← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وما سافرت في الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتي وزادي مقيم الظنّ عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد فقال له أحمد بن أبي دواد: هذا المعنى تفرّدت به أم أخذته؟ قال: هو لي، وقد ألممت فيه بقول أبي نواس [الطويل]: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني وقال الحسن النّقاش: إنّ مسيح بن حاتم أخبرهم قال: لقيني أحمد بن أبي دواد، فقال بعد أن سلّم عليّ: ما يمنعك أن تسألني؟ فقلت: إذا سألتك فقد أعطيتك ثمن ما أعطيتني. فقال لي: صدقت! - وأنفذ إلي بخمسة آلاف درهم. وقال الواثق لأحمد بن أبي دواد، وقد تضجّر بكثرة حوائجه: يا أحمد، قد اختلّت بيوت الأموال بطلباتك للّائذين بك والمتوسّلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلّا عشق اتّصال الألسن بحلو المدح فيك. فقال: يا أبا عبد الله، والله ما منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوّي من همّتك. فنازلنا بما أحببت. ومن مختار مدائح أبي تمّام فيه قوله [الطويل]: أأحمد إنّ الحاسدين كثير ... وما لك إن عدّ الكرام نظير حللت محلّا فاضلا متقادما ... من المجد، والفخر القديم فخور فكلّ قويّ أو غنيّ، فإنّه ... إليك، وإن نال السماء، فقير إليك تناهى المجد من كلّ وجهة ... يصير فما يعدوك حيث تصير وبدر إياد أنت، لا ينكرونه ... كذاك إياد للأنام بدور تجنّبت أن تدعى الأمير تواضعا ... وأنت، لمن يدعى الأمير، أمير فما من ندى إلّا إليك محلّه ... ولا رفقة إلّا إليك تسير [وقوله]: [الوافر]: أيسلبني ثراء المال ربّي ... وأطلب ذاك من كفّ جماد زعمت إذن بأنّ الجود أمسى ... له ربّ سوى ابن أبي دواد وقال مروان بن أبي حفصة في أحمد بن أبي دواد لمّا نالته العلّة الباردة [البسيط] (١): لسان أحمد سيف مسّه طبع ... من علّة فجلاها عنه جاليها ما ضرّ أحمد باقي علّة درست ... والله يذهب عنه رسم باقيها [١٢٤ أ] موسى بن عمران لم ينقص نبوّته ... ضعف اللسان، وقدما كان يمضيها قد كان موسى على علّات منطقه ... رسائل الله إذ جاءت يؤدّيها وقال ابن دريد: أخبرنا الحسن بن خضر قال: كان أحمد بن أبي دواد مؤالفا لأهل الأدب من أيّ بلد كانوا. وكان قد ضمّ إليه جماعة يعولهم ويموّنهم. فلمّا مات اجتمع ببابه جماعة منهم

стр. 352

فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم وتاريخ الأدب، ولا يتكلّم فيه؟ إنّ هذا لوهن وتقصير! فلمّا طلع سريره قام ثلاثة نفر منهم، فقال أحدهم [البسيط]: اليوم مات نظام الفهم واللسن ... ومات من كان يستعدى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المعارف في غيم من الكفن وتقدّم الثاني فقال [الكامل]: ترك المنابر والسرير تواضعا ... وله منابر لو يشأ وسرير ولغيره يجبى الخراج، وإنّما ... تجبى إليه محامد وأجور وتقدّم الثالث فقال [الطويل]: وليس نسيم المسك ريح حنوطه ... ولكنّه ذاك الثناء المخلّف وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنّه أصلاب قوم تقصّف قال الصولي: وكان المتوكّل يوجب لأحمد بن أبي دواد حقّه، ويستحيي أن يناله بمكروه، وكان يكره مذهبه [و] ما كان يقوم به من أمره أيّام الواثق وعقد الأمر له والقيام به من بين الناس. فلمّا فلج أحمد بن أبي دواد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، ولّى المتوكّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد القضاء مكان أبيه والمظالم. ثمّ عزله في سنة أربعين ووكّل بضياعه وضياع أبيه. ثمّ صولح على ألف ألف دينار، وأشهد على أحمد بن أبي دواد وابنه أبي الوليد في ذي الحجّة سنة أربعين. ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما. وقال الخطيب: مات أحمد يوم السبت لتسع (١) بقين من المحرّم سنة أربعين ومائتين، وبينه وبين ابنه نحو شهر. ودفن بداره ببغداد وصلّى عليه ابنه العبّاس. ودخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكّي صاحب كتاب الحيدة (٢) وهو مفلوج فقال: لم آتك عائدا، ولكن جئت لأحمد الله على أن سجنك في جلدك! وكان أحمد بن أبي دواد من أفاضل المعتزلة، وممّن تجرّد في إظهار مذهبه والذبّ عن أهله. ولم ير في أبناء جنسه أكرم منه ولا أنبل ولا أسخى. ٥٦٣ - أبو أيّوب ابن شجاع [- ٢٦٦] (٣) [٧٠ أ] أحمد بن محمد بن شجاع، ابن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد صاحب الخراج في أيّام المعتصم، يكنّى بأبي أيّوب، أحد عمّال الخراج بمصر زمن أحمد بن طولون. تقلّد الخراج بعد أحمد بن محمد بن المدبّر في سنة ثمان وخمسين ومائتين. فلم يزل إلى أن خالف العبّاس بن أحمد بن طولون على أبيه، وأخذ من التّجار مائتي ألف دينار سلفا، وتقدّم إلى أبي أيّوب أن يجريها على جماعة من المتقبّلين (٤)، ففعل. فلمّا تفرّع أحمد بن طولون من أمر ابنه العبّاس ألزم أبا أيّوب غرم ما أخذه العبّاس من التجّار، وقال له: لم يقنعك أن استلفت لعدويّ مالا حتّى

стр. 353

قضيته من مالي؟ ! وسعى إليه أبو مقاتل ابن أبي أيّوب بأبيه وبعمّه أبي حفص، فضربهما بالسياط واستصفى ما كان لهما، فماتا في حبسه سنة ستّ وستّين ومائتين. فلمّا انفرد عليّ بن أحمد الماذرائي بوزارة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، رأى أبا أيّوب في النوم- وكان أبو أيّوب له يد على عليّ بن أحمد، وكان يوليه الجميل- وكأنّه يقول له: يا أبا الحسن، [١٢٤ ب] ما هذا حقّي عليك! يتردّد ابني إلى بابك مدّة طويلة لا يصل إليك وهو بغير سراويل! فلمّا أصبح عليّ بن أحمد أمر حجّابه أن ينادوا في الناس بالدخول، ولا يحجب أحد. فدخل ابن أبي أيّوب فيمن دخل. فقرّبه عليّ بن أحمد وقال له: «ما علمت بمجيئك»، ثم استدناه، وقدّم يده إلى خفّه، وقال: معك رقعة؟ فرجع ابن أبي أيّوب إلى خلفه وقال: والله يا سيّدي إنّي بغير سراويل! فتدمّع عليّ بن أحمد وقال: هذا الذي أردت! رأيت البارحة أباك- وقصّ عليه ما رأى. ثمّ أمر له بكسوة ومركوب ومال كثير، وأجرى له رزقا سنيّا وقال: الزمني. ٥٦٤ - أبو بكر المهندس [- ٣٨٤] أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو بكر المهندس. مات بمصر في ربيع الأوّل لثمان بقين منه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. ٥٦٥ - أبو جعفر ابن رشدين [- ٢٩٢] (١) [٧٠ ب] أحمد بن محمّد بن الحجّاج بن رشدين بن سعد بن مفلح بن هلال، أبو جعفر، المهريّ، المصريّ، من أهل بيت حديث. سمع يحيى بن عبد الله بن بكير، وسعيد بن كثير بن عفير وجماعة. وقرأ القرآن على أحمد بن صالح المقرئ. قرأ عليه أحمد بن بهزاد بن مهران السيرافيّ، وأحمد بن محمد بن شنّبوذ. وروى عنه أبو العبّاس أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزّار (٢)، وعبد الله بن جعفر بن الورد، ومحمد بن الربيع الجيزيّ، في آخرين. قال النسائيّ: كان عندي أخو ميمون وعدّة، فدخل ابن رشدين هذا، فصفّقوا به وقالوا له: يا كذّاب! فقال لي: ألا ترى ما يقولون لي؟ فقال له أخو ميمون: أليس أحمد بن صالح إمامك؟ قال: نعم. قال: سمعت عليّ بن سهل يقول: أحمد بن صالح يقول إنّك كذّاب. قال ابن عديّ: وابن رشدين هذا صاحب حديث كثير، يحدّث عن الحفّاظ بحديث مصر، [و] أنكرت عليه أشياء ممّا رواه. وهو ممّن يكتب حديثه مع ضعفه.

стр. 354

وذكر عبد الغنيّ بن سعيد عن حمزة بن محمّد الكنانيّ أنّ ابن رشدين أدخل على أحمد بن سعيد الهمدانيّ حديث بكير ابن الأشجّ عن نافع عن ابن عمر، حديث الغار. وذكر عن النسائيّ أنّه قال: لو رجع أحمد بن سعيد عن حديث بكير في الغار، لحدّثت عنه. وقال ابن يونس: توفّي ليلة الأربعاء، ودفن يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وكان من حفّاظ الحديث وأهل الصنعة. ٥٦٦ - أمين الملك ابن الغنّام [- ٧٥٥] (١) أحمد بن عبد الله ابن تاج الرئاسة، ابن الغنّام، تاج الدين، أبو الفضائل ابن الصاحب أمين الدين، أمين الملك. امتحن بعد أبيه، ثمّ استوفى استيفاء نظر الدولة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وولي الصحبة، وصرف عنها، وصودر. ثمّ استقرّ في ديوان الأمير بشتاك، وولي نظر البيوت، ثمّ عزله، وصودر، في جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين، واستقرّ عوضه أفلاطون كاتبسنجر الجمندار. وتنقلب به الأحوال حتّى ولي نظر الجيش بعد علم الدين عبد الله بن زنبور في تاسع عشرين شوّال سنة ثلاث وخمسين، وأضيف إليه نظر الخاصّ عوضا عن بدر الدين في يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين. وتحدّث في أمور الدولة بعد موت الوزير الموفّق هبة الله فجرى على عادته من التصميم في الأمور وقوّة الضبط والجر [أ] ة بالمباشرة، وقرّر مع الأمير طاز عمل استيمار بالمصروف وتوفير أشياء كثيرة، وكان معروفا بيبس القلم وقطع الأرزاق، فوفّر من المعاليم جملة كبيرة، بحيث لم يدع أحدا له معلوم في جهة من الجهات إلّا ووقف نصف معلومه أو أزيد، وقطع عدّة مباشرين. فقبض عليه في شوّال، وعمل في عنقه الحديد، وكشف رأسه، وضرب بالنعال، ولحق بقاعة الصاحب، وعوقب أشدّ عقوبة حتّى مات أشنع موتة في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واستقرّ عوضه [١٢٥ أ] في نظر الخاصّ علم الدين عبد الله بن نقولا. ٥٦٧ - ابن الحلبيّ نقيب الأشراف [٦٣٦ - ٦٩٥] (٢) [٧١ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن محمد بن قاسم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، السيّد الشريف، الحافظ، أبو القاسم، عزّ الدين، ابن الإمام عبد الله، ابن أبي القاسم، ابن أبي الحسن، العلويّ، الحسينيّ، المصريّ، عرف بابن الحلبيّ، نقيب الأشراف بديار مصر. ولد في يوم [ ... ] سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. وسمع من فخر القضاة ابن الجبّاب، والزكيّ عبد العظيم المنذريّ، والرشيد العطّار، وعبد الغنيّ بن [سليمان] بن بنين، والكمال الضرير وطبقتهم. وأجاز له جماعة كثيرة، منهم ابن رواج، والبهاء ابن الجمّيزى.

стр. 355

وطلب الحديث على وجهه حتى مهر فيه، وصار له فيه تقدّم ومعرفة جيّدة، وحفظ وإتقان، وخرّج تخاريج عدّة. وذيّل وفيات شيخه المنذري [إلى سنة أربع وسبعين]. وتوفي يوم [ ... ] سنة خمس وتسعين وستّمائة. ٥٦٨ - تاج الدين البلبيسيّ [٧١٧ - ٨٠١] (١) [٦٤ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، تاج الدين البلبيسيّ، الشافعيّ. ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة تخمينا. وسمع الحديث وحدّث وتفقّه، وخطب بالجامع الخطيريّ من بولاق خارج القاهرة، وأعاد به. وولي أمانة الحكم لقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن جماعة، فشكرت سيرته. ثمّ تورّع عنها وتركها عفّة وزهادة. وما زال يعرف بالخير حتّى توفّي عن ثلاث وثمانين سنة في ثاني عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانمائة. ٥٦٩ - أبو العبّاس الشارقيّ [- نحو ٥٠٠] (٢) [٦٤ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العبّاس، الشارقيّ، الأنصاريّ، الواعظ، أحد تلامذة الشيخ أبي إسحاق الشيرازيّ. تفقّه عليه. وحجّ من بغداد. وسمع من كريمة [المروزيّة]. وجال في بلاد فارس، ثمّ عاد إلى بلاد المغرب وسكن سبتة وفاس. توفّي بشرق الأندلس في نحو سنة خمسمائة. وكان صالحا ديّنا. ٥٧٠ - ابن الغزالة البلنسيّ [٥٦٠ - ٦٢٣] (٣) (أبو العبّاس البصير) أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ابن جزيّ، الشيخ أبو العبّاس، البصير، الخزرجيّ، الأنصاريّ، البلنسيّ، ويعرف بابن الغزالة. ولد بمدينة بلنسية من جزيرة الأندلس سنة ستّين وخمسمائة مطموس العينين. وكان أبوه من أمراء بلده. فشنأته أمّه وألقته في البرّيّة. فبعث الله إليه ظبية فأرضعته. وكان أبوه يتصيّد فمرّ به، والظبية ترضعه. فعجب من ذلك وألقى الله الرحمة في قلبه فحمله إلى داره، فإذا هم يبكون ويقولون إنّ المولود الذي ولدته امرأته مات. فأسلمهم الطفل وقال لامرأته: أرضعيه لعلّ الله يعوّضنا خيرا. فعرفته أمّه وربّته حتّى بلغ سنّ الطفولة. [ف] تسلّمه المقرئ ليقرئه القرآن، فكان يرى العجب في سرعة حفظه. ثمّ تفقّه فبرع. فلمّا كبر تجرّد، وسلك على يدي الأستاذ أبي أحمد جعفر الأندلسيّ، أحد أتباع الشيخ أبي مدين. وعن أبي أحمد أخذ أبو العبّاس الحرّار. ثمّ قدم إلى القاهرة على قدر عظيم من التجرّد والزهد. ومضى إلى بلاد الصعيد واجتمع بمن فيها من الأولياء. وعاد فمضى إلى دمشق، فصحبه

стр. 356

الشيخ عبد الله الغماري وتلمذ له، وصار خادمه. وتوجّه إلى الحجّ، وقد أحرم في خرقة اتّزر بها، وخرقة أخرى على كتفه وسار ماشيا، وليس معه سوى إبريق يتوضّأ به فقط. واجتمع في حجّه بأبي الحجّاج الأقصريّ. فلمّا قضي حجّه عاد ومعه جماعة قد تبعوه على طريق [ت] هـ في التجرّد من جميع الأسباب. فنزل [٦٥ أ] بقرافة مصر، وصار له عدّة مريدين. ويقال: إنّه رأى النبيّ ﷺ في منامه فخيّره بين ردّ بصره عليه أو الأجر والجنّة، فاختار الأجر والجنّة. وكان يقول: من أحبّه الله حماه من تعب الدنيا، ومن أبغضه [١٢٥ ب] جعله جيفة، وكلاب الدنيا حوله. ثمّ سكن بزاويته المعروفة به بجوار قنطرة باب الخرق، حتّى توفّي بها يوم الاثنين [ ... ] عشرين شوّال سنة ثلاث وعشرين وستّمائة، عن ثلاث وستّين سنة. ودفن بالقرافة غربيّ زاوية الشيخ أبي السعود. وله شعر، منه مطلع قصيدة [الطويل]: شهدت بعين الفكر في حال حضرتي ... حبيبا تجلّى للقلوب فحيّت ومطلع أخرى [الخفيف]: أنا صبّ فصبوتي في ازدياد ... لا أرى سلوة ليوم التنادي وقد ذكره صفيّ الدين أبو عبد الله الحسين بن علي ابن أبي منصور في رسالته (١). وذكره الشيخ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن عليّ القسطلانيّ في كتاب «ارتقاء الرتبة باللباس والصحبة» (٢). وذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الله الناسخ في كتاب «مصباح الدياجي». وأفرد له شيخنا برهان الدين إبراهيم بن موسى الأبناسيّ (٣) ترجمة سمّاها «الكوكب المنير في مناقب أبي العبّاس البصير»، ولم أقف عليها. ثمّ وقفت عليها بعد ذلك. وذكر أنّه كان فقيها حافظا محدّثا، صاحب كرامات ومجاهدات، وأنّه كان متمسّكا بالكتاب والسنّة، متّبعا لهما، يشغل الناسبالقراءات السبع. وكان حافظا للسنّة بارعا في علم الحديث، حافظا لمتونه، عارفا بعلله، داريا برجاله، حسن الاستنباط بذهن وقّاد، وقريحة لا تضادّ. [و] كان له أحوال غريبة، وأساليب عجيبة، دائم المحاسبات كثير المجاهدات، نهاره صائم، وليله قائم، لا تأخذه في الله لومة لائم. وأقرأ بزاويته القراءات والعلوم الشرعيّة. وكان عنده جماعة معتمّين من المريدين، منهم: محمد السلاويّ وحاتم، من أصحاب الشيخ أبي السعود. وذكر له شعرا، وعدّة كرامات، وذكر جماعة من أصحابه، ذكرت غير واحد في موضعه من هذا الكتاب، منهم خادمه الشيخ عبد الله الغماري المغربيّ (٤) [الذي] توفّي في المحرّم سنة خمس وستّين وستّمائة. ودفن تحت رجلي الشيخ أبي العبّاس بالقرافة.

стр. 357

والشيخ عثمان بن مليك من زفيتا بالقليوبيّة: نشأ بها ورعى الغنم في صغره وأخذ عن الشيخ أبي العبّاس. وألبسه الخرقة ودعا له بكثرة المريدين. فيقال إنّه خرج من تحت يده أربعون وليّا لله تعالى، ومات بزفيتا، وبها قبره يزار. وكان له خادم يقال له قيصر، يحكى عنه وعن شيخه عثمان كرامات عديدة. ومنهم: الشيخ يحيى. قدم من المغرب، وخدم الشيخ أبا العبّاس حتّى مات. ودفن قريبا من قبره. وهو جدّ الشيخ يحيى بن عليّ بن يحيى الصنافيري. ومنهم: الفضيل. تجرّد [من] دنيا متّسعة، وسلك حتى وصل. وكان قد انقطع إلى الشيخ أبي العبّاس بزاويته حتى مات. ومنهم: الشيخ حاتم، خادم أبي العبّاس. كان أوّلا في خدمة الشيخ أبي السعود، ولمّا قدم الشيخ أبو العبّاس من بلاد المغرب، بعث به إليه مع الشيخ [أبي] محمد الغماري، فخدماه. وقبر الشيخ حاتم قريب من قبر الشيخ أبي العبّاس. ومنهم: الشيخ أبو عبد الله محمد السلاوي المغربيّ. نشأ بمدينة سلا وقدم مصر، ومات بأشبون من الشرقيّة. وقبره يزار. و[منهم]: الشيخ أبو عبد الله محمد الأتريبيّ. نشأ بأتريب قريبا من بنها العسل، وبها مات، وقبره يزار. وانتقل أولاده إلى أبناس، ولهم بها زاوية. ومنهم: الشيخ الهمام. كان من الأمراء، فتجرّد وسلك حتّى مات بسمنهود من بلاد الصعيد. والشيخ أبو عبد الله الملقّب «أبو طرطور»: تجرّد وساح سبع سنين، وأقام في خدمة الشيخ أبي العبّاس بزاويته مدّة: ومات بزفيتا، ببلد [١٢٦ أ] الشيخ عثمان المقدّم ذكره. وهذه هي الطبقة الأولى من أصحاب الشيخ أبي العبّاس. والطبقة الثانية: الشيخ علي الدومرانيّ، أكبر خدّام الشيخ عبد الله الغماري المقدّم ذكره. نشأ بناحية دومريّة (١) من أعمال [ ... ] أقام بأبناس مدّة لا يضع جنبه بالأرض ليلا ولا نهارا، وإنّما ينام وهو جالس. وأقام سبع سنين لم يشرب ماء. وجاور بالمدينة النبويّة ثنتي عشرة سنة ومات في سنة عشر وستّمائة بفرجوط من بلاد الصعيد، وله بها زاوية، خلّف فيها ولده سراج الدين عمر. وكان له من الخدّام عبد النبيّ الكبير، وعبد النبيّ الصغير، ونور الدين عليّ بن عرب. ومات عليّ بن عرب بالقرافة. ومنهم الشيخ موسى بن قيصر الويسانيّ: كان أوّلا من الشطّار، ثمّ سلك على أيدي الشيخ عثمان بن مليك المقدّم ذكره. نشأ في عرب [٦٥ أ] يقاللهم ويسان. ومات بناحية منها في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة في سابع عشرين رجب. وأصله من المنوفيّة، وقبره يزار. وخلفه من بعده ولداه محمد وعليّ. ومنهم الفقيه شهاب الدين أحمد، وولداه: الفقيه شمس الدين محمد بن أحمد، والفقيه نور الدين عليّ بن أحمد. ومنهم الفقيه ابن مالك، وولده الفقيه جمال الدين يوسف. ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبيد. والشيخ شهاب الدين أحمد البكري، ودفن بالقرافة. وكان من علماء الشافعيّة.

стр. 358

ومنهم أولاد الشيخ الصامت بأبناس، وهم: محمد وشهاب الدين أحمد، الملقّب بالحجر، ونور الدين عليّ، وإبراهيم. ومنهم أولاد الإتريبيّ، وهم: الشيخ ناصر الدين والشيخ قطب الدين. ومنهم الشيخ نور الدين عليّ بن يونس (١). والفقيه خليل، والد الفقيه تاج الدين، وولده عليّ. ومنهم الشيخ عبد الله بن خليل: أقام بزاوية باب الخرق في مقام الشيخ أبي العبّاس، وأنشأ بها جماعة، وأخذ عن الشيخ محمد، ابن الشيخ موسى، ابن قيصر المقدّم ذكره. ومن أصحاب الشيخ عثمان بن مليك: الشيخ ناصر الدين، أبو معروف القرشي: كان عالما، وله كرامات. وخادمه الشيخ شاور. مات أبو معروف بمنية ربيع من الفيّوم، وقبره يزار. وقام بعده ابنه بدر الدين محمد، ثمّ فخر الدين عثمان بن محمد (٢). ومن مريدي أبي معروف، الشيخ أبو سريّة. مات بقاي، وقبره يزار. ومنهم الشيخ عبد النور. مات بالميمون من البهنساويّة وقبره يزار. ومنهم الشيخ صالح. مات بناحية الحمّام من الفيّوم، وقبره يزار. ومنهم الشيخ شاور، المغربيّ، الصنهاجيّ. توفّي بمنشية الحي في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وقبره يزار. وخلفه من بعده أولاده: محمد، ورحمة، وعليّ، ثمّ شاور، ابن محمد المذكور. ومن خدّام الشيخ عثمان بن مليك، الشيخ قيصر. هام فلم يوقف له على قبر. ومنهم الشيخ فضل، من أصحاب الشيخ عثمان: كان مؤاخيا للشيخ موسى بن قيصر الدبسانيّ (٣)، ودفن ببلدة منا، وقبره يزار. ومنهم الشيخ زكريّ، ويقال له: خفير ركب الحجاز. مات بناحية ناي من القليوبيّة. وقبره يزار. وخلفه من بعده ولده الشيخ أبو عبد الله محمد. كان عارفا بالفقه والأصول والعربيّة، [٦٥ ب] وله كرامات. ودفن عند أبيه. ومنهم الشيخ عثمان الجرواني. مات بجروان، وقبره يزار. وقام من بعده ابنه الشيخ أبو عبد الله محمد، ثمّ أخوه الشيخ عقيل بن عثمان، وكان يعرف القراءات. ومنهم الشيخ أبو صالح الدربي من أصحاب الشيخ عثمان بن مليك، قبره بصنافير من القليوبيّة. ومنهم الشيخ عليّ بن يحيى، والد الشيخ يحيى الصنافيريّ. ومنهم الشيخ تقيّ الدين [١٢٦ ب] بن الهمام، أحد العلماء العاملين. مات بسمنهود، ودفن بجنب والده المقدّم ذكره. وولده الشيخ الهمام له علم وحال. وولده محمد بن الهمام مات بالخرقانيّة، وخلف بعده ابنه الشيخ مؤمن بن محمد بن الهمام. ومنهم الشيخ العارف: مات بتخانس، من الأعمال القوصيّة، وقبره يزار.

стр. 359

ومنهم الشيخ محمد القرافيّ: كان يقرأ في كلّ يوم وليلة ختمة، سفرا وحضرا، حتى إنّه لمّا حجّ قرأ ثمانين ختمة، حتى مات في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين وسبعمائة، عن مائة سنة، وجدّه عبد الله الغماري. ومنهم الشيخ أبو أحمد: له بفرجوط ذرّيّة. غرق في البحر. ومنهم الشيخ أحمد بن عيسى الدهشوري صهر الشيخ شاور، وقبره يزار بدهشور. وخلف بعده أخوه الشيخ محمد. وصحب الدهشوري الشيخ محمد بن غنيّ النباهيّ، وكان مجدوبا. وذكر شيخنا برهان الدين إبراهيم الأبناسي كرامات كثيرة لهؤلاء. ٥٧١ - أبو طلحة الوساوسيّ [- ٣٢٢] (١) أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن يزيد بن سعيد، أبو طلحة، الفزاريّ، البصريّ، المعروف بالوساوسيّ. سمع ببيروت ودمشق والبصرة. وقدم مصر، فسمع يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان، وغيره. وروى عنه الدارقطني، وابن شاذان، وابن شاهين، وابن جماعة. قال الدارقطنيّ: تكلّموا فيه. وقال الخطيب عن البرقانيّ (٢): ثقة. مات لليلتين خلتا من المحرّم سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. ٥٧٢ - العلاء السيراميّ [- ٧٩٠] (٣) أحمد بن محمد، الشيخ علاء الدين، المعروف بالعلاء السيراميّ، الحنفيّ، شيخ المدرسة الظاهريّة برقوق، ومدرّس الحنفيّة بها. برع في الفقه، والأصول، وعلمي المعاني والبيان. ودرّس في مدينة هراة وخوارزم وقدم تبريز. وقدم إلى ماردين وأقام بها مدّة. ثمّ نزل بحلب، واشتهر بها. فلمّا أنشأ الملك الظاهر برقوق المدرسة بخطّ بين القصرين من القاهرة، استدعاه إلى القاهرة، فقدمها في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وقرّره مدرّس الحنفيّة وشيخ الصوفيّة بمدرسته. وخلع عليه في يوم الخميس ثاني عشر رجب منها، وأركبه بغلة رائعة. فخطب خطبة بليغة مدح فيها السلطان وأثنى عليه، وتكلّم على قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] ... الآية، واستمرّ بها يقرئ كتاب الهداية في الفقه وغيره، حتى مات في يوم الأحد ثالث جمادى الأولى سنة تسعين وسبعمائة، وقد أناف على السبعين. وكان خيّرا منجمعا عن الناس، ورضيّ الخلق، متواضعا، قانعا بما آتاه الله، كثير الأسف على نفسه. وكان كثيرا ما يعتريه مرض الربو وضيق النفس. وهو أوّل من درّس بالمدرسة الظاهريّة، وشغر بعده ثلاثة أشهر حتّى قدم سيف الدين يوسف السيراميّ (٤).

стр. 360

٥٧٣ - ابن عبد المؤمن النوويّ أحمد بن عبد المؤمن بن موسى، النوويّ، الشافعيّ. تفقّه بالقاهرة وبرع. واختصر الكفاية وصنّف كتابا سماه [ ... ] ومات بالقاهرة. وهو من قرية بالقليوبيّة يقال لها: نوى (١). ٥٧٤ - علم الدين الأصفونيّ [٧٠٧ - ٧٤٩] أحمد بن عبد العليم، علم الدين، الأصفونيّ، الشافعيّ. ولد بأصفون (٢) في حدود سنة سبع وسبعمائة. وسمع وتفقّه وبرع في الفقه والحديث وغيره. مات في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ٥٧٥ - أبو العبّاس الخيّاط [- ٣٧٣] (٣) [٦٨ أ] أحمد بن محمد، أبو العبّاس، الدبيليّ، الخيّاط، الزاهد. سكن مصر، وكان فقيها جيّد المعرفة بالفقه على مذهب الشافعيّ. وكان قوته وكسبه من خياطته. كان يخيط قميصا في جمعة بدرهم ودانقين، طعامه وكسوته من ذلك، غلاء ورخصا، ما ارتفق من أحد بمصر بشربة ماء. وكان رجلا صالحا من أرباب الأحوال والمكاشفات، له كرامات ظاهرة وأحوال سنيّة. [١٢٧ أ] حضر أبو العبّاس النسويّ وأبو سعد المالينيّ وفاته فذكرا العجب من حضوره وتلاوته، إلى أن خرجت روحه. ومات في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ٥٧٦ - شهاب الدين العسجديّ [٦٨٦ - ٧٥٨] (٤) [٦٩ أ] أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن، أبو العبّاس، شهاب الدين، العسجديّ، الأديب، المحدّث، الفقيه، الشافعيّ. مولده في رمضان سنة ستّ وثمانين وستّمائة. طلب [الحديث] وهو كبير. سمع أصحاب ابن علّاق والنجيب. وأدرك العزّ أخا [ ... ] وسمع من هذه الطبقة مثل شهاب الدين المحسنيّ، ونور الدين علي بن محمد بن هارون الثّعلبيّ، وعليّ بن عيسى بن القيّم، والنور بن الصوّاف، والرشيد ابن المعلّم، وأبي النور الدبوسيّ، وأبي الحسن الواني. وأكثر جدّا عن أصحاب النجيب (٥).

стр. 361

ولازم الشيخ صدر الدين ابن الوكيل، وخدمه مدّة. واعتنى بالحديث، وكتب الطباق (١). وكان يجلس بحانوت الشهود، قريبا من المشهد الحسينيّ، وكان فاضلا، ظريفا، حسن الأخلاق، يصحب الأمراء. وله معرفة بالكتب ومصنّفيها، وأيّام الناس، وطبقاتهم. وشارك في عدّة علوم مشاركة جيّدة. ويقول الشعر فيجيده. ولمّا مات الشيخ زين الدين الكتنانيّ (٢) ولّاه الأمير علم الدين سنجر الجاولي مشيخة الحديث بالقبّة المنصوريّة عوض ابن الكتنانيّ، فلم يرضه قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة الشافعيّ. وتعصّب معه عليه جماعة من الفقهاء، وطعنوا في أهليّته، وأوصلوا الأمر في ذلك إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون. فرسم أن يعقد له ولهم مجلس. فاجتمع قضاة القضاة الأربعة، والجاوليّ، بالقبّة المنصوريّة. وحضر جمع كبير من الفقهاء. فتعصّب قاضي القضاة حسام الدين الحسن الغوريّ الحنفيّ مع الجاوليّ للعسجديّ. وقام ابن جماعة في الحطّ عليه، وساعده ركن الدين ابن القوبع. وقال: كيف يكون هذا شيخ الحديث، وهو قرأ عليّ الفاتحة فلحن فيها في ثلاثة مواضع؟ وكثر الكلام حتى وقع بين الغوريّ وابن جماعة، وتحزّب الفقهاء معهما حزبين. واجتمع الغوريّ بالأمراء، وشنع الأمر حتى بلغ السلطان، فساعد ابن جماعة. وجرى بينه وبين الجاولي كلام أفضى إلى إخراج العسجديّ من مشيخة الحديث، وولاية الشيخ أثير الدين أبي حيّان لها. وتوفّي يوم [ ... ] سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. [٦٩ ب] ومن شعره [السريع]: رأيته ممتطيا أشهبا ... يحمل بازا حمل قفّازه وطرفه أسبق من طرفه ... ولحظه أصيد من بازه وقوله [الكامل]: وافى بشمعته وضوء جبينه ... مثل الهلال على القضيب المائس في خدّه مثل الذي في كفّه ... فاعجب لماء فيه جذوة قابس وقوله [الكامل]: ومورّد الوجنات، نرجس لحظه ... ترك القلوب بأسرها في أسره حيّى بنسرين ذكيّ، عرفه ... من ثغره، وبياضه من نحره ٥٧٧ - ابن عبد الصمد السنباطيّ [- ٧٣١] [٦٩ ب] أحمد بن محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر بن صالح، [ ... ] الدين، ابن الشيخ قطب الدين، السنباطيّ. اشتغل على أبيه وغيره ومهر، وناب في الحكم مدّة. وولي تدريس الحسّانيّة. ومات في تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.

стр. 362

٥٧٨ - ابن عطاء الله الصوفيّ الإسكندريّ [- ٧٠٩] (١) [١٠٧ أ] أحمد بن محمد بن عبد الكريم [١٢٧ ب] بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن عبد الكريم، الحسنيّ، المالكيّ، الشيخ العارف، تاج الدين، أبو الفضل الإسكندريّ، الصوفيّ الشاذليّ. ولد في [ ... ]. وأخذ عن الشيخ أبي العبّاس المرسيّ صاحب أبي الحسن الشاذليّ وتلمذ له. وقدم القاهرة، وتكلّم بالجامع الأزهر وغيره فوق كرسيّ بكلام يروّح النفوس على طريقة القوم، مع إلمام بآثار السلف، ومشاركة في الفضائل. فأحبّه الناس، وكثر أتباعه. وكان رجلا صالحا، له ذوق، وعليه سيماء الخير. وكان من أشدّ الناس قياما على تقيّ الدين أحمد بن تيمية. وتوفّي بالمدرسة المنصوريّة من القاهرة في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة، ودفن بالقرافة، وتردّد الناس لزيارة قبره تبرّكا به، وعملوا عند قبره في كلّ ليلة حادي عشر جمادى من كلّ سنة مجتمعا يقرءون فيه القرآن ويطعمون الطعام، فيحشر الناس من أكثر الجهات لشهود هذا المحيا ويخلطون فيه الحقّ بالباطل، ويأتون أنواعا من المنكرات. وهم على ذلك إلى يومنا. ومن مصنّفاته كتاب التنوير في إسقاط التدبير، وكتاب الحكم، وكتاب لطائف المنن في فضائل الشيخ الكبير أبي الحسن (٢)، وكتاب المرقى إلى القدس الأبقى. واجتمع ثلاثة بالقاهرة. فقال أحدهم: آه، لو سلمت من الغائلة! وقال الثاني: أنا أصلّي وأصوم، وما عليّ من أثر الفلاح ذرّة. وقال ثالثهم، وهو محمد بن نصر بن سلامة الصوّاف: أنا صلاتي ما ترضي نفسي، فكيف ترضي الله؟ ثمّ قاموا إلى مجلسه فتكلّم في الوعظ. ثمّ قال: ومن الناس من يقول- وتكلّم على ما قالوه (٣). ومن شعره [الوافر]: مرادي منك نسيان المراد ... إذا رمت السبيل إلى الرشاد فإن تدع الوجود فلا تراه ... وتصبح مالكا حبل اعتماد إلى كم غفلة عنّي وإنّي ... على حفظ الرعاية والوداد وودّي فيك لو تدري قديم ... ويوم السبت يشهد بانفراد وهل ربّ سواي فترتجيه ... غدا ينجيك من كرب شداد؟ فوصف العجز عمّ الكون طرّا ... فمفتقر لمفتقر ينادي [١٠٧ ب] وبي قد قامت الأقوام طرّا ... وأظهرت المظاهر من مرادي أفي داري وفي ملكي وفلكي ... توجّه للسوى وجه اعتماد؟ وها خلعي عليك فلا تذلها ... ومن وجه الرجاء عن العباد

стр. 363

ووصفك فالزمنه وكن ذليلا ... ترى منّي المنى طوع القياد وكن عبدا لنا، والعبد يرضى ... بما تقضي الموالي من مراد ٥٧٩ - أبو عمر الطلمنكيّ المقرئ [٣٤٠ - ٤٢٩] (١) [٩٩ أ] أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي عيسى لب بن يحيى، المعافريّ، أبو عمر، الطلمنكيّ، الأندلسيّ، المقرئ، الحافظ، نزيل قرطبة. ولد سنة أربعين وثلاثمائة. وأوّل سماعه سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة. قرأ على أبي الحسن عليّ بن محمّد الأنطاكيّ، وعمر بن عراك، وأبي الطيّب بن غلبون، ومحمد ابن عليّ الأدفويّ، ومحمّد بن الحسين بن النعمان. وقيل: سمع من الأدفويّ (٢)، ولم يقرأ عليه (٣). وروى عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله الليثيّ، وأبي بكر الزبيديّ، وأحمد بن عون الله، وأبي عبد الله بن مفرّج، وأبي محمد عبد الله الباجيّ، وخلف بن محمد الخولانيّ، وأبي الطاهر محمد بن محمد العجيفيّ، وأبي بكر المهندس، وأبي القاسم الجوهريّ، وأبي العلاء بن ماهان، ومحمد بن يحيى بن عمّار الدمياطيّ، وأبي محمد ابن أبي زيد. وقدم مصر حاجّا. ورجع [١٢٨ أ] إلى الأندلس بعلم جمّ. روى عنه أبو عمر بن عبد البرّ، وأبو محمد ابن حزم، وعيسى بن محمد الحجّاريّ، وطائفة كثيرة. وقرأ عليه أبو [محمد] عبد الله بن سهل، وطائفة. وكان رأسا في علم القرآن (٤): قراءاته، وإعرابه، وأحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومعانيه، رأسا في معرفة الحديث وطرقه، حافظا للسّنن، ذا عناية بالآثار والسنّة، إماما في أصول (٥) الديانات، ذا هدي وسمت، ونسك وصمت. قال أبو عمرو الدانيّ كان فاضلا ضابطا شديدا في السنّة. وقال ابن بشكوال في كتاب الصلة: كان سيفا مجرّدا على أهل الأهواء والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله. أقرأ الناس محتسبا، وأسمع الحديث، وأمّ بمسجد منعة [منها] (٦). ثمّ إنه خرج إلى الثغر فجال فيه. وانتفع الناس بعلمه. ثمّ قصد بلده في آخر عمره. فتوفّي به في ذي الحجّة سنة تسع وعشرين وأربعمائة. ٥٨٠ - أبو العباس الظاهريّ [٦٢٦ - ٦٩٦] (٧) [٩٩ أ] أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهريّ، أبو العبّاس، الإمام الحافظ. ولد سنة ستّ وعشرين وستّمائة. وسمع الكثير، ورحل إلى البلاد كخراسان

стр. 364

وغيرها. وكتب بخطّه كثيرا، وحدّث زمانا طويلا. وابتنى له الأمير آي دغدي العزيريّ زاوية (١) بظاهر القاهرة مطلّة على النيل، أقام بها دهرا. وبها مات في سادس عشرين شعبان سنة ستّ وتسعين وستّمائة. ٥٨١ - قاضي الحرمين [- ٣٥١] (٢) أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو الحسين، النيسابوريّ، القاضي، المعروف ب «قاضي الحرمين»، شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه. تفقّه على أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخيّ، وأبي طاهر محمد بن محمد الدبّاس، وبرع في المذهب. وسمع بخراسان أبا العبّاس الحسن بن سفيان الشيبانيّ، وأبا يحيى زكريا بن يحيى البزّاز، وأبا خليفة الفضل بن الحبّاب، وجماعة. روى عنه أبو عبد الله الحاكم، وقال: غاب عن نيسابور نيفا وأربعين سنة، وتقلّد قضاء الموصل، وقضاء الرملة. وقلّد قضاء الحرمين، فبقي بها بضع عشرة سنة. ثمّ انصرف إلى نيسابور سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. ثمّ ولي القضاء بها في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. قال أبو بكر الأبهريّ (٣): ما قدم علينا من نيسابور أفقه من أبي الحسن النيسابوريّ. وحضر أبو الحسين مجلس النظر لعليّ بن عيسى الوزير، فقامت امرأة تتظلّم من صاحب التّركات. فقال: تعودي [ن] إليّ غدا- وكان يوم مجلسه للنظر- فلمّا اجتمع فقهاء الفريقين، قال: تكلّموا اليوم في مسألة توريث ذوي الأرحام. [قال]: فتكلّمت فيها مع بعض فقهاء الشافعيّة، فقال: صنّف في هذه المسألة وبكّر بها غدا إليّ. ففعلت. وأخذ منّي الجزء وانصرفت. فلمّا كان ضحوة النهار، طلبني الوزير (٤) إلى حضرته، فقال: يا أبا الحسين، قد عرضت تلك المسألة بحضرة أمير المؤمنين، وتأمّلها وقال: لولا أنّ لأبي الحسين عندنا حرمات، لقلّدته أحد الجانبين. ولكن ليس في أعمالنا عندي أجلّ من الحرمين، وقد قلّدته الحرمين. فانصرفت من حضرة الوزير، ووصل العهد إليّ، فكان هذا السبب فيه. وفي رواية: [قال]: قلت للوزير: أيّد الله الوزير، بعد أن رضي أمير المؤمنين المسألة وتأمّلها، وجب أن ينجز أمره العالي بأنه يردّ السهم إلى ذوي الأرحام! فأجاب إليه وفعله. توفّي أبو الحسين يوم السبت الحادي والعشرين من المحرّم سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. ومرّ بي أنه قدم مصر. ٥٨٢ - عزّ الدين ابن ميسّر [٦٣٩ - ٧١٦] (٥) أحمد بن محمد بن عليّ بن يوسف، الصاحب عزّ الدين، أبو العبّاس، ابن جمال الدين أبي عبد الله،

стр. 365

ابن ميسّر، المصريّ. ولد في ليلة الثلاثاء حادي وعشرين شهر رمضان سنة تسع وثلاثين [١٢٨ ب] وستّمائة. وترقّى في الخدم، وباشر نظر الإسكندريّة، ونظر الدواوين بمصر والشام، ونظر دمشق، ونظر طرابلس، ونظر الأوقاف بدمشق والحسبة. ومات، وهو في نظر الأوقاف بدمشق، في ليلة الاثنين أوّل يوم من شهر رجب سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وكان يحبّ أهل الخير، ويوصف بعقل وسكون. وله خبرة بالولايات والتصرّفات، مع لين ومروءة وتسامح كبير لمن تحت يده من العمّال. ٥٨٣ - ابن خميس المغربيّ [٦٤٦ - ٧٢٣] (١) أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر بن خميس، الأنصاريّ، الجزيريّ، المغربيّ. ولد بالجزيرة الخضراء من بلاد المغرب في المحرّم سنة ستّ وأربعين وستّمائة. وروى الحديث عن الأستاذ أبي الحسن ابن أبي الربيع، وغيره. وصار صدر بلده وعلم صقعه أصالة وفضلا. وأقرأ عدّة فنون من العلم، وخطب. وناب عن القضاة، وكان حميد السيرة، ذا دين متين وصلاح وفضل. وكان أديبا حسن النظم والكتابة. وكان دعاؤه مستجابا. وقدم مصر. ومات بها يوم الأحد سابع عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. ومن شعره [الطويل]: عليك بإعمال القناعة، والرضى ... بما قدّر الرحمن إن كنت ذا حلم ولو لم يكن للمرء في مقتضاهما ... من الخير إلّا راحة القلب والجسم وقوله [الطويل]: إذا لم يكن للمرء مال فما له ... لعمرك عند الناس قدر ولا حظّ وإن هو أبدى حكمة وبلاغة ... وفصل خطاب، لم يحسّ له لفظ ٥٨٤ - ابن أبي العوّام قاضي القضاة [٣٤٩ - ٤١٨] (٢) أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن الحارث، أبو العباس، المعروف بابن أبي العوّام، السعديّ، الفقيه الحنفيّ، قاضي القضاة بديار مصر. ولد بمصر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. وروى عن أبيه عن جدّه. روى عنه أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعيّ. وهو من بيت أهل علم بمذهب أبي حنيفة. ونشأ على صيانة. وطلب الحديث والفقه. وعدّله القاضي محمّد بن النعمان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فشهد عنده، وعند من بعده. ولمّا ولي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن النعمان، في صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، استخلفه في الفرض والنظر بين المتحاكمين إذا غاب أبو عبد الله الحسن بن محمد بن طاهر خليفة الحكم بمدينة مصر. فلم يزل على ذلك حتى قتل

стр. 366

أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو عليّ منصور ابن العزيز نزار قاضي القضاة أبا الحسن مالك بن سعيد بن مالك الفارقيّ وشغر منصب القضاء مدّة. وكان الحاكم قد نوّه بذكر أبي الفضل جعفر الضرير، لما أعجبه من معرفته بالنحو واللغة وعلوم الشريعة، وقرّبه وخلع عليه وأقطعه، ولقّبه ب «عالم العلماء». فسأله يوما عن الناس واحدا واحدا، فذكر أبا العبّاس أحمد بن أبي العوّام وغيره. فوقع الاختيار على أبي العبّاس، فقيل للحاكم: ما هو على مذهب أهل البيت، غير أنّه ثقة مأمون، عارف بالقضاء، عارف بالناس، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره- فما قام أبو الفضل الضرير من مجلس الحاكم حتى أحكم الأمر. فتقدّم أمر الحاكم بكتابة سجلّ أبي العبّاس ابن أبي العوّام. وجمع في يوم الأحد حادي عشرين شعبان سنة خمس وأربعمائة الأولياء، والعرائف، والشهود، والأمناء، والفقهاء بالقصر، واستدعى أبا العبّاس ابن أبي العوّام فخلع عليه غلالة، وثوبا مسمّطا، وقميصا ديبقيّا معلّما مذهبا، وعمامة شرب كبيرة مذهبة [١٢٩ أ]، وطيلسانا محشيّا (١) مذهبا. وأعطي سجلّ القضاء، فوقف على رجليه، وقرأ سجلّه أبو جعفر العبّاديّ. وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفّح مذهّب، وقيد بين يديه بغلة أخرى بسرجها ولجامها. وسار ومعه الشهود والأمناء إلى الجامع العتيق بمصر، فقرئ سجلّه على المنبر، وفيه، بعد تقريظه والإشادة به ومدحه: فقلّدك أمير المؤمنين الصلاة والقضاء والخطابة بحضرته، والحكم فيما وراء حجابه بالقاهرة المعزّيّة، ومصر المحروسة، وأعمالها، وكورة الإسكندريّة، والحرمين الشريفين، وبرقة، والمغرب، وصقلّية، مع الإشراف على دور الضرب في هذه الأعمال، والنظر في أحباس الجوامع والمساجد، وأرزاق المرتزقة، ووجوه البرّ. ولم يجعل إليه قضاء فلسطين من أجل أنّه بيد الشريف أبي طالب ابن بنت الزيديّ [الحسيني] (٢). فاستخلف أبو العبّاس على الحكم، ونقل ديوان الحكم من دار مالك بن سعيد، وجميع حجج الناس، وما يتعلّق بالأحكام، إلى بيت المال الذي بجامع عمرو، وهو أوّل من فعل ذلك، وإنّما كانت دواوين الحكّام في دورهم، فجعلها في الجامع، إلّا ما يتعلّق به وبنظره فإنّه أقرّه في داره (٣). ورسم أن يحضر مجلسه طائفة من الفقهاء في ترتيب نوبهم وجلوسهم في دار العلم التي بالقاهرة ليردّوه إذا حكم إلى مذهب أهل البيت. ورتّب جلوسه بالجامع العتيق في يوم الاثنين ويوم الخميس، وفي القاهرة بالجامع الأزهر في يوم الثلاثاء، وفي القصر في يوم السبت ليطالع الحاكم بما يجري من الأحكام والشهود والأمناء، وغير ذلك من تعلّقات الحكم، ويوم الجمعة يركب مع الحاكم، و [رسم] أن يجعل راحته يوم الأربعاء بدار اشتراها بالقرافة ينقطع فيها يومه إلى المغرب فيتعبّد ويخلو بمن يريد من الشهود وغيرهم. فبكّر الناس في يوم الاثنين صبيحة ولايته إلى داره، ومضى إلى الجامع ونظر بين الخصوم، وصلّى بالناس الظهر والعصر، وانصرف على رسم القضاة. وحضر الجامع في شهر رمضان، وتولّى ما

стр. 367

جرى الرسم به من صعود المنبر، وإصلاح مظلّته، والتكبير خلف الإمام. وكان الحاكم قد بعث عوضه للصلاة والخطبة وليّ العهد عبد الرحيم بن إلياس. فسمّى القاضي في بعض ألفاظ التكبير، وسمّى عبد الرحيم أيضا. وحضر بعد ذلك بالجامع الأزهر للحكم. فلمّا صلّى بالناس سمّى في الركعة الثانية فتشوّش الناس وأعادوا صلاتهم (١). وواصل الركوب مع الحاكم ومسايرته على عادة من تقدّمه من القضاة. وأقطعه ناحية تلبانة (٢) زيادة على جاريه. وفي شهر ربيع الأوّل سنة تسع وأربعمائة جلس بالجامع العتيق وأحضر الشهود، وكانوا ألفا وخمسمائة شاهد، فأسقط في يوم واحد أربعمائة شاهد، وأسقط أناسا في عدّة أيّام. فتظلّموا للحاكم، فقال لهم: الذي عدّلكم هو الذي أسقطكم بما صحّ عنده. ومات الحاكم، وأقيم بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم عليّ، فأقرّ أبا العبّاس على القضاء، حتى مات لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة وأربعمائة. وصلّى عليه الظاهر، وأخرج له ترابا من كمّه جعله تحت خدّه. ودفن في داره. فكانت مدّة ولايته ثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر واثني عشر يوما. ٥٨٥ - تاج الدين ابن الخرّاط [- ٨٠٣] (٣) أحمد بن محمد بن عبد الله، تاج الدين، ابن الخرّاط، الإسكندرانيّ، المالكيّ، العدل. سمع على الوادي آشي كتاب التيسير للدّاني، والموطّأ، وكتاب درر السمط لابن الأبّار، بسماعه على محمد بن حبّان عن المؤلّف [١٢٩ ب]، وكتاب الشفاء، سماعه على ابن الغمّاز، وغير ذلك. وحدّث عنهم بالكثير. وتوفّي في عاشر صفر سنة ثلاث وثمانمائة. ٥٨٦ - صدر الدين الدندريّ [- ٧٣٢] (٤) أحمد بن محمد بن عبد الله الدندريّ، الشافعيّ، الملقّب صدر الدين. قرأ القراءات السبع على النجم عبد السلام ابن الحفّاظ في سنة ثلاث وثمانين وستّمائة. وسمع الحديث على عبد النصيح بن عامر بن مصلح الإسكندريّ سنة ثمان وثمانين. وأخذ الفقه عن البهاء هبة الله بن عبد الله بن سيّد الكلّ القفطيّ. وتصدّر للقراءة عليه بدار الحديث بقوص. وكفّ بصره بأخرة. وتوفّي ليلة الجمعة ثامن جمادي الآخرة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ٥٨٧ - أبو طالب ابن الشريفة [- ٥٦٨] أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو طالب، القصريّ، المحمّديّ، يعرف بابن الشريفة، [من] ولد محمّد بن الحنفيّة. سمع من يوسف اللخميّ عدّة كتب، وحدّث. توفّي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى

стр. 368

الأولى سنة ثمان وستّين وخمسمائة. ٥٨٨ - نجم الدين ابن صاعد (١) أحمد بن محمد بن عبد المجيد بن صاعد، نجم الدين، ابن الوزير عزّ الدين، الخزرجيّ. وهو القائل [الطويل]: رأيت الذي أهواه يبكي فسرّني ... وقلت: لما قد نالني يتوجّع وما ذاك منه رحمة غير أنّه ... سقى طرفه، والسيف يسقى فيقطع ٥٨٩ - شهاب الدين العناسجيّ [٦٤٧ - ٧٢٨] (٢) أحمد بن محمد بن عبد الوليّ بن جبارة، المقرئ، العناسجيّ، شهاب الدين. ولد سنة سبع وأربعين وستّمائة. وسمع من أبي [ ... ] خطيب مردا (٣)، وابن عبد الدائم، وجماعة. وقرأ بالسبع بالقاهرة على الأسديّ. وفي الأصول على القرافيّ. وفي العربيّة على البهاء ابن النحّاس. وبرع في الفنون. وشرح الشاطبيّة شرحا مشهورا، وأكثر فيه من الاحتمالات القريبة والبعيدة، وشرح الرائيّة في الرسم (٤). ثمّ رجع إلى دمشق فأقام بها من سنة ثلاث وتسعين، وأقرأ القراءات. ثمّ تحوّل إلى حلب. ثمّ رجع إلى بيت المقدس. واشتهر بمعرفة الرأي وتصدّر لإقراء القراءات ولإقراء العربيّة أيضا .. كان مع مهارته في القراءة في لسانه [تمتمة] (٥). ومات فجأة بالقدس في رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ٥٩٠ - شهاب الدين ابن شيخان [- ٧٧٣] (٦) أحمد بن محمّد بن عثمان بن شيخان، الأديب، شهاب الدين، ابن المجد، البكريّ، القرشيّ، البغداديّ، الشاعر. قدم إلى القاهرة واستوطنها، حتّى مات في عاشر شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. وكان أديبا ماهرا، له قدرة على صنع النظم ارتجالا. وكان يتمعّش بمدح الأعيان ويكسب منهم في السنة ستّة آلاف درهم، فيتلفها كلّها إسرافا وبذارا، حتى بقي بغير ثوب. ومن شعره [من أوّل قصيدة- السريع]: [رعاهم الله ولا روّعوا ... ما لهم ساروا وما ودّعوا] (٧) ٥٩١ - أبو بكر الأنطاكيّ أحمد بن محمّد بن عيسى بن زياد الأنطاكيّ، الحنفيّ، أبو بكر، ابن أبي عبد الله، ابن أبي موسى، الحنفيّ. سمع من أحمد بن آدم، ومحمد بن سليمان، وأحمد بن أبي الجواري، وقاسم بن عمر الخزاعيّ، وغيرهم. وكان أبوه قاضي حلب.

стр. 369

وقدم هذا مصر فسمع عبد الله بن جعفر بن الورد (١). وكان فاضلا أديبا: رفعت إليه ورقة فيها [ ... ] [١٣٠ أ] فأخذ الورقة وكتب على ظهرها [ ... ] (٢). ٥٩٢ - أبو بكر الرازيّ [- ٣١٢] (٣) أحمد بن محمد بن عثمان بن شبيب، أبو بكر الرازيّ- ومنهم من يقول: أحمد بن محمد بن عبد الله الرازيّ. ومنهم من يقول: أحمد بن محمد بن عبد الصمد الرازيّ. ومنهم من يقول: أحمد بن محمد بن يزيد الرازيّ- نزيل مصر. عرض القرآن على أحمد بن أبي سريج والفضل ابن شاذان، وموسى بن محمد بن هارون صاحب المزّي. روى عنه الحروف الداجونيّ، وأحمد بن محمد بن إسماعيل المهندس، والحسن بن رشيق، وأبو الفرج الشّنبوذي، وأبو العبّاس أحمد بن محمد العجليّ شيخ الأهوازيّ (٤). توفّي بمصر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. ٥٩٣ - ابن قرناص الحمويّ (٥) أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن أحمد بن هبة الله بن علي بن الحسين بن محمد بن عليّ بن جعفر بن عبيد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن أسعد بن طلحة، أبو الفضل، وأبو العبّاس، المعروف بابن قرناص، الحمويّ، الخزاعيّ. [قال- الكامل]: وحديقة ينساب فيها جدول ... طرفي بمنظر حسنها مدهوش يبدو خيال غصونها في مائه ... فكأنّما هو معصم منقوش وقال في غلام رام [الرجز]: أتى الأ [ر] ماح ماشيا ... والردف قد أقلقه يرشق ثم ينثني ... لله ما أرشقه! وقال في غلام كرديّ [الكامل]: لله كرديّ رشيق قدّه ... أضحى على كلّ الملاح أميرا قد راح قلبي وهو من إقطاعه ... أو ليس تبصر شعره منثورا؟ وفي مثاقف [الكامل]: وأغنّ إذ يأتي الثقاف أظلّ من ... حذري عليه خائفا أترقّب ظبي يريك وثوب ليث أغلب ... «ويروغ عنك كما يروغ الثعلب» وقال في غلام نام تحت شجرة تفّاح فسقطت تفّاحة عليه [الوافر]:

стр. 370

أصابت خدّه في الدوح لمّا ... غفا تفّاحة سقطت عليه فحقّقت الذي قد قيل قدما ... «شبيه الشيء منجذب إليه» وقال [الطويل]: أيا زائري ليلا فيا مرحبا به ... وأذعن من بعد القطيعة بالوصل فبتّ على أردافه طول ليلتي ... أدبّ دبيب النمل في كثب الرمل وقال [الوافر]: ألا حبّذا ظبي مريض ... أتاه النقص من بعد الكمال وكان كمثل بدر التمّ حسنا ... فصار لسقمه مثل الهلال وقال يرثي [الطويل]: يكلّفني العذّال صبرا وقد قضى ... أبى الله كيف الصبر عنه يهون؟ وما كان إلّا الروض بشرا وبهجة ... ولا غرو أن تجري عليه عيون وقال [الكامل]: أأخا الفوارس لو ترى روض الوغى ... والخيل يشجرها الوشيج الذابل [١٣٠ ب] فالنبل قطر، والدماء شقائق ... والسمر دوح، والسيوف جداول وقال [السريع]: لو يشهد الروع وأبطالنا ... قد وخطوا بالبيض فوق الغبار حيث الدما نار ووقع الوغى ... دخانه، والنبل مثل الشرار ٥٩٤ - ابن الحتيتيّ [٦١٩ - ٦٩٦] (١) [١٠٦ أ] أحمد بن محمد بن علي بن جعفر، أبو العبّاس، ابن أبي الطاهر، الرئيس، الأديب، سيف الدين، السامرّي- بتشديد الراء- يعرف بابن الحتيتيّ. ولد بكرخ سامرّا أواخر سنة تسع عشرة وستّمائة. كان كبير المحلّ عند أمير المؤمنين المستعصم بالله (٢) آخر خلفاء بني العبّاس، وخلع عليه خلعة سوداء، لشدّة عناية الوزير ابن العلقميّ به، فإنّه كان من خواصّه. وقدم إلى دمشق بعد قتل الخليفة وسكنها. ثمّ أشخص إلى القاهرة، وصودر في وزارة سنجر الشجاعيّ أيّام الملك منصور قلاوون. وعاد إلى دمشق، وبها مات يوم الاثنين ثامن عشر شعبان سنة ستّ وتسعين وستّمائة. وله شعر كثير غالبه هجاء. كان كثير الأموال حسن الأخلاق، معظّما عند أهل الدولة، جميل المعاشرة. وله بدمشق مدرسة يقال لها السامرّيّة كانت داره فجعلها دار حديث، وبها دفن. ومن شعره، وكتب به من القاهرة إلى دمشق يداعب أصحابه [الخفيف]:

стр. 371

قبّح الله كلّ من بدمشق ... من أصيحابنا سوى ابن سعيد فهو مع شحّه وما يتعاطا ... هـ من اللؤم أصلح الموجود وقال يهجو القاضي زين الدين [ ... ] الفاروثيّ (١) وابن أخيه، ويلقّب بالأقرع [المتقارب]: دع الحمق والجهل يا أقرع ... فحمقك في مصر لا ينفع وإن قلت إنّك مستعمل ... لجاهك تصلب أو تقطع فكم قد حبست وكم قد شهرت ... وكم قد عسفت وما ترجع وعمّك قاضي الفسوق الذي ... على فسقه الناس قد أجمعوا إذا كان بالحبس لا يرعوي ... وبالشتم والصفع لا يردع فلا فخر في صفعكم بالنعال ... فإنّ النعال بكم تصفع وكتب من الإسكندريّة سنة أربع وخمسين وستّمائة في أوّل كتاب إلى الوجيه أبي عبد الله محمد شمس الدين بن أبي الحسن عليّ بن أبي طالب معالي ابن أحمد بن عثمان بن سويد التكريتيّ الربعيّ مولدا، الوجيه بتكريت، في ذي القعدة سنة تسع وستّمائة (٢) [الطويل]: نقبّل كفّا طالما كفّت الردى ... وأوصلت الآيات راح [ات] ها تترى وتقبيل تلك الخمس كالخمس واجب ... فصارت عليّ الواجبات بها عشرا وإنّي لمّا كان شعري قاصرا ... عن النظم في علياك لو نظم الشعرا صرفت إليك القصد صرفة عاجز ... عن الواجب المفروض أسألك الغفرا وقال يخاطب نجم الدين أبا منصور ابن المؤذّن (٣) ناظر الحجة ببغداد عند وروده إليها على البرّ [الطويل]: أتيت وأشواقي تجلّ عن الحصر ... ولم ألو من شوقي إليك على مصر ووافيت مشتاقا بغير تصنّع ... وصرت أجوب البرّ شوقا إلى البحر [١٣١ أ] وحضر ليلة بالقاهرة عند قاضي القضاة الوزير بدر الدين [ ... ] السنجاري (٤). فلمّا أراد الانصراف طلب مداسه فوجده قد سرق فأنشد [الكامل]: بالله قل لي إن وصل ... ت البيت: تهنيك السلامة صقع المداس وما بقي ... شيء سوى صقع العمامة ٥٩٥ - أبو العبّاس الرأس [- ٦١٥] [١٠٦ أ] أحمد بن محمد، أبو العبّاس، اللخميّ، المولّي، المعروف بالرأس، الشيخ الزاهد. توفّي بموضعه الذي كان به ظاهر الإسكندريّة

стр. 372

على شاطئ البحر الملح، ويعرف الموضع بالرأس، وبه عرف الشيخ. ودفن تجاه محرسه في سادس ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وستّمائة. وكان شيخا زاهدا انتفع به جماعة كثيرة. ٥٩٦ - ابن القسطلانيّ [٦٤٨ - ٧١٤] (١) [١٠٦ أ] أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، ابن القسطلانيّ. ولد بمكّة في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستّمائة. وسمع من [ ... ]. ومات بالقاهرة في [ ... ] سنة أربع عشرة وسبعمائة. ٥٩٧ - ابن الروميّة النباتيّ [٥٦١ - ٦٣٧] (٢) [١٠٦ ب] أحمد بن محمد بن مفرّج، الشيخ الفاضل أبو العبّاس، الأمويّ، الأندلسيّ، الإشبيليّ، العشّاب، الزهريّ، النباتيّ، الفقيه، الظاهريّ الحزميّ، المعروف بابن الروميّة. ولد في المحرّم سنة إحدى وستّين وخمسمائة بإشبيلية. وسمع من أبي عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، وأبي بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجدّ، وغيرهما. وخرج من بلده في طلب العلم وسماع الحديث، فدخل مصر وحدّث بها، وجال في الحرمين، وبغداد، والموصل وبلاد الشام، وسمع من غير واحد، تضمّنهم فهرسته الذي جمعه لنفسه، وهو حافل. ثمّ عاد إلى بلاده. ومات بإشبيلية غرّة ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وستّمائة. وكان فقيها ظاهريّا على رأي الفقيه الحافظ أبي محمّد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، ولذلك قيل فيه «الحزميّ» بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي المعجمة وكسر الميم. وكان يتعصّب له بعد أن كان مالكيّ المذهب. وكان بصيرا بالحديث، عارفا برجاله، حافظا لمتونه، عارفا بفقهه واختلاف أهل العلم، شديد العناية بعلم الحديث. وصنّف كتاب الحافل لتتمّة كتاب الكامل لابن عديّ (٣) في أسماء من نسب إلى شيء من الجرح في رجال الحديث، جاء في مجلّدين. واختصر كتاب الدارقطني في غريب حديث الإمام مالك. وكان له معرفة تامّة بالنبات وتمييز الأعشاب، بحيث فاق في ذلك كثيرا ممّن عني بهذا الشأن. ولذلك عرف بالنباتيّ، بتشديد النون وفتحها، وفتح الباء الموحّدة، ثم ألف بعدها تاء مثنّاة من فوق، وياء النسبة. وكان يقعد في حانوت لبيع الأعشاب ﵀.

стр. 373

٥٩٨ - ابن خلّكان [٦٠٨ - ٦٨١] (١) [١١٧ أ] أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن ميرك بن عبد الله بن شاكل بن حسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، البرمكيّ، الفقيه، العالم، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو العبّاس، ابن شهاب الدين، المعروف بابن خلّكان الإربليّ، الدّمشقيّ، الشافعيّ. ولد يوم الخميس حادي عشر ربيع الآخر سنة ثمان وستّمائة بمدينة إربل، وتفقّه على أبيه بها. ثمّ انتقل بعد موته إلى الموصل، وحضر درس الكمال ابن يونس. ثمّ انتقل إلى حلب وأقام عند البهاء أبي المحاسن يوسف بن شدّاد وتفقّه عليه. وقرأ النحو على أبي البقاء يعيش بن عليّ النحويّ، ثمّ قدم دمشق واشتغل على ابن الصلاح. ومضى إلى ديار مصر. وناب عن البدر السنجاريّ في [١٣١ ب] الحكم بالقاهرة. ثمّ ولي قضاء المحلّة بالغربيّة [ ... ]. وتقلّد قضاء القضاة بدمشق عوضا عن نجم الدين أبي بكر ابن سناء الدولة في يوم الجمعة تاسع ذي الحجة سنة تسع وخمسين وستّمائة وفوّض إليه الحكم من العريش إلى الفرات، والنظر في الجامع والمارستان وسائر الأوقاف، وتدريس سبع مدارس [ ... ]. فلمّا ملك السلطان الملك المنصور قلاوون دمشق بعد هزيمة سنقر الأشقر عنها، بلغه أنّ ابن خلّكان أفتى سنقر الأشقر بجواز قتاله، فرسم بشنقه. فتعصّب له الأمير علم الدين سنجر الحلبيّ مقدّم العساكر وقال للأمير بدر الدين بكتوت العلائيّ نائب دمشق: قد ورد كتاب السلطان بأمان أهل دمشق، وإنّ من سمعه فهو آمن، وقد حضره ابن خلّكان وسمعه، فهو آمن من القتل. وعزل عن القضاء في حادي عشر صفر سنة تسع وسبعين وستّمائة. واستقرّ عوضا عنه نجم الدين أبو بكر بن يحيى ابن سناء الدولة. واعتقله الأمير سنجر في رابع عشرينه، بالخانقاه [١١٧ ب] النجيبيّة، ثم أفرج عنه في تاسع ربيع الأوّل. ولزم بيته بالمدرسة العادليّة. فألزمه ابن سناء الدولة بالنقلة من العادليّة ليسكن فيها، وألحّ في الطلب. فاتّفق حضور أهله من حلب في يوم الأربعاء تاسع عشره، وخرج ليلقاهم. فرسم عليه ابن سناء الدولة حتّى ينتقل، وضيّق عليه، ولم يمهله، فبقي في شدّة. وشرع بجمع كتبه وأثاثه ليحملها وينتقل إلى الصالحيّة، فلم يشعر في الرابعة من النهار إلّا وعدّة من الجنداريّة حضروا في طلبه إلى الأمير سنجر الحلبيّ، فظنّ أنّ الطلب بسبب خلوّ البيت، فأراهم اهتمامه بالنقلة. فقالوا: ليس الطلب لذلك، وإنّما حضر البريد من السلطان بسببك. فما شكّ أنّه الموت قد حضر. وسار مع الجنداريّة. فإذا كتاب السلطان بإنكار ولاية ابن سناء الدولة القضاء، وفيه: إنّا عفونا عن الخاصّ والعامّ. ولا يليق أن نخصّ بالسخط أحدا على انفراده. وغير خاف ما يتعلّق بحقوق القاضي شمس الدين أحمد بن خلّكان وقديم صحبته وخدمته، وأنّه من بقايا الدولة الصالحيّة. وقد رسمنا بإعادته إلى ما كان عليه من القضاء. فخلع عليه الأمير سنجر الحلبيّ، وركب إلى المدرسة العادليّة بعد ما سلّم على الأوّل، فنزل بها وقت

стр. 374

الظهر. وباشر الحكم واستقرّ ساكنا بها، فعدّت هذه الواقعة من الفرج بعد الشدّة. ثمّ إنّه كتب إلى السلطان يدعو له فيه، ويعتذر ممّا رمي به. فورد الكتاب بقبول عذره وشكره. ولم يزل على قضاء دمشق إلى أن صرف عنها في ثاني عشرين المحرّم سنة تسع وسبعين وستّمائة بعزّ الدين محمّد بن الصائغ. واستمرّ مصروفا. وليس بيده سوى الأمينيّة، وبيد ابنه كمال الدين موسى تدريس النجيبيّة، إلى أن مات بدمشق في آخر يوم السبت سادس عشرين شهر رجب الفرد سنة إحدى وثمانين وستّمائة. وكان عالما، أديبا بارعا، مؤرّخا جامعا، له شعر فائق، ونثر رائق، وكان يحبّ الأدب وأهله. وله عدّة مصنّفات، منها: كتاب وفيات الأعيان، وقد بلغ من الشهرة مبلغا لا مزيد عليه. ويوجد منه ثلاث نسخ، كبرى ووسطى وصغرى. فالوسطى أكثر وجودا من الآخرين. وله تذكرة مفيدة جدا. وكان كثير المداراة، محبّا للرفق، طاهر المجلس، لا يغتاب أحدا ولا يمكّن غيره من الغيبة عنده، مع سماحة النفس وكرم الطباع. ويقال إنّه جمع شعره في ديوان [١٣٢ أ] [ومن شعره- البسيط]: كأنّني يوم بان الحيّ عن إضم ... والقلب من سطوات البين مذعور ورقاء ظلّت لفقد الحبّ نائحة ... تبكي عليه اشتياقا، وهو مأسور وقال [الكامل]: أحبابنا بالغور طال فراقكم ... وتنكّرت لمحبّكم أيّامه منّوا على جفن القريح بهجعة ... فعسى تميلكم له أحلامه وقال [الطويل]: أمثّلكم والبعد بيني وبينكم ... فخيّل لي أنّ الفؤاد لكم مغنى وناجاكم قلبي على بعد نأيكم ... فآنستم لفظا وأوحشتم معنى وكتب إلى السراج عمر بن محمد الورّاق (١) لغزا في دودة [الخفيف]: يا أديبا محزّرا ... للقوافي ورصفها قد رأيناك حاذقا ... في الأحاجي وكشفها قل لنا: ما ضعيفة ... قد تقوّت بضعفها كلّ حيّ وميّت ... مسّه فرط عسفها وإذا رمت وصفها ... بالأذى لم توفها أيّ شيء وصفتها ... كان من دون وصفها واسمها فيه نكتة ... لا يرى مثل لطفها عربيّ تخاله ال ... عجم يقرا بحرفها إن ترد حلّ رمزها ... نصفها خمس نصفها مفردات حروفها ... في مجاميع صحفها

стр. 375

فاكشفن ما سترته ... فهو في طيّ سجفها فأجابه السراج الورّاق: يا إماما غدت فضا ... ئله فوق وصفها وله فكرة أرى الس ... حر من دون لطفها قلت أحجيّة يحا ... ر الحجى دون كشفها في اسم أنثى ضئيلة ... صنفها غير صنفها لا تكاد الجيوش تز ... حف يوما كزحفها أنا أهوى من الصحا ... بة قوما كنصفها ومن الآل مثلها ... كلّها دون حذفها ذاك إن جاءت الأعا ... جم يوما بحرفها وإذا سطّرت حرو ... ف لها طيّ صحفها لاح ثان كصدغ من ... لا سبيل لعطفها وقال [] دو بيت: يا غصن نقا قوامه ميّاد ... أيّام رضاك كلّها أعياد ما أكتم حزني عند ما تهجرني ... إلّا حذرا أن يشمت الحسّاد [١٣٢ ب] ٥٩٩ - شهاب الدين الأذرعيّ [٦٨٦ - ٧٤١] (١) [١١٨ ب] أحمد بن محمد بن إبراهيم بن إبراهيم بن داود بن خازم، الأسديّ أسد خزيمة، الأذرعيّ، الحنفيّ، أبو العبّاس، شهاب الدين، ابن قاضي القضاة أبي عبد الله. مولده في سنة ستّ وثمانين وستّمائة. تفقّه على أبيه وجدّه إبراهيم بن إبراهيم. وتصدّر بالجامع الحاكميّ، وناب في الحكم، واقتنى كثيرا من الكتب. وتوفّي في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ٦٠٠ - شهاب الدين الروميّ [١١٨ ب] أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو العبّاس، شهاب الدين، الروميّ. قدم مصر، ودرّس بدمشق. ٦٠١ - العجيفيّ الطولونيّ [- ٢٨١] (٢) [١١٩ أ] أحمد بن محمّد بن الحكم العجيفيّ، أحد قوّاد خمارويه بن أحمد بن طولون. جعله على الشرط مكان موسى بن طونيق مستهلّ المحرّم سنة أربع وسبعين ومائتين. وصرفه بالحسن بن وصيف في تاسع شوّال سنة سبع وسبعين ومائتين. وكانت مدّة ولايته عليها ثلاث سنين وتسعة أشهر وتسعة أيّام. وتوفي للنصف من شوّال سنة إحدى وثمانين ومائتين. ٦٠٢ - بغا الأصغر [- ٢٥٥] (٣) [١١٩ أ] أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم

стр. 376

طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵇، الشريف أبو [ ... ]، المعروف ببغا الأصغر. خرج فيما بين الإسكندريّة وبرقة بموضع يقال له الكنائس، في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين. وسار في جمع كبير إلى الصعيد، فلقيه بهم بن الحسين وقاتله، فقتل. وحملت رأسه إلى الفسطاط في يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان من السنة المذكورة. ٦٠٣ - الأمير تاج الدولة ابن بختيار [- ٦٣٧] [١١٩ ب] أحمد بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن عمر بن بختيار، الأمير الكبير، زين الدين، تاج الدولة، أبو العبّاس، ابن الأمير فخر الدولة أبي عبد الله ابن الأمير بختيار السلار، الدمشقي [ ... ]. ومات بدمشق في شهر رجب سنة سبع وثلاثين وستّمائة. ومن شعره، قوله، وكتب به إلى أبيه وهو بديار مصر [الطويل]: حنين ومن شاق المشوق حنينه ... ودمع على الأطلال وطف هتونه ومن كان تذكار الأحبّة شأنه ... فمن شأنه أن تستهلّ شئونه خليليّ إن لا تعذراني على الهوى ... ولا تسعدا طرفي فمن لي يعينه؟ ركنتم إلى الواشي، وركن مودّتي ... هدمتم ولي قلب إليكم ركونه أحنّ إلى الوادي الذي تسكنونه ... حنين ألوف غاب عنه قرينه وأشتاقكم شوق العليل لبرئه ... وقد ملّه الآسي وطال أنينه ولولا رضاكم بالبعاد لزرتكم ... زيارة من دنياه أنتم ودينه وأرغمت أنف البين في جمع شملنا ... ولكنّ جهدي في رضاكم أعينه وقال [البسيط]: هذا وهم جيرة قد شفّك الكمد ... فكيف أنت ترى يا قلب إن بعدوا؟ هيهات تملك من بعد النوى جلدا ... وأنت قبل النوى قد عزّك الجلد فكن من الوجد إن قالوا: الرحيل غدا ... مستيقنا أنّ ترحال الحياة غد وكيف ترجو بقاء بعد بعدهم ... وقد تصدّت لك البلوى وهم صددوا؟ ٦٠٤ - شهاب الدين ابن الهائم [(٧٥٦) - ٨١٥] (١) [٤٣ أ] أحمد بن محمد بن عماد بن عليّ، الشيخ الإمام، شهاب الدين، أبو العبّاس، ابن الهائم، الفقيه الشافعيّ. ولد بالقاهرة، ونشأ بها، وبرع في الفقه وتقدّم على أقرانه في معرفة الفرائض وعلم الحساب. وأتقن العربيّة. وسار إلى القدس فسكنها سنين كثيرة وصار من عظماء الناس بها [١٣٣ أ] ودرّس وأفتى حتّى مات هناك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثمانمائة. وقد أناف على الستّين.

стр. 377

وله عدّة مصنّفات في الفقه والحساب. وتخرّج به كثير من الفضلاء. ٦٠٥ - ابن أبي الصقر [٣٩٦ - ٤٧٦] [٤٣ ب] أحمد بن محمد بن عبد الجبّار بن إسماعيل بن مفلح، أبو طاهر، ابن أبي الحسين، اللخميّ، المعروف بابن أبي الصقر، وهو كنية جدّ أبيه عبد الجبّار. ولد بالأنبار ونشأ بها. وسافر في طلب الحديث إلى الشام ومصر والحجاز. وسمع الكثير، وحصّل الكتب. وعاد إلى بلده وحدّث بالكثير. ومولده ليلة الأربعاء النصف من ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين وثلاثمائة. وتوفّي بالأنبار ليلة الأربعاء في جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين وأربعمائة. ومن شعره [مجزوء الوافر]: حلفت على الوداد [له] ... بربّ البيت والحرم لأنت أعزّ من بصري ... عليّ وكلّ ذي رحم فقال: لك الوفا أبدا ... ولو لم تأت بالقسم ٦٠٦ - نجم الدين القوصيّ [- ٧٣١] (١) [٤٣ ب] أحمد بن محمد بن يحيى، نجم الدين، ابن الجلال، وابن أمين الحكم، القوصيّ. سمع من محيي الدين أحمد [بن أبي عبد الله] ابن القرطبيّ. واشتغل بالفقه على نجم الدين الأصفوني (٢). وحكم بالمرج. ثمّ قدم إلى القاهرة، ومات بها في سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. ٦٠٧ - الصاحب زين الدين ابن حنّا [- ٧٠٤] (٣) [٤٤ أ] أحمد بن محمد بن عليّ بن محمد بن سليم، الصاحب زين الدين، أبو العبّاس، ابن الوزير الصاحب فخر الدين أبي عبد الله [محمّد]، ابن الوزير الصاحب الكبير بهاء الدين أبي الحسن [عليّ] ابن حنّا. ولد يوم [ ... ] وستّمائة. وتفقّه على مذهب الشافعيّ. وسمع من [ ... ]. وتوفّي يوم الأربعاء سابع صفر سنة أربع وسبعمائة. ودفن بالقرافة تحت رجلي الشيخ أبي [محمّد] عبد الله ابن أبي جمرة (٤). وكان فقيها فاضلا متديّنا محبّا للفقراء وأهل الخير، رئيسا محترما، صاحب حرمة وافرة ومهابة كبيرة. ٦٠٨ - تاج الدين ابن شجاع العبّاسيّ [٦٤٢ - ٧٢١] (٥) [٤٤ أ] أحمد بن محمّد بن علي بن شجاع بن سالم بن عليّ بن موسى بن حسّان بن طوق، تاج

стр. 378

الدين، أبو العبّاس، ابن محيي الدين، ابن الشيخ كمال الدين، القرشيّ، الهاشميّ، العبّاسيّ. ولد سنة اثنتين وأربعين وستّمائة. وحدّث عن جدّه الكمال الضرير، وابن رواحة، والسبط. وولي نظر الكرك. مات بمصر في سابع جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. ٦٠٩ - الفقيه ابن الرفعة [٦٤٥ - ٧١٠] (١) [٤٤ ب] أحمد بن محمد بن عليّ بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن عبّاس، الفقيه نجم الدين، أبو العبّاس، ابن الشيخ زين الدين أبي عبد الله، ابن الشيخ أبي الحسن، ابن الشيخ الرفعة، الشافعيّ. ولد في سنة خمس وأربعين وستّمائة بمصر. وأخذ الفقه عن السديد التزمنتيّ، والظهير [جعفر بن يحيى] التزمنتيّ (٢)، والضياء جعفر بن عبد الرحيم القنائي، وغيرهم. وسمع الحديث من محيى الدين عبد الرحيم [بن عبد المنعم] (٣) الدميريّ، وأبي الحسن عليّ بن نصر الله ابن الصوّاف. وبرع في الفقه حتّى صار إمام مصر وعالمها وفقيهها. وإذا أطلق «الفقيه» في زمانه، لا يراد به سواه، فإنّه كان يعرف بالفقيه ابن الرفعة. ودرّس بالمعزّيّة، وأفتى عدّة سنين. وكتب شرح التنبيه للشيخ أبي إسحاق [الشيرازيّ] في خمسة عشر مجلّدا. وشرح الوسيط أيضا، ولم يكمله، وهما شرحان يشهدان له بالتقدّم والإمامة في الفقه. وكتب كتابا سمّاه «النفائس في هدم الكنائس»، وكتابا في المكاييل والموازين. وولي حسبة مدينة مصر، والوجه القبليّ عوضا عن [ ... ] [١٣٣ ب] وناب في الحكم، ثمّ عزل نفسه. ومات ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب سنة عشر وسبعمائة ودفن بالقرافة. وكان حسن الشكل، مهيبا، فصيحا، ذكيّا، محسنا إلى طلبته، ويقضي حوائج من يقصده، ويجود بعلمه وماله وجاهه. وكانت له صدقات ومعروف، منها أنّه أنشأ سبيلا بمنزلة السويس من طريق الحجاز، وعمل له وقفا يقوم به في كلّ سنة حتّى يستمرّ الماء في المصانع. وكان له مال جزيل. سئل تقيّ الدين أحمد بن تيميّة عنه فقال: رأيت شيخا تتقاطر فروع الشافعيّة من لحيته. وكان تقيّ الدين عليّ السبكي يكثر الثناء عليه ويصفه بمعرفة فروع المذهب وإتقانها، ويقول إنّه أفقه من الروياني صاحب البحر (٤). وقال الشيخ جمال الدين الإسنويّ: ما أخرجت مصر بعد ابن الحدّاد أفقه منه.

стр. 379

٦١٠ - أبو عليّ الروذباريّ [- ٣٢٢] (١) [٤٥ أ] أحمد بن محمّد بن القاسم بن منصور بن شهريار، أبو عليّ، الروذباريّ، أحد مشايخ الصوفيّة. وقيل: اسمه الحسن بن همّام. والأوّل أصحّ. أصله من بغداد. وفي آبائه وزراء ورؤساء يتّصل نسبهم بكسرى أنوشروان. صحب في الطريقة أبا القاسم الجنيد. وأخذ الفقه عن أبي العبّاس أحمد بن سريج، والنحو عن ثعلب، والحديث عن إبراهيم الحربيّ، وكان يفتخر بمشايخه هؤلاء، وقدم مصر. ومات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وكان فقيها محدّثا. روى عن مسعود الرمليّ وغيره. وروى عنه محمد بن عبد الله بن شاذان الرازيّ وغيره. قال أبو عليّ الكاتب: ما رأيت أحدا أجمع لعلم الشريعة والحقيقة من الروذباريّ. وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ: أظرف المشايخ وأعلمهم بالطريقة. ومن كلامه الصوفيّ: من لبس الصوف على الصفا، وسلك طريق المصطفى، وأطعم الهوى طعم الجفا، كانت (٢) الدنيا منه على القفا. وقال: أنفع اليقين ما عظّم الحقّ في عينك، وصغّر ما دونه عندك، وأثبت الرجاء والخوف في قلبك. وسئل عمّن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال لأنّي قد وصلت إلى درجة لا يؤثّر فيّ اختلاف الأحوال- فقال: نعم، قد وصل، ولكن إلى سقر! وقال: السماع مكاشفة الأسرار إلى مشاهدة المحبوب. وقال: جزت بقصر، فرأيت شابّا حسن الوجه مطروحا، وحوله ناس. فسألت عنه فقالوا: إنّه جاز بهذا القصر، وجارية تغنّي [مجزوء الرمل]: كبرت همّة عبد ... طمعت في أن تراكا أوما حسب لعيني ... أن ترى من قد رآكا؟ وقالت فاطمة أخته: لمّا قرب أجل أخي أبي عليّ وكان رأسه في حجري، فتح عينيه وقال: هذه أبواب السماء فتحت، وهذه الجنان قد زيّنت، وهذا قائل يقول لي: يا أبا عليّ، قد بلّغناك الرتبة القصوى، وإن لم تردها- ثمّ أنشد [الوافر]: وحقّك لا نظرت إلى سواكا ... بعين مودّة حتّى أراكا أراك معذّبي بفتور لحظ ... وبالخدّ المورّد من جناكا ثمّ قال: يا فاطمة، الأوّل ظاهر، والثاني فيه إشكال. وقال: رأيت في البادية حدثا. فلمّا رآني قال: ما يكفيه (٣) أنّه شغفني بحبّه حتّى علّني؟ - ثمّ رأيته يجود بروحه. فقلت: قل: لا إله إلّا الله. فأنشأ يقول [مجزوء الهزج]:

стр. 380

أيا من ليس لي عنه ... وإن عذّبني بدّ [٤٥ ب] ويا من نال من قلبي ... منالا ما له حدّ وقال: من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك الإنابة والتوبة توهّما أنك تسامح في الهفوات، وترى أنّ ذلك من بسط الحقّ لك. وقال: المريد هو الذي لا يريد لنفسه إلّا ما أراد الله له. والمراد [١٣٤ أ] لا يريد من الكونين شيئا غيره. وقال: الصول على من دونك ضعف، وعلى من فوقك قحة. وقال: التوبة: الاعتراف والندم والإقلاع. وأنشد لنفسه [الكامل]: روحي إليك بكّلها قد أجمعت ... لو أنّ فيك هلاكها ما أقلعت تبكي عليك بكلّها عن كلّها ... حتى يقال: من البكاء تقطّعت فانظر إليها نظرة فلطالما ... متّعتها من نعمة فتمتّعت وقال: كيف تشهده الأشياء، وبه قتلت (١) ذواتها عن ذواتها؟ أم كيف غابت الأشياء عنه، وبه ظهرت بصفاتها؟ فسبحان من لا يشهده شيء ولا يغيب عنه شيء! . وقال: أظهر الحقّ الأسامي وأبداها للخلق ليسكن بها شوق المحبّين إليه، وتأمن بها قلوب العارفين به. وأنشد لنفسه [الكامل]: إنّ الحقيقة غير ما تتوهّم ... فانظر لحالك أيّ حال تعزم: أتكون في القوم الذين تأخّروا ... عن حقّهم، أو في الذين تقدّموا؟ لا تخدعن فتلوم نفسك حين لا ... يجدي عليك تأسّف وتندّم وله أيضا [البسيط]: لو كلّ جارحة منّى لها لغة ... تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زان شكري إذ أشرت به ... إليك أجمل في الإحسان والمنن وقال [البسيط]: ولو مضى الكلّ منّي لم يكن عجبا ... وإنّما عجبي للبعض كيف بقي أدرك بقيّة روح فيك قد تلفت ... قبل الفراق، فهذا آخر الرمق وقال: التفكّر على أوجه: فكرة في آيات الله وعلامتها تولّد المحبّة. وفكرة في وعد الله وعلامتها تولّد الرغبة. وفكرة في وعيده تعالى بالعذاب وعلامتها تولّد الرهبة. وفكرة في جفاء النفس مع إحسان الله وعلامتها تولّد الحياء من الله. وأنشد [الطويل]: فإن شئتم وصلي فذاك أريده ... وإن شئتم هجري فذلك أؤثر ألست أرى أهلا بحال تسرّكم ... بذلك أزهو ما حييت وأفخر ٦١١ - أحمد ابن الناصر ابن قلاوون [٧١٦ - ٧٤٥] (٢) [٤٦ أ] أحمد بن محمّد بن قلاوون، السلطان

стр. 381

الملك الناصر، شهاب الدين، ابن السلطان الملك الناصر ناصر الدين، ابن السلطان الملك المنصور. [نشأته بالكرك وبدء انحرافه]: أمّه أمّ ولد اسمها بياض (١). ولد في سنة ستّ عشرة وسبعمائة. فلمّا بلغ من العمر ثماني سنين، بعثه أبوه إلى الكرك في ليلة الجمعة سابع جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وسبعمائة، صحبة الأمير بهادر البدريّ نائب الكرك، ليربّيه ويمرّنه على الفروسيّة، [و] وجّه معه خزانة مال. فتوجّه به الأمير قجليس، والأمير طقتمر الخازن حتّى أنزلاه بقلعة الكرك. ووضعا المال في حاصلها (٢)، وعادا في ثاني جمادى الآخرة. ثمّ قدم أحمد من الكرك باستدعاء أبيه له، في يوم السبت سادس عشر شعبان سنة إحدى وثلاثين. فختن في ثامن عشره وأعيد إلى الكرك، ومعه الأمير ملكتمر السرجوانيّ (٣)، زوج أمّه بياض. فبلغ السلطان أنّه يعاشر أوباش الكركيّين، فطلبه في سنة ثمان وثلاثين، وقد تنكّر له، ولم يبعث أحدا لقدومه. فلمّا رآه أعجب بحسنه، ورقّ له عند ما قبّل له الأرض. فأغضى عنه وزوّجه بابنة الأمير ظهير بغا في العشرين من ربيع الأوّل منها. وأدخله عليها من غير أن يعمل المهمّ كما هي [١٣٤ ب] العادة. ثمّ أعاده إلى الكرك، ومعه قطلوبرس، من أمراء الطبلخاناه، فبلغه أنّ أحمد قد تولّع ببعض شباب الكركيّين، واستهتر في التهتّك به، وأسرف في العطاء له، وفي الانهماك معه في الخمر. فاستدعاه، فقدم في سنة تسع وثلاثين إلى قبّة النصر خارج القاهرة، ولم يبعث السلطان أحدا إلى لقائه، سوى بكتاش النقيب. فسار به من قبّة النصر إلى القلعة. فإذا طاجار الدوادار ينتظره بباب القلّة من القلعة فتسلّمه ووقف به بين يدي السلطان. فقبّل الأرض ووقف ساعة، ثمّ رسم له أن يتقدّم ويقبّل يده، وهو متغيّر عليه، ثمّ أمره بالمصير إلى الدور. وسلّم الشابّ الذي يهواه أحمد لآق بغا عبد الواحد حتى يستخلص منه ما وصل إليه وإلى أبيه من المال- واسمه الشهيب، وكان أبوه خيّاطا بالكرك- فلم يتمالك أحمد نفسه وبعث إلى كلّ من قوصون وبشتاك يعلمهما بأنّه متى حصل لهذا الصبيّ ضرر، قتلت نفسي. [غضب أبيه السلطان عليه]: فتلطّفا بالسلطان حتى رسم لآق بغا أن لا يعاقبه. فامتنع أحمد من الأكل والشرب والاجتماع بأحد حتى تغيّر بدنه ولزم الفراش. [٤٦ ب] فلم يجد السلطان بدّا من إرسال الصبيّ إليه. فأقبل عليهأحمد بكلّيّته، وجعل شغله كلّه به، حتّى بعث إليه السلطان مع الأمير بشتاك يعنّفه ويقبّح فعله ويهدّده بالقتل إن لم يترك الصبيّ، وأنّه يرسل إليه عوضه مائة مملوك. فلم يزده ذلك إلّا رغبة في الصبيّ. فلمّا أعياه أمره تركه وهواه. فاتّخذ الصبيّ حماما يلعب بها، فراهن بعض الخدّام في مسابقة حماميهما، فسبق حمام الطّواشيّ حمام الصبيّ، فسرّ الطواشيّ بذلك، وأولم لخشداشية الخدّام،

стр. 382

فشقّ ذلك على الصبيّ، فغضب أحمد لغضبه وضرب الخادم ضربا مبرّحا حتى أشفى على الموت. فقامت قيامة السلطان وبعث إليه الطنبغا الماردينيّ يأمره بإخراج الصبيّ من عنده، فلم يفعل. فبعث إليه قوصون وبشتاك، فأخبراه عن السلطان أنّه حلف: إنّك إن لم تخرج هذا الصبيّ من عندك وإلّا نفاك من مصر، وغير ذلك من التهديد. وتلطّفا به، وهو لا يصغي لعذلهما. فلمّا أكثرا عليه، قال: لا إله إلّا الله، كلّ أحد منكم يملك مائة مليح ومليحة، وأنا ولده، وقد خرجت من الدنيا بمحبّة هذا الشابّ، وقد تغرّب معي، وترك أباه وأهله، ما جزاؤه أن أطرده، والله لا فعلت هذا أبدا! وإن كان طرد، فأكون أنا وإيّاه حيث يرسم السلطان، أو يخرجه السلطان، وأنا أقتل نفسي بعده. فقاما عنه وعادا إلى السلطان وترفّقا به (١) لعلّه يتركه عنده، فتزايد غضبه وطلب ملكتمر السرجواني، زوج أمّ أحمد، و [ ... ] الداودي لالته، وأخرج أحمد معهما من وقته وساعته على البريد ليوصلاه إلى قلعة صرخد ويعودا. فارتجّت الدور بالبكاء والعويل. وأخرج السلطان خيل أحمد ونادى عليها وباعها. فما زال نساء السلطان به حتّى أعاده بعد ما تجاوز سرياقوس. ثمّ أخرجه مع السرجوانيّ إلى الكرك بعد قليل. فسار إليها في صفر سنة إحدى وأربعين. [تمرّده على قوصون بعد وفاة أبيه]: فمات الناصر. ثمّ خلع من بعده ابنه أبو بكر، وأقيم كجك. فورد كتاب السرجوانيّ على الأمير قوصون، وهو يومئذ صاحب تدبير الدولة، يكثر فيه من شكوى أحمد وانهماكه في اللهو. وسأل أن يعفى من نيابة الكرك. فكتب يطلب أحمد حتى ينفى كما نفي إخوته إلى قوص، وسار طوغاي الطبّاخيّ لإحضاره، فلم يجب. فكتب إليه [٤٧ أ] يغالطه ويعتذر بأنّه ما طلبه إلّا من شكوى السرجوانيّ منه، وبعث إليه هديّة. فكثرت قالة الكركيّين، وتجمّعوا خوفا على أحمد وعصبيّة له. فخرج السرجوانيّ وطوغاي من الكرك. وكتب أحمد لألطنبغا نائب الشام يشكو [١٣٥ أ] من قوصون. فبعث بكتابه إلى قوصون، فجرّد له الأمير قطلوبغا الفخريّ ومعه أربعة وعشرون أميرا. فاستعدّ أهل الكرك وجمعوا غلالهم ومواشيهم وحصّنوا بلدهم هذا، وقد تعصّب مماليك أحمد على الشهيب محبوبه وقتلوه لإهانته إيّاهم، وادّعوا أنّه كان يكاتب قوصون، فكاد يختلّ عقله أسفا عليه، ولم يجد بدّا من الإغضاء. وكتب إلى الأمير طشتمر نائب حلب يترامى عليه ويشكو من قوصون. فما زال طشتمر بقطلوبغا حتى مال إليه، وحلف له، وخاطبه بالسلطنة، ولقّبه بالملك الناصر، واستمال له أيضا الأمير طقزدمر نائب حماة. ثمّ توجّه إلى دمشق ومعه أقسنقر نائب غزّة، وصلم نائب صفد، فملكها له، وخطب له على منابرها. واستخدم العساكر، وجهّز شعار السلطنة. وقام أيضا الأمير آي دغمش وعامّة أمراء مصر على قوصون، وأخرجوه مقيّدا إلى الإسكندريّة، وبعثوا إلى الناصر أحمد يخبرو [ن] هـ بذلك، ويستحثّو [ن] هـ في سرعة القدوم. فقدم عليه بذلك الأمير جنكلي (٢) بن البابا، والأمير بيبرس الأحمديّ، والأمير قماري أمير شكار، وبعثوا إليه مع مماليكهم. فلم يمكّنهم من الاجتماع به. وبعث إلى الأمراء رجلا من نصارى الكرك فقال لهم: السلطان يقول لكم: إن

стр. 383

كان معكم كتب، فهاتوها، أو مشافهة فقولوها! فبهتوا لذلك. ولم يجدوا بدّا من تسليمهم الكتب إلى النصرانيّ. فغاب عنهم إلى آخر النهار، وأتاهم بكتاب مختوم، وقال لهم: السلطان يسلّم عليكم، ويقول لكم: كونوا مقيمين على غزّة حتّى يأذن لكم أو يحضر إليكم، وأن يقيم قماري على الصافية (١). [مبايعته بالسلطنة وهو بالكرك]: فساروا وقد ندموا على ما كان منهم، فأقاموا حيث أمروا. وكتبوا إلى آي دغمش بما جرى لهم، فكتم ذلك. وكتب إلى قطلوبغا الفخريّ يعرّفه بما اتّفق للأمراء مع الناصر، ويؤكّد عليه في سرعة حضوره بالسلطان. وبعث أحمد أيضا إلى قطلوبغا الفخريّ كتابا صحبة [٤٧ ب] رجل كركيّ يعلمه بقدوم الأمراء إليه وأنّه لم يجتمع بهم، وأنّه في انتظار قدوم الأمير طشتمر، يعني حمّص أخضر (٢)، نائب حلب، وكان قدم دمشق. فشقّ أيضا عليهما ورود كتابه على يدي كركيّ. وكتب إليه قطلوبغا يعلمه بوصول طشتمر إليه، ويستحثّه في المسير إلى دمشق، ليسير بالعساكر في خدمته حتى يجلس على تخت الملك وسرير السلطنة بقلعة الجبل على العادة. فأعاد الجواب بأن يلتقوه على غزّة. فخرجوا من دمشق على غاية الحنق لضياع تعبهم في تجهيز شعار السلطنة وتعبئة شارة الملك، حتّى قدموا غزّة في جمع كبير. فتلقّاهم الأمير جنكلي، ومن معه من الأمراء وأقاموا بها جميعا. وكتب الأمير قطلوبغا الفخري، والأمير طشتمر حمّص أخضر إلى الأمير آي دغمش أمير آخور بتحليف الأمراء والعسكر للسلطان الملك الناصر أحمد، فحلّفهم على العادة، وحملت نسخ الأيمان إلى الكرك، وكتب باستحثاثه على التوجّه، وأنّ العساكر على غزّة. وسار إليه الأمير قماري من غزّة، ويحيى بن ظهيربغا (٣)، بكتب الأمراء من مصر، فجرى على عادته وتركهما خارج مدينة الكرك يومين، وأخرج لهما في اليوم الثالث كاتبا نصرانيّا، ومعه أبو بكر البازدار، ويوسف بن البصارة- وكانوا أخصّ من عنده- ليأخذوا ما معهما من الكتب. فقال قماري: معنا مشافهة من الأمراء، ولا بدّ من حضورنا بين يديه. فقالوا: لا يمكن الاجتماع بالسلطان- وأخذوا الكتب، وأعادوا الجواب من الغد مختوما، وأعلموا يحيى بن ظهيربغا أن [١٣٥ ب] يتوجّه إلى الأمراء بغزّة، فتوجّها وفي أنفسهما (٤) ما لا يوجد فإذا في كتابه على الأمراء بغزّة أن يسيروا إلى مصر، وأنّه يسبقهم إليها بمفرده. فاشتدّ عليهم ذلك، وهمّوا بنقض ما أبرموه له. فما زال بهم طشتمر حتّى ساروا، وقد كتبوا إلى آي دغمش بما وقع لهم، وكان قد بعث ابنه بالخيول السلطانيّة إلى الكرك، فبعث أحمد من أخذها منه، وردّه من غير أن يجتمع به. فعند قدومه من الكرك، وصل أبو بكر البازدار ويوسف بن البصارة (٥) إلى آي دغمش يعلما [ن] هـ بركوب السلطان الهجن وتوجّهه على البرّيّة، وأنّه يقدم مساء أو صباحا. فشقّ عليه ذلك، وخلع عليهما هو والأمراء، وذلك يوم الاثنين خامس [٤٨ أ] عشرين رمضان سنة اثنتين وأربعين.

стр. 384

[قدومه إلى القاهرة وسوء معاملته للأمراء]: ثمّ وصل في ليلة الجمعة قاصد أخبر آي دغمش بوصول السلطان، وأمره بفتح باب السرّ، ففتحه وجلس عليه، ومعه الطنبغا الماردينيّ، وإذا بالسلطان قد أقبل في نحو عشرة من رجال الكرك، وعليه وعليهم ثياب العرب، وقد ضربوا لثامات. فدخل بجماعته من غير أن يقف، ولم يزد الأميرين على السلام (١)، فعادا عنه. واجتمع الأمراء بكرة يوم الجمعة، ودقّت البشائر، وزيّنت القاهرة ومصر. فاستدعى آي دغمش بمفرده، فدخل وقبّل له الأرض، فأجلسه وطيّب خاطره، وأعلمه أنّه لم يكن له غرض في السلطنة، وأنّه قنع بالكرك، وما جاء إلّا لأنّهم طلبوه. فقام وقبّل الأرض ثانيا، وقرّر معه ما أراد. وكتب للعسكر بقدوم السلطان. فلمّا كان يوم عيد الفطر، منع من عمل السماط، وأن لا يطلع الأمراء إليه، وخلا مع الكركيّين، بحيث إنّه كان إذا جاء إخوان سلار (٢) بالطعام، يقف على الباب، ويخرج إليه يوسف وأبو بكر حتى يتسلّماه منه. وقدم العسكر بلبيس، فخرج إليهم آي دغمش والأمراء. فقام قطلوبغا الفخري في إنكار أفعال الناصر أحمد، وأراد إقامة غيره في السلطنة. فما زال به طشتمر وغيره من الأمراء حتّى كفّ عن ذلك. وساروا إلى قلعة الجبل. فقدموا يوم الأحد عاشر شوّال، وركبوا يوم الاثنين الغد، وطلبوا الخليفة والقضاة، وألبسوا أحمد شعار السلطنة، وقبّلوا له الأرض. فوقف حتّى باس الأمراء يده وانصرفوا. فخلع عليهم جميعا في يوم الخميس ثالث عشره، وأنعم على الأمير طشتمر بعشرة آلاف دينار وعلى الأمير قطلوبغا الفخري بما حضر صحبته من الشام وهو أربعة آلاف دينار ومائة ألف درهم، فكان يوما مشهودا: فإنّه حضر فيه عساكر مصر والشام وقضاتهما. ثمّ إنّه أخرج قطلوبغا الفخريّ لنيابة الشام، وولّى طشتمر حمّص أخضر نيابة السلطنة بديار مصر. واختصّ بمن معه من الكركيّين وأفرط في الإنعام عليهم حتى خرج عن الحدّ. ثم تنكّر لطشتمر وقطلوبغا وقبض عليهما. [رجوعه إلى الكرك استخفافا بالسلطنة]: وخرج من قلعة الجبل يريد الكرك في يوم الأربعاء ثاني ذي الحجّة بعد ما ألبس ثمانية من المماليك الخلع وأنعم عليهم بالإمرتات، وخلع على الأمير أقسنقر السلاريّ، وقرّره نائب الغيبة. وسار إلى قبّة النصر خارج القاهرة. ثمّ وقف حتّى قبّل الأمراء يده ورجعوا [٤٨ ب] عنه. فنزل عن فرسه ولبس ثياب العرب وهي: كامليّة مفرّجة، وعمامة مدوّرة بلثامين. وركب وقد احتفّ به الكركيّون. وتوجّه الأمراء الذين معه، وهم: قماري أمير أخور، وملكتمر الحجازي، وأبو بكر بن أرغون النائب، ومعهم المماليك والطلب. وأخذ هو على البرّيّة فقدمها يوم الثلاثاء ثامنه، وكتب يعرّف الأمراء بذلك. فقدم كتابه يوم الخميس سابع عشره. ووصل الأمراء والطلب ظاهر الكرك، فلم يمكّن أحدا منهم أن يدخلها سوى علاء الدين عليّ بن فضل الله كاتب السرّ، وجمال الكفاة ناظر الخاصّ. وبعث إلى الطواشيّ عنبر السحرتيّ مقدّم المماليك أن يتوجّه بالطلب إلى بلد الخليل ﵇ [١٣٦ أ]، وأن يتوجّه قماري، وعمر ابن النائب والخليفة إلى القدس.

стр. 385

ثمّ نقل المقدّم عنبر ومن معه من المماليك إلى غزّة. فقدم عليه الأمير قطلوبغا (١) الفخريّ مقيّدا فسجنه مع طشتمر حمّص أخضر. وأخذ في تحصين الكرك. وقتل قطلوبغا وطشتمر فتنكّرت قلوبالأمراء له، وكتب إليه نائب الغيبة يخبره بفساد الأحوال بمصر ونفاق عربان الصعيد والخوف من قيام المماليك وعملهم فتنة، فلم يلتفت لذلك، وكتب إليه بأنّ المملكة لي أقيم حيث شئت، فاتّفق أمراء الشام ومصر على خلعه. [خلعه لسوء سيرته]: وخلعوه في يوم الأربعاء ثاني عشرين المحرّم سنة ثلاث وأربعين. فكانت مدّته ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما، منها إقامته بالكرك نحو أحد وخمسين يوما، وبقلعة الجبل شهرين وأيّاما. وكانت سيرته قبيحة، أنكر عليه فيها أشياء، منها أنّ رسله التي ترد على الأمراء إنّما هم أوباش أهل الكرك. ومنها سوء سيرة خاصّته من الكركيّين بمصر، وشرههم في أخذ البراطيل، وتحكّمهم على أهل الدولة. ومنها كثرة تحجّبه على الأمراء، بحيث لا يمكن [ل] أحد منهم أن يراه سوى يومي الاثنين والخميس بدار العدل فقط. ومع ذلك فإنّه ساق أغنام أبيه وأغنام قوصون- وعدّتها أربعة آلاف رأس- إلى الكرك، وساق الأبقار التي انتخبها أبوه عنده بالقلعة أيضا، وهي أربعمائة رأس. وحمل الطيور التي بالأحواش من القلعة على رءوس الحمّالين إلى الكرك، وأخذ جميع ذخائر السلطنة، وفعل أفعال المبرسمين (٢) ومن لا [٤٩ أ] عقل له. ولمّا استقرّت السلطنة لأخيه الصالح إسماعيل، كتب إليه على يد الأمير قبلاي بالسلام عليه والتودّد له، ويعلمه بأنّ الأمراء إنّما أقاموه في السلطنة لأنّها تعلم أنّ الأخ لا رغبة له في ملك مصر، وأنّه يحبّ بلاد الكرك، وأنّها بحكم الأخ وملكه. وطلب منه أن يبعث إليه القبّة والطير والغاشية والنمجاة. فلم يجب إلى ذلك (٣). [محاربة إسماعيل السلطان الجديد له]: فتوجّه في أوّل ربيع الآخر الأمير بيغرا، وصحبته عشرة من الأمراء الطبلخاناه لحصار الكرك. وكتب إلى أحمد بالإنكار عليه، وأنّه أخذ أموال المسلمين، ومال بيت المال، وأنّه إن لم يبعثه وإلّا هدمت الكرك عليه حجرا حجرا. وكتب بمسير عسكر الشام إليه. فتوافوا جميعا وحصروا المدينة وقاتلوا أهلها ودخلوا المدينة. فكتب أحمد إلى الأمراء بكفّهم عن قتاله، وأنّه يكتب إلى أخيه أن يبعث من يتسلّم منه القلعة، ويتوجّه بكفنه في عنقه إليه. فمشى ذلك عليهم ورجعوا عن قتاله. فاستعدّ عند ذلك لقتالهم. وبلغ ذلك أمراء مصر، فكتب بخروج ألفي فارس من الشام تقوية للعسكر على قتال أحمد. وكثرت الوقائع بينهم وبينه إلى أن أعياهم الأمر ورحلوا عنه. وقدم بيغرا بمن معه إلى القاهرة في سادس عشر رجب. وجرّد إليه الأمير بيبرس الأحمديّ، والأمير كوكاي في ألفّي فارس، فسارا في عاشر شعبان، ونزلوا على الكرك، ونصبوا عليها المنجنيق فهدم مواضع. وخرجت تجريدة أخرى في سابع محرّم سنة أربع وأربعين صحبة الأمير أصلم، ثمّ خرج الأمير جنكلي بن البابا، والأمير أقسنقر الناصريّ

стр. 386

بتجريدة رابعة على عسكر، فجدّوا في حصار أحمد، وخرّبوا ما حول المدينة، ووالوا الزحف، فكثرت الوقائع بينهم وبين أهل الكرك، وقتل جماعة. فأخرجت تجريدة خامسة ثم تجريدة سادسة. فورد كتاب أحمد في شعبان يترقّق فيه ليخادع بذلك، فبعث نوّاب الشام بكتبه إليهم بذلك. فتوجّه إليه طشتمر طللية لكشف أمره، وعلى يده كتاب السلطان بأن يبعث الأموال [١٣٦ أ] والخيول وغيرها، وخوّف فيه وأوعد بكلّ مكروه. فأرسل أحمد من أخذ منه الكتاب، ولم يجتمع به، وأجاب بما لا طائل فيه. فخرجت إليه تجريدة سابعة من مصر والشام، وصحبوا معهم المنجنيق وعدّة زحّافات، وأنفق فيهم مال كثير. فنزلوا على الكرك في ستّة آلاف فارس وألفي راجل، وجدّوا في حصارها. [اقتحام حصن الكرك ونهاية الناصر أحمد]: ثمّ أخرجت تجريدة ثامنة فدخلوا إلى [٤٩ ب] الكرك في آخر ذي الحجّة. وجدّوا في قتال أحمد وهو بالقلعة، وأمره ينحلّ حتى بقي معه عشرة أنفس. وجرح في ثلاثة مواضع، ونقبت القلعة، وعلّق (١) برجها وأضرم فيه النار حتى سقط. فهجم العسكر على أحمد وأخذوه في يوم الاثنين ثاني عشرين صفر، وعليه زرديّة، ومعه سيفه، ودمه يسيل من كتفه. فتقدّم إليه الأمير أرقطاي، والأمير قماري، ومن معهما ومشوا به إلى موضع وقيّدوه ووكّلوا به جماعة. وكتب بذلك إلى السلطان. فتوجّه منجك [السلاح دار] إليه وخنقه في ليلة الرابع من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وحمل رأسه إلى أخيه الصالح. فكانت مدّة حصاره سنتين وشهرا وثمانية أيّام، أتلف فيها أحمد ممّا كان حمله من مصر نقدا وحليا ما ينيف على ألفي ألف دينار. وكان أحسن إخوته شكلا ووجها، وأقواهم قلبا وأشجعهم، إلّا أنّه كان سيّئ التدبير، مشئوم الحركات، قتل على يديه وبسببه خلق كثير وذهبت بسببه في التجاريد أموال لا تحصر، خصّ من ذلك الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا بمفرده مبلغ ألف ألف وأربعمائة ألف درهم وهو واحد من جماعات. ولقد صدقت فيه فراسة أبيه: فإنّه قال للأمراء عند ما احتضر للوفاة: أنا أعرف أنّ أولادي ما فيهم من يصلح. فإن صلح أحد منهم [ف] خلّوه. ومن لم يصلح منهم [ف] جرّوه برجله وارموه. وأمّا أحمد الذي بالكرك، فلا تدعوه يعبر مصر ولا تولّوه شيئا، فيكون سببا لخراب المملكة. وكذا كان: فإنّ إقليم مصر وأرض الشام من وقت فتنته انعكست أحوالهما وخربت. ٦١٢ - ضياء الدين المالقيّ [٦٢٥ - ٦٦٢] [٥٠ أ] أحمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن منذر، أبو جعفر، ضياء الدين، القيسيّ، الأندلسيّ. ولد في تاسع عشر المحرّم سنة خمس وعشرين وستّمائة بمالقة. وتوفّي بمصر يوم الخميس ثامن شعبان سنة اثنتين وستّين وستّمائة. ومن شعره [البسيط]: قالوا لقيت كبار الناس قلت لهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل قوم إذا احتجبوا لم يأذنوا وإذا ... منّوا بإذن فلا بشر ولا أمل

стр. 387

وإن بدا البشر والتأميل في عدة ... فلا وفاء، وإن أوفوا به مطلوا واستخلصت حشفا من سوء كيلتها ... وكان آخر عهدي بالذي بذلوا (١) وقوله [الطويل]: ومن نكد الدنيا على الحرّ حاسد ... يكيد، وينوي جاهدا أن تناوئه يرى أنّه ما إن تعدّ ولا ترى ... مساويه حتى تعدّ مساوئه (٢) فلا تعجبن ممّن عوى خلف ذي علا ... لكلّ عليّ في الأنام معاويه (٣) ٦١٣ - أبو العبّاس ابن الصابونيّ [٥٦٩ - ٦٣١] (٤) [٥٠ ب] أحمد بن محمد بن محمود بن أحمد بن علي بن أحمد بن عثمان بن موسى، أبو العبّاس، ابن موفّق الدين أبي عبد الله، ابن الشيخ أبي الفتح، المحموديّ، الصابونيّ، الشافعيّ. مولده في سنة تسع وستّين وخمسمائة. سمع من السلفيّ بالإسكندريّة. وسمع ببغداد من أبي الفتح عبيد الله بن [١٣٧ أ] عبد الله بن شاتيل (٥). وحدّث بدمشق ومصر. توفّي بمصر في ثالث شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ودفن إلى جانب جدّه بسفح المقطّم. ٦١٤ - ابن ظهير الدين الأنصاريّ [نحو ٦٦٠ - ٧٤٩] (٦) [٥٠ ب] أحمد بن محمد بن قيس الأنصاريّ، شهاب الدين، أبو العبّاس، ابن مجد الدين. ولد في حدود الستّين. وتفقّه على الظّهير التزمنتي وغيره. وسمع من ابن خطيب المزّة وغيره. وحدّث ومهر في الفقه، حتّى صار شيخ الشافعيّة في زمانه. ودرّس بالمشهد الحسينيّ، وحدّث بمصر والإسكندريّة. ومات يوم عبد النحر سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ٦١٥ - ابن البقّيّ الزنديق [(٦٦٠) - ٧٠١] (٧) أحمد بن محمّد- وسمّاه القطب الحلبيّ: محمد بن محمد، والأكثر أنّه أحمد بن محمّد- البقّيّ الحمويّ، فتح الدين. [انحرافه مع سعة علمه]: حفظ عدّة كتب في الفقه، والكلام، والأدب، وغير ذلك، حتّى برع في عدّة علوم بجودة ذهنه وذكائه بحيث إنّه ناظر الأكابر وقطعهم، إلّا أنّه

стр. 388

بدت منه هنات تقتضي الاستخفاف بما يجب تعظيمه. فثار عليه جماعة وأظهروا محضرا مؤرّخا في سنة ستّ وثمانين وستّمائة، يتضمّن عظائم من انتقاص الشريعة، والاستخفاف بالقرآن، وتحليل المحرّمات، واقتراح (١) الشرائع. وأثبتوه على قاضي القضاة زين الدين بن عليّ بن مخلوف المالكيّ. وشهد عليه أيضا بأنّه قال: لو كان لصاحب مقامات الحريريّ حظّ لتليت المقامات في المحاريب. وأنّه كان يفطر في نهار شهر رمضان من غير عذر، وينكر على من يصوم، وأنّه يضع الربعة (٢) المكتتب فيها القرآن الكريم تحت رجليه ويقف فوقها ويتناول حاجته، وأنّه إذا أنكر عليه ذلك قال: أنتم حمير. [قيام القاضي المالكيّ عليه]: فسجن أيّاما، ثمّ أتى به إلى تحت شبّاك دار الحديث الكامليّة بين القصرين، وقد اجتمع القضاة بالشبّاك، فأثبت القاضي المالكيّ أنّه زنديق وحكمبقتله. فأخذ يصيح ويقول: يا مسلمين، أنا كنت كافرا وأسلمت! أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّدا رسول الله. فلم يقبل القاضي المالكيّ إسلامه وقال: أنا حكمت بقتلك. فقال: أتقتلون رجلا يقول: ربي الله! فقال المالكي: يا سيّاف، اضرب عنقه! فضربت عنقه في يوم الاثنين رابع عشرين ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعمائة ثلاث ضربات. وكان في سنّ الكهولة. وقال الصلاح الصفديّ: أخبرني جماعة بالقاهرة عن ابن المحفّدار (٣) أنّه قال له يوما: كأنّي بك وقد ضربت رقبتك بين القصرين، وقد بقي رأسك معلّقا بجلده. فكان الأمر كما قال. وقال فيه ابن دانيال [السريع]: لا سلم البقّيّ في فعله ... أن زاغ تضليلا عن الحق لو هذّب الناموس أخلاقه ... ما كان منسوبا إلى البقّ وحكى الفتح محمد ابن سيّد الناس أنّه كان عند قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن دقيق العيد، فدخل ابن البقّيّ عليه، وسأله مسألة فلم يجبه عنها. فولّى البقّي وهو ينشد [الكامل]: وقف الهوى [بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم] (٤) وكرّر ذلك-[يعني أنّ القاضي انقطع]. فقال ابن دقيق العيد: عقبى هذا الرجل إلى التلف- فقتل بعد أحد وعشرين يوما. وكان فيه جرأة وإقدام، فكان إذا هدّد بقاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ يسبّه ويقع فيه، [٩ أ] فيبلغه الناس عنه ما يقوله فيه، إلى أن رفع عليه أنّه كفر فطلبه طلبا عنيفا. وادّعى عليه شخص بما نسب إليه فأنكر ذلك فأقيمت البيّنة عليه وأخذ للسجن، وسجّل عليه في محضر، وحمل إلى قاضي القضاة تقيّ الدين ابن دقيق العيد لينفّذ حكم المالكيّ فقال: لا أحكم بقتل رجل [١٣٧ ب] يشهد بأن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول

стр. 389

الله- وألقى الأسجال من يده. فقام الأمير ناصر الدين الشيخيّ وغيره مع ابن البققيّ، رجاء أن يستتاب ويفرج عنه، وكتبوا محضرا بأنّه مجنون. وشهد فيه جماعة وأرادوا إثبات ذلك على ابن دقيق العيد، فقال: من يجعل المولى فتح الدين مجنونا؟ ما نعرف فتح الدين إلّا رجلا عاقلا- ولم يثبت ما قصدوه. فأحبّ غرماء البققي تعجيل قتله، وحملوا الشهاب الأعزازيّ الشاعر حتّى كتب للمالكيّ [السريع]: قل للإمام المالكيّ الرضيّ ... وكاشف المشكل [و] المبهم لا تمهل الكافر واعمل بما ... قد جاء في الكافر عن مسلم فلمّا وقف عليهما تبسّم وقال: شاعر ومكاشف! هكذا عزمنا إن شاء الله. [تحرّي الناصر ابن قلاوون أيضا في شأنه]: وكتب ابن البققيّ- وهو في السجن- إلى المالكيّ [الكامل]: يا من يخادعني بأسهم مكره ... بسلاسة نعمت كلمس الأرقم اعتدّ لي زردا تضايق نسجه ... وعليّ فكّ عيونها بالأسهم فلمّا وقف عليها قال: نرجو أنّ الله لا يمهله لذلك- ثمّ نهض وشاور السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في قتل البققيّ، وكان قد بلغه خبره، فأشار أن يتمهّل في أمره. فانزعج المالكيّ وقال: قد ثبت عندي كفره وزندقته، ووجب عندي إراقة دمه. فلمّا رأى السلطان تصميمه قال: إن كان لا بدّ من قتله، فليعقد له مجلس بحضرة الحكّام، فإن وجب عليه أمر شرعيّ [ف] افعلوه. وبعث معه ناصر الدين الشيخيّ وأحد الحجّاب، وأحضر القضاة. فوافق قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجيّ الحنفيّ على قتله وقال: اقتلوا هذا الكافر، ودمه في عنقي. ومن شعره [الطويل]: جبلت على حبّي لها وألفته ... ولا بدّ أن ألقى به الله معلنا ولم يخل قلبي من هواها بقدر ما ... أقول: «وقلبي خاليا فتمكّنا» يشير إلى قول [ ... ] (١): أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا ولمّا نظم ابن دقيق العيد الأبيات التي هي [البسيط]: أهل المراتب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل مرذولون بينهم فما لهم في توقّي ضرّنا نظر ... ولا لهم في ترقّي قدرنا همم [٩ ب] قد أنزلونا لأنّا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم ... مقدارهم عندنا أو لو دروه هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى ... وعندنا المتعبان: العلم والعدم قال يعارضه: أين المراتب في الدنيا ورفعتها ... من الذي حاز علما ليس عندهم

стр. 390

لا شكّ أنّ لنا قدرا رأوه وما ... لمثلهم عندنا قدر ولا لهم هم الوحوش ونحن الإنس حكمتنا ... تقودهم حيثما شئنا وهم نعم وليس شيء سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم لأنّهم وجدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم ... وفيهم المتعبان: الجهل والحشم وقال [الطويل]: تعوّضت عن شرب الحميّا بريقه ... فلمّا التحى قد صار قلبي يجانبه وكنت أرى ذاك الشراب بعينه ... حراما إلى أن حرّم الشرب شاربه وقال [١٣٨ أ] [الوافر]: لحا الله الحشيش وآكليها ... لقد خبثت كما طاب السّلاف كما يصبي كذا تضني وتشقي ... كما يشفي وغايتها الحراف وأصغر دائها والداء جمّ ... بغاء أو جنون أو نشاف (١) وقال [السريع]: الحر للجحر (٢) غدا ... معاندا من قدم أما تراه باكيا ... في كلّ شهر بدم؟ ٦١٦ - الحافظ ابن رميح النسويّ [- ٣٥٧] (٣) أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع، أبو سعيد، النخعيّ، النسويّ، الحافظ. ولد بالشرمقان (٤). ونشأ بمرو. ورحل إلى خراسان وبغداد. ودخل إلى الشام ومصر واليمن. وسمع محمّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السرّاج، ومحمّد بن محمّد الباغنديّ، وزكريا بن يحيى الساجيّ، وعبدان الأهوازيّ، ومحمّد بن زبّان المصريّ، في آخرين. روى عنه أبو الحسن الدارقطنيّ، وأبو حفص ابن شاهين، والحاكم أبو عبد الله، وجماعة. قال الخطيب: حدّثنا أبو بكر البرقاني قال: قال لي أبو الفتح محمد بن الفوارس: كان أحمد بن محمد بن رميح النسويّ ثقة في الحديث. وذكر عن أبي سعد الإدريسيّ قال: لم أرزق السماع منه. ذكر لي أصحابنا حفظه وتيقّظه ومعرفته بالحديث. وقال البيهقيّ عن الحاكم: أحمد بن محمد بن رميح الحافظ الثقة المأمون. قبله الناس وأكثروا السماع منه، وصنّف وجمع وذاكر. وقال الخطيب: سمع العلم بخراسان وغيرها. وكتب الكثير، وصنّف، وجمع، وذاكر العلماء. وكان معدودا في حفّاظ الحديث، وقدم بغداد وحدّث بها. وكان قد أقام بصعدة من بلاد اليمن زمنا طويلا، ثمّ ورد بغداد في حدود سنة خمسين
следующие страницы →