← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بتجريدة رابعة على عسكر، فجدّوا في حصار أحمد، وخرّبوا ما حول المدينة، ووالوا الزحف، فكثرت الوقائع بينهم وبين أهل الكرك، وقتل جماعة. فأخرجت تجريدة خامسة ثم تجريدة سادسة. فورد كتاب أحمد في شعبان يترقّق فيه ليخادع بذلك، فبعث نوّاب الشام بكتبه إليهم بذلك. فتوجّه إليه طشتمر طللية لكشف أمره، وعلى يده كتاب السلطان بأن يبعث الأموال [١٣٦ أ] والخيول وغيرها، وخوّف فيه وأوعد بكلّ مكروه. فأرسل أحمد من أخذ منه الكتاب، ولم يجتمع به، وأجاب بما لا طائل فيه. فخرجت إليه تجريدة سابعة من مصر والشام، وصحبوا معهم المنجنيق وعدّة زحّافات، وأنفق فيهم مال كثير. فنزلوا على الكرك في ستّة آلاف فارس وألفي راجل، وجدّوا في حصارها. [اقتحام حصن الكرك ونهاية الناصر أحمد]: ثمّ أخرجت تجريدة ثامنة فدخلوا إلى [٤٩ ب] الكرك في آخر ذي الحجّة. وجدّوا في قتال أحمد وهو بالقلعة، وأمره ينحلّ حتى بقي معه عشرة أنفس. وجرح في ثلاثة مواضع، ونقبت القلعة، وعلّق (١) برجها وأضرم فيه النار حتى سقط. فهجم العسكر على أحمد وأخذوه في يوم الاثنين ثاني عشرين صفر، وعليه زرديّة، ومعه سيفه، ودمه يسيل من كتفه. فتقدّم إليه الأمير أرقطاي، والأمير قماري، ومن معهما ومشوا به إلى موضع وقيّدوه ووكّلوا به جماعة. وكتب بذلك إلى السلطان. فتوجّه منجك [السلاح دار] إليه وخنقه في ليلة الرابع من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وحمل رأسه إلى أخيه الصالح. فكانت مدّة حصاره سنتين وشهرا وثمانية أيّام، أتلف فيها أحمد ممّا كان حمله من مصر نقدا وحليا ما ينيف على ألفي ألف دينار. وكان أحسن إخوته شكلا ووجها، وأقواهم قلبا وأشجعهم، إلّا أنّه كان سيّئ التدبير، مشئوم الحركات، قتل على يديه وبسببه خلق كثير وذهبت بسببه في التجاريد أموال لا تحصر، خصّ من ذلك الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا بمفرده مبلغ ألف ألف وأربعمائة ألف درهم وهو واحد من جماعات. ولقد صدقت فيه فراسة أبيه: فإنّه قال للأمراء عند ما احتضر للوفاة: أنا أعرف أنّ أولادي ما فيهم من يصلح. فإن صلح أحد منهم [ف] خلّوه. ومن لم يصلح منهم [ف] جرّوه برجله وارموه. وأمّا أحمد الذي بالكرك، فلا تدعوه يعبر مصر ولا تولّوه شيئا، فيكون سببا لخراب المملكة. وكذا كان: فإنّ إقليم مصر وأرض الشام من وقت فتنته انعكست أحوالهما وخربت. ٦١٢ - ضياء الدين المالقيّ [٦٢٥ - ٦٦٢] [٥٠ أ] أحمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن منذر، أبو جعفر، ضياء الدين، القيسيّ، الأندلسيّ. ولد في تاسع عشر المحرّم سنة خمس وعشرين وستّمائة بمالقة. وتوفّي بمصر يوم الخميس ثامن شعبان سنة اثنتين وستّين وستّمائة. ومن شعره [البسيط]: قالوا لقيت كبار الناس قلت لهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل قوم إذا احتجبوا لم يأذنوا وإذا ... منّوا بإذن فلا بشر ولا أمل

стр. 387

وإن بدا البشر والتأميل في عدة ... فلا وفاء، وإن أوفوا به مطلوا واستخلصت حشفا من سوء كيلتها ... وكان آخر عهدي بالذي بذلوا (١) وقوله [الطويل]: ومن نكد الدنيا على الحرّ حاسد ... يكيد، وينوي جاهدا أن تناوئه يرى أنّه ما إن تعدّ ولا ترى ... مساويه حتى تعدّ مساوئه (٢) فلا تعجبن ممّن عوى خلف ذي علا ... لكلّ عليّ في الأنام معاويه (٣) ٦١٣ - أبو العبّاس ابن الصابونيّ [٥٦٩ - ٦٣١] (٤) [٥٠ ب] أحمد بن محمد بن محمود بن أحمد بن علي بن أحمد بن عثمان بن موسى، أبو العبّاس، ابن موفّق الدين أبي عبد الله، ابن الشيخ أبي الفتح، المحموديّ، الصابونيّ، الشافعيّ. مولده في سنة تسع وستّين وخمسمائة. سمع من السلفيّ بالإسكندريّة. وسمع ببغداد من أبي الفتح عبيد الله بن [١٣٧ أ] عبد الله بن شاتيل (٥). وحدّث بدمشق ومصر. توفّي بمصر في ثالث شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وستّمائة. ودفن إلى جانب جدّه بسفح المقطّم. ٦١٤ - ابن ظهير الدين الأنصاريّ [نحو ٦٦٠ - ٧٤٩] (٦) [٥٠ ب] أحمد بن محمد بن قيس الأنصاريّ، شهاب الدين، أبو العبّاس، ابن مجد الدين. ولد في حدود الستّين. وتفقّه على الظّهير التزمنتي وغيره. وسمع من ابن خطيب المزّة وغيره. وحدّث ومهر في الفقه، حتّى صار شيخ الشافعيّة في زمانه. ودرّس بالمشهد الحسينيّ، وحدّث بمصر والإسكندريّة. ومات يوم عبد النحر سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ٦١٥ - ابن البقّيّ الزنديق [(٦٦٠) - ٧٠١] (٧) أحمد بن محمّد- وسمّاه القطب الحلبيّ: محمد بن محمد، والأكثر أنّه أحمد بن محمّد- البقّيّ الحمويّ، فتح الدين. [انحرافه مع سعة علمه]: حفظ عدّة كتب في الفقه، والكلام، والأدب، وغير ذلك، حتّى برع في عدّة علوم بجودة ذهنه وذكائه بحيث إنّه ناظر الأكابر وقطعهم، إلّا أنّه

стр. 388

بدت منه هنات تقتضي الاستخفاف بما يجب تعظيمه. فثار عليه جماعة وأظهروا محضرا مؤرّخا في سنة ستّ وثمانين وستّمائة، يتضمّن عظائم من انتقاص الشريعة، والاستخفاف بالقرآن، وتحليل المحرّمات، واقتراح (١) الشرائع. وأثبتوه على قاضي القضاة زين الدين بن عليّ بن مخلوف المالكيّ. وشهد عليه أيضا بأنّه قال: لو كان لصاحب مقامات الحريريّ حظّ لتليت المقامات في المحاريب. وأنّه كان يفطر في نهار شهر رمضان من غير عذر، وينكر على من يصوم، وأنّه يضع الربعة (٢) المكتتب فيها القرآن الكريم تحت رجليه ويقف فوقها ويتناول حاجته، وأنّه إذا أنكر عليه ذلك قال: أنتم حمير. [قيام القاضي المالكيّ عليه]: فسجن أيّاما، ثمّ أتى به إلى تحت شبّاك دار الحديث الكامليّة بين القصرين، وقد اجتمع القضاة بالشبّاك، فأثبت القاضي المالكيّ أنّه زنديق وحكمبقتله. فأخذ يصيح ويقول: يا مسلمين، أنا كنت كافرا وأسلمت! أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمّدا رسول الله. فلم يقبل القاضي المالكيّ إسلامه وقال: أنا حكمت بقتلك. فقال: أتقتلون رجلا يقول: ربي الله! فقال المالكي: يا سيّاف، اضرب عنقه! فضربت عنقه في يوم الاثنين رابع عشرين ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعمائة ثلاث ضربات. وكان في سنّ الكهولة. وقال الصلاح الصفديّ: أخبرني جماعة بالقاهرة عن ابن المحفّدار (٣) أنّه قال له يوما: كأنّي بك وقد ضربت رقبتك بين القصرين، وقد بقي رأسك معلّقا بجلده. فكان الأمر كما قال. وقال فيه ابن دانيال [السريع]: لا سلم البقّيّ في فعله ... أن زاغ تضليلا عن الحق لو هذّب الناموس أخلاقه ... ما كان منسوبا إلى البقّ وحكى الفتح محمد ابن سيّد الناس أنّه كان عند قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن دقيق العيد، فدخل ابن البقّيّ عليه، وسأله مسألة فلم يجبه عنها. فولّى البقّي وهو ينشد [الكامل]: وقف الهوى [بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متقدّم] (٤) وكرّر ذلك-[يعني أنّ القاضي انقطع]. فقال ابن دقيق العيد: عقبى هذا الرجل إلى التلف- فقتل بعد أحد وعشرين يوما. وكان فيه جرأة وإقدام، فكان إذا هدّد بقاضي القضاة زين الدين عليّ بن مخلوف المالكيّ يسبّه ويقع فيه، [٩ أ] فيبلغه الناس عنه ما يقوله فيه، إلى أن رفع عليه أنّه كفر فطلبه طلبا عنيفا. وادّعى عليه شخص بما نسب إليه فأنكر ذلك فأقيمت البيّنة عليه وأخذ للسجن، وسجّل عليه في محضر، وحمل إلى قاضي القضاة تقيّ الدين ابن دقيق العيد لينفّذ حكم المالكيّ فقال: لا أحكم بقتل رجل [١٣٧ ب] يشهد بأن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول

стр. 389

الله- وألقى الأسجال من يده. فقام الأمير ناصر الدين الشيخيّ وغيره مع ابن البققيّ، رجاء أن يستتاب ويفرج عنه، وكتبوا محضرا بأنّه مجنون. وشهد فيه جماعة وأرادوا إثبات ذلك على ابن دقيق العيد، فقال: من يجعل المولى فتح الدين مجنونا؟ ما نعرف فتح الدين إلّا رجلا عاقلا- ولم يثبت ما قصدوه. فأحبّ غرماء البققي تعجيل قتله، وحملوا الشهاب الأعزازيّ الشاعر حتّى كتب للمالكيّ [السريع]: قل للإمام المالكيّ الرضيّ ... وكاشف المشكل [و] المبهم لا تمهل الكافر واعمل بما ... قد جاء في الكافر عن مسلم فلمّا وقف عليهما تبسّم وقال: شاعر ومكاشف! هكذا عزمنا إن شاء الله. [تحرّي الناصر ابن قلاوون أيضا في شأنه]: وكتب ابن البققيّ- وهو في السجن- إلى المالكيّ [الكامل]: يا من يخادعني بأسهم مكره ... بسلاسة نعمت كلمس الأرقم اعتدّ لي زردا تضايق نسجه ... وعليّ فكّ عيونها بالأسهم فلمّا وقف عليها قال: نرجو أنّ الله لا يمهله لذلك- ثمّ نهض وشاور السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في قتل البققيّ، وكان قد بلغه خبره، فأشار أن يتمهّل في أمره. فانزعج المالكيّ وقال: قد ثبت عندي كفره وزندقته، ووجب عندي إراقة دمه. فلمّا رأى السلطان تصميمه قال: إن كان لا بدّ من قتله، فليعقد له مجلس بحضرة الحكّام، فإن وجب عليه أمر شرعيّ [ف] افعلوه. وبعث معه ناصر الدين الشيخيّ وأحد الحجّاب، وأحضر القضاة. فوافق قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجيّ الحنفيّ على قتله وقال: اقتلوا هذا الكافر، ودمه في عنقي. ومن شعره [الطويل]: جبلت على حبّي لها وألفته ... ولا بدّ أن ألقى به الله معلنا ولم يخل قلبي من هواها بقدر ما ... أقول: «وقلبي خاليا فتمكّنا» يشير إلى قول [ ... ] (١): أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا ولمّا نظم ابن دقيق العيد الأبيات التي هي [البسيط]: أهل المراتب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل مرذولون بينهم فما لهم في توقّي ضرّنا نظر ... ولا لهم في ترقّي قدرنا همم [٩ ب] قد أنزلونا لأنّا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم ... مقدارهم عندنا أو لو دروه هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى ... وعندنا المتعبان: العلم والعدم قال يعارضه: أين المراتب في الدنيا ورفعتها ... من الذي حاز علما ليس عندهم

стр. 390

لا شكّ أنّ لنا قدرا رأوه وما ... لمثلهم عندنا قدر ولا لهم هم الوحوش ونحن الإنس حكمتنا ... تقودهم حيثما شئنا وهم نعم وليس شيء سوى الإهمال يقطعنا ... عنهم لأنّهم وجدانهم عدم لنا المريحان من علم ومن عدم ... وفيهم المتعبان: الجهل والحشم وقال [الطويل]: تعوّضت عن شرب الحميّا بريقه ... فلمّا التحى قد صار قلبي يجانبه وكنت أرى ذاك الشراب بعينه ... حراما إلى أن حرّم الشرب شاربه وقال [١٣٨ أ] [الوافر]: لحا الله الحشيش وآكليها ... لقد خبثت كما طاب السّلاف كما يصبي كذا تضني وتشقي ... كما يشفي وغايتها الحراف وأصغر دائها والداء جمّ ... بغاء أو جنون أو نشاف (١) وقال [السريع]: الحر للجحر (٢) غدا ... معاندا من قدم أما تراه باكيا ... في كلّ شهر بدم؟ ٦١٦ - الحافظ ابن رميح النسويّ [- ٣٥٧] (٣) أحمد بن محمد بن رميح بن وكيع، أبو سعيد، النخعيّ، النسويّ، الحافظ. ولد بالشرمقان (٤). ونشأ بمرو. ورحل إلى خراسان وبغداد. ودخل إلى الشام ومصر واليمن. وسمع محمّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق السرّاج، ومحمّد بن محمّد الباغنديّ، وزكريا بن يحيى الساجيّ، وعبدان الأهوازيّ، ومحمّد بن زبّان المصريّ، في آخرين. روى عنه أبو الحسن الدارقطنيّ، وأبو حفص ابن شاهين، والحاكم أبو عبد الله، وجماعة. قال الخطيب: حدّثنا أبو بكر البرقاني قال: قال لي أبو الفتح محمد بن الفوارس: كان أحمد بن محمد بن رميح النسويّ ثقة في الحديث. وذكر عن أبي سعد الإدريسيّ قال: لم أرزق السماع منه. ذكر لي أصحابنا حفظه وتيقّظه ومعرفته بالحديث. وقال البيهقيّ عن الحاكم: أحمد بن محمد بن رميح الحافظ الثقة المأمون. قبله الناس وأكثروا السماع منه، وصنّف وجمع وذاكر. وقال الخطيب: سمع العلم بخراسان وغيرها. وكتب الكثير، وصنّف، وجمع، وذاكر العلماء. وكان معدودا في حفّاظ الحديث، وقدم بغداد وحدّث بها. وكان قد أقام بصعدة من بلاد اليمن زمنا طويلا، ثمّ ورد بغداد في حدود سنة خمسين

стр. 391

وثلاثمائة. وخرج منها إلى نيسابور، فأقام بها ثلاث سنين. ثمّ عاد إلى بغداد فسكنها مديدة. ثمّ استدعاه أمير صعدة فخرج في صحبة الحاجّ إلى مكّة. فلمّا قضى حجّه أدركه أجله بالجحفة فدفن هناك في صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. ضعّفه أبو زرعة وأبو نعيم. قال الخطيب: والقول عندنا بخلاف قول أبي زرعة وأبي نعيم، فإن ابن رميح كان ثقة ثبتا، ولم يختلف شيوخنا الذين لقوه في ذلك. وقال الحاكم: سألت أبا سع [ي] د- يعني ابن رميح- المقام بنيسابور. فقال: علام أقيم؟ فو الله لو قدرت لم أفارق سدّتك. ثمّ قال: ما الناس بخراسان اليوم إلّا كما أنشدني بعض مشايخنا [الطويل]: كفى حزنا أنّ المروءة عطّلت ... وأنّ ذوي الألباب في الناس ضيّع وأنّ ملوكا ليس يحظى لديهم ... من الناس إلّا من يغنّي ويصفع ٦١٧ - أبو العبّاس النسويّ الصوفيّ [- ٣٩٨] (١) أحمد بن محمد بن زكريا، أبو العبّاس، النسويّ، الصوفيّ. جاور بمكّة، وكان شيخ الحرم. وسمع الحديث بالشام ومصر وغيرها، من جماعة، منهم أحمد بن عطاء الروذباريّ، وبقاء بن عبيد بن عتيق الإخميميّ، والحاكم النيسابوريّ. روى عنه تمّام بن محمد الرازي وغيّره. وحدّث. وكان ثقة. مات بعينونا (٢) بين [٨ ب] مصر ومكّة، في سنة ثمان- وقيل: ستّ- وتسعين وثلاثمائة، وهو متوجّه إلى الحجّ. ٦١٨ - ابن الأعرابيّ الصوفيّ [٢٤٥ - ٣٤٠] (٣) أحمد بن محمّد بن زياد بن بشر بن أحمد بن يحيى بن درهم بن عبد الله، العنزيّ، أبو سعيد، ابن الأعرابيّ، البصريّ، نزيل مكّة. ولد يوم النحر سنة خمس وأربعين ومائتين. سمع من خلائق. وحدّث عن الحسن بن محمد بن الصبّاح الزعفرانيّ، وأبي يحيى محمد بن سعيد بن غالب، وعبد الله بن أيّوب المخرميّ. وروى عنه عدد لا يحصون، منهم أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازيّ، وأبو عبد الله [١٣٨ ب] ابن مندة، وأبو القاسم الطبرانيّ. قال أبو عبد الرحمن السلميّ: صحب الجنيد، وعمرو المكّي، وغيرهما. وصنّف للقوم كتبا في شرف الفقر، وغيره. وكتب الحديث الكثير ورواه. وكان ثقة. سمعت أحمد بن محمد بن زكريا (٤) يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: كان أبو سعيد ابن الأعرابيّ يتفقّه، ويميل إلى مذهب أصحاب الحديث والظاهر. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في كتاب الرسالة [القشيريّة]: قال ابن الأعرابيّ: أخسر

стр. 392

الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب [إليه] من حبل الوريد. وقال الحافظ أبو يعلى في حقّه: ثقة متّفق عليه. أخرجه المتأخّرون في الصحيح [و] أثنى عليه كلّ من لقيه من أصحابنا. وقال أبو الوليد الباجيّ: هو ثقة مشهور كثيرا. ومن كلامه: إنّ الله جعل نعمته سببا لمعرفته، وتوفيقه سببا لطاعته، وعصمته سببا لاجتناب معصيته ورحمته سببا للتوبة والتوبة سببا للمغفرة والدنوّ منه. وسئل عن أخلاق الفقراء فقال: أخلاق الفقراء السكون عند الفقر، والاضطراب عند الوجود، والأنس بالهموم، والوحشة عند الأفراح. ومات يوم الأحد عند الظهر لأربع بقين من ذي القعدة سنة أربعين وثلاثمائة. ودفن يوم الاثنين. ٦١٩ - أبو نصر الطّريثيثيّ الصوفيّ [٤٠١ - ٤٨٧] (١) أحمد بن محمد بن سعيد بن محمد بن الحسن بن حسكة بن عامر بن هشام بن عامر، أبو نصر، ابن أبي منصور، القيسيّ، الطريثيثيّ، الصوفيّ. ولد يوم الجمعة الثاني عشر من المحرّم سنة إحدى وأربعمائة. وسمع بمصر أبا الحسن علي بن منير بن أحمد الخلّال، وأبا الحسن محمد بن الحسين بن الطفّال، وأبا علي الحسن بن خلف بن يعقوب بن أحمد المقرئ الواسطيّ. وسمع بدمشق وغيرها من جماعة. وحدّث. ومات بدمشق يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وسبب موته أنّ امرأة جنّت فرآها مكشوفة الوجه على باب الجامع، فأمرها أن [٩ أ] تغطّي رأسها ووجهها فضربته بسكّين فمات بعد أيّام. ٦٢٠ - أبو سهل اليماميّ (٢) أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن القاسم، أبو سهل، الحنفيّ، اليماميّ. قدم مصر، وروى عن يونس بن عبد الأعلى (٣). وسكن بغداد وحدّث بها، وبمصر، وبأصبهان، عن جدّه عمر بن يونس، وعن محمد بن شرحبيل الصنعانيّ، وعبد الرازق بن همّام، وغيره. روى عنه أبو بكر بن أبي داود، في آخرين. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: قدم علينا وكان كذّابا. وكتبت عنه، ولا أحدّث عنه بشيء. وقال ابن يونس: قدم مصر وكتبت عنه، وقد لقيت جماعة ممّن كتب عنه. قال لنا عليّ بن أحمد علّان (٤): كان سلمة بن شبيب يكذّبه. وقال أبو بكر الخطيب: قدم بغداد وحدّث بها. وكان غير ثقة. وقال ابن عديّ: سمعت عبدان الأهوازيّ يقول: لم أخرج حديث يحيى بن أبي كثير حين فاتتني عن اليماميّ النسخة التي يرويها. وكان القاسم المطرّز يقول: كتبت عن اليمامي هذا خمسمائة حديث بالعسكر، ليتها كانت خمسة

стр. 393

آلاف ليس عند الناس منها حرف! وأخبرني إسحاق بن إبراهيم قال: ذكرت اليماميّ هذا لعبيد الكشوريّ فقال: هو فينا كالواقديّ فيكم. قال ابن عديّ: حدّث بأحاديث مناكير عن الثقات. وحدّث بنسخ عن الثقات بعجائب. وتكثر عجائب اليماميّ وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. وقال في موضع آخر: حدّث بأحاديث مناكير عن ثقات، وحدّث بنسخ وعجائب. وقال الحاكم: سمعت يحيى بن محمد بن صاعد يرميه بالكذب. وقال الدارقطنيّ: متروك الحديث، وفي روايته ضعف. ٦٢١ - أبو بكر المنكدريّ [- ٣٤٤] (١) أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز، أبو بكر، القرشيّ [١٣٩ أ] التّيميّ، المنكدريّ المدنيّ. ولد بالمدينة ونشأ بالحرمين. ورحل إلى مصر والشام. وأقام بالبصرة. ثم دخل الأهواز وأصبهان والريّ. وحدّث عن عبد الجبّار بن العلاء، ويونس بن عبد الأعلى، وعبد الحميد بن بكّار البيروتيّ، وهارون بن إسحاق الهمذانيّ، وعليّ بن حرب، وغيره. قال الحاكم: وله أفراد وعجائب. وقد كان أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن الأرزنانيّ الحافظ الثقة المأمون اجتمع معه بهراة وأنكر عليه. توفّي بمرو سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. ٦٢٢ - ابن النّحاس المصري الحافظ [- ٣٧٦] (٢) أحمد بن محمد بن عيسى بن الجرّاح، أبو العبّاس، ابن النحاس، [الربعيّ]، المصريّ، الحافظ. سمع بمصر على أبي بكر بن زيّان، ومحمّد بن محمد بن النفّاخ، وعبد الجبّار بن أحمد السمرقنديّ. وسمع بدمشق أبا الحسن بن جوصا، ومكحولا البيروتيّ، وأبا القاسم البغويّ، وأبا بكر بن أبي داود، وابن أبي حاتم. واستوطن نيسابور حتّى مات. روى عنه الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم الحافظان، وغيرهما. قال الحاكم: كتب في بلده، وبالحجاز، والعراقين، وخوزستان، وأصبهان، والجبال. ثمّ ورد على أبي نعيم سنة تسع عشرة وثلاثمائة وانحدر منها إلى جوين. وكتب عن أبي عمران، وأدرك الشرقيّين بنيسابور، ومكّي بن عبدان وأقرانهم. وخرج إلى سرخس، وكتب عن أبي العبّاس الدغولي. وأقام على عبد الرحمن بن أبي حاتم مدّة. وكانت سماعاته منه كثيرة، إلّا أن سماعاته بالحجاز والعراق والشام ذهبت عن آخرها. وحدّث عندنا سنين إملاء وقراءة،

стр. 394

واستوطن نيسابور سنة إحدى وعشرين إلى أن توفّي يوم السبت سلخ ذي القعدة سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة. وأخبرني أنّه ابن خمس وثمانين سنة. سمعت الصفّار محمد بن عبد الله الأصفهاني يدعو بمسجده وهو رافع باطن كفّيه إلى السماء، وهو يقول: يا ربّ إنّك تعلم أنّ أبا العبّاس المصريّ آلمني وخانني وحبس عنّي أكثر من خمسمائة جزء من أصولي. اللهمّ فلا تنفعه بتلك الأجزاء وبسائر ما جمعه من الحديث ولا تبارك له فيه! وكان أبو عبد الله الصفّار مجاب الدعوة. وكان السبب في موجدته على أبي العبّاس المصري ورّاقه أنّه قال له: اذهب إلى أبي العبّاس الأصمّ وقل له: قد حضرت معك ومع أبيك قراءة الجامع للثوريّ في مجلس أسيد بن عاصم. وقد ذهب كتابي. فإن كان في كتابك سماع بخطّي فأخرجه إليّ حتى أنتسخه. فذهب، فقال أبو العبّاس: السمع والطاعة. وأخرج الكتاب في أربعة أجزاء بخطّ يعقوب، وسماع أبي عبد الله فيه بخطّه. فدفعه إلى أبي العبّاس فأخذه ووضعه في بيته. ثمّ جاء إلى أبي عبد الله فقال: إنّ الأصمّ رجل طمّاع، قد أخرج سماعك بخطّك في كتابه، ولم يدفعه إليّ، [و] قال لي: لا أدفع هذا السماع حتّى تحمل إليّ خمسة دنانير- وكان أبو عبد الله قد تراجع أمره ونقصت تجارته، فبلغني أنّه باع شيئا من منزله فدفع إلى أبي العبّاس خمسة دنانير فأخذها وحمل الكتاب [٢٣ أ] إليه. ثمّ إنّهما جميعا دعوا على أبي العبّاس فاستجيبت دعوتهما فيه. ثمّ بعد ذلك كان أبو عبد الله يجامل أبا العبّاس ويجهد في استرجاع كتبه منه فلم يقدر عليه. وكاد أبو العبّاس يفوّتنا حديث أبي عبد الله الصفّار. فذهبت أنا إلى أبي محمد عبد الله بن حامد الفقيه فقلت له: إنّ هذا الرجل قد فوّتنا هذا الشيخ، وهو يجامله بسبب كتبه عنده، ونحن نعلم أنّه لا يخرج قطّ عن جزء من أصوله وإن قتل، فإنّ الشيخ أبا بكر ابن إسحاق حبسه ولم يقدر على استرجاع الكتب. فقصده ونصحه، فقبل نصيحته، ونصب أبا بكر الساوي مكانه. وعقد أبو بكر [١٣٩ ب] في الأسبوع بضعة عشر مجلسا [بالغدوات وبعد الظهر والعشاء] (١)، وانتفع الناس بما بقي عند أبي عبد الله. وكان لا يقعد ولا يقوم إلّا ويبكي ويدعو على أبي العبّاس: فإن عيون كتبه كانت عنده، ولم يقرأ قط حديثا واحدا من كتب الناس. (قال) وإنّما قصصت هذه القصة ليعتبر المستفيد به ولا يتهاون بالشيوخ، فإنّ محلّ أبي العبّاس المصري من هذه الصنعة كان أجلّ محلّ، وذهب علمه وساءت عاقبته بدعاء ذلك الرجل الصالح عليه. وقال الحاكم أيضا: أبو العبّاس المصريّ حافظ قديم الرحلة كثير الطلب. ولمّا احتيج إليه وقد ضاعت سماعاته القديمة، حدّث من حفظه بأحاديث ذكر أنّه يعرفها. وغير مستبعد لمثله أن يعرف سؤالات الشيوخ. وأمّا مذاكراته فإنّه كان يتحرّى في أكثرها الصدق، واطّلعنا على كتبه بعد وفاته فمارأينا إلّا الخير (٢). ٦٢٣ - شاغر ٦٢٤ - ابن فضالة السوسيّ [- ٣٣٩] (٣) أحمد بن محمد بن فضالة بن غيلان [بن

стр. 395

الحسين]، أبو عليّ، الهمدانيّ، الحاشديّ، الحمصيّ، الصفّار، المعروف بالسوسيّ. قدم مصر في ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ونزل العسكر عند الصاغة بمصر. حدّث عن عمّ أبيه عيسى بن غيلان السوسيّ، وعمران بن بكّار البرّاد، ومحمّد بن عوف بن سفيان، وغيرهم. وتوفّي بمصر في رمضان سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وكان ثقة. وكانت كتبه جيادا. قاله ابن يونس. ٦٢٥ - أبو الحسن بن مرزوق الأنماطي [- ٤١٨] (١) أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق، أبو الحسن، العدل، الأنماطيّ، المصريّ. سمع بمصر أبا بكر محمد بن أحمد بن خروف، وأبا الحسن ابن حيّويه، وعلي بن الحسين بن بندار، وأبا طاهر محمد بن أحمد الذهليّ، والحسن بن [٢٣ ب] رشيق، وحمزة الكنانيّ، في آخرين. وسمع بدمشق. روى عنه أبو عليّ الأهوازيّ، وأبو الحسن عليّ بن بقاء الورّاق، والحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال. ومات ليلة الجمعة السابع من ذي القعدة سنة ثماني عشرة وأربعمائة بمصر. ٦٢٦ - ابن مدرك [- ٢٥٤] [٢٣ ب] أحمد بن محمد بن مدرك بن زنجلة، أبو عبد الله- ويقال: أبو جعفر- الرازيّ. قدم مصر، وحدّث عن دحيم، وعبد الله بن أحمد بن ذكوان، وهشام بن عمّار، وحرملة بن يحيى التجيبيّ، وقتيبة بن سعيد، وغيره. روى عنه الفضل بن شاذان، ومحمد بن عبّاس بن بسّام، وزكريا بن يحيى الساجي، في آخرين. مات بمصر في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين. ٦٢٧ - أبو بكر الرماديّ البغداديّ [١٨٢ - ٢٦٥] (٢) أحمد بن محمد بن منصور- ويقال: محمد بن منصور- بن سيّار بتشديد الياء آخر الحروف وبالراء المهملة- بن معارك، أبو بكر، البغداديّ، المعروف بالرماديّ، محدّث مشهور. ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة. وسمع عبد الرزاق بن همّام، وأبا داود الطيالسيّ، ويزيد بن هارون، وحرملة بن يحيى، ويحيى بن بكير، وجماعة كثيرة من أهل العراق والحجاز واليمن والشام ومصر. وأكثر في رحلته من السماع والكتابة وصنّف المسند. وروى عنه القاضي إسماعيل بن القاسم، وأبو إسحاق البغويّ، وابن ماجة في السنن، والمحامليّ، وعدّة من الناس. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وكان أبي يوثّقه.

стр. 396

وقال الدارقطنيّ: قال لنا محمد بن مخلد: كان الرماديّ إذا اشتكى شيئا قال: هاتوا أصحاب الحديث! - فإذا حضروا عنده قال: اقرؤوا عليّ الحديث! وقال عبّاس الدوريّ: ما لنا، نحن والرمادي؟ لقد أردت الخروج إلى البصرة، أنا ورجل، فقال الرجل: ترافقني. فقلت: بيني وبينك الرماديّ. فقلنا له: فقال: ليس هو من بابتك: أنت تكتب ما لا يكتب، وهو يكتب ما لا تكتب. فنحن نتحاكم إليه في ذلك الوقت. قال العبّاس: أنا أسكت من أمر الرماديّ عن شيء أخاف أن لا يسعني: كنت ربّما سمعت يحيى بن معين يقول: قال أبو بكر الرمادي [١٤٠ أ]. وقال إبراهيم الأصبهانيّ: لو أنّ رجلين قال أحدهما: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وقال الآخر: حدّثنا أبو بكر الرماديّ، كانا سواء- وفي رواية: هو أثبت منه- يعني من أبي بكر بن أبي شيبة. وعن محمّد بن رجاء البصريّ: قلت لأبي داود السجستانيّ: لم أرك تحدّث عن الرماديّ؟ قال: رأيته يصحب الواقفة (١) فلم أحدّث عنه. وقال الدارقطني عنه: ثقة. ومات يوم الخميس لأربع بقين من ربيع الآخر سنة خمس وستّين ومائتين. ٦٢٨ - ابن المنيّر الإسكندريّ [٦٢٠ - ٦٨٣] (٢) [٢٤ أ] أحمد بن محمد بن منصور بن أبي بكر بن قاسم بن مختار بن عليّ، أبو العبّاس، ابن أبي المعالي، القاضي ناصر الدين، ابن وجيه الدين، المعروف بابن المنيّر، الجذاميّ، الإسكندريّ، الفقيه، المالكيّ. ولد في ثالث ذي القعدة سنة عشرين وستّمائة بالإسكندريّة. وسمع الحديث من أبيه، ومن يوسف المخيليّ، وابن رواج، وغيرهم. وبرع في عدّة فنون من تفسير وفقه وأصول، ونحو، وأدب، بحيث إنّه كان لا يناظر تعظيما لفضيلته بل تورد الأسئلة بين يديه، فيسمع ثمّ يجيب. وكان فصيحا مفوّها. ونقل عن الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام أنّه قال: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن المنيّر بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص. وله تصانيف مفيدة، منها: تفسير القرآن العزيز في مجلّدات، وكتاب الانتصاف من صاحب الكشّاف، وكتاب المقتفى، وكتاب تفسير حديث الإسراء، في مجلّد. وديوان خطب. وعيب بأنّه كان فيه شغب عند البحث وإساءة. وكان فيه تيه وتعاظم. وقال الرضيّ الشاطبيّ عنه: كان فاضلان في بلادهما ما يستويان حتّى يقيما بالقاهرة: ابن دقيق العيد، وابن المنيّر. فأمّا ابن دقيق العيد، فحضر ولقي العلماء. وابن المنيّر لم يحضر إلّا مجتازا. وناب في الحكم أوّلا بالإسكندرية، ثمّ استقلّ بقضائها عوضا عن [ ... ]. ونكب في سنة ثمانين وستّمائة. واتّهم أنّه وجد عنده خمر. فعزل عن القضاء والخطابة وسائر ما بيده. وقدم القاهرة وسعى حتّى ظهرت براءته، وأعيد إلى القضاء وغيره فما خرج عنه.

стр. 397

وتوفّي بالثغر ليلة الخميس مستهلّ ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين وستّمائة. ودفن بجوار أبيه. ومن شعره ما كتب به إلى الوزير الأسعد هبة الله بن صاعد الفائزيّ يسأله رفع التصقيع (١) عن الثغر-[الوافر]: إذا اعتلّ الزمان فمنك يرجو ... بنو الأيّام عافية الشفاء وإن ينزل بساحتهم قضاء ... فأنت اللطف في ذاك القضاء وقال فيمن نازعه الحكم [الخفيف]: قل لمن يبتغي المناصب بالجه: ... ل: تنحّى عنها لمن هو أعلم إن تكن في ربيع ولّيت يوما ... فعليك القضاء أمسى محرّم ومدحه أبو الحسين الجزّار. وهجاه البرهان الغزولي [الطويل]: أقول لخلّ قد غدا متكبّرا ... عليّ: ترفّق! إنّني منك أكبر فإن كنت في شكّ فعندي دليله ... لأنّي غزوليّ وأنت منيّر! ٦٢٩ - أبو بكر الدامغانيّ [- بعد ٣٤٠] (٢) [٢٤ ب] أحمد بن محمد بن منصور، أبو بكر، الأنصاريّ، الدامغانيّ، الحنفيّ. أخذ الفقه عن أبي جعفر الطحاويّ بمصر. ثمّ قدم بغداد وأخذ عن أبي الحسن الكرخيّ. فجعل إليه الفتوى لمّا فلج. أقام ببغداد دهرا، يحدّث عن الطحاويّ (٣) ويفتي. وكان إماما في العلم والدين، مشارا إليه في الورع والزهادة. وولي القضاء بواسط لأنّه ركبته ديون. وخرج إليها وكان ينظر بين الخصوم على وجه التحكيم، يقول للخصمين: انظر بينكما؟ - فإذا قالا: نعم- نظر بينهما. وربّما قال: حكّماني! وقال عنه أصحابه (٤): إنّه غضّ من نفسه [١٤٠ ب] بولاية الحكم. ٦٣٠ - أحمد ابن أبي المنهال [- بعد ٣٦٨] (٥) [٢٥ أ] أحمد بن محمد بن أبي المنهال، أبو طالب، ابن أبي القاسم. ولي قضاء تونس، ثمّ نقله المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ إلى قضاء المنصوريّة والقيروان لمّا برز يريد مصر. فقدم عليه وهو بسردانية فولّاه عوضا عن القاضي أبي حنيفة النعمان بن محمّد وجعل إليه أن يولّي من شاء ويعزل من شاء من قضاة مدائن المغرب، خلا القاضي عبد الله بن هاشم (٦) قاضي القيروان، فإنّه لا حكم له عليه. فقدم إلى المنصوريّة بسجلّه فقرأه يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وثلاثمائة في

стр. 398

جامعها، وسلّمه النعمان الديوان، ومضى إلى جامع المنصوريّة ومعه شيوخ إفريقيّة، وجلس مجلسه، فبقي على قضاء المنصوريّة إلى أن كثر التنازع بينه وبين عبد الله بن محمد الكاتب (١). فكتب إلى العزيز بالله أبي منصور نزار بن المعزّ يسأله في الحضور ويعرّفه أنّه خائف على نفسه. فأجابه إلى ذلك وأتاه الجواب في آخر شوّال سنة ثمان وستّين. فخرج إلى مصر بأهله وولده وماله، وختم على ديوانه ودفعه إلى بعض أمنائه وسار. فقدم القاهرة في [ ... ]. فأكرمه العزيز وأجرى له في كلّ سنة ألف دينار صلة. فيقال إنّه ما ذكر قطّ عبد الله إلّا وأثنى عليه ابن أبي المنهال وشكره وأطنب في مدحه ووصف حزمه وعقله وعلمه وأدبه، على ما فارقه عليه من القبيح. فكان ذلك إذا اتّصل بعبد الله عضّ أنامله أسفا وتلهّفا وندما على ما كان فرط منه إليه. وكان يقول: ما سمعت ولا رأيت أبرّ منه ولا أسمح نفسا: كان يشتمني وينال منّي ومن عرضي في وجهي وأنا سلطان عليه، فلمّا صار في موضع يقدر فيه عليّ، أطلق لسانه بما يجب، فلم يذكر إلّا جميلا وخيرا. وكتب أبو الفتوح يوسف بن زيري إلى العزيز يشاوره من يولّي القضاء، فكتب إليه العزيز: «قد رددت هذا الأمر إليك فولّ من شئت». فولّى محمد بن إسحاق التميميّ المعروف بابن الكوفيّ (٢) قضاء المنصوريّة عوضا عن ابن أبي المنهال في آخر ذي الحجّة سنة ثمان وستّين. وكتب أبو الفتوح إلى العزيز يخبره بذلك فأجاز فعله، وبعث إليه سجلّا بالقضاء، وبعث إليه أن يتسلّم ديوان ابن أبي المنهال من يد أمينه. ٦٣١ - شهاب الدين البعلبكيّ [- بعد- ٧٢٥] (٣) [٢٦ أ] أحمد بن محمد بن ميرا، الشيخ شهاب الدين، البعلبكيّ، أحد أصحاب تقيّ الدين أحمد بن تيميّة. قدم إلى مصر، واجتمع بالأمير جنكلي بن البابا، وتردّد إليه، فنوّه باسمه، وأذن له في عمل الميعاد. فعقد مجلس الوعظ بجامع عمرو بن العاص بمصر، وبجامع أمير حسين بن جندر (٤) خارج القاهرة. وسلك طريق ابن تيميّة في الإنكار على الصوفيّة، والتشنيع على مذاهبهم. ثمّ تعرّض إلى ما لا ينبغي فذكر مسألة الزيارة والاستغاثة، فصاح به من حضر من الصوفيّة، ووثبوا عليه ليقتلوه، ففرّ منهم. ورفع أمره إلى قاضي القضاة تقيّ الدين محمد بن أبي بكر الإخنائيّ، المالكيّ، فمنعه من الجلوس للوعظ في سادس عشرين شهر ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وطلبه. فغيّب منه خوفا على نفسه، فرفع الإخنائيّ أمره إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فتقدّم إلى الأمير قدادار (٥) متولّي القاهرة بإحضاره، فأخذ عليه الأماكن حتى أخذه وسلّمه إلى الإخنائيّ فادّعى عليه رجل بما نسب منه، وشهد عليه طائفة. فأبدى فيهم القوادح، فلم

стр. 399

يلتفت إلى قوله، لما كان يعرف عنه من التحامل على ابن تيميّة (١). وساقه في الحديد إلى السجن، وتحدّث مع السلطان بدار العدل في أمره. فأثنى عليه قاضي القضاة بدر الدين محمّد ابن جماعة، والأمير جنكليّ، وغيره من الأمراء بحضرة السلطان. وقام الأمير عزّ الدين أيدمر الخطيري بالحطّ [١٤١ أ] عليه وعلى ابن تيميّة، عصبيّة للصوفيّة، وكادت تكون فتنة بينه وبين جنكليّ. فسكّنها السلطان، وفوّض الأمر إلى الأمير أرغون النائب. فأحضر إليه، وعنده الفخر ناظر الجيش. فذكر تعصّب الصوفيّة عليه بغير الحقّ، وجافى الفخر بالكلام وقال للنائب: ولا ترجع إلى قول هذا- يعني الفخر- فإنّه يصحب فلانا وفلانا من العجم المتصوّفة. فردّ النائب أمره إلى القاضي المالكيّ، وذلك في خامس عشر ربيع الآخر، فأعيد إلى السجن، ووقع العزم على ضرب عنقه. فجرت أمور آلت إلى أن أحضر في الحديد يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى (٢)، وضرب نحو الخمسين سوطا، ضربا مبرّحا حتّى أدماه. ثمّ شهر على حمار أركبه مقلوبا، ونودي عليه: هذا جزاء من يضع من جانب رسول الله ﷺ ليغروا به العامّة حتّى تقتله. ثمّ أعيد بعد الإشهار بمصر والقاهرة إلى سجن الوالي، فأقام يومين، وأخرج بأهله إلى بلد الخليل عليه [٢٦ ب] السلام، وألزم ألّا يعمل مجلس وعظ ولا يتكلّم مع أحد في شيء من أمور الديانات. فأقام بالخليل إلى شهر رمضان. وسار إلى دمشق. واتّفق عقيب سفره أنّ تقيّ الدين ابن شأس من فقهاء المالكيّة حضر بعض الدروس فوقع منه مقالة مثل مقالة ابن ميرا التي فعل به من أجلها ما فعل. فرفع إلى الإخنائيّ، وشهد عليه جمع كبير من أعيان المالكيّة، وأرادوه أن يفعل به ما فعل بابن ميرا، فلم يفعل، وقام معه، بحيث إنه منع غير واحد ممّن شهد عليه أن يتحمّل الشهادة، وهدّد بعضهم. فتبيّن للناس أنّ قيامه على ابن ميرا لحطّ نفسه، وشنّعت المقالة عليه. وقال البرهان [إبراهيم] الرشيدي خطيب جامع أمير حسين في ذلك [السريع]: يا مالكيّا شاد أحكامه ... على تقى الله وأقوى أساس مقالة في ابن مرا أثرت ... زعمتم بالنصّ أو بالقياس (٣) وفي ابن شأس قطّ ما أثرت ... فهل أباح الشرع كفر ابن شأس؟ ٦٣٢ - الأرمويّ قاضي الحسينيّة [- ٦٦٧] [٢٧ أ] أحمد بن محمود بن أحمد، أبو العبّاس، سراج الدين، الأرمويّ، الشافعيّ، المعروف بقاضي الحسينيّة [ ... ]. وولي تدريس زاوية الشافعيّ بجامع عمرو بن العاص، والحسبة. فقال رضي الدين أبو الفتح عمر بن عليّ بن أبي بكر بن بركة الفارقيّ الحنفيّ- عرف بابن الموصليّ العبّاسيّ [الطويل]: ألا أيّها المغرور بالجاه والغنى ... ستسقى كئوس الذلّ وهي أجاج

стр. 400

وتعزل عن قرب يكون، وكيف لا ... وريحك قد هبّت، وأنت سراج؟ وكذا كان. ومات في جمادى الأولى سنة سبع وستّين وستّمائة. ودفن بالروضة تحت قلعة الجبل. ٦٣٣ - ابن كشاجم [- بعد ٣٥٧] (١) أحمد بن محمود بن الحسين بن السنديّ بن شاهك بن زاذان بن شهريار، أبو الفرج، ابن أبي الفتح، كشاجم. قد اختلف في اسمه، فقيل: عبيد الله، وقيل: محمد. وقيل: أحمد. وقيل: الفتح. والصحيح أن اسمه أحمد على ما رأيته بخطّه. وقيل في كنيته أيضا: أبو نصر. روى عنه عبد الله بن أحمد الفارسيّ، وصالح بن إبراهيم بن رشدين- وسمّاه أحمد- وسمّاه الفارسيّ محمد، واتّفقا على تكنيته بأبي نصر. وكان كاتبا شاعرا. روى عن أبيه. وكان عند كافور الإخشيدي بمصر وله عليه جراية وجامكيّة (٢). وكان يقرأ نقش فصّ الخاتم باللمس خاصّة، دون الرؤية. وكان عند كافور رجل يعرف بالقاضي الخرشاوي- وهو القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الخصيب، قاضي مصر بعد أبيه- إذا صفع عرف من صفعه بوقع يده على رقبته من غير أن يبصره، فيقول: هذه [١٤١ ب] يد فلان. فعمل ابن كشاجم [الكامل]: إنّي إلى القاضي أمتّ بحرمة ... هي بيننا نسب كفرض لازم حسّ لطيف في قفاه وفي يدي ... هو آية بهرت عقول العالم فقفاه ينتقد الأكفّ بحسّه ... ويداي تقرأ نقش فصّ الخاتم فلمّا سمع القاضي هذه الأبيات دخل إلى كافور وقال له: أقطعت جراية ابن كشاجم [وجامكيته]؟ قال: لا. قال: فإنّه قد هجاك. قال: بماذا؟ قال: بقوله [المتقارب]: أكافور قبّحت من خادم ... ولاقيت مسرعة جامحة فلم أر مثلك ذا منظر ... شبيه بأخلاقك الفاضحة حكيت سميّك في برده ... وأخطأك اللون والرائحة إذا قلت: قد أدّبته العصا ... أتتني له خلّة فادحة (٣) وهذا الشعر لأبيه كشاجم في خادم اسمه كافور. فأحضر كافور ابن كشاجم وعدّد له إحسانه إليه وأنّبه. فحلف أنّه [لم] يقل هذه الأبيات وأنّها في ديوان أبيه. وأحضر الديوان من خزانته فوجد الأمر كما قال. وكتب أبو نصر ابن كشاجم إلى أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات الوزير، على تفّاحة، من شعره [المجتثّ]:

стр. 401

إذا الوزير تجلّى ... للنيل في الأوقات فقد أتاه سميّا ... هـ: جعفر بن الفرات (١) وقال يهجو القاضي على سعيه به لكافور [الوافر]: رمى القاضي أباه بالبغاء ... فعيّره أبوه بالزّناء وما كذبا، ولو عرفا بكذب ... لما صلحا لتقليد القضاء بلى لم [ ... ] (٢) حرف ... لأنّ القوم فيه بالسواء وقال في شمعة [المنسرح]: بركة صفر عمودها شمع ... تفيض نارا من موضع الماء تبكي إذا ما المقصّ خمّشها ... فرط حياء من الأخلّاء كأنّها عاشق مخايله ... فيه بواد لأعين الرائي: صفرة لون، وذوب معتبة ... ودمع حزن، وحرّ أحشاء وقال، وقد فصد [إسحاق] بن كيغلغ [المنسرح]: يا فاصدا شقّ عرق إسحاق ... أيّ دم لو علمت- مهراق؟ سفكته من يد معوّدة ... لنيل مال وضرب أعناق لو يوم حرب أصبت من دمه ... إذن أقام الدنيا على ساق (٣)! ٦٣٤ - ابن مرزوق الدعيّ، متملّك تونس [٦٤٢ - ٦٨٣] (٤) أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة، الدعيّ، متملّك تونس. كان أبوه من أهل المسيلة، وقدم بجاية، واتّجر إلى بلد السّودان. ونشأ أحمد هذا محترفا بصناعة الخياطة. وحدّث نفسه بالملك، فخرج من بجاية ولحق بصحراء سجلماسّة وخالط عرب المعقل وزعم أنّه الفاطميّ المنتظر. فاشتملوا عليه ثمّ انحلّوا. فتقلّب في الأرض. وقدم إلى القاهرة ونزل بدار الحديث الكامليّة بين القصرين. ثمّ عاد إلى المغرب. فلمّا وصل إلى جهات طرابلس ونزل على عرب دبّاب، صحب الفتى نصير مولى الواثق أبي زكريا يحيى ابن المستنصر محمد بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، وقد فرّ إلى الغرب بعد [١٤٢ أ] قتل مولاه. فلمّا رآه نصير، تبيّن فيه شبها من الفضل ابن الواثق. فطفق يبكي ويقبّل قدميه. فقال له ابن أبي عمارة: ما شأنك؟ فقصّ عليه الخبر. فقال له: صدّقني في هذه الدعوة، وأنا آخذ بثأر مواليك من قاتلهم. فأقبل نصير على أمراء العرب ونادى بما سرّه من وجود ابن مولاه حتّى خيّل لهم أنّ الأمر صحيح. ثمّ لبّس عليهم ودسّ إلى ابن أبي عمارة بأمور جرت للعرب مع الواثق. فأخذ يقصّها على

стр. 402

العرب حتّى صدّقوه، واطمأنّوا إليه فبايعوه. وقام بأمره مرغم بن صابر بن عسكر أمير دبّاب، وجمع العرب، ونازلوا طرابلس، وبها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتي المعروف ب «عنق الفضّة» فلم ينالوا منها الغرض. فرحلوا إلى مجريس (١) فأوقعوا بهوّارة وجبوا الماية وزواوة وزواغة ونفوسة وغيرهم. ثمّ زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكّي في شهر رجب سنة إحدى وثمانين وستّمائة، وأعلن بخلافته ونادى في قومه، واستقدم له بني كعب بن سليم فأتوه. وبعث إليه أهل جربة والحامّة وقرى نفزاوة ببيعتهم. ثمّ زحف إلى توزر وبلاد قسطيلية فأطاعوه. ثمّ مضى إلى قفصة فبايعه أهلها. وعظم أمره وعلا صيته. فبعث السلطان أبو إسحاق إبراهيم بن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد العساكر من تونس مع ولده الأمير أبي زكريا يحيى، حتى [إذا] بلغ إلى قمّودة، انتقض عليه من معه وعاد، والدعيّ في إثره من قفصة إلى أن نزل بالقيروان. فبايعه أهلها وأهل المهديّة وصفاقس وسوسة. فاضطرب أمر السلطان بتونس، وخرج لقتاله، فتسرّب من معه ولحقوا بالدعيّ. ففرّ إلى بجاية في خواصّه وأهله. ودخل الدعيّ تونس في شوّال منها. وقلّد موسى بن ياسين وزارته، وأبا القاسم أحمد بن الشيخ حجابته. وقبض على عدّة من الأعيان وأخذ أموالهم وقتلهم. وصرف همّته إلى غزو بجاية. وكان أبو إسحاق لمّا وصل إليه، انتقض عليه ابنه أبو فارس عبد العزيز ودعا لنفسه، وزحف لقتال الدعيّ. فخرج إليه الدعيّ في صفر سنة اثنتين وثمانين [وستّمائة] ولقيه على مرماجنّة (٢) في ثالث شهر ربيع الأوّل، وقاتله عامّة نهاره. فقتل أبو فارس ونهب عسكره، وقتلت إخوته جميعا صبرا، وحملت رءوسهم إلى تونس فنصبت على السور. وعاد الدعيّ مظفّر [ا]. فكثرت وطأته على العرب، لكثرة وقائعه فيهم. فبايعوا الأمير أبا حفص عمر ابن أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين [وستّمائة]، وقام بأمره أبو الليل ابن أحمد أميرهم. فتخيّل الدعيّ من أهل دولته، وقبض على جماعة منهم واستصفى أموالهم وقتلهم، فمقته الناس. وخرج من تونس يريد قتال أبي حفص، وأرجف به، فرجع منهزما. واستولى أبو حفص على البلاد وزحف على تونس. فخرج إليه الدعيّ وقاتله أيّاما، والناس يتخلّون عنه حتّى فرّ. ودخل أبو حفص البلد واستولى عليها في رابع عشرين شهر ربيع الآخر منها. وتطلّب الدعيّ حتّى وجده بدار بعض السوقة (٣). فأوقف بحضرة الملإ ووبّخ، وسئل عن أمره فاعترف أنّه دعيّ فعذّب، ثم قتل، وطيف برمّته (٤) ونصف رأسه. فكانت مدّة تملّكه سنة وستّة أشهر. ٦٣٥ - الإمام أبو طالب اللخميّ [٤٩٤ - ٥٧٨] [٣٣ أ] أحمد بن مسلم بن رجاء بن جامع بن منصور بن الحسين بن زياد بن المطهّر، التنوخيّ، الفقيه، الإمام أبو طالب اللخميّ- ويسمّى أيضا خليفة.

стр. 403

ولد بالإسكندرية سنة أربع وتسعين وأربعمائة. سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازيّ، وأبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشيّ، وعبد المعطي بن مسافر القموديّ. وكان عارفا بالفقه وأصوله، ماهرا في علم الكلام. وسيّر رسولا إلى ملك الروم، لأنّه لم يوجد في ذلك [١٤٢ ب] الزمان أكفى منه. ومات بالإسكندرية يوم الخميس ثالث عشرين شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وقد بلغ من العمر اثنتين وتسعين سنة (١). ومن شعره قوله [الكامل]: خير المعارف من كفاني شرّه ... في ذا الزمان، وبتّ منه سالما لا أبتغي ربحا وذلك بغيتي ... وأكون في طلب الفوائد ظالما ومتى طلبت كمن مضى في ودّهم ... مع رفدهم [س] أكون غمرا حالما ٦٣٦ - ابن زين التجّار [- ٥٩١] (٢) [٣٤ أ] أحمد بن المظفّر بن الحسين، أبو العبّاس، المعروف بابن زين التجّار، الدمشقيّ، الشافعيّ، مدرّس المدرسة الناصريّة صلاح الدين يوسف بن أيّوب، المجاورة لجامع عمرو بن العاصي من مدينة مصر، وبه عرفت المدرسة المذكورة. توفّي يوم [ ... ] ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. ٦٣٧ - شهاب الدين النابلسيّ [٦٧٥ - ٧٥٨] (٣) [١٣٤ أ] أحمد بن المظفّر بن أبي محمّد بن المظفّر بن بدر بن حسن بن مفرّج بن بكّار، الحافظ شهاب الدين، أبو العبّاس، النابلسيّ، الفقيه الشافعيّ. ولد في شهر رمضان سنة خمس وسبعين وستّمائة. وسمع زينب بنت مكّي، والتقيّ الواسطيّ، وعمر بن القوّاس، والشرف ابن عساكر، وخلقا كثيرا، وعني بهذا الشأن. وكان ثقة ثبتا فيما ينقله، محرّرا لما يسمعه، متقنا لما يعرفه، حسن المذاكرة، أعرف الناس بتراجم الأشاعرة والذبّ عنهم، قائما في نصرة مذهبهم. توفّي بدمشق في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. ٦٣٨ - المستعلي الفاطميّ [٤٦٨ - ٤٩٥] (٤) [٣٢ أ] أحمد بن معدّ بن عليّ بن منصور بن نزار بن معدّ بن إسماعيل بن محمد بن عبيد الله، الإمام المستعلي بالله، أمير المؤمنين، أبو القاسم، ابن الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي تميم، ابن الإمام أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن، ابن الإمام أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبي عليّ، ابن الإمام أمير المؤمنين أبي منصور

стр. 404

[العزيز بالله] نزار، ابن الإمام أمير المؤمنين المعزّ لدين الله أبي تميم، ابن الإمام أمير المؤمنين أبي الطاهر المنصور بنصر الله [إسماعيل]، ابن الإمام أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبي القاسم [محمد]، ابن الإمام أمير المؤمنين المهديّ أبي محمد. ولد في ثامن المحرّم- وقيل: في عشرين المحرّم- سنة ثمان وستّين وأربعمائة، وبويع بالخلافة بعد موت أبيه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وذلك أنّ الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجماليّ، سلطان مصر، لمّا بلغه موت المستنصر، بدر إلى القصر وأجلسه ولقّبه بالمستعلي بالله. واستدعى إخوته، الأمير نزارا، وإسماعيل، وعبد الله، ليبايعوه، فأنفوا من ذلك لصغر سنّه. فقال لهم الأفضل: قبّلوا الأرض لله تعالى ولمولاناالإمام المستعلي بالله وبايعوه، فهو الذي نصّ عليه مولانا الإمام المستنصر قبل وفاته، بالخلافة من بعده. فامتنعوا وادّعى كلّ منهم أنّ أباه وعده بالخلافة. وقال نزار: لو قطّعت ما بايعت من هو أصغر سنّا منّي، وخطّ والدي عندي بأنّي وليّ عهده، وأنا أحضره. وخرج مسرعا ليأتي بالخطّ، فمضى من حيث لم يشعر به أحد إلى الإسكندرية، كما هو مذكور في ترجمته (١). ويقال: إنّ الأفضل قرّر مع أخت المستنصر أن تقول بأنّ المستنصر نصّ في مرضه على خلافة ابنه أبي القاسم. ووعدها بأن تكفله ويكون الأمر لها في الباطن، وللأفضل في الظاهر [١٤٣ أ]، فأجابت إلى ذلك، وشهد عليها أربعة من الأستاذين المحنّكين عند قاضي القضاة أبي الحسن علي بن يوسف ابن الكحّال فأثبت الخلافة للمستعلي وبايعه قاضي القضاة وداعي الدعاة. وأجلسه على سرير الخلافة وأخذ البيعة له على مقدّمي الدولة ورؤسائها وأعيانها. ثمّ مضى الطلب إلى إسماعيل وعبد الله، وهما في المسجد قد وكّل بهما، فقال لهما: إنّ البيعة تمّت لمولانا المستعلي بالله، وهو يقرئكما السّلام ويقول لكما: تبايعاني أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة! إنّ الله اختاره علينا. [٣٢ ب] وقاما وبايعاه. وكتب بذلك سجلّا، قرأه على رءوس الأشهاد من الأمراء وغيرهم الشريف سناء الملك محمد بن محمد بن الحسينيّ الكاتب بديوان الإنشاء. وقال الأديب حظيّ الدولة أبو المناقب عبد الباقي بن عليّ التنوخيّ في ذلك [الكامل]: إن كان قد أودى معدّ فانظروا ال ... مستعلي العالي ابنه وتبصّروا تجدوا الإمام أبا تميم نيّرا ... ما غاب حتّى لاح منه نيّر وكذا الإمامة كالحديقة لم يزل ... غصن بها يذوي وغصن يثمر (٢) وأقام المستعلي في الخلافة، ليس له مع الأفضل أمر ولا نهي، إنّما يخطب له على المنابر وينقش اسمه على السّكّة، وسائر الأمور مرجعها إلى الأفضل. وفي خلافته خرج الفرنج من القسطنطينيّة، وملكوا كثيرا من بلاد الساحل، واستولوا على القدس

стр. 405

في ثاني عشرين شعبان سنة اثنتين وتسعين [وأربعمائة]، وملكوا الرملة، وحصروا عسقلان، ثمّ ملكوا حيفا وأرسوف وقيساريّة ويافا في سنة أربع وتسعين، مع ما بأيديهم من أعمال الأردنّ وفلسطين. وتوفّي ليلة الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، فكانت مدّة خلافته سبع سنين وشهرين إلّا يومين. ولم تكن له سيرة فتذكر، لاستيلاء الأفضل على الأمر. وترك ثلاثة أولاد، هم: الأمير أبو علي المنصور وقام من بعده في الخلافة ونعت بالآمر بأحكام الله، والأمير جعفر، والأمير عبد الصمد. وقضاته: المؤيد بنصر الإمام أبو الحسن عليّ بن يوسف بن نافع بن الكحّال. ثمّ أعيد فخر الأحكام أبو الفضل محمد بن عبد الحاكم بن وهيب المليجي (١)، ثم بعده أبو الطاهر محمد بن رجاء. فلمّا مات في سنة ثلاث وتسعين، ولي أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا النابلسيّ، ومات المستعلي وهو قاض. وكان المستعلي قد تزوّج بابنة أمير الجيوش بدر، يقال لها: «ستّ الملك». واعتنى أبوها بجهازها وأكثر من تعبئة الجواهر لها. فلمّا مات تناهبإخوتها ذلك الجوهر. ويقال: إنّه مات مسموما. وقيل: قتل سرّا، واتّهم الأفضل بذلك. وأقيم بعده في الخلافة ابنه أبو عليّ المنصور، وعمره خمس سنين. ٦٣٩ - تلميذ ابن سابق [- ٥٣٦] (٢) أحمد بن مفرّج بن أحمد بن أبي الخليل، الصقلّيّ، المعروف ب «تلميذ ابن سابق». كان فاضلا. واستخدم بديوان الإنشاء في سنة ستّ عشرة وخمسمائة. وقرّر له من المعلوم نظير ما للشيخ أبي القاسم عليّ ابن الصيرفيّ. ومدح المأمون محمّد بن فاتك البطائحيّ، وزير الخليفة الآمر بأحكام الله بعدّة مدائح، منها قوله في يوم عيد النحر، من قصيدة أوّلها [الكامل]: مدح الملوك مغانم الفصحاء ... ومجال بسط أعنّة البلغاء فليغتنم ذو الحظّ منها حلّة ... فاليوم يوم العرض والإبقاء واليوم يوم الحمد فليبرز له ... من كان مضطلعا بنظم ثناء من كان ذا ثقة بنجدة فضله ... فليدن! هذا مركب الفضلاء [١٤٣ ب] قد أمكنت فرص المقال ولاحت ال ... أغراض في المرأى لغير الرائي منها في المدح: السيّد المأمون شمس نهارنا ... من غير ما شكّ ولا استثناء فضياؤها ما دام طرفك مطرقا ... يغضي لفرط مهابة وحياء يأتي سبيلك موضحا، ويريك ما ... تخفي دقائقه على البصراء وشعاعها أبدا يضرّ بمن به ... رمد من الشحناء والبغضاء

стр. 406

أمحمّد المأمون، يا أولى الورى ... بسعادة وأحقّهم بثناء أحسنت ثمّ مدحت فاستحسنت وال ... إحسان فرض [ ... ] العقلاء لله في هذا الأنام لطائف ... تأتي مع الإصباح والإمساء يا ليت شعري أيّ برّ أسلفوا ... فجزوا عليه فكنت خير جزاء وإذا أراد الله رحمة خلقه ... ألقى أمورهم إلى الرّحماء وهي طويلة. وذكر رشيد بن الزبير في «جنان الجنان»، قال: كان الحافظ الخليفة تقدّم أمره إلى الشعراء أن يختصروا في الإنشاد في الأعياد. فكتب إليه أحمد بن المفرّج يقول [البسيط]: أمرتنا أن نصوغ المدح مختصرا ... ألا أمرت ندى كفّيك يختصر؟ والله لا بدّ أن تجري سوابقنا ... حتى يبين لها في مدحك الأثر (١) فأذن لهم أن يعودوا إلى ما كانوا عليه. ولأحمد هذا خطبة عاطل في المأمون وهي: الحمد لله الواحد لا كالآحاد، والأوّل لا كحصر الأعداد، أهل الحمد والكرم، وعالم أسرار الأمم. سلك علمه صدور العلماء، وملك حكمه أملاك السماء، وأمّ الأمور وعلم حلّها، وأعلم الأمم حرامها وحلّها، وعلّم آدم الأسماء كلّها، لا حصر لأمده ولا حلّ لأمره ولا ردّ، وهو الله لا إله إلّا هو له الحمد. وسع حلمه، وأحاط علمه، وعمّ طوله، وسما اسمه. أرسل محمّدا، ومصادح الإلحاد مصرّحة، ومسارح العدل مصوّحة (٢)، والأهواء ملوّحة، والسّوءاء مطوّحة، وأوسعه علما، [و] أروح (٣) للأمّة معالم السلامة، وآلاها (٤) مسالك الوصول لدار الرحمة والكرامة، وحماه ممّا وصمه [به] أولو الإصرار، وهداه لأسعد ورد وإصدار، ودعاه لأصلح الأعمال، وأعطاه مواسم الإحرام والإحلال. فلمّا دارك الأمم ورحمها، ملّكه مكّة وحرمها، حرما وطّد سمكه الودود الأوّاه، وأوّل أوّلا آدم أسس الإسلام وسمّاه (٥)، وأهّل ولده لما أمره الإله. ولمّا آلم أملاك السماء ما آلمه، ﵀ وسلّمه. وصار للأمم موسما واسما، ومسلكا معلوما ورسما. ودعا الله الأمم لعمارة حرمه وسلوك مسعاه، ورسم لهم الدّور حوله عددا والاه، وإكمال العدد والدعاء والعمر لله، حرم سعده عامّ كلّ عام، ومحلّه مؤكّد السلم لأهل الإسلام، وموسم عصمه لكلّ ساع وآمّ، وموعد الأمم لحطّ أحمالها، ومحلّ لأعمال الكرم وإرسالها، ومعرس الآمال، ومرصد الإعداد للمآل، ومورد الهمم السارحة، ومعهد الأعمال الصالحة، وإرسال الدموع، والدعاء المسموع، ومحو رسوم اللهو وطرح اللمم، كطرح الأسمال وحسّ اللمم (٦)، وردع أهواء آدى الكواهل رسمها وآلم الأحلام مسّها، حرم أمّه كلّ عاص لحطّ إصره، ومعلم أعدّه كلّ ساع لصلاح أمره، ومرام وصل واصله لمراده [١٤٤ أ]، ومصام (٧) أحمد المصعد له ساعة إصعاده. وأسأل الله الوصول له،

стр. 407

وما ردّ امرءا سأله، وأدعوه وهو أكرم مدعوّ وأرحم، وأعلم مسئول وأحكم، كرم المعاد والإسعاد، للإعداد، ما دام العمل مملوكا، وأمد العمر مسلوكا. وله الحمد والطّول، والعلوّ والحول، ووصل الله السعادة، وسهّل مرام الإرادة، لإمام العصر، وواحد الدهر، ومالك الأمر، ومعهد الحكمة، وراسم العدل للأمّة، سلالة أحمد رسول الله، وواصل حمد الأمّة لما أولاه، وأكرم الله واسطة محلّه الطاهر وعلم علمه الماهر، وحسامه الحاسم للأدواء، وهمامه الرادع للأهواء، مالك السؤدد والسداد، ومعمل الآراء لحدّ المراد. اسمه محمّد، ومدحه مؤكّد، وسماحه مأمول، ومحلّ كرمه مأهول، ورداء عدله مسدول، وصوارم سطاه (١) مسلولة، ودماء أعدائه مطلولة، ملك حلاحل، لا ماكر ولا ماحل، كرم وساد، وروّع الآساد، ومهّد الدهر وهدّأ روعه، وطرد السوء وأدام روعه، وسمع أمر الكرم وأطاعه، وكره اللؤم وأراد وداعه [السريع]: لله ما أودعه سرّه ... وما لأولاه وما للمآل الملك الأروع والعالم ال ... أورع الكاره ردّ السّؤال عطاؤه للحمد ساع كما ... محلّه موعد حطّ الرحال (٢) واسع صدر العلم، لا علمه ... واه ولا طود علاه ممال أكرمه الله وأعطاه ما ... رام، وردّاه رداء الكمال محامد رام الملا حصرها ... وأسوأ الحال ادّعاء المحال دعهم وإعمالهم الجهد ما اسطاعوا ... ودعواهم وحصر الرمال لو حصر المادح آلاءه ... صحّ لهم سحر الكلام الحلال لم لا أمدحه وأحمد الدهر له، وسماء مكارمه هاطلة، ومراحمه واصلة، وأحكامه عادلة، وسرور مؤمّله كامل، ووارد حزمه لمراده واصل، ومهور المدح عطاؤه، ولمع أسرّة الدهر آلاؤه، مدّ الله أمد دوامه، وهداه لطاعة إمامه، ومهّد مسعاه لإسعاده، وسدّد مرماه لمراده، وعصمه ولا وصمه، وسلّمه ولا أسلمه [السريع]: ولا عداه الحمد والمدح ما ... مدّ مداه أمد الدهر مسدّد الآراء حلو العطا ... مالك طول العمر والأمر ما كرّ عصر للدوام وما ... حام حمام طار للوكر هذه خمسمائة كلمة أنشأتها ليس فيها نقطة، بسعادة من علّمني النطق جوده، وأنارت لي وجوه المسالك سعوده. والله يبقيه، ويعين على حسن القول فيه، برحمته. وقال فيه السّلفيّ (٣): هو من أذكى الناس، والمتصرّفين في البلاغة وجودة المعاني، وله رسائل حسنة وشعر فائق. ومات سنة ستّ وثلاثين (٤) وخمسمائة. ٦٤٠ - أبو العبّاس الحرّار الأندلسي [- ٦١٦] (٥) أحمد بن أبي بكر، الشيخ أبو العبّاس،

стр. 408

الحرّار، التجيبي، الأندلسيّ، قيل له الحرّار لأنّه كان ينسج الحرير السقلاطون (١). ذكره العارف محيى الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن العربي الحاتميّ، فقال: أحمد! وما أدراك ما أحمد! جمع الفضائل، واجتنب الرذائل، عرف [١٤٤ ب] الحقّ فلزمه، وكشف له عن السرّ فكتمه، فهو ممّن ينادى من وراء حجاب، قويّ المشاهدة، كثير المساعدة، وطيء الأكناف، حسن المعاشرة، سمح الخليقة، موافق فيما يرضي الله، نزيه الجانب، مخالف فيما لا يرضي الله. لزم الاسم فسما، وعمّ ذكره كلّ أرض وسماء، تراه كأنّه ذاهل، سريع الحركة كأنّه مطلوب بثأر، يخضع تحت سلطان وارد الأسرار، كثير المكاشفة. كنّا إذا أخذنا في مسألة غيّب عنّا ثمّ يرجع فيخبرنا بوجه من وجوه ما نحن فيه (٢). لزم خدمة أخيه لم يخدم غيره، وكلّ ما هو فيه من بركة أخيه. لقي شيخنا أبا العباس جعفر الغريبيّ، وأبا عبد الله بن جنيد، وجماعة من أصحابنا. أراد صحبتنا إلى مكّة لولا مرض أخيه. حلّت بمصر المسغبة والوباء الذي هلك فيه أهلها. فمشى يوما فرأى الأطفال الرّضّع يموتون جوعا، فقال: يا ربّ، ما هذا؟ - فغيّب. فنودي: يا عبدي، هل ضيّعتك قطّ؟ قال: لا. قال: فلا تعترض! هؤلاء الأطفال الذين رأيتهم أولاد الزنا، هؤلاء هم قوم عطّلوا حدودي، فأقمت عليهم حدودي. هذه حدودي في كلّ من عطّل حدودي، فلا يكن في نفسك من ذلك! - ثم سرّي عنه. فبقي راضيا بتلك الحالة للخلق. وعنده من هذه المخاطبات كثير. وأمّا الإيثار وتوسيعاتهما على الخلق، وتضييقهما على أنفسهما، فلا أجد فوقهما في ذلك. جمع الله بيني وبينهما في عافية، ولا فرق بيني وبينهما بعد ذلك. وقد ذكره أيضا صفيّ الدين أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي المنصور (٣) فقال: منشؤه بإشبيلية. وكان ينسج الحرير السقلاطون، فسمّيالحرّار. وصحب بها رجالا، منهم أبو عبد الله ابن العاص. كان فقيها محدّثا، فحدّثه وتلقّن منه من العلوم الشرعيّة والأحاديث النبويّة ما أغناه عن الاشتغال بالعلم على العلماء. وكان كثير الاجتهاد في بلده، إلى أن سمع بأخبار الشيخ أبي أحمد جعفر [الأندلسيّ] أخصّ أصحاب الشيخ أبي مدين (٤)، فهاجر له من إشبيلية- وكان في شرق الأندلس. وخرج جماعة من المريدين معه. فلمّا وصلوا بلد الشيخ قالت رفقته: ترون أن نزور ابن المرأة؟ [وكان ابن المرأة رجلا ادّعى النبوّة] (٥). فقال لهم أبو العبّاس: أنا ما هجرت إلّا للشيخ أبي أحمد! فوافقه الجماعة ودخلوا على أبي أحمد. قال أبو العبّاس: فرأينا خلقا عظيما حوله ونقباء، كلّ نقيب تحت يده من المريدين جمع كبير. فأحضرنا بعض الخدّام بين يدي الشيخ، وأجلسنا صفّا فنظر إلينا ثمّ قال: إذا جاء الصغير للمعلّم، ولوحه ممحوّ، كتب له المعلّم. وإذا جاء ولوحه مملوء، [ف] أين يكتب له المعلّم؟ فالذي جاء به يرجع به.- ثمّ نظر نظرة أخرى وقال: من شرب من مياه مختلفة تغيّر

стр. 409

مزاجه. ومن اقتصر على ماء واحد، سلم مزاجه من التغيّر- أشار بذلك إلى الجماعة في كونهم قصدوا رؤية غيره (١). وكان الله منّ عليّ بخلوي من ذلك- ثم أشار إلى الخدّام فأقامونا وأمروا أصحابي بالانصراف، وأفردوني وذهبوا بي إلى مكان فيه جماعة [ف] أجلسوني معهم. فممّا رأيت، دار فيها أربعمائة شابّ كلّهم مكاشفون. قالوا: يا عربيّ، من يوم خرجتم من إشبيلية، اطّلعنا عليكم وعرفنا كلّ واحد منكم بأيّ وصف جاء. فلمّا كان ثاني يوم، قصد جماعة من أعيان أصحاب الشيخ أن يتخصّصوا في موضع يجتمعون فيه، فأخذوني معهم، وقرأ قارئ عشر قرآن، وشرعوا في سماع نش [ي] د وذكر الله، وإذا ب [خادمين] دخلا فأخذا واحدا واحدا من الجماعة وخرجا به، إلى أن أخذاني وأخرجاني للباب فإذا متولّي المدينة، وزبانيته قدّامه، كلّ من يخرجو [ن] هـ من الجماعة يتسلّمه الزبانية ويحملو [ن] هـ إلى السجن. فبقيت واقفا قدّام الوالي لا يبصرني ولا زبانيته [١٤٥ أ]. وإذا بالحائط قد انشقّ ودخل منه (٢) رجل عليه ثياب خضر [ف] أخذ بيدي وأخرجني من الشقّ وقال: انج أنت! فمضيت لجامع البلد، والبلد قد ارتجّ بأخذ الفقراء. فلمّا سمع الشيخ بعث وحلّهم، وإذا بخادم الشيخ وأحد بني عمّه جاءا إلى الجامع وقالا: أجب الشيخ! - فمشيت معهما حتّى أدخلاني على الشيخ. فإذا الجماعة الذين كانوا معي حاضرين فجلست بين يديه. فقال للجماعة: ما منكم إلّا من يمشي على الماء، ويطير في الهواء. لم لا عملتم كما عمل هذا؟ دخلوا عليه من الباب، خرج هو من غيره. ثمّ أذن في الانصراف. فلمّا كان ثالث يوم، بعث إليّ فحضرت إليه فوجدت عنده جماعة وهو يتكلّم. فعند ما جلست أخذت وشهدت الشيخ قائما على رأسي، ومعه قدوم وهو يهدم فيّ وأنا أشهد أبعاضي كيف تتفرّق على الأرض كما يهدم الهادم. وكنّا في فلاة وهو يهدم إلى أن وصل إلى كعبي وطالع إلى أن عقد دماغي. فقمت فرفعت رأسي. فأطرق الشيخ برأسه وأشار بيده إلى الخادم، فأقامني وقال لي: قال لك الشيخ: قد استغنيت، سافر لبلدك! فسافرت. وحين خرجت من بين يدي الشيخ انكشف لي العالم العلوي كشفا لا ينحجب عنّي منه شيء. وكنت أمشي على الأرض كالرغوة التي تجري فوق وجه الماء. ولمّا عدت لإشبيلية كان أصحابي ومعارفي يختلفون فيّ: منهم من يقول: هو أحمد، ومنهم من يقول: ما هو هو! وكنت أجيء إلى المسجد [ف] أخلع نفسي مع مداسي، وأكبّر خلف الإمام أشهد لمن أصلّي وخلف من أصلّي. فقيل له: ما معنى: خلف من تصلّي؟ فقال: يقام لي إمام علويّ روحانيّ تأتمّ به روحانيّتي كما تأتمّ جثمانيّتي بالإمام الجثمانيّ. (قال): دخل عليّ الخضر بمصر، فسلّم عليّ وقال لي: كن فردانيا! فقلت له: من في الوجود فردانيّ! قال: اثنان، أحدهما بوادي إبراهيم- يعني

стр. 410

الحجاز- والآخر بجزائر البحر، [فكان الشيخ ثالثهم] (١). ودخل عليّ مرّة وقت السحر، فسلّم وقال: قد طلعت الشمس. قلنا: أيّ شمس؟ قال: شمس الحقيقة. فلمّا أراد الانصراف قلت: أوصني! - فنظر إلى رجليه ثمّ شمّر ثوبه، [و] أشار أن: اخدم وتواضع! - وكانت هذه صفة أبي العبّاس: يخدم كلّ شيء بجهده. فلمّا انقطع الشيوخ الذين كان يعرفهم خدم الفقراء. وقال: لي نسبة من أربعة أنبياء: من العزير، ومن موسى، ومن إبراهيم، ومن محمد ﷺ . فنسبتي من العزير: متّ ثمّ أحييت. ونسبتي من موسى: سماع الكلم أسمعته وشهدته- يعني أنّه رأى الكلام. ونسبتي من إبراهيم: شهود حقائق الكواكب التي تجلّت عليه، وشهود ما شاهده بعد أفولها وتوجّه إليه (٢). وأمّا نسبتي من رسول الله ﷺ فالرؤية لله ﵎: أشهدني نفسه وقال: انظر هل تجد محلّا للزوجة والولد؟ قلت: لا وعزّتك يا ربّ! قال: فأيّ شيء شهدته بعد هذا الشهود، إنّما هو عيد. وكان سماعي الكلام وأنا ماش في سيوفيّي (٣) القاهرة بعد أن أقمت في الخلوة سنتين، وأنا أمشي بين الناس. ولو كان لي حكم أو قدرة، بنيت فيه مسجدا! وقال: كنت في بدايتي رأيت كأنّي فوق سطح جبل، وإذا بموسى وعيسى ﵉. فأخذني موسى إليه وأدخل إصبعيه السبّابتين من يديه في أذنيّ. حتّى خرقهما والتقت إصبعاه في رأسي. فقال عيسى: لم فعلت هذا به؟ قال: لأجل صاحبه- يعني النبي ﷺ ، وكانت هذه الفعلة تمهيدا لسماع الكلام. وقال: دخلت على النبيّ ﷺ مرّة، فوجدته يكتب مناشير للأولياء بالولاية. وكتب لأخي محمّد منهم منشورا. فقلت: يا رسول الله، أما تكتب لي كما تكتب لأخي؟ فقال: أتريد أن تكون قهّارا؟ - وهذه لغة أندلسية تعني: طرقيّا (٤). [١٤٥ ب] وقال: ما من شيء أخبر عنه الكتاب والسنّة من الغيب إلّا شهدته. وقال: شهدت في العالم الروحانيّ الأوّل العلويّ جميع ما ظهر في هذا الوجود الحسّيّ على صور نورانيّة روحانيّة، ظهرت هذه الحسّيّة في الوجود على مثالها. فقيل: أيّ شيء من ذلك تبيّنه لي؟ قال: شهدت كلّ رسول وهو يخاطب قومه على صورة ما ظهروا في هذا الوجود. قال ابن أبي المنصور: وكنّا نفهم من حديثه أنّ الغيب كأنّه خزانة خلفه، متى أراد الدخول إليه دخل، وبشريّته كالثوب متى أراد خلعه [خلعه]. قال: ولمّا سافر [ت] من المغرب إلى ديار مصر، عبرت على المهديّة، فوجدت فيها الشيخ

стр. 411

أبا يوسف الدهمانيّ في رباطه على البحر. فبتّ عنده ثمّ سافرت. فلمّا وصلت إلى مصر وجدت فيها الشيخ [أبا عبد الله] القرشيّ، فتردّدت لميعاده [أيّاما] ولا أكلّمه. وإذا بالشيخ الدهمانيّ جاء من المغرب ونزل في حمى القرشيّ. فاتّفق أنّي لقيته وهو يحمل حاجة (١) له، وليس له من يخدمه، فعزّ عليّ، فجئت منزله وقلت له: يا سيدي، تأذن لي أن أخدمك ما دمت بمصر، بحيث تبقيني على الحال الذي أنا فيه؟ قال: افعل. فخدمته، وكنت لا أتناول له شيئا. وكانت الحالة التي كنت مرادا بها في ذلك الوقت أنّي كنت في مخزن في فندق عند مسجد الهيثم بحيّ قشّ القصب الحلو، ومعي إبريق [وكنت] أكبّ (٢) زنّار حرير بدرهم أودعه عند البيّاع فآخذ منه كلّ عشيّة رغيفا أفطر عليه إلى أن يفرغ [الدرهم]. وأنا صائم- فأكبّ [زنارا] غيره (٣). فاتّفق أنّ القرشيّ عمل لأبي يوسف وليمة ومدّ سماطا قعد عليه من حضر. وكان القرشيّ ضريرا. وكنت أنا جالس [ا] إلى السماط ولم آكل شيئا. فقال القرشيّ: يا قوم، من هذا الجالس ولا يأكل؟ قال له الخادم: أحمد الحرّار. فسكت. فقال له أبو يوسف: لم لا تأمره بالأكل؟ قال: يا أبا يوسف، ما حكّمني في نفسه. قال له أبو يوسف: أنا وجدته عندك. قال له القرشيّ: هو رآك قبلي في المهديّة- ولم أكن أخبرت القرشيّ بذلك. فسكت الاثنان. ولمّا سافر أبو يوسف من مصر، خطبني القرشيّ لخدمته فامتنعت لأجل أخي- وكان من كبار الأولياء، وكنت أخدمه. فقال القرشيّ: لا بدّ أن تخدمني- فوافقته، وكان حوله جماعة. فطلعت معه للقرافة وبتّ في خدمته تلك الليلة. فلمّا كان بعد الصبح قال لي: يا أحمد، ما خلّاني أخوك البارحة أنام. امض إليه فقد آثرته بك. فجئته وأخبرته فقال: صدق: البارحة، كنت أسأل الله أن يقلب قلب القرشيّ حتى يتركك لي. قال: وخرجنا جماعة من إشبيلية نريد السياحة. وكان من جملتنا محيى الدين محمد بن العربيّ، وحكّمنا أميرا للسنة رجلا يقال له ابن عمّار. فبينما نحن نمشي في البرّيّة، وإذا بالخضر أقبل. فلمّا رأيناه عرفناه، فكسا الجماعة صفة تعجيز وشاغلهم، وهو سائر يحادثهم، وهو يسلّم. فلم يستطع أحد منهم يردّ السلام سواي، وكلّ ذلك لآثار دعاو كانت عندهم. وكنّا مرّة جالسين في مكان، وقد دخل علينا رجل لا نعرفه كسانا منه هيبة. فسلّم وركع. والتفت للجماعة وقال: تصوّر سؤال: الوجود مملوء أم فارغ؟ فلم يجبه أحد. قال: آدم لمّا أكل من الشجرة، كان محمد رسول الله ﷺ حاضرا [أم غائبا]؟ فلم يجبه أحد. قال: لمّا خرجت حوّاء من ضلع آدم ﵇ ما سدّ المكان الذي كانت فيه؟

стр. 412

فلم يجبه أحد. فسلّم ومضى. [وكان الذي سألهم الخضر ﵇] (١). وسأل الشيخ أبا العبّاس الرّعينيّ سائل فقال: أيّما أفضل: العقل أم الروح؟ فغيّب الشيخ أبو العبّاس ثمّ حضر فقال: لمّا أسرى بالنبيّ ﷺ صحبة جبريل ﵇ انتهى به جبريل إلى حدّه، فوقف وقال: يا محمّد، ما منّا إلا وله مقام معلوم: منذ خلقت، ما تعدّيت ههنا. فتقدّم النبيّ ﷺ إلى مقامه الذي اتّصل به. فكان [١٤٦ أ] جبريل روح [ا]، وكان محمد ﷺ حين ذلك عقلا. وقال: خرجت مرّة من إشبيلية وحدي لبلد آخر، وإذا شخص يشبه أهل اليمن سلّم عليّ، وصار يحادثني إن مشيت مشى وإن قعدت قعد، يقرأ سورة: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ. فبقي معي أيّاما. فقلت: من تكون، رحمك الله؟ قال: أنا مؤمن من مؤمني الجنّ أرسلت إليك أؤنسك- فلمّا وصلت إلى البلد الذي أردت، راح عنّي. قال: كنت [في] حالة تجريدي بمصر أتردّد إلى مسجد قبالة مصنع الحفّارين بطريق القرافة أبيت فيه. وكنت أخرج في الليل أمشي في الجبّانة، فيكشف الله لي أحوال أهل القبور المنعّمين، وغيرهم من المعذّبين في اختلاف أحوالهم، فما رأيت أحسن من الجهة التي قبليّ الفتح. قال ابن أبي المنصور: فلمّا أدركته الوفاة أشار إليّ بأن أحفر له قبرا. فاخترت له مكانا قبليّ الفتح. فدفنته فيه. وأخبرته قبل موته فقال: أحسنت. وقال: كنت يوما أصلّي في المسجد الذي أنا فيه، وإذا أنا أبصر وراء الحائط ثلاثة من الأبدال عابرين المسجد. فلمّا وصلوا قبالة المسجد، قال بعضهم لبعض: هذا رجل في المسجد. ليدخل منّا واحد ليبصره. فجاء واحد منهم للحائط الذي فيه الباب، فدخل من الحائط حتى جاء إليّ فوجدني قائما في الصلاة فغسلني وخرج من الحائط وأخبر أصحابه وأنا أبصر إلى أن انصرفوا. وكان لباسهم جلدا. وقال: مرضت مرّة في إشبيلية. فكنت مضطجعا، وإذا أنا أشهد طيورا كبارا ملوّنة يرفعون أجنحتهم دفعة واحدة ويضعونها وضعا واحدا، وأشخاص على أيديهم أطباق مغطّاة فيها تحف. فوقع لي أنّها تحفة الموت (٢). فاستقبلتها وتشاهدت. فقال لي واحد منهم: أنت ما جاء وقتك. هذه تحفة لمؤمن غيرك جاء وقته. ولم أزل انظر إليهم إلى أن غابوا. وكنت مرّة في المسجد الذي أصلّي فيه بمصر، وقد عبر المتولّي في ذلك الوقت في زمن الملك العادل الكبير، كان يقال له فخر الدين إسماعيل. فسمعت مخاطبة: هذا في معالجتك في الظاهر، وأنت قبالته في الباطن (٣). وكان إذا صلّى في محراب هذا المسجد ينحرف يمينا. فسئل عن ذلك فقال: أنا أصلّي إلى الكعبة عيانا وأميل معها. وقال: خطر للملك الكامل أن يخرج المغاربة من ديار مصر لوهم وقع له فيهم. فنادى فيهم بالخروج نداء مقلقا. فتغيّر باطني عليه بسبب ذلك. ثمّ إنّه رجع عنه. فلمّا حججت بعد، وأنا

стр. 413

في الطواف، تذكّرته. فهممت أن أدعو عليه. فقيل لي: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها. فدعوت له. وكنت مرّة على ساحل نيل مصر، وإذا بجنديّ طلب قياسة (١) يعدّي فيها. فخاف صاحب القياسة من سخرته، فأخرجها من البرّ ليهرب بها. فلحقه الجنديّ فضربه في رأسه بالمقرعة. فهممت بالدعاء عليه، فقيل لي: ما حاجة تدعو إليه. بهذه الصف [ع] ة أعامله غدا على الصراط. وكنت في بعض السياحات أحتاج إلى الاستجمار. فأخذت مرّة حجرا لأستجمر به. فقال الحجر: سألتك بالله لا تنجّسني! فتركته، وأخذت غيره فقال لي كذلك. فتذكّرت ما رتّبه الشارع في ذلك. فأخذت الحجر وقلت له: أمرني الله أن أتطهّر بك، وهو خير لك. وكنت تركت أخي بمكّة وجئت إلى مصر. فبعد ذلك جاءني ودخل البيت الذي كنت فيه. ففرحت بقدومه. وقال لي: يا أخي، أنا جائع. فقلت له: يا أخي، ما أملك [١٤٦ ب] شيئا، ولا أتكلّف شيئا، ولا أسأل أحدا شيئا. فآخر كلامي معه بذلك، وإذا بعصفور كبير دخل من شبّاك البيت وألقى في حجري قيراطا كبيرا. فأخذته واشتريت له به أكل [ا]. وقال: لم أزل أتسبّب في الحرير إلى أن نهيت عن السبب. فبقيت ولم أتركه، تواضعا للعلم وسترا للحال، إلى أن قيل: تتركه وإلّا أعميناك- فتركته. وقال ابن أبي المنصور: وعاش بعد ذلك عدّة سنين متّسع الدائرة بالعيال والأتباع، واسع النفقة. وكان كريما ينفق من جيبه مالا يضعه فيه. ومات ولم أجد له درهما واحدا. ولمّا عزل عماد الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد العليّ ابن السكّريّ من قضاء القضاة، وتدريس الشافعيّ، وتدريس المشهد الحسينيّ، وخطابة القاهرة، لم يبق بيده سوى تدريس منازل العزّ بمصر، ثمّ أخذ منه. فشكا ذلك للشيخ أبي العباس وأنّه لم يشقّ عليه إخراج شيء من مناصبه سوى منازل العزّ لكونها سكن عائلته، وهم كثير. فقال له الشيخ: يكون الخير. فلما كان تلك الليلة وأصبح الشيخ قال: اليوم العصر يردّ للعماد مدرسته. فسئل: كيف الخبر؟ فقال: قمت البارحة لوردي أصلّي، وقد خبّأته في زاوية من باطني، فقيل لي: غدا العصر تردّ عليه مدرسته. فلمّا كان العصر جاءه توقيع جديد بها من غير سعي. وقال له العماد: يا سيّدي، عندي جارية حامل. فقال له: تضع غلاما اسمه عبد العزيز. فوضعت فخر الدين عبد العزيز، درّس بعده بمنازل العزّ وولي خطابة القاهرة. وقال ابن أبي المنصور (٢): وتزوّج الشيخ أبو العبّاس على رأس أربعين سنة، بعد أن قيل له: تزوّج، ففي ظهرك ولد نريد إخراجه.

стр. 414

فتزوّج، ورزق أولادا، منهم ابنته التي زوّجنيها، وبعدها ولد أسماه أحمد، مات وهو صغير. وكان، ﵁، يصلّي في مسجد، وكان ابن الواقف يقال له النجيب، يخدم بعض الأمراء. فقبض عليه ذلك الأمير، فبعث يستجير بالشيخ. فقال: لا أعرف أميرا ولا وزيرا. ما أقصد إلّا الله! وطلع إلى المسجد بالقرافة، وصلّى فيه متوجّها إلى الله تعالى في حقّ صاحبه. فما جاء آخر النهار حتى أفرج عنه من غير سعي. وجاء جماعة إلى الشيخ عند موته، فسألوه الدعاء للمسلمين بالنصرة على العدوّ، وكان الفرنج في دمياط [في] نوبة الملك العادل. فقال: اللهم اجعلني فداء المسلمين! فكان موته يوم كسرهم، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان سنة ستّ عشرة وستّمائة. وكتب له الشيخ محيى الدين محمد بن العربيّ كتابا من دمشق، فيه: يا أخي، أخبرني بما تجدّد لك من الفتح. فأجابه: جرت أمور، وردت عربيّة النظر، عجميّة الخبر. فكت له ابن العربيّ: يا أحمد، توجّه إليّ بها بباطنك، أجيبك عنها بباطني. فعزّ ذلك عليه. وكتب له: أشهدت الأولياء دائرة مستديرة، وفي وسطها اثنان، أحدهما الشيخ أبو الحسن بن الصبّاغ، والآخر رجل أندلسيّ. فقيل لي: أحد هذين هو الغوث- فبقيت متحيّرا لا أعلم من هو فيهما. فظهرت لهما آية، فخرّا ساجدين، فقيل لي: الذي يرفع رأسه أوّلا هو القطب الغوث- فرفع الأندلسيّ رأسه أوّلا، فتحقّقته، فوقفت إليه [و] سألته سؤالا بغير حرف ولا صوت. فأجابني بنفثة نفثها أخذت منها جوابي. وسرت بشائر [ل] دائرة الأولياء أخذ منها كلّ وليّ بقسطه. فإن كنت يا أخي بهذه المثابة تحدّثت معك من مصر. فلم يعد يكتب له في ذلك شيئا. وكتب إليه الشيخ أبو الحسن ابن الصبّاغ كتابا نصّه بعد البسملة: من عليّ بن حميد للأخ في الله تعالى [١٤٧ أ] أبي العبّاس أحمد. أيّها الأخ الغريب في وقته، اسمع ثناي عليك، وشكايتي إليك: قد خلت المحاريب من المتهجّدين، وتداعت بالخراب مساجد الراكعين والساجدين، وأصبحت ديار الحقّ أطلالا، وصاحب الدين ممقوتا، وصاحب المال مرفوعا، واستطال الغنيّ على الفقير، وتغلّب كلّ شيطان مريد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح الداعي إلى الله تعالى مهجورا، وأمسى الداعي إلى الهوى متبوعا. فطوبى لمن أطلق لسانه بذكر الله ، وطهّر قلبه ممّا سوى الله، وامتلأ سرّه بمحبّة الله ، وانطوى ضميره بنيّة الخير لعباد الله، وهشّت روحه شوقا إلى الله ، وكتفت نفسه بعلم الله تعالى، وكان له سرّ حسن مع الله. يا أخي، خذ ما صفي، ودع الكدر، فما العيش إلّا في الصفاء. واعرف قدر العافية، واشكر عليها، وارض بالله كفيلا يكن لك وكيلا. وعظّم الله تعظم به، واذكره تذكر به. والسلام معاد عليك وعلى جميع من لديك، ورحمة الله وبركاته. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله. فقيل للشيخ أبي العبّاس: ما العافية التي تعرف قدرها والشكر عليها؟

стр. 415

فقال: النظر إلى وجه الله تعالى. وقال، ﵁: تجلّت لي شمس الحقيقة- يعني الربوبيّة- في حجاب صدور أربعة رجال: الشيخ أبو أحمد جعفر الذي هدمه وبناه، والشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشيّ، والشيخ أبو الحسن عليّ بن حميد الصبّاغ (١)، والشيخ أبو يوسف الدهمانيّ. وقال، لمّا جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر: توجّهت لأن أدعو، فقيل لي: لا تدع! ما يسمع في هذا دعاء كباركم ولا صغاركم. وله ترجمة واسعة. ٦٤١ - بهاء الدين الربعيّ سبط الشاذليّ [٦٦٤ - ٧٢٠] (٢) أحمد بن أبي بكر بن عزّام بن إبراهيم بن ياسين بن أبي القاسم محمد بن إسماعيل بن عليّ، بهاء الدين، أبو العبّاس، ابن أبي الفضائل، ابن أبي المجد، ابن أبي إسحاق، الربعيّ، الأسوانيّ المحتد، الشافعيّ. ولد بالإسكندريّة في سنة أربع وستّين وستّمائة، وهو سبط الشيخ أبي الحسن الشاذلي (٣). قرأ القراءات على [عبد الله بن عبد الحقّ] الدلاصيّ بمكّة، وقرأ الفقه والأصول والنحو. وولي نظر الأحباس الديوانيّة بثغر الإسكندريّة، وتصدّر بها لإقراء العربيّة في جامع العطّارين. وصحب الشيخ أبا العبّاس المرسيّ وأخذ عنه التصوّف. وكان مقداما متديّنا. ومات بالقاهرة في التاسع من شوال سنة عشرين وسبعمائة. وله شعر، منه [الطويل]: وحقّك يا ميّ، الذي تعرفينه ... من الوجد والتبريح عندي باق فبالله لا تخشي رقيبا، وو اصلي ... وجودي ومنّي وانعمي بتلاق وقال [الطويل]: أيا طرس إن جئت الثغور فقبّلن ... أنامل ما مدّت لغير صنيع وإيّاك من رشح الندى وسط كفّه ... فتمحى سطور سطّرت بصنيع (٤) ٦٤٢ - خطيب الفيّوم [- ٧٢١] (٥) أحمد بن أبي بكر بن ظافر، مجد الدين، ابن معين الدين، ابن سديد الدين، الهمذانيّ، المالكيّ، الفيّوميّ، خطيب الفيّوم، وابن خطيبها، وأخو قاضي القضاة المالكيّة بدمشق، شرف الدين محمد بن أبي بكر. كان يضرب به المثل في السؤدد والمكارم. وصاهر الصاحب تاج الدين محمّد ابن حنّا. ومات يوم الثلاثاء [ ... ] من ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بالفيّوم. وكان أديبا عاقلا أريبا، له فضائل. وكان أحد رجالات الكمال علما وصورة وأدبا وكرما، وأخذ

стр. 416

عن عبد المؤمن ابن شهاب الدين الأسعردي المقرئ المجوّد المعروف بابن اللبّان، والد شمس الدين محمد ابن اللبّان قرأ [١٤٧ ب] ... (١). ٦٤٣ - العشّاب وزير اللحيانيّ [٦٤٩ - ٧٣٦] (٢) أحمد بن محمد بن إبراهيم، المغربيّ، [المراديّ]، العشّاب، وزير اللحيانيّ صاحب تونس (٣). حدّث عن إبراهيم بن عبد الرحمن التجيبيّ، ويوسف بن حبيش، وطلب الحديث، وبرع في النحو وأقرأه. توفّي بالإسكندريّة عن سبع وثمانين سنة، سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة. ٦٤٤ - شهاب الدين ابن يغمور [٦٤٠ - ٦٧٣] (٤) [١١٠ أ] أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك بن سلمان بن عبد الله، الأمير أبو الفضل، شهاب الدين ابن الأمير الجواد أبي الفتح جمال الدين، ابن الأمير شرف الدين أبي الغيث، ابن [ ... ] ابن شمس الدولة. ولد بمصر بباب القنطرة ليلة الخميس ثالث عشر ربيع الأوّل سنة أربعين وستّمائة. وترقّى في الرئاسة التي ورثها عن أبيه حتّى ولي الغربيّة من ديار مصر. ووصف بفضائل جمّة من كرم وشجاعة ووفور حرمة، وبطش بأهل الفساد، وسطوة شديدة بحيث تجاوز فيها الحدّ. ولم يبق في أيّامه لمفسد ذكر. وكانت له مكانة من السلطان الملك الظاهر بيبرس. وكان يكتب إليه: المملوك، وهو في الولاية الغربيّة، فإذا قدم عليه بالغ في إكرامه وأجلسه مع أكابر الأمراء. وكتب إليه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة كتابا أغلظ فيه. فبعث بالكتاب إلى الملك الظاهر، فطلب بيليك وأنكر عليه، وبقي شهرا لا يكلّمه، على مكانة بيليك منه. ومن شعره [الخفيف]:

стр. 417

آنستني لمّا بعدت الطروس ... فلنفسي بكلّ حرف نفوس وأدارت فينا من اللفظ كاسا ... ت أقرّت بفعلهنّ الكؤوس [١٥٦ أ] والحميّا للشمس يعزى سناها ... وبها أشرقت علينا شموس وقال- وكتب بهما إلى بعض الأكابر [السريع]: إن جسر العبد فإذلاله ... موجبه رقّ عبوديّته وإن يقصّر كان تقصيره ... بالودّ محمولا على نيّته وقال في غلام عنبريّ [الطويل]: ولي عنبريّ كلّما قلت قد دنا ... وصالا أراه في التنافر زائدا تحكّم في الألباب حتى رأيته ... ينظّم حبّاب القلوب قلائدا ٦٤٥ - الزرعيّ الزاهد [- ٧٦٢] (١) أحمد بن موسى الزرعيّ. كان زاهدا يعتقده الناس ببلده، ويتردّد إليه نائب الشام وغيره. وكان يكتسب من عمل العبيّ (٢) الصوف بيده. وكان إذا باع شيئا من نسجه، فأعطاه أحد فوق القيمة، يردّه. فلمّا كانت كائنة الشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة، وسجن بالقاهرة، قدم من الشام لسببه. فاجتمع ببيبرس الجاشنكير، وكان هو القائم على ابن تيميّة، نصرة للشيخ نصر المنبجي. فصدع عند بيبرس بالإنكار الشديد والوعظ الزاجر، ثمّ رجع. ولمّا خرج الناصر من الكرك، اجتمع به بدمشق، وسأله أن يرفع ظلامة عن أهل زرع، فأجابه، وكان متحصّلها ألف دينار وقال السلطان لمّا خرج: ما رأيت أهيب منه! وله ترداد إلى مصر لرفع المظالم. وكان مسموع الكلمة عند الملوك. ومات بمدينة حراص (٣) في المحرّم سنة اثنتين وستّين وسبعمائة. ٦٤٦ - ابن مفضّل وكيل ابن طولون (٤) [١١١ أ] أحمد بن مفضّل. كان من وكلاء أحمد بن طولون وخدمه، ولا شيء له. ففوّض إليه أمره كلّه [١٤٨ أ] واستولى عليه. وكان حازما ذكيّا شهما كافيا حسن الخدمة. إلّا أنّه كان بخيلا فيه لجاج في الشيء إذا خوطب فيه، ولا ينحلّ عنه، وإن ركب فيه ما يضرّه. فوصل إليه من الارتفاق ما لم يصل إلى أحد من حاشية أحمد بن طولون، ما بين هدايا وغيرها. وكبرت أحوال أحمد بن طولون في مطابخه، وراتبه من ضياع إقطاعه. فتقدّم في وقت إلى ابن مفضّل ألّا يضع يده على شيء من مال هذه الضياع، فإنّه يريد مالها أن يبعث به إلى طرسوس. فلمّا انقضى الشهر، وافى نفيس الطبّاخ إلى ابن مفضّل يستدعي منه إطلاق النفقات على العادة للمطابخ. فقال له: قد حظر الأمير على الجهة التي كنت أطلق لك مالها.

стр. 418

فقال له الطبّاخ: احتل لي فيما ننفقه اليوم، وتستأذن الأمير الليلة فيما نعمل. قال: ما عندي حيلة. فقال له: إنّ النهار يمضي. دبّر لنا في شيء ممّا نحتاج إليه ممّا لا بدّ للأمير منه. فقال: ما عندي حيلة، وما لي مال فأعطيك. فقال الطبّاخ: أفأذكر هذا للأمير؟ قال: ذاك إليك. فدخل الطبّاخ إلى أحمد بن طولون وعرّفه الخبر. فأحضر ابن مفضّل وقال له: ويحك، ما كانت لك حيلة في إقامة نفقات المطابخ يوما واحدا، إلى أن نطلق ذلك من جهة نختارها؟ فقال: لو تهيّأ لي ذلك، لما توقّفت عنه، وإنّه لمتعذّر عليّ. فقال له: احلف بالله ثمّ برأسي أنّك ما تملك ذلك. فحلف. فدعا سوّارا الخادم وقال له: امض الساعة واقبض على كلّ ماله واحمله إليّ. فمضى وقبض جميع ما وجده في داره. فوجد له من العين ثمانين ألف دينار. فحملها إلى أحمد بن طولون، وختم على ما بقي. فأمر ببيعه، فبيع بعشرين ألف دينار. وسلّم ابن مفضّل إلى سوّار الخادم، فكان آخر العهد به (١). وكان صفيق الوجه، حازما شهما. ٦٤٧ - تاج الدين ابن مكتوم المقرئ [- ٦٧٠] (٢) [١٠٩ أ] أحمد بن مكتوم بن أحمد بن محمد بن سليم بن مجلّي، القيسيّ، أبو العبّاس، ابن أبي السرّ، الدمشقيّ، الشافعيّ، الفقيه، المقرئ، الصالح، العدل، تاج الدين، جدّ شيخ شيوخنا تاج الدين أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم، الحنفيّ (٣). سمع بدمشق من أبيه، ومن أبي محمّد الحسن بن عليّ بن الحسين بن البنّ (٤)، ومن أبي عبد الله الحسين بن المبارك بن الزبيديّ، وغيره. وقرأ القراءات على السخاويّ، وقدم القاهرة، وحدّث، وسمع منه قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة، وغيره. وكان صالحا خيّرا عدلا فاضلا، مقبلا على شأنه كثير العبادة، سمحا. توفّي في تاسع عشرين شوّال سنة سبعين وستّمائة بالقاهرة، ودفن بالقرافة. وقد حدّث أبوه مكتوم بن أحمد، وعمّه أبو الفضل جعفر بن أحمد بن محمّد، وأخوه يوسف بن مكتوم، وجماعة من أهله. ٦٤٨ - ابن الجبّاس الدمياطيّ [٦٥٣ - ٧٤٢] (٥) [٧٢ أ] أحمد بن منصور بن صارم بن أسطوراس، الملقّب شهاب الدين، المعروف بابن الجبّاس، الدمياطيّ.

стр. 419

ولد في سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. قرأ القرآن الكريم بالقراءات السبع، وخطب بالورّادة (١) المنزلة التي بالرمل. وكان كافّا للسانه عن الناس، يتردّد إلى الأكابر [ ... ]. [وله] كتاب أسباب الوفاق في فضائل الإنفاق، وكتاب كرامات الشيخ فاتح. ومن شعره في رمّانة قد شقّت وسقطت [الكامل]: كتمت هوى قد لجّ في أشجانها ... وحشت حشاها من لظى نيرانها فتشقّقت من حبّها عن حبّها ... وجدا، وقد أبدى خفا كتمانها رمّانة ترمي بها أيدي النوى ... من بعد ما رمّت على أغصانها (٢) فاعجب، وقد بكت الدموع عقائقا ... لا من محاجرها ولا أجفانها [١٤٨ ب] وقال في الموز [المنسرح]: كأنّما الموز في عراجنه ... وقد بدا يانعا على شجره فروع شعر برأس غانية ... عقصن من بعد ضمّ منتشره كأنّ من ضمّه وعقّصه ... أرسل شرّابة على أثره وفي اعتدال الخريف أحسن ما ... يرفل مثل الدرّاج في أزره كأنّ أمشاطه مكاحل من ... زمرّد نظّمت على قدره كأنّ أشجاره وقد نشرت ... ظلال أوراقها على ثمره حاملة طفلها على يدها ... تقيه حرّ الهجير في خمره كأنّ قامات سوقه عمد ... حنت أوازيّها على جدره (٣) كأنّما ساقه الصقيل وقد ... بدت عليه رقوم معتبره ساق عروس أميط مئزرها ... فبان وشي الخضاب في حبره تصاغ من جدول خلاخلها ... فتنجلي، والنثار من زهره حدائق خفقت سناجقها ... كأنّها الجيش أمّ في زمره زها فراق العيون منظره ... فما تملّ العيون من نظره وكلّ آياته فباهرة ... تبين في ورده وفي صدره كأنّما عمره القصير حكى ... زمان وصل الحبيب في قصره [٧٢ ب] كأنّ عرجونه المشيب أتى ... يخبر أن خانه انقضا عمره كأنّه البدر في الكمال وقد ... أصيب بالخسف في سنا قمره كأنّه بعد قطعه وقد اص ... فرّ لما نال من أذى حجره متيّم قد أذابه كمد ... يبيت من وجده على خطره

стр. 420

معلّقا بالرجاء ظاهره ... يخبر عمّا أجنّ من خبره يطيب ريحا ويستلذّ جنى ... على أذى زاد فوق مصطبره كأنّه الحرّ حال محنته ... يزيد صبرا على أذى ضرره وقال وقد أصابه صمم [الكامل]: إن قلّ سمعي إنّ لي ... فهما توفّر من قسم (١) يدني إليّ مقاصدي ... ويروقك الرمح الأصمّ ولربّ ذي سمع بعي ... د الفهم عيّ النطق فدم (٢) زادوا على عيب التصا ... مم أنّهم صمّ بكم (٣) ٦٤٨ م- ابن منصور الرماديّ أحمد بن منصور بن سيّار بن معارك، أبو بكر، البغداديّ، الرماديّ. محدّث مشهور، ذكر في أحمد بن محمد بن منصور (رقم ٦٢٧). ٦٤٩ - أبو العبّاس الشيرازيّ الحافظ [- ٣٨٢] (٤) [١٤٩ أ] أحمد بن منصور بن محمد، أبو العبّاس، الشيرازيّ، الحافظ. سمع أحمد بن جعفر بن سليم القزّاز الفسويّ، والحسن بن أحمد بن المبارك الطوسيّ، وعبد الله بن عديّ. روى عنه تمّام الرازي، والحاكم أبو عبد الله الحافظ. وكان أحد الرحّالين في طلب الحديث، المكثرين من السماع والجمع. قدم إلى نيسابور، وأقام بها سنين، ومعه مصنّفات كثيرة في الشيوخ والأبواب. ثمّ خرج إلى هراة ومرو، وجمع من الحديث ما لم يجمعه غيره. ثمّ سار إلى العراق والشام، وقدم مصر، وعاد إلى شيراز، وصار له عندهم قبول عظيم، بحيث يضرب به المثل، إلى أن مات بها في شعبان سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة عن ثمان وستّين سنة، فكثر تأسّف الناس عليه. قال الدارقطني، وذكره: يتقرّب إليّ بكتب يكتبها، وقد أدخل بمصر، وأنا بها، أحاديث على جماعة من الشيوخ. ٦٥٠ - أبو جعفر ابن رستم الأصبهانيّ [- ٢٧٢] (٥) [٧٣ أ] أحمد بن مهدي بن رستم، أبو جعفر الأصبهاني، المدنيّ، أحد الثقات الأثبات. رحل في طلب الحديث، وكتب بالشام ومصر والعراقين. وروى عن أبي اليمان، وسعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن صالح، ونعيم بن حمّاد. توفيّ في شوّال- وقيل لعشر مضين من رمضان- سنة اثنتين وسبعين ومائتين. قال أبو نعيم: كان ظاهر الثروة صاحب ضياع. لم يحدّث في وقته من الأصبهانيّين أوثق منه،

стр. 421

وأكثر حديثا. صاحب كتب وأصول صحاح. أنفق عليها نحوا من ثلاثمائة ألف درهم. وقال أبو محمد ابن حبّان: قال محمّد بن يحيى بن مندة: لم يحدّث ببلدنا منذ أربعين سنة أوثق من أحمد بن مهدي، صنّف المسند. ولم يعرف له فراش منذ أربعين سنة. صاحب صلاة واجتهاد. افتقد من كتبه كتابا فطلبه (١)، ثمّ ردّ عليه فترك قراءته. ٦٥١ - ابن منير الرفّاء الشاعر [٤٧٣ - ٥٤٨] (٢) [٧٥ ب] أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسيّ، الرفّاء، أبو الحسن، الشاعر المشهور. كان أبوه مغنّيا يغنّي في الأسواق. فولد له ابنه هذا في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. فنشأ ذكيّا، وحفظ القرآن وتعلّم الأدب ونظم الشعر. وتحوّل إلى دمشق فسكنها. وكان قد تعلّم مذهب الإماميّة من صباه، فدام عليه. وكان كثير الهجو بذيء اللسان، فسجنه بوري [بن طغتكين] صاحب دمشق، وعزم على قطع لسانه. فشفع فيه يوسف بن فيروز حاجبه فنفاه. ثمّ قدمها في أيّام ولده إسماعيل بن بوري فمدحه. ثمّ جرى على عادته في الهجاء، فهمّ بقطع لسانه. فهرب وتنقّل في حماة وشيراز، إلى أن مات بحلب في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ٦٥٢ - ابن مهنّا أمير العرب [٦٨٤ - ٧٤٩] (٣) [٧٤ أ] أحمد بن مهنّأ بن عيسى بن مهنأ، الأمير شهاب الدين، أمير العرب بالشام، من آل فضل. ولد سنة أربع وثمانين وستّمائة. واعتقله الأمير طقزدمر نائب الشام بقلعة دمشق في جمادى سنة خمس وأربعين. ثمّ نقله إلى قلعة صفد. فلمّا مات الملك الصالح إسماعيل، قدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة ستّ وأربعين وسبعمائة فأكرمه السلطان الملك الكامل شعبان بن محمّد، وخلع عليه، وكتب بتقليده إمرة العرب عوضا عن سيف بن فضل، فقدم سيف بالقود (٤) وهو نحو مائة فرس من جياد الخيل وعدّة هجن. فخلع عليه ولم يقبل سعيه في الإمرة، ولا أنصفه في أثمان خيله، رعاية لأحمد بن مهنأ. ثمّ قدم أحمد في صفر سنة سبع وأربعين بعد قدوم أخيه حيار بن مهنّأ، ومعه خيول للتقدمة، فلم يسعد فيها، وأخذ من عربه مكوس ما معهم من البضائع، ولم تجر عادتهم بذلك. فأغضى أحمد عن ذلك لما عنده من العقل والسكون، وعاد بغير نصفة. ثمّ قدم [١٤٩ ب] في أيّام المظفر حاجّي، وقد قدم سيف بن فضل يسعى في الإمرة، فلم يقبل عليه السلطان لاعتنائه بسيف، ورسم سفره. فخرج من مصر، واستقرّ سيف في إمرة العرب. وقدم في أيّام الناصر حسن، وخلع عليه بالإمرة

стр. 422

في [ ... ] سنة تسع وأربعين. وتوجّه فمات في [ ... ] رجب سنة تسع وأربعين وسبعمائة، [ونقل إلى مشهد الإمام علي ﵁ عند رحبة مالك ابن طوق ودفن هناك] (١). فاستقرّ عوضه أخوه فيّاض ابن مهنّأ أميرا. ولم يكن في أولاد مهنّأ أدين منه ولا خير. وهو شقيق سليمان وموسى ابني مهنّأ. وكان إذا مرض لا يتداوى، وإذا خوّف من مسك السلطان لا يفرّ ويقيم على الطاعة كراهة للفتنة. ٦٥٣ - المستنصر، أوّل الخلفاء العبّاسيّين بمصر [- ٦٥٩] (٢) [٥١ أ] أحمد، ابن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أحمد، ابن أمير المؤمنين المستغني (٣) بأمر الله أبي محمد الحسن، ابن الإمام المستنجد بالله أبي المظفّر يوسف، ابن الإمام المقتفي (٤) لأمر الله أبي عبد الله محمد، [ابن] المستظهر بالله أبي العبّاس أحمد، ابن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله، ابن الأمير ذخيرة الدين محمد، ابن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله، ابن القادر بالله أبي العبّاس أحمد، ابن الأمير [المتّقي] إسحاق، ابن الأمير المقتدر بالله أبي الفضل جعفر، ابن المعتضد بالله أبي العبّاس أحمد، ابن الموفّق بالله الناصر لدين الله وليّ عهد المسلمين أبي أحمد طلحة، ابن الإمام المتوكّل على الله أبي الفضل جعفر، ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد، ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد، ابن المهدي بالله أبي عبد الله محمد، ابن أبي جعفر عبد الله المنصور، ابن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، الخليفة أبو العبّاس، أمير المؤمنين المستنصر بالله، أوّل الخلفاء العبّاسيّين بمصر. كان محبوسا ببغداد. فلمّا أخذت سار من بغداد بعد واقعة هولاكو، ولحق بالعرب ونزل عند بني مهنّا. وقصد ديار مصر، وفيها يومئذ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري. فوردت مكاتبة الأمير أيدكين البندقدار، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ نائب دمشق على الملك الظاهر، بأنّه قد ورد إلى غوطة دمشق رجل ادّعى أنّه أحمد ابن الإمام الظاهر ابن الإمام الناصر، ومعه جماعة من عرب خفاجة في نحو الخمسين فارسا، وأنّالأمير سيف الدين قليج البغدادي عرّف أمراء العرب المذكورين وقال: بهؤلاء يحصل المقصود. فكتب السلطان إلى النوّاب بالبلاد الشاميّة بالقيام في خدمته وتعظيم حرمته، وأن يسير معه حجّاب دمشق. فسار من دمشق بأوفر حرمة. وخرج السلطان من قلعة الجبل في يوم الخميس تاسع رجب سنة تسع وخمسين وستّمائة إلى لقائه، ومعه الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنّا، وقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ، وسائر الأمراء، وجميع العسكر. وجمهور أعيان القاهرة ومصر، ومعظم الرعيّة. فتلقّاه ودخل به إلى القاهرة من باب النصر، ومعه عشرة من بني مهارش، وقد لبس السواد، شعار آبائه الخلفاء العبّاسيّين. وشقّ القصبة إلى باب زويلة، وصعد إلى قلعة الجبل، وقد اجتمع الناس لرؤيته

стр. 423

من كلّ جهة. وكان من الأيّام المشهودة. وصعد القلعة وهو راكب، ونزل بمكان قد هيّئ له بتهيئة [٥١ ب] تليق به. وبالغ السلطان في إكرامه، واحتفل في إقامة ناموسه ووقاره. فلمّا كان في يوم الاثنين ثالث عشره، حضر بقلعة الجبل قاضي القضاة تاج الدين، ونوّاب الحكم، وعلماء القاهرة ومصر، وأعيان الفقهاء، وكبار المشايخ الصوفيّة (١)، والأمراء، ومقدّمي العساكر، ووجوه التجّار، وأكابر الرعيّة. واستدعي شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام، فلمّا [١٥٠ أ] كمل الجمع، جلس أحمد ابن الظاهر، وجلس الملك الظاهر إلى جانبه، وهو في غاية التأدّب معه، من غير كرسيّ ولا طرّاحة ولا مسند. وطلب العرب وخادم من البغاددة إلى عند قاضي القضاة فشهدوا بأنّ الأمير أحمد هذا هو ابن الإمام أمير المؤمنين الظاهر ابن الإمام الناصر. وشهد باستفاضة ذلك القاضي جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر، والفقيه علم الدين [محمد بن الحسين] ابن رشيق، والقاضي صدر الدين موهوب الجزريّ، ونجيب الدين الحرّانيّ، وسديد الدين التزمنتيّ، فقبل القاضي شهاداتهم، وأسجل على نفسه بثبوت النسب، وهو قائم على قدميه في ذلك المحفل العظيم حتى تمّ الإسجال والحكم. فلمّا تمّ ذلك كان أوّل من بايعه قاضي القضاة تاج الدين. ثمّ نهض الملك الظاهر وقام على قدميه ووقف، ثمّ دنا من الأمير أحمد ومدّ يده إليه، وبايعه على العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ أموال الله بحقّها، وصرفها في مستحقّها، ونعته «بأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي القاسم» و [ ... ] والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام. فلمّا تمّت مبايعة السلطان للخليفة، قلّد الخليفة الإمام المستنصر بالله الملك الظاهر أمور البلاد الإسلاميّة، وما ينضاف إليها بما سيفتحه الله على يديه من البلاد التي بيد الكفّار. وجلس السلطان فقام الناس على قدر مراتبهم وبايعوا الخليفة واحدا بعد واحد. وكتب عند انقضاء البيعة في المجلس إلى سائر الملوك والنوّاب بجميع الممالك أن يأخذوا البيعة على من قبلهم لأمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أحمد ابن الإمام الظاهر، وأن يدعى باسمه على سائر المنابر، ثمّ يدعى من بعده باسم الملك الظاهر، وأن ينقش اسمهما على السكّة (٢). فلمّا كان في يوم الجمعة سابع عشره، خطب الخليفة بنفسه على منبر الجامع بقلعة الجبل. واهتمّ السلطان بأمره، واحتفل به احتفالا زائدا، ونثر عليه جملا مستكثرة من الذهب والفضّة. وخطب [ ... ] والإسكندرية. ولمّا [٥٢ أ] شرع في الخطبة تلكّأ فيها، ثمّ عاد حتى أتمّها. ونزل عن المنبر وصلّى بالسلطان صلاة الجمعة. وفي يوم الأحد تاسع عشره ركب الخليفة والسلطان من قلعة الجبل إلى مدينة مصر، ونزلا في الحراريق، وسارا في النيل إلى قلعة الجزيرة وجلسا فيها. وقدّمت الشواني الحربيّة فلعبت في النيل كهيئتها عند الحرب. ثمّ ركبا إلى قلعة الجبل فكان يوما من أحسن أيّام الناس بمصر لكثرة من اجتمع فيه من العالم. وفي يوم الاثنين رابع شعبان، ركب السلطان

стр. 424

إلى خيمة ضربت له خارج باب الفتوح ومعه سائر أهل الدولة. ونزل خادم الخليفة ومعه الأمير مظهر الدين وشاح الخفاجيّ بالخلع الخليفيّة فنزلا في خيمة أفردت لهما وحملا الخلع إلى السلطان في خيمته وأضفياها عليه. وخرج بها وعليه عمامة سوداء مذهبة مزركشة ودرّاعة بنفسجيّة اللون وطوق ذهب وعدّة سيوف تقلّد منها واحدا- وحملت البقيّة خلفه- ولواءان منشوران على رأسه، وسهمان كبيران، وترس، وفرس أشهب بمشدّة سوداء في عنقه، وكنبوش (١) أسود، فركبه. وخلع على الأمراء الأكابر، وعلى قاضي القضاة، وعلى الصاحب بهاء الدين، والقاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء. ونصب منبر مجلّل بثوب حرير أطلس أصفر، وصعد عليه ابن لقمان وقرأ تقليد الخليفة للملك الظاهر، وهو من إنشائه حتّى فرغ منه (٢). فركب السلطان بالخلع والطوق الذهب، والقيد الذهب، وحمل التقليد الأمير جمال الدين [أقوش] (٣) التجيبيّ استادار السلطان. ثمّ حمله الصاحب بهاء الدين وسار به [١٥٠ ب] بين يدي السلطان، وجميع الأمراء من دونهم مشاة. فدخل من باب النصر وشقّ القاهرة وقد زيّنت أعظم زينة، وفرش أكثر الطريق بثياب الحرير، ومشى فرس السلطان فوق الحرير حتّى خرج من باب زويلة، فركب الأمراء إلى القلعة، وكان يوما تقصر الألسنة عن وصفه. وشرع السلطان في تجهيز الخليفة للسفر، واستخدم له العساكر، وعيّن الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العساكر بألف فارس، وأقام الطواشيّ بهاء الدين صندل الشرابيّ الصالحيّ شرابيّا بخمسمائة فارس، والأمير ناصر الدين أبا عبد الله محمد بن الأمير جمال الدين سوبخ ابن صيرم الكامليّ [٥٢ ب] خازندار بمائتي فارس، والأمير الشريف نجم الدين جعفر أستادار بخمسمائة فارس، وسيف الدين بلبان الشمسيّ داوادارا بخمسمائة فارس، والأمير فارس الدين أحمد بن أزدمر اليغموري دوادارا ثانيا، والقاضي كمال الدين محمد بن عزّ الدين السنجاريّ وزيرا، وشرف الدين أبا حامد كاتبا. وأقام عدّة أمراء من العربان، وحمل إلى الجميع الخزائن والسلاح والسناجق والطبلخاناه وسائر ما يحتاج إليه، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة، واشترى مائة مملوك، كبارا وصغارا، رتّبهم سلاحداريّة وجنداريّة، وأخرج لكلّ منهم ثلاثة أرؤس من الخيل وجملا برسم حمل عدّته. ورتّب سائر ما يحتاج إليه الخليفة من صاحب ديوان، وكاتب إنشاء، ودواوين، وأئمّة، وغلمان، وجرائحيّة، وأطبّاء، وبيوتات سلطانيّة، وكمّل الجميع بما يحتاج إليه. ورتّب الجنائب وخيول الإصطبلات، واستخدم الأجناد، وعيّن لخاصّ الخليفة مائة فرس، وعشرة قطر (٤) بغالا، وعشرة قطر جمالا، وطشت خاناه، وشراب خاناه، وفراش خاناه، وحوائج خاناه. وكتب لمن وافى معه من العراق تواقيع ومناشير بالإقطاعات. فلمّا تهيّأ جميع ذلك برز الدهليز الخليفتيّ والدهليز السلطانيّ إلى البركة خارج القاهرة.

стр. 425

وركب الخليفة والسلطان من قلعة الجبل في الساعة السادسة من نهار الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان. وسارا بالعساكر إلى البركة فنزل كلّ منهما في دهليزه، واستمرّت النفقة في أجناد الخليفة. فلمّا كان يوم عيد الفطر ركب السلطان مع الخليفة تحت المظلّة وصلّيا صلاة العيد. ثمّ حضر الخليفة إلى خيمة السلطان وألبسه سراويل الفتوّة (١) بحضرة أكابر الدولة. وفي يوم السبت سادس شوّال رحل الخليفة والسلطان بجميع العساكر إلى دمشق. فلمّا نزلا الكسوة (٢) خرج عسكر دمشق إلى لقائهما في سابع ذي القعدة، ودخلا دمشق، وقد اجتمع الناس لمشاهدة الخليفة. وكان يوما عجبا، ونزل الخليفة بالتربة الصالحيّة في سفح قاسيون. فنزل السلطان بالقلعة، فصار السلطان يركب إلى خدمته في كلّ يوم. وقد انحلّ ما كان عند السلطان من أمر الخليفة: وذلك أنّ السلطان ضاق به لما رأى منه ومن وقاره المبثوث في نفوس الخلق. فما صدّق أن وردت على المستنصر كتب أهل العراق لاستقدامه، فجهّزه للسفر. واتّفق مع ذلك أنّه كان قد قدم على السلطان، وهو بمصر، الملك الصالح إسماعيل صاحب الموصل وأخوه الملك المظفّر صاحب سنجار، والملك المجاهد إسحاق صاحب الجزيرة، فبالغ في إكرامهم، وجهّزهم الجهاز [٥٣ أ] الذي يليق بهم. وكان قد عزم أن يبعث مع الخليفة عشرة آلاف فارس حتى يستقرّ بدار الخلافة ببغداد ويعيد له الأمر كما قد كان لآبائه ويجعل أولاد صاحب الموصل في خدمته. فخلا أحدهم بالسلطان، وخيّله من ذلك، وأنّ الخليفة إذا توطّد ملكه ببغداد، لا يؤمن أن ينازع السلطان في [١٥١ أ] ملكه ويخرجه من مصر. فتوهّم من هذا القول ورجع عمّا كان قد عزم عليه، ولم يبعث مع الخليفة سوى ثلاثمائة فارس، وجرّد الأمير سيف الدين بلبان الرشيديّ، والأمير شمس الدين سنقر الروميّ إلى حلب حتّى ينزلا بمن معهما على الفرات، لينجدا الخليفة إذا استدعاهما أو أحدهما. ثمّ ركب السلطان لوداع الخليفة في ثالث عشر ذي القعدة، ومعه أولاد صاحب الموصل الثلاثة. فساروا معه إلى أثناء الطريق، ثم مضى كلّ منهم إلى مملكته. وسار الخليفة إلى الرحبة، وفتح كثيرا من البلاد الفراتيّة. وقدم عليه الأمير علي بن حذيفة أمير آل فضل بأربعمائة من فرسان العرب. ولحق به من مماليك المواصلة نحو ستّين مملوكا. وأتاه الأمير عزّ الدين بركة من مدينة حماة في ثلاثين فارسا. فسار من الرحبة إلى مشهد عليّ. فبلغه أنّ رجلا يدّعي أنّه من بني العبّاس قد تلقّب بالحاكم بأمر الله أحمد، واجتمع معه زهاء سبعمائة فارس من التركمان. فكتب إليه [الخليفة يستعطفه و] يستميله إليه ويعده بأن يعهد إليه، ويرغّبه في الاتّفاق واجتماع الكلمة على جهاد أعداء الله. فمال [الحاكم] إلى قوله من أجل أنّ جماعة [التركمان] فارقوه وأقبلوا إلى الخليفة راغبين في طاعته، فاضطرّه الحال إلى القدوم من بعدهم. فتلقّاه الخليفة وبالغ في إكرامه وأحسن نزله. وسار بمن معه إلى الحديثة وخرج يريد هيت، وكتب إلى السلطان [الملك يعرّفه] (٣) بذلك، ويعلمه انقياد الناس إلى طاعته وإجابتهم دعوته.
следующие страницы →