عبادة، ويحيى بن أبي بكر الكرمانيّ، وبشر بن الحارث الحافيّ، وغيره.
روى عنه ابن ماجة في كتاب التفسير، وأبو بكر ابن أبي الدنيا، وأبو القاسم البغويّ، وابن أبي حاتم، وجماعة. قال ابن أبي حاتم: صدوق.
وقال الدارقطنيّ (١): ثقة.
مات في شوّال سنة ثمان وخمسين ومائتين.
٣٤٥٠ - محمد بن هارون العبّاسيّ صاحب الصلاة [- ٣٢٠]
محمد بن هارون بن محمّد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، أبو عبد الله، العبّاسيّ.
[سمع] عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل الصائغ.
وعبد الله ابن أبي مسرّة، وجماعة من أهل مكّة، وحدّث عن أبيه هارون صاحب صلاة الموسم بكتابه في أخبار دولة بني العبّاس.
وكان مولده بمكّة وكان صاحب الصلاة بمصر.
توفّي سنة عشرين وثلاثمائة.
٣٤٥١ - أبو عبد الله ابن هارون المؤدّب [- ٢٨٧]
محمد بن هارون بن بكر بن عثمان، المؤدّب، أبو عبد الله.
توفّي سنة سبع وثمانين ومائتين.
ذكره ابن يونس.
٣٤٥٢ - أبو بكر ابن البرقيّ [- ٢٩٧]
محمد بن هارون بن حسّان بن فروة، أبو بكر،
الأزديّ، يعرف بابن البرقيّ.
قال ابن يونس: ثقة. حدّث بمصر عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. وروى عن محمد بن الوليد بن أبان (٢)، وأحمد بن يحيى الوزير، وعبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، وأحمد بن سعيد بن بشر، وعبد الوهّاب بن فليح المكّيّ، ووهب الله بن رزق الله.
روى عنه أبو سعيد بن يونس، وأبو عليّ محمد بن هارون بن شعيب، وأبو أحمد بن عديّ.
قال فيه ابن يونس: كان نعم الرجل!
توفّي في شوّال سنة سبع- وقيل: تسع- وتسعين ومائتين.
٣٤٥٣ - أبو الطاهر العدويّ [- ٣١٩]
محمد بن هارون بن داود ابن أبي طيبة، أبو الطاهر، العدويّ.
توفّي في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وثلاثمائة، قاله ابن يونس.
٣٤٥٤ - أبو عليّ القينيّ [٢٧٦ - ٣٥٣] (٣)
محمد بن هارون بن شعيب بن عبد الله بن عبد الواحد- ويقال: محمد بن هارون بن شعيب بن علقمة بن سعد بن مالك، ويقال:
محمد بن هارون بن شعيب [١٧٦ ب] بن حسّان بن حكيم بن علقمة- بن سعد بن معاذ، أبو عليّ،
стр. 2732
الأنصاريّ. وبعضهم يقول: الأنسيّ، الثّماميّ، القينيّ، من سكان قينية خارج باب الجابية.
رحل في طلب الحديث، فسمع بمصر وأصبهان والعراق والشام، وجمع وصنّف. روى عن أبي زيد عبد الرحمن بن حاتم المراديّ المصريّ، وأبي علاثة محمد بن عمرو بن خالد، وعبد الله بن منصور الصبّاغ، وبكر بن سهل، ونصر بن قتيبة، ومحمد بن أحمد بن لبيد البيروتيّ، ومحمد بن يحيى بن مندة، وعبد الله بن وهب، وأحمد بن حمّاد زغبة، وخلق.
روى عنه تمّام الرازيّ، وأبو عبد الله ابن مندة في آخرين.
ولد بدمشق في شهر رمضان سنة ستّ وسبعين (١) ومائتين.
وتوفّي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وكان يتّهم.
والثماميّ بضم الثاء المثلّثة، من ولد ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك.
٣٤٥٥ - أبو هارون العتقيّ الأندلسيّ [- ٣٠٦] (٢)
محمد بن هارون بن عبد الرحمن بن الفضل بن عميرة- بفتح العين المهملة وكسر الميم- أبو هارون، العتقيّ، الأندلسيّ، التدميريّ، من أهل تدمير.
سمع بمصر من أبي يزيد القراطيسيّ، وإبراهيم بن موسى بن جميل. وبالقيروان من فرات بن محمد العبديّ.
ومات بالأندلس في [شهر] رمضان سنة ستّ وثلاثمائة.
٣٤٥٦ - أبو جعفر مماس [- ٣٢٤]
محمد بن هارون- يعرف بمماس- أبو جعفر، كوفيّ.
يروى عن المصريّين: الربيع بن سليمان، وعليّ بن المغيرة، وإبراهيم بن مرزوق.
توفّي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
٣٤٥٧ - أبو الحسن ابن مجمع المصيصيّ [- نحو ٣٠٠] (٣)
محمد بن هارون بن مجمع، أبو الحسن، المصيصيّ.
سمع بمصر من الربيع بن سليمان، وابن أخي ابن وهب، وبدمشق هشام بن عمّار، وهشام بن خالد الأزرق، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقيّ، وبغيرها محمد بن قدامة الجوهريّ، وهارون بن زياد المصيصيّ، وعمرو بن يزيد الساوي (٤). وروى عن يونس بن عبد الأعلى.
روى عنه أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقّاق، وأبو بكر [محمد بن عمر] الجعابيّ، وغيره.
قال الخطيب: كان ثقة صالحا، معروفا بالخير.
٣٤٥٨ - محمد بن هارون الرويانيّ [- ٣٠٧] (٥)
محمد بن هارون الآمليّ، الرويانيّ، أحد
стр. 2733
الأربعة الذين جمعتهم الرحلة بمصر (١).
سمع بمصر من عليّ بن شيبة، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان. روى عنه أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب.
٣٤٥٩ - محيي الدين ابن هارون السلاويّ [- نحو ٦٥٠]
[١٧٧ أ] محمد بن هارون، أبو عبد الله، محيي الدين، السلاويّ.
صحب جماعة من الصالحين، وخدم كثيرا من المشايخ. وحدّث بسفط ميدوم من ديار مصر، عن الإمام بهاء الدين أبي الحسن عليّ بن هبة الله بن الجمّيزى (٢).
٣٤٦٠ - محمد بن هارون الشاعر [- بعد ٣٥٨]
مدح القائد جوهر في يوم العيد سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فأجازه.
٣٤٦١ - أبو الحسن محمد بن هاشم المصريّ [- نحو ٣٧٠]
[١٧٧ ب] حكى عن النسائيّ. روى عنه أبو الحسن عليّ بن محمد القابسيّ (٣). وكان من علماء الناس وخيارهم.
٣٤٦٢ - محمد بن أبي هاشم، أبو بكر، المصريّ
قال المرزبانيّ: أحد شيوخ مصر وصلحائها.
وهو القائل في زوجته [المجتثّ]:
ما أبالي ما سما قوّة ... طلاقها لي مروّة (٤)
من بعد ستّين عاما ... صارت تعاطى الفتوّة
وأنشدتها عجوز ... بمصر يا مشنوّة
كأنّما شفتاها ... مباعر محشوّة
٣٤٦٣ - المعتصم العباسيّ [١٧٨ - ٢٢٧] (٥)
[١٧٨ أ] محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، الخليفة أمير المؤمنين، أبو إسحاق، المعتصم بالله، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر الرشيد، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي عبد الله المهديّ، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر الهادي، العبّاسيّ، المعروف بالمثمّن، ثامن خلفاء بني العبّاس.
أمّه أمّ ولد تسمّى ماردة، من مولّدات الكوفة.
كانت أمّها صغديّة. ونشأ أبوها بالبندنيجين (٦).
ماتت فلم تدرك خلافته.
ولد بالخلد من بغداد يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة. وقيل: ولد في شهر
стр. 2734
رمضان منها. وقيل: ولد في سنة ثمان وسبعين، والأوّل أصحّ.
وحدّث عن أبيه الرشيد، وأخيه المأمون. روى عنه إسحاق بن يحيى بن معاذ بن سالم بن دمق، وإسحاق بن إبراهيم الموصليّ، وغيره.
وحجّ بالناس سنة مائتين، ومعه جماعة من القوّاد. وكان قد ثار بمكّة محمد بن جعفر الصادق، والحسن بن الحسن الأفطس، فظهر عليهما وبعث بهما إلى المأمون.
[ولايته على مصر]
وعقد له أخوه أمير المؤمنين أبو العبّاس عبد الله المأمون على الشام ومصر وأعمال المغرب، عوضا عن عبد الله بن طاهر، في يوم السبت لتسع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وعقد فيه لولده العبّاس ابن المأمون على الجزيرة والثغور والعواصم. وأمر لكلّ من العبّاس، وأبي إسحاق، وعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم.
فبعث أبو إسحاق إلى مصر بأبي الخير بشر بن برد رسولا بولايته، فقدمها يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ذي القعدة [سنة ٢١٣]، وأقرّ عيسى بنيزيد الجلودي عامل عبد الله بن طاهر على الصلاة فقط، وجعل على الخراج بمصر صالح بن شيرزاد، فظلم صالح الناس وزاد عليهم في خراجهم، فانتقض أسفل الأرض وعسكروا.
فبعث الجلوديّ بابنه محمد بن عيسى في جيش لقتال أهل الحوف. فحاربوه على بلبيس وهزموه، فنجا ولم يفلت من أصحابه أحد، وذلك في صفر سنة أربع عشرة [ومائتين].
فولّى أبو إسحاق على مصر عمير بن الوليد التميميّ، وورد كتابه بذلك يوم الأحد لسبع عشرة خلت من صفر، فاستعدّ لحرب أهل الحوف.
وخرج لستّ عشرة خلت من شهر ربيع الآخر وقاتلهم فهزمهم، وقتل كثيرا منهم وتبعهم. فخرج عليه كمينهم فقتلوه.
فولّى أبو إسحاق عيسى الجلوديّ عوض عمير على الصلاة، فسار إلى أهل الحوف وواقعهم بمنية مطر. فمضوا عنه وهو يتبعهم. فلمّا كرّوا عليه رجع منهزما إلى الفسطاط، وأحرق ثقله وخندق على المدينة في رابع شهر رجب.
[نزوله إلى مصر لقتال الأعراب بالحوف]
فأقبل أبو إسحاق سائرا من بغداد إلى مصر في أربعة آلاف من أتراكه. فلم يشعر أهل الحوف إلّا بنزوله بين أظهرهم. وكان على اليمانيّة عبد السلام بن [١٧٨ ب] أبي الماضي، وعلى قيس عبد الله بن حليس الهلاليّ، فراسلهم أبو إسحاق ودعاهم إلى الطاعة فامتنعوا عليه، فقاتلهم يوم السبت لعشر بقين من شعبان فهزمهم. ونزل بلبيس يوم الأحد لتسع بقين منه. وبعث في طلب عبد الله بن حليس، وعبد السلام ابن أبي الماضي، فأتي بهما مستهلّ شهر رمضان، فقيّدهما وسجنهما، ثمّ أقامهما للناس وسار إلى الفسطاط، فدخلها يوم الخميس لثمان خلون من شوّال [سنة ٢١٤]، ثمّ خرج إلى الجيزة فدعا بابن حليس وعبد السلام فضرب أعناقهما وصلبهما يوم الاثنين لثنتي عشرة بقيت من ذي الحجّة. وسار متوجّها إلى الشام لغرّة المحرّم سنة خمس عشرة ومائتين في أتراكه ومجمع من الأسارى.
فلقي أبو إسحاق أمير المؤمنين المأمون، وقد خرج من بغداد يريد غزو الروم، فاجتمع به قبل دخوله الموصل فدخل معه إلى الروم وسار إلى
стр. 2735
[ ... ] ثمّ عاد إلى بلاد الروم في سنة ستّ عشرة بأبي إسحاق فأخذ حصنا، وأتى مصر في حرّ شديد (١).
وولّى على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء، وخرج عليه ناس من لخم بالحوف وحاربوه في شعبان، فقاتلهم عيسى بن منصور الرافقيّ والي الحوف فظفر بهم.
[تكليفه الأفشين بقتال ثوّار برقة والصعيد]
ثمّ قدم الأفشين- واسمه خيذر بن كاوس الصغديّ- ومعه عليّ بن عبد العزيز الحبرويّ في ثالث ذي الحجّة فقتله يوم الأضحى، وصرف عبدويه، وخرج إلى برقة، وولّى عيسى بن منصور الرافقيّ، فانتقضت أسفل الأرض كلّها عربها وقبطها في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة [ومائتين]، وأخرجوا العمّال وخلعوا الطاعة.
وكان ذلك لسوء سيرة العمّال فيهم، فقدم الأفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة فأقام بالفسطاط لأنّ النيل كان في مدّه.
ثمّ خرج ومعه عيسى بن منصور في شوّال فحاربا القوم بناحية اشليم، وقد عقدوا عليهم لابن عبيدس الفهريّ فهزموا، وأسر منهم كثير، ومضى الأفشين في إثرهم يقتلهم. وبعث عبيد الله بن يزيد بن مزيد فقاتلهم فهزموه إلى الإسكندريّة فحصروه بها. وقاتل طائفة منهم الأفشين بمحلّة أبي الهيثم (٢) فظفر بهم وقتل كبيرهم أبا ثور اللخميّ، ومضى إلى دميرة، فحاربهم في ذي القعدة فظفر بهم. وقاتل عيسى بن منصور أهل تمى وهزمهم، فمضى الأفشين إلى الإسكندريّة
وقاتل بني مدلج بخربتا وهزمهم. ثمّ واقع آخرين وقتل وأسر حتّى دخل الإسكندريّة وقد فرّ منه رؤساء القوم. ثمّ خرج منها إلى أهل البشرود (٣) فواقفهم حتى قدم أمير المؤمنين المأمون، ومعه أخوه الأمير أبو إسحاق لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة. فسخط على عيسى بن منصور كما ذكر في ترجمته (٤) وأوقع بأهل الصعيد وبأهل البشرود (٥)، حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال، فقتل الرجال وباع النساء والأطفال [١٧٩ أ] وسبى أكثرهم. وتتبّع أهل الخلاف فقتل كثيرا. ثمّ سار عن مصر لثماني عشرة من صفر وولّى علىمصر كيذر بن نصر (٦).
[امتحان أهل مصر بخلق القرآن]
فورد كتاب أبي إسحاق على كيذر بأخذ الناس بالمحنة في جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة [ومائتين]، والقاضي يومئذ بمصر هارون بن عبد الله الزهريّ، فأخذ كيذر بذلك فأجاب بخلق القرآن. وأخذ الشهود به فأجابوا، فمن وقف منهم سقطت شهادته. وأخذ بها القضاة والمحدّثون والمؤذّنون. وكان الناس على ذلك إلى أن قام المتوكّل سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، مدّة أربع عشرة سنة.
ثمّ عزل المأمون أخاه أبا إسحاق عن مصر من أجل أنّ يحيى بن أكثم القاضي وشى به.
ولم يزل أبو إسحاق مع أخيه المأمون إلى أن مرض المأمون بالبذنون على طريق طرسوس، فعهد إليه لرؤيا رآها من النبيّ ﷺ ، وأمر أن تكتب
стр. 2736
إلى البلاد الكتب: «من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق ابن هارون الرشيد». وأوصى إلى أبي إسحاق بحضرة ابنه العبّاس وبحضرة الفقهاء والقضاة والقوّاد بوصيّة قد ذكرت في ترجمته (١)، ثمّ دعا بأبي إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ الوجع وأحسّ مجيء أمر الله، فقال: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه، وذمّة رسول الله ﷺ لتقومنّ بحقّ الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعة الله على معصيته، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك.
[وصيّة المأمون له بالرفق بالعلويّين]
قال: اللهمّ نعم.
قال: هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فأحسن محبّتهم وتجاوز عن مسيئهم واقبل من محسنهم، ولا تغفل عن صلاتهم في كلّ سنة عند محلّها، فإنّ حقوقهم تجب من جهات شتّى. اتّقوا الله ربّكم حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون. اتّقوا الله واعملوا له، اتّقوا الله في أموركم كلّها. أستودعكم الله نفسي، أستغفر الله ممّا سلف منّي، إنّه كان غفّارا، فإنّه ليعلم ندمي على ذنوبي، فعليه توكّلت من عظيمها وإليه أنيب، ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، حسبي الله ونعم الوكيل، وصلّى على محمّد نبيّ الهدى.
فلمّا مات المأمون، حمله ابنه العبّاس وأخوه أبو إسحاق إلى طرسوس، فصلّى عليه أبو إسحاق ودفناه بها. وكان قد بويع أبو إسحاق بعد موت أخيه عند ليلة الجمعة لثنتي عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين عند المغرب.
وتلقّب بالمعتصم بالله، وهو أوّل خليفة أضيف إلى
لقبه اسم الله تعالى. ومن العجب أنّ الرشيد كان أخرج المعتصم من الخلافة وحوّلها إلى الأمين والمأمون والمؤتمن، فآلت الخلافة إلى المعتصم، وجعل الخلفاء من ولده، فلم يكن من أمسك أوّل خلافة قطّ (٢).
فلمّا بويع له غضب الجند ونادوا باسم العبّاس ابن المأمون. فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه، ثمّ خرج إلى الجند فقال (٣): ما هذا الحبّ البارد؟ قد بايعت عمّي.- فسكتوا، وأمر المعتصم بخراب ما كان [١٧٩ ب] المأمون أمر ببنائه من طوانة (٤) وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها، وأحرق الباقي، وأعاد الناس الذين جمعهم المأمون لغزو الروم، وردّهم إلى بلادهم، وانصرف إلى بغداد، ومعه العبّاس ابن المأمون، من غير بيعته- وقيل: يوم واحد وعشرين [شهر] رجب- فدخلها يوم السبت غرّة شهر رمضان، وهو راكب على بغل كميت بسرج مكشوف وعليه قلنسوة لاطئة (٥)، وسيف بمعاليق حتى عبر الجسر ودخل الدار التي كان ينزلها المأمون، وأحمد ابن أبي دؤاد يسايره، وهو مقبل عليه ما يساير غيره.
وصلّى أوّل جمعة من شهر رمضان بالرصافة.
وجلس للناس قبل ذلك يوم الاثنين للمظالم.
[إسقاطه عرب مصر من العطاء]
وقدم كتابه على كيذر بمصر بعد بيعته بها يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب وقطع العطاء عنهم. ففعل ذلك كيذر، فخرج عند ذلك يحيى ابن الوزير الجرويّ في جمع من لخم وجذام،
стр. 2737
وقال: هذا أمر لا نقوم في أفضل منه، لأنّا منعنا حقّنا وفيئنا.- فاجتمع إليه نحو خمسمائة رجل، ومات كيذر في ربيع الآخر سنة تسع عشرة [ومائتين]، وولي بعده مصر ابنه المظفّر بن كيذر، فخرج إلى يحيى وقاتله في تنيس وأسره في جمادى الآخرة.
وقام محمد بن القاسم بن عمر بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرّضا من آل محمّد، فاجتمع عليه الناس، وحارب قوّاد عبد الله بن طاهر مرّات، فأخذ وحمل إلى المعتصم. فقدم عليه للنصف من ربيع الأوّل، فحبسه عند مسرور الخادم الكبير، ووكّل به قوما. ففقد ليلة الفطر وجعل لمن دلّ عليه مائة ألف درهم فلم يعرف له خبر.
وبعث المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الآخرة لحرب الزطّ وقد غلبوا على طريق البصرة وكثر عيثهم، فأسر منهم خمسمائة رجل، وقتل في المعركة ثلاثمائة رجل، وضرب أعناق الأسرى، وبعث بالرءوس إلى بغداد، وأقام بإزائهم سبعة أشهر.
[محنة ابن حنبل]
وفيها امتحن المعتصم الإمام أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بأن يقول: القرآن مخلوق- فلم يجب إلى القول بخلقه. وكان المأمون قد امتحن الناس بذلك- وطلب الإمام أحمد، وأمر بحمله إلى طرسوس، فحمل ومحمد بن نوح مقيّدين زميلين من بغداد إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون فردّا في قيودهما، فمات محمد بن نوح بعانات، وصار أحمد إلى بغداد وهو مقيّد، فمكث في السجن ثمانية وعشرين شهرا. ثمّ أحضر إلى المعتصم فكلّمه في القول بخلق القرآن فأبى فخلع وسحب.
[١٨٠ ب] وقال: أنا علمت علما ولم أعلم فيه بهذا (١).
فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه، منهم عبد الرحمن بن إسحاق وغيره. فامتنع من القول، فقال إسحاق بن إبراهيم: ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته!
فقال له: شأنك!
فقال له إسحاق: هذا العلم الذي علمته نزل عليك به ملك أو علمته من الرجال؟
قال: بل علمته شيئا بعد شيء.
قال: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟
قال: بقي عليّ.
قال: فهذا ممّا لم تعلمه، وقد علّمكه أمير المؤمنين.
فاستدلّ أحمد بقول الله تعالى: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣].
فقال: إن يكن القول من الله، فالقرآن كلام الله تعالى، فقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] قد فرّق بين الخلق والأمر.
وقال أيضا: أسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق، فهو كافر.
ومن زعم أنّ أسماء الله مخلوقة فقد كفر.
واستدلّ أيضا بقوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]، فلو كان قوله: «كن» مخلوقا، لاحتاج إلى قول آخر، وذلك القول إلى آخر [١٨٠ ب] فيتسلسل ولا يتحصّل.
وكان يقول: أعطوني آية من كتاب الله تعالى أو
стр. 2738
سنّة عن رسول الله ﷺ حتّى آخذ بها!
فقال له القاضي أحمد بن أبي دؤاد: ما تقول في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]؟
قال أحمد: الجعل في القرآن على وجوه، وههنا ليس معناه الخلق، وإنّما معناه: أنزلنا بلسان العرب. قال الله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزهر: ٢٨]، قال ابن عبّاس: غير مخلوق، وقال تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٥].
وطال الكلام بينه وبينهم في ذلك، فلمّا لم يرجع إلى قولهم أنّ القرآن مخلوق، أمر به فخلع (١) وسحب [١٨١ أ]، وجيء بعقّافتين من خشب فأقيم بينهما فتخلّعت يداه، ثمّ قال المعتصم للجلّادين: تقدّموا.
فنظر إلى السياط: ائتوا بغيرها.
ثمّ قال: تقدّموا.
فقال لأحدهم: ائذه! أوجع، قطع الله يدك!
فتقدّم فضربه سوطين ثمّ تنحّى. فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد فيضرب سوطين ثمّ يتنحّى، ثمّ جاء وهم محدقون به فقال: ويحك، يا أحمد، ارحم نفسك! أجبني حتى أطلق عنك بيدي!
فجعل بعضهم يقول: ويحك، إمامك على رأسك- وجعل عجيف ينخسه بقائم سيفه ويقول:
تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم! - وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك، الخليفة على رأسك!
فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي!
فرجع المعتصم فجلس على الكرسيّ ثمّ قال للجلّاد: ادنه! شدّ، قطع الله يدك! - ثمّ لم يزل يدعو بجلّاد بعد آخر فيضربه سوطين ويتنحّى، وهو يقول له: شدّ قطع الله يدك! - ثمّ قام إليه ثانيا فجعل يقول: يا أحمد، أجبني! - فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لأحمد: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة، وابن أبي إسرائيل- وعدّد من أجاب- والمعتصم يقول:
ويحك، أجبني! - فجعل أحمد يقول نحوا ممّا كان يقوله لهم. فرجع المعتصم فجلس وقال للجلّاد: شدّ، قطع الله يدك! (قال الإمام أحمد):
فذهب عقلي وما عقلت إلّا وأنا في حجرة مطلق عنّي الأقياد- وكان يوم ضرب مقيّدا بأربعة أقياد.
ثمّ وجّه المعتصم برجل يعالجه، فنظر إليه فقال: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربا أشدّ من هذا- ثمّ جاء بحديدة وسكّين، فجعل يقطع اللحم بها، وأحمد صابر بحمد الله. فلم يزل مسجونا من خلافة المعتصم وابنه الواثق هارون حتى أخرجه المتوكّل على الله أبو الفضل جعفرابن المعتصم في [ ... ] (٢)
[فتنة بابك الخرّميّ]
وقدم إلى بغداد في جمادى الأولى إسحاق بن إبراهيم، ومعه من أسرى بابك الخرّميّ خلق كثير بعد أن قتل منهم نحوا من مائة ألف، سوى النساء والصّبيان.
وكان من خبر بابك هذا أنّه تحرّك في الجاويذانيّة أصحاب جاويذان بن سهل صاحب البذّ سنة إحدى ومائتين (٣)، وادّعى أنّ روح
стр. 2739
جاويذان حلّت فيه وأخذ يعيث ويفسد، ويظهر مقالات المجوس، ويصرّح بتناسخ الأرواح، وأنّها تنتقل من حيوان إلى غيره، وأباح نكاح الأمّ والبنت والأخت وكانت بينه وبين عساكر المأمون حروب عظيمة، إلى أن بويع المعتصم. فوجّه إليه أبا سعيد محمّد بن يوسف، وقتل في حروبه من أصحاب بابك وأسر عددا كبيرا، فكانت هذه أوّل هزيمة على أصحاب بابك. ثمّ كانت الأخرى لمحمّد بن البعيث.
وفي سنة عشرين دخل عجيف بالزطّ إلى بغداد، بعد ما ضيّق عليهم وقاتلهم حتى خرجوا إليه بأمان [١٨١ ب]، وعدّتهم اثنا عشر ألف مقاتل، ولهم من النساء والصبيان خمسة عشر ألفا، فعبّأهم في السفن على هيئتهم في الحرب، معهم البوقات حتى دخل بهم على المعتصم يوم عاشوراء، والمعتصم في سفينة ينظر إليهم، فمرّوا به على تعبئتهم، وهم ينفخون في البوقات، فأقاموا في سفنهم ثلاثة أيّام. ثمّ نقلوا إلى عين زربة فأغارت الروم عليهم بعد ذلك، فلم يفلت منهم أحد.
وعقد المعتصم للأفشين، واسمه خيذر بن كاوس الصغديّ، ووجّهه إلى حرب بابك، فسار إليه وقاتله. فقتل من أصحابه خلقا كثيرا. وفرّ بابك في نفر يسير إلى موقان، ثمّ رحل إلى البذّ (١). وأقام الأفشين معسكرا بموضعه.
[بناء سامرّا]
ثمّ خرج المعتصم إلى بناء سامرّا، وسبب ذلك أنّه لمّا قدم بغداد منصرفه من طرسوس، أقام بها سنة ثماني عشرة وتسع عشرة وعشرين، وكان معه خلق من الأتراك، فكان أولئك الأتراك العجم إذا
ركبوا الدوابّ ركضوا فيصدمون الناس يمينا وشمالا، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا وتذهب دماؤهم هدرا لا يقدرون على من فعل ذلك. فثقل ذلك على المعتصم وعزم على الخروج من بغداد فخرج إلى الشمّاسيّة، وهو موضع كان المأمون يخرج إليه فيقيم به الأيّام والشهور. فقدّر أن يبني بها مدينة، فضاقت عليه أرض ذلك الموضع، وكره أيضا قربها من بغداد، فمضى إلى البردان (٢)، بمشورة وزيره إذ ذاك، الفضل بن مروان، وذلك في سنة إحدى وعشرين، فأقام به أيّاما وأحضر المهندسين، ثم لم يرض الموضع فسار إلى باحمشا (٣)، من الجانب الشرقيّ من دجلة فقدّر هناك مدينة وطلب موضعا يحفر فيه نهرا فلم يجده، فنفذ إلى المطيرة فأقام بها مدّة، ثمّ مرّ إلى القاطول للنصف من ذي القعدة، فقال: هذا أصلح المواضع.
فسيّر النهر المعروف بالقاطول، وبسط المدينة، فابتدأ البناء وأقطع الكتّاب والقوّاد والناس وابتدأ حتّى ارتفع البناء وأحيطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة. وسكن هو في بعض ما بني له، وسكن بعض الناس أيضا.
ثمّ قال: إنّ أرض القاطول غير طائلة، إنّما هي حصى وأفهاد والبناء بها صعب جدّا، وليس لأرضها سعة. ثمّ ركب متصيّدا فمرّ على موضع سرّ من رأى، وهي صحراء من الأرض لا عمارة بها ولا أنيس فيها إلّا دير [ا] للنّصارى. فوقف بالدير وعلم من فيه من الرهبان به فأتوا إليه فقال:
ما اسم هذا الموضع؟
فقال بعض الرهبان: نجد في كتبنا المتقدّمة أنّ هذا موضع يسمّى [١٨٢ أ]، سرّ من رأى، وأنّه كان
стр. 2740
مدينة سام بن نوح، وأنّه سيعمر بعد الدهور على يدي ملك جليل مظفّر منصور له أصحاب كأنّ وجوههم وجوه طير الفلاة، ينزلها وينزلها ولده.
فقال: أنا والله أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي.
ولقد أمر الرشيد يوما أن يخرج ولده إلى الصيد، فخرجت مع محمد والمأمون وأكابر ولد الرشيد، فاصطاد كلّ واحد منّا صيدا، واصطدت بومة. ثمّ انصرفنا وعرضنا صيدنا عليه، فجعل من كان معنا من الخدم يقول: هذا صيد فلان، وهذا صيد فلان- حتى عرض عليه صيدي، فلمّا رأى البومة، وقد كان الخدم أشفقوا من عرضها لئلّا يتطيّر بها أو ينالني منه غلظة، فقال: من صاد هذه؟ فقالوا: أبو إسحاق، فاستبشر وضحك وأظهر السرور، ثمّ قال: أما إنّه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبني مدينة قديمة وينزلها بهؤلاء القوم، ثمّ ينزلها ولده بعده- وما سرّ الرشيد [بشيء من الصيد كما سرّ بصيدي لتلك البومة]، ثمّ عزم المعتصم على أن ينزل بذلك الموضع.
فأحضر محمد بن عبد الملك الزيّات، وأحمد ابن أبي دؤاد، وعمر بن الفرج، وأحمد بن خالد المعروف بابن الوزير، وقال لهم: اشتروا من أصحاب هذا الدير هذه الأرض، وادفعوا إليهم ثمنها أربعة آلاف دينار. ففعلوا ذلك، ثمّ أحضر المهندسين واختار مواضع القصور. ثمّ خطّ القطائع للقوّاد والكتّاب والناس، وخطّ المسجد الجامع، واختطّ الأسواق، وجعل بناءها على هيئة بناء بغداد، وجعل فيها الكرخ والدور كما في بغداد.
وكان اسم سرّ من رأى في الكتب المتقدّمة «زوراء بني العبّاس». ويصدّق ذلك أنّ قبل مساجدها كلّها مورّبة (١)، فيها ازورار، ليس بها قبلة مستوية.
ويقال: إنّه أنفق على جامعها فوق الخمسمائة ألف درهم، وقيل: إنّما سمّيت «سرّ من رأى» لأنّه لمّا انتقل بجملته وعسكره إليها سرّ كلّ منهم برؤيتها، فقيل فيها: سرّ من رأى- ولزمها هذا الاسم. والمسمّى بالجملة عند النحويّين يحكى على صيغته الأصليّة من غير تحريف فيها ولا تغيير لها. وقد غيّرتها العامّة فقالوا: سامرّا. وقد سمّيت أيضا بالعسكر لنزول العسكر بها.
وقيل: كان السبب في بنائها أنّ العامّة شكوا من الجند والنزول عليهم في المساكن والتعرّض [١٨٢ ب] بهم، فقال له بعض صلحاء المحدّثين: يا أمير المؤمنين، إنّي لا آمن عليك أن تقاتلك العامّة.
فقال: وبم تقاتلني العامّة؟ ومن يجمعها على ذلك، وأنا في هذا العسكر العظيم؟
فقال: يقاتلون بقيام الليل ورفع الأيدي إلى الله تعالى في المساجد.
فركب في الحال وتخيّر موضع سرّ من رأى على شاطئ دجلة فبنيت في أسرع وقت- على كبرها- وارتحل إليها. وقال لذلك المحدّث: قد تركنا قتال العامّة، فكيف هم اليوم؟
فقال: يا أمير المؤمنين، هم بأيد مبسوطة إلى الله تعالى بالدعاء لك، وبنيّات خالصة، وطاعة صافية، رغبة إلى الله تعالى في دوام دولتك.
وقيل: كان سبب بنائه ذلك أنّه قال: إنّي ههنا أتخوّف الخرّميّة- يعني أصحاب بابك الخرّميّ- أن يصيحوا بي صيحة فيقتلون غلماني. وأريد [أن] أكون فوقهم، فإن رابني منهم شيء أتيتهم في البرّ
стр. 2741
والماء حتى آتي عليهم.- فخرج إليها فأعجبه مكانها.
وقيل: بل كان سبب بنائها أنّه لمّا كثر تأذّي أهل بغداد بعساكره ركب يوما، فقام إليه شيخ فقال:
يا أبا إسحاق! - فأراد الجند ضربه، فمنعهم من ذلك وقال له: ما لك؟
فقال الشيخ: لا جزاك الله عن الجوار خيرا! جاروتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا، فأيتمت بهم صبياننا وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا- وهو يسمع له حتّى فرغ، فدخل منزله ولم ير راكبا إلى مثل ذلك اليوم.
فخرج وصلّى بالناس العيد، ولم يدخل بغداد، بل سار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد.
قال مسرور الكبير: سألني المعتصم: أين كان الرشيد يتنزّه؟
قلت: بالقاطول. وكان قد بنى هناك مدينة وسوّرها، وقد خاف من الجند. فلمّا وثب أهل الشام بالشام وعصوا، خرج إلى الرقّة فأقام بها وبقيت مدينة القاطول لم تتمّ.
ولمّا خرج المعتصم إلى القاطول، استخلف ببغداد ابنه أبا جعفر هارون الملقّب بالواثق بعد ذلك.
[مرتزقة المغاربة والفراغنة]
وكان المعتصم قد اصطنع قوما من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسمّاهم المغاربة. وجمع خلقا من سمرقند واشروسنة وفرغانة وسمّاهم الفراغنة (١)، وصار له سبعون ألف مملوك، سوى الأحرار، ومن الخيل ما لا يحصى.
وكان المعتصم قد قبض على الفضل بن مروان
ونكبه وأهل بيته في صفر سنة عشرين لكثرة مواليه واستبداده بالأمور، وصيّر مكانه محمّد بن عبد الملك الزيّات، فصار كاتبا ووزيرا.
وكانت في سنة إحدى وعشرين حروب بين بابك، وبين بغا الكبير، فهزم بغا وواقع الأفشين فانهزم بابك بمن معه. ونزل الأفشين في معسكره، فبيّته بابك ونقض عسكره، فانصرف الأفشين إلى عسكره، ولحق به بغا فتقطّع عسكره وألقوا سلاحهم. فلمّا نزلا وقد تعب عسكره وفنيت أزوادهم كبسهم بابك، ففرّ بغا راجلا، ثمّ نجا على دابّة حتى لحق بمعسكره، فأخذ بابك المال والسلاح، فبعث المعتصم في سنة اثنتين وعشرين مددا، وتاجا تتوّج به، ومبلغ ثلاثين ألف ألف درهم لنفقات الجند. فكانت بينه وبين بابك حروب آلت إلى أن فتحت البذّ مدينة بابك، واستباح الجند ما فيها وخرّبوها، لعشر بقين من شهر رمضان. وطلب بابك الأمان، ثمّ مرّ على وجهه فقتل أصحابه عن آخرهم، وأخذت أولاده وعياله. وطلب بابك حتّى أخذ فحمل إلى الأفشين فوكّل به وأمر لمن قبض عليه بألف ألف درهم ومنطقة، وللّذي أتى به بمائة ألف درهم، وكتب إلى المعتصم بذلك فأمره أن يأتيه به.
فسار به الأفشين حتّى قدم به سامرّا وبأخيه عبد الله في صفر، فكان المعتصم يبعث إلى الأفشين في كلّ يوم من حين مسيره إلى أن وافى سامرّا خلعة وفرسا. ثمّ بعث إليه لمّا قرب بابنه هارون الواثق وأهل بيته، فتلقّوه، وأنزله في قصر بالمطيرة ومعه بابك. وخرج إليه أحمد بن أبي دؤاد فنظر إلى بابك ثمّ عاد، فخرج المعتصم أيضا متنكّرا فرآه.
[قتل بابك صبرا]
فلمّا كان الغد، قعد المعتصم، وصفّ الناس
стр. 2742
من باب العامّة إلى المطيرة، وأركب بابك الفيل حتّى دخل دار المعتصم. فأمر بسيّاف بابك أن يتقدّم إليه ويقطع يديه ورجليه، فقطعهما، ثمّ ذبحه وشقّ بطنه وحمل رأسه إلى خراسان، وصلب بدنه بسامرّاء. وحمل أخوه إلى بغداد فعمل به ذلك، وصلب في الجانب الشرقيّ.
فكان مبلغ ما أنفق الأفشين مدّة مقامة بإزاء بابك سوى الأرزاق والأنزال والمعاون في كلّ يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم، وفي يوم لا يركبخمسة آلاف. وبلغت عدّة من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان على التقليل، وعلى التكثير:
خمسمائة ألف. وعدّة من أسر معه لمّا أخذ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسيّ، واستنقذ ممّن كان في يده من المسلمات وأولادهنّ سبعة آلاف وستّمائة إنسان. وصار في يد بابك من بني بابك سبعة عشر رجلا وثلاث وعشرون امرأة.
فتوّج [١٨٣ ب] المعتصم الأفشين، وألبسه وشاحين، ووصله بعشرين ألف ألف درهم، وعشرة آلاف ألف درهم يصرفها في عسكره، وأدخل عليه الشعراء فمدحوه.
[فتح عمّوريّه]
وفيها خرج تيوفيل ملك الروم (١) إلى بلاد الإسلام، فأوقع بأهل زبطرة وغيرها في شعبان، وكان معه زيادة على مائة ألف، فقتل الرجال وسبى الذريّة والنساء، وأسر كثيرا، فمثّل بهم وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم. فخرج إليه أهل ثغور الشام والجزيرة فعظم ذلك على المعتصم. وبلغه أنّ امرأة هاشميّة صاحت، وهي في أيدي الروم: وا معتصماه! - فأجابها، وهو
جالس على سريره: لبّيك! لبّيك! (٢) - ونهض من ساعته وصاح في قصره: النفير! النفير!
ثمّ ركب دابّته وسمّط خلفه شكالا وسكّة حديد وحقيبة فيها زاده، ولم يمكنه المسير إلّا بعد التعبئة وجمع العساكر. وأحضر عبد الرحمن بن إسحاق قاضي بغداد، وثلاثمائة وثمانية وعشرين رجلا من أهل العدالة فأشهدهم على ما أوقفه من الضّياع، فجعل ثلثا لولده، وثلثا لله تعالى، وثلثا لمواليه.
ثمّ سار، فعسكر غربيّ دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، . ووجّه عجيف بن عنبسة وعمرا الفرغانيّ (٣) في عدّة من القوّاد إلى زبطرة. فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنّوا، فسار المعتصم في جهاز لم يتجهّزه خليفة قبله، ومعه من السلاح والآلة والعدد وحياض الأدم والقرب والروايا وغير ذلك ما يجلّ وصفه. وجعل على مقدّمته أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم بن مصعب، وعلى ميمنته أيتاخ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار [بن عبد الله] الخيّاط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة، فلمّا دخل بلاد الروم أقام على نهر السنّ (٤)، وهو على سلوقية قريبا من البحر، بينه وبين طرسوس مسيرة يوم. وبعث الأفشين إلى سروج، وبعث أشناس من درب طرسوس وأردفه بوصيف. ثمّ رحل لستّ بقين من رجب، وأخبار الروم ترد عليه من عيونه، وكتبه تسير إلى قوّاده يأمرهم وينهاهم، ويحذّرهم ويوصيهم، فكان أشناس إذا رحل من منزلة نزلها المعتصم في أثره حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث مراحل، [و] ضاق العسكر ضيقا
стр. 2743
شديدا من قلّة الماء والعلف. فورد الخبر بمواقعة الأفشين للروم في خامس شعبان وظفره، وأنّه قتل من الروم أربعة آلاف، ثمّ قدم الأفشين على المعتصم من الغد، وهو بأنقرة فأقاموا ثلاثة أيّام، ثمّ جعل [١٨٤ أ] المعتصم العسكر ثلاث فرق:
فرقة فيها أشناس في الميسرة، وفرقة في الميمنة مع الأفشين، وركب [هو] في القلب ومعه فرقة.
وجعل بين كلّ فرقة وأخرى فرسخين، وأمر كلّ عسكر من هذه الثلاث فرق أن تكون له ميمنة وميسرة، وأن يحرقوا القرى ويخرّبوها، ويأخذوا من فيها، فيما بين أنقرة وعمّوريّة، ومسافة ما بينهما سبع مراحل. ففعلوا ذلك حتّى وافوا عمّوريّة لستّ خلون من شهر رمضان في جمع عظيم، قيل: تسعمائة ألف، وقيل: أزيد من ثلاثمائة ألف.
فقدمها أوّلا أشناس، ثمّ تلاه المعتصم، وبعده الأفشين، فأحاطوا بها، وجعل لكلّ قائد برج.
فدلّ بعض من كان بعمّوريّة من المسلمين المعتصم [على] موضع من السور قد وقع، فضرب خيمته تجاه ذلك الموضع، ورمى عليه بالمجانيق حتّى تصدّع السور. فكتب متولّي عمّوريّة إلى ملك الروم بذلك، ويعلمه بأشياء من أمورهم، وسيّره مع رجلين من ثقاته. فظفر بهما المعتصم وبالكتاب، فأمر لهما ببدرة- وهي عشرة آلاف درهم- وخلع عليهما، وقد أسلما، وأمر بهما فطافا حول عمّوريّة حتى رآهما الروم فسبّوهما.
وألحّ الرمي على السور حتّى انهدم ما بين برجين. وكان المعتصم قد طمّ الخندق بجلود الغنم المملوءة ترابا (١). وعمل دبّابات كبارا تسع الواحدة منها عشرة رجال فدحرجها الرجال على
تلك الجلود لتمرّ إلى السور، وعمل سلالم وقاتلهم على الثلمة، وجمع المجانيق عليها ورمى بها. وقاتل أشناس أوّلا، ثمّ عقبه الأفشين من الغد، فقاتل بمن معه، والمعتصم واقف على دابّته في قوّاده. فقال عمرو الفرغانيّ: الحرب اليوم أجود منها أمس!
فشقّ ذلك على أشناس، وكتم ما في نفسه حتّى انصرف عند ما انتصف النهار فيمن انصرف، وسبّ الفرغانيّ وأحمد بن الخليل، فغضبا منه، وتآمرا في أن يقيما العبّاس ابن المأمون.
وركب المعتصم من الغد، فكانت نوبة أيتاخ، فاشتدّت الحرب واتّسع هدم السور، وكثرت الجراحات في الروم، فوقع بين بطارقهم الخلاف، وخرج أحدهم بأصحابه إلى المعتصم فأكرمه وأركبه فرسا. وحمل على السور، فاقتحم المسلمون المدينة من الثلمة. وملكوا عمّوريّة عنوة في يوم الثلاثاء سابع عشرين رمضان.
فحرّقوا كنيستها على من فيها. وأخذ باطش متولّي عمّوريّة وسبق هو والأسارى والسبي بعد ما أخذ الروم السيف، فعزل المعتصم أكابرهم وقتل من سواهم، فبلغت عدّة القتلى ثلاثين ألفا، وعدّة السبي مثل ذلك، فيهم ستّون بطريقا، فضرب أعناق أربعة آلاف ونيف من الأسرى، ولم يزل يقتل فيهم في مسيره ويحرق ويخرّب. وبيعت الغنائم مدّة خمسة أيّام، وأحرق ما بقى، وهدّمت عمّوريّة وأحرقت. ورحل عنها بعد ما أقام عليها خمسة وخمسين يوما. وفرّق الأسرى على القوّاد، وحمل باب عمّوريّة إلى بغداد فعمله على أحد أبواب دار الخلافة، وسار نحو طرسوس في يوم السبت ثالث عشرين شهر رمضان.
فبلغه ما همّ به الفرغانيّ وغيره [١٨٤ ب] من مبايعة العبّاس ابن المأمون، وأنّهم تواعدوا على
стр. 2744
إقامته والفتك بالمعتصم، فقبض على الفرغانيّ وأحمد بن الخليل، ثمّ أخذ العبّاس ابن المأمون فاعترف له فقيّده وحبسه عند الأفشين. وتتبّع القوّاد الذين وافقوه، فحملهم على بغال بغير وطاء، وضرب عنق بعضهم.
فلمّا نزل منبج، مات العبّاس من طعام أكله، فلمّا نزل نصيبين، ألقى عمرو الفرغانيّ في بئر وطمّها عليه. ومات عجيف بن عنبسة بعد ذلك من طعام أكله، ومنع الماء حتّى مات، فما وصل سامرّا حتى ماتوا جميعا، فقبض على أولاد المأمون وسجنهم حتى ماتوا. وصلب باطش متولّي عمّوريّة بسامرّا.
[تنكّر الأفشين]
فلمّا دخلت سنة أربع وعشرين خالف مازيار بن قارن بطبرستان وقاتل العساكر بمكاتبة الأفشين له. فبعث إليه عبد الله بن طاهر متولّي خراسان بالعساكر، وأمدّه المعتصم بالرجال فقاتلوه حتى أخذ أسيرا. ووجد له من المال ستّة وتسعون ألف ألف دينار، وسبع عشرة قطعة زمرّد، وستّ عشرة قطعة ياقوت وثمانية أحمال ديباج وتاج وسيف قرابه ذهب مرصّع بجوهر، وحجر ذنب مكلّل بجوهر، وحقّ فيه جوهر قيمته ثمانية عشر ألف ألف درهم. فحمل هو وماله إلى المعتصم. فوثب به مماليك المازيار وانتهبوا المال. ووصل المازيار إلى المعتصم فضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك.
وفيها ثار منكجور (١) قرابة الأفشين بأذربايجان وخرج من أردبيل وامتنع بحصن. فقبض عليه وحمل إلى المعتصم، فاتّهم الأفشين في أمره.
وفيها عصى جعفر بن مهر [جش]، من مقدّمي
الأكراد بأعمال الموصل، وتبعه خلق كثير من الأكراد، وقاتل العساكر وهزمها، وقتل الكثير منها، فبعث إليه المعتصم بعثا عليه أيتاخ فقاتلوه حتى قتل (٢)، وأوقع أيتاخ بالأكراد وأكثر من القتل فيهم واستباح أموالهم، وحشر الأسرى والنساء إلى تكريت.
فلمّا كانت سنة ستّ وعشرين، قبض المعتصم على الأفشين، وحبسه حتى مات فصلب ثمّ أحرق في شعبان كما ذكر في ترجمته (٣).
[ثورة السفيانيّ]
ثمّ خرج في سنة سبع وعشرين المبرقع وهو أبو حرب اليمانيّ (٤)، بفلسطين، وخالف على المعتصم، من أجل أنّ بعض الجند نزل في داره وهو غائب فمنعته امرأته فضربها بسوط أثّر في ذراعها. فلمّا قدم أعلمته بذلك فأخذ سيفه ومضى إليه فقتله ثم هرب وألبس وجهه برقعا. وقصد بعض جبال الأردنّ، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ووقع في المعتصم، فاستجاب له قوم، فادّعى أنّه من بني أميّة، ودعي «بالسفيانيّ» [١٨٥ أ] وكثر أتباعه حتّى بلغوا مائة ألف رجل. فبلغ ذلك المعتصم وهو مريض. فندب إلى حربه رجاء بن أيّوب [الحضاريّ] في ألف من الجند، فعسكر أمامه حتى كان أوان الزراعة، [ف] انصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم في الأرض، وبقي في ألف رجل، فواقعه رجاء، وقد مات المعتصم، فغلبه وأخذه أسيرا.
[وفاة المعتصم]
وعند ما أهلّ المحرّم، اعتلّ المعتصم من
стр. 2745
حجامة احتجمها حتى مات يوم الخميس لثماني عشرة مضت من شهر ربيع الأوّل، ودفن في قصره المعروف بالجوسق، وصلّى عليه ابنه هارون الواثق. فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيّام- وقيل: وثلاثة أيّام- وعمره سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما- وقيل غير ذلك.
وهو المثمّن، لأنّه الثامن من خلفاء بني العبّاس، والثامن من ولد العبّاس. وولد في سنة ثمان وسبعين ومائة، وولي ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيّام، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات. وخلّف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار، وثمانية آلاف ألف درهم، وثمانين ألف فرس، وثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية، وبنى ثمانية قصور. وقيل: بلغت عدّة مماليكه ثمانية عشر ألف مملوك، وعلّق له خمسون ألف مخلاة على فرس وبرذون وبغل. وكانت له ثمانية فتوح عظام: أسر بابك، وفتح أنقرة، وفتح عمّوريّة، وقهر المحمّرة (١) مع غلبتهم على أكثر البلاد، وأسره البوارج وهي مراكب الهند، وكان فيها منهم عسكر عظيم قد غلبوا على ساحل فارس وعمان وناحية البصرة، ثمّ إجلاؤه الزطّ عن البطائح وما كانوا غلبوا عليه فيما بين البصرة وواسط، وكانوا خلقا عظيما، وقتله جعفر بن مهر [جش] مقدّم الأكراد وكان ذا [شوكة] عظيمة قد قام فيما بين الموصل وأذربيجان وأرمينية وتغلّب على البلاد وبسط يده بالقتل، ثمّ هزيمة الأفشين لتوفيل ملك الروم، وهي من الهزائم المذكورة، وقد قتل الأفشين بعد ذلك لمّا واطأ بابك: فإنّه كان مرّة معه ومرّة عليه.
[مدائح أبي تمّام فيه]
ومن مكارمه العظيمة أنّه لمّا فتح عمّوريّة قال فيه حبيب بن أوس الطائي الشاعر [البسيط]:
يا يوم وقعة عمّوريّة انصرفت ... عنك المنى حفّلا معسولة الحلب (٢)
لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على غرب
وكرّر إنشادها ثلاثة أيّام، فقال له: كم تجلو علينا عجوزك؟
قال: حتّى أستوفي مهرها، يا أمير المؤمنين.
فأمر له باثنين وسبعين ألف درهم، عن كلّ بيت ألف درهم فضّة. ومن كرمه الخارج عن الحدّ أنه أقطع مدينة الموصل لحبيب المذكور، وهذا شيء لم يتقدّمه إليه أحد.
وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون. وكان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب. واتّفق أنّه مات غلام للمعتصم كان معه في الكتّاب يتعلّم معه، فقال له أبوه هارون [١٨٥ ب] الرشيد: يا محمد، مات غلامك؟
فقال: نعم يا سيّدي، واستراح من الكتّاب!
فقال الرشيد: وإنّ الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟ دعوه إلى حيث انتهى، لا تعلّموه شيئا.
فلذلك كان أمّيّا، كان يكتب كتاب [ة] ضعيف [ة] ويقرأ قراءة ضعيفة.
ولمّا خرج ملك الروم وأوقع بمن أوقع كتب كتابا إلى المعتصم يتهدّده، فأمر بجوابه. فلمّا قرئ عليه الجواب لم يرضه وقال للكاتب:
اكتب: باسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك. والجواب ما ترى
стр. 2746
لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٤٢].
ولمّا تجهّز المعتصم لغزو عمّوريّة حكم المنجّمون على ذلك الوقت أنّه لا يرجع من غزوة، فإن رجع كان مفلولا خائبا لأنّه خرج في وقت نحس، فكان من فتحه العظيم وظفره ما كان. فقال أبو تمّام في ذلك قصيدة أوّلها [البسيط]:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية، أم أين النجوم، وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة ... ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب
عجائبا زعموا الأيّام مجفلة ... عنهنّ في صفر الأصفار أو رجب
وخوّفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربيّ ذو الذنب
وصيّروا الأبرج العليا مرتّبة ... ما كان منقلبا أو غير منقلب
يقضون بالأمر عنها، وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب
لو بيّنّت قطّ أمرا قبل موقعه ... لم تخف ما حلّ بالأوثان والصلب
وقال يحيى بن معاذ: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم، وهو يريد بلاد الروم، فمرّرنا براهب في صومعة، فوقفنا عليه فقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمّوريّة؟
فقال: لا، إنّما يدخلها ملك أكثر أصحابه أولاد زنا.
فأتينا المعتصم فأخبرناه، فقال: أنا والله صاحبها: أكثر جندي أولاد زنا، إنما هم أتراك وأعاجم.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت المعتصم يقول: إذا لم يعدّ الوالي للأمور أقرانها قبل نزولها أطبقت عليه ظلم الجهالة.
[قوّة بدنه]
وقال أحمد بن أبي دؤاد: كان المعتصم يخرج ساعده إليّ ويقول: يا أبا عبد الله، عضّ ساعدي بأكثر من قوّتك!
فأقول: والله يا أمير المؤمنين، ما تطيب نفسي بذلك.
فيقول: إنّه لا يضرّني.
فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة [١٨٦ أ] فضلا عن الأسنان.
وانصرف يوما من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظما بالخيم فيها الجند. فمرّ بامرأة تبكي وتقول: ابني! ابني! - وإذا ببعض الجند قد أخذ ابنها. فدعاه وأمره بردّ ابنها عليها، فأبى. فاستدناه فدنا منه، فقبض عليه بيده فسمع صوت عظامه، ثمّ أطلقه من يده فسقط. وأمر بإخراج الصبيّ إلى أمّه.
وجعل زند رجل بين إصبعيه فكسره.
وذكر أحمد بن أبي دؤاد المعتصم يوما [ف] أسهب في ذكره، وأكثر من وصفه، وأطنب في فضله، وذكر من سعة أخلاقه، وكرم أعلاقه، وطيب مركبه، ولين جانبه، وجميل عشرته، ورضيّ أفعاله، وقال: قال لي يوما وكنت بعمّوريّة: ما تقول يا أبا عبد الله في البسر؟
فقلت: يا أمير المؤمنين، نحن ببلاد الروم،
стр. 2747
والبسر بالعراق.
قال: قد وجّهت إلى مدينة السلام، فجاءوني بكباستين (١). وقد علمت أنّك تشتهيه.
ثمّ قال: يا أيتاخ، هات إحدى البكباستين!
فجاء بكباسة بسر فمدّ ذراعه وقبض عليها بيده وقال: كل بحياتي عليك من يدي!
فقلت: جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، بل تضعها فآكل كما أريد.
قال: لا والله، إلّا من يدي!
فو الله ما زال حاسرا ذراعه ومادّا يده وأنا أجتني من العذق حتى رمى به خاليا، ما فيه بسرة.
(قال): وكنت كثيرا ما أزامله في سفره ذلك، إلى أن قلت له يوما: يا أمير المؤمنين، لو زاملك بعض مواليك وبطانتك فاسترحت منّي إليهم مرّة، ومنهم إليّ أخرى، فإنّ ذلك أطيب لنفسك، وأنشط لقلبك، وأشدّ لراحتك.
قال: فإن سيما الدمشقيّ يزاملني اليوم، فمن يزاملك أنت!
قلت: الحسن بن يونس.
قال: فأنت وذاك.
فدعوت بالحسن فزاملني. وتهيّأ أن ركب بغلا واختار أن يكون منفردا، وجعل يسير بمسير بعيري، فإذا أراد أن يكلّمني رفع رأسه، وإذا أردت أن أكلّمه خفضت رأسي. فانتهينا إلى واد لم يعرف غور مائه، وقد خلّفنا العسكر وراءنا. فقال لرحّالي: مكانك! حتى أتقدّم فأعرف غور الماء وأطلب قلّته، واتّبع أنت مسيري- وتقدّم رجل فدخل الوادي وجعل يطلب قلّة الماء، وتبعه المعتصم فمرّة ينحرف عن يمينه وأخرى عن
شماله، وتارة يمضي لسننه ويتبع أثره حتّى قطعنا الوادي (٢).
وذكر عمرو بن محمد الرومي قال: كان على بيت مال المعتصم رجل من أهل خراسان يكنّى أبا حاتم. فخرجت لي جائزة فمطلني بها، وكان ابنه قد اشترى جارية مغنّية تسمّى «قاسم» بستّين ألف درهم، فعملت فيها شعرا، وجلست ألاعب المعتصم بالشطرنج في يوم [١٨٦ ب] الخمار- وكان يشرب يوما ويستريح يوما ليلعب فيه ويلعب بين يديه- فجعلت أنشده [السريع]:
لتنصفنّي يا أبا حاتم ... أو لتصيرنّ إلى حاكم
فتعطي الحقّ على ذلّة ... بالرغم من أنفك ذا الرغم
يا سارقا مال إمام الهدى ... سيظهر الظلم على الظالم
ستّون ألفا في شرا قاسم ... من مال هذا الملك النائم
فقال لي: ما هذا الشعر؟
فتفازعت كأنّي أنشدته ساهيا وتلجلجت، فقال: أعده!
فقلت: إن رأى أمير المؤمنين إن يعفيني- وإنما أريد أن أحرّضه على أن يسمعه.
فقال: أعده، ويلك!
فأعدته، فقال: ما هذا؟
فقلت: أظنّ صاحب بيت المال مطل بعض هؤلاء الشعراء في شيء له. فعمل فيه هذا الشعر.
قال: فما معنى قاسم؟
قلت: جارية اشتراها ابنه بستّين ألف درهم.
стр. 2748
قال: وأراني أنا الملك النائم؟ صدق الله قائل هذا الشعر. فو الله لو عرفته لوصلته لصدقه! رجل مملق ولّيته بيت المال لتعسّر رزقه منذ سنين، من أين لابنه هذا المال؟ - ثمّ قال: يا ايتاخ، قيّد صاحب بيت المال وابنه حتى نأخذ منهما مائتي ألف دينار!
وولّى بيت المال غيره.
[شعر المعتم]
وقال يزيد بن محمد المهلّبيّ: قال لي محمد بن عمرو الروميّ: لله درّ المعتصم! ما كان أعقله من رجل! كان له غلام يقال له «عجيب» لم ير الناس مثله قطّ، وكان مشغوفا به، فحارب بين يديه يوما فحسن بلاؤه فدعاني المعتصم فقال: يا محمّد، جليس الرجل صديقه وذو نصحه وموضع أنسه، ولي عليك حقّ الرئاسة والإحسان.
فاصدقني عمّا أسألك عنه!
فقلت: لعن الله من [لا] يقيم نفسه إلّا مقام العبد الناصح الذي يرى فرضا عليه أن يضيف كلّ حسن إليك وينفي كلّ عيب عنك!
قال: قد علمت أنّي دون إخوتي في الأدب لحبّ أمير المؤمنين الرشيد فيّ وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فما أبالي ما قالوا. وقد قاتل عجيب بين يديّ وأنت تعلم وجدي به، وقد جاش طبعي بشيء قلته، فإن كان مثله يجوز فاصدقني حتى أذيعه، وإلّا طويته.
فقلت: والله لا جزت ما أمرت.
فأنشدني [المجتثّ]:
لقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر ... والقدّ يحكي القضيبا
وإن تناول سيفا ... رأيت ليثا حريبا
وإن رمى بسهام ... كان المجدّ المصيبا
طبيب ما بي من الح ... بّ ما عدمت الطبيبا
إنّي هويت عجيبا ... هوى أراه عجيبا
فحلفت بأيمان البيعة أنّه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه. وقلت له: يحتاج إلى لحن فيه [١٨٧ أ]، فقال: ما أحبّ ذلك لئلّا يمرّ ذكر عجيب.
فقلت: فلا نذكر البيتين الذين فيهما ذكر عجيب.
قال: أمّا ذلك [ف] نعم.
فغنّى به مخارق، ووصلني بخمسين ألفا.
وأنشد محمد بن خلف بن المرزبان للمعتصم [الطويل]:
أيا منشئ الموتى أعذني من التي ... بها نهكت نفسي سقاما وعلّت
لقد بخلت حتى لو انّي سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنّت
فإن بخلت فالبخل منها سجيّة ... وإن بذلت أعطت قليلا ومنّت
وقوله [الرمل]:
قرّب [النحّام] واعجل يا غلام ... واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أنّي خائض ... لجّة الموت فمن شاء أقام
وقوله- وقيل لغيره-[الرمل]:
стр. 2749
لم يزل بابك حتّى ... صار للعالم عبرة
ركب الفيل ومن ير ... كب فيلا فهو شهرة
وفيه يقول محمد بن عبد الملك الزيّات [الطويل]:
يظلّ له سيف النبيّ كأنّما ... له دمعة من لوعة الشوق تذرف
حمائله والبرد تعلم أنّه ... هو الطيّب الأولى الذي كان يعرف
حلفت ومن حقّ الذي قلت أنّني ... أقول وإنّي بعد ذلك أحلف
لما هاب أهل الظلم مثلك سائسا ... ولا أنصف المظلوم مثلك منصف
وقال يرثيه [المنسرح]:
أقول إذ غيّبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم الظهير كنت على ... ال [-] دّنيا ونعم الحفيظ للدّين
لا يجبر الله أمّة فقدت ... مثلك إلّا بمثل هارون (١)
- يعني هارون الواثق ابن المعتصم.
وكان المعتصم ذا شجاعة وقوّة وهمّة عالية، وكان عريا من العلم. وكان من أهيب الخلفاء.
وامتحن العلماء بالقول بخلق القرآن، وقيل: إنّه قال في حمّاه التي مات فيها حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤]. ولمّا احتضر جعل يقول: ذهبت الحيل فليست حيلة- حتى أصمت. ويروى أنّه جعل يقول: أرفض من بين هذا الخلق.
وفي رواية أنّه قال: لو علمت أنّ عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت.
وسمع وهو يقول: اللهمّ، إنّك تعلم أنّي أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي.
وترك من الأولاد هارون- وولي الخلافة بعده ولقّب بالواثق، وهو لأمّ ولد اسمها قراطيس- وجعفرا- وولي الخلافة أيضا ولقّب بالمتوكّل، وأمّه تركيّة اسمها شجاع- ومحمّدا الأكبر، وأحمد، وعليّا، وإبراهيم- وأمّه ابنة بابك الخرّميّ- والعبّاس الأعرج، ومحمّدا أبا أحمد الأعور الأصغر، وإبراهيم، وعبد الله- أمّه سوداء.
وقضاته [١٨٧ ب] أحمد بن أبي دؤاد، ومحمّد بن سماعة.
ووزراؤه الفضل بن مروان، ثمّ محمّد بن عبد الملك الزيّات.
وحاجبه وصيف مولاه.
وهو أوّل من تسمّى بخليفة الله، وأوّل من تزيّا بزيّ الأتراك، ولبس التاج، ورفض زيّ العرب، وترك سكنى بغداد، وأوّل من قطع عطاء العرب وأخرجهم من الديوان، وأوّل من أدخل الأتراك الديوان وأثبت عطاءهم فيه، وآخر خليفة غزا بنفسه إلى دار الحرب.
٣٤٦٤ - أبو نصر ابن مميل الشيرازيّ [٥٤٩ - ٦٣٥] (٢)
[١٨٨ أ] محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن محمد بن بندار بن مميل، أبو نصر،
стр. 2750
الشيرازيّ الأصل- الدمشقيّ المولد والدار، الشافعيّ.
ولد في أواخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة. سمع من أبي البركات الخضر بن شبل الحارثيّ، وأبي الطاهر إبراهيم بن الحسن الحصنيّ، وأبي يعلى حمزة بن عليّ بن الحبوبيّ، والحافظين أبي الحسين هبة الله، وأبي القاسم عليّ، ابني الحسن بن هبة الله الدمشقيّين، في آخرين. وحدّث بالكثير [بدمشق].
وقدم إلى مصر، وحدّث بها. وولي الحكم بالبيت المقدّس وغيره ودرّس وأفتى وحكم بدمشق نيابة واستقلالا. وهو آخر من حدّث عن الفقيه أبي البركات الخضر بن شبل، والصائن أبي الحسين هبة الله [ابن عساكر]، وأبي الطاهر الحصنيّ. وانفرد برواية ما يزيد على مائتي جزء من كتاب تاريخ دمشق عن مصنّفه.
ومات بدمشق ليلة [الثاني] من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وستّمائة.
ومميل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وياء آخر الحروف ساكنة بعدها لام- وهي بلغتهم: محمد.
٣٤٦٥ - أبو بكر الدندريّ الشافعيّ [- ١٧٤]
محمد بن هبة الله بن جعفر بن هبة الله، سراج الدين، أبو بكر، الدندريّ، الربعيّ، الشافعيّ.
برع في الفقه، والأصلين، والتفسير. وولي الحكم بأدفو ودندرا ببلاد الصعيد. وله مصنّف في الوراقة.
توفّي ببلده سنة أربع وسبعين ومائة (١).
٣٤٦٦ - تاج الدين ابن صدقة الحمويّ [٥٤٦ - ٥٩٩] (٢)
[١٨٩ أ] محمّد بن هبة الله بن مكّي بن صدقة بن هبة الله، تاج الدين، أبو عبد الله، الحمويّ، الشافعيّ.
سمع بمصر من أبي نزار ربيعة بن الحسن اليمنيّ، وأبي محمد القاسم ابن عساكر، وأبي عبد الله محمد بن حمد بن حامد الأرتاحيّ، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة. ودرّس بالمدرسة الناصريّة بجوار الجامع العتيق بمصر في سنة إحدى وتسعين [وخمسمائة]. وخطب بالقاهرة. وكتب بخطّه كتبا كثيرة في الحديث. وتفقّه على أبي الطاهر محمد بن الحسين بن عبد الرحمن المحلّيّ.
وتوفّي بمصر يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
وكان فقيها فرضيّا نحويّا متكلّما أشعريّا، إليه مرجع أهل مصر في الفتوى.
وله شعر كثير، منه أرجوزة سمّاها «حدائق الفصول، وجواهر الأصول»، نظمها للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب (٣). وله أرجوزة في الفرائض سمّاها «روضة الرياض ونزهة الفرّاض» نظمها للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ.
وكان كثير الاشتغال بالعلم دائم التحصيل له.
قال الحافظ عبد العظيم المنذريّ: دخلت عليه يوما وهو في سرب تحت الأرض لأجل شدّة الحرّ، وهو يشتغل. فقلت له: في هذا المكان؟
وعلى هذه الحال؟
فقال: إذا لم أشتغل بالعلم، ماذا أصنع؟
(قال): ووجد في تركته محابر تسع واحدة منها
стр. 2751
تسعة أرطال، وأخرى أحد عشر رطلا، والأخرى ثمانية. ووجد في تركته أيضا خمسون ديوانا خطبا.
وسمعت أنّ له ديوانا، وكان حسن الخطّ، جيّد الانتقاد. رأيت كتاب «البيان» للعمرانيّ (١) بخطّه في مواضع كثيرة ينبّه عليها، تدلّ على وفور علمه وكثرة اطّلاعه. (قال): وكان يأخذ الكتاب بالثمن اليسير ولا يزال يخدمه حتّى يصير من الأمّهات.
ومن نظمه [السريع]:
اثنان من بعدها تسعة ... وسبعة من قبلها أربع
وخمسة ثمّ ثلاث ... ومن بعد ثلاث ستّة تتبع
ثمّ ثمان قبلها واحد ... فرتّب الأعداد إذا تجمع (٢)
وهذه صورتها:
تكتب في خرقتين لم يصبهما ماء، وتضعهما المطلقة تحت قدمها، فتضع ما في بطنها بإذن الله.
٣٤٦٧ - الفخر النعمانيّ الخيّاط [٦٢٦ - ]
[١٨٩ ب] محمد بن هبة الله بن موسى بن شرف بن سليمان بن حامد، أبو عبد الله، ابن أبي القاسم، ابن أبي عمران، فخر الدين، ابن تاج
الدين، ابن جلال الدين، التغلبيّ، بتاء مثنّاة من فوقها، وغين معجمة، الشافعيّ، الخيّاط، النعمانيّ، أحد خدّام الشيخ أبي عبد الله محمد بن النعمان.
حدّث بالمسلسل الأوّل عن أبي بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام السفاقسيّ (٣).
ومولده بمصر ليلة الخميس ثالث عشرين [ ... ] سنة ستّ وعشرين وستّمائة.
وخرّج له المحدّث أبو بكر محمد بن عبد الحميد القرشيّ أحاديث.
٣٤٦٨ - النفيس ابن شكر قاضي القضاة المالكيّ [٦٠٥ - ٦٨٠] (٤)
[١٩٠ أ] محمد بن هبة الله بن أحمد بن شكر، نفيس الدين، أبو البركات، قاضي القضاة، حاكم الحكّام، حجّة الإسلام، مفتي الأنام، بقيّة السلف الكرام، ابن القاضي الأجلّ المخلص ضياء الدين أبي الفخر، ابن كمال الدين أبي السعادات، المالكيّ.
ولد سنة خمس وستّمائة، واشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك حتّى برع فيه. وولي قضاء دمياط نيابة عن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ، وكانت بينهما صهارة. ثمّ ولي قضاء قضاة المالكيّة بديار مصر من قبل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، عوضا عن قاضي القضاة شرف الدين أبي حفص عمر بن عبد الله بن صالح السبكيّ بعد وفاته، في ذي
стр. 2752
القعدة سنة سبع وسبعين وستّمائة.
وصرف هو، وتقيّ الدين محمد بن رزين، ومعزّ الدين نعمان بن الحسن، في نصف جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وستّمائة.
وتأخّرت وفاته إلى يوم الجمعة مستهلّ ذي الحجّة سنة ثمانين وستّمائة، ودفن بالقرافة.
وولي بعده تقيّ الدين الحسين بن عبد الرحيم ابن شأس.
وكان جميل المنظر، كريم النفس، حسن الملتقى، كثير الفتوّة، يجيز من يرد عليه صغيرا أو كبيرا، محافظا على دينه، حافظا لحقوق أصحابه غيبة وحضورا، كثير البرّ بهم، وكان ثبتا في أقواله، متلطّفا في أحكامه، متورّعا، حسن الاعتقاد، حلو المباسطة، مصمّما في الحقّ، سديدا في أحكامه، قويّا على أهل البدع، وكثيرا ما كان الشيخ أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان، العبد الصالح، يستنصر به على إشهار الحقّ وقمع (١) المبتدعين.
٣٤٦٩ - ابن الشجاع التركستانيّ [- ٧٦٩] (٢)
محمد بن هبة الله بن أحمد بن يعلى بن محمود، بدر الدين، ابن شجاع الدين، المعروف بابن الشجاع التركستانيّ، الفقيه الحنفيّ.
برع في الفقه ودرّس، وأفتى، وصنّف.
توفّي بالقاهرة ليلة الاثنين خامس رمضان سنة تسع وستّين وسبعمائة، ودفن بحوشة الصوفيّة خارج باب النصر.
٣٤٧٠ - شرف الدين الإخميميّ [- بعد ٧١٧]
[١٩٠ ب] محمد بن هبة الله بن بدر، أبو عبد الله، شرف الدين، الإخميميّ.
كان حيّا سنة سبع عشرة وسبعمائة.
٣٤٧١ - ابن عرس [- نحو ٥٧٠] (٣)
محمد بن هبة الله بن الحسن، أبو الحسن، ابن عرس.
حدّث بكتاب الشهاب عن مؤلّفه القاضي أبي عبد الله القضاعيّ. روى عنه محمد بن محمد بن محمد بن بنان المصريّ.
٣٤٧٢ - أبو البركات التنوخيّ
محمد بن هبة الله بن حسين بن عطيّة بن المسلّم بن رجاء، أبو البركات، التنوخيّ، الإسكندريّ.
٣٤٧٣ - المخلص أبو الفتح ابن عوف [- ٦٧٤]
محمد بن هبة الله بن عبد الرحمن بن عوف، أبو الفتح، مخلص الدين- ويدعى عثمان.
حدّث عن ابن موقا وغيره، وانفرد بأشياء يرويها.
توفّي ليلة الأحد سلخ ربيع الأوّل سنة أربع وسبعين وستّمائة.
стр. 2753
٣٤٧٤ - أبو عبد الله البوصيريّ [٥٥٩ - ٦٣٠] (١)
محمد بن هبة الله بن عليّ بن مسعود بن ثابت بن هاشم بن غالب بن تابت، أبو عبد الله، ابن أبي القاسم، الأنصاريّ، الخزرجيّ، البوصيريّ.
ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة تخمينا.
وسمع من أبيه ومن السلفيّ، وحدّث. وكان شيخا حسنا، ظاهر العدالة.
توفّي بمصر في أواخر شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وستّمائة.
٣٤٧٥ - القاضي ابن ميسّر القيسرانيّ [- ٥٣١] (٢)
[١٩١ أ] محمد بن هبة الله بن ميسّر، القيسرانيّ، القاضي الأمين، ثقة الدولة، سناء الملك، شرف الأحكام، قاضي القضاة، عمدة أمير المؤمنين، أبو عبد الله، ابن أبي الفرج.
قدم مع أبيه من قيساريّة، وهو صغير، في أيّام أمير الجيوش بدر الجماليّ. وولي أبوه خطابة جامع عمرو بن العاصي بمصر، وكان من أرباب اليسار.
فلمّا مات أبو الحجّاج يوسف بن أيّوب بن إسماعيل المغربيّ، قلّد الآمر بأحكام الله أبا عبد الله هذا قضاء القضاة بديار مصر بعده، في ذي الحجّة سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، ورتّب مشارفا على ثقة الدولة ابن أبي الردّاد في قياس الماء، وعمارة المقياس و [عمل] مصالحه. فبقي
مستمرّا فيها إلى أن قتل، فلم ينظر بعده أحد على هذه الجهة، وانفرد ابن أبي الردّاد، وأطلق له كلّ سنة مائة قنطار جير لعمارة المقياس.
وواصل الملازمة والدءوب، وتوفّر على الانتصاب للجلوس، واعتمد التثبّت في الأحكام والتصبّر على الخصوم، وعدّل جماعة كثيرة، مستكثرا من البياض والوجوه، فصار للقاهرة ومصر بذلك جمال، وللمسلمين انتفاع. وبلغت عدّة الشهود في أيّامه زيادة على مائة وعشرين، ولم تبلغ عدّتهم قبله ثلاثين. وردّت إليه أيضا المظالم، فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بها حضرة أمير المؤمنين الآمر بأحكام الله، وكان منهم جماعة قد قنطت نفوسهم من الخلاص وساءت ظنونهم، فلا يتوقّعون لعقدتهم انحلالا، فاستخرج أمر [الخليفة] بالإفراج عنهم، وأنهى أيضا إلى الآمر عن أحوال التجّار [فكتبت] مناشير في معناهم تليت على المنابر وصف فيها ابن ميسّر وشكر.
ولمّا ولد للآمر ولد ذكر في سنة أربع وعشرين [وخمسمائة]، وأحضر الكبش ليذبح في عقيقته (٣)، شرف ابن ميسّر بحمل المولود حتّى عقّ عنه بحضرة الآمر ونثرت عليه الدنانير، وكان يوما مشهودا.
ولم يزل إلى أن قتل الآمر (٤) وبويع من بعده الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد، [ف] تولّى قراءة السجلّ الذي كتب بمبايعته، وهو على كرسيّ تجاه الحافظ، بحضور أرباب الدولة.
ثمّ صرف في يوم الثلاثاء أوّل ربيع الأوّل سنة
стр. 2754
ستّ وعشرين وخمسمائة بأبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجا. ولمّا تغلّب الأمير حسن ابن الحافظ على أبيه وقتل قاضي القضاة سراج الدين أبا الثريّا نجم بن جعفر، أعاد [١٩١ ب] ابن ميسّر إلى القضاء، وخلع عليه في يوم الخميس ثاني ذي القعدة سنة ثمان وعشرين. وصرف في وزارة بهرام [الأرمنيّ] (١) يوم الأحد سابع المحرّم سنة إحدى وثلاثين، وأخرج إلى تنيس، وقتل بها عشيّة يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
وسبب قتله أنّه كان أسقط إنسانا يعرّف بابن الزعفرانيّ فوشى به عند الخليفة الحافظ أنّ أبا عليّ أحمد بن الأفضل [كتيفات]، لمّا ولي الوزارة واعتقل الحافظ وجلس للهناء، ودخل الشعراء يهنّئونه على العادة، أنشده عليّ بن عبّاد [الإسكندريّ] أبياته التي أوّلها (٢):
تبسّم الدهر لكن بعد تعبيس
إلى أن قال [البسيط]:
هذا سليمانكم قد ردّ خاتمه ... واسترجع الملك من صخر ابن إبليس
فقام ابن ميسّر وألقى عرضيّته (٣) طربا لهذا البيت.
وكان ابن ميسّر كريما جوادا سخيّا، له نعمة وهمّة، وكان يعمل الأطعمة والسماطات المختلفة، والحلوى الكثيرة، وكان نبيلا جليلا، ضرب دنانير كبيرة باسمه اقترحها على الخليفة الآمر بأحكام الله، فبقيت بعده دهرا طويلا. وهو
الذي أخرج الفستق الملبّس بالحلوى، لأنّ أبا بكر محمد بن علي الماذرائي وزير الدولة الإخشيديّة عمل كعكا سمّاه «افطن له»، وعمل منه يوما في صحن، وجعل عوضا عن حشوه بالسكر، دنانير.
فلمّا حضر الناس في يوم عيد وأكلوا من طعامه، أشار بعض الخدّام لشخص بقوله: «افطن له! » ليأكل من الكعك المذكور، فلمّا بلغ ذلك ابن ميسّر عمل نظيره صحنا فيه فستق ملبّس بحلوى، وجعل عوض قلب الفستق ذهبا، فأكل الحاضرون منه وأخذوا ما فيه من الذهب.
وكان قليل العلم، وكان يركب بالمنارة النحاس الرومية ذات السواعد التي عليها الشمع في ليالي الوقود، فاتّفق أنّه اجتاز بها بين يديه من تحت سدرة بالقرافة، فأمر بقطعها، فحذّر من ذلك، لما جاء في الحديث من نهي عن قطع السدر (٤)، فلم يعبأ بذلك وقطعها. ولم يمض عليه إلّا قليل حتى قتل، وكانت علامته: الحمد لله على نعمه.
وولي قضاء القضاة بعده القاضي الأعزّ أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن أبي محمد بن أبي عقيل.
٣٤٧٦ - ابن هديّة الصدفيّ (٥)
[١٩٢ أ] محمد بن هديّة- بضمّ الهاء وفتح الدال، وقيل: بفتح الهاء وكسر الدال، ثم ياء آخر الحروف- أبو يحيى، الصدفيّ، المصريّ.
روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وعنه شراحيل بن يزيد، قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره
стр. 2755
ابن حبّان في الثقات. وقال ابن يونس: له غير حديث، وروى له البخاري في أواخر كتاب أفعال العباد.
٣٤٧٧ - محمد بن هشام السدوسيّ [- ٢٥١] (١)
محمد بن هشام بن شبيب بن أبي خيرة، أبو عبد الله، السدوسيّ، البصريّ.
قدم مصر وسكنها. وله مسند مشهور، رواه عنه أبو القاسم الحسين بن محمّد بن داود (٢).
وحدّث عن عبد الوهاب الثقفيّ، ويحيى القطّان، وعثمان بن فرقد، ويزيد بن هارون، وسفيان بن عيينة، وجماعة.
روى عنه أبو داود، والنسائيّ، وأبو حاتم الرازيّ، في آخرين. قال الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: صالح، وفي موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن يونس: كان ثقة ثبتا حسن الحديث.
توفّي بمصر يوم الثلاثاء لسبع خلون من جمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومائتين.
٣٤٧٨ - أبو منصور المسكيّ العاقوليّ [٥٢٠ - ٦٠٠] (٣)
[١٩٣ أ] محمد بن همّام بن يوسف بن أحمد بن مالك، أبو منصور، ابن أبي محمد، المسكيّ، العاقوليّ، البغداديّ.
ولد في شهر رمضان سنة عشرين وخمسمائة.
سمع الحديث. وكان وكيلا بباب القضاة. وتوجّه إلى اليمن بعد ما حجّ. ودخل إلى مصر والشام، وعاد إلى بغداد. ومات منحدرا من الموصل في ذي الحجّة سنة ستّمائة. وحمل فدفن ببغداد.
وكان شيخا حسنا.
٣٤٧٩ - أبو بكر الشيبيّ الأسوانيّ [- ٤٨٢]
[١٩٣ ب] محمد بن هلال بن بلال، أبو بكر، الشيبي- بشين معجمة ثمّ باء موحّدة، نسبة إلى الشيب- الأسوانيّ، الكتّانيّ.
سمع أبا ثمامة جبلة بن محمد الصدفيّ، وجعفر بن عبد السلام- وبكر بن أحمد الشعرانيّ، وغيره.
قال عبد الغنيّ بن سعيد: ثقة مأمون.
توفّي لثمان بقين من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
قال الحبّال: رجل صالح، سمع الكثير.
٣٤٨٠ - أبو الفضل ابن هلال الطائيّ [- ٢٦٤]
محمد بن هلال بن جعفر بن عبد الرحمن، أبو الفضل، الطائيّ، المصريّ.
ولد بها وحدّث عن خالد بن نزار وغيره. وتقلّد الخراج بمصر بعد أحمد بن محمد بن المدبّر.
وكان صدوقا في الحديث، من أهل الكرم والجود. وله آثار بالمعافر وخير لم يزل قائما حتّى دثرت المعافر.
توفّي سنة أربع وستّين ومائتين.
стр. 2756
٣٤٨١ - أبو المعالي الأثاربيّ [- ٥٤٩] (١)
[١٩٤ أ] محمد بن هياج بن مبادر بن عليّ، الأنصاريّ، الأثاربيّ- نسبة إلى أثارب بفتح الهمزة ثمّ ثاء مثلّثة وراء مهملة مكسورة ثمّ باء موحّدة:
قلعة بين حلب وأنطاكية- أبو المعالي، التاجر.
قدم تنيس، وكان يخدم العلماء ويخالطهم.
وهو كثير المحفوظ. سافر كثيرا ودخل ديار مصر والعراق وخراسان والهند. وتوفّي بهراة في الحادي والعشرين جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
٣٤٨٢ - أبو الأحوص البغداديّ قاضي عكبرا [- ٢٧٨] (٢)
محمد بن الهيثم بن حمّاد بن واقد، أبو عبد الله، ابن أبي القاسم ويعرف بأبي الأحوص، الثقفيّ، مولاهم، القبطريّ، البغداديّ، قاضي عكبرا.
رحل في طلب الحديث إلى الكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، فسمع بمصر من حامد بن يحيى الخراسانيّ، وأبي غسّان بن إسماعيل، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعبد الله بن رجاء البصريّ، وإسحاق الحنينيّ، ومحمد بن كثير المصيصيّ، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن بكير، ويوسف بن عديّ، ويحيى بن سليمان الجعفيّ، ونعيم بن حمّاد المروزيّ، وجماعة.
روى عنه موسى بن هارون الحافظ، ومحمد بن عبد الله مطين، وخلق. قال الدارقطنيّ: كان من
الثقات الحفّاظ.
توفّي بعكبرا سنة ثمان وسبعين- وقيل: لخمس بقين من جمادى الأولى سنة تسع وسبعين- ومائتين.
روى له ابن ماجة.
٣٤٨٣ - أبو الفضل ابن وجيه الكاتب [- بعد ٦٤٥]
[١٩٤ ب] محمد بن وجيه بن جواد بن عساكر، أبو الفضل، الإسكندرانيّ، الكاتب.
سمع من أبي بكر محمد بن محمد بن الحسن الشقانيّ، وأبي القاسم بن موقا، وكتب الكثير بخطّه الحسن. وكان يورّق الوثائق.
كان حيّا في سنة خمس وأربعين وستّمائة.
٣٤٨٤ - أبو جعفر ابن زنجويه البغداديّ [- ٢٧٢]
محمد بن الورد بن زنجويه، أبو جعفر، البغداديّ، جدّ أبي محمّد عبد الله بن جعفر بن محمّد بن الورد.
سكن مصر وحدّث بها عن عفّان بن مسلم.
روى عنه أبو جعفر الطحاويّ.
ومات بمصر يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
٣٤٨٥ - أبو عبد الله السلميّ الزاهد [- ٢٥٠] (٣)
محمد بن وزير بن الحكم، أبو عبد الله، السلميّ، الدمشقيّ، ثمّ المصريّ، ختن أحمد بن عبد الله ابن أبي الحواريّ، الزاهد.
стр. 2757
سمع بشر بن بكر التنيسيّ، وروى عن أبي العبّاس بن الوليد بن مسلم القرشيّ، ومروان بن محمّد الطاطريّ، وسعيد بن كثير بن عفير، ومحمد بن إدريس الشافعيّ.
روى عنه أبو داود، وأبو حاتم الرازيّ، وأبو بكر عبد الله بن أبي داود وغيره. قال ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: ثقة. وقال العقيليّ: لا بأس به. وقال أبو أحمد المروزيّ: ثقة. وقال صالح بن عبيد: ثقة مأمون.
مات ليلة الأحد لستّ خلون من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين.
٣٤٨٦ - محمد بن وزير الغسّاني الحافظ (١)
من أهل دمشق، قدم مصر. وله ديوان شعر، منه [المخلّع]:
سألته قبلة فضنّا ... ولو حباني بها لمنّا
فديت من يستبين حتفي ... منه إذا صدّ أو تجنّى
لا تعطي [نّ] الحسود فيه ... وفيّ يا ربّ ما تمنّى
٣٤٨٧ - ابن وضّاح القرطبيّ محدّث الأندلس [١٩٩ - ٢٨٧] (٢)
[١٩٥ أ] محمد بن وضّاح بن بزيع، أبو عبد الله، مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، من أهل قرطبة.
ولد سنة تسع وتسعين ومائة. قرأ القرآن على عثمان بن سعيد ورش. وتفقّه بسحنون وغيره، ثمّ تزهّد.
وروى بالأندلس عن يحيى بن يحيى، وعبد الملك بن حبيب، وغيره. ورحل في سنة ثماني عشرة ومائتين، فلقي سعيد بن منصور، وآدم ابن أبي إياس، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وزهير بن حرب، وغيره.
ولم يكن طالبا للحديث، وإنّما كان زاهدا عابدا. وعاد إلى قرطبة. ثم رحل ثانيا، فسمع من إسماعيل بن أبي أويس، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وإبراهيم بن المنذر، والفريابيّ، وحرملة، وأصبغ بن الفرج، وجماعة، عدّتهم مائة وخمسة وستّون، من البغداديّين، والشاميّين، والمصريّين، والقرويّين.
وكان عالما بالحديث، بصيرا بطرقه، متكلّما على علله، كثير الحكاية عن العبّاد، ورعا، زاهدا، فقيرا، متعفّفا، صابرا على الإسماع، محتسبا في نشر العلم. سمع الناس منه كثيرا.
وتوفّي ليلة السبت لأربع بقين من المحرّم سنة سبع وثمانين ومائتين بقرطبة.
٣٤٨٨ - محمد بن وضّاح اللخميّ، أبو القاسم [- نحو ٥٧٠] (٣)
نزل جزيرة شقر، وولي خطابتها، ولزم الإقراء بها، ورحل فحجّ، وقرأ القراءات على أبي عليّ ابن العرجاء بمكّة، وكان مشهور الصلاح.
стр. 2758
٣٤٨٩ - ابن وفاء التجيبيّ [- ٢٩٣]
محمد بن وفاء بن سهيل بن عبد الرحمن، أبو عبد الله، التجيبيّ.
يروي عن أبيه وغيره.
توفّي سنة ثلاث وتسعين ومائتين. ذكره ابن يونس.
٣٤٩٠ - ابن عبد السيّد المراغيّ [- ٦٨٩]
محمد بن وفاء بن عبد السيّد، أبو عبد الله، المراغي.
حدّث عن أبي الفضل ابن الحدّاد. ومات بدمشق يوم الجمعة سادس عشر شعبان سنة تسع وثمانين وستّمائة.
٣٤٩١ - أبو بكر الآمديّ [٥٢٩ - بعد ٥٧٥]
محمد بن أبي الوفاء بن نصر الله بن سعد بن عبد الرحيم، أبو بكر، الآمديّ.
ولد في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقدم الإسكندريّة، وحدّث بها عن أبي الوقت السجزيّ، في شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
سمع منه ابن رواج وغيره.
٣٤٩٢ - أبو الحسن العقيليّ [- ٢٠٧] (١)
[١٩٥ ب] محمد بن الوليد بن أبان بن حيّان، أبو الحسن، العقيليّ، المصريّ.
سمع بمصر من نعيم بن حمّاد، وهاني بن المتوكّل الإسكندرانيّ، وخالد بن عمرو.
وبدمشق من هشام بن عمّار وغيره. وحدّث ببغداد، ومات سنة سبع ومائتين.
٣٤٩٣ - أبو بكر الطرطوشيّ [٤٥١ - ٥٢٠] (٢)
[١٩٦ أ] محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيّوب، ابن أبي رندقه- بفتح الراء المهملة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وبعدها قاف، كلمة فرنجيّة معناها: ردّ تعال- الإمام العلّامة، أبو بكر، الفهريّ، الطرطوشيّ، الفقيه المالكيّ.
ولد بطرطوشة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
وتوفّي بثغر الإسكندريّة ليلة السبت لخمس بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة، ودفن بمقبرة وعلة (٣). وقبره إلى الآن يزار ويتبرّك به.
أخذ فقه الإمام مالك عن أبي الوليد الباجيّ بمدينة بسطة، وأخذ عنه مسائل الخلاف، وسمع منه فأجازه. وقرأ الفرائض والحساب بوطنه. وقرأ الأدب على أبي محمد ابن حزم (٤)، بمدينة إشبيلية.
ورحل سنة ستّ وسبعين وأربعمائة. فسمع بثغر الإسكندريّة من أبي القاسم مهديّ بن يوسف.
стр. 2759
وببغداد من قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن عليّ ابن الدامغانيّ، وأبي الحسين عاصم بن الحسن وغيره، وبواسط من أبي الحسن عليّ بن محمد المغازليّ، وبالبصرة ومكّة من غير واحد.
وحجّ سنة ستّ وسبعين وأربعمائة، وسار إلى بغداد والبصرة. وتفقّه على أبي محمّد الشاشيّ، واجتمع بالإمام أبي حامد الغزاليّ ببيت المقدس.
وأقام بالإسكندريّة فتفقّه عليه أكثر فقهائها. وكانت إليه الرحلة، وقدم القاهرة مرارا، وآخر ما قدم إليها في شهر شوّال سنة ستّ عشرة وخمسمائة، والوزير يومئذ الأجلّ المأمون أبو عبد الله محمد بن فاتك البطائحيّ، وكانت بينهما مودّة قديمة، وأهدى إليه كتاب «سراج الملوك»، وكان قد صنّفه للأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، فقتل قبل إتمامه (١).
فبالغ في كرامته، وأنزله بمجلسه، وقام عند رؤيته، وجلس بين يديه، وأجرى له في كلّ يوم خمسة دنانير من مال الجوالي (٢)، فلم يقبل منها غير دينارين كانا باسمه من الأيّام الأفضليّة.
وكان الداعي لحضوره أمر المواريث، وما يأخذه أمناء الحكم من أموال الأيتام، وهو ربع العشر، وأمر توريث البنت نصف المال. وكانوا يورّثونها جميع المال مع وجود العصبة، كما هو مذهب آل البيت. فاعتدّ المأمون بأنّ هذه قضيّة لم يحدثها، وأنّ أمير الجيوش بدرا هو الذي استجدّها، وهي تسمّى بالمذهب الدارج: وهو أنّ
كلّ من مات يعمل في ميراثه على حكم مذهبه، وقد مرّ على ذلك عدّة سنين.
فقال له الفقيه أبو بكر: إذا علمت أنّها ما تخلّصك من الله فغيّرها، ويكون لك أجرها.
فقال: أنا نائب الخليفة، ومذهبه ومذهب جميع الشيعة من الزيديّة والإماميّة والإسماعيليّة أنّ الإرث جميعه للابنة خاصّة بلا عصبة ولا بيت مال، ويتمسّكون بآية من كتاب الله كما يتمسّك غيرهم، وأبو حنيفة موافقهم في القضيّة- يعني توريث ذوي الأرحام.
وطال بينهما الكلام، إلى أن قال المأمون للفقيه أبي بكر: أنا لا أريد مخالفتك، ولا في قدرتي أن أردّ على الجماعة مذهبهم، والخليفة يرى به وينقضه على من يأمر به، بل أرى لشفاعة الفقيه أن أردّ الجميع للابنة على رأي الدولة فيرجع كلّ أحد إلى حكم رأيه في مذهبه فيما يخلّصه من الله، ويبطل حكم بيت المال الذي لم يذكره في كتابه ولا أمر به الرسول ﵇.
فأجاب الفقيه إلى ذلك، وأمر المأمون بأن يكتب [به وأن يكتب] بتعويض أمناء الحكم عن ربع العشر [بتقرير جار لهم في كلّ شهر] من مال المواريث الحشريّة (٣). وكتب توقيع شملته العلامة الآمريّة [وبعدها العلامة] المأمونيّة، نصّه، بعد البسملة: خرج [أمر] أمير المؤمنين، الآمر بأحكام الله، أبو عليّ المنصور، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، بإنشاء هذا المنشور عند ما طالعه السيّد الأجلّ المأمون أمير الجيوش، وهو الخالصة أفعاله في حياطة المسلمين، وذو المقاصد المصروفة إلى النظر في مصالح الدنيا
стр. 2760
والدين، والهمّة الموقوفة على الترقّي إلى درجات المتّقين، والعزائم الكفيلة بتسديد أحوال الكافّة أجمعين، شيمة خصّه الله بفضيلتها، وجبلّة أسعده بخلالها وشريف مزيّتها. والله سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة، وأنحاءه للميامن كافلة ضامنة، من أمور المواريث، وما أجراها عليها الحكّام الدارجون بتغاير نظرهم، وقرّروه من تغييرها عمّا كان يعهد بتغلّب آرائهم، وما دخل عليها منهم من الفساد، والخروج بها عن المعهود والمعتاد: وهو أنّ كلّ خارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم، يحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته، والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته. فيخلص لحرم ذوي التشيّع الوارثات جميع موروثهم، وهو المنهج القويم لقول الله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) [الأنفال: ٧٥]، ويحمل من سواهنّ على مذهب مخلّفيهنّ، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم، ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلّ الله لهنّ بعدهم، عدولا عن محجّة الدولة، وخروجا عمّا جاء به الصادقون الأئمّة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة، فهم قرّاء القرآن، وموضّحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان، وإليهم يسلّم المؤمنون، وعلى هديهم وإرشادهم يعوّل الموفّقون. فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ذلك على قاعدة واهية الأصول، بعيدة من التحقيق، خالية من المحصول، ولم ير إلّا العود فيه [١٩٧ أ] إلى عادة آبائه المطهّرين، وأسلافه العلماء المهديّين، صلوات الله عليهم أجمعين. وخرج أمره إلى السيد الأجلّ المأمون بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملك النائب (١) في الحكم عنه، بتحذيره، والأمر له بتحذير جميع النوّاب في الأحكام بالمعزّيّة القاهرة ومصر، وسائر الأعمال دانيها وقاصيها، قريبها ونائيها، من الاستمرار على تلك السنّة المجدّدة، ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة، واستئناف العمل في ذلك بما يراه آباؤه الأئمّة المطهّرة، وأسلافه الكرام البررة، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم، إلى المعهود من رأي الدولة فيها، والإفراج عنها برمّتها إلى مستحقّيها، من غير اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها، وأن يضربوا عمّا تقدّم صفحا، ويطووا دونه كشحا، منذ تاريخ هذا التوقيع، وفيما يأتي بعده مستمرّا غير مستدرك لما فات ومضى، ولا متعقّب لما ذهب حكمه وانقضى. وليوعز الأجلّ المأمون- عضد الله به الدين- بامتثال هذا المأمور و [ال] اعتماد على مضمون هذا المسطور، وليحذّر كلّا من القضاة والنوّاب، والمستخدمين في الباب، وسائر الأعمال، من اعتراض موجود أحد ممّن يسقط بالوفاة، وله وارث بالغ رشيد، حاضر أو غائب، ذكرا كان أو أنثى، من سائر الناس على اختلاف الأديان، بشيء من التأوّلات، أو تعقّب ورثته بنوع من أنواع التعقّبات، إلّا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشرعيّات الواجبات، نظرا في مصالح الكافّة، ومدّا لجناح العاطفة عليهم والرأفة، ومضاعفة للإنعام، وإبانة عن شريف النظر إليهم والاهتمام.
فأمّا من يموت حشريّا، لا وارث له حاضر ولا غائب فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السليمة، والقوانين المعلومة القويمة، إلّا ما
стр. 2761
يستحقّه خرج (١) إن كان له، أو دين عليه يثبت في جهته. وإن سقط متوفّى وله وارث غائب، فليحتط الحكّام والمستخدمون على تركته احتياطا حكميّا، وقانونا شرعيّا، مصونا من الاصطلام، محروسا من التفريط والاخترام. فإن حضر وأثبت استحقاقه ذلك في مجلس الحكم بالباب، على الأوضاع الشرعيّة الخالصة من الشبه والارتياب، طولع بذلك ليخرج الأمر بتسليمه [١٩٧ ب] إليه، والإشهاد بقبضه عليه.
وكذلك أنهي إلى حضرة أمير المؤمنين أنّ شهود الحكم بالباب وبجميع الأعمال إذا شارف أحد منهم بيع شيء ممّا يجري في المواريث من الترك التي يتولّاها الحكّام، يأخذون ربع العشر من ثمن المبيع فيعود ذلك بالنقيصة في أموال الأيتام، والتعرّض إلى الممنوع الحرام، اصطلاحا استمرّوا على فعله، واعتمادا لم يجر الأمر فيه على حكمه.
فكره ذلك وأنكره، واستفظعه وأكبره. واقتضى حسن نظره في الفريقين ما خرج به أمره من توفير مال الأيتام، وتعويض من يباشر ذلك من الشهود جاريا يقام لكلّ منهم من الإنعام. وأمر بوضع هذا الرسم وتعفيته وإبطاله وحسم مادّته. فليعتمد القاضي ثقة الملك ذلك في الباب، وليصدر الإعلام به إلى سائر النوّاب، سلوكا لمحجّة الدين، وعملا بأعمال الفائزين السعداء المتّقين، بعد تلاوة هذا التوقيع بالمسجدين الجامعين بالمعزّيّة القاهرة المحروسة ومدينة مصر، على رءوس الأشهاد، ليتساوى في معرفة مضمونه كلّ قريب وبعيد، وحاضر وباد، وليفرّع منه النسخ إلى جميع النوّاب عنه في الأعمال، وليجلّد [هـ] في مجلس الحكم بعد ثبوته في ديواني المجلس
والخاصّ الآمريّ (٢)، وحيث يثبت إن شاء الله حجّة مودعة في اليوم وما بعده.
وكتب لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستّ عشرة وخمسمائة».
ولمّا ودّع الفقيه أبو بكر ذكر له أنّه يريد بناء مسجد بظاهر الثغر على البحر، فكتب إلى مكين الدولة أبي طاهر أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن ابن حديد قاضي الإسكندريّة وناظرها بعمارة ذلك من مال ديوان المأمون، دون مال الدولة. فبنى مسجدا على باب البحر.
ثمّ بنى له أيضا سلطان الجيوش حيدرة أخو المأمون مسجدا آخر بالمحجّة من الثغر.
وكان إماما عالما زاهدا ورعا ديّنا متواضعا متقشّفا متقلّلا من الدنيا راضيا منها باليسير، وكان يقول: إذا عرض لك أمران، أمر دنيا وأمر آخرة، فبادر بأمر الآخرة يحصل لك أمر الدنيا والآخرة.
وكان كثيرا ما ينشد [الرمل]:
إنّ لله عبادا فطّنا ... طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكّروا فيها فلمّا علموا ... أنّها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لجّة واتّخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
وحصّل كثيرا وكتب بخطّه، وصنّف عدّة تصانيف مفيدة. وحدّث فروى عنه جماعة وتخرّج به جماعة كثيرة من أعيان الفقهاء. وظهرت بركته
стр. 2762
[١٩٨ أ] على من اشتغل عليه، فإنّه كان قدم مصر ولم يبق أحد ينتفع به غالبا، فكان يعلّم الإنسان كتاب الطهارة، ويخرجه إلى بلد فيعلّمهم ذلك، ويعلّم آخر الصلاة، ويفعل به كذلك، وآخر الزكاة، وآخر الصيام، حتّى كان من يستفاد منه غالبا إنّما هم أصحابه أو أصحاب أصحابه.
وقال فيه أبو العبّاس العرشيّ [الخفيف]:
لمّ شمل الإسلام بعد انصداع ... وتلافى رثيثه تجديد
مثل ما لمن أبو بك ... ر فعاد الطريف مثل التليد (١)
وقال إبراهيم بن مهدي بن قلنبا المالكيّ الفقيه المتكلّم: شيخنا أبو بكر الطرطوشيّ، زهده وعبادته أكثر من علمه. وكانت الطلبة والفقهاء يقرءون عليه للتبرّك، وانتفع جماعة به وتخرّجوا عليه. وورد بغداد، وكان عليه كساء وقلنسوة، وكان معه هميان (٢) فيه مائتا دينار. فاتّفق أنّهفي الطريق أراد أن يتوضّأ، فوضعه في موضعه فنسيه فوجده رجل ديّن خيّر. فصبر يومين فرآه لا يضطرب ولا يطلب شيئا، فقال له الرجل: هل ضاع لك شيء؟
فقال: هميان فيه كذا.
فأخرج الهميان وقال: هذا لك؟
قال: بلى!
فأخذه منه، فقال له الرجل: فما لك سكتت؟
قال: إذا قلت ضاع منّي مائتا دينار، وعليّ هذه البزّة، من كان يصدّقني؟
(قال): وكان الفقهاء بالليل يكرّرون وينامون، فيجيء الفقيه الطرطوشيّ ويترك الدنانير الصحاح
في أفواههم، فإذا انتبه الفقيه منهم يجد الذهب في فيه ولا يعلم من تركه فيه.
وأخرج من الإسكندريّة صبيحة يوم السبت لآخر ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة. ومنع الناس من الخروج معه خوفا من فتنة تكون. وغلّقت وقت خروجه عليهم أبواب المدينة فلم يقدر أحد يصحبه إلّا أبو طاهر إسماعيل بن مكّي بن عوف، وعطيّة بن مسلم اللخميّ، وحسين بن ياسين الصعيديّ، وشبيب العلّاف الأزديّ، وعبد الله القاضي المالكيّ، فإنّهم خرجوا معه إلى القاهرة. فدخل على الأفضل ابن أمير الجيوش يوم الاثنين ثامن رجب، فأكرمه وفرح به. ولم يبق متولّي الثغر غير شهر حتى ورد عليه كتاب الأفضل بعزله، فخرج باكيا حزينا في مثل اليوم الذي خرج فيه الطرطوشيّ.
وكان [١٩٨ ب] اسمه جوهر [وهو] من جملة الأرمن الموالي، وقرّر الأفضل للطرطوشي عشرة دنانير في كلّ شهر من جوالي (٣) النصارى، وأعطاه المحرس المعروف بالشرف. وما برح بمصر حتى قتل الأفضل، وولي أبو عبد الله محمد بن فاتك الوزارة من بعده. فأذن له في الانصراف إلى الإسكندريّة، وأكرمه، وأضاف إليه عشرين فدّانا من البهنسى بالصعيد، كانت لأبي شبل المعقليّ الزعبيّ العابد بجزيرة الإسكندريّة. ثمّ توفّر له أيضا بعد عوده إلى الإسكندريّة خمسة دنانير في كلّ شهر من الخمس الروميّ (٤). فسأل القاضي مكين الدولة أبا طالب أحمد ابن حديد أن يجعلها على الجوالي.
стр. 2763
وقال المنذريّ- وقد ذكر وفاته: وصلّى عليه ولده محمّد بن محمد بن الوليد، وحضر القاضي الموفّق ابن الموفّق أبو الفتوح متولّي الأحكار والإشراف بالإسكندريّة. ولم يتمكّن الناس من دفنه لكثرة من صلّى عليه، وعمره تسع وستّون سنة، وكان استوطن الإسكندريّة في حدود سنة تسعين وأربعمائة.
وكان من الأئمّة المشهورين، والزهّاد المذكورين، ودرّس بالثغر وألّف كتاب «تعليق الخلاف»، وكتاب «سراج الملوك»، وكتاب «الحوادث والبدع»، وكتاب «برّ الوالدين»، وكتاب «العمدة في أصول الفقه»، وكتاب «تحريم الغناء»، وكتاب «الزهد والتصوّف»، وكتاب «السعود في الردّ على اليهود».
٣٤٩٤ - محمد بن وليد القرطبيّ [- ٣٠٩] (١)
[١٩٩ أ] محمد بن وليد بن محمد بن عبد الله بن عبيد، أبو عبد الله، الأندلسيّ، القرطبيّ.
سمع من العتبيّ وغيره، ورحل مع أسلم بن عبد العزيز. وسمع من يونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان، والمزنيّ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم بمصر، ومحمد بن عبد الرحيم البرقيّ، ومحمد بن سحنون، وغيره.
وكان حافظا للفقه، عالما بالشروط، مشاورا في الأحكام، متقدّما عند القاضي أحمد بن محمد بن زياد، طويل اللسان، كثير الملق. واتّهم بالكذب ورفع الحديث إلى الأمير.
وقد روى عنه الناس وسمعوا منه.
توفّي للنصف من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة.
٣٤٩٥ - أبو الحسين ابن ولّاد النحويّ [- ٢٩٤] (٢)
محمد بن الوليد بن محمد، والوليد يعرف بولّاد، أبو الحسين، التميميّ، المصريّ، النحويّ.
رحل إلى بغداد وأقام بها ثمانية أعوام، وقرأ كتاب سيبويه على المبرّد، وعاد إلى مصر فتصدّر.
وسمع على ثعلب. وأخذ بمصر عن أحمد بن جعفر الدينوريّ، ومحمود بن حسّان النحويّ، وصنّف كتاب المنمّق في النحو. وكان حسن الخطّ، جيّد الضبط.
وتزوّج أبو عليّ الدينوريّ أمّه، واتّفق أنّه لمّا رحل لأخذ كتاب سيبويه عن المبرّد، كان المبرّد لا يمكّن أحدا من نسخته، وكان يضنّ به ضنّا شديدا. فكلّم ابن ولّاد ابنه فيه، على أن يجعل له في كلّ كتاب منه جعلا، فأجابه إلى ذلك وأكمل نسخه، ثمّ إنّ المبرّد ظهر على ذلك، فسعى بابن ولّاد إلى بعض خدم السلطان ليحبسه له ويعاقبه.
فامتنع منه ابن ولّاد بصاحب خراج بغداد، وكان يؤدّب ولده، فأجاره منه. ثمّ ألحّ صاحب الخراج على المبرّد في أن يقرأ عليه ابن ولّاد الكتاب حتى فعل.
وتوفّي ابن ولّاد، وقد بلغ الخمسين وغلب عليه الشّيب، سنة ثمان وتسعين ومائتين بمصر.
وكان يخمع برجله، وأوصى عند موته أن يدفن معه كتاب سيبويه، فصار إلى ابنه أبي العبّاس أحمد بن محمد بن ولّاد، وانتقل إلى الدقّاق،
стр. 2764
وصار بعد موته إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات.
٣٤٩٦ - محمد بن وهب السبتيّ [- بعد ٦٤٠]
[٢٠٠ أ] محمد بن وهب بن أحمد بن وهب، أبو عبد الله، المغربيّ، السبتيّ.
قدم مصر في حدود الأربعين وستّمائة. ونزل دار الحديث الكامليّة. وكان متأدّبا. توفّي بقوص وهو يريد الحجّ.
ومن شعره [المخلّع]:
قد شرّد النوم عن جفوني ... شأن البراغيث والبعوض
يرقص هذا بغير بمّ ... وذا يغنّي بلا عروض
٣٤٩٧ - محمد بن وهب الدمشقيّ المحدّث [- نحو ٢٣٠] (١)
محمد بن وهب بن عطيّة- ويقال محمد بن وهب بن سعد بن عطيّة، أبو عبد الله، السلميّ، الدمشقيّ.
روى عن يعقوب بن محمد بن فضالة بن عبيد بن عمران، والهيثم بن عمران، وعبد الخالق بن زيد بن واقد، والوليد بن مسلم، وبقيّة بن الوليد، وغيره.
روى عنه محمد بن يحيى الذهليّ (٢)، وأبو حاتم الرازيّ، وسعيد بن كثير بن عفير، وجماعة.
خرّج له البخاريّ وابن ماجة. قال أبو حاتم:
صالح الحديث. وقال الدارقطنيّ: ثقة.
٣٤٩٨ - أبو عمرو ابن وهب الدمشقيّ [- بعد ٢٧٠] (٣)
محمد بن وهب بن مسلم، أبو عمرو، القرشيّ، الدمشقيّ، نزيل مصر.
حدّث بمصر عن عبد الله بن العلاء بن زبر، وسعيد بن عبد العزيز، والوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد.
روى عنه يحيى بن عثمان، وأحمد بن محمّد بن الحجّاج بن رشدين بن سعد، والربيع بن سليمان الجيزي، وغيره.
قال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وقال ابن عساكر: ذاهب الحديث. وقال ابن يونس: منكر الحديث.
كان يسكن بجيزة الفسطاط، وسكن أيضا بلبيس من حوف مصر.
توفّي في عشر السبعين والمائتين.
٣٤٩٩ - أبو بشر محمد بن ياسين البزّاز [- ٣١٨]
[٢٠٠ ب] حدّث. توفّي في ذي الحجّة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. ذكره ابن يونس.
٣٥٠٠ - ابن الصوّاف المكناسيّ المالكيّ [٦٠٢ - بعد ٦٣٦]
[٢٠١ أ] محمد بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن زهير بن إبراهيم، أبو عبد الله، ابن أبي الحسين، ابن أبي الوفاء، الخزرجيّ، المصريّ الأصل، المكناسيّ المولد، المالكيّ، المعروف
стр. 2765
بابن الصوّاف.
كتب عنه الرشيد أبو بكر ابن الحافظ أبي محمد عبد العظيم المنذريّ، وقال: شابّ فاضل من بيت علم وقضاء، ولي أبوه يحيى القضاء بعدّة مدن من المغرب. وقرأ بالمغرب دواوين أبيه. قدم مصر وحجّ ودخل الشام فأقام به مدّة، ثمّ عاد إلى مصر، وكتبت (١) عنه.
وجدّ أبيه يحيى بن إبراهيم بن زهير ابن الصوّاف مصريّ، سمع الحديث، وحصّل كتبا كثيرة، وكتب عنه السلفيّ بمصر، وغمزه بشيء.
وجدّه إبراهيم هو الذي دخل المغرب من مصر.
ولد أبو عبد الله سنة اثنتين وستّمائة. وعرف جدّه بالصوّاف لأنّه تزهّد ولبس الصوف فعرف بذلك.
كان بالقاهرة في ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين وستّمائة.
٣٥٠١ - أبو سعيد الشلوبين الإشبيليّ [- ٦٤٠] (٢)
[٢٠١ ب] محمد بن يحيى بن أحمد بن خليل، أبو سعيد الشلوبين، الإشبيليّ.
روى عن أبيه وعمّه أبي علي الشلوبين. وألّف كتابا في الأحكام، وكتابا في غوامض التأويل، واعتنى بعلم التفسير اعتناء كبيرا، وغلب عليه حال العبادة.
ورحل مع أخيه أبي الفضل محمّد، وحجّا.
ومات أبو الفضل بمصر. وعاد أبو سعيد إلى بلده فمات إثر وصوله في عشر الأربعين وستّمائة. وقد أخذ عن أبي الطاهر بن عوف وغيره.
٣٥٠٢ - أبو الفضل الشلوبين [- قبل ٦٤٠]
محمد بن يحيى بن أحمد بن خليل، أبو الفضل الشلوبين، الإشبيليّ، أخو أبي سعيد.
غلب عليه حال العبادة، مع توفّر علمه بالعربيّة.
مات بمصر.
٣٥٠٣ - أبو البركات ابن الصوّاف المالكيّ [- ٦٩٩]
محمد بن يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عليّ، سديد الدين، أبو البركات، ابن أبي الحسين، ابن أبي الفضل، الجذاميّ، الإسكندرانيّ، المعروف بابن الصوّاف، المالكيّ.
كان إماما عارفا بالقراءات والنحو وفقه المالكيّة جملة حسنة، ثقة.
مات في أحد الربيعين سنة تسع وتسعين وستّمائة، بعد ما حجّ وجاور. وقرأ بمكّة كتاب الترمذيّ.
٣٥٠٤ - وجيه الدين ابن السدّار [٥٥٨ - ٦٣٣] (٣)
محمد بن يحيى بن أحمد بن عبد العزيز، وجيه الدين، أبو عبد الله، ابن السدّار، الأنصاريّ.
ولد بمصر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وسمع من السلفيّ، وحدّث عنه، وعن أبي الطاهر بن عوف. وكان من أعيان مصر. وولي مشارفة الأحباس وغيرها. وكان شيخا ظاهر الجلالة، معروف الأصالة، موسوما بالعدالة.
توفّي يوم الاثنين مستهلّ ذي القعدة سنة ثلاث
стр. 2766
وثلاثين وستّمائة. ودفن بسفح المقطّم.
٣٥٠٥ - ابن الحذّاء الأندلسيّ المعبّر [٣٤٥ - ٤١٦] (١)
محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن عبد الواحد بن محمد بن يعقوب بن داود، عرف بابن الحذّاء، أبو عبد الله، التميميّ- ويتولّى بني أميّة.
أحد رجال الأندلس، علما وفقها ومعرفة بعلم الحديث وطرقه وعلله، ومعرفة علم الرؤيا، وله الباع الطويل فيها، وأبصر الناس بها.
سمع بالأندلس من القاضي أبي عبد الله ابن المفرّج، وأبي بكر ابن القوطيّة (٢)، وأبي عمر أحمد بن ثابت، وغيره. ورحل، فكتب بمكّة عن أبي بكر محمّد بن أحمد بن إبراهيم البلخيّ، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الدينوريّ، وغيره. وبالمدينة النبويّة عن أبي عبد الله الحسن بن الحسين بن الضحّاك.
وبمصر عن أبي القاسم الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله العثمانيّ، وأبي القاسم هشام بن محمد بن أبي خليفة الرعينيّ، وأبي عليّ الحسن بن عليّ بن داود المطرّز، [٢٠٢ أ] وأبي بكر أحمد بن محمد ابن المهندس، وأبي بكر أحمد بن الحسن البصريّ، وأبي محمد جعفر بن أحمد بن عبد الله البزّاز، وأبي بكر الأدفويّ، وأبي الطيّب بن غلبون، وأبي أحمد عبد الله بن الحسين بن حسنون، وأبي العبّاس أبيض بن محمد بن الحارث ابن أبيض، وأبي الفضل صالح بن عبد الصمد بن
معروف النحويّ، وعبد الغنيّ بن سعيد، وإسماعيل بن داود بن وردان البزّاز، وأبي العلاء عبد الوهّاب بن عبد الرحمن بن ماهان.
وبالقيروان عن أبي محمد ابن أبي زيد.
ورجع إلى الأندلس في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بعلم كثير. وألّف كتاب التقريب في من ذكر في الموطّأ لمالك بن أنس من الرجال والنساء، وكتاب «الإنباه على أسماء الله»، وكتاب «البشرى في تأويل الرؤيا» عشرة أسفار، وكتاب «الخطب وسير الخطباء»، في سفرين.
واستقضي ببجّانة، ثمّ بإشبيلية. وكان مع القضاء في عداد المشاورين بقرطبة. وتولّى أيضا خطّة الوثائق السلطانيّة. وخرج عن قرطبة في الفتنة إلى الثغر الأعلى، واستقضي بمدينة تطيلة، ثم نقل إلى قضاء مدينة سالم، وحدّث هنالك. ثمّ سار إلى سرقسطة، وتوفّي بها يوم السبت رابع رمضان سنة ستّ عشرة وأربعمائة عن اثنتين وسبعين سنة. ومولده في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
وجدّه شاميّ دخل الأندلس، وكان ممّن أسر يوم مرج راهط، فصحّف الناس اسمه المشهور فنقلوه من الحدّاء الذي هو «فعّال» من الحداء في السير، إلى الحذّاء للنعّال، فاستمرّ، لأنّ جدّه أنجشة (٣) الذي كان يحدو، فقال له رسول الله ﷺ : يا أنجشة، ارفق بالقوارير!
٣٥٠٦ - أبو بكر ابن آدم الفارسيّ [- ٣١٨]
[٢٠٢ ب] محمد بن يحيى بن آدم، أبو بكر، الفارسيّ، الجوهريّ، المصريّ.
стр. 2767
ولد بمصر، وحدّث بها عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وإسحاق بن وهب الطهرمسيّ (١)، والربيع ابن سليمان، ويحيى بن عثمان بن صالح، وإبراهيم ابن أبي داود، ويونس بن عبد الأعلى، وغيرهم.
روى عنه أبو الحسين محمد بن عبد الله الرازي، والد تمّام. وسمع منه بمصر أبو أحمد بن عديّ، والحسن بن رشيق، وجماعة.
توفّي في ذي الحجّة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة بمصر. وكان له ستر وصيانة، إلّا أنّه كان يتّهم بالميل إلى مسألة اللفظ بالقرآن، فاستحضره القاضي أبو عبيد عليّ بن الحسين بن حربويه وحادثه، فأعجبه وهمّ بقبوله. فبلغ ذلك الشهود، فقام محمد بن الربيع الجيزيّ منهم مع القاضي حتى أوقفه عن ذلك. فعمل محمد بن يحيى بن آدم رسالة في محمد بن [الربيع] نحو ثلاثين ورقة، ورسالة أخرى في تفضيل أهل مصر في الرقيق [ ... ] الدوابّ، على الذين تكلّموا فيه من الأمناء والشهود.
٣٥٠٧ - أبو مزاحم المحتسب [- ٢٠٢]
محمد بن يحيى بن إسماعيل، أبو عبد الله، ابن أبي زكير، الصدفيّ، مولاهم، المصريّ، ويقال له: أبو مزاحم المحتسب.
كان فقيها من أصحاب ابن وهب، وحدّث عنه. روى عنه أحمد بن يحيى بن خالد، ومحمد بن وضّاح بن بزيع القرطبيّ.
توفّي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين ومائتين.
وزكير بزاي في أوّله وراء مهملة في آخره.
٣٥٠٨ - صفيّ الدين الأسوانيّ [٦٠٢ - ٦٨٦] (٢)
[٢٠٣ أ] محمد بن يحيى بن أبي بكر بن زكريا بن إدريس، [صفيّ الدين] أبو عبد الله، ابن أبي زكريّا، الهرغيّ، المغربيّ الأصل، الأسوانيّ.
قدم أبوه من بلاد المغرب، وأقام بأسوان، وبها مات سنة تسع عشرة وستّمائة.
ونشأ أبو عبد الله بإخميم، واشتهر بالصلاح، واعتقد الناس بركته، ونقلت عنه كرامات عديدة.
كتب عنه الشيخ تقيّ الدين أبو الفتح محمد ابن دقيق العيد، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الخطيب، والشيخ أبو عبد الله محمد بن النعمان، وقطب الدين محمد بن أحمد ابن القسطلانيّ.
وذكره قطب الدين عبد الكريم الحلبيّ وقال في حقّه: الشيخ الصالح العارف القدوة، كان من الصالحين.
وقال الكمال جعفر الأدفويّ: كان يدّعي أنّه يرى النبيّ ﷺ ويجتمع به. ويقول: ما يبقى في النار أحد، ولا اليهود، ولا النصارى! جاءني النبيّ ﷺ وقال لي كذا.
فبلغت مقالته بعض قضاة القضاة، فأرسل إلى قاضي إخميم أن يحضره ويعمل معه حكم الشرع.
وكان الحاكم بها ابن المطوّع، وكان عاقلا فيه سياسة، فأحضره، والعوامّ تعتقده، وقال: يا شيخ أبا عبد الله، تائبون كلّنا إلى الله تعالى؟
قال: نعم، نقول كلّنا: اللهمّ إنّا تائبون إليك.
فقال ذلك، فتركه، وكتب إلى قاضي القضاة أنّه أحضره وأنّه تاب. وذكر حاله وقيام العامّة معه،
стр. 2768
وما ينقل عنه من الخير.
وقال: سمعت أبا زيد التكروريّ يقول: سمعت الشيخ أبا مدين يقول: كفى بالحدوث نقصا في جميع الخليقة. ومن كان معلولا لم يدرك الحقيقة.
ومن شعره قوله:
من يوم الست كان منهم ما كان ... وصلي بهم من قبل أين ومكان
لا صدّ ولا هجران أخشاه ولا ... ما يحدثه يا صاحبي صرف زمان (١)
توفّي بإخميم يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة ستّ وثمانين وستّمائة، ودفن برباطه بها. وقبره يزار ويتبرّك به.
٣٥٠٩ - أبو أحمد الهلاليّ العبّاسيّ [٦٢٥ - ]
[٢٠٤ أ] محمد بن يحيى بن خير بن عبد الله بن عليّ بن عثمان بن حسّان، أبو أحمد، الهلاليّ، العبّاسيّ، من العبّاسة، إحدى قرى قوص.
ولد سنة خمس وعشرين بالعبّاسة من قوص.
وسمع الحديث من أبي الحسن علي بن هبة الله [ابن] الجمّيزى.
٣٥١٠ - أبو بكر ابن بلغارية [- ٢٩٢]
محمد بن يحيى بن زكريا بن عبد الله، أبو بكر، الصدفيّ، مولاهم، يعرف بابن بلغارية، إمام مسجد الجامع بمصر وصاحب القصص به.
توفّي في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
٣٥١١ - ابن برطال قاضي الجماعة القرطبيّ [٢٩٩ - ٣٩٤] (٢)
محمد بن يحيى بن زكريا بن يحيى، المعروف بابن برطال، قاضي الجماعة، أبو عبد الله، التميميّ، القرطبيّ.
ولد لعشر خلون من رجب سنة تسع وتسعين ومائتين. سمع بقرطبة من أحمد بن خالد، وقاسم بن أصبغ، ومحمد بن عيسى بن رفاعة، وأحمد بن دحيم.
ورحل سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. فسمع بمكّة من أبي إسحاق بن فراس وغيره. وبالقلزم من عبد الله بن محمد بن يوسف. وبمصر من أحمد بن جامع، وبكر بن محمد بن العلاء القشيريّ، وحمزة الكنانيّ، وابن الورد، وجماعة كثيرة. وببيت المقدس، والرملة، من غير واحد.
وعاد إلى وطنه، فولّاه الناصر لدين الله كورة ريّو. وولي صدر دولة المؤيّد بالله (٣) كورة جيّان، وأحكام الشرط، إلى أن مات محمد بن يبقى، فولي قضاء الجماعة بقرطبة والصلاة، في يوم الاثنين ثالث رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. فلم يزل إلى أن علت سنّه [٢٠٤ ب] وتغيّر ذهنه فصرف عن القضاء يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة ثنتين وتسعين فلازم بيته، ضعيفا عن الحركة، إلى أن مات ليلة الأحد لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
وكانت جنازته عظيمة، والثناء عليه حسنا، والدعاء له كثيرا، وهو ابن ستّ وتسعين سنة وتسعة عشر يوما.
стр. 2769
وكانت أحكامه بعيدة من الحيف، لم تحفظ له قضيّة جور، ولا غيّرته الدنيا ولا أحالت منه شيئا.
وكان باطنه كظاهره سلامة ونزاهة.
وقد حدّث بصحيح البخاري عن أبي عليّ بن السكن فرواه عنه الناس بقرطبة.
٣٥١٢ - محمد بن يحيى بن زكريا الحميريّ الإسكندريّ
يروي عن العلاء بن كثير. روى عنه يحيى بن بكير. ذكره البخاريّ في تاريخه (١).
٣٥١٣ - محمد بن يحيى بن باقي الإسكندريّ [٥٤٨ - ] (أبو الحسن)
[٢٠٥ أ] ولد سنة ثمان وأربعين- وقيل: أربع وأربعين، وقيل: سنة أربعين- وخمسمائة.
٣٥١٤ - محمد بن يحيى بن حسّان، أبو عبد الله [- ٢٤٦]
ولد أبوه بالبصرة، وولد هو بمصر، حدّث عن أبيه أنّه قال: ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هيثم، قلت له: إنّ الناس يقولون: احترقت كتبه.
قال: ما علمت له كتابا.
حدّث عنه أبو حاتم الرازي.
توفّي بدمياط سنة ستّ وأربعين ومائتين.
٣٥١٥ - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن حسّان التنيسيّ
روى عن الليث بن سعد، وبشر بن بكر، وبشر بن
السريّ، وإبراهيم بن عيينة، وأيّوب بن سويد.
وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي بمصر وروى عنه وقال: شيخ صالح.
٣٥١٦ - أبو الكرم المخزوميّ المصريّ [٥٤٨ - ٦٠٠] (٢)
[٢٠٥ ب] محمد بن يحيى بن صباح بن الحسين، أبو الكرم، القرشيّ، المخزوميّ، المصريّ، نزيل دمشق.
سمع بمصر من أبي محمد بن رفاعة [بن غدير الفرضيّ] وحدّث عنه، ومات في حادي عشر شوّال سنة ستّمائة [وهو أخو شيخنا أبي صادق الحسن بن يحيى] (٣).
٣٥١٧ - ابن ظافر الطلحيّ المقرئ [٦٢٧ - ]
محمد بن يحيى بن ظافر بن ياسر، الأنصاريّ، الطلحيّ، المقرئ.
ولد بمصر سنة سبع وعشرين وستّمائة [ ... ] بمسجد الطلحيّ بعض الجمع وحدّث عن جماعة.
روى عنه الحافظ قطب الدين الحلبيّ وغيره.
وخرّج له القطب مشيخة حدّث بها.
٣٥١٨ - شمس الدين الواسطيّ الواعظ [٥٧١ - ٦٣٣] (٤)
[٢٠٦ أ] محمد بن يحيى بن الحسين، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن أبي زكريا، ابن أبي
стр. 2770
المكارم، الطائيّ، الواسطيّ، الواعظ.
ولد في سنة إحدى- أو اثنتين- وسبعين وخمسمائة بواسط العراق ونشأ بها. وقدم مصر بعد سنة تسعين وخمسمائة، وسمع بها من أبي القاسم هبة الله بن عليّ البوصيريّ، وأبي عبد الله محمد بن حمد الأرتاحيّ، وأبي حامد محمد بن محمد الأصبهانيّ، وحدّث ووعظ.
وتوفّي بالموضع المعروف به بسفح المقطّم في ليلة مستهلّ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة.
٣٥١٩ - ابن شقّ لحيه [- ٥٣٥]
محمد بن يحيى بن الحسين، أبو البركات، عرف بابن شقّ لحيه.
توفّي في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ذكره السلفيّ.
٣٥٢٠ - ابن أبي الردّاد الكاتب [الشافعيّ] [٥٣٩ - ٦٢٠] (١)
محمد بن يحيى بن الحسين بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن داود ابن أبي الردّاد، أبو عبد الله، ابن أبي التقى، المصريّ المولد والدار، الكاتب.
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة- وقيل: سنة أربعين وخمسمائة. وحدّث عن ابن رفاعة وغيره.
توفّي ليلة الجمعة رابع ذي القعدة سنة عشرين وستّمائة.
٣٥٢١ - أبو بكر الخولانيّ الزيّات [- ٣٤٥]
[٢٠٧ أ] محمد بن يحيى بن حكيم، أبو بكر، الخولانيّ، المصريّ، الزيّات.
حدّث. وتوفّي في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. ذكره ابن الطحّان.
٣٥٢٢ - أبو عبد الله الرقّيّ [- ٢٧٤]
محمد بن يحيى بن خالد بن حيّان، أبو عبد الله، الرقّيّ، من موالي كندة.
قدم مصر. وتوفّي بها يوم الجمعة لثلاث بقين من شوّال سنة أربع وسبعين ومائتين.
٣٥٢٣ - محمد بن يحيى الأنصاريّ محتسب قليوب [٦٣٣ - ٧٠٥] (٢)
محمد بن يحيى بن الخضر بن حاتم بن سلطان بن طولون، أبو عبد الله، ابن أبي زكريّا، ابن قمر الدولة أبي البركات، ابن أبي الجود، الأنصاريّ، القليوبيّ، محتسب قليوب.
مولده في ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين وستّمائة بقليوب. وسمع من أبي محمد بن رواج.
٣٥٢٤ - أبو عبد الله ابن خليل القرطبيّ [- ٣٧٠] (٣)
[٢٠٧ ب] محمد بن يحيى بن خليل، أبو عبد الله، القرطبيّ.