← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثمّ مرّ به بيت حتى مرّ إلى آخرها. ثمّ استدعى بحسين بن سلامة صاحب دواته وقال: إذا كان في غد فاحمل إلى الماهر مائة وخمسين دينارا وقلله: رسمك قد أخذته، وهذه لثلاثة أبيات أعجبتنا في قصيدتك وهي كذا وكذا. فأخذها وانصرف. وكان أوّلا موازينيّا (١). ثمّ ترك ذلك وانتقل إلى دمشق فاستوطنها. وكان يتردّد إلى غيرها [١١٢ ب] من البلاد. ومات بدمشق (٢) في صفر سنة ثنتي [ن] وخمسين وأربعمائة. ومن شعره [الوافر]: أرى نفسي تحدّثها الظّنون ... بأنّ البين بعد غد يكون وما ترك الفراق عليك دمعا ... يسحّ ولا تشحّ به الجفون وفرض البين ملتزم فقل لي: ... عليك بأيّ دمع أستعين؟ كأنّي من حديث النفس عندي ... جهينة عندها الخبر اليقين ومدح أيضا الوزير أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحيّ بقصيدة طويلة، منها [الكامل]: لو سرت حين ملكت سيرة منصف ... لسننت وحدك سنّة لم تعرف من صحّ قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصحّ، ومن وفى حتّى تفي؟ عرف الهوى في الخلق مذ خلق الورى ... بمذلّة الأقوى وعزّ الأضعف فلألبسنّ حملت أو لم أحتمل ... فيك السّقام عطفت أو لم تعطف حتّى يعاين كلّ لاح عاذل ... منّي لجاجة كلّ صبّ مدنف يا من توقّد في الحشا لصدوده ... نار بغير وصاله ما تنطفي أمررت عيشي دون حلو محبّتي ... وأطلت تعذيبي بأعذب مرشف [٦١ ب] قد شفّني ولهي إليك وزادني ... كلفي عليك ملام من لم يكلف وظننت جسمي أن سيخفى بالضّنى ... عن عاذلي، فلقد ضنيت وما خفي (٣) ومعلّل ما بين ظنّ كاذب ... أنا في هواك وبين وعد مخلف ٥١٢ - أبو عبد الرحمن النسويّ [- بعد ٢٨٤] [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن النسويّ. سمع هشام بن عمّار، ودحيما، وعبّاس بن الوليد بن مزيد، وحرملة بن يحيى، وجماعة. وروى عنه جماعة. وقدم إلى مصر رفيقا لأبي حاتم في الرحلة الثانية. قال ابن أبي حاتم (٤): سمعت منه، وهو صدوق ثقة. وقال الحاكم: كتب بخراسان والحجاز والعراق. سمع قتيبة بن سعيد، وأبا مصعب الزهريّ. حدّث بنيسابور سنة أربع وثمانين ومائتين.

стр. 317

٥١٣ - الشهاب ابن السلعوس أخو الوزير [- ٦٩٧] (١) [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن أبي الرجاء، ابن أبي الزهر، ابن السلعوس، التنوخي، الدمشقيّ. كتب إلى أخيه الوزير الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس (٢) لمّا صارت إليه الوزارة في أيّام الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وبعث بهاإليه من دمشق [وافر]: تثبّت (٣) يا وزير الوقت واعلم ... بأنّك قد وطئت على الأفاعي وكن بالله معتصما فإنّي ... أخاف عليك من نهش الشجاعي (٤) فلمّا نكب الوزير ابن السلعوس بعد قتل الملك الأشرف، تسلّمه الأمير سنجر الشجاعيّ، وأحضر جميع أقاربه وأسبابه من دمشق إلى القاهرة، وفيهم أحمد هذا، وكان قد سمع بالشعر المذكور فسأل عن قائله، فعرّف به، فعفا عنه وأطلقه دون جميع أقاربه، وعاد إلى دمشق سالما. وصدق شعره: فإنّ الشجاعيّ هو الذي قتل [الوزير] ابن السلعوس (٥) في الحقيقة. ٥١٤ - نظام الدين ابن أبي الحديد [٥٧٠ - ٦٢٥] (٦) [٦٢ أ] أحمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن عثمان بن الحكم بن الوليد بن سليمان، نظام الدين، أبو الحسن- وقيل: أبو العبّاس- ابن أبي الحديد، السلميّ، الدمشقيّ، من بيت كبير بدمشق، فمنهم العلماء والخطباء والرواة. ومولده بها في [١١٣ أ] جمادى الآخرة سنة سبعين وخمسمائة. سمع [بدمشق] أبا الفرج الثقفيّ، وبركات بن إبراهيم الخشوعيّ، وأبا الفضل إسماعيل بن عليّ بن إبراهيم الجنزويّ (٧). وسمع بمصر أبا القاسم البوصيريّ. وسمع ببغداد أبا الفرج ابن الجوزيّ. وسمع بأصبهان وخراسان. وكان معه فردة [٦٢ ب] نعل النبيّ ﷺ ورثه عن آبائه، وكان معروفا عندهم. وكان الملك الأشرف موسى ابن العادل أبي بكر بن أيّوب يقرّبه لأجله. وكان يؤثر أن يشتريه منه ويقفه في مكان يزار فيه، فلم يسمح بذلك. ثمّ إنّه سمح بأن يقطع له منه قطعة، فأفكر الملك الأشرف أنّ الباب ينفتح في ذلك، ويقطّع النعل الشريف قطعا، فامتنع من ذلك. ثمّ إنّ الأشرف رتّبه بمشهد الخليل إبراهيم ﵇ المعروف ب «الذهبانيّ» (٨) فيما بين حرّان والرقّة، ورتّب له معلوما، وقال: قصدت بترتيبه في هذا المكان أن تجتمع فيه زيارتان: أثر النبي ﷺ ، وهو نعله الشريف، ومقام إبراهيم ﵇. فلم يزل مقيما به إلى أن حضره الموت، فأوصى بالنعل الشريف للملك الأشرف، فسرّ به سرورا عظيما، وبنى بدمشق دارا للحديث ووقفه بها وجعله في خزانة فيها يزار ويتبرّك به.

стр. 318

وتوفّي بمشهد الذهبانيّ من عمل حرّان في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وستّمائة. ٥١٥ - التاج ابن التركمانيّ [٦٨١ - ٧٤٤] (١) [٦٢ ب] أحمد بن عثمان بن مصطفى بن إبراهيم (٢) بن سليمان، تاج الدين، الماردينيّ، التركمانيّ، الفقيه الحنفيّ. ولد بالقاهرة ليلة السبت الخامس والعشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وثمانين وستّمائة. وسمع الحديث وبرع في الفقه على مذهب أبي حنيفة ودرّس وأفتى وصنّف وناب في الحكم. وقال الشعر، وشارك في عدّة فنون حتّى مات مستهلّ جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وقد ذكرت أخاه علاء الدين أبا الحسن عليّ بن عثمان، وابن أخيه جمال الدين عبد الله بن عليّ (٣)، وابنه صدر الدين محمد بن عبد الله، وثلاثتهم ولوا قضاء القضاة الحنفيّة بالقاهرة. وله تعليقة على المحصّل للإمام فخر الدين (٤)، وشرح على المنتخب للباجي في أصول الفقه، وثلاث تعاليق على الخلاصة في الفقه (٥)، وشرح الجامع الكبير في الفقه (٦)، وشرح الهداية في الفقه (٧). وكتب مصنفين في الفرائض، وتعليقة على مقدّمة ابن الحاجب في النحو (٨)، وشرح المقرّب (٩) لابن عصفور في النحو. وشرح عروض ابن الحاجب. وله كتاب أحكام الرمي والسبق والمحلّل (١٠) وكتاب الأبحاث الجليّة على مسألة ابن تيميّة، وشرح الشمسيّة في المنطق (١١) وشرح التبصرة في الهيئة للخرقيّ. وله نظم جيّد، ونثر مليح، وخطّ منسوب. ومن شعره [الطويل]: غرامي بكم بين البريّة قد فشا ... فكيف أبالي بالرقيب ومن مشى؟

стр. 319

ولا غرو أن غرّت صفاتك من حكى ... فما قدر ما حاك الربيع وما وشى؟ وإن قستها بالدرّ قال لي السّهى: ... أفق، إنّ ذاك الدرّ في بحره انتشى (١) فقمت بها أشدو على كلّ مشهد ... فكلّ به عجبا تواجد وانتشى مغارسه طابت وطاب أبوّة ... «وذلك فضل الله يؤتيه من يشا» (٢) فما أنبت الخطيّ إلّا وشيجه ... ولا بات إلّا في مطهّره الحشا فجاء فريد الدهر أوحد عصره ... وكم بين ذي نور ومن كان ذا عشا (٣) ٥١٦ - أبو جعفر الفنكيّ القرطبيّ [٥٢٨ - ٥٩٦] (٤) أحمد بن عليّ بن عتيق بن إسماعيل بن عبد الله، الإمام أبو جعفر، الأندلسيّ، القرطبيّ، الفنكيّ [١١٣ ب]، بفتح الفاء والنون وكسر الكاف، نسبة إلى فنك، حصن أو قرية من أعمال قرطبة، المقرئ، الفقيه الشافعيّ، نزيل دمشق. مولده بقرطبة في ليلة نصف شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. وقدم إلى مصر، وسار منها إلى دمشق، واستوطنها إلى أن مات بها في يوم الاثنين سادس عشر شوّال سنة ستّ وتسعين وخمسمائة، ودفن من الغد بجبل قاسيون. سمع ببلده موطّأ مالك بن أنس على أبي الوليد يوسف بن [عبد العزيز ابن] الدبّاغ [الأنديّ] (٥) بقراءة والده. وقرأ بها القرآن الكريم وسنّه سبع. وختم على شيخ أبيه في القراءات أبي بكر محمد بن جعفر بن صاف (٦)، وجمع عليه بالسّبع. وخرج إلى مكّة فقرأ بها القرآن على عبد الكافي بن موكّل الجبليّ. وسمع بها الحديث من الميانشيّ، وعبد المنعم الفراويّ، وغيره. وسمع ببغداد من يحيى بن ثابت بن بندار، وأبي بكر عبد الله بن محمد بن النقور وغيرهما. وسمع بالموصل من الخطيب أبي الفضل عبد الله ابن الطوسيّ وغيره. وقرأ بها القرآن على أبي بكر القرطبيّ ويحيى بن سعدون. وقدم حلب، وسمع بها من النضير محمد بن لطف الله بن الميمنيّ، ومن الخطيب هاشم بن أحمد الحلبيّ. وقرأ بها القرآن على عبد العزيز بن عليّ بن الطحّان. وسمع بدمشق من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، وأبي المعالي بن صابر، وقطب الدين النيسابوريّ، وأبي الفهم ابن أبي العجائز، وجماعة. وهو أوّل من سكن دار الحديث النوريّة بدمشق. وولي الإمامة بالكلاميّة بجامع دمشق أيّام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب. وعني بالحديث والقراءات. وكتب الكثير، وخطّه معروف حلو. وكان إماما صالحا قانتا لله كبير القدر. أقرأ القراءات. روى عنه ولداه: تاج الدين محمد وإسماعيل، ويوسف بن خليل، والشهاب القوصيّ.

стр. 320

وتوفّي يوم [الاثنين تاسع عشر شهر] (١) رمضان سنة ستّ وتسعين وخمسمائة. ٥١٧ - أبو العبّاس الصفّار [٥٦٩ - ٦٢٩] أحمد بن عليّ بن أبي محمد بن علي بن محمد بن عليّ، أبو العبّاس، الصفّار، الشيبانيّ، الدمشقيّ، النحويّ. ولد بمصر سنة تسع وستّين وخمسمائة. ومات بدمشق في سنة تسع وعشرين وستّمائة. وكان فاضلا في العربيّة والكتابة، حسن الشعر، وهو خال النجيب ابن شقيشقة (٢). ٥١٨ - ابن بدر الدين القصّار [٧١٨ - ٨٠٠] (٣) أحمد بن علي بن عبد الله، التميميّ، المصريّ، ابن بدر الدين، القصّار. ولد سنة ثماني عشرة وسبعمائة. واشتغل قليلا، وعني بمطالعة التواريخ والأخبار، ونظر في كلام ابن حزم وابن العربيّ- ففتن بهما، فكان ظاهريّا باطنيّا، أعجوبة في الاستحضار والذكاء. وعلّمه أبو [هـ] القصارة (٤) فكان يحترف بها ويحصّل الكتب. وكان حسن الذاكرة حادّ النادرة، جميل المحاضرة. توفّي بمصر في سادس صفر سنة ثمانمائة. ٥١٩ - كمال الدين الجوينيّ [٥٨٤ - ٦٣٩] (٥) أحمد بن عليّ- وقيل: أحمد بن محمد- بن عمر بن عليّ بن محمد بن حمويه [بن] عليّ، أبو العبّاس، ابن أبي الحسن [عليّ]، ابن أبي الفتح [عمر]، ابن أبي الحسين [عليّ]، ابن أبي [ ... ]، ابن أبي جعفر، الجوينيّ الأصل، الملقّب كمال الدين، ابن شيخ الشيوخ صدر الدين [عليّ]، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين [عمر]. يقال: إنّ حمويه بن عليّ جدّ جدّه من ولد رزم بن ثوبان أحد قوّاد كسرى أنوشروان. وكان حمويه هذا قائد جيش نصر بن نوح السامانيّ، مدبّرا لدولته. وكان شجاعا ذا براعة وشهامة ونجدة ورأي وثيق وفضل غزير. وهو جدّ جدّ شيخ الإسلام محمد، وأخيه أبي سعيد. فترك محمد الدنيا، واشتغل بالعلم والأدب، إلى أن برّز. وأخذ عن إمام الحرمين الفقه، وصنّف في علوم القرآن والفقه، ثمّ تزهّد. ورزق ابنه عليّ بن محمد من ابنة عمّه أبي سعد أولادا هم: سعد الدين، ومعين الدين حسن، وعماد الدين أبو الفتح عمر بن علي، والد شيخ الشيوخ صدر الدين [١١٤ أ] عليّ بن عمر. وقدم عماد الدين إلى دمشق، وصار شيخ الشيوخ بها. وأتاه ولده علي صدر الدين فصار بعده شيخ الشيوخ بدمشق، وأتاه عدّة أولاد. وقدم إلى مصر كما ذكر في ترجمته (٦).

стр. 321

وكانت ولادة كمال الدين أحمد بن عليّ في ذي الحجة سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وكان وجيها عند الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب. وسمع الحديث بمصر ودمشق من جماعة، وحدّث، وقدم إلى القاهرة. واستنابه بحرّان والجزيرة في سنة سبع وعشرين وستّمائة. وولي التدريس بالمدرسة الناصريّة المجاورة لجامع عمرو بن العاص بمدينة مصر، وتدريس الشافعيّ بالقرافة، ومشيخة الشيوخ بديار مصر. ثمّ إنّ الملك الصالح نجم الدين أيّوب ابن الملك الكامل بعثه على جيش إلى بلاد الشام. فسار في العشر الأوّل من ذي الحجّة سنة سبع وثلاثين وستّمائة على طريق القدس. ولقيه الجواد مظفّر الدين يونس، ابن شمس الدين مودود ابنالملك العادل بوادي عور- بضمّ العين وسكون الراء- من شماليّ القدس، بقربه وهو موضع وعر. فظفر الجواد به وذلك في سنة ثمان وثلاثين وستّمائة. وكان مع كمال الدين عسكر مصر في ثلاثة آلاف فارس، ومع الجواد ثلاثمائة فارس. وذلك بسبب المخامرة. فلمّا وقع كمال الدين في القبضة منّ عليه وأطلقه، فعاد إلى القاهرة. ثمّ قدّمه ثانيا على العساكر فسار إلى غزّة، ومات بها في ليلة الثاني عشر صفر سنة تسع وثلاثين وستّمائة. وأنشده الصلاح الأربلي قصيدة يمدح فيها الملك الكامل فكتب على ظهرها [البسيط]: يا ملك الأرض دم في نعمة لترى ... دين الإله وأهل الدين في دعة أجاد هذا الفتى في وصف مدحكم ... لمّا أصاب مكان القول ذا سعة ٥٢٠ - ابن الكلوتانيّ [٦٥٧ - ٧٣٥] (١) أحمد بن عليّ بن [محمد بن] حسام، شهاب الدين، ابن عزّ الدين، الكلوتانيّ. ولد سنة سبع وخمسين وستّمائة، وحدّث. توفّي بمصر في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ٥٢١ - أبو العبّاس القسطلانيّ [٥٥٩ - ٦٣٦] (٢) أحمد بن علي بن محمد بن الحسن، الفقيه الزاهد، أبو العبّاس، ابن أبي الحسن، القسطلانيّ (٣)، المصريّ المولد، المالكيّ. مولده بمصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وخمسمائة وصحب الشيخ أبا عبد الله محمد بن أحمد القرشيّ (٤) لمدّة طويلة، وجمع من كلامه كتابا. وسمع بمصر من ابن برّي، وأجاز له السّلفيّ. وأقام بمكّة مدّة حتّى مات بها ليلة الأحد مستهلّ جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين وستّمائة، ودفن بالمعلّا (٥). وحدّث بمكّة ومصر وغيرهما. وكان قد جمع الفقه والزهد والإيثار مع

стр. 322

الإقتار والانقطاع التامّ عن مخالطة الناس. ٥٢٢ - ابن الزبير القاضي الرشيد [- ٥٦٢] (١) أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسين بن محمد بن فليتة بن سعيد بن إبراهيم بن الحسن، القاضي الرشيد أبو الحسين، ابن القاضي الرشيد سديد الدولة أبي الحسن [عليّ]، ابن القاضي الرشيد الموفّق ثقة الملك أبي إسحاق [إبراهيم]، المعروف بابن الزبير القرشيّ، الأسديّ، الأسوانيّ. سمع على السّلفيّ، وقرأ عليه كثيرا ولازم مجلسه مدّة. وكان يقول: قد هان عليّ ما أنا فيه من مباشرة المكوس بما آخذه عنك من الحديث (٢). وأخذ عن أبي البركات السعديّ وابن القطّاع. [ادّعاؤه الخلافة باليمن]: وسيّره الخليفة الحافظ لدين الله رسولا إلى اليمن بسجلّ يقرؤه عليهم. فتوجّه من مصر في شهر ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. فلمّا دخل اليمن تلقّب ب «علم المهتدين» وأراد أن يدّعي الخلافة، وكان أسود اللون، فكتب فيه إلى مصر، من أبيات [المتقارب]: [بعثت لنا علم المهتدين ... ولكنّه علم أسود يريد القائل: أنّ أعلام الفاطميّين بيض، والسود إنّما هي لبني العبّاس] (٣). [١١٤ ب] وولي نظر الإسكندريّة في سنة تسع وخمسين وخمسمائة. فلمّا قدم أسد الدين شيركوه إلى مصر في سنة اثنتين وستّين وخمسمائة، وحاربه شاور وزير [العاضد]، وسار بعد وقعة البابين إلى الإسكندريّة، حمل إليه ابن الزبير المال والسلاح. فلمّا خرج شيركوه وابن أخيه صلاح الدين يوسف من الإسكندريّة، وتسلّمها الوزير شاور في نصف شوّال منها، استتر وخرج إلى رشيد. فولّى شاور عوضه في نظر الإسكندريّة القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرحمن بن [أبي] منصور، فأكّد عليه في طلب ابن الزبير. وقدم القاهرة فبلغه أنّ ابن الزبير توجّه نحو برقة، فبعث من ضيّق عليه وقدم به القاهرة في أسوإ حال بعد ما عذّبه عذابا شديدا. فبلغه أنّه قال: الهوان والعذاب من الملوك في طلب الملك ليس بعار. فأمر به فشهّره على جمل بمصر والقاهرة، وقتله في يوم الأربعاء العشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وستّين (٤) وخمسمائة. وقيل: بل قتل في المحرّم سنة ثلاث وستّين وخمسمائة. [تصانيفه وشعره]: وكان من أهل الفضل والنباهة والرئاسة. وصنّف كتاب «[جنان] الجنان ورياض الأذهان»، ذيلا على يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، [فيه ذكر لشعراء مصر ومن طرأ عليهم] (٥). وله ديوان شعر كلّه جيّد. وله رسالة ضمّنها من كلّ علم مشكلة ومن كلّ فنّ فضلة، وكتاب «[شفاء

стр. 323

العلّة] في سمت القبلة»، وكتاب «أمنية الألمعيّ وبيّنة المدّعي» (١)، وهو شرح للرسالة المذكورة. وكان عالما بالهندسة والمنطق وعلوم الأوائل، مع معرفة الفقه والنحو واللغة والتصريف والأنساب وعلم الكلام والطبّ والنجوم. وكان عالي الهمّة سامي القدر يترفّع على الملوك ويترقّى بنفسه عنهم. قال فيه الحافظ السلفيّ: كان من أفراد الدهر فضلا في فنون كثيرة. وولي النظر بثغر الإسكندرية بغير اختياره، وأرضى الناس، خصوصا الفقهاء. وقال الحافظ عبد العظيم المنذريّ: كان في نفس الرشيد عظمة وحدّة. ودخل مع شيركوه وكتب في أمور، فأخذه شاور وعذّبه ابن أبي منصور. وكان فيه غير صفة تعين على هجائه، منها أنّه أسود، ويدّعي الذكاء، وأنّ خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس [الكامل]: إن قلت: من نار خلق ... ت، وفقت كلّ الناس فهما قلنا: صدقت، فما الذي ... أطفاك حتّى صرت فحما؟ وقال فيه الأخفش المصريّ لمّا ولي مطبخ القصر [المتقارب]: أقام على المطبخ ابن الزبير ... فولّى على مطبخ مطبخا ومن شعر ابن الزبير [الطويل]: لئن خاب ظنّي في رجائك بعد ما ... ظننت بأنّي قد ظفرت بمنصف فإنّك قد قلّدتني كلّ منّة ... ملكت بها شكري لدى كلّ موقف بأنّك قد حذّرتني كلّ صاحب ... وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي وقال [في الكامل بن شاور] (١) [الطويل]: إذا ما نبت بالحرّ دار يودّها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم وهبه بها صبّا، ألم يدر أنّه ... سيزعجه منها الحمام على رغم؟ وقال فيه العماد أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الأصبهاني [في كتاب السيل والذيل] (٢): الخضمّ الزاخر، والبحر العباب. كان أسود الجلدة، وسيّد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات، والعلوم الشرعيّات، والآداب الشعريّات- وأنشد له [البسيط]: جلّت لديّ الرزايا بل جلت هممي ... وهل يضرّ جلاء الصارم الذّكر [١١٥ أ] غيري يغيّره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما يلقى من الغير لو كانت النار للياقوت محرقة ... لكان يشتبه الياقوت بالحجر لا تغررنّ بأطماري وقيمتها ... فإنّما هي أصداف على درر ولا تظنّ خفاء النجم عن صغر ... فالذنب في ذاك محمول على البصر

стр. 324

٥٢٣ - أبو الفوارس حفيد الإخشيد [- بعد ٣٥٨] (١) أحمد بن علي بن محمد بن طغج بن جف بن يلتكين بن فوران بن فوري بن خاقان، الأمير أبو الفوارس ابن الأمير أبي الحسن ابن الأمير أبي بكر الإخشيد ابن الأمير أبي محمد الفرغاني. اجتمع الأمر له بعد موت الأستاذ كافور في يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة وسبعة أيّام. وقام بأمر بيعته الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات، والشريف أبو جعفر مسلّم الحسينيّ، ونحرير، وبشارة، ووجوه غلمان كافور، وتعاقدوا على إمارته، وأن يكون الحسن بن عبيد الله بن طغج (٢) خليفة له، وأن يكون على تدبير الأموال الوزير أبو الفضل ابن الفرات، وعلى تدبير العساكر شمول الإخشيدي. وكتبوا كتابا، نسخته بعد البسملة: «الذي عقدته الجماعة وحلفت عليه بالأيمان المؤكّدة، أن تكون أيديها واحدة، وألسنتها مؤتلفة، وقلوبها متّفقة، ونيّاتها سليمة، على إيثار تقوى الله فيما يحبّه، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحقّ، وإبطال السنن الجائرة، وإفاضة العدل، وإصلاح أمر الحرمين والثغور حرسهما الله تعالى، والقيام بالجهاد، وأن يكونوا إخوانا تلزم كلّ واحد منهم نصرة صاحبه وحراسته في نفسه وماله وأهله وولده وسائر أسبابه، حتى لا ينتقض من ذلك شيء، وأن يكونوا أعوانا للمظلوم على الظالم، وتكون طاعتهم للأستاذ أبي المسك على ما لم تزل عليه. وإن حدث به حادث الموت، المحتوم على عباد الله تعالى في جميع خلقه، كان الأمر في الإمارة مردودا إلى ولد الإخشيد ﵁، لا يخرج عنهم، وهو: الأمير أبو الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد مولى أمير المؤمنين، وكانت الجماعة على ما كانت عليه من مراتبها لا يغيّر منها ولا ينقص منها ولا يزال عن أعمال، وكان أبو الحسن شمول الإخشيدي على رسمه في تدبير الجيش، والغلمان من الإخشيديّة، والرجال من الفرسان والرجّالة والغلمان الكافوريّة على طبقاتهم، وكان الناظر في الأموال من ارتضت الجماعة به، وهو أبو الفضل جعفر بن الفضل غير معارض فيها. وقد حلفت الجماعة كلّها، الإخشيديّة والكافوريّة، على ذلك، ورضيت به،

стр. 325

وأشهدت الله على أنفسها، وكفى بالله شهيدا». فلمّا كتب هذا الكتاب، وحلفوا عليه، وأشهدوا على أنفسهم، أظهروا موت كافور وعزّوا به، وهو مسجّى في بيت. وكتب أبو الفضل الوزير لنفسه كتابا على الجماعة بمثل هذا احتياطا لنفسه. واشتهرت وفاة كافور في بقيّة النهار، وأخذ كلّ قائد ورئيس حذره وتحرّز. فأجاب الجماعة إلى البيعة، إلّا طائفة، فإنّها امتنعت وقالت: أمر الأستاذ قبل موته ألّا نبايع إلّا أبا الحسن شمول. فقال شمول: «أنا لا أريد هذا». فدخلوا حينئذ في الطاعة. فلمّا كان من الغد خرج الغلمان والجند إلى ال [م] نظر وخرّبوا بستان كافور ونهبوا [١١٥ ب] دوابّه وطلبوا مال البيعة. فخرج إليهم الشريف أبو جعفر مسلّم وسكّنهم ووعدهم وردّهم. وكان الناس يظنّون أنّ الفتنة تكون بعد موت كافور عظيمة، فما كان إلّا هدوء وسكون. وفي يوم الجمعة خطب عبد السميع بن عمر العبّاسيّ ودعا لأبي الفوارس. وخطب أخوه عبد العزيز بن عمر في جامع أحمد بن طولون فمنع الجند من الدعاء له فلم يدع ونزل وصلّى بالناس الجمعة. وفي مستهلّ جمادى الآخرة نهبت خزانة كافور، ثمّ بيع ميراثه بزقاق القناديل. وكان الوزير أبو الفضل ساعة عقدت البيعة لأبي الفوارس، قد كتب إلى عبد الله بن طغج بالرملة، على عقد البيعة. فلمّا ورد الكتاب آل الأمر بينهما إلى حرب. وفرّ جماعة من الأتراك بمصر فردّوا، وقبض الوزير ابن الفرات على جماعة من الكتّاب وغيرهم، واعتقلهم، وأخذ البيعة على الجند لابنه أحمد بن جعفر بالإمارة على مصر والشام والحرمين، واحتجّ بأنّه ابن بنت الإخشيد. واختلف مع شمول فشغب الجند في آخر شعبان. واقتتل نحرير شويزان مع فنك الخادم الأسود (١) وقتل بينهما خلق كثير، ونهبت عدّة أسواق كبيرة في الليل واحترقت مواضع عديدة فسار فنك إلى الرملة ولحق بالحسن بن عبيد الله. فورد الخبر بمحاربة الحسن بن عبيد الله مع عبد الله بن عبيد الله أخي مسلم الحسينيّ، وأنّ بني عقيل وإقبالا (٢) والعرب بالرملة مع عبد الله، وأنّه دعا لنفسه وتسمّى بالمهديّ. فخرج تبر الإخشيديّ إلى الرملة، وعقد الحسن على ابنة عمّه الإخشيد، ودعي له على سائر المنابر بعد أحمد بن علي الإخشيد، فزاد اضطراب الناس والفتن في شوّال. واستتر ابن الفرات، وفرّ يعقوب بن كلّس إلى المغرب فلحق بالمعزّ، وتبعه عبيد الله بن الحسين بن طاهر الحسينيّ. ثمّ اجتمعت الإخشيديّة مع الكافورية عند الشريف أبي جعفر مسلّم بن عبيد الله للمشورة فيما هم فيه من تعطّل البلد عن ناظر لاستتار ابن الفرات، وما نزل بالناس من الاختلاف والفتن، وافترقوا. ثمّ جمع أبو جعفر مسلّم القوّاد والوجوه في داره يوم الجمعة لستّ خلون من ذي القعدة وأخرج إليهم الوزير ابن الفرات من الاستتار، وعقد عليهمالوفاء له، وكتب بذلك كتابا. فخرج وأمر ونهى، وكانت الأموال قد ضاعت، والنيّات قد تغيّرت، وجماعة قد فرّوا إلى الرملة يضرّبون (٣)

стр. 326

على ابن الفرات عند الحسن بن عبيد الله، وأكثر الناس قد كتبوا إلى المعزّ، منهم ابن الفرات والحسن بن عبيد الله. وكثر مع ذلك الإرجاف بمسير القرامطة إلى الشام، وأبو محمد عبد الله أخو الشريف مسلّم بالرملة قد شاقق الحسن بن عبيد الله وخالف عليه مع ثمال، فلم يخرج أحد للحجّ في البرّ. وورد الخبر بدخول فنك الخادم إلى دمشق وقبضه على فاتك الإخشيديّ أمير دمشق (١)، ووصول القرامطة إلى الرملة. فقدم الحسن بن عبيد الله منهزما منهم إلى مصر في ثاني المحرّم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وقبض على الوزير ابن الفرات، وأقام بدار الإمارة إلى أن خرج بعدّة من القوّاد إلى الشام في ثالث ربيع الآخر. فلمّا كان في جمادى الآخرة صحّت الأخبار بمسير عساكر المعزّ لدين الله إلى مصر مع القائد جوهر. ثمّ نقضوا ذلك ثانيا وعادوا إلى المراسلة بطلب الصلح. فخرج الشريف أبو جعفر مسلّم وأبو إسماعيل إبراهيم الرسّي ومعهما القاضي أبو الطاهر وجماعة في ثامن عشر رجب فلقوا [١١٦ أ] القائد جوهرا ووافقوه، وكتب لهم بالموافقة كتابا وانصرفوا. فقدموا أوّل شعبان، وقد نقض الإخشيديّة والكافوريّة ما طلبوه من الصلح، واجتمعوا عند ابن الفرات فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان، فامتنعوا وقالوا: ما بيننا وبين جوهر إلّا السيف! وقدّموا نحريرا شويزان وسلّموا عليه بالإمارة وقاموا كلّهم يحفّونه (٢) إلى داره، وأبو الفوارس لا يفكّر فيه، والحسن بن عبيد الله بالرملة لا يلتفت لما نزل بهم. واستعدّ القوم للحرب وساروا في عاشر شعبان للقتال ونزلوا الجزيرة تجاه مصر، وقد ضبطوا الجسرين، ونزل جوهر الجيزة. فلمّا شاهد ما عملوه عاد إلى منية شلقان وعبر إلى مصر من هناك. فسار نحرير الأزغلي ويمن الطويل ومبشّر الإخشيدي في خلق، فقاتلوا جعفر بن فلاح فقتل منهم بشر كثير، وانصرف من بقي ليلة الأحد النصف من شعبان، وفرّ من كان بالجزيرة إلى دورهم ولحقوا بالشام، وأصبح الناس على خطر عظيم. فاجتمعوا بدار أبي جعفر مسلّم، وسألوه الكتاب إلى القائد جوهر، فكتب إليه يسأله الأمان، فأمّن الناس، وعبر إلى مصر في غداة يوم الثلاثاء السادس عشر [شعبان ٣٥٨] فزالت دولة الإخشيد من مصر وانقطعت دعوة بني العبّاس منها. وكانت مدّة إمارة أبي الفوارس [سنة واحدة وثلاثة أشهر إلّا ثلاثة أيام] (٣). ٥٢٤ - الشريف النصيبيّ قاضي دمشق [- ٤٦٨] (٤) أحمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن إبراهيم بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف القاضي جلال الدولة، أبو الحسن، ابن أبي القاسم، ابن القاضي أبي عبد الله، الحسينيّ، النصيبيّ، قاضي دمشق.

стр. 327

ولّاه المستنصر بالله قضاء دمشق بعد الشريف أبي الفضل ابن أبي الجنّ. ومات على قضائها في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة سنة ثمان وستّين وأربعمائة. وسمع جدّه أبا عبد الله [محمد بن] الحسين. وكان يرمى بالكذب. وهو آخر قضاة الخلفاء الفاطميّين بدمشق. وحكي عن الأمير أبي الفتيان ابن حيّوس (١) أنّه كان يوما معه، فقال: وددت أنّي كنت في الشجاعة مثل عليّ، وفي السخاء مثل حاتم، وذكر غيرهما. فقال له أبو الفتيان: وفي الصدق مثل أبي ذرّ الغفاريّ- يعرّض له بأنّه كذّاب. ٥٢٥ - ابن شكر الأندلسيّ المقرئ [- ٦٤٠] (٢) أحمد بن عليّ بن محمد بن علي بن شكر، أبو العبّاس، الأندلسيّ، أحد الحذّاق. قدم القاهرة، وسكن مدينة الفيّوم. وقرأ القراءات على أبي الفضل جعفر [بن عليّ] الهمدانيّ (٣). وسمع الحديث. واختصر كتاب التيسير. وشرح الشاطبيّة (٤). ومات في حدود الأربعين وستّمائة. ٥٢٦ - الكمال المحلّي المقرئ [- ٦٧٢] (٥) أحمد بن عليّ [بن إبراهيم]، الشيخ أبو العبّاس المعروف بالكمال المحلّي، المقرئ الضرير، أحد القرّاء بالقاهرة. كان عارفا بالتجويد. أخذ عن أصحاب أبي الجود، وقرأ على كمال الدين ابن فارس. وعليه قرأ الشيخ محمد المزراب الضرير (٦). ولد بالمحلّة. ومات بالقاهرة في ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وستّمائة، عن بضع وخمسين سنة. ٥٢٧ - أبو جعفر القيروانيّ المقرئ [- ٤٢٧] (٧) أحمد بن عليّ، أبو جعفر، الأزديّ، القيروانيّ، الشافعيّ. قرأ القراءات بمصر على الخطيب ابن غلبون (٨). وأقرأ الناس مدّة بالقيروان حتّى مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة.

стр. 328

٥٢٨ - أبو بكرويه ابن الإخشيد [- ٣٤٣] (١) أحمد بن عليّ بن مقاتل، أبو بكرويه، ابن الإخشيد. مات للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة [١١٦ ب]. ٥٢٩ - تاج الأئمّة المقرئ [- ٤٤٥] (٢) أحمد بن علي بن هاشم، تاج الأئمّة، أبو العبّاس، المصري، المقرئ. قرأ على عمر بن عراك، وأبي عديّ عبد العزيز بن الإمام، وابن غلبون، وأبي الحسن عليّ بن محمد بن إسحاق الحلبيّ، وأبي الحسن ابن الحمّامي، قرأ عليه ببغداد. وأقرأ الناس دهرا بمصر. ودخل بلاد الأندلس سنة عشرين وأربعمائة، وسمع منه أبو عمر الطلمنكيّ (٣) مع تقدّمه. وقرأ عليه أبو القاسم الهذليّ، ومحمد بن شريح صاحب كتاب الكافي. وحدّث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي في مشيخته. توفّي في شوّال سنة خمس وأربعين وأربعمائة. قال أبو عمر ابن الحذّاء (٤): هو أحفظ من لقيت لاختلاف القرّاء وأخبارهم. ٥٣٠ - ابن السديد الإسنائيّ [٦٤٤ - ٧٠٤] (٥) أحمد بن عليّ بن هبة الله، شمس الدين، ابن السديد، الإسنائيّ، الشافعيّ. ولد سنة أربع وأربعين وستّمائة. تفقّه على البهاء القفطيّ (٦)، وخطب ببلاده إسنا، وحكم بها، وبأدفو وقوص نيابة، ودرّس. وبنى مدرسة وجعل لها وقفا بإسنا. وانتهت إليه رئاسة الصعيد. وكان يعطي الآلاف في الأمر اللطيف حتّى قهر معانديه، بحيث يقال: إنّه انصرف منه على نيابة الحكم بقوص ثمانون ألف درهم منها يومئذ نحو أربعة آلاف مثقال من الذهب. ثمّ إنّه صودر وأخذ منه مال كثير (٧). وتوفّي بمصر سنة أربع وسبعمائة. ٥٣١ - تاج الدين ابن دقيق العيد [٦٣٦ - ٧٢٣] (٨) أحمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي

стр. 329

الطاعة، تاج الدين، أبو العبّاس، ابن الشيخ مجد الدين أبي الحسن ابن دقيق العيد، القشيريّ، القوصيّ المولد، المنفلوطيّ المحتد. ولد في أحد شهري ربيع سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. سمع الحديث على البهاء عليّ ابن بنت الجمّيزى. وعلى الحافظ أبي الحسين يحيى بن علي الرشيد العطّار، وأبي محمد عبد الوهاب بن رواج، وأبي المكارم أحمد بن محمد بن عبد الله ابن نقّاش السكّة، والحافظ عبد العظيم المنذريّ، وأبي علي الحسن بن محمّد البكريّ، وغيرهم. وحدّث بقوص والقاهرة. سمع منه قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز محمّد بن جماعة، والشيخ فتح الدين محمد بن محمد ابن سيّد الناس، في آخرين. وأخذ فقه مذهبي الشافعيّ ومالك عن أبيه، ودرّس فيهما بقوص. وكان قليل العلم. وولي قضاء غرب قمولة. وكان كثير العبادة يصوم الدهر ويتصدّق ويكفل الأيتام، إلّا أنّه كان متساهلا في الشهادة وفي الكلام. نقل عنه الأدفوي في تاريخ الصعيد (١) في ذلك غير حكاية، وأنّه اختلط في آخره. ومات في العشرين من ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. ٥٣٢ - ابن المزيّن القرطبيّ [٥٧٨ - ٦٥٦] (٢) أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، الأنصاريّ، القرطبيّ، المالكيّ، المعروف بابن المزيّن، أبو العبّاس. فقيه مالكيّ محدّث أصوليّ. سمع بقرطبة وتلمسان وغيرهما. وقدم الإسكندريّة وحدّث بها. فسمع منه محمّد بن أبي بكر القرطبيّ. وصنّف مختصر مسلم وشرحه شرحا حسنا، سمّاه «المفهم». واختصر البخاري. وله «كشف القناع في تحريم السماع» (٣). وكان عالما محقّقا ثقة. ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وتوفّي بالإسكندريّة في رابع عشرين ذي القعدة سنة ستّ وخمسين وستّمائة. ٥٣٣ - كمال الدين النشائيّ [٦٩١ - ٧٥٧] (٤) أحمد بن عمر بن أحمد بن أحمد بن مهديّ، [المدلجيّ] (٥)، النشائيّ، كمال الدين، ابن الشيخ فخر الدين. ولد في ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وسمع من الدّمياطيّ وغيره، وتفقّه بجماعة وشهر. وصنّف جامع المختصرا [ت] وشرحه، والإبريز في الجمع بين الحاوي والوجيز، والمنتقى في الفقه، واختصر «سلاح المؤمن» لرفيقه ابن إمام جامع الصالح (٦). وكانت

стр. 330

له قدرة على الاختصار وكان يبالغ في ذلك حتى صار كلامه كاللغز. ومات في صفر سنة سبع وخمسين [وسبعمائة]. ٥٣٤ - المقدسيّ قاضي القضاة الحنبليّ [- بعد ٧٣٨] (١) [٩٢ أ] أحمد بن عمر [١١٧ أ] بن عبد الله بن عوض، المقدسيّ، الحنبليّ، قاضي القضاة، تقيّ الدين، أبو العبّاس، ابن قاضي القضاة عزّ الدين أبي حفص، ابن شمس الدين أبي محمد [ ... ]. ثمّ ولي قضاء قضاة الحنابلة بالقاهرة ومصر عوضا عن سعد الدين مسعود الحارثيّ في حادي عشرين ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وقد شغر قضاء الحنابلة عن قاض ثلاثة أشهر. وصرف في نصف جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين [وسبعمائة] لسوء سيرة ولده [ ... ] فإنّه تهافت على أخذ المال، وباع عدّة أوقاف، وارتشى في الأحكام. وشكي هو وعبد الله ابن قاضي القضاة جلال الدين محمد القزوينيّ الشافعيّ إلى السلطان غير مرّة (٢)، فعيّن الأمير جنكلي ابن البابا موفّق الدين عبد الله بن محمد (٣)، فولّاه السلطان قضاء الحنابلة. ٥٣٥ - أبو العبّاس العذريّ الدلائيّ [٣٩٣ - ٤٧٨] (٤) [٩٢ أ] أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث بن أنس بن فلهذان بن عمران بن منيب بن زغبة بن قطبة، العذريّ، الدلائيّ- نسبة إلى دلاية، قرية بالأندلس من أعمال المريّة- يكنّى أبا العبّاس. دخل زغبة أحد أجداده إلى الأندلس. وقام بدعوة اليمانيّة. وعمران بن منيب أحد القائمين بالربض على الحكم بن هشام [سنة ٢٠٢]. مولده ليلة السبت لأربع خلون من ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. وخرج مع أبويه للحجّ في سنة سبع وأربعمائة. وقدم مصر، ودخل مكّة، شرّفها الله، في شهر رمضان سنة ثمان وأربعمائة. وسمع بالحجاز سماعا كثيرا من أبي العبّاس الرازيّ، وأبي الحسن بن جهضم الهمذانيّ، وأبي بكر محمد بن أحمد بن نوح الأصبهانيّ، وصحب أبا ذرّ عبد بن أحمد الهروي، وسمع عليه صحيح البخاري مرّات. وسمع من أبي العبّاس الرازي صحيح مسلم سنة تسع وأربعمائة. وعاد إلى الأندلس، وأخذ عنه جماعة لا يحصى عددهم. وتوفّي بالمريّة ليلة الأربعاء لعشر بقين من شعبان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ٥٣٦ - ابن أبي البدر البغداديّ [٧٢٥ - ٨٠٩] (٥) أحمد بن عمر بن علي بن عبد الصمد، ابن أبي البدر، البغداديّ، الجوهريّ.

стр. 331

ولد ببغداد سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وقدم مع أبيه وعمّه دمشق، فقرأ على المزّيّ وجماعة. ثمّ استوطن القاهرة وحدّث بها بسنن ابن ماجة، وبمصر مرارا. وكان حسن الهيئة، جميل المذاكرة، وقورا، ساكنا، ولديه فوائد (١). ومات في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانمائة. ٥٣٧ - أبو عليّ الأصبهانيّ [- ٣٩٤] (٢) [٩٣ أ] أحمد بن عمر بن محمد بن خرّشيد قولة، أبو عليّ الأصبهانيّ، التاجر. سكن بغداد دهرا طويلا وحدّث بها. ثمّ انتقل إلى [ ... ] وحدّث بدمشق ومصر عن الحسين المحامليّ وغيره. وروى عنه رشأ بن نظيف وأبو نعيم الأصبهاني وجماعة. وكان يحضر كلّ سنة مكّة مع حاجّ مصر. ومات بمصر يوم الثلاثاء الثاني عشر من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وثلاثمائة. قال الخطيب: وكان ثقة حسن الأصول. ٥٣٨ - أبو العبّاس المرسيّ الصوفي [- ٦٨٦] (٣) [٩٣ أ] أحمد بن عمر بن محمد، أبو العبّاس، ابن أبي عمر، المرسيّ، الصوفيّ، الشاذليّ. مات بثغر الإسكندريّة في سنة ستّ وثمانين وستّمائة. وللناس فيه اعتقاد. وكان من خبره أنّه سار به أبوه من الأندلس في البحر، حتى إذا كانوا بالقرب من بونة انكسرت السفينة، فغرق أبوه وأمّه، ونجا هو وأخوه. فقدم وهو صغير، مع أخيه أبي عبد الله محمد إلى مدينة تونس فاجتمعا بالشيخ أبي الحسن الشاذليّ. فعند ما رآه الشيخ قال: ما ردّني لتونس إلّا هذا الشابّ! فربّاه [١١٧ ب] وسلّكه. وخرج إلى ديار مصر وهما معه، فكان أبو عبد الله مؤدّبا يعلّم الصبيان القرآن بالإسكندريّة. وجدّ أبو العبّاس في العبادة والنسك، وجلس بجامع العطّارين من الإسكندريّة يعظ الناس. ثمّ كفّ بصره وخدمه ياقوت الحبشيّ (٤) وفتح له على يده. فلمّا مات الشيخ أبو الحسن الشاذليّ قام الشيخ أبو العبّاس من بعده لأنّه استخلفه عند موته، وسكن حيث كان يسكن من الإسكندريّة. وتردّد إلى القاهرة في أيّام النيل من كلّ سنة مرارا. ونزل بالمقس كما كان الشيخ أبو الحسن يفعل. فورد إليه الفقراء كما كانت ترد إلى الشيخ أبي الحسن

стр. 332

وأخذوا عنه وتبرّكوا به، وحكيت كرامات عديدة. وله كلام حسن على طريق القوم. وقبره بالإسكندريّة يزار ويتبرّك به، ﵁. ٥٣٩ - نا- أبو الجنّاب الكبرى الخيوقيّ [٥٤٥ - ٦١٨] (١) أحمد بن محمد بن عمر بن محمّد بن عبد الله، أبو الجنّاب- بفتح الجيم وبعدها نون مشدّدة- الخيوقيّ، الصوفيّ، المعروف بالشيخ نجم الدين الكبري (٢)، الخوارزميّ. ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة. قدم إلى القاهرة [ونزل بالخانكاة الصلاحيّة سعيد السعداء]. وسمع بالإسكندريّة من الحافظ السلفيّ. وبتبريز من محمّد بن أسعد، وبأصبهان من أبي المكارم أحمد بن محمّد اللبّان، وأبي سعيد خليل بن بدر بن ثابت، وأبي عبد الله محمد بن أبي زيد الكرّانيّ، وأبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن نصر الصيدلانيّ، وأبي الحسن مسعود بن أبي منصور الجمّال. وحدّث بخوارزم. وكتب عنه عامّة الرحّالة، وفسّر القرآن في اثنتي عشرة مجلّدة. وكان له معرفة بالفقه والحديث، وكان شافعيّ المذهب. وصار من كبار مشايخ الصوفيّة، وانتهت إليه المشيخة بناحية خوارزم وما يليها، وكثر أتباعه وانتشر مريدوه في تلك النواحي، وانتفع به خلائق في سلوك طريق الله تعالى. وله عدّة رسائل في التصوّف أيضا. واستشهد على أيدي التتر بخوارزم عند استيلائهم عليها في صفر سنة ثماني عشرة- وقيل: سبع عشرة- وستّمائة. وقتل معه ثمانون من مريديه بعد أن قاتلوا معه وجاهدوا في سبيل الله أعظم جهاد حتى أكرمهم الله معه بالشهادة، ﵀. وخيوق (٣) قرية من قرى خوارزم- ويقال فيها أيضا: خيوق. ٥٤٠ - الحافظ ابن جوصا [- ٣٢٠] (٤) [١٠٠ أ] أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا، أبو الحسن الحافظ، مولى بني هاشم- ويقال: مولى محمد بن صالح بن بيهس- الكلابيّ، شيخ الشام في وقته. رحل وصنف وذاكر. وقدم إلى مصر، وروى عن جماعة، منهم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، والربيع بن سليمان. وروى عنه أبو القاسم الطبرانيّ، وأبو أحمد بن عديّ الجرجانيّ، في آخرين. وكان جوصا جدّ جدّه يهوديّا فأسلم. وقال الحاكم: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: سمعت أحمد بن عمير الدمشقيّ، وكان [ركنا] من أركان [الحديث] (٥) يقول: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علوّ.

стр. 333

وقال مسعود الدمشقيّ: جاء رجل بغداديّ إلى ابن جوصا، فقال له ابن جوصا: «كلما أغربت عليّ حديثا من حديث الشام أعطيتك درهما». فلم يزل الرجل يلقي عليه ما شاء الله ولا يغرب عليه شيئا. فاغتمّ الرجل فقال ابن جوصا: لا تجزع! - وأعطاه بكلّ حديث ذاكره درهما، وكان ابن جوصا ذا مال كثير. وقال الحاكم: وأحمد بن عمير إمام أهل الحديث ورئيس الشام [١١٨ أ]. وقال عبد الغنيّ بن سعيد: سمعت حمزة بن محمّد يقول: سمعت أحمد بن عمير بن جوصا يقول: كنّا ببغداد، فرأينا أصحاب الحديث يتذاكرون بحديث أيّوب السختيانيّ وأشباهه، فأطلعت لهم رأسي فقلت لهم: إيش أسند جنادة عن عبادة؟ فسكتوا. ثمّ قلت لهم: إيش أسند عمرو بن عمرو بن عبدة الأحموسيّ؟ - فلم يجيبوا بشيء. وقال عبد الغنيّ: سمعت أبا الفضل جعفر بن محمد بن الفضل [يقول]: سمعت أبا الحسن عليّ بن عمر يقول: أجمع أهل الكوفة أنّه لم ير من زمن عبد الله بن مسعود إلى زمان أبي العبّاس بن عقدة أحفظ من ابن عقدة (١). (قال عبد الغنيّ): وسمعت أبا همّام محمد بن إبراهيم الكرخيّ يقول: ابن جوصا بالشام كأبي العبّاس بن عقدة بالكوفة. (قال عبد الغنيّ): وسألت أبا القاسم حمزة عنه فقال: هذا رجل يعرف ما عند الناس، ولا يعرفون ما عنده. وذكر الحاكم أنّ أبا عليّ الحافظ لمّا قدم إلى دمشق حضر إليه جماعة، وزعيمهم الزبير بن عبد الواحد الأسدآبادي، ونقموا على ابن جوصا أحاديث أنكروها فسكّنهم وقال: لا تفعلوا! هذا إمام من أئمّة المسلمين، وقد جاز القنطرة. فلمّا دخل أبو عليّ بلغه إنكار الزبير على ابن جوصا فقال: الزبير طبل. وقال الزبير: ما رأيت لأبي عليّ زلّة قطّ، إلّا روايته عن عبد الله بن [١٠٠ ب] وهب الدينوري، وأحمد بن عمير بن جوصا. وقال ابن مندة: سمعت حمزة الكنانيّ بمصر يقول: عندي عن ابن جوصا مائتا جزء، وليتها كانت بياضا! (قال) وترك الرواية عنه أصلا. وقال الدارقطنيّ: تفرّد بأحاديث، ولم يكن بالقويّ. سمعت دعلج بن أحمد (٢) يقول: دخلت دمشق، وكتب لي عن ابن جوصا جزء، ولست أحدّث عنه: فإني رأيت في داره جرو كلب. فقلت: روي عن النبيّ ﷺ أنّه نهى عن اقتناء الكلب، وهذا قد اقتنى كلبا. وتوفّي ابن جوصا يوم الأربعاء- ودفن يوم الخميس- لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة عشرين وثلاثمائة. ٥٤١ - أبو الطاهر ابن السرح الأمويّ [- ٢٥٠] (٣) [١٠٠ ب] أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح الأمويّ، مولاهم، أبو الطاهر، المصريّ.

стр. 334

أكثر عن ابن وهب (١)، وسمع من ابن عيينة، وأخذ عن الشافعيّ. روى عنه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة. وكان عالما جليلا. مات لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين. ٥٤٢ - ابن القليوبيّ [٦٢٨ - بعد ٦٩١] (٢) [١٠١ أ] أحمد بن عيسى بن رضوان، أبو العبّاس، كمال الدين، ابن ضياء الدين، العسقلانيّ الأصل، الشهير بابن القليوبيّ، الفقيه، الشافعيّ، المعروف بابن العسقلانيّ وبالقليوبيّ. ولد بمصر يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وستّمائة. تفقّه على والده وغيره. وروى عن ابن الجمّيزى والمنذريّ، وبرع في الفقه. وشرح التنبيه (٣). وله كتاب «نهج الوصول في علم الأصول» مختصر، وكتاب «المقدّمة الأحمديّة في علم العربيّة» وكتاب «طبّ القلب ووصل الصبّ»، تصوّف. وكتاب «الجواهر السحابيّة في النكت المرجانيّة» جمع فيه كلمات سمعها من عبد الله بن محمّد (٤) المرجانيّ. وكتاب «العلم الظاهر في مناقب الفقيه أبي الطاهر» (٥) وكتاب «الحجّة الرّابضة لفرق الرافضة». وولي قضاء المحلّة زمانا طويلا. وكان فقيها صالحا سليم الباطن حسن الاعتقاد. توفّي في المحلّة. قال السبكيّ: أرّخه الذهبيّ سنة تسع وثمانين وستّمائة. لكنّي وجدت [١١٨ ب] فوائد بخطّه تاريخها في رجب سنة إحدىو تسعين وستّمائة (٦). ٥٤٣ - أحمد بن عيسى الكرديّ [- ٦٤٤] [١٠١ ب] أحمد بن عيسى بن أبي بكر بن أبي عبد الله بن أحمد بن عبد الله، الأمويّ، الكرديّ، ثمّ المصريّ، الفقيه الشافعيّ. برع في الفقه، وكتب على التهذيب شرحا سمّاه «الوافي» في عشرين مجلّدة. ودرّس بالمدرسة الحافظيّة بالثغر. ثمّ تحوّل إلى القاهرة في سنة إحدى وأربعين، فأقام بها حتّى مات في شعبان سنة أربع وأربعين وستّمائة. ٥٤٤ - أحمد بن عيسى الصفديّ [١٠٢ أ] كان من أجلّاء أصحاب أحمد بن طولون. فلمّا ظفر بالكتب التي كتبها الموفّق طلحة مع نحرير الخادم إلى قوّاد مصر يستميلهم عن أحمد بن طولون، وجد منها كتابا لابن عيسى هذا، فضربه بالسوط وحلق رأسه ولحيته وطاف به البلد وحبسه في المطبق.

стр. 335

٥٤٥ - ابن الخشّاب [٦٦٤ - ٧١٤] (١) [١٠٢ أ] أحمد بن عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن، صدر الدين، أبو العبّاس، ابن مجد الدين، ابن الخشّاب، المخزوميّ، الشافعيّ. ولد في [ ... ] سنة أربع وستّين وستّمائة. وولي وكالة بيت المال عوضا عن أبيه. ومات في يوم الاثنين تاسع شعبان سنة أربع عشرة وسبعمائة، ودفن بالقرافة. وكان من الرؤساء والأماثل. ٥٤٦ - ابن الشيرجيّ [٦٤٧ - ٧٢٦] [١٠٤ ب؟ ] أحمد بن عيسى بن مظفّر بن محمد بن إلياس، شرف الدين، أبو الفتح، ابن عزّ الدين أبي الروح، المعروف بابن الشيرجيّ، الأنصاريّ، الدمشقيّ. ولد بدمشق سنة سبع وأربعين وستّمائة. وسمع ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وغيرهما. وولي حسبة دمشق، ونظر الجامع الأمويّ هو وأبوه وجدّه. وكان صدرا كبيرا رئيسا خيّرا. قدم القاهرة. ومات بدمشق سنة ستّ وعشرين وسبعمائة. ٥٤٧ - عماد الدين المقيريّ [٧٤١ - ٨٠١] (٢) [١٠٣ أ] أحمد بن عيسى بن موسى بن عيسى بن سليم بن جميل، قاضي القضاة، عماد الدين، أبو العبّاس، ابن القاضي شرف الدين أبي الروح، ابن الشيخ عماد الدين أبي عمران، الأزرقيّ، العامريّ، المقيريّ، الكركيّ، الشافعيّ. ولد بكرك الشوبك في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وسمع من أبي نعيم ابن الأسعردي، ويوسف الدلاصيّ، وغيرهما. وحفظ المنهاج للنوويّ في الفقه وغيره. وولي قضاء الكرك بعد وفاة أبيه. وكثر ماله وفخم أمره بحيث صار أمر أهل مدينة الكرك وقراها إليه، فلا يردون ولا يصدرون إلّا عن رأيه. ومن أراده [ورضيه] من نوّاب السلطان بالكرك مشت أحواله مع الرعيّة. ومن لم يرضه ثوّر عليه العامّة حتّى يخرج من البلد، وذلك لشهرته بين الناس وإذعانهم له، وانقيادهم لطاعته، وما له من قوم أبيه وأهل نسبه من طائفة قيس (٣) ببلدهم المقير من العصبيّة، ولما تحلّى به من العفّة والصرامة ووفور الحرمة وكثرة المال. فلمّا كانت سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ثار الأمير يلبغا الناصريّ نائب حلب على الملك الظاهر برقوق وسار إليه بعساكر الشام وقبض عليه، وبعثه إلى الكرك وسجنه بقلعتها. فتعصّب له العامّة وأخرجوه من السجن. فقام عماد الدين هذا وأخوه علاء الدين عليّ كاتب السرّ بها، معه، وآزروه. فلمّا عاد إلى مملكة مصر، وقلّد علاء الدين عليّ الكركيّ كتابة السرّ بديار مصر، قدم عماد الدين أيضا فقلّده قضاء القضاة بديار مصر في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب سنة اثنتين

стр. 336

وتسعين وسبعمائة، عوضا عن بدر الدين محمد بن أبي البقاء [١١٨ أ]، فباشر الحكم بمهابة زائدة، وحرمة وافرة، مع عفّة ونزاهة. إلّا أنّه استكثر من النوّاب في الحكم، كأنّه يريد بذلك تألّف قلوب أهل مصر، لما كان عنده من الوهم منهم، فعيب عليه ذلك. وعيب عليه أيضا الإمساك وقلّة العلم. وقام أبو عبد الله المغربيّ (١) بعداوته، وما زال يغري السلطان به حتّى صرفه عن القضاء في يوم الاثنين ثاني المحرّم سنة خمس وتسعين [وسبعمائة] بصدر الدين محمد بن إبراهيم المناويّ، من غير جرم ولا خيانة، سوى قلّة الدربة بمصطلح أهل مصر. وجعل له في نظير القضاء تدريس الفقه بوقف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن محمد بن قلاوون على القبّة المنصوريّة، [١٠٣ ب] وتدريس الفقه (٢) بالجامع الطولونيّ. فباشر ذلك وصار يتردّد إلى السلطان، والناس توجب له حقّ الرعاية، إلى أن وردت وفاة سريّ الدين محمد بن المسلاتي خطيب القدس. فتحدّث مع السلطان في خطابة القدس، فأجابه إلى ذلك في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب سنة تسع وتسعين وقلّد الخطابة والإمامة بالمسجد الأقصى، وتدريس الصلاحيّة بالقدس. فسار من القاهرة وباشر ذلك على حال انجماع (٣) عن الناس وإقبال على ما يعود عليه نفعه عند الله، حتّى قبضه الله إليه في يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانمائة. ودفن هناك. وكان ﵀ ثبتا في أحكامه، صادقا في مقاله، كثير الصدقة مع الإمساك في الإنفاق وقلّة العطاء في غير هذا الوجه. وكان يلازم قيام الليل ويواظب على تلاوة القرآن، ويسرد الصيام، مع البعد عن كلّ ما يشين المرء في دينه. وتردّد إلى القاهرة قبل ولايته القضاء مرارا. وأقام بدمشق مدّة، وسمع بها على ابن جملة (٤). وحلف لي غير مرّة أنّه منذ تقلّد القضاء بالكرك وديار مصر، لم يتعمّد حكما باطلا، ولا قبل رشوة، ولا أكل مال يتيم، ولا مال وقف بباطل- ولقد صدق في هذا: فإنّا بلوناه فما رأينا فيه ما يعاب به سوى كثافة حجّابه أيّام تقلّده القضاء، ومحبّته للتعظيم، وترفّعه، وإعجابه بمن يمدحه. ولقد اعتذر لي عن ذلك بما يقبل منه: وهو ما خوّف به من أهل مصر (٥) وكثرة انتقادهم وظنونهم

стр. 337

وتتبّعهم معايب حكّامهم. وبالجملة فمحامده أكثر من معايبه رحمة الله (١). وسليم بفتح السين المهملة وكسر اللام ثم ياء آخر الحروف وميم، على وزن رغيف. والمقير بضمّ الميم وفتح القاف ثمّ ياء آخر الحروف ساكنة بعدها راء مهملة: قرية من أعمال الكرك. ٥٤٨ - أبو جعفر المذبوح [- ٣٧٨] (٢) [١٠٤ أ] أحمد بن عون الله بن حدير بن يحيى بن تبيع بن سليمان بن حدير، المعروف بالمذبوح، ابن عبد الله بن عمرو بن حدير، المجير، واسمه سليمان بن جندل بن نهشل بن دارم، التميميّ، أبو جعفر، الأندلسيّ، القرطبيّ، البزّاز. سمع من قاسم بن أصبغ، ومحمد بن عبد الله بن أبي دليم، وغيرهما من أهل قرطبة. ورحل فسمع بمكّة من ابن الأعرابيّ، وابن فراس وغيره. وسمع بدمشق وطرابلس من جماعة. وسمع بمصر من عبد الله بن جعفر بن الورد، وأبي العبّاس أحمد بن إبراهيم. وكانت عدّة شيوخه الذين روى عنهم، على تفصيل البلاد التي لقيهم فيها، اثنين وسبعين شيخا، رجالا وامرأتين. وروى عنه أبو عمر (٣) أحمد بن محمد الطلمنكيّ. قال أبو عمر أحمد بن عفيف الأندلسيّ: [١١٨ ب] كان رجلا صالحا شديد الانقباض عن أهل الدنيا لا يمضي إلى أحد، ولا يداخل أحدا، إنّما كان من داره إلى مسجده، ومن مسجده إلى داره، قاعدا للناس لإسماع الحديث من غدوّه إلى الليل. وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مفرّج: كان محتسبا على أهل البدع، غليظا عليهم، مذلّا لهم، طالبا لمساوئهم، مسارعا في مضارّهم، شديد الوطأة عليهم، مشرّدا لهم إذا تمكّن منهم، غير مبق عليهم. وكان كلّ من كان منهم، خائفا منه، على نفسه مترقّبا، لا يداهن أحدا منهم على حال ولا يسأله (٤). وإن عثر لأحد منهم على منكر، وشهد عليه عنده بانحرافه عن السنّة، نابذه وفضحه وأعلن بذكره والبراءة منه، وعيّره بذكر السوء في المحافل، وأغرى به حتّى يهلكه، أو ينزع عن قبيح مذهبه وسوء معتقده. ولم يزل دءوبا على هذا جاهدا فيه ابتغاء وجه الله، [وله في] الملحدين آثار مشهورة، ووقائع مذكورة. واستمرّ إلى أن لقي الله على ذلك. وقال القاضي أبو الوليد عبد الله بن محمّد بن يوسف بن الفرضيّ الأندلسيّ: كان شيخا صدوقا، صارما في السنّة، متشدّدا على أهل البدع، وكانلهجا بهذا النوع صبورا على الأذى فيه. كتب عنه الناس قديما وحديثا، وكتبت عنه. توفّي ليلة السبت لثلاث عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. ٥٤٩ - أبو مسعود الرازيّ الأصبهانيّ [- ٢٥٨] (٥) [١٠٥ أ] أحمد بن الفرات بن خالد، أبو

стр. 338

مسعود، الضّبيّ، الرازيّ، الحافظ، أحد الأعلام. رحل رحلة واسعة، وسافر في طلب العلم إلى الشام والجزيرة، وجمع في رحلته بين البصرة والكوفة والحجاز واليمن والشام ومصر. وورد بغداد في حياة الإمام أحمد بن حنبل. وبعد ذلك نزل أصبهان واستوطنها حتّى مات. وحدّث عن أبي أسامة، وحسين الجعفيّ، وعبد الله بن نمير، ويزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد، وأبي داود الحفريّ (١)، وعبد الرزّاق، وشبابة (٢)، وخلق. وحدّث عنه أبو داود السجستانيّ، وحميد بن الربيع وهو أكبر منه، والفضل بن الجبّاب الجمحيّ، وجعفر الفريابيّ، ومحمد بن يحيى بن مندة، وجماعة. قال أحمد بن حنبل: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله ﷺ من أبي مسعود. رواه أبو الشيخ. وعن إبراهيم بن رزمة: بقي اليوم في الدنيا ثلاثة: محمد بن يحيى بخراسان، وأبو مسعود بأصبهان، والحسن بن عليّ الحلوانيّ بمكّة. وعن محمد بن آدم المصيصيّ: لو كان أبو مسعود أحمد بن الفرات على نصف الدنيا، لكفاهم- يعني في الفتيا. وعن أبي الشيخ: بلغني أنّ رجلا قال لأبي مسعود: إنّنا ننسى الحديث. فقال: أيّكم يرجع في حفظ الحديث الواحد خمسمائة مرّة؟ قالوا: ومن يقوى على هذا؟ قال: لذاك لا تحفظون! وقال حجّاج الشاعر: لا أعرف اليوم أحدا أحذق بهذه الصناعة من أحمد بن الفرات، وعبّاس الطبريّ. وقال أبو مسعود: كتبت عن ألف وسبعمائة وخمسين رجلا أدخلت في تصنيفي ثلاثمائة وعشرة، وعطّلت سائر ذلك. وكتبت ألف ألف حديث وخمسمائة ألف حديث، فأخذت من ذلك [١٠٥ ب] ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيره. قال أبو الشيخ (٣): كان من الحفّاظ الكبار، صنّف المسند والكتب. وقال أبو عروبة (٤) الحرّانيّ: أبو مسعود الأصبهانيّ في عداد أبي بكر بن أبي شيبة في الحفظ، وأحمد بن سليمان الرهاويّ في الثبت. وقال أبو بشر الدولابيّ: سمعت حميد بن الربيع يقول: قدم أبو مسعود الأصبهانيّ مصر فاستلقى على قفاه فقال لنا: خذوا حديث مصر! (قال) فجعل يقرأ علينا شيخا شيخا من قبل أن يلقاهم. وروي عنه أنّه قال: وددت أنّي أقتل في حبّ [١١٩ أ] أبي بكر وعمر ﵄. وقال أبو أحمد بن عديّ: لا أعلم لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ. وعن أحمد بن الفرات: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من دلّ صاحب رأي فقد أعان على هدم الإسلام.

стр. 339

وعنه، قال: ذكرت بالحفظ، وأنا ابن ثماني عشرة سنة. ومات في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين. وغسّله محمد بن عاصم الثقفيّ. ٥٥٠ - ابن فرح صاحب غرامي صحيح [٦٢٥ - ٦٩٩] (١) أحمد بن الفرح- بالفاء والحاء المهملة- بن أحمد بن محمد، شهاب الدين، أبو العبّاس، اللخميّ، الإشبيليّ، الشافعيّ. ولد سنة خمس وعشرين وستّمائة. وأسره الفرنج سنة ستّ وأربعين، فأقام عندهم مدّة وتخلّص. فقدم مصر بعد سنة خمسين وستّمائة. وتفقّه على شيخ الإسلام عزّ الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام. وسمع الحديث على شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاريّ الحمويّ، والمعين أحمد بن زين الدين وإسماعيل بن عزّون (٢)، والنجيب ابن الصيقل، وابن علّاق. وسار إلى دمشق فسمع على ابن عبد الدائم وجماعة، وعني بالحديث وأتقن ألفاظه وعرف رواته وفهم معانيه، وصار إماما حافظا. وتصدّى للإفادة بالجامع الأمويّ في كلّ يوم. ولازمه الحافظ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبيّ وسمع عليه واستفاد منه كثيرا وروى عنه (٣). وعرضت عليه مشيخة دار الحديث النوريّة فلم يقبل. وكان بزيّ الصوفيّة مع ورع وصيانة، إلى أن مات في تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستّمائة. وله شعر، ومنه قصيدته التي في مصطلح أهل الحديث، وهي [الطويل]: غرامي صحيح، والرجا فيك معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل وصبري عنكم يشهد العقل أنّه ... ضعيف ومتروك، وذلّي أجمل ولا حسن إلّا سماع حديثكم ... مشافهة يملى عليّ فأنقل وأمري موقوف عليك وليس لي ... على أحد إلّا عليك معوّل ولو كان مرفوعا إليك، لكنت لي ... على رغم عذّالي تحنّ وتعدل وعذل عذولي منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس يردّ ويهمل أقضّي زماني فيك متّصل الأسى ... ومنقطعا عمّا به أتوصّل وها أنا في أكفان هجرك مدرج ... تكلّفني ما لا أطيق فأحمل وأجريت دمعي بالدّماء مدبّجا ... وما هي إلّا مهجتي تتحلّل فمتّفق جفني وسهدي وعبرتي ... ومفترق صبري وقلبي المبلبل ومؤتلف شجوي ووجدي ولوعتي ... ومختلف حظّي وما منك آمل خذ الوجد عنّي مسندا ومعنعنا ... فغيري بموضوع الهوى يتحيّل وذي نبذ من مبهم الحبّ فاعتبر ... وغامضه إن رمت شرحا أطوّل

стр. 340

عزيز بكم صبّ ذليل لعزّكم ... ومشهور أوصاف المحبّ التذلّل غريب يقاسي البعد عنك، وما له ... وحقّك عن دار القلى متحوّل فرفقا بمقطوع الوسائل، ما له ... إليك سبيل لا ولا عنك معدل ولا زلت في عزّ منيع ورفعة ... ولا زلت تعلو بالتجنّي وأنزل [١١٩ ب] أورّي بسعدى والرباب وزينب ... وأنت الذي نعني وأنت المؤمّل فخذ أوّلا من آخر تمّ أوّلا ... من النصف منه، فهو فيك مكمّل أبرّ إذا أقسمت إنّي بحبّه ... أهيم، وقلبي بالصبابة مشغل ٥٥١ - التاج ابن سعيد الدولة [- ٧٠٩] (١) [٢٩ أ] أحمد بن أبي الفرج، تاج الدين، [أبو الفرج]، ابن شرف الدين، المعروف بالتاج ابن سعيد الدولة، ويعرف أبوه بكاتب الفارقانيّ. خدم وهو نصرانيّ، في الكتابة الديوانيّة عند الأمير بهادر باش نوبة فأنشأه وصار أحد مستوفي الدولة. فلمّا ولي الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الوزارة مرّة ثانية، ضربه بالمقارع، وهو يومئذ أحد المستوفين. فأسلم في أثناء سنة ثمان وتسعين وستّمائة. وكان باشر ديوان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ يدير أمور الدولة مع الأمير سلار النائب، فتمكّن منه تمكّنا زائدا. فلمّا فعل به الأعسر ما فعل، تخلّى عن المباشرة وانقطع بزاوية الشيخ نصر المنبجيّ خارج باب النصر، إلى أن تحدّث الشيخ نصر مع بيبرس في إعفائه من المباشرة فأجابه. وكان كثير الزهو شديد الإعجاب بنفسه. فما زال بزاوية الشيخ نصر حتّى حفظ سورة البقرة وسورة آل عمران، وتوصّل بما كان عنده من المكر والخبث والدهاء إلى خدمة بيبرس. فتحدّث الشيخ نصر له في ذلك فعاد بغاية العزّة والعظمة، واستولى على أمور الدولة بحيث إنّ جميع أمور الدولة بديوان الوزارة، والأستداريّة لا يعمل فيها شيء إلّا برأيه وتدبيره. فحصّل لبيبرس مالا كبيرا من المشتراوات (٢) وغيرها، وأضاف له جهة النطرون. وصار القضاة يقفون على بابه فلا يخرج إليهم ولا يجتمع بهم. والتزم طريقة: أنّه ما دام في ديوانه، يقضي الأشغال وينفّذ الأمور، فإذا اعترضه أحد في الطريق وسأله حاجة، أمر به فضرب بالمقارع. فهابه الناس وكانت حرمته وافرة، ومهابته شديدة. وكان لا يجتمع بغريب، ولا يخالط أحدا ولا يقبل هديّة. وكان يقتصد في ملبسه: فإذا كان الصيف لبس القطن البعلبكيّ الأبيض، ويلبس في الشتاء الصوف الأبيض، فلا يرى عليه قطّ غير فرجيّة بيضاء. ويركب غلامه دابّة خلفه، ومعه الدواة. وكان ينوب عن الأمير بيبرس في وظيفة أستداريّة السلطان الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ. فثقل على ابن سعيد الدولة مكانه، وأغرى به بيبرس حتّى صادره وأخرجه من القاهرة

стр. 341

إلى الشام بطّالا كما ذكر في ترجمته (١). فشقّ ذلك على الأمير سلار لمحبّته الجاولي، وكادت الفتنة أن تقوم بينه وبين بيبرس من أجل ذلك حتّى دخل الأمراء بينهما. وصرف الوزير سعد الدين محمد بن عطايا، فعيّن سلار ابن سعيد الدولة للوزارة عوضه، فدافعه بيبرس عنه وقال: أنا عرضتها عليه فلم يرضها. فقال سلار: دعني وإيّاه. وبعث إليه. فلمّا دخل عليه أظهر التنكّر وصاح بانزعاج: هاتوا خلعة الوزارة! فأحضرت للوقت. فأشار [٢٩ ب] له بلبسها فامتنع. فصرخ فيه وحلف إن لم يلبسها ليضربنّ عنقه، واشتدّ في هذا. فلم يسعه إلّا موافقته خوفا من بطشه به، لما يعلمه من شدّة بغضه له. ولبس الخلعة في يوم الخميس النصف من المحرّم سنة ستّ وسبعمائة، وقبّل يد الأمير سلار، فبشّ له ووصّاه. ثمّ خرج له من دار النيابة بالقلعة إلى قاعة الصاحب بها، وبين يديه الحجّاب والنقباء. فأحضرت له دواة الوزارة والبغلة على العادة، وجلس في الشبّاك [١٢٠ أ] ووقّع ونفّذ الأمور إلى بعد العصر [ثمّ] مضى إلى داره بالقاهرة. فسرّ بيبرس بموافقته، وأعجبه ذلك عجبا كبيرا. وبكّر الناس يوم الجمعة إلى دار الوزير للركوب في خدمته على عادة الوزراء. فأقاموا ببابه زمانا، وإذا بغلامه قد خرج إليهم وقال: يا جماعة، القاضي عزل نفسه ومضى إلى زاوية الشيخ نصر المنبجيّ- فتفرّقوا عن بابه. وكان هو قد مضى إلى الزاوية في الليل وبعث بخلعة الوزارة إلى الخزانة السلطانيّة بالقلعة، وأقام عند الشيخ نصر مستجيرا به. فكتب نصر إلى الأمير بيبرس يشفع فيه ويقول: إنّه استشفع بي في الإعفاء من الوزارة والتزم أنّه لا يباشرها أبدا، وعزم على الانقطاع مع الفقراء بالزاوية ليعبد الله (تعالى). فأخذ بيبرس ورقة نصر وأوقف عليها الأمير سلار، وما زال به حتّى أعفاه، بشرط أن يحضر ليؤخذ رأيه فيمن يلي الوزارة. فاستدعاه بيبرس فحضر، ودخل إلى سلار واعتذر إليه فقبل عذره، وأشار بوزارة ضياء الدين عبد الله بن أحمد النشائيّ ناظر الدواوين، فولي في ثامن عشرينه وباشرها وليس له منها سوى الاسم لا غير، وجميع التنفيذ والتصرّف إلى ابن سعيد الدولة. فلمّا كان يوم الخميس سادس صفر، خلع عليه مشير الدولة وناظرا على الوزراء بديار مصر وسائر بلاد الشام، ومتفرّدا بنظر البيوتات والأشغال المتعلّقة بالأستداريّة، ونظر الصحبة، ونظر الجيوش، وكتب له توقيع سلطانيّ لم يكتب لمتعمّم توقيع مثله. فصار يجلس بجانب الأمير سلار نائب السلطنة فوق سائر المتعمّمين. ونفذ حكمه وتصرّف قلمه في كلّ أمور الدولة، وألان له الوزير جانبه، وخفض جناحه بكلّ ممكن، فانفرد بالرئاسة إلى أن استبدّ بيبرس بالسلطنة وتلقّب بالملك المظفّر. [ف] استدعاه في يوم [٣٠ أ] الاثنين خامس عشرين شوّال سنة ثمان وسبعمائة، وعرض عليه الوزارة فامتنع، وأشار باستمرار الصاحب ضياء الدين على حاله، وأن يتولّى [هو] التدبير. فأجيب إلى ذلك وخلع عليه خلعة سنيّة، فزاد تمكّنه وعظم شأنه حتّى صار يقف على أجوبة البريد إلى النوّاب بممالك الشام، ويكتب عليها، وذلك أنّه برز مرسوم السلطان بأنّه لا يكتب عن السلطان شيء من سائر الدواوين حتّى يعرض على

стр. 342

ابن سعيد الدولة. فكان السلطان لا يكتب علامة حتّى يرى خطّه: «عرض، ويحتاج إلى الخطّ الشريف». فيكتب حينئذ. وما لم ير خطّه، لا يكتب. فشقّ هذا على شرف الدين عبد الوهاب ابن فضل الله كاتب السرّ، وما زال يسعى حتّى منع ابن سعيد الدولة من الكتابة على الأجوبة، والوقوف عليها. فأسرّها في نفسه وصار يكتب فيما عدا ديوان الإنشاء (١) .. ٥٥٢ - ابن البابا فرج [- ٧٤٧] [٣٠ ب] أحمد بن أبي الفرج بن عبد الله، شهاب الدين، المعروف بابن البابا فرج، التجيبيّ، الفقيه، الشافعيّ. برع في الفقه وقال الشعر الجيّد، وأتقن العربيّة، وقرأ بالسّبع، وعرف التفسير والحديث والأصلين والطبّ، وكتب الخطّ الحسن، مع الدين والمروءة. أخذ عن العلم العراقيّ (٢) وغيره. ودرّس الحديث بالقبّة من خانكاه بيبرس. ومات في آخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة، مطعونا. ومن شعره قوله في قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة وقد عزم على [الحجّ] فلمّا ركب بغلته سقط عن ظهرها فوقعت عمامته وانكشف رأسه [الكامل]: بشراك يا قاضي القضاة بحجّة ... تكسوك من حلل الكمال لبوسا قد شاقك الإحرام لمّا شقته ... فأتى يقبّل رأسك المحروسا [١٢٠ ب] ٥٥٣ - ابن فضل الله الحسينيّ [- قبل ٥٥٢] [٣١ أ] أحمد بن فضل الله بن أبي طريف محمد بن عمرو بن أبي الغنائم محمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن أحمد بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵈. قدم مصر من الموصل، وصار قيّما ببعض مساجد القاهرة. وبلغ من العمر مائة سنة. فكان كلّما أذّن للصلوات من أعلى المسجد يقول: الصلاة يا من لا يفلحون ولا يصلّون ولا يزكّون، يا موتى! - ثمّ ينشد متمثّلا لا يخلّ بذلك قطّ بعد كلّ أذان [مجزوء الكامل]: يا غارسا بيمينه ... ثمر المودّة في السباخ يا حاضنا بيض القطا ... تحت الحدى طلب الفراخ (٣) ذهب الذين تحبّهم ... فانظر لنفسك من تؤاخي إنّ الذين أمنتهم ... هم يوقعونك في الفخاخ ومات محروقا لأنّه اصطلى بنار في الشتاء فتعلّقت النار بثيابه فصاح، فما تداركه [٣١ ب] بناته وأهله إلّا وقد تلف. وكان له ولد رجل قد قارب أربعين سنة، وكان

стр. 343

مختلّا لا عقل له، فمضى بعد موت أبيه يوما يخبز خبزا لأخت له، فحاذاه بعض العرب وتلاهى به وأخذه ومضى به فأباعه للفرنج، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. فأتى خبره أنّه في غزّة يحمل الجير والحجر، ثمّ لم يعلم له خبر. ٥٥٤ - أبو العبّاس البلويّ الصقلّيّ [- ٥٧١] أحمد بن أبي القاسم بن أبي عبد الله، أبو العبّاس، البلويّ، الصقلّي. سمع الكثير. ومات بالإسكندريّة يوم السبت العاشر من صفر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. ٥٥٥ - أبو بكر الدينوريّ الخفّاف [- ٣٤٩] أحمد بن الفضل بن العبّاس، أبو بكر، البهرانيّ، الدينوريّ، الخفّاف، المطوّعيّ. سمع أبا بكر الفريابيّ، ومحمد بن جرير الطبريّ وغيره. وروى عنه أبو عمر أحمد بن محمّد بن الجسور وجماعة. قال أبو الوليد عبد الله بن محمد الفرضيّ: قدم الأندلس في ربيع الآخر (١) سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وكان يخبر أنّ مولده بالدينور، وأنّه تحوّل إلى بغداد. وأقام برهة لا يكتب. ثمّ تعلّم الكتابة، وكان يكتب كتابة ضعيفة بالهجاء. وسمع الحديث من جماعة ببغداد والبصرة والشام، ولزم محمد بن جرير الطبريّ وخدمه وتحقّق به وسمع منه مصنّفاته فيما زعم. ولم يكن ضابطا لما روى. وكان عنده مناكير، وقد سهّل للناس فيه وسمعوا منه كثيرا. قال لي أبو عبد الله محمد بن يحيى: لقد كان الدينوريّ بمصر تلعب به الأحداث ويتغامزون عليه ويسرقون كتبه، وما كان ممّن يكتب عنه بحال. ثمّ قدم الأندلس فأجفل الناس إليه وازدحموا عليه. وتوفّي بقرطبة ليلة الثلاثاء لخمس خلون من المحرّم سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وقد بلغ من السنّ اثنتين وثمانين سنة وأيّاما. ٥٥٦ - العبيدليّ الحسينيّ المحدّث [- ٤٥٤] (٢) أحمد بن القاسم بن ميمون بن حمزة بن الحسين بن محمد بن الحسين بن حمزة بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الحسينيّ، الحمزيّ، العبيدليّ، أبو [ ... ]. محدّث جليل القدر بمصر. روى عن جدّه ميمون بن حمزة. ومات بمصر سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وصلّى عليه القاضي القضاعيّ. ٥٥٧ - ابن أبي أصيبعة [- ٦٦٨] (٣) أحمد بن القاسم بن خليفة، موفّق الدين، ابن أبي أصيبعة، الأنصاريّ، الخزرجيّ. كان طبيبا فاضلا، وأديبا شاعرا. صنّف كتاب «تاريخ الأطباء» (٤) جوّد فيه ما شاء. ومن شعره [الكامل]:

стр. 344

كم قلت لمّا أطلعت وجناته ... حول الشّقيق الغضّ دوحة آس لعذاره الساري العجول بخدّه: ... «ما في وقوفك ساعة من باس» (١) وقال [السريع]: انظر إلى عارضه فوقه ... لحاظه يرسل منها الحتوف [١٢١ أ] تشاهد الجنّة في وجهه ... لكنّها تحت ظلال السيوف وكانت وفاته في سنة ثمان وستّين وستّمائة [بصرخد]. ٥٥٨ - ابن كشتغدي الصيرفيّ [٦٦٣ - ٧٤٤] (٢) أحمد بن كشتغدي بن عبد الله، الخطّابيّ، ابن الصيرفيّ. ولد في شهر رمضان سنة ثلاث وستّين وستّمائة. وسمع من النجيب عبد اللطيف، والحافظ أبي حامد ابن الصابونيّ. وحدّث وبرع في الفقه. ومات في صفر سنة أربع وأربعين وسبعمائة. ٥٥٩ - الأمير ابن كيغلغ الشاعر [٢٤٢ - ٣٣٠] (٣) أحمد بن كيغلغ، أبو العبّاس، أمير مذكور، وشاعر أديب من أولاد أمراء الشام. كان أبوه كيغلغ خليفة عبد الله بن بغا، ثمّ عمل قائدا برأسه في سرّ من رأى، وزيد في رزقه قيمة ألفي درهم لأنّه كان من جملة الذين قتلوا المتوكّل. وولي غزو الصائفة فغزا بلاد الروم من طرسوس (٤) في أوّل المحرّم سنة أربع وتسعين ومائتين فأصاب من الروم أربعة آلاف رأس سبيا، ودوابّ ومواشي وأمتعة كثيرة. وسار إليه بطريق من بطارقة الروم في الأمان فأسلم، وغزا به ففتح الله عليه وغنم نحوا من خمسين ألف رأس وقتل مقتلة عظيمة من الروم، وعاد بمن معه سالما. فلمّا سار حبّاسة بن يوسف من إفريقيّة بالعساكر إلى مصر، أخرج أمير المؤمنين المقتدر بالله عسكرا من بغداد في جمع من القوّاد، منهم أحمد بن كيغلغ. فقدم إلى مصر يوم السبت لسبع خلون من ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثمائة وشهد مع تكين أمير مصر واقعة حباسة بجيزة مصر. ثمّ أقبل مؤنس الخادم من العراق في جيوشه ومعه جمع من الأمراء إلى مصر، فأمر أحمد بن

стр. 345

كيغلغ بالخروج إلى الشام في شهر رمضان من هذه السنة. فسار إليها وولي دمشق. فلمّا صرف مؤنس تكين عن مصر وأخرجه في سابع ذي الحجّة منها، قدم إلى دمشق واليا عليها في المحرّم سنة ثلاث وثلاثمائة. ثمّ ولي أحمد بن كيلغ مصر بعد هلال بن بدر من قبل المقتدر على صلاتها دون خراجها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فاستخلف ابنه العبّاس (١) إلى أن قدم لأيّام بقيت من شهر رجب، ومعه محمّد بن الحسين بن عبد الوهاب الماذرائي على خراج مصر. فنزلا المنية وأحضرا الجند ووضعا العطاء وأسقطا كثيرا من الرجّالة، فشغب الرجّالة وخرجوا إلى ابن كيغلغ فتنحّى عنهم إلى فاقوس (٢) وقبضوا على محمد بن الحسين وأدخلوه الفسطاط. وبقي أحمد بن كيغلغ بموضعه. ثمّ صرف عن مصر بتكين، فقدم رسوله في ثالث ذي القعدة منها، وأعيد ابن كيغلغ إلى ولاية دمشق فأقام بها إلى أن عزل في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ثم أعيد إلى مصر من قبل القاهر بالله، فقدم رسوله يوم الخميس تاسع شوّال سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، واستخلف أبا الفتح بن عيسى النوشريّ فشغب الجند في أرزاقهم على محمد بن علي الماذرائي، وأحرقوا دوره ودور أهله. ثمّ نزغ الشيطان بين الجند فافترقوا. وكانت وقائعحبشيّ بن أحمد، فقدم أحمد بن كيغلغ في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين بعد قدوم محمد بن تكين واستيلائه على الفسطاط، ونزل المنية يوم الخميس ثالث رجب من سنة اثنتين وعشرين بعد قدوم محمد بن أبي [منصور تكين] فانضمّت إليه المغاربة، ولحق به كثير من أصحاب محمد بن تكين، فأمّنهم. وفرّ ابن تكين وترك عسكره فلحق بقيّة أصحابه بأحمد بن كيغلغ. ودخل الفسطاط لستّ خلون من رجب [١٢١ ب] المذكور. فلمّا خلع القاهر، واستخلف أبو العبّاس الراضي بالله ابن المقتدر، عاد محمد بن تكين في جمع، فخرج حبشيّ بن أحمد السلميّ في المغاربة وواقعه فيما بين بلبيس وفاقوس، وهزمه، وأسره وبعث به إلى أحمد بن كيغلغ، فأنفذ به إلى الصعيد. فورد الخبر بمسير محمد بن طغج إلى مصر. فبعث إليه أحمد بن كيغلغ بحبشيّ بن أحمد في المغاربة إلى الفرما، وأقبلت مراكب محمّد بن طغج فدخلت تنيس وسارت مقدّمته في البرّ. فعزم ابن كيغلغ على أن يسلّم [إليه] (٣) فأبى ذلك محمد بن علي الماذرائي وسيّر لقتاله، فانهزم أصحاب الماذرائي. وأقبل محمد بن طغج، فعسكر أحمد بن كيغلغ للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين. فخرج كثير من الجند إلى محمّد بن طغج. والتقى محمد بن طغج وأحمد بن كيغلغ يوم الأربعاء لسبع بقين من رمضان فكفّ ابن كيغلغ عن القتال وسلّم إلى محمد بن طغج، وتكافّا جميعا. وسار إلى العراق، وما زال يتقلّب في الأمور إلى أن قتله الروم سنة ثلاثين وثلاثمائة. وكان أديبا. فمن شعره [الرمل]:

стр. 346

لا يكن للكأس في ك ... فّك يوم الغيم لبث أو ما تعلم أنّ ال ... غيم ساق مستحثّ؟ ومن شعره [الهزج]: بدت في ذلك الحجب ... كمثل اللؤلؤ الرّطب فأدمى خدّها لحظي ... وأدمى لحظها قلبي ومنه [السريع]: واعطشي إلى فم ... يمجّ خمرا من برد إن قسم الناس فحس ... بي بك من كلّ أحد ٥٦٠ - نجم الدين ابن مليّ [٦١٧ - ٦٩٩] (١) أحمد بن محسّن بن مليّ بن حسن بن سلمان بن عليّ، نجم الدين، ابن مليّ. ولد ببعلبك في رمضان سنة سبع عشرة وستّمائة. وسمع من البهاء ابن عبد الرحيم المقدسيّ، وابن الزبيديّ، وابن اللتي وغيرهم. وحدّث بدمشق وحلب. وقرأ النحو بدمشق على ابن الحاجب. وتفقّه على ابن عبد السلام. وأحكم الأصول والكلام والفلسفة. وأفتى وناظر واشتغل مدّة. وقدم القاهرة غير مرّة، وناظر، وشهد له أهلها بالفضل. ودخل بغداد وأعاد بالنظاميّة. وكان يقول في الدرس: «عيّنوا آية لنتكلّم عليها». فإذا عيّنوها تكلّم بعبارة فصيحة وعلم غزير، كأنّما يقرأ من كتاب. وكان قويّ الحافظة: تقرأ عليه الأوراق مرّة واحدة فيعيدها بأكثر لفظها. وإذا حضر عند أحد درسا، سكت إلى أن يفرغ الدرس فيقول ما عندهحينئذ، ويقول: ذكر مولانا كذا- ويورد جميع ما قاله المدرّس، ثمّ يأخذ في الاعتراض والبحث. وكان حسن المناظرة قادرا على إبداء الحجّة وإفحام الخصم، يتوقّد ذكاء كشعلة نار. توفّي يوم [ ... ] جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وستّمائة. ٥٦١ - ابن السنّي [- ٣٦٤] (٢) [١٠ أ] أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط بن عبد الله بن إبراهيم بن بديع، مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو بكر الدينوريّ، الحافظ، الفقيه، الشافعيّ، المعروف بابن السنّيّ، أحد الحفّاظ المشهورين والثقات المأمونين. قلّد قضاء القضاة بالريّ، ثمّ استعفى منه وتركه. وله رحلة إلى العراق والشام والحجاز ومصر، وفي شيوخه كثرة. وحدّث عن أبي خليفة، وأبي يعلى، وعلي بن أحمد بن سليمان علّان، وأبي بكر بن أبي داود، في آخرين. مات في آخر سنة أربع وستّين وثلاثمائة. وذكر أبو يعلى [١٢٢ أ] الجليليّ أنّه مات سنة

стр. 347

تسع وخمسين وثلاثمائة. والسّنّي بسين مهملة مضمومة بعد [ها] نون مشدّدة. وصنّف في القناعة وفي عمل يوم وليلة (١). واختصر سنن النسائي، [وسمّاه المجتبى]. وكان رجلا صالحا فقيها شافعيّا. عاش بضعا وثمانين سنة. وكان يكتب الحديث فوضع القلم في المحبرة ورفع يديه يدعو الله تعالى فمات. ٥٦٢ - ابن أبي دواد [١٦٠ - ٢٤٠] (٢) [١١ أ] أحمد بن محمد بن أبي دواد- واسم أبي دواد فرج، وقيل: دعميّ- ابن حريز بن مالك بن عبد الله بن عبّاد بن سلّام بن مالك بن عبد هند بن نجم بن مالك بن قنص بن منعة بن برجان بن دوس بن الديل بن أميّة بن حذاقة بن زهر بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان. قدم مصر مع المعتصم قبل أن يلي الخلافة. وقد قيل: إنّ اسم أبي دواد كنيته، وهو الصحيح. وولي ابن أبي دواد قضاء القضاة للمعتصم ثمّ للواثق. وكان موصوفا بالجود وحسن الخلق ووفور الأدب. غير أنّه أعلن بمذهب الجهميّة، وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن. وهو من قبيلة يقال لهم بنو زهر. وقال أبو تمّام يخاطبه [الكامل]: فالغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد (٣) وذلك أنّ ابن أبي دواد كان قد غضب عليه فشفع فيه خالد بن يزيد الشيبانيّ، فلذلك قال: والركن من شيبان .. وقال الصوليّ: سمعت أبا العيناء قال: سمعت أحمد بن أبي دواد قال: ولدت سنة ستّين ومائة بالبصرة. وكان أسنّ من يحيى بن أكثم بنحو من عشرين سنة. وقال أبو الهذيل: دخلت على ابن أبي دواد، ومروان بن أبي حفصة ينشده [الوافر]: فقل للفاخرين على نزار ... ومنها خندف وبنو إياد رسول الله والخلفاء منها ... ومنّا أحمد بن أبي دواد فقال لي أبو عبد الله: كيف تسمع با أبا الهذيل؟ فقلت: هو «يضع الهناء مواضع النّقب» (٤). وقال أبو هفّان [المهزميّ] (٥) يناقضه: فقل للفاخرين على نزار ... وهم في الأرض سادات العباد رسول الله والخلفاء منّا ... ونبرا من دعيّ بني إياد وما منّا إياد إذا أقرّت ... بدعوة أحمد بن أبي دواد

стр. 348

فقال أحمد بن أبي دواد لمّا بلغه ذلك: ما بلغ منّي أحد ما بلغ هذا الغلام. لولا أنّي أكره أن أنبّه عليه لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد بمثله: جاء إلى منقبة لي فنقضها عروة عروة. ولمّا وجّه الخليفة المأمون بأخيه أبي إسحاق محمد المعتصم إلى مصر وعقد له من باب الأنبار إلى أقصى الغرب قال لقاضيه يحيى بن أكثم: ينبغي أن ترتاد لي رجلا حصيفا لبيبا له علم ودين وثقة أنفذه مع أبي إسحاق وأوليه المظالم في أعماله، وأتقدّم إليه سرّا بمكاتبتي سرّا بأخباره وما تجري عليه أموره، وما يظهر ويبطن، وما يرى من أمور قوّاده وخاصّته، وكيف تدبيره في الأموال وغيرها. فإنّي لست أثق بأحد ممّن يتولّى البريد، وتكون كتبه سرّيّة إليك لتقرئني إيّاها إذا وردت عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، عندي رجل من أصحابه أثق بعقله ودينه ورأيه وأمانته وصدقه ونزاهته. فقال: جيء به في يوم كذا. فصار يحيى بأحمد بن أبي دواد إلى المأمون، فكلّمه، فوجد فهما راجحا. فقال له: إنّي أريد أن أنفذك مع أخي أبي إسحاق وأريد أن [١٢ ب] تكتب بأخباره سرّا وتفتقد أحواله ومجاري أموره وتدبيراته، وخبر خاصّته وخلواته، وتنفذ كتبك بذلك إلى يحيى بن أكثم مع ثقاتك ومن تأمنه على دمك، فإنّي أشهّر أمرك بتقليد المظالم في عسكره وأتقدّم إليه بمشورتك والأنس بك. فقال أحمد: أبلّغ لك يا أمير المؤمنين في ذلك فوق ما قدّرته عندي وبي، وأرتقي إلى ما يرضي أمير المؤمنين ويزلف عنده. فجمع المأمون بين أحمد بن أبي دواد وبين المعتصم وقال له: إنّك تشخص في هذا العسكر، وفيه أوباش الناس، وجنده، وعجم، وأخلاط من الرعيّة، ولا بدّ لعسكرك من صاحب مظالم. وقد اخترت لك هذا الرجل فضمّه إليك وأحسن صحبته وعشرته. فأخذه المعتصم معه. فلمّا بلغوا الأنبار وافت كتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم الأنبار. فقال المأمون ليحيى: ترى ما كان من بغداد إلى الأنبار خبر يكتب به صاحبك إليك؟ فقال يحيى: لعلّه لم يحدث خبر تجب المكاتبة به. وكتب يحيى إلى أحمد يعنّفه ويستبطئه ويخبره أنّ أمير المؤمنين قد أنكر تأخّر كتابه. فلمّا ورد الكتاب على أحمد وقف على ما فيه واحتفظ به ولم يجب عنه. وشخص المعتصم حتى وافى الرحبة. ولم يكتب أحمد بحرف. وكتب أصحاب البريد بموافاة المعتصم الرحبة. فدعا المأمون يحيى بن أكثم وقال: يا أسخن الله عينك! عجزت أن تختار إلّا من هذه سبيله! تختار ويحك رجلا تصفه بكلّ الصفات وأتقدّم إليه بما كنت حاضره، فلا يكتب من بغداد إلى أن يوافي الرحبة إليك كتابا في معنى ما أعتمد عليه فيه؟ فكتب يحيى إلى أحمد كتابا أغلظ عليه فيه وأسمعه فيه المكروه وقال له: ما هذه الغفلة؟ وما هذا الجهل بما يراد منك؟ فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به. وسار المعتصم حتّى وافى الرقّة. فدعا المأمون يحيى وقال: يا سخين العين، هذا مقدار عقلك ورأيك، اللهمّ إلّا أن تكون غررتني متعمّدا؟ وإلّا

стр. 349

فتجيئني برجل تعلم موقعه عندي وتقرظه حتى أودعته سرّا من أسراري، وأمرا أقدّمه على كلّ أموري، يمضي من مدينة السلام إلى ديار مصر فلا يكتب بحرف ممّا أمر به. فقال: يا أمير المؤمنين، من يعمل بغير ما يؤدّي إلى محبّتك، ويقود إلى إرادتك، فأذاقه الله بأسك وألبسه نكالك وصبّ عليه عذابك! وكتب إلى أحمد كتابا يشتمل على كلّ إيعاد وإرهاب وتخويف وتحذير، وخاطبه بأوحش مخاطبة وأنكلها. فورد الكتاب على أحمد فقرأه واحتفظ به. وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب إلى المعتصم يأمره بالبعثة بأحمد بن أبي دواد مشدودة يده إلى عنقه مثقّلا بالحديد محمولا على غير وطاء. فورد الكتاب على المعتصم، ودخل أحمد بن أبي دواد إليه فرأى المعتصم مغموما فقال: أيّها الأمير، أراك مفكّرا، وأرى لونك حائلا؟ فقال: نعم، لكتاب ورد عليّ من أجلك- ونبذ إليه بالكتاب فقرأه أحمد فقال له المعتصم: تعرف لك ذنبا يوجب ما كتب به أمير المؤمنين؟ فقال: ما اجترمت ذنبا إلّا أنّ أمير المؤمنين لا يستحلّ هذا منّي إلّا بحجّة: فما الذي عند الأمير فيما كتب به إليه؟ فقال: أمر أمير المؤمنين لا يخالف، ولكنّي أعفيك من الغلّ والحديد وأحملك على حال لا توهنك ولا تؤلمك. فقال: جزاك الله خيرا أيّها الأمير، أفضل ما جزى منعما. فإن رأى الأمير أن يأذن لي في المصير إلى منزلي، ومعي من يراعيني إلى أن يردّني إلى مجلسك؟ فقال له: امض! - ووجّه معه خادما. فسار أحمد إلى منزله واستخرج الكتب الثلاثة التي كاتبه بها يحيى بن أكثم، ورجع إلى المعتصم فأقرأه [١٢٣ أ] الكتب وقال: إنّما بعثت لأكتب بأخبارك فخالفت ذلك لما رجوته من الحظوة عندك وما أملته من غدك. فاستشاط المعتصم غضبا وكاد يخرج من ثيابه، وتكلّم في يحيى بكلّ مكروه، وتوعّد بكلّ بلاء. وقال لأحمد: يا هذا، لقد رعيت لنا رعاية لم يتقدّمها إحساننا إليك، وحفظت علينا ما نرجو أن نتّسع لمكافأتك عليه. ومعاذ الله أن أسلمك أو تنالك يد، وبي قدرة على منعها منك، أو أؤثر خاصّة أو حميما عليك ما امتدّ بي عمر وتراخى بي أجل! فكن معي! فأمرك نافذ في كلّ ما ينفذ فيه أمري. ولم يجب المأمون على كتابه. ولم يزل [أحمد] معه إلى أن ولي الخلافة، وإلى أن ولي الواثق، وإلى أيّام المتوكّل فأوقع به. وكان قدومه إلى مصر مع المعتصم في ثامن شوّال سنة أربع عشرة ومائتين، وخرج معه أوّل المحرّم سنة خمس عشرة ومائتين، قال الصولي: كان يقال: أكرم من كان في دولة بني العبّاس البرامكة، ثمّ أحمد بن [أبي] دواد. ولولا ما وضع نفسه [فيه] من المحنة لاجتمعت الألسن عليه ولم يضف إلى كرمه كرم أحد. وحكى ولده حريز بن أحمد، أبو مالك، قال: كان أبي إذا صلّى رفع يديه إلى السماء وخاطب ربّه وأنشأ يقول [الكامل]: ما أنت بالسبب الضعيف وإنّما ... نجح الأمور بقوّة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك، وإنّما ... يدعى الطبيب لساعة الأوصاب

стр. 350

وقال أبو العيناء: كان أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد شاعرا مجيدا فصيحا بليغا. وما رأيت رئيسا أفصح منه ولا أفطن منه. وما رأيت في الدنيا أحدا أحرص على أدب منه: وذلك أنّي ما خرجت من عنده يوما قطّ فقال: «يا غلام، خذ بيده! »، بل كان يقول: «يا غلام، اخرج معه! » (١) فكنت أفتقد هذه الكلمة عليه فلا يخلّ بها، ولا أسمعها من غيره. وقال محمد بن عمرو الروميّ: ما رأيت قطّ أجمع رأيا ولا أحضر حجّة من أحمد بن أبي دواد: قال له الواثق: يا أبا عبد الله، رفعت إليّ رقعة فيها كذب كثير عليك. فقال: ليس بعجب أن أحسد على منزلتي من أمير المؤمنين فيكذب عليّ! قال: زعموا فيها أنّك ولّيت القضاء رجلا ضريرا. قال: قد كان ذاك، وأمرته أن يستخلف، وكنت عزمت على عزله حين بلغني أنّه أصيب ببصره، إلى أن بلغني أنّه عمي من بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك. قال: وفيها أنّك أعطيت شاعرا ألف دينار- يعني أبا تمّام الطائيّ. قال: ما كان ذلك، ولكن أعطيته دونها، وقد أثاب رسول الله ﷺ كعب بن زهير الشاعر، وقال في آخر: «أقطع عنّي لسانه! » وهذا شاعر طائيّ مدّاح لأمير المؤمنين، مصيب، محسن. لو لم أرع له إلّا قوله للمعتصم، صلوات الله عليه، في أمير المؤمنين أعزّه الله [الكامل]: فاشدد بهارون الخلافة، إنّه ... سكن لوحشتها ودار قرار ... ولقد علمت بأنّ ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار (٢) فوصل الواثق أبا تمّام بخمسمائة دينار. ودخل أبو تمّام على أحمد بن أبي دواد فقال له: يا أبا تمّام، أحسبك غائبا؟ قال: إنّما نغيب على واحد، وأنت الناس جميعا. فكيف نغيب عليك؟ فقال: من أين هذا؟ قال: من قول الحاذق- يعني أبا نواس-[السريع]: وليس لله بمستكثر ... أن يجمع العالم في واحد وله فيه وقد شرب دواء [١٢٣ ب] [المنسرح]: أعقبك الله صحّة البدن ... ما هتف الهاتفات في الغصن كيف وجدت الدواء أوجدك اللّ ... هـ شفاء به مدى الزمن لا نزع الله منك صالحة ... أبليتها من بلائك الحسن لا زلت تزهى بكلّ عافية ... تجتثّها من معارض الفتن إنّ بقاء الجواد أحمد في ... أعناقنا منّة من المنن لو أنّ أعمارنا تطاوعنا ... شاطره العمر سادة اليمن وقال فيه [الوافر]: لقد أنست مساويء كلّ دهر ... محاسن أحمد بن أبي دواد

стр. 351

وما سافرت في الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتي وزادي مقيم الظنّ عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد فقال له أحمد بن أبي دواد: هذا المعنى تفرّدت به أم أخذته؟ قال: هو لي، وقد ألممت فيه بقول أبي نواس [الطويل]: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني وقال الحسن النّقاش: إنّ مسيح بن حاتم أخبرهم قال: لقيني أحمد بن أبي دواد، فقال بعد أن سلّم عليّ: ما يمنعك أن تسألني؟ فقلت: إذا سألتك فقد أعطيتك ثمن ما أعطيتني. فقال لي: صدقت! - وأنفذ إلي بخمسة آلاف درهم. وقال الواثق لأحمد بن أبي دواد، وقد تضجّر بكثرة حوائجه: يا أحمد، قد اختلّت بيوت الأموال بطلباتك للّائذين بك والمتوسّلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلّا عشق اتّصال الألسن بحلو المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله، والله ما منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوّي من همّتك. فنازلنا بما أحببت. ومن مختار مدائح أبي تمّام فيه قوله [الطويل]: أأحمد إنّ الحاسدين كثير ... وما لك إن عدّ الكرام نظير حللت محلّا فاضلا متقادما ... من المجد، والفخر القديم فخور فكلّ قويّ أو غنيّ، فإنّه ... إليك، وإن نال السماء، فقير إليك تناهى المجد من كلّ وجهة ... يصير فما يعدوك حيث تصير وبدر إياد أنت، لا ينكرونه ... كذاك إياد للأنام بدور تجنّبت أن تدعى الأمير تواضعا ... وأنت، لمن يدعى الأمير، أمير فما من ندى إلّا إليك محلّه ... ولا رفقة إلّا إليك تسير [وقوله]: [الوافر]: أيسلبني ثراء المال ربّي ... وأطلب ذاك من كفّ جماد زعمت إذن بأنّ الجود أمسى ... له ربّ سوى ابن أبي دواد وقال مروان بن أبي حفصة في أحمد بن أبي دواد لمّا نالته العلّة الباردة [البسيط] (١): لسان أحمد سيف مسّه طبع ... من علّة فجلاها عنه جاليها ما ضرّ أحمد باقي علّة درست ... والله يذهب عنه رسم باقيها [١٢٤ أ] موسى بن عمران لم ينقص نبوّته ... ضعف اللسان، وقدما كان يمضيها قد كان موسى على علّات منطقه ... رسائل الله إذ جاءت يؤدّيها وقال ابن دريد: أخبرنا الحسن بن خضر قال: كان أحمد بن أبي دواد مؤالفا لأهل الأدب من أيّ بلد كانوا. وكان قد ضمّ إليه جماعة يعولهم ويموّنهم. فلمّا مات اجتمع ببابه جماعة منهم

стр. 352

فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم وتاريخ الأدب، ولا يتكلّم فيه؟ إنّ هذا لوهن وتقصير! فلمّا طلع سريره قام ثلاثة نفر منهم، فقال أحدهم [البسيط]: اليوم مات نظام الفهم واللسن ... ومات من كان يستعدى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المعارف في غيم من الكفن وتقدّم الثاني فقال [الكامل]: ترك المنابر والسرير تواضعا ... وله منابر لو يشأ وسرير ولغيره يجبى الخراج، وإنّما ... تجبى إليه محامد وأجور وتقدّم الثالث فقال [الطويل]: وليس نسيم المسك ريح حنوطه ... ولكنّه ذاك الثناء المخلّف وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنّه أصلاب قوم تقصّف قال الصولي: وكان المتوكّل يوجب لأحمد بن أبي دواد حقّه، ويستحيي أن يناله بمكروه، وكان يكره مذهبه [و] ما كان يقوم به من أمره أيّام الواثق وعقد الأمر له والقيام به من بين الناس. فلمّا فلج أحمد بن أبي دواد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ولّى المتوكّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد القضاء مكان أبيه والمظالم. ثمّ عزله في سنة أربعين ووكّل بضياعه وضياع أبيه. ثمّ صولح على ألف ألف دينار، وأشهد على أحمد بن أبي دواد وابنه أبي الوليد في ذي الحجّة سنة أربعين. ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما. وقال الخطيب: مات أحمد يوم السبت لتسع (١) بقين من المحرّم سنة أربعين ومائتين، وبينه وبين ابنه نحو شهر. ودفن بداره ببغداد وصلّى عليه ابنه العبّاس. ودخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكّي صاحب كتاب الحيدة (٢) وهو مفلوج فقال: لم آتك عائدا، ولكن جئت لأحمد الله على أن سجنك في جلدك! وكان أحمد بن أبي دواد من أفاضل المعتزلة، وممّن تجرّد في إظهار مذهبه والذبّ عن أهله. ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه ولا أنبل ولا أسخى. ٥٦٣ - أبو أيّوب ابن شجاع [- ٢٦٦] (٣) [٧٠ أ] أحمد بن محمد بن شجاع، ابن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد صاحب الخراج في أيّام المعتصم، يكنّى بأبي أيّوب، أحد عمّال الخراج بمصر زمن أحمد بن طولون. تقلّد الخراج بعد أحمد بن محمد بن المدبّر في سنة ثمان وخمسين ومائتين. فلم يزل إلى أن خالف العبّاس بن أحمد بن طولون على أبيه، وأخذ من التّجار مائتي ألف دينار سلفا، وتقدّم إلى أبي أيّوب أن يجريها على جماعة من المتقبّلين (٤)، ففعل. فلمّا تفرّع أحمد بن طولون من أمر ابنه العبّاس ألزم أبا أيّوب غرم ما أخذه العبّاس من التجّار، وقال له: لم يقنعك أن استلفت لعدويّ مالا حتّى

стр. 353

قضيته من مالي؟ ! وسعى إليه أبو مقاتل ابن أبي أيّوب بأبيه وبعمّه أبي حفص، فضربهما بالسياط واستصفى ما كان لهما، فماتا في حبسه سنة ستّ وستّين ومائتين. فلمّا انفرد عليّ بن أحمد الماذرائي بوزارة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، رأى أبا أيّوب في النوم- وكان أبو أيّوب له يد على عليّ بن أحمد، وكان يوليه الجميل- وكأنّه يقول له: يا أبا الحسن، [١٢٤ ب] ما هذا حقّي عليك! يتردّد ابني إلى بابك مدّة طويلة لا يصل إليك وهو بغير سراويل! فلمّا أصبح عليّ بن أحمد أمر حجّابه أن ينادوا في الناس بالدخول، ولا يحجب أحد. فدخل ابن أبي أيّوب فيمن دخل. فقرّبه عليّ بن أحمد وقال له: «ما علمت بمجيئك»، ثم استدناه، وقدّم يده إلى خفّه، وقال: معك رقعة؟ فرجع ابن أبي أيّوب إلى خلفه وقال: والله يا سيّدي إنّي بغير سراويل! فتدمّع عليّ بن أحمد وقال: هذا الذي أردت! رأيت البارحة أباك- وقصّ عليه ما رأى. ثمّ أمر له بكسوة ومركوب ومال كثير، وأجرى له رزقا سنيّا وقال: الزمني. ٥٦٤ - أبو بكر المهندس [- ٣٨٤] أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو بكر المهندس. مات بمصر في ربيع الأوّل لثمان بقين منه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ٥٦٥ - أبو جعفر ابن رشدين [- ٢٩٢] (١) [٧٠ ب] أحمد بن محمّد بن الحجّاج بن رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال، أبو جعفر، المهريّ، المصريّ، من أهل بيت حديث. سمع يحيى بن عبد الله بن بكير، وسعيد بن كثير بن عفير وجماعة. وقرأ القرآن على أحمد بن صالح المقرئ. قرأ عليه أحمد بن بهزاد بن مهران السيرافيّ، وأحمد بن محمد بن شنّبوذ. وروى عنه أبو العبّاس أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزّار (٢)، وعبد الله بن جعفر بن الورد، ومحمد بن الربيع الجيزيّ، في آخرين. قال النسائيّ: كان عندي أخو ميمون وعدّة، فدخل ابن رشدين هذا، فصفّقوا به وقالوا له: يا كذّاب! فقال لي: ألا ترى ما يقولون لي؟ فقال له أخو ميمون: أليس أحمد بن صالح إمامك؟ قال: نعم. قال: سمعت عليّ بن سهل يقول: أحمد بن صالح يقول إنّك كذّاب. قال ابن عديّ: وابن رشدين هذا صاحب حديث كثير، يحدّث عن الحفّاظ بحديث مصر، [و] أنكرت عليه أشياء ممّا رواه. وهو ممّن يكتب حديثه مع ضعفه.

стр. 354

وذكر عبد الغنيّ بن سعيد عن حمزة بن محمّد الكنانيّ أنّ ابن رشدين أدخل على أحمد بن سعيد الهمدانيّ حديث بكير ابن الأشجّ عن نافع عن ابن عمر، حديث الغار. وذكر عن النسائيّ أنّه قال: لو رجع أحمد بن سعيد عن حديث بكير في الغار، لحدّثت عنه. وقال ابن يونس: توفّي ليلة الأربعاء، ودفن يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وكان من حفّاظ الحديث وأهل الصنعة. ٥٦٦ - أمين الملك ابن الغنّام [- ٧٥٥] (١) أحمد بن عبد الله ابن تاج الرئاسة، ابن الغنّام، تاج الدين، أبو الفضائل ابن الصاحب أمين الدين، أمين الملك. امتحن بعد أبيه، ثمّ استوفى استيفاء نظر الدولة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وولي الصحبة، وصرف عنها، وصودر. ثمّ استقرّ في ديوان الأمير بشتاك، وولي نظر البيوت، ثمّ عزله، وصودر، في جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين، واستقرّ عوضه أفلاطون كاتبسنجر الجمندار. وتنقلب به الأحوال حتّى ولي نظر الجيش بعد علم الدين عبد الله بن زنبور في تاسع عشرين شوّال سنة ثلاث وخمسين، وأضيف إليه نظر الخاصّ عوضا عن بدر الدين في يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين. وتحدّث في أمور الدولة بعد موت الوزير الموفّق هبة الله فجرى على عادته من التصميم في الأمور وقوّة الضبط والجر [أ] ة بالمباشرة، وقرّر مع الأمير طاز عمل استيمار بالمصروف وتوفير أشياء كثيرة، وكان معروفا بيبس القلم وقطع الأرزاق، فوفّر من المعاليم جملة كبيرة، بحيث لم يدع أحدا له معلوم في جهة من الجهات إلّا ووقف نصف معلومه أو أزيد، وقطع عدّة مباشرين. فقبض عليه في شوّال، وعمل في عنقه الحديد، وكشف رأسه، وضرب بالنعال، ولحق بقاعة الصاحب، وعوقب أشدّ عقوبة حتّى مات أشنع موتة في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واستقرّ عوضه [١٢٥ أ] في نظر الخاصّ علم الدين عبد الله بن نقولا. ٥٦٧ - ابن الحلبيّ نقيب الأشراف [٦٣٦ - ٦٩٥] (٢) [٧١ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن محمد بن قاسم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، السيّد الشريف، الحافظ، أبو القاسم، عزّ الدين، ابن الإمام عبد الله، ابن أبي القاسم، ابن أبي الحسن، العلويّ، الحسينيّ، المصريّ، عرف بابن الحلبيّ، نقيب الأشراف بديار مصر. ولد في يوم [ ... ] سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. وسمع من فخر القضاة ابن الجبّاب، والزكيّ عبد العظيم المنذريّ، والرشيد العطّار، وعبد الغنيّ بن [سليمان] بن بنين، والكمال الضرير وطبقتهم. وأجاز له جماعة كثيرة، منهم ابن رواج، والبهاء ابن الجمّيزى.

стр. 355

وطلب الحديث على وجهه حتى مهر فيه، وصار له فيه تقدّم ومعرفة جيّدة، وحفظ وإتقان، وخرّج تخاريج عدّة. وذيّل وفيات شيخه المنذري [إلى سنة أربع وسبعين]. وتوفي يوم [ ... ] سنة خمس وتسعين وستّمائة. ٥٦٨ - تاج الدين البلبيسيّ [٧١٧ - ٨٠١] (١) [٦٤ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، تاج الدين البلبيسيّ، الشافعيّ. ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة تخمينا. وسمع الحديث وحدّث وتفقّه، وخطب بالجامع الخطيريّ من بولاق خارج القاهرة، وأعاد به. وولي أمانة الحكم لقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة، فشكرت سيرته. ثمّ تورّع عنها وتركها عفّة وزهادة. وما زال يعرف بالخير حتّى توفّي عن ثلاث وثمانين سنة في ثاني عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانمائة. ٥٦٩ - أبو العبّاس الشارقيّ [- نحو ٥٠٠] (٢) [٦٤ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العبّاس، الشارقيّ، الأنصاريّ، الواعظ، أحد تلامذة الشيخ أبي إسحاق الشيرازيّ. تفقّه عليه. وحجّ من بغداد. وسمع من كريمة [المروزيّة]. وجال في بلاد فارس، ثمّ عاد إلى بلاد المغرب وسكن سبتة وفاس. توفّي بشرق الأندلس في نحو سنة خمسمائة. وكان صالحا ديّنا. ٥٧٠ - ابن الغزالة البلنسيّ [٥٦٠ - ٦٢٣] (٣) (أبو العبّاس البصير) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن جزيّ، الشيخ أبو العبّاس، البصير، الخزرجيّ، الأنصاريّ، البلنسيّ، ويعرف بابن الغزالة. ولد بمدينة بلنسية من جزيرة الأندلس سنة ستّين وخمسمائة مطموس العينين. وكان أبوه من أمراء بلده. فشنأته أمّه وألقته في البرّيّة. فبعث الله إليه ظبية فأرضعته. وكان أبوه يتصيّد فمرّ به، والظبية ترضعه. فعجب من ذلك وألقى الله الرحمة في قلبه فحمله إلى داره، فإذا هم يبكون ويقولون إنّ المولود الذي ولدته امرأته مات. فأسلمهم الطفل وقال لامرأته: أرضعيه لعلّ الله يعوّضنا خيرا. فعرفته أمّه وربّته حتّى بلغ سنّ الطفولة. [ف] تسلّمه المقرئ ليقرئه القرآن، فكان يرى العجب في سرعة حفظه. ثمّ تفقّه فبرع. فلمّا كبر تجرّد، وسلك على يدي الأستاذ أبي أحمد جعفر الأندلسيّ، أحد أتباع الشيخ أبي مدين. وعن أبي أحمد أخذ أبو العبّاس الحرّار. ثمّ قدم إلى القاهرة على قدر عظيم من التجرّد والزهد. ومضى إلى بلاد الصعيد واجتمع بمن فيها من الأولياء. وعاد فمضى إلى دمشق، فصحبه
следующие страницы →