه كرها. فلمّا قدم الرسول إليه ظنّ السوء وهمّ بالامتناع، ثمّ توجّه إليهما. فعنّفاه تعنيفا كثيرا على ما قرّره مع السلطان، فأنكر ذلك وحلف أنّه باق على ما يعهد [ان] هـ من قيامه معهما. فجدّدا عليه اليمين بالوفاء لهما وحادثاه حتى أصبح. وحضر الأمراء هذا، وقد وقف أتباع بيبرس وسلّار على خيولهما بباب الإسطبل يترقّبون من يخرج منه ليوقعوا به. فمنع بيبرس وسلّار الأمراء من الدخول لخدمة السلطان على العادة، وأغروهم بالسلطان ومماليكه، فطار الخبر بالقاهرة أنّ الأمراء عزموا على قتل السلطان أو إخراجه إلى الكرك. فغلّقت الأسواق واجتمعت العامّة تحت القلعة. وركب الأجناد والأمراء وأقاموا نهارهم على ذلك. فلمّا أقبل الليل خشي الأمراء من نزول السلطان من باب سرّ القلعة فأكّدوا على أمير آخور بالاحتراس على الخيل وأوقفوا جماعة بالسلاح على باب الإسطبل. فلمّا انتصف الليل سمعت حركة بالإسطبل: وهي أنّ المماليك السلطانيّة قصدوا النزول ليركبوا من الإسطبل ويقاتلوا على الباب. فمنعهم السلطان من ذلك. فضرب سمك طبله وحطّم إلى الإسطبل ورمى بالنشّاب فوقع سهم في الرفرف (١) السلطانيّ، فأخذها السلطان

стр. 2643

عنده. واستمرّ الحال على هذا إلى العصر من الغد، فبعث السلطان إلى الأمراء يسألهم عن سبب ركوبهم للحرب على باب الإسطبل ويقول: إن كان لكم غرض في الملك، فما لي إليه تطلّع، خذوه [٩٤ ب] وأعطوني أيّ موضع شئتم أسير إليه! فدخل إليه بيبرس الدوادار، وأيبك الخزندار، وبرلغي الأشرفيّ، فعتبهم طويلا على ما هو فيه، وعلى ما تجدّد من حركة الركوب، فاعتذروا إليه وقالوا: الأمراء قد تشوّشوا ممّن يحرّض عليهم عند السلطان. فأنكر أن يكون [أحد من مماليكه] نقل له عنهم شيئا، أو عنده علم بما أوجب الحركة. فعادوا إلى الأمراء بجوابه، وإذا بصيحة عظيمة، والعامّة قد ثارت يدا واحدة تحت القلعة، وحملوا بأجمعهم على الواقفين عند باب الإسطبل يريدون رجمهم، وهم يصرخون: يا ناصر يا منصور! فبعث إليهم بيبرس وسلّار بالأمير بتخاص المنصوريّ في طائفة كبيرة ليبطش بهم، فعند ما أقبل عليهم تزايد صراخهم: يا ناصر يا منصور، الله يخون من يخون ابن قلاوون! - وحملوا عليه ورجموه بالحجارة. فجرّد هو ومن معه سيوفهم وحطّموا عليهم، يريدون إتلافهم. فتلاحق به الأمراء الذين على باب الإسطبل ومنعوه من ذلك، وألانوا الكلام مع العامّة وطيّبوا قلوبهم من جهة السلطان، وما زالوا بهم حتى رجعوا وعاد بتخاص إلى القلعة. وتردّدت الرسل بين السلطان والأمراء إلى أن تقرّر إخراج من عنده من الخاصّكيّة إليهم بعد جهد وامتناع من السلطان، وإفحاشهم عليه بأنّه إن لم يخرجهم وإلّا خرج إلى الكرك. فسلّمهم إلى برلغي ليقيموا عنده عشرة أيّام ويعيدهم إليه، بعد ما حلف له على ذلك. فمضى بهم برلغي إلى بيبرس وسلّار: وهم بيبغا التركماني، وأيدمر المرقبيّ، وخاصّ ترك. فلمّا رآهم بيبرس أغلظ عليهم وهدّدهم بالقتل والحبس والعقوبة، وأمر بهم ليقيّدوا فقام برلغي وآقوش قتّال السبع ويعقوبا الشهرزوريّ ونحوهم من أكابر الأمراء قياما تامّا حتى أخرجوهم إلى القدس بغير قيود، ورتّب لهم ما يقوم بهم، فساروا على البريد. ودخل بيبرس وسلّار وسائر الأمراء إلى السلطان فقبّلوا له الأرض ثم قبّلوا يده، وتعاتبوا عتابا لطيفا. وخلع على بيبرس وسلّار، واتّفقوا على ركوب السلطان إلى الجبل الأحمر وقبّة النصر خارج القاهرة لتطمين قلوب الرعيّة، وخرجوا. فبات السلطان بشرّ ليلة، من كثرة قلقه لأسفه على مفارقة مماليكه، وقهره. ولم يتمالك نفسه إلى أن أصبح فركب بجميع العسكر إلى قبّة النصر. فرأى بكتمر الجوكندار وهو إلى جانب بيبرس الجاشنكير يحادثه، فشقّ عليه ذلك. واستدعى بيبرس وسلّار [٩٥ أ] وبرلغي، وقال: يا أمراء، قد زال ما في نفسي منكم، غير أنّه ما كان سبب هذه الفتنة غير هذا- وأشار إلى بكتمر الجوكندار. فأخذوا في استعطاف خاطره عليه فعجزوا فيه، وحلف بالله: لا جلس على كرسيّ السلطنة أبدا ما دام بكتمر بمصر- وصمّم. فاتّفقوا على إخراجه إلى قلعة الصبيبة منفيّا. فعند ما عاد السلطان إلى قلعة الجبل، أخرج على البريد، وذلك في نصف المحرّم، وأقيم بدله أمير جندار بكتوت الفتّاح. فبعث الأمير آقوش الأفرم نائب الشام ينكر على بيبرس وسلّار إخراج خاصّكيّة السلطان من عنده ويهدّدهما أنّه يحضر بنفسه حتى يعيدهم إلى

стр. 2644

السلطان. فلم يجدا بدّا من إحضارهم والإنعام عليهم. وكانت البرجيّة أتباع بيبرس الجاشنكير قد قامت قياما كبيرا في إخراج السلطان إلى الكرك، وسلطنة بيبرس. فما زال سلّار يتلطّف بهم حتّى كفّوا عن ذلك. فأقام منحصرا إلى أن دخلت سنة ثمان وسبعمائة، [ف] عدّى السلطان النيل إلى برّ الجيزة، وأقام يتصيّد عشرين يوما. وعاد إلى قلعة الجبل وقد اشتدّ خناقه وقوي تحكّم بيبرس وسلّار عليه، ومنعاه التصرّف في شهوات نفسه من المأكل والمشرب لقلّة ما رتّب له. فلمّا عيل صبره، أخذ يدبّر في الخلاص، وأظهر أنّه يريد الحجّ لقضاء الفرض، ومعه حريمه. وحدّث بيبرس وسلّار في ذلك، فسألاه المهلة بالجواب حتى يستخيرا الله. وخرجا من عنده فجمعا خواصّهما وأعلماهم الخبر. فأعجب البرجيّة هذا ليتمكّنوا بخروجه من إقامة بيبرس في السلطنة، وحسّنوا له تمكينه من السفر، وهوّنوا عنده أمره وأنّه ماذا عساه يخرج من يده؟ - ونحو ذلك، إلى أن مال إلى قولهم، وأذن للسلطان في الحجّ، وشرع هو وسلّار في تجهيز ما يحتاج إليه. وكتب لآقوس نائب الشام ولغيره بتجهيز الإقامات. وتمادى الأمر إلى العشرين من شهر رمضان منها. فقدّم الأمراء تقادمهم من الخيل والجمال بحسب مقدار كلّ منهم، فقبل تقادمهم، وركب في خامس عشرينه من قلعة الجبل، ومعه الأمراء وسائر العسكر، يريد السفر. وخرج الناس من كلّ جهة، وتباكوا حوله أسفا على فراقه، إلى أن نزل بركة الحاجّ. فودّعه الأمراء وعادوا. ورحل من ليلته ومعه من الأمراء [٩٥ ب] أيدمر الخطيري الأستادار، وآل ملك الجوكندار، وقرا لاجين أمير مجلس، وبلبان أمير جندار، وأيبك الروميّ أمير سلاح، وبيبرس الأحمديّ، وسنجر الجمقدار، ويقطاي الساقي، وسنقر السعديّ نقيب المماليك، وخمسة وسبعون مملوكا. وعرّج من طريق الحجاز إلى جهة الصالحيّة بدرب الشام وعيّد بها. ورحل إلى الكرك فقدمها يوم الأحد عاشر شوّال، فاستقبله الأمير جمال الدين آقوش الأشرفيّ، المعروف بنائب الكرك، وقام من خدمته بما يجب. فعبر السلطان القلعة من باب السرّ على فرسه، وقد مدّ له الخشب (١)، وكان له مدّة ما مدّ. فلمّا تقدّمت الدوابّ بالأثقال وعبرت الفرسان، فعند ما تعدّت يدا فرس السلطان الجسر انكسر، فسقطت رجلا الفرس، ولم يبق إلّا أن يسقط في الخندق. فجذب عنان الفرس حتى سار به خارج الجسر وهو سالم. وسقط بعض الأمراء والمماليك من ورائه. واستقرّ السلطان بقلعة الكرك سالما. فتباشر الناس بقدومه وسلامته بعد ما أشفى على الهلاك. فلمّا اطمأنّ استدعى الأميرين أيدمر الخطيري وآل الملك، وعرّفهما أنّه قد بطل عزمه على الحجّ واختار الإقامة بالكرك ليخلو أسره ويستريح، وأنّه نزل عن السلطنة. فبكيا وقاما ووقعا يقبّلان الأرض ويسألانه الرجوع عن هذا، وكشفا رءوسهما يتضرّعان إليه، فلم يصغ إلى قولهما، واستدعى علاء الدين [علي] بن أحمد ابن الأثير الموقّع- وكان قد سافر معه- وأمره أن يكتب إلى الأمراء بالسلام عليهم، وأنّه عرض له ما منعه من الحجّ فأقام بالكرك، وليس له رغبة في ملك مصر، فليقيموا فيه من يختارونه، فإنّي نزلت عنه من غير إكراه ولا إجبار- وسأل أن يتصدّق عليه بالكرك والشوبك. فكتب الكتاب، وخلع السلطان

стр. 2645

على الأميرين وأمرهما بالانصراف. ودفع إليهما الكتاب وسلّمهما الهجن، وهي نحو الخمسمائة راحلة، سوى الجمال، فسارا ومعهما الأمراء إلى جهة مصر. ثمّ استدعى نائب الكرك، وعرّفه ما كان فيه من الذلّة وقلّة الحرمة وضيق اليد. فتوجّع له وأطلعه على ما في قلعة الكرك من المال، وهو مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار مصريّة، وألف ألف درهم وسبعمائة درهم فضّة، فتسلّمها منه. وأصبح فدعا سائر أهل الكرك وحلّفهم على الطاعة له [٩٦ أ] فحلفوا له. وأمرهم فنزلوا مع نائب الكرك بأجمعهم ليحمل كلّ منهم حجرا يصعد به إلى القلعة، فلم يبق صغير ولا كبير حتى خرج من المدينة ونزل إلى الوادي، وشرعوا في ضمّ الحجارة، وإذا هم برسول السلطان قد ورد على النائب بالسلام عليه، وأنّ السلطان يستحي منه أن يقف في خدمته، لكبر سنّه وما له من حقّ تربيته، وأنّه يخشى أن يتّهمك الأمراء بمصر بموافقتي فتصير عدوّا لهم. فابعث أحدا من جهتك يأخذ جميع ما لك من حريم ومال، وسر إلى مصر مكرّما، فإن كان لنا عمر كافأناك. وأمّا أهل الكرك فلا سبيل إلى مجاورتهم لي ولا إقامتهم معي في الكرك: فإنّي أعلم ما اتّفق لهم أيّام الملك السعيد بركة ابن الظاهر، وكيف صاروا عليه وباعوه بالمال مع طرنطاي. وقد أمرت بنزول حريمهم وأولادهم إليهم. فلم يجد النائب بدّا من أخذ ماله. وقدّم غلاله للسلطان، وكانت كثيرة جدّا، فقبلها. وسار، فأخرج السلطان إلى أهل البلد حريمهم وأولادهم فتفرّقوا في الضياع. واستدعى عرب الشّوبك ليكونوا في خدمته بمواضع الصيد. وكان حريمه قد خرج من القاهرة في سابع عشر شوّال، فبعث إلى عقبة أيلة فأحضرهم إليه، ومعهم الأمير جمال الدين خضر بن نوكاي، فسرّ بقدومهم سرورا كبيرا. ورتّب بقلعة الكرك الأمير سيف الدين أيتمش المحمّدي، ومعه أخوه الحاج أقطاي، وأرغون الدوادار. فأقاموا بها. ونادى فيمن معه من المماليك وأرباب الوظائف والعلماء، يخيّرهم بين الإقامة معه والسفر إلى مصر، وأنّه لا يقيم معه إلا من قطع علاقته من مصر. فسافر جماعة وأقام عنده جماعة. وقدم الأمراء إلى قلعة الجبل في ثاني عشرين شوّال، وأقيم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير سلطانا ولقّب بالملك المظفّر، في يوم السبت ثالث عشرينه [سنة ٧٠٨]. فكانت مدّة سلطنة الناصر هذه عشر سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. وكتب له المظفّر بيبرس تقليدا بنيابة الكرك والشوبك، وأقطعه إمرة مائة فارس، وجهّزه إليه. فأظهر البشر والفرح. وبعث إلى متولّي القلعة أن يعرّف الحرّاس بالدعاء في الصباح باسم السلطان الملك المظفّر ركن الدين بيبرس المنصوريّ. وأمر الخطيب فدعا باسمه في الخطبة يوم الجمعة. وخلع على البريديّ الذي أحضر التقليد وأنعم عليه وأعاده. واستمرّ مقيما بالكرك، وأكثر من الركوب للصيد. فخشي المظفّر بيبرس منه، وأراد إضعاف جانبه [٩٦ ب] فكتب إليه يعلمه بأنّ خربندا ملك التتار قد تحرّك، وأنّ نائب حلب طلب تجريد العسكر إليه، وأنت تعلم أنّ الأجناد ضعفاء الحال، ويحتاجو [ن] إلى نفقات كثيرة. وأنت، فقد صحبت معك ما لا له صورة (١) ثمّ أخذت حاصل الكرك الذي هو مرصد لمصالح المسلمين.

стр. 2646

وقد أخذت صحبتك أيضا جملة مماليك، وليس لك بهم حاجة، ولا بشيء من المال المذكور. فترسل جميع ما تسلّمته من المال الذي بالكرك وجميع المماليك، وتخلّي منهم عشرة مماليك برسم الخدمة. وترسل أيضا الخيول التي أخذتها معك. ومتى لم ترسل ذلك، جرّدنا إليك عسكرا بعد عسكر، إلى أن نخرّب الكرك- وبعث الكتاب مع الأمير علاء الدين مغلطاي أيتغلي. فلمّا قرأ الكتاب جمع من عنده واستشارهم فيما يفعل إلى أن اقتضى رأيه إخماد الشرّ. وكتب إلى بيبرس: إنّي ما قصدت أن أقيم بهذا المكان إلّا أن أعيش باقي عمري في أيّامك. وأنت الذي ربّيتني، وما أعرف أبا لي غيرك. والذي أنا فيه، فمنك وعلى يديك. والقدر الذي أخذته وتناولته من الكرك، فأنت تعلم أنّه لا بدّ [منه] على كلفة ونفقة. وقد امتثلت المرسوم [الشريف] وأرسلت نصف المبلغ الذي تأخّر عندي امتثالا لأمرك. وأمّا الخيل فبعضها مات، وما بقي لي شيء أركبه إلّا قليلا منها. وأمّا المماليك فما عندي إلّا من اختار أن يقيم معي، وهو منقطع العلائق من الأهل والولد. فكيف يحلّ أن أخرجهم. وما بقي لي إلّا إحسان مولانا السلطان. وكتب أوّل الكتاب: المملوك محمد بن قلاوون يقبّل الأرض، وتحت [هـ]: السيّد الملكيّ المظفّري. ودفعه إلى أيتغلي وأعطاه مبلغ مائتي ألف درهم. فقنع المظفّر بها وسكت قليلا. ثم أعاده إليه ليحضر الخيل بأسمائها والمماليك بأسمائها، وجنف (١) في القول عليه وأغلظ في مخاطبته وحمّل الرسول مشافهة قبيحة. فلمّا بلّغها لم يطق الناصر الصبر، واشتدّ غضبه وقال: أنا تركت ملك مصر والشام لبيبرس، وما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندي أو مملوك لي، حتى أرسل يطلبه ويكرّر الطلب! ارجع إليه وقل له عنّي: والله لئن لم تتركني في هذه القلعة وإلّا سرت إلى بلاد التتار، وأعلمتهم بحالي. فلم يلاطفه أيتغلي بل جافاه في القول حتى أغضبه، وأمر بقتله وأن يطرح من أعلى القلعة إلى الخندق. فتناولته أيدي المماليك وأقاموه وسبّوه ولعنوه، ولم يبق إلّا أن يلقى من شارف القلعة. فشفع فيه خواصّ السلطان، فعفا [٩٧ أ] عنه وحبسه. وأخذ في إجالة الرأي مع خواصّه إلى أن عزم على مكاتبة النوّاب والأمراء. وكان عند قدومه الكرك قد أخذ رجل بها طالع وقت دخوله، فاقتضى من حيث معرفة الفلك أنّه سيعود للملك. وجهر بذلك حتى بلغ السلطان. فبعث إليه وصار يجتمع به كثيرا ويفاوضه في هذا ونحوه. وحضر إليه رجل يضرب بالرمل، وأخبره أنّه لا يقيم بالكرك إلّا دون السنة، ويعود إلى مصر سلطانا، ويكون على يده عجائب، ويقتل أناسا كثيرة. وأحضر إليه رجل ملحمة تتضمّن أسماء من يملك من الأتراك، وأنّه آخر من يملك من أولاد قلاوون، وفيه صفته وجميع ما وقع له. وأنّه يعود إلى الملك ويظفر بأعدائه، وتطول مدّته. فتعلّقت نفسه بالعود إلى الملك، إلى أن أغضبه أيتغلي فتحرّك منه ما كان ساكنا. وكتب إلى نائب حلب، ونائب حماة، ونائب طرابلس، ونائب صفد، وإلى أمراء مصر، يعرّفهم ما كان فيه من ضيق اليد وقلّة الحرمة، وأنّه لأجل ذلك ترك ملك مصر، وقنع بالكرك ليستريح، وأنّ السلطان الملك المظفّر في كلّ وقت يرسل يطالبني بالمال، ثمّ بالخيل، ثمّ بالمماليك. وما منكم إلّا من هو مملوك أبي، وربّاني. فإمّا أن تردّوه عنّي، وإمّا أن أخرج إلى بلاد التتار فأقيم بينهم حتى أموت.

стр. 2647

فأجابه الأمير قبجق نائب حماة بأنّي مع الأمير قراسنقر نائب حلب، موافق له في كلّ ما يرى. وبعث قراسنقر نائب حلب جوابه يقول فيه بأنّي مملوك مولانا السلطان ويمتثل جميع ما يرسم به. وسأل أن يبعث إليه من المماليك من يوثق به. وأمّا الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد، فلم يمكّن القاصد من الاجتماع به وطرده عنه. فبعث الملك الناصر مملوكه أيتمش المحمّديّ بملطّفين إلى الأمير قطلبوك المنصوريّ، وإلى الأمير بكتمر الحساميّ الحاجب بدمشق. فنزل عند بعض مماليك قطلوبك مختفيا، وأعلمه بما جاء فيه. فلمّا بلغ ذلك قطلوبك نفر منه وعزم على أخذه وإحضاره إلى الأمير آقوش الأفرم نائب الشام. فنجا أيتمش بنفسه، وأتى ليلا بهادر آص وأعلمه بخبره وما عزم عليه قطلوبك من قبضه، فأمّنه وأمره أن يبيت عنده ويحضر من الغد إلى موكبالنائب ويتكلّم بما يختار من غير خوف. وتكفّل بمساعدته، فبات عنده في أعزّ كرامة. وأركبه معه إلى الموكب فرسا من خيله. وكان قطلوبك [٩٧ ب] قد بادر وأعلم النائب بمجيء قاصد الملك الناصر إليه، وأنّه هرب لخوفه منه. فقلق النائب من ذلك قلقا زائدا وألزم متولّي مدينة دمشق بإحضار قاصد الملك الناصر، وإلّا كانت روحه عوضه. فقال بهادر آص: ما يحتاج إلى هذا: قد أتاني المذكور في الليل وعرّفني أنّ معه مشافهة لا يقولها إلّا لمولانا ملك الأمراء بحضرته، وهذا هو- وأشار لأيتمش. فقام على قدميه وقال: السلطان الملك الناصر يسلّم عليكم. فلم يردّ أحد من الأمراء السلام، إلّا نائب الشام وحده. ثمّ قال: يقول لكم الملك الناصر: ما منكم أحد إلّا وأكل من خبز الشهيد والده، ومن خبزه. وما منكم إلّا من [كثر] إنعامه عليه. وأنتم تربية الشهيد والده مثلما ربّاه، وإنّي قاصد الدخول إلى دمشق و [أن] أقيم فيها، فإن كان فيكم من يقاتلني ويمنعني فعرّفوني. فلم يتمّ كلامه حتى بكى الكوكندي الزرّاق أحد الأمراء، وصاح: وا ابن أستاذاه! وا ابن أستاذاه! يا مسكين! - فبكى الأمراء بأجمعهم لبكائه، فغضب النائب، وأخرج الزرّاق وقال لأيتمش: قل له- يعني الملك الناصر-: كيف تجيء إلى الشام أو إلى غيرها، تحسب أنّ الشام الآن تحت ملكك؟ أنا لمّا أرسل الملك المظفّر إليّ لأحلف له أخّرت الحلف حتى بعثت إليه أقول له: يا خوند، لا تخلّ ملكك! - فأرسل يقول: أنا ما بقيت لي رغبة في السلطنة، وكتب خطّه، وأشهد عليه بنزوله عن الملك، [ف] حلفت بعد هذا للمظفّر، ثمّ يبعث الآن يقول: من يردّني عن الشام؟ وأمر به، فأخذ ووكّل به، وانفضّ المجلس، فلمّا كان الليل استدعاه وأعطاه خمسين دينارا، وقال له: قل للسلطان: لا يرجع يذكر الخروج من الكرك. وأنا أبعث إلى الملك المظفّر بسبب ما طلبه منه (١) وأرجعه عنه- وترك أيتمش فعاد إلى الكرك. وبلغ أهل مصر حركة الملك الناصر، فسار إليه الأمير نوغاي القبجاقيّ، والأمير مغلطاي القازاني في ستّين مملوكا. فسرّ بهم سرورا كثيرا. ثمّ قدم عليه من المنصورية والأشرفيّة والأويراتيّة مائة وعشرون مملوكا بخيولهم وأسلحتهم. فقوي بأسه بهم. وبعث أيتمش المحمّدي إلى قبجق نائب حماة والي قراسنقر نائب حلب يدعوهما إلى القيام معه. فكتب إليه قراسنقر بالسمع والطاعة، وأن

стр. 2648

تكون حركته إلى دمشق أوّل شعبان. وكتب إليه أيضا قبجق نائب حماة وأسندمر نائب طرابلس. فسيّره إلى الأمير [٩٨ أ] بكتمر الجوكندار نائب صفد، وإلى الأمير كراي المنصوري بالقدس يدعوهما، فأجابا إلى الطاعة. وخرج السلطان من الكرك كأنّه يتصيّد، فلمّا بلغ خروجه نائب الشام بعث إليه آي دغدي شقير وجوبان ليردّاه. فقدما عليه وحلفا له على الطاعة وعادا إلى دمشق وقد بقيا عينا له، [وأعلما] النائب أنّ الناصر يتصيّد على زيزاء. فجرّد الأفرم نائب الشام من الأمراء قطلوبك الكبير، والحاج بهادر الحلبيّ الحاجب، وبهادر آص وبكتمر الحساميّ الحاجب، وجوبان، وكجكن، وعلم الدين سنجر الجاوليّ، ليحفظوا طرقات الشام على من يخرج إلى الملك الناصر، إلى أن يحضر عسكر مصر، ليتوجّهوا جميعا إلى الكرك، ويحاصروا الناصر حتى يأخذوه برغمه. وكتب يستحثّ الملك المظفّر على مجيء عسكر مصر، وأنّه قد أخرج عسكر دمشق وجدّد الحلف عليهم وعلى سائر الأمراء، ألّا يخونوا السلطان ولا يروحوا إلى الملك الناصر. فجرّد الملك المظفّر من مصر الأمير آقوش الروميّ ليقيم بناحية السويس، حفظا لها ممّن يتسحّب إلى الكرك. فقتله مماليكه وأخذوا جميع ما معه ولحقوا بالملك الناصر. فأكرمهم وأجرى عليهم الرواتب. وفرّ أيضا ممّن جرّده المظفّر مع الأمير برلغي الأشرفيّ إلى العبّاسة عدّة من أمراء الطبلخاناه والمماليك الأويراتيّة، وقدموا على الناصر. وتلاهم غيرهم حتى لم يبق مع برلغي إلّا خواصّ المظفّر. فسار الملك الناصر من الكرك أوّل شعبان يريد دمشق، فكتب إليه قطلوبك وبهادر وبكتمر الحساميّ ورفقتهم بالدخول في طاعته وأشاروا بالمهلة في السير ليعرفوا ما عند بقيّة الأمراء. وبعثوا بمسير الناصر إلى الأفرم نائب الشام، وقصدوا بذلك الإشاعة بين الناس، وقالوا في كتبهم: إنّا لا نقاتل، فلتخرج أنت ببقيّة العسكر لقتاله، فما هو إلّا أن أشيع ذلك بدمشق، فثار الناس يدا واحدة وصاحوا بأجمعهم: نصر الله الملك الناصر! فنادى الأفرم في الناس: طيّبوا خواطركم! فما لكم من سلطان إلّا الملك المظفّر. فصاح الناس كلّهم صوتا واحدا: لا! لا! ما لنا سلطان إلّا الملك الناصر! وشرع الأجناد يخرجون بأسلحتهم طوائف طوائف كما جرى في مصر. وعزم الأميران بيبرس العلائي، وبيبرس المجنون على أخذ الأفرم. ففرّ ليلا إلى جهة الشقيف، فلمّا بلغ فراره الأمير قطلوبك، ركب هو وبهادر الخلفي إلى الملك الناصر [٩٨ ب] وبشّراه بذلك، فسرّ سرورا زائدا وخلع عليهما، وأنعم على كلّ منهما بعشرة آلاف درهم. ثمّ حضر إليه علم الدين سنجر الجاوليّ، وجوبان، فتلقّاهما وأكرمهما، وسار إلى الكسوة (١). فخرج إليه بقيّة من بدمشق من الأمراء والأعيان والعسكر. وأخرج له الأمراء جميع شعار السلطنة من السناجق الخليفيّة والسلطانيّة والعصائب والجتر والغاشية. فحلف العساكر بأجمعهم. وركب في يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان يريد مدينة دمشق، وقد زيّنت بأعظم زينة وخرج سائر

стр. 2649

أهلها إلى لقائه، حتى صغار المكاتب، وامتلأت الطرقات والبيوت بالناس بحيث بلغ كراء البيت للفرجة من مائة درهم إلى خمسمائة درهم فضّة ما بين ميدان الحصا إلى القلعة والقصر الأبلق بالميدان. وبسطت له شقاق الحرير الملوّنة، وسار والأمراء مشاة بأجمعهم، وحمل الأمير قطلوبك الكبير الغاشية، وحمل الأمير بهادر الحلبي الجتر (١)، إلى أن نزل [السلطان] بالقصر الأبلق. وعند نزوله بالقصر قدم مملوك الأمير قراسنقر نائب حلب يخبر بأنّه ركب من حلب، وركب قبجق من حماة، إلى لقاء السلطان. فخلع عليه وأعاده ليحضر مخدومه سريعا. واستشار الأمراء في أمر الأفرم نائب الشام، فأشاروا بأن يؤمّن. فبعث إليه الجاولي، فلم يحضر حتى حلف له السلطان، وبعث الحاج أرقطاي الجمدار باليمين فحضر معه، وخرج السلطان إلى لقائه وترجّل له وخلع عليه وأقرّه في نيابة الشام على حاله. فلمّا كان يوم الجمعة ثامن عشرينه خطب باسم الملك الناصر بدمشق، وفيه حضر الأمراء قراسنقر نائب حلب، وقبجق نائب حماة، وأسندمر نائب طرابلس، وتمر الساقي نائب حمص. فركب السلطان والتقاهم، وترجّل لقراسنقر وعانقه، وأثنى على الأمراء. ثمّ حضر الأمير كراي من القدس، والأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد، فلم يبق أحد من الأمراء إلّا وقدّم للسلطان التقادم النفيسة على قدر حاله. فأنفق السلطان في سائر الأمراء والعساكر. وقدّم الأمير كراي بطائفة إلى غزّة، وخرج بمن بقي في يوم الثلاثاء تاسع رمضان يريد مصر، وسلك على طريق القدس. فزار (٢)، وقدم غزّة فأقام بها حتى تكامل الجيش. وكان المظفّر بيبرس قد انحلّ أمره وفرّ من القلعة في سادس عشر رمضان. فأصبح الحرّاس يوم الأربعاء سابع عشره وضجّوا في [٩٩ أ] قلعة الجبل باسم الناصر. وخطب باسمه على منابر مصر والقاهرة وقلعة الجبل في يوم الجمعة تاسع عشره. وبعث إليه سلّار نائب السلطنة بالنمجاة (٣) وأعلمه بهروب بيبرس. وخرج من القاهرة بيبرس الدوادار وبهادر آص يريدان الملك الناصر وقدما عليه غزّة. وقدم أيضا الأمير ساطي السلاح دار في جماعة من الأمراء. وقدم برلغي وآقوش نائب الكرك بمن معهما. وقدم الأمير مهنّا أمير العرب في عربان كثيرة. وقدمت التركمان، حتى صار في عساكر يضيق بها الفضاء. فرحل عن غزّة، فإذا بقاصد سلّار ومعه النمجاة. فسرّ سرورا عظيما بفتح مصر من غير قتال. وسار إلى أن نزل بركة الحاجّ ظاهر القاهرة يوم الأربعاء أوّل شوّال يوم العيد. فخرج سلّار ومن معه إلى لقائه، ولم يكد يتأخّر بالقاهرة كبير أحد حتى خرج إليه فرحا بقدومه ومحبّة فيه. وعزم على الإقامة يومه وأن يقصد إلى القلعة في غده. فجاء النذير بأن آقوش الأفرم نائب الشام وبرلغي قد وافقا البرجيّة على الفتك به. فركب وحوله ثقاته بالسلاح عليهم وفي أيديهم، يمنعون الأمراء أن يدنوا منه حتى دخل القلعة. فكان يوما مشهودا، وتفرّق الأمراء في منازلهم وبات جماعة من ثقات السلطان على خيولهم حول القلعة يحرسونها، وعليهم السلاح، إلى أن أصبح يوم الخميس ثاني شوّال وجلس على سريرالسلطنة. وحضر الخليفة، وسائر الأمراء، والقضاة، والعلماء، للهناء. فاستفتح [محمد بن عليّ] بن

стр. 2650

موسى الراعي وقرأ: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ] الآية [آل عمران: ٢٦] ودعا، فلمّا تقدّم الخليفة أبو الربيع ليسلّم على السلطان قال له: كيف تسلّم على خارجيّ؟ هل كنت أنا خارجيّا، وبيبرس من بني العبّاس؟ فتغيّر لونه وسكت، ثمّ التفت إلى علاء الدين عليّ بن عبد الظاهر الموقّع، وكان قد كتب عهد السلطنة لبيبرس عن الخليفة، وقال: يا أسود الوجه! فقال له على الفور: يا خوند، أبلق خير من أسود! فقال له السلطان: ويلك! حتى [الآن] لا تترك رنكه أيضا؟ - ومعنى هذا أنّ ابن عبد الظاهر كان من الزام الأمير سلّار، ورنك سلّار أبلق (١). ثمّ التفت السلطان إلى قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة وقال له: يا قاضي، كنت تفتي المسلمين بقتالي؟ فتبرّأ من ذلك، ثمّ حضر صدر الدين محمّد بن [عمر] ابن المرحّل فقال له: كيف تقول [٩٩ ب] [البسيط]: ما للصبيّ وما للملك يكفله ... شأن الصبيّ لغير الملك مألوف فحلف أنّه لم يقل هذا، وإنّما دسّه الأعداء في شعره ليسعوا في تلافه، ثمّ قال: والعفو من شيم الملوك- فعفا عنه. واستأذن عليه الشيخ شمس الدين محمد بن عدلان فلم يأذن له، وقال للدوادار: قل له: أنت أفتيت بأنّه خارجيّ وأنّ قتاله جائز، [ف] ما لك عنده دخول. ولكن أنت وابن المرحّل يكفيكما ما قاله الشّارمساحيّ فيكما من شعره- يعني قول الشهاب أحمد بن عبد الدائم الشّارمساحيّ من أبيات في بيبرس [البسيط]: ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحّل، قل لي: كيف ينتصر! ؟ وأنعم على الأمير سلّار بالشوبك، وولّى الأمير قراسنقر نائب حلب نيابة دمشق عوضا عن آقوش الأفرم، والأمير قبجق نائب حماة نيابة حلب، والأمير الحاج بهادر الحلبيّ نيابة طرابلس عوضا عن أسندمر كرجيّ، والأمير قطلوبك الكبير نيابة صفد عوضا عن بكتمر الجوكندار. وولّى أسندمر كرجي نيابة حماة. وولّى سنقر الكمالي على عادته حاجب الحجّاب بديار مصر، والأمير قرا لاجين أمير مجلس على عادته، والصاحب فخر الدين عمر ابن الخليليّ الوزارة عوضا عن ضياء الدين عبد الله بن أحمد النشائيّ، والأمير بيبرس دوادار على عادته، وأضاف إليه نيابة دار العدل ونظر الأحباس. ورسم بسفره هو وبهادر آص بالأمان إلى المظفّر بيبرس، وأن يتوجّه إلى صهيون نائبا بها ويحضرا من عنده بما أخذه من المال وغيره. فلمّا كان يوم الخميس سادس عشره وحضر الأمراء الخدمة، قرّر السلطان مع مماليكه أنّه، إذا رفع السماط، وطلب السلطان أمير جندار، يقبض على أمراء عيّنهم، وجعل على كلّ عشرة من المماليك واحدا يتقدّم عليهم منهم، ويقبض العشرة الأمراء بعد أن يكونوا في الخدمة مع مقدّمهم خلف ذلك الأمير الذي عيّن لهم. فلمّا دخل الأمراء إلى الخدمة وقف كلّ عشرة من المماليك بمقدّمهم خلف من عيّن لهم، وجلس السلطان وقد عرف الغضب في وجهه. فأحسّ الأمراء بالشرّ، وما هو إلّا أن فرغوا من الأكل [حتى] أشار السلطان إلى أمير جندار فتقدّم إليه وقبض المماليك على اثنين وعشرين أميرا. ثمّ

стр. 2651

قبض بعد ذلك على خمسة أمراء. وأنعم في يوم واحد على اثنين وثلاثين مملوكا ممّن كان معه بالكرك بإمرتات ما بين طبلخاناه وعشرات. وأحضر إليه المظفّر بيبرس مقيّدا فقتله كما ذكر في ترجمته (١) بعد ما عدّد عليه ذنوبه. وأخذهم واحدا بعد واحد، ويؤمّر مماليكه بدلهم، إلى أن توحّد بدولته. وأنشأ [الجامع الجديد] الناصري على شاطئ النيل بساحل مصر في سنة إحدى عشرة. وجلس بدار العدل من قلعة الجبل في يوم الاثنين [عشرين جمادى الأولى] من السنة المذكورة [أي ٧١١] بعد ما دار النقباء على القضاة وسائر أهل الدولة بحضورهم ونودي بالقاهرة ومصر: من كانت له ظلامة فعليه بدار العدل- فخاف [الأمراء وغيرهم] وأدّوا ما عليهم من الحقوق. واستمرّ يجلس بدار [العدل كلّ يوم اثنين] ثمّ [ ... ] (٢) وخميس وجمعة القضاة والأمراء وتقرأ عليهم القصص، ويفصل المحاكمات بين المتخاصمين. فاستمرّ الأمر على ذلك مدّة أيّامه وبعده طول أيّام أولاده. وفي شهر رجب [سنة ٧١١] أقام أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد الهنتاتيّ اللحياني الخطبة للسلطان بمدينة طرابلس الغرب. [ولم يحدث هذا] قبله [لملك] من ملوك الترك. وفيها سار السلطان إلى [بلاد الصعيد]. فلمّا كانت سنة ثنتي عشرة تحرّك خربندا بن أرغون بن هولاكو بن جنكز خان، وقد أغراه ببلاد الشام وأطمعه فيها قراسنقر نائب حلب وآقوش الأفرم نائب طرابلس ومهنّا بن عيسى أمير العرب عند ما تسحّبوا إليه، وهم مغاضبون للسلطان. ووصل إلى آمد. وقدم الخبر بذلك إلى السلطان مستهلّ شعبان، فتهيّأ للسفر، وعرض أجناد الحلقة بنفسه، وبعث الأمراء شيئا بعد شيء بمضافيها. وركب في ثاني شوّال، واستخلف على مصر الأمير أيتمش المحمديّ، وسار يريد دمشق. فقدم البريد [في ثامن شوّال] برحيل خربندا من الرحبة عائدا إلى بلاده. فسرّ بذلك. وفرّق العساكر في عسقلان وقاقون (٣)، وتوجّه بطائفة إلى دمشق فدخلها في تاسع عشر شوّال وأقام بها إلى ثاني ذي القعدة. ورحل عنها يريد الكرك وقد أجمع أمره على الحجّ فقدمها في ثامنه. وسار منها في أربعين أميرا فحجّ ودخل المدينة النبويّة وسار على طريق الكرك فدخل دمشق يوم الثلاثاء حادي عشر المحرّم [سنة ٧١٣]، وقد ركب ناقة لطيفة وعليه بشت (٤) من صوف وعمامة بلثام كهيئة العرب، وبيده حربة، فكان لدخوله موقع عظيم في الناس، وحوله العلماء والصلحاء. فأقام بدمشق خمسة عشر يوما وخلع على الأمراء وصلّى بها الجمعة بجامع بني أميّة مرّتين. وسار إلى القاهرة فقدم يوم الجمعة ثاني [١٠٠ ب] عشر صفر، واهتمّ بأمر العمارة [فعمّر الميدان تحت] قلعة الجبل، وغرس فيه الأشجار، ولعب فيه بالكرة. وأنشأ عدّة سواق تحمل الماء من النيل إلى القلعة. واهتمّ بعمل جسور الجيزة. وراك البلاد الشاميّة، وندب لذلك [الأمير علم الدين سنجر الجاولي نائب غزّة، وابن معبد]، ومعين الدين هبة الله بن حشيش ناظر الجيش بالشام. فأقام الجاولي مع الأمير تنكز نائب الشام إلى أن تحرّرت الأوراق بعبرة البلاد ومتحصّلها

стр. 2652

وما فيها من إقطاع ووقف وملك، [وكمل ذلك في ذي الحجّة] ونقلت سنة اثنتي عشرة إلى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة [وجهّزت الأوراق إلى السلطان فقرئت عليه] فكتب مثالات (١) [جديدة] لأمراء دمشق وأجنادها وكتب بذلك مناشير بعث بها [إلى أصحاب الإقطاعات الجديدة] مع الأمير قجليس. وفي [ثامن عشري رجب] توجّه السلطان إلى الصعيد لأخذ العربان وقد قطعوا الطريق وكسروا الخراج. ففرّق الأمراء بطريق السويس والواحات [فضبط البرّين على العربان] وسار إلى الفرجوط (٢). ثمّ عاد في عاشر رمضان [سنة ٧١٣] ومعه كثير من العربان في القيود بعد ما قتل منهم جماعة. وابتدأ بعمل القصر الأبلق على الإسطبل السلطانيّ، وخلع على الأمراء عند فراغه منه مبلغ ألف ألف وأربعمائة ألف درهم، في مهمّ عمله. [وأكثر السلطان من العمائر وولّى آق سنقر أمير آقور شادّ العمائر فامتدّت أيدي الناس إلى العمائر، وكأنّما نودي في الناس ألّا يبقى أحد حتى يعمّر] (٣) فعظمت عمارة مصر والقاهرة وظواهرهما في أيّامه عمارة لم يعهد مثلها. وصار للسلطان ديوان برسم العمارة يبلغ مصروفه دائما في كلّ يوم ما بين ثمانية آلاف درهم إلى اثني عشر ألف درهم. وكتب بمسامحة أهل بلاد الشام كلّها بما عليهم من البواقي لاستقبال سنة ثمان وتسعين وستّمائة وإلى آخر سنة ثنتي عشرة وسبعمائة، وبإبطال ما على السجون من الضمان، وإعفاء الفلّاحين من السخر، وبإبطال رسوم الشدّ والولاية، وبإبطال مقرّر الأقصاب وضمان القوّاسين (٤) فكثر الدعاء له، وزالت مظالم عديدة. وبعث في سنة أربع عشرة وسبعمائة الأمير أيدمر الخطيري إلى الشرقيّة، والأمير آي دغدي شقير إلى البهنساويّة، والأمير حسين بن حيدر إلى أسيوط ومنفلوط، وآقول الحاجب إلى الغربيّة، وسيف الدين قلّي إلى الطحاويّة، والأمير جنكلي بن البابا إلى القليوبيّة، والتليليّ إلى البحيرة، وبكتوت الشمسيّ إلى الفيّوم، وبهادر المعزّي إلى إخميم، وأصلم إلى قوص، لإتقان جسورها. وجرّد عسكرا في ذي القعدة [سنة ٧١٤] مع الأمير سيف الدين البوبكري السلاح دار، [وأشيع أنّ ذلك لغزوسيس]. وسار [ ... ]. (تقف الترجمة هنا). ٣٢٦٦ - العماد الأصفهانيّ [٥١٩ - ٥٩٧] (٥) محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن عليّ بن محمود بن عبد الله بن أله- بفتح الهمزة وضمّ اللام، اسم فارسيّ معناه بالعربيّة: العقاب- أبو حامد، عماد الدين- ويقال: أبو عبد الله- ابن صفيّ الدين أبي الفرج، ابن نفيس الدين أبي الرجاء، المعروف بابن أخي العزيز، الأصفهانيّ، الشافعيّ، الكاتب. مولده بأصبهان يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة- وقيل: في شعبان- سنة تسع عشرة وخمسمائة. وأقام ببغداد يدرس الخلاف والمذهب بالمدرسة النظاميّة على أبي منصور سعيد بن محمد الرزاز،

стр. 2653

وبعده على يوسف الدمشقي، وسمع بها من أبي الفتوح محمد بن الفضل بن محمد بن المعتمد الأسفرايينيّ، وأبي المكارم المبارك بن عليّ بن عبد العزيز، وأبي منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون (١)، وأبي بكر أحمد بن عليّ بن عبد الواحد الدلّال، وجماعة كثيرة. وقرأ الأدب على أبي محمد ابن الخشّاب. وسمع بأصفهان أبا سعد محمد بن الهيثم الأديب وغيره، وقرأ الخلاف، وعاد إلى بغداد. وتصرّف في الأعمال الديوانيّة أيّام المقتفي والمستنجد. ومدح الخلفاء والوزراء. ورحل في آخر أيّام الخليفة المستنجد إلى دمشق، ومدح الملك العادل نور الدين محمود، وخدم كاتبا في ديوانه. ثمّ ولي الاستيفاء بجميع الأمور. وقدم إلى القاهرة بعد موت نور الدين في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، [فاتّصل بصلاح الدين فاستكتبه] (٢) وصار من خواصّه. وسمعبالإسكندريّة على الحافظ السلفي، وأبي الطاهر إسماعيل بن عوف، وحدّث. ولم يزل في خدمة السلطان إلى أن مات، فلزم منزله، واشتغل بتدريس الفقه والخلاف ورواية الحديث والأدب بدمشق إلى أن مات. قال ابن النجّار: كان من العلماء المتقنين فقها وخلافا وأصولا ونحوا ولغة، وله معرفة بالتواريخ وأيّام الناس. وله في البلاغة والإنشاء والنظم والنثر اليد الطولى والباع الممتدّ. وإليه تشدّ الرحال في ذلك وعليه تعقد الخناصر وكان من محاسن الزمان لم تر العيون مثله. وتوفّي بدمشق ليلة الاثنين مستهلّ شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ودفن بمقابر الصوفيّة. وكان جامعا لفضائل من الفقه والآداب [١٠١ ب] والشعر الجيّد. وله اليد البيضاء في النثر والنظم، وهو طويل النفس في رسائله وقصائده. وصنّف تصانيف مفيدة منها: «خريدة القصر في محاسن أهل العصر»: عشر مجلّدات. وديوان شعره في ثماني مجلّدات. وديوان رسائله في أربع مجلّدات. وكتاب «خطفة البارق وعطفة الشارق» ثلاث مجلّدات. وكتاب «نصرة الفترة وعصرة القطرة» مجلّدان. وذيل الخريدة، مجلّدان. وكتاب «عتب الزمان في عقبى الحدثان» مجلّد. وكتاب «الذيل والسيل». وكتاب «الفتح القسّي في ذكر الفتح القدسيّ». وكتاب «البرق الشاميّ»، تاريخ في سبع مجلّدات. وكتاب أخبار ملوك السلجوقيّة. وكتاب العقبى والعتبى. وله ديوان دو بيت، ومكاتبات القاضي الفاضل إليه في جزء، وكان يكتب بالعربيّة والفارسيّة. وكان محلّ الثقة من الفاضل آمنا من توتّبه عليه، ولهذا كان يطمئنّ إليه إذا غاب مع السلطان. وكان ﵀ شديد الحرص على تحصيل الدنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه ويعذله ويؤنّبه على ذلك، فلا يرعوي. فبعث مرّة يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل: يا سيّد أخيه، لا تسمع الدهر هذه الشكوى فيستعذ بها فيستمرّ على العدوى. وفي الحديث: «اتّقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يدرى كيف يكون المنقلب». فبالله إلّا ما سمعت بهذا الأدب؟ وله في هذا حكايات: منها أنّ رجلا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان وتفصيلة كتّان، قيمة ذلك كلّه نحو خمسين درهما. وسأل حاجة، فأخذ

стр. 2654

قصّته وقرأها على السلطان، وكان قد بلغه الخبر، فلم يجبه، فأعاد العماد عرض القصّة وقراءتها مرّات في مجالس عدّة، والسلطان لا يأمر فيها ولا ينهى. ففطن العماد وعلم أنّ الخبر قد اتّصل بالسلطان فأعاد عرض القصّة. فلمّا لم يجبه عنها قال: يا مولانا، الطبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن لم أتصرّف فيه. فما كان ما ينقضي شغله أعدت عليه طبقه! فضحك السلطان وعجب من دناءة نفسه وأمر بقضاء شغل الرجل. وكان شديد التهافت على أخذ الختوم الذهبيّة التي تجيء على كتب الفرنج، فوصل منهم كتاب بغير حضوره ففتحه السلطان بيده، وأخذ بعض الحاشية الختم، فلمّا جاء العماد قيل له: اكتب جواب هذا الكتاب! فقال: يكتب جوابه من أخذ الختم! فعزّ قوله على السلطان وقال: قم اخرج الوقت! ما هو محتاج إليك! فأتى إلى الفاضل وعرّفه ما كان، فقال له: رح إلى الخانكاه واقعد بها مع الفقراء والبس زيّهم. فإذا طلبك السلطان [١٠٢ أ] قل: «أنا دخلت في أسر لا أخرج منه». ثمّ لا تخرج حتّى يأتيك السلطان بنفسه مترضّيا. ثمّ لم يلبث الفاضل حتى أتته رسل السلطان في طلبه، فلمّا أتاه شكا إليه العماد، وقال له: اكتب جواب هذا الكتاب. فقال: والله ما أعرف ما أكتب فيه لأنّ العماد كان بصدد هذه الكتب فلا يعرفها سواه. ولم يزل يتلطّف بالسلطان حتى قال: اطلبه. - فبعث في طلبه فلم يحضر واعتذر. فعظّم الفاضل الأمر، وكرّر الرسل في طلبه وهو لا يحضر. فقال الفاضل: أنا أروح خلفه وأتلطّف به، فو الله هذا باب ما يسدّه سواه. ثمّ ذهب فأطال المكث، وعاد إلى السلطان وقال: لقد حرصت به فلم يجب، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنّه بقي يخرج عنه. وما ضرّ السلطان لو زار الفقراء وترضّى عبده؟ - ولم يزل به حتى أتاه وترضّاه. ومن شعره [الطويل]: وما هذه الأيّام إلّا صحائف ... نسطّر فيها ثمّ نمحى ونمحق ولم أر في عمري كدائرة المنى ... توسّعها الآمال والعمر ضيّق وقوله [الخفيف]: هي كتبي فليس تصلح من بع ... دي لغير العطّار والإسكافي هي إمّا مزاود للعقاقي ... ر وإمّا بطائن للخفاف وكان ذا قدرة على النظم والنثر. وشعره ألطف من نثره لأنّه أكثر من الجناس فيه، وبالغ حتى صار كلامه كأنّه ضرب من الرقى والعزائم. ومن محاسن نثره: فلمّا أراد الله الساعة التي جلّاها لوقتها، والآية التي لا أخت لها، فتقول: هي أكبر من أختها، أفضت الليلة إلى فجرها، ووصلت الدنيا الحامل إلى تمام شهرها، وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد، ومالكها الذي له الأرض بساط، والسماء خيمة، والحبك أطناب، والجبال أوتاد، والشمس دينار والقطر دراهم، والأفلام خدم، والنجوم أولاد. ومن كلامه الذي أكثر فيه الجناس قوله: ورد الكتاب الكريم الأشرف الذي كرّم وشرّف، وأسعد وأسعف، وأجنى العزّ وأقطف، وأوضح الجدّ وعرّف، وقوّى العزم وصرّف، وألهج بالحمد

стр. 2655

وأشغف، وجمع شمل الحبّ وألّف، فوقف الخادم عليه وأفاض في شكر فيض فضله المستفيض، وتبلّج وجه وجاهته، وتأرّج نبأ نباهته، ما عرّفه من عوارفه البيض، وأمنت بمكارمه المكاره، وزاد في قدر التائه [١٠٢ ب] قدره النابه، وافترّت مباسم مراسمه عن ثنايا مناجحه، ورفد طلائع صنائعه، فسرّ بمنن منائحه. وممّا أكثر فيه من ردّ العجز على الصدر قوله: وسرّ أولياءه، وأولى مسرّته، وأقدر يده وأيّد قدرته، وآزر دولته وأدال مؤازرته، وبسط مكنته، ومكّن بسطته، وأسعد جدّه، وأجدّ سعادته، وأراد نجحه وأنج إرادته، وأجلّ جيله وسرّ أسرته، وحاط حماه وحمى حوطته، ولا زال معروفه موال [يا]، ومواليه معروفا، ووصفه حسنا وإحسانه موصوفا، وإلفه بارّا، وبارّه مألوفا، وعطفه كريم [ا] وكرمه معطوفا. وله رسائل التزم في واحدة الدال في كلّ كلمة، والضاد في أخرى، والميم في أخرى، والشين في أخرى، وأشياء من هذا النمط. وديوانه أربع مجلّدات كبار، وما أحسن قوله في أترجّة [الطويل]: وأترجّة صفراء لم أدر لونها ... أمن فرق السّكّين أم فرقة السّكن؟ بحقّ عرتها صفرة بعد خضرة ... فمن شجر بانت وصارت إلى شجن وقوله [الكامل]: متلوّن كمدامعي متعفّف ... كضمائري، متعذّر كوسائلي أنا في الضنى كالخصر منه [ي] شتكي ... من جائر ما يشتكي من جائل ويحكى أنّه قال يوما للقاضي الفاضل: سر فلا كبا بك الفرس! فأجابه الفاضل: دام علا العماد! - وكلا الكلامين يقرأ مقلوبا. واجتمعا يوما في موكب السلطان وقد ثار الغبار حتى سدّ الفضاء، فأنشد ارتجالا [الكامل]: أمّا الغبار فإنّه ... ممّا أثارته السنابك والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرحي ... م، فلست أخشى مسّ نابك وكان قدم وهو ابن عشرين سنة إلى بغداد، ونزل النظاميّة، وبرع في الفقه، وأتقن الخلاف والنحو والأدب، وسمع الحديث. فلمّا مهر تعلّق بالوزيرعون الدين أبي المظفّر يحيى بن محمد بن هبيرة، فولّاه البصرة ثمّ نظر واسط. فلمّا مات الوزير ضعف أمره واعتقل في جملة من اعتقل. فكتب إلى رئيس الرؤساء عضد الدين أبي الفرج محمد الأستادار [الكامل]: قل للإمام (١): علام حبس وليّكم ... أولو جميلكم جميل ولائه أوليس إذ حبس الغمام وليّه ... خلّى أبوك سبيله بدعائه يشير إلى قصّة العبّاس بن عبد المطلب في الاستسقاء (٢). وكان إذا دخل عليه من يعوده في مرضه ينشد [المقتضب]: أنا ضيف بربعكم ... أين أين المضيّف؟

стр. 2656

[١٠٣ أ] أنكرتني معارفي ... مات من كنت أعرف وقال القاضي الفاضل لجلسائه: بم تشبّهون العماد؟ - وكان عنده فترة عظيمة وجمود في النظر والكلام، فإذا أخذ القلم أتى بالنظم والنثر- فكلّهم شبّهه بشيء، فقال: ما أصبتم، هو كالزناد ظاهره بارد، وباطنه فيه نار. ولمّا فرغ من كتاب الخريدة جهّزها إلى القاضي الفاضل في ثمانية أجزاء، فقال: أين الآخران؟ - لأنه قال: خري ده، يعني: خري عشرة، فإنّ ده بالفارسيّة: عشرة. ومن هنا أخذ ابن سناء الملك قوله فيها [السريع]: خريدة أفّيه من نتنها ... كأنّها من بعض أنفاسه فنصفها الأوّل في ذقنه ... ونصفها الآخر في رأسه ولمّا قدم دمشق سنة اثنتين وستّين وخمسمائة تعرّف بمدبّر الدولة القاضي كمال الدين الشهرزوريّ، وكان قد اتّصل في طريقه بنجم الدين أيّوب لمعرفة كانت بينه وبين عمّه العزيز بتكريت. فاستخدمه كمال الدين عند السلطان نور الدين في الإنشاء. فجبن أولا، ثمّ ترقّت منزلته عند السلطان، وبعثه في رسالة إلى الإمام المستنجد بالله، وفوّض إليه تدريس المدرسة المعروفة بالعماديّة بدمشق، ورتّبه في أشراف الديوان. فلمّا مات نور الدين وقام من بعده ابنه تنكّرت أحواله، فعاد إلى العراق. فلمّا بلغه وصول السلطان يوسف صلاح الدين إلى دمشق وأخذها، عاد إلى الشام، والسلطان على حلب. فمدحه. ولقي القاضي الفاضل على حمص ومدحه بقصيدة، فدخل على السلطان وقال له: غدا يأتيك تراجم الأعاجم وما يحلّها مثل العماد. فقال له: ما لي عنك مندوحة. أنت كاتبي ووزيري، ورأيت على وجهك البركة، فإذا استكتبت غيرك تحدّث الناس. فقال: العماد يحلّ التراجم، وربّما أغيب أنا، فإذا غبت قام مقامي. وقد عرفت فضله وخدمته لنور الدين. فاستخدمه عند ذلك وأطلعه على سرّه، وكان يضاهي الوزراء [١٠٣ ب] فإذا انقطع الفاضل بمصر لصالح السلطان قام العماد مقامه، فلم يزل على ذلك حتى مات السلطان واختلّت أحواله، ولم يجد في وجهه بابا مفتوحا. فلزم بيته وأقبل على التصنيف بقيّة عمره. وتأخّرت وفاته بعد الفاضل سنة. ٣٢٦٧ - ابن بهرام قاضي حلب [٦٢٥ - ٧٠٥] (١) [١٠٤ أ] محمد بن محمد بن بهرام، شمس الدين، أبو عبد الله، الدمشقيّ، الشافعيّ. صحب الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام وتفقّه عليه، وكان من أماثل أصحابه، أخذ عنه الناس. وتولّى العقود بالقاهرة، ثم ولي الفروض. وولي قضاء القضاة بحلب، وولي خطابة المدينة النبويّة. ٣٢٦٨ - ابن جبريل الدربنديّ الصوفيّ [٦٢٥ - ٦٧٧] [١٠٤ ب] محمّد بن محمد بن جبريل ابن أبي الفوارس بن جبريل بن أحمد بن عليّ بن خالد بن خلف، أبو الوليد، ابن أبي

стр. 2657

الفضل، ابن أبي الأمانة، الدربنديّ الأصل، المصريّ الدار، الصوفيّ. ولد بالقاهرة في ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وستّمائة. وتوفّي بها في يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجّة سنة سبع وسبعين وستّمائة. ومن شعره [البسيط]: يا متعب القلب إنّ العبد في دعة ... من الإله فطب نفسا وطب خلقا وسلّم الأمر للرحمن فارض بما ... أولاك من نعمة واقنع بما رزقا ٣٢٦٩ - أبو جعفر الحسينيّ [- ٤٤٧] [١٠٥ أ] محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، أبو جعفر. كان بمصر، وتوفّي بها في سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ذكره ابن خدّاع (١). ٣٢٧٠ - أبو عليّ الكنديّ محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن قيس، أبو عليّ، الكنديّ، الكوفيّ. قدم مصر وحدّث بها. روى عنه [ ... ]. ٣٢٧١ - الشريف عزّ الدين الحسينيّ [- ٧١١] محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد بن حجون بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن الحسين بن عليّ بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين السبط بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵈، الشريف عزّ الدين، ابن تقيّ الدين، ابن ضياء الدين، الحسينيّ، الشافعيّ، ابن أخت قاضي القضاة تقيّ الدين محمد ابن دقيق العيد. وجدّ جدّه الشيخ عبد المنعم القنائي، وأمّه علماء أخت الشيخ مجد الدين عليّ ابن دقيق العيد (٢). سمع الحديث على [ ... ] ابن دقيق العيد، وأخذ الفقه عن جدّه أبي الخضر جعفر بن محمد، والأصول عن الباجي. وكتب خطّا جيّدا للغاية. كان رئيسا أصيلا من بيت علم وصلاح ودين. درّس بالمدرسة المسرورية من القاهرة بعد مجد الدين عيسى ابن الخشّاب. وولي حسبة القاهرة في [ ... ] وصرف عنها في [ ... ]. ومات بالمسروريّة يوم الخميس تاسع عشرين شوّال سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ودفن بالقرافة. ٣٢٧٢ - ابن الجعفريّة الحلّيّ [٦٠٦ - بعد ٦٨٧] (٣) محمد بن محمد بن جعفر بن غنائم بن أبي الفتوح بن أحمد بن محمد بن جعفر، أبو عبد الله، ابن أبي القاسم، الحسينيّ، الحلّيّ، عرف بابن الجعفريّة. ولد في العشرين من جمادى الآخرة- وقيل: يوم الثلاثاء ثالث عشر شوّال- سنة ستّ وستّمائة بالحلّة المزيديّة. ومن شعره [الكامل]:

стр. 2658

أترى يبلّ غليله المشتاق ... منكم ويسكن قلبه الخفّاق وتعود أيّام الوصال كما بدت ... ويرى لأيّام الفراق فراق يا حاجبا عن مقلتي سنة الكرى ... فدموعها بجنابه إطلاق لا تنكرنّ تملّقي لعواذلي ... فأخو الغرام لسانه مذّاق ٣٢٧٣ - القاضي فخر الدين الزهريّ [٦٦٨ - ٧٦١] [١٠٦ أ] محمد بن محمد بن الحارث بن الحسين بن خليفة بن نجا بن الحسين بن محمد بن مسكين، من ولد الحارث بن بابيه حليف الأسود بن عبد يغوث، القرشيّ، الزهريّ، القاضي فخر الدين، أبو عبد الله، ابن تاج الدين أبي عبد الله، ابن المؤتمن أبي محمد، ابن أبي منصور. ولد في شوّال سنة ثمان وستّين وستّمائة. وولي قضاء [أ] سيوط وأبيار وقوص والإسكندريّة وعدّة مواضع. وهو من بيت رئاسة، ولديه فضيلة ومعرفة بالأحكام، وله نظم رائق. توفّي يوم الاثنين سابع شهر رجب سنة إحدى وستّين وسبعمائة. ومن شعره [الطويل]: يقولون لي ماذا التشوّق يا فتى ... لمصر ومصر قد علاها خرابها فقلت لهم: في نيلها لي كفاية ... فما صحّح الأجسام إلّا شرابها وتربة آبائي وموتى قرابتي ... فلا غرو أن راقت لعيني قبابها «بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها» (١) ٣٢٧٤ - محمد بن موسى ابن السرّاج المغربيّ [- بعد ٦١٨] [١١٥ أ] (٢) محمد بن موسى بن عمران بن سليمان، أبو عبد الله، المغربيّ، عرف بابن السرّاج. قدم مصر وسكن إربل في سنة ثماني عشرة وستّمائة. ومن شعره [الطويل]: ألا يا غزال السرب هل فيك مطمع ... لمحترق الأحشاء دامي المحاجر؟ به ظمأ برح ووردك ورده ... فماذا ترى في ريّ ظمآن شاكر تعرّض يصطاد الظباء فصدته ... ولا شرك إلا عيون الجآذر كأنّ فؤادي كلّما لاح بارق ... وهبّ نسيم في قوائم طائر ٣٢٧٥ - الدميري صاحب حياة الحيوان [- ٨٠٨] (٣) [١١٥ ب] محمد بن موسى بن عيسى، الشيخ

стр. 2659

الم [ت] فنّن، الناسك، كمال الدين، أبو البقاء، الدميريّ، الشافعيّ. برع في الفقه والوعظ، ودرّس في عدّة أماكن، وأفتى عدّة سنين، ووعظ الناس زمانا. وكان على وعظه قبول. وأقبل في آخر عمره على النسك، ورتّب ليله ونهاره لوظائف العبادة. ومات في ليلة الثلاثاء ثالث جمادى الأولى سنة ثمان وثمانمائة، عن ستّ وستّين سنة. وله عدّة مصنّفات، منها: شرح منهاج النوويّ في الفقه. وشرح سنن ابن ماجة، وكتاب حياة الحيوان. وكان حسن المحاضرة، جميل المعاشرة، كثير التواضع، متودّدا إلى الناس، محبّبا عندهم، غزير الدمعة، معتقدا فيه الخير. وكان في شبيبته أكولا إلى الغاية، مفرط النهم، له في ذلك أخبار عجيبة، منها ما أخبر به الفقيه العالم صلاح الدين محمد ابن الأعمى الحنبليّ ﵀، قال: كنت أنا والكمال الدميريّ متجاورين بمدرسة الجماليّ من القاهرة. فجلسنا يوما لنأكل برقوقا. فقلت له: لا ترم نواه من ههنا، لئلّا يقف علينا الذباب، ولكن ألقه هناك. فقال لي: ما رميت نوى برقوق ولا خوخ، ولا مشمش، ولكن آكل ذلك كلّه بنواه. فتعجّبت من ذلك، ومرّ لي زمن، فحدّثت بذلك صاحبنا أبا الطيّب ابن القويّ المدنيّ ﵀، فقال لي: أحدّثك عنه بأعجب من هذا، وهو أنّه جاور بالمدينة النبويّة، فأكل بحضوري صاع تمر بنواه! ثمّ إنّه ﵀ في آخر عمره لم يكن عنده من ذلك شيء، وكان يأكل أكلا معتدلا. ثمّ أقام سنين يصوم الدهر. وكان له نظم جيّد ومحفوظات كثيرة، سيّما في الحديث وأخبار الرواة. وبالجملة فلم يخلف بعده مثله في معناه. ٣٢٧٦ - أبو بكر البزّاز [- ٣٢١] محمد بن موسى بن عيسى بن أبي موسى، أبو بكر، الحضرميّ، مولاهم، البزّاز، عرف بابن أخي أبي عجيبة الحسن بن موسى، صاحب الإمام أحمد بن حنبل. رحل وسمع بالعراق من عبد الله بن أحمد بن حنبل، وروى عن يونس ابن عبد الأعلى، ومحمّد بن حميد بن هشام الرعيني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبي يزيد [١١٦ أ] القراطيسيّ، وإبراهيم بن أبي داود سليمان البرلّسيّ، والربيع بن سليمان، وأبي غسّان مالك بن يحيى- لقبه بمصر وبتنيس- وعثمان بن خرّزاد. سمع منه بمصر أبو الحسين محمد بن عبد الله الرازيّ. وروى عنه الطبرانيّ، وأبو عمرو (١) أحمد بن سعيد بن حزم، ومحمد بن المظفّر، ومحمد بن موسى بن النعمان، وأبو سعيد بن يونس، وغيره. مات بمصر ليلة الاثنين لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. ٣٢٧٧ - ابن طباطبا الرسّيّ [- ٣٢٨] [١١٦ ب] محمد بن موسى بن القاسم الرسّيّ، ابن إبراهيم طباطبا، أبو عبد الله.

стр. 2660

كان نبيل الصورة، حسن المشية، نظيف اللبسة، له همّة. وكان يقول الشعر. توفّي بمصر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومن شعره [ ... ]. ٣٢٧٨ - أبو حامد الصقلّيّ [٦٢١ - ] محمد بن موسى بن أبي القاسم بن عبد الرحمن بن الحسن بن معافى، أمين الدين، أبو حامد، ابن أبي عمران، ابن الشيخ أبي القاسم، القرشيّ، الصقلّي. ولد بمصر في سنة إحدى وعشرين وستّمائة. وسمع ابن رواج، والرشيد بن عوف. توفّي [ ... ]. ٣٢٧٩ - أبو الحسين النجيرميّ محمد بن موسى بن مالك، أبو الحسين، ابن أبي عمران، النجيرميّ. ٣٢٨٠ - ابن أبي مالك المعافريّ محمد بن موسى بن أبي مالك، المعافريّ. يروى عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسيّ، وإبراهيم بن منقذ، وبحر بن نصر، وغيره. روى عنه الطبرانيّ، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن العبّاس الإخميميّ وأبو بكر محمّد بن أحمد المهندس، والحسن بن رشيق. ٣٢٨١ - أبو عبد الله الصالحيّ [٦٤١ - ٧١٧] (١) [١١٧ أ] محمد بن موسى بن محمد بن خلف بن راجح بن بلال، أبو عبد الله، المقدسيّ، الصالحيّ، الحنبليّ. ولد في حادي عشر شوّال سنة إحدى وأربعين وستّمائة. وسمع من ابن القميرة، ومن البكريّ، والمرسيّ، وإبراهيم بن خليل. وله شعر وخطب، ولديه فضيلة. توفّي بدمشق ليلة السبت حادي عشر جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة. ٣٢٨٢ - شرف الدين المقدسيّ [٦٣٦ - ٧١٢] (٢) محمد بن موسى بن محمد بن خليل، شرف الدين، أبو عبد الله، المقدسيّ. ولد في سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. ومات بالقاهرة يوم الاثنين خامس عشرين شعبان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، ودفن بباب النصر. وكان أديبا فاضلا، وكاتبا بارعا، له النظم الرائق والنثر الفائق، ولديه فضيلة تامّة بعلوم الأدب. فمن شعره قوله [البسيط]: في النفس معنى وأخلاق تبيّنه ... لفظ صحيح وخطّ رائق الصّور تقاسم الحسن والإحسان فافترقا ... على جميل كما جاءا على قدر وقوله [الكامل]: حرّكت ساكن نفسه نحو الندى ... فحرمته وحظي سواي بخيره فإذا تأمّلها الأريب أصابها ... كالغصن يعطفه النسيم لغيره

стр. 2661

٣٢٨٣ - أبو بكر القرطبيّ المؤذن [٢٩٦ - ٣٨١] (١) [١١٧ ب] محمد بن موسى بن مصباح بن عيسى، أبو بكر، القرطبيّ، المؤذّن. ولد للنصف من ذي القعدة سنة ستّ وتسعين ومائتين بقرطبة، وسمع بها من أحمد بن خالد، ومحمّد بن عبد الملك بن أيمن، وقاسم بن أصبغ، ومحمد [بن محمد] بن عبد الله بن أبي دليم. ورحل في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فسمع بمكّة من ابن الأعرابيّ، وأبي محمد عبد الرحمن بن أسد الكازروني، وأبي الحسين الخزاعيّ، وبمصر من أبي بكر الزبيريّ، وابن الورد، وبالقيروان من حبيب بن الربيع، وعبد الله بن مسرور. وكان مؤذّنا بالمسجد الجامع. حدّث فسمع منه الناس، وكان من المتهجّدين بالقرآن طويل الصلاة كثير البكاء. توفّي بقرطبة يوم الأربعاء النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. ٣٢٨٤ - ابن مهيّأ اللخميّ [٥٥٦ - ٥٣٦] (٢) محمد بن موسى بن مهيّأ- بضمّ الميم وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وبعدها ألف. وقيل مهنّأ بالنون- بن عيسى بن أبي الفتوح، ابن أبي سعيد، أبو عبد الله، اللخميّ، المنذريّ، الاسكندرانيّ، التاجر. ولد بالإسكندريّة سنة ستّ- وقيل [ ... ]- وخمسين وخمسمائة. وسمع بها الحافظ السلفيّ، وحدّث. سمع منه الشيخ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان. قال ابن مسدي: وكان أحد شهودها المبرّزين في حلّها وعقودها. وبيته بها مشهور، وفي أعيانها مذكور، إلّا أنّ القاضي أبا محمد الريغيّ (٣) أسقط شهادته وأعلن من عهدته براءته، لكونه اغتصب فيما يقال حدّا من حدود جاره وأدخله في حقوق داره، فلزم داره منقبضا، كثير الدعاء على من ظلمه والله بينهما الحكم. وقد سمع من السلفيّ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهما. سمع منه الحفّاظ قبلنا، وعلى مشرعتهم نزلنا، وسماعه صحيح، و [ ... ] في الأصول صريح. مات بالإسكندريّة سنة خمس وثلاثين وستّمائة. ٣٢٨٥ - أبو عبد الله الأطروش [- ٣٢١] محمد بن موسى بن النعمان، أبو عبد الله الأطروش. روى عن عبد الرحمن بن الجارود، والحسن بن بكر المروزيّ، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وجماعة. روى عند الحافظ أبو الحسين المظفّر، وأبو سعيد بن يونس، في آخرين. ومات بمصر لا ثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

стр. 2662

٣٢٨٦ - ابن أبي عمران المزالي الفاسيّ [٦٠٦ - ٦٨٣] (١) [١١٨ أ] محمد بن موسى بن النعمان، أبو عبد الله، ابن أبي عمران، ابن أبي محمد، المزالي، الهنتاتيّ، التلمساني المولد، الفاسيّ، نزيل مصر. ولد بتلمسان سنة ستّ- أو سبع، على الشكّ منه- وستّمائة وقرأ الفقه على مذهب مالك. واشتغل بالعربيّة حتى قيل إنّه حفظ كتاب سيبويه. وقدم إلى مصر، فسمع الحديث بالإسكندريّة من أبي عبد الله محمد بن عماد الحرّانيّ، وأبي القاسم عبد الرحمن الصفراويّ، وأبي محمد بن رواج، وغيرهم. وبمصر من أبي عمرو عثمان بن دحية، وأبي القاسم بن الطفيل، وأبي الحسن ابن الصابونيّ، في آخرين. وكتب بخطّه الكثير. وقرأ بنفسه، وكان ثقة. ولبس خرقة التصوّف من الإمام القدوة عليّ بن أبي القاسم ابن غزيّ بن عبد الله بن قفل (٢). وكان من المشايخ العارفين والعلماء العاملين، مربّيا للمريدين، حسن التربية لهم. انتفع به خلق كثير، إذ تمّت عليهم بركته، وكان حريصا على إقامة الخير، وإماتة الشرّ، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، غليظا على أهل الكفر والبدع. وكان ورعا زاهدا ناسكا، متحرّيا في مأكله وملبسه، حسن الأخلاق، كثير التواضع، معظّما عند الخاصّة والعامّة. اجتهد في عمارة الجوامع والمساجد والزوايا بديار مصر حتى عمّر ما يزيد على ثلاثين موضعا. وله بمصر الفسطاط زاوية مشهورة. وصنّف في التصوّف تصانيف حسنة. وحدّث فسمع منه الجماعة. ومات بزاويته من خطّ قصر الشمع بمدينة مصر في يوم الأحد تاسع شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وستّمائة. ودفن من الغد بالقرافة الكبرى قريبا من شيخه أبي الحسن علي بن قفل. ٣٢٨٧ - الأقشتين القرطبيّ [- ٣٠٤] (٣) محمد بن موسى بن هاشم بن يزيد- عرف بالأقشتين- أبو عبد الله، الأندلسيّ، النحويّ، مولى المنذر. كان متصرّفا في علم الأدب، رحل إلى الشرق، ولقي أبا جعفر الدينوريّ، وانتسخ كتاب سيبويه من نسخته، وأخذه عنه رواية. وروى كتب ابن قتيبة عن إبراهيم بن موسى بن جميل الأندلسيّ، أخذها عنه بمصر. وله في الأدب كتب، منها: كتاب شواهد الحكم، وكتاب طبقات الكتّاب. وسمع بقيساريّة من عمرو بن ثور مسند الفريابيّ. توفّي في شهر رجب سنة أربع- وقيل: سبع- وثلاثمائة. ٣٢٨٨ - ابن وضّاح المرسيّ الراوية [- ٥٣٩] محمد بن موسى بن وضّاح، أبو عبد الله،

стр. 2663

القيسي، الراوية، العدل [١١٨ ب]، من أهل مرسية وسكن المريّة. وروى عن أبي محمّد بن عتّاب، وأبي عبد الله أحمد بن محمد الخولانيّ، وأبي علي [الحسين بن محمد] الصدفيّ، وأكثر عنه. ولقي في رحلته أبا بكر الطرطوشيّ، وأبا عبد الله الرازيّ، وكان فاضلا. توفّي بالمريّة في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ٣٢٨٩ - أبو بكر المأمونيّ المحدّث [٢٦٨ - ٣٤٢] محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين عبد الله المأمون، ابن هارون الرشيد، ابن محمد المهديّ، ابن أبي جعفر عبد الله المنصور، ابن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب، أبو بكر، الهاشميّ، العبّاسيّ، المأمونيّ، الفقيه، المحدّث. ولد بمكّة في ربيع الأوّل سنة ثمان وستّين ومائتين. روى عن عليّ بن عبد العزيز عن القعنبيّ، موطّأ مالك، وعن أبي بكر محمد بن جعفر ابن الإمام، وعن أبي عبد الرحمن النسائيّ، وجماعة. روى عنه أبو بكر (١) عبد الرحمن بن عمر ابن النحّاس، وأبو عبد الله ابن مندة، والوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، لمّا قدم إلى مصر. وكفّ بصره في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وكان ثقة نبيلا. توفّي في ذي الحجّة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وله تواليف، منها: فقه عبد الله بن عبّاس، مجرّدا على أبواب الفقه، في عشرين كتابا. ٣٢٩٠ - الملك الكامل الأيّوبيّ [٦٥٩ - ٦٩٢] [١١٩ أ] محمد بن موسى بن يوسف بن أقسيس بن محمد بن أبي بكر بن أيّوب بن شاذي، الملك الكامل، ناصر الدين، ابن الملك الأشرف مظفّر الدين، ابن الملك الناصر صلاح الدين، ابن الملك المسعود صلاح الدين، ابن الملك الكامل ناصر الدين، ابن الملك العادل سيف الدين، ابن نجم الدين، الأيّوبيّ. ولد بالكرك ليلة الأربعاء سادس عشر شوّال سنة تسع وخمسين وستّمائة. وتوفّي يوم الخميس خامس شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وستّمائة. ٣٢٩١ - أبو بكر صقلاب محمد بن موسى، أبو بكر، يلقّب صقلاب. كان مقبولا عند القاضي بكّار بن قتيبة وغيره من قضاة مصر. ٣٢٩٢ - أبو علي الواسطيّ [- ٣٢٠] محمد بن موسى، أبو عليّ، الواسطيّ، قاضي الرملة، قدم مصر. قال ابن يونس: كان من أهل العلم باللغة وتفسير القرآن. وكان من المتفقّهة على مذهب أهل الظاهر. وكان أهل مصر يرمونه بالقدر. توفّي بمصر في النصف من شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وثلاثمائة.

стр. 2664

٣٢٩٣ - محمد بن موسى المديني [- بعد ٢٣٠] قدم مصر. روى عن إبراهيم بن المنذر، وأحمد بن صالح، توفّي في عشر الثلاثين والمائتين. ٣٢٩٤ - النجم الخبوشانيّ الصوفيّ [٥١٠ - ٥٨٧] (١) [١٢٠ أ] محمد بن موفّق بن سعيد بن عليّ بن الحسن بن عبد الله، الشيخ الزاهد، نجم الدين، أبو البركات، ابن أبي المطهّر، الخبوشانيّ، التبريزيّ، الصوفيّ، الشافعيّ. مولده باستوا خبوشان في الثالث والعشرين من شهر رجب سنة عشر وخمسمائة. وتفقّه بنيسابور على محمد بن يحيى، وكان يقول: أصعد إلى مصر وأزيل ملك بني عبيد الكذّا [بين]. فقدم إلى مصر سنة خمس وستّين وخمسمائة، ونزل في بعض مساجدها. فاتّفق أنّ الخليفة العاضد لدين الله أبا محمّد عبد الله بن يوسف رأى في منامه أنّه بمدينة مصر، وقد خرج إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغه، فانتبه مذعورا، واستدعى عابر الرّؤيا وقصّ عليه ما رأى. فقال: ينال أمير المؤمنين مكروه من شخص مقيم بهذا المسجد. فألزم الوالي بإحضار من في المسجد، فمضى إليه وأحضر منه رجلا صوفيّا. فسأله العاضد من أين هو، ومتى قدم مصر، وفي أيّ شيء جاء! فأجابه عن ذلك، ولم يظهر للعاضد منه ما يريبه، بل تبيّن منه ضعف الحال مع الصدق، فدفع إليه مالا وقال له: يا شيخ، ادع لنا- وخلّاه لسبيله، فعاد إلى مسجده. ولم يزل به حتى قدم شير كوه من دمشق، وقام في وزارة العاضد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب وشرع في إزالة الدولة. [ف] ستفتى فقهاء مصر فكان أشدّهم مبالغة في الفتيا، وعدّد مساويء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال القول في الحطّ عليهم. وعند ما عزم صلاح الدين على قطع اسم العاضد من الخطبة لم يتجاسر أحد أن يأمر الخطيب بذلك، إلّا الخبوشانيّ، فإنّه قام يوم جمعة، وفي [١٢٠ ب] يده جريدة وأمر الخطيب بقطع اسم العاضد، وانقطع اسمه من يومئذ، وصدقت رؤيا العاضد. فلمّا استبدّ السلطان صلاح الدين بمملكة مصر، قرّبه وأكرمه، وبالغ في اعتقاد دينه وعلمه. فأشار على السلطان بعمارة المدرسة بجوار قبر الإمام الشافعيّ فامتثل ذلك. وتبتّل الخبوشانيّ بعمارتها حتّى كملت، ودرّس بها وسكن فيها إلى أن مات هناك في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ودفن تحت رجلي الشافعيّ. ولم يأكل من وقف المدرسة شيئا قطّ، ولا أخذ من مال الملوك شيئا. ودفن في الكساء الذي صحبه من خبوشان. وكان بمصر تاجر من بلده يأكل من ماله. وحدّث عن أبي الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد، ابن الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ، وكان فاضلا ديّنا سليم الباطن، معرضا عن معرفة الأحوال الدنيويّة، شديد الورع، فقيها، يستحضر كتاب المحيط في شرح الوسيط. وذكر عنه أنّه عدم مرّة فأملاه من حفظه. وصنّف كتابا في الفقه سمّاه

стр. 2665

«تحقيق المحيط» في ستّة عشر مجلّدا. وخبوشان- بضم الخاء المعجمة والباء الموحّدة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، ثمّ ألف بعدها نون- بليدة بناحية نيسابور. وكان من ورعه إذا ركب الحمار يجعل تحته أكسية لئلّا يصل إليه عرقه. وأتاه السلطان الملك العزيز عثمان، فصافحه. فاستدعى ماء وغسل يديه وقال: يا ولدي أنت تمسك العنان ولا يتوقّى الغلمان النجاسة. اغسل وجهك فإنّك بعد المصافحة لمست وجهك. فقال: نعم، وغسل وجهه. ولمّا خرج السلطان صلاح الدين إلى القريع قرب الرملة، جاء إلى الخبوشانيّ ليودّعه. فالتمس منه أمورا من المكوس ليسقطها [١٢١ أ] عن الناس، فلم يفعل، فقال له: قم، لا نصرك الله! وكن بغضا! فوقعت قلنسوة السلطان عن رأسه، فرجع السلطان، ثمّ توجّه إلى الحرب فانكسر. وعاد إلى الشيخ وظنّ أنّ ذلك بدعوته وأذعن لكلامه. وكان لتقيّ الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين مواضع يباع فيه المزر. فكتب الشيخ ورقة إلى السلطان قال فيها: إنّ هذا عمر- لا جبره الله! - يبيع المزر. فسيّرها إلى عمر وقال: لا طاقة لنا بهذا الشيخ، فأرضه! فركب إليه، فقال له حاجبه: قف بباب المدرسة حتى أسبقك إليه وأوطّئ لك. ثمّ دخل وقال: تقيّ الدين يسلّم عليك. فقال: بل شقيّ الدين، لا سلّم الله عليك! فقال: إنّه يعتذر ويقول: ليس لي موضع يباع فيه المزر. فقال: كذب. فقال: إن كان هناك موضع مزر فأرنا. فقال: ادن! - فأمسك ذؤابتيه وجعل يلطم وجهه، ويضربه (١) ويقول: لست مزّارا، فأعرف مواضع المزر! - ثمّ تركه. وخرج إلى تقيّ الدين فقال: فديتك بنفسي! (٢) وأتاه القاضي الفاضل يوما وهو يلقي الدرس على كرسيّ ضيّق، فجلس على طرفه، وجنبه إلى قبر الشافعي، فصاح به: قم! ظهرك إلى الإمام! فقال: إن كنت مستدبره بقالبي، فأنا مستقبله بقلبي. فصاح فيه وقال: ما تعبّدنا بهذا. فخرج وهو لا يعقل. ويقال: إنّه كان يصرّح بسبّ الدولة المصريّة قبل انقراضها، فبعثوا إليه بأربعة آلاف دينار. فنهض إلى الذي أحضرها، وهو بذاك الزيّ الهائل وقال له [١٢١ ب] وقد اشتدّ غضبه: ويلك، ما هذه البدعة؟ فألقى إليه ما معه بين يديه، فضربه على رأسه حتى تحلّقت عمامته في حلقه (٣) وأنزله ورمى بالدنانير على رأسه وسبّ أهل القصر. ٣٢٩٥ - ابن بارزين الحمويّ [٦١٣ - ٧٠٢] (٤) [١٢٢ أ] محمد بن مرشد بن هبة الله بن [ ... ]، شرف الدين، أبو الحزم، ابن أبي سلامة، ابن أبي المعالي، المعروف بابن بارزين، الجهنيّ، الحمويّ.
следующие страницы →