← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأكثر حديثا. صاحب كتب وأصول صحاح. أنفق عليها نحوا من ثلاثمائة ألف درهم. وقال أبو محمد ابن حبّان: قال محمّد بن يحيى بن مندة: لم يحدّث ببلدنا منذ أربعين سنة أوثق من أحمد بن مهدي، صنّف المسند. ولم يعرف له فراش منذ أربعين سنة. صاحب صلاة واجتهاد. افتقد من كتبه كتابا فطلبه (١)، ثمّ ردّ عليه فترك قراءته. ٦٥١ - ابن منير الرفّاء الشاعر [٤٧٣ - ٥٤٨] (٢) [٧٥ ب] أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسيّ، الرفّاء، أبو الحسن، الشاعر المشهور. كان أبوه مغنّيا يغنّي في الأسواق. فولد له ابنه هذا في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. فنشأ ذكيّا، وحفظ القرآن وتعلّم الأدب ونظم الشعر. وتحوّل إلى دمشق فسكنها. وكان قد تعلّم مذهب الإماميّة من صباه، فدام عليه. وكان كثير الهجو بذيء اللسان، فسجنه بوري [بن طغتكين] صاحب دمشق، وعزم على قطع لسانه. فشفع فيه يوسف بن فيروز حاجبه فنفاه. ثمّ قدمها في أيّام ولده إسماعيل بن بوري فمدحه. ثمّ جرى على عادته في الهجاء، فهمّ بقطع لسانه. فهرب وتنقّل في حماة وشيراز، إلى أن مات بحلب في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ٦٥٢ - ابن مهنّا أمير العرب [٦٨٤ - ٧٤٩] (٣) [٧٤ أ] أحمد بن مهنّأ بن عيسى بن مهنأ، الأمير شهاب الدين، أمير العرب بالشام، من آل فضل. ولد سنة أربع وثمانين وستّمائة. واعتقله الأمير طقزدمر نائب الشام بقلعة دمشق في جمادى سنة خمس وأربعين. ثمّ نقله إلى قلعة صفد. فلمّا مات الملك الصالح إسماعيل، قدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة ستّ وأربعين وسبعمائة فأكرمه السلطان الملك الكامل شعبان بن محمّد، وخلع عليه، وكتب بتقليده إمرة العرب عوضا عن سيف بن فضل، فقدم سيف بالقود (٤) وهو نحو مائة فرس من جياد الخيل وعدّة هجن. فخلع عليه ولم يقبل سعيه في الإمرة، ولا أنصفه في أثمان خيله، رعاية لأحمد بن مهنأ. ثمّ قدم أحمد في صفر سنة سبع وأربعين بعد قدوم أخيه حيار بن مهنّأ، ومعه خيول للتقدمة، فلم يسعد فيها، وأخذ من عربه مكوس ما معهم من البضائع، ولم تجر عادتهم بذلك. فأغضى أحمد عن ذلك لما عنده من العقل والسكون، وعاد بغير نصفة. ثمّ قدم [١٤٩ ب] في أيّام المظفر حاجّي، وقد قدم سيف بن فضل يسعى في الإمرة، فلم يقبل عليه السلطان لاعتنائه بسيف، ورسم سفره. فخرج من مصر، واستقرّ سيف في إمرة العرب. وقدم في أيّام الناصر حسن، وخلع عليه بالإمرة

стр. 422

في [ ... ] سنة تسع وأربعين. وتوجّه فمات في [ ... ] رجب سنة تسع وأربعين وسبعمائة، [ونقل إلى مشهد الإمام علي ﵁ عند رحبة مالك ابن طوق ودفن هناك] (١). فاستقرّ عوضه أخوه فيّاض ابن مهنّأ أميرا. ولم يكن في أولاد مهنّأ أدين منه ولا خير. وهو شقيق سليمان وموسى ابني مهنّأ. وكان إذا مرض لا يتداوى، وإذا خوّف من مسك السلطان لا يفرّ ويقيم على الطاعة كراهة للفتنة. ٦٥٣ - المستنصر، أوّل الخلفاء العبّاسيّين بمصر [- ٦٥٩] (٢) [٥١ أ] أحمد، ابن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد، ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أحمد، ابن أمير المؤمنين المستغني (٣) بأمر الله أبي محمد الحسن، ابن الإمام المستنجد بالله أبي المظفّر يوسف، ابن الإمام المقتفي (٤) لأمر الله أبي عبد الله محمد، [ابن] المستظهر بالله أبي العبّاس أحمد، ابن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله، ابن الأمير ذخيرة الدين محمد، ابن الإمام القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله، ابن القادر بالله أبي العبّاس أحمد، ابن الأمير [المتّقي] إسحاق، ابن الأمير المقتدر بالله أبي الفضل جعفر، ابن المعتضد بالله أبي العبّاس أحمد، ابن الموفّق بالله الناصر لدين الله وليّ عهد المسلمين أبي أحمد طلحة، ابن الإمام المتوكّل على الله أبي الفضل جعفر، ابن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد، ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد، ابن المهدي بالله أبي عبد الله محمد، ابن أبي جعفر عبد الله المنصور، ابن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب، الخليفة أبو العبّاس، أمير المؤمنين المستنصر بالله، أوّل الخلفاء العبّاسيّين بمصر. كان محبوسا ببغداد. فلمّا أخذت سار من بغداد بعد واقعة هولاكو، ولحق بالعرب ونزل عند بني مهنّا. وقصد ديار مصر، وفيها يومئذ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري. فوردت مكاتبة الأمير أيدكين البندقدار، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيريّ نائب دمشق على الملك الظاهر، بأنّه قد ورد إلى غوطة دمشق رجل ادّعى أنّه أحمد ابن الإمام الظاهر ابن الإمام الناصر، ومعه جماعة من عرب خفاجة في نحو الخمسين فارسا، وأنّالأمير سيف الدين قليج البغدادي عرّف أمراء العرب المذكورين وقال: بهؤلاء يحصل المقصود. فكتب السلطان إلى النوّاب بالبلاد الشاميّة بالقيام في خدمته وتعظيم حرمته، وأن يسير معه حجّاب دمشق. فسار من دمشق بأوفر حرمة. وخرج السلطان من قلعة الجبل في يوم الخميس تاسع رجب سنة تسع وخمسين وستّمائة إلى لقائه، ومعه الصاحب بهاء الدين عليّ بن محمد بن حنّا، وقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ، وسائر الأمراء، وجميع العسكر. وجمهور أعيان القاهرة ومصر، ومعظم الرعيّة. فتلقّاه ودخل به إلى القاهرة من باب النصر، ومعه عشرة من بني مهارش، وقد لبس السواد، شعار آبائه الخلفاء العبّاسيّين. وشقّ القصبة إلى باب زويلة، وصعد إلى قلعة الجبل، وقد اجتمع الناس لرؤيته

стр. 423

من كلّ جهة. وكان من الأيّام المشهودة. وصعد القلعة وهو راكب، ونزل بمكان قد هيّئ له بتهيئة [٥١ ب] تليق به. وبالغ السلطان في إكرامه، واحتفل في إقامة ناموسه ووقاره. فلمّا كان في يوم الاثنين ثالث عشره، حضر بقلعة الجبل قاضي القضاة تاج الدين، ونوّاب الحكم، وعلماء القاهرة ومصر، وأعيان الفقهاء، وكبار المشايخ الصوفيّة (١)، والأمراء، ومقدّمي العساكر، ووجوه التجّار، وأكابر الرعيّة. واستدعي شيخ الإسلام عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام، فلمّا [١٥٠ أ] كمل الجمع، جلس أحمد ابن الظاهر، وجلس الملك الظاهر إلى جانبه، وهو في غاية التأدّب معه، من غير كرسيّ ولا طرّاحة ولا مسند. وطلب العرب وخادم من البغاددة إلى عند قاضي القضاة فشهدوا بأنّ الأمير أحمد هذا هو ابن الإمام أمير المؤمنين الظاهر ابن الإمام الناصر. وشهد باستفاضة ذلك القاضي جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر، والفقيه علم الدين [محمد بن الحسين] ابن رشيق، والقاضي صدر الدين موهوب الجزريّ، ونجيب الدين الحرّانيّ، وسديد الدين التزمنتيّ، فقبل القاضي شهاداتهم، وأسجل على نفسه بثبوت النسب، وهو قائم على قدميه في ذلك المحفل العظيم حتى تمّ الإسجال والحكم. فلمّا تمّ ذلك كان أوّل من بايعه قاضي القضاة تاج الدين. ثمّ نهض الملك الظاهر وقام على قدميه ووقف، ثمّ دنا من الأمير أحمد ومدّ يده إليه، وبايعه على العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ أموال الله بحقّها، وصرفها في مستحقّها، ونعته «بأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي القاسم» و [ ... ] والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام. فلمّا تمّت مبايعة السلطان للخليفة، قلّد الخليفة الإمام المستنصر بالله الملك الظاهر أمور البلاد الإسلاميّة، وما ينضاف إليها بما سيفتحه الله على يديه من البلاد التي بيد الكفّار. وجلس السلطان فقام الناس على قدر مراتبهم وبايعوا الخليفة واحدا بعد واحد. وكتب عند انقضاء البيعة في المجلس إلى سائر الملوك والنوّاب بجميع الممالك أن يأخذوا البيعة على من قبلهم لأمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أحمد ابن الإمام الظاهر، وأن يدعى باسمه على سائر المنابر، ثمّ يدعى من بعده باسم الملك الظاهر، وأن ينقش اسمهما على السكّة (٢). فلمّا كان في يوم الجمعة سابع عشره، خطب الخليفة بنفسه على منبر الجامع بقلعة الجبل. واهتمّ السلطان بأمره، واحتفل به احتفالا زائدا، ونثر عليه جملا مستكثرة من الذهب والفضّة. وخطب [ ... ] والإسكندرية. ولمّا [٥٢ أ] شرع في الخطبة تلكّأ فيها، ثمّ عاد حتى أتمّها. ونزل عن المنبر وصلّى بالسلطان صلاة الجمعة. وفي يوم الأحد تاسع عشره ركب الخليفة والسلطان من قلعة الجبل إلى مدينة مصر، ونزلا في الحراريق، وسارا في النيل إلى قلعة الجزيرة وجلسا فيها. وقدّمت الشواني الحربيّة فلعبت في النيل كهيئتها عند الحرب. ثمّ ركبا إلى قلعة الجبل فكان يوما من أحسن أيّام الناس بمصر لكثرة من اجتمع فيه من العالم. وفي يوم الاثنين رابع شعبان، ركب السلطان

стр. 424

إلى خيمة ضربت له خارج باب الفتوح ومعه سائر أهل الدولة. ونزل خادم الخليفة ومعه الأمير مظهر الدين وشاح الخفاجيّ بالخلع الخليفيّة فنزلا في خيمة أفردت لهما وحملا الخلع إلى السلطان في خيمته وأضفياها عليه. وخرج بها وعليه عمامة سوداء مذهبة مزركشة ودرّاعة بنفسجيّة اللون وطوق ذهب وعدّة سيوف تقلّد منها واحدا- وحملت البقيّة خلفه- ولواءان منشوران على رأسه، وسهمان كبيران، وترس، وفرس أشهب بمشدّة سوداء في عنقه، وكنبوش (١) أسود، فركبه. وخلع على الأمراء الأكابر، وعلى قاضي القضاة، وعلى الصاحب بهاء الدين، والقاضي فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء. ونصب منبر مجلّل بثوب حرير أطلس أصفر، وصعد عليه ابن لقمان وقرأ تقليد الخليفة للملك الظاهر، وهو من إنشائه حتّى فرغ منه (٢). فركب السلطان بالخلع والطوق الذهب، والقيد الذهب، وحمل التقليد الأمير جمال الدين [أقوش] (٣) التجيبيّ استادار السلطان. ثمّ حمله الصاحب بهاء الدين وسار به [١٥٠ ب] بين يدي السلطان، وجميع الأمراء من دونهم مشاة. فدخل من باب النصر وشقّ القاهرة وقد زيّنت أعظم زينة، وفرش أكثر الطريق بثياب الحرير، ومشى فرس السلطان فوق الحرير حتّى خرج من باب زويلة، فركب الأمراء إلى القلعة، وكان يوما تقصر الألسنة عن وصفه. وشرع السلطان في تجهيز الخليفة للسفر، واستخدم له العساكر، وعيّن الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العساكر بألف فارس، وأقام الطواشيّ بهاء الدين صندل الشرابيّ الصالحيّ شرابيّا بخمسمائة فارس، والأمير ناصر الدين أبا عبد الله محمد بن الأمير جمال الدين سوبخ ابن صيرم الكامليّ [٥٢ ب] خازندار بمائتي فارس، والأمير الشريف نجم الدين جعفر أستادار بخمسمائة فارس، وسيف الدين بلبان الشمسيّ داوادارا بخمسمائة فارس، والأمير فارس الدين أحمد بن أزدمر اليغموري دوادارا ثانيا، والقاضي كمال الدين محمد بن عزّ الدين السنجاريّ وزيرا، وشرف الدين أبا حامد كاتبا. وأقام عدّة أمراء من العربان، وحمل إلى الجميع الخزائن والسلاح والسناجق والطبلخاناه وسائر ما يحتاج إليه، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة، واشترى مائة مملوك، كبارا وصغارا، رتّبهم سلاحداريّة وجنداريّة، وأخرج لكلّ منهم ثلاثة أرؤس من الخيل وجملا برسم حمل عدّته. ورتّب سائر ما يحتاج إليه الخليفة من صاحب ديوان، وكاتب إنشاء، ودواوين، وأئمّة، وغلمان، وجرائحيّة، وأطبّاء، وبيوتات سلطانيّة، وكمّل الجميع بما يحتاج إليه. ورتّب الجنائب وخيول الإصطبلات، واستخدم الأجناد، وعيّن لخاصّ الخليفة مائة فرس، وعشرة قطر (٤) بغالا، وعشرة قطر جمالا، وطشت خاناه، وشراب خاناه، وفراش خاناه، وحوائج خاناه. وكتب لمن وافى معه من العراق تواقيع ومناشير بالإقطاعات. فلمّا تهيّأ جميع ذلك برز الدهليز الخليفتيّ والدهليز السلطانيّ إلى البركة خارج القاهرة.

стр. 425

وركب الخليفة والسلطان من قلعة الجبل في الساعة السادسة من نهار الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان. وسارا بالعساكر إلى البركة فنزل كلّ منهما في دهليزه، واستمرّت النفقة في أجناد الخليفة. فلمّا كان يوم عيد الفطر ركب السلطان مع الخليفة تحت المظلّة وصلّيا صلاة العيد. ثمّ حضر الخليفة إلى خيمة السلطان وألبسه سراويل الفتوّة (١) بحضرة أكابر الدولة. وفي يوم السبت سادس شوّال رحل الخليفة والسلطان بجميع العساكر إلى دمشق. فلمّا نزلا الكسوة (٢) خرج عسكر دمشق إلى لقائهما في سابع ذي القعدة، ودخلا دمشق، وقد اجتمع الناس لمشاهدة الخليفة. وكان يوما عجبا، ونزل الخليفة بالتربة الصالحيّة في سفح قاسيون. فنزل السلطان بالقلعة، فصار السلطان يركب إلى خدمته في كلّ يوم. وقد انحلّ ما كان عند السلطان من أمر الخليفة: وذلك أنّ السلطان ضاق به لما رأى منه ومن وقاره المبثوث في نفوس الخلق. فما صدّق أن وردت على المستنصر كتب أهل العراق لاستقدامه، فجهّزه للسفر. واتّفق مع ذلك أنّه كان قد قدم على السلطان، وهو بمصر، الملك الصالح إسماعيل صاحب الموصل وأخوه الملك المظفّر صاحب سنجار، والملك المجاهد إسحاق صاحب الجزيرة، فبالغ في إكرامهم، وجهّزهم الجهاز [٥٣ أ] الذي يليق بهم. وكان قد عزم أن يبعث مع الخليفة عشرة آلاف فارس حتى يستقرّ بدار الخلافة ببغداد ويعيد له الأمر كما قد كان لآبائه ويجعل أولاد صاحب الموصل في خدمته. فخلا أحدهم بالسلطان، وخيّله من ذلك، وأنّ الخليفة إذا توطّد ملكه ببغداد، لا يؤمن أن ينازع السلطان في [١٥١ أ] ملكه ويخرجه من مصر. فتوهّم من هذا القول ورجع عمّا كان قد عزم عليه، ولم يبعث مع الخليفة سوى ثلاثمائة فارس، وجرّد الأمير سيف الدين بلبان الرشيديّ، والأمير شمس الدين سنقر الروميّ إلى حلب حتّى ينزلا بمن معهما على الفرات، لينجدا الخليفة إذا استدعاهما أو أحدهما. ثمّ ركب السلطان لوداع الخليفة في ثالث عشر ذي القعدة، ومعه أولاد صاحب الموصل الثلاثة. فساروا معه إلى أثناء الطريق، ثم مضى كلّ منهم إلى مملكته. وسار الخليفة إلى الرحبة، وفتح كثيرا من البلاد الفراتيّة. وقدم عليه الأمير علي بن حذيفة أمير آل فضل بأربعمائة من فرسان العرب. ولحق به من مماليك المواصلة نحو ستّين مملوكا. وأتاه الأمير عزّ الدين بركة من مدينة حماة في ثلاثين فارسا. فسار من الرحبة إلى مشهد عليّ. فبلغه أنّ رجلا يدّعي أنّه من بني العبّاس قد تلقّب بالحاكم بأمر الله أحمد، واجتمع معه زهاء سبعمائة فارس من التركمان. فكتب إليه [الخليفة يستعطفه و] يستميله إليه ويعده بأن يعهد إليه، ويرغّبه في الاتّفاق واجتماع الكلمة على جهاد أعداء الله. فمال [الحاكم] إلى قوله من أجل أنّ جماعة [التركمان] فارقوه وأقبلوا إلى الخليفة راغبين في طاعته، فاضطرّه الحال إلى القدوم من بعدهم. فتلقّاه الخليفة وبالغ في إكرامه وأحسن نزله. وسار بمن معه إلى الحديثة وخرج يريد هيت، وكتب إلى السلطان [الملك يعرّفه] (٣) بذلك، ويعلمه انقياد الناس إلى طاعته وإجابتهم دعوته.

стр. 426

وكان قد بلغ التتار قدومه، فأقبل إليه قرابغا أحد مقدّميهم من بغداد، ومعه خمسة آلاف فارس حتّى نزل الأنبار ونهبها وقتل أهلها. والتقى مع الخليفة، فرتّب الخليفة جموعه، وجعل العرب والتركمان في جناحي العسكر وأوقف خاصّته في القلب، وحمل بنفسه على التتار حملة صادقةكسر فيها مقدّمتهم. فخذله العرب والتركمان لإمساكهم عن القتال. وخرج مع ذلك كمين التتار [٥٣ ب] فلم يثبت العرب والتركمان وفرّوا بأجمعهم، فأحاط التتار بمن بقي في القلب، وفرّ الحاكم أحمد (١)، والأمير ناصر الدين عيسى بن مهنّا، والأمير ناصر الدين ابن صيرم، والأمير سابق الدين بوزبا الصيرفيّ، والأمير أسد الدين محمود، ومعهم نحو الخمسين من الأجناد. وأمّا الخليفة فإنّه قاتل قتالا كبيرا، ولم يوقف له على خبر. فقيل: قتل في المعركة [في ثالث المحرّم سنة ٦٦٠]. وقيل: جرح، ومضى في طائفة من العرب فمات عندهم. وقيل: بل قتل قبالة الفلوجة قريبا من الحلّة السيفيّة في يوم الأحد رابع عشرين ذي الحجّة سنة تسع وخمسين وستّمائة، بيد التتار، ولم يكمل له في الخلافة سنة. ويقال: إنّ النفقة بلغت عليه وعلى الملوك المواصلة ألف ألف دينار وستّين ألف دينار عينا. وكان شديد السمرة جسيما شجاعا، ﵀. ٦٥٤ - أبو سعد الماليني (طاوس الفقراء) [- ٤١٢] (٢) [٥٣ ب] أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن حفص بن الخليل، أبو سعد، الأنصاريّ، الهرويّ، المالينيّ، الصوفيّ، الحافظ، طاوس الفقراء، وأحد الرحّالين في طلب الحديث، والمكثرين منه. كتب ببلاد خراسان، وما وراء النهر، وببلاد فارس وجرجان والريّ وأصبهان، والبصرة، وبغداد، والكوفة، وبلاد الشام ومصر. ولقي عامّة الشيوخ والحفّاظ الذين عاصرهم. وحدّث عن محمد بن عبد الله السليطيّ، ومحمد بن الحسن بن إسماعيل السرّاج، وعبد الله بن عديّ، وأبي بكر الإسماعيليّ، والحسن بن رشيق المصريّ، وخلق يطول ذكرهم. وسمع الكتب الطوال، والمصنّفات الكبار. وحدّث ببغداد غير مرّة. وخرج إلى مكّة، ومضى منها إلى مصر فأقام بها حتّى مات فيها [١٥١ ب] يوم الثلاثاء سابع عشر شوّال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. قال الخطيب: كان ثقة صدوقا متقنا خيّرا صالحا فاضلا. وقال أبو نصر ابن ماكولا: كان جوّالا مكثرا. قال لي أبو إسحاق الحبّال: كأنّ الإسناد كان يمسك له في البلاد حتّى يدركه .. جاء إلى مصر فأدرك ابن رشيق وعاش وعاد إلى مصر وحدّث بها كثيرا. ٦٥٥ - كمال الدين ابن الشريشيّ [٦٥٣ - ٧١٨] (٣) [٥٤ أ] أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن سحمان، الفقيه كمال الدين، أبو العبّاس، ابن

стр. 427

الشيخ جمال الدين أبي (١) بكر، الشريشيّ، البكريّ، الوائليّ، الشافعيّ. ولد بسنجار في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. وسمع من أصحاب ابن طبرزد وغيرهم بالقاهرة والقدس. وقرأ بنفسه الكتب الكبار، وطلب مدّة. ورحل إلى ديار مصر والإسكندريّة. وحدّث عن النجيب وغيره، وأتقن عدّة فنون من فقه وحديث وأصول وعربيّة. وولي نيابة الحكم بدمشق عن قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة. ثمّ ترك ذلك ودرّس في عدّة مواضع. وولي وكالة بيت المال بدمشق، زيادة على اثنتي عشرة سنة. وحجّ سنة ثلاث وسبعمائة. ثمّ توجّه إلى الحجّ فمات سلخ شوّال سنة ثماني عشرة وسبعمائة، ودفن بمنزلة الحسا (٢). وكان حسن الشكل غزير الفضل، من بيت علم وكرم. واختصّ بالأمير جمال الدين أقّوش الأفرم نائب الشام، مع التشدّد في الدين، والمهابة، والانتصار للشيخ أبي الحسن الأشعريّ. وكان مليح الكتابة. وله تعاليق [و] مسائل منثورة تشتمل على فوائد كثيرة. وكان يقول الشعر البديع. فمنه ما كتب به إلى بدر الدين ابن العطّار [السريع]: مولاي بدر الدين رفقا بمن ... صيّره حبّك مثل الهلال لا تخش من عيب إذا زرته ... فما يعاب البدر عند الكمال فقال صدر الدين محمد بن الوكيل [السريع]: يا بدر لا تسمع كلام الكمال ... فكلّ ما نمّق زور محال فالنقص يعرو البدر في تمّه ... وإنّما يخسف عند الكمال ٦٥٦ - أبو الفضل الأستوائيّ [- ٤٤٦] (٣) [٥٤ أ] أحمد بن محمد بن أحمد بن أبيّ بن أحمد، أبو الفضل، الفراتيّ، من أهل أستوا (٤) من نواحي نيسابور. كان شيخا جليلا، قلّد رئاسة نيسابور. ثمّ خرج إلى الحجّ، ودخل الشام. وقدم مصر، ثم عاد إلى نيسابور، وعقد مجلس الإملاء. وكان حسن العشرة، راغبا في صحبة الصوفيّة. توفّي في شعبان سنة ستّ وأربعين وأربعمائة. وقد حدّث عن جماعة. ٦٥٧ - أبو بكر البرقانيّ [٣٣٦ - ٤٢٥] (٥) أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، أبو بكر، الخوارزميّ، المعروف بالبرقانيّ، الحافظ، [٥٤ ب] الفقيه، الشافعيّ. سمع ببلده. ثمّ قدم بغداد، فسمع بها من أبي بكر القطيعيّ وغيره. وسمع بجرجان وأسفرايين،

стр. 428

وبنيسابور وهراة، ومرو. وورد مصر فسمع بها من عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ. قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان ثقة ورعا متقنا متثبّتا فهما- ولم ير في شيوخنا أثبت منه- حافظا للقرآن، عارفا بالفقه، له حظّ من العربيّة، كثير الحديث، حسن الفهم له والبصيرة فيه. وصنّف مسندا ضمّنه ما اشتمل عليه صحيحا البخاري ومسلم. وجمع حديث سفيان الثوريّ، وشعبة، وأيّوب، وعبيد الله بن عمر، وعبد الملك بن عمير، وبيان بن بشر، ومطر الورّاق وغيرهم. ولم يقطع التصنيف إلى حين وفاته. ومات وهو يجمع حديث مسعر (١) [١٥٢ أ]. وكان حريصا على العلم منصرف الهمّة إليه. وسمعته يقول لرجل من الفقهاء معروف بالصلاح، وقد حضر عنده: ادع الله أن ينزع شهوة الحديث من قلبي، فإنّ حبّه قد غلب عليّ، فليس لي اهتمام في الليل والنهار إلّا به. وسمعته يقول: ولدت في آخر سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. وسمعت أبا القاسم الأزهريّ يقول: البرقانيّ إمام، وإذا مات ذهب هذا الشأن- يعني الحديث. وقال محمّد بن يحيى الكرمانيّ الفقيه: ما رأيت في أصحاب الحديث أكثر عبادة من البرقانيّ. وقال لنا البرقانيّ: كان أبو بكر الإسماعيليّ يقرأ لكلّ واحد ممّن يحضره ورقة بلفظه ثمّ يقرأ عليه. وكان يقرأ لي ورقتين ويقول للحاضرين: إنّما أفضّله عليكم لأنّه فقيه. وقال أبو الوليد الباجيّ: أبو بكر الخوارزمي حافظ ثقة. (قال الخطيب): سألت الأزهريّ: هل رأيت في الشيوخ أتقن من البرقانيّ؟ فقال: لا. وسمعت أبا محمد الخلّال، وقد ذكر البرقانيّ، فقال: كان نسيج وحده. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات (٢): تفقّه في حداثته، وصنّف في الفقه. ثمّ اشتغل بعلم الحديث فصار فيه إماما. (قال الخطيب): ومات في يوم الأربعاء أوّل يوم من شهر رجب سنة خمس وعشرين وأربعمائة. وصلّى عليه في جامع المنصور ببغداد (٣). ٦٥٨ - محيى الدين القنائيّ [- ٧٠٩] (٤) [٥٥ أ] أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عبد المنعم، محيى الدين، ابن كمال الدين، ابن ضياء الدين، الأنصاريّ، القرطبيّ المحتد، القنائيّ المولد والمنشأ والوفاة. ولد في [ ... ]. وسمع من شرف الدين محمد بن عبد الله بن أبي الفضل المرسيّ وغيره. وحدّث .. وكان ثبتا عاقلا ساكنا عدلا، له رئاسة ببلده قنا، وبها مات في رابع عشر ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة.

стр. 429

٦٥٩ - تاج الدين الشريشيّ الصوفيّ [٥٨٣ - ٦٤٠] (١) أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن خلف، تاج الدين، أبو العبّاس، ابن أبي عبد الله، ابن أبي العبّاس، البكريّ، من بكر بن وائل، الشريشيّ، الصوفيّ، الإمام العارف، العلّامة. ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وتوفّي ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستّمائة بأعمال الفيّوم، ودفن بها. وله كتاب توحيد الرسالة ورسالة التوحيد، في أصول الدين. وكتاب أسرار الرسالة ورسالة الأسرار، وكتاب أسنى الموارد، وكتاب شرح المفصّل، في النحو، وكتاب شرح الجزوليّة، في النحو، وكتاب صحبة المشايخ، وكتاب أنوار السراية وسراية الأنوار، نظم، وكتاب عوارف الهدى وهدى العوارف، وكتاب في السماع. ومن شعره [الكامل]: لو لم تكن سبل العلاء بعيدة ... لا تنتحى إلّا بعزمة ماجد لتوارد الضدّان: أرباب العلى ... والأرذلون، على محلّ واحد ٦٦٠ - الحافظ السّلفيّ [٤٧٥ - ٥٧٦] (٢) [٥٦ أ] أحمد بن محمد بن أحمد [بن محمد] بن إبراهيم بن سلفة، أبو الطاهر، ابن أبي أحمد، صدر الدين، السّلفيّ، الأصبهانيّ، الجروانيّ، الحافظ الكبير. [رحلته في طلب العلم]: ولد سنة اثنتين وسبعين- وقيل: سنة خمس وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين [وأربعمائة]- وطلب الحديث من سنة ثمان وثمانين، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها. فسمع ببلده على جماعة، منهم الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل بن محمود الثقفيّ، وسعيد بن محمّد بن يحيى الجوهريّ، وأبو الحسن مكّي بن منصور بن علّان الكرجيّ (٣)، وعبد الرحمن بن محمد بن يوسف البصريّ، وأبو الفتح الحدّاد، وأبو علي المقرئ، وأبو سعد محمد بن محمّد [١٥٢ ب] المطرّز، وعمل معجما حافلا بشيوخه الأصبهانيّين. ثمّ رحل في رمضان سنة ثلاث وتسعين، فسمع ببغداد أبا الخطّاب نصر بن أحمد بن البطر. وذكر عن نفسه أنّه وصل إلى بغداد في رابع شوّال، فلم يكن له همّة ساعة دخوله إلّا المضيّ إلى ابن البطر. (قال) فدخلت عليه- وكان شيخا عسرا- فقلت: قد وصلت من أصبهان لأجلك. فقال: اقرأ- وجعل بدل الراء غينا. فقرأت عليه، وأنا متّكئ لأجل دماميل بي. فقال: أبصر ذا الكلب! فاعتذرت بالدماميل، وبكيت من كلامه. وقرأت سبعة عشر حديثا، وخرجت. ثمّ قرأت عليه نحوا من خمسة وعشرين جزءا. ولم يكن بذاك. وسمع ببغداد أيضا محمد بن عبد الملك الأسديّ، والحسن بن الحسن الغامديّ، وأبا عبد الله الحسين بن البشري، وأبا بكر أحمد بن عليّ

стр. 430

الطربثيثيّ (١)، وعليّ بن الحسين الربعيّ، وأبا الحسن بن الطيوريّ، وجماعة. وعمل معجما لشيوخها (٢). ثمّ حجّ. وسمع في طريقه بالكوفة أبا البقاء المعمّر بن محمّد بن عليّ الحبّال، وبمكّة من الحسين بن عليّ الطبريّ، وبالمدينة من أبي الفرج القزوينيّ. وعاد إلى بغداد فتفقّه بها، واشتغل بالعربيّة. ثمّ ارتحل إلى البصرة سنة خمسمائة، فسمع أبا تمّام محمد بن إدريس بن خلف الفريابيّ، وأبا أحمد بن إبراهيم بن عليّ بن حسن النجيرميّ، وغيرهما. وسمع بزنجان من أبي بكر أحمد بن محمد بن زنجويه، وبهمذان من أبي غالب أحمد بن محمّد المزكيّ، وطائفة. وجال في الجبال ومدنها، فسمع بالريّ ودينور وقزوين وساوا ونهاوند. وطاف بلاد أذربيجان إلى دربند، وسمع بأماكن. وعاد إلى الجزيرة من ثغر آمد، فسمع بخلاط ونصيبين والرحبة. وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة بعلم جمّ فأقام بها عامين. وسمع بها من أبي طاهر ابن الحنّائيّ، وأبي الحسن ابن الموازيني وخلق. ثمّ [٥٦ أ] مضى إلى صور، وركب منها البحر إلى الإسكندريّة فدخلها في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، واستوطنها إلى الموت، لم يخرج منها إلّا مرّة في سنة سبع عشرة إلى مصر، فسمع من أبي صادق المديني، والموجودين بها، وعاد. وجمع معجما ثالثا لشيوخه فيما عدا بغداد وأصبهان، وهو «معجم السفر» (٣). وسمع منه ببغداد من شيوخه ورفقائه أبو علي البردانيّ، وهزارشت بن عوض، وأبو عامر العبدريّ، وعبد الملك بن يوسف، وسعد الخير الأندلسيّ. وروى عنه شيخه الحافظ محمد بن طاهر، وسبطه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّي، وبينهما في الموت مائة وأربع وأربعون سنة (٤). وروى عنه أيضا علي بن إبراهيم السرقسطيّ، وأبو العزّ محمد بن عليّ الملقابادي، والطيّب بن محمد المروزيّ. وقد روى عن هؤلاء الثلاثة عنه الحافظ أبو سعد ابن السمعاني، ومات ابن السمعاني قبله بأربع عشرة سنة (٥). قال الحافظ عبد الغنيّ: سمعته يقول: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان عمري نحو عشر سنين. وقد كتبوا عنّي في أوّل سنة اثنتين وتسعين، وأنا ابن سبع عشرة سنة (٦) أو أكثر، أو أقلّ، وليس في وجهي شعرة، كالبخاري- يعني: لمّا كتبوا عنه. وروى عنه أيضا هبة الله ابن عساكر، ويحيى بن

стр. 431

سعدون القرطبيّ. وروى عنه بالإجازة جماعة ماتوا قبله، منهم القاضي عياض. وحدّث عنه أمم، منهم حمّاد الحرّانيّ، والحفّاظ: عليّ بن المفضّل، وعبد الغنيّ، وعبد القادر الرهاوي، والفقيه بهاء الدين ابن الجمّيزى، وخلائق، آخرهم أبو بكر محمد بن الحسن السفاقسي [المعروف بابن المقدسيّة] ابن أخت عليّ بن المفضّل المقدسي (١)، مات سنة أربع وخمسين وستّمائة. روى عن السلفيّ [حضور] الحديث المسلسل بالأوّليّة فقط (٢). وقال الذهبيّ: لا أعلم أحدا في الدنيا حدّث نيفا وثمانين سنة، سوى السلفيّ. وتفقّه على الكيّا [أبي الحسن] الطبريّ، وفخر الإسلام الشاشيّ، ويوسف بن عليّ الزنجانيّ. وأخذ الأدب عن أبي زكريا التبريزيّ، وغيره. وقرأ القرآن بالقراءات [١٥٣ أ] على [ ... ]. [استقراره بالإسكندريّة]: وقال ابن عساكر: وتزوّج بالإسكندريّة امرأة ذات يسار، فسلّمت إليه مالها، فحصلت له ثروة بعد فقر وتصوّف. وصارت له بالإسكندريّة وجاهة. وبنى له العادل أبو منصور بن عليّ بن إسحاق ابن السلّار وزير مصر مدرسة بالإسكندريّة، ووقف عليها وقفا. وقال أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعانيّ: هو ثقة، ورع، متقن، [٥٧ ب] متثبّت، حافظ، فهم، له حظّ من العربيّة، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه (٣). وقال الحافظ عبد القادر الرهاويّ (٤): سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر أنّه قال عن السلفيّ: كان ببغداد كأنّه شعلة نار في تحصيل الحديث. قال عبد القادر: وكان له عند الملوك بمصر الجاه والكلمة النافذة، مع مخالفته لهم في المذهب. وكان لا يبدو منه جفوة لأحد. ويجلس للحديث، فلا يشرب ماء، ولا يبصق، ولا يتورّك، ولا تبدو له [قدم] (٥) وقد جاوز المائة. بلغني أنّ سلطان مصر حضر عنده للسماع، فجعل يتحدّث مع أخيه فزجرهما وقال: إيش هذا؟ نحن نقرأ الحديث، وأنتما تتحدّثان! (قال) وبلغني أنّه مدّة مقامه بالإسكندريّة- وهي أربع وستّون سنة- ما خرج إلى بستان ولا فرجة غير مرّة واحدة، بل كان عامّة دهره لازما مدرسته، وما كنّا نكاد ندخل عليه إلّا ونجده مطالعا في شيء. وكان حليما متجمّلا. وقد سمعت بعض فضلاء همذان يقول: السّلفيّ أحفظ الحفّاظ. قال عبد القادر: وكان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، أزال من جواره منكرات كثيرة. وجاء جماعة من المقرئين بالألحان، فأرادوا أن يقرءوا، فمنعهم من ذلك وقال: هذه بدعة، بل اقرؤوا ترتيلا! - فقرءوا كما أمرهم. وقال ابن نقطة (٦): كان حافظا ثقة جوّالا في

стр. 432

الآفاق، سأّالا عن أحوال الرجال، [سمع] شجاعا الذهليّ، والمؤتمن الساجيّ، وأبا عليّ البردانيّ وأبا الغنائم النرسيّ وخميسا الحوزيّ (١). وحدّثني عنه عبد العظيم المنذريّ الحافظ قال: لمّا أرادوا قراءة سنن النسائيّ على السلفيّ، أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصحّحة قد سمعها من الدوني، فقال: اسمي فيها؟ قالوا: لا. فأخذها من يد القارى بغيظ وقال: لا أحدّث إلّا من أصل فيه اسمي! - ولم يحدّث بالكتاب. وقال لي عبد العظيم: إنّ أبا الحسن المقدسيّ قال: حفظت أسماء وكنى، وجئت إلى السلفيّ، وذاكرته بها، فجعل يذكرها من حفظه وما قال لي: أحسنت- وقال: [ما] (٢) هذا شيء مليح، أنا شيخ كبير [لي] في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد، وحفظي هكذا انتهى. [شهرته عند الملوك والعلماء] وقد مدح السلفيّ غير واحد، منهم الفقيه عمارة، وابن قلاقس. واجتمع به الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وسمع عليه بالإسكندريّة، وأكل عنده طعاما. ثمّ أرسل إليه السلطان بمال فقبله. ويحكى أنّه كان إذا اشتدّ [٥٧ أ] الطلق بامرأة، جاء أهلها إلى السلفيّ، فيكتب لهم ورقة تعلّق عليها فتخلص بإذن الله، ولا يعلم ما يكتب فيها، حتى كشف عنها، فإذا فيها: «اللهمّ، إنّهم ظنّوا بي خيرا، فلا تخيّينا ولا تكذّب ظنّهم! ». وكان مغرى بجمع الكتب، حصّل منها كثيرا، وكتب بخطّه الكثير، لا سيّما من الأجزاء. وتوفّي بثغر الإسكندريّة صبيحة يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وسبعين وخمسمائة فجأة، وله مائة وستّ سنين. ولم يزل يقرأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من يوم وفاته، وهو يردّ على القارئ اللحن الخفيّ. وصلّى عليه يوم الجمعة عند انفجار الفجر. وتوفّي عقيبه الذي صلّى عليه، فجأة (٣). [أدبه]: ومن شعره [الخفيف]: ليس حسن الحديث قرب رجال ... عند أرباب علمه النقّاد بل علوّ الحديث عند أولي الإت ... قان والحفظ صحّة الإسناد [١٥٣ ب] فإذا ما تجمّعا في حديث ... فاغتنمه فذاك أقصى المراد وقال [الكامل]: غرضي من الدنيا صدي ... ق لي صدوق في المقة يرعى الجميل، وعينه ... عن كلّ عيب مطرقة وإذا تغيّر من تغ ... يّر كنت منه على ثقة وقال [الكامل]: قد قلت إذ رفع الصبا ... ح ذيول ليل الوصل عنّا

стр. 433

يا ليت هذا الدهر دا ... م الدهر للصبّ المعنّى فالليل أستر للمتي ... يم والظلام عليه أحنى وقال [الطويل]: أتأمن إلمام المنيّة بغتة ... وأمن الفتى جهل، وقد خبر الدهرا وليس يحابي الدهر في دورانه ... أراذل أهليه ولا السادة الزّهرا فكيف وقد مات النبيّ وصحبه ... وأزواجه طرّا وفاطمة الزّهرا؟ وقال [الكامل]: قد نال صفوة دهرنا شرّيره ... حتّى تزايد تيهه وغروره واختصّ خيّره بفقر مدقع ... حتى استذلّ وزال عنه سروره والجروانيّ نسبة إلى جروان بفتح الجيم وإسكان الراء، ثمّ واو مفتوحة بعدها ألف ونون: محلّة بأصبهان. والسّلفيّ نسبة إلى السّلفة- بكسر السين المهملة وإسكان اللام، ثم فاء أخت القاف مفتوحة بعدها هاء- وهو لقب جدّه أحمد، وهو فارسيّ معناه: ثلاث شفاه: فإنّ شفته كانت مشقوقة [٥٧ ب] فصارت مثل شفتين، سوى الشفة الصحيحة. ٦٦١ - الحافظ أبو الحسن العتيقيّ [٣٦٧ - ٤٤١] (١) [٥٧ ب] أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن منصور، البغداديّ، المجهّز، ويقال له: العتيقيّ، الحافظ، أبو الحسن. ولد ببغداد يوم الخميس تاسع عشر المحرّم سنة سبع وستّين وثلاثمائة. وسمع الكثير، وحدّث عن خلق، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الرزاز، وأبو الحسن محمد بن محمد بن سفيان، وأبو حكيم محمد بن إبراهيم بن السريّ بن يحيى، ومحمد بن جعفر ابن النجّار التميميّون، وأبو عبد الله بن الحسين بن محمد العسكريّ، وأبو عمر بن حيويه، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير، والحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، وأبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهريّ، وأبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان، وأبو حفص عمر بن محمد بن علي بن الزيّات، وأبو يعقوب إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان، وأبو بكر محمد بن إسماعيل بن العبّاس الورّاق، وأبو حفص بن شاهين، وأبو عبد الله محمد بن زيد بن عليّ بن جعفر بن مروان الأبزاريّ، وأبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الفقيه الداركيّ، وأبو الحسن بن مظفّر، وأبو عبد الله الحسن بن أحمد بن فهد الموصليّ، وأبو الحسن عليّ بن محمد بن أحمد بن لؤلؤ الورّاق، وأبو بكر محمّد بن عبد الله بن صالح الأبهريّ. روى عنه ابنه أبو غالب محمد بن أحمد، وأبو بكر الخطيب، وعبد العزيز الكتّانيّ، وأبو العبّاس بن قبيس، وأبو القاسم بن أبي العلاء، وأبو الحسن علي بن محمد بن عليّ القطّان، والقاضي أبو المكارم محمد بن سلطان ابن حيّوس، وجماعة. وقدم دمشق ومصر، وسمع من عبد الغنيّ بن

стр. 434

سعيد الحافظ. قال الخطيب: وكان [١٥٤ أ] صدوقا. وقال ابن ماكولا: سمع الكثير، وخرّج على الصحيحين، وكان ثقة متقنا، يفهم ما عنده. وذكره الأزهريّ فأثنى عليه ووثّقه. وقال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي: لا بأس به. توفّي ببغداد يوم الثلاثاء حادي عشرين صفر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. والعتيقيّ نسبة إلى بعض أجداده كان يسمّى عتيقا. وكان الخطيب ربّما دلّسه (١) وروى عنه وهو في الحياة [ف] يقول: أخبرني أحمد بن أبي جعفر القطيعي، لسكناه في قطيعة بغداد. ٦٦٢ - أبو الفضل الشّلانجرديّ [٤٤٤ - ٥٣٤] (٢) [٥٧ ب] أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الفضل، الطوسيّ، الشلانجرديّ. مولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة. توفّي بالإسكندريّة في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وصلّى عليه السلفيّ. ٦٦٣ - أبو جعفر [ابن] النحّاس النحويّ [- ٣٣٨] (٣) [٥٨ أ] أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، أبو جعفر المعروف بالنحّاس، المراديّ، المصري، النحويّ. رحل إلى العراق، وسمع من الزجّاج، وأخذ عنه النحو، وقرأ عليه [كتاب] سيبويه. وسمع ببغداد من عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان، وأبي القاسم عبد الله البغويّ، والحسين بن عمر بن أبي الأحوص، وجماعة. وسمع بالرملة من عبيد الله بن إبراهيم البغداديّ. وسمع من ابن الأنباريّ، ونفطويه. وأخذ عن علي بن سليمان الأخفش وغيره. وعاد إلى مصر، فسمع [بها جماعة، منهم] أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطحاويّ، والنسائيّ، وبكر بن سهل الدمياطيّ، ومحمد بن جعفر الأنباري. واشتغل بالتصنيف في علوم القرآن والأدب، فزادت تصانيفه على خمسين مصنّفا، منها تفسير عشرة دواوين للعرب. وإعراب القرآن (٤)، جلب فيه الأقاويل، وحشد الوجوه، ولم يذهب في ذلك مذهب الاختيار والتعليل. وكتاب معاني القرآن، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وهو كتاب حسن، وكتاب الكافي في علم العربيّة، وهو مختصر، وكتاب المقنع، ذكر فيه اختلاف البصريّين والكوفيّين. وله كتاب الاشتقاق، وكتاب الأنواء، وكتاب تفسير أسماء

стр. 435

الله ، أحسن فيه، ونزع في صدره باتّباع السنّة والانقياد للآثار، وكتاب أخبار الشعراء، وكتاب أدب الكتّاب، وكتاب أدب الملوك، وكتاب التفّاحة في النحو (١). قال الزبيديّ: وكان واسع العلم غزير الرواية، ولم يكن له مشاهدة، فإذا خلا بقلمه جوّد وأحسن. وكان لا يتكبّر أن يسأل الفقهاء وأهل النظر ويفاتشهم عمّا أشكل عليه في تأليفاته. وكان يحضر حلقة ابن الحدّاد الشافعيّ، وكانت لابن الحدّاد ليلة في كلّ جمعة يتكلّم فيها عنده في مسائل الفقه على طرائق النحو. وكان لا يدع حضور مجلسه تلك الليلة. قال: حدّثني قاضي القضاة [بالأندلس]، منذر ابن سعيد [البلّوطي] (٢) قال: أتيت ابن النحّاس في مجلسه فألفيته يملي في أخبار الشعراء، شعر قيس بن معاذ (٣) المجنون، حيث يقول [الطويل]: خليليّ، هل بالشام عين حزينة ... تبكّي على نجد، لعلّي أعينها قد اسلمها الباكون إلّا حمامة ... مطوّقة باتت وبات قرينها فلمّا بلغ هذا الموضع قلت: باتا يفعلان ماذا، أعزّك الله؟ فقال لي: وكيف تقول أنت يا أندلسيّ؟ قلت: بانت وبان قرينها. فسكت. (قال القاضي) فما زال يستثقلني بعدها حتى منعني كتاب العين، وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته. فلمّا قطع بي، قيل لي: أين أنت من أبي العبّاس بن ولّاد؟ - فقصدته فلقيت رجلا كامل العلم والأدب، حسن المروءة. فسألته الكتاب فأخرجه إليّ: ثمّ تندّم أبو جعفر حين بلغه إباحة أبي [٥٨ ب] العبّاس كتابه لي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه. وكان أبو جعفر النحّاس لئيم النفس شديد التقتير على نفسه. وكان ربّما أهديت إليه العمامة فيقطعها على ثلاث عمائم. وكان يأبى (٤) شراء حوائجه بنفسه ويتحامل [١٥٤ ب] فيها على أهل معرفته (٥). وتوفّي بمصر لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. وذكر الوزير أبو الحسن عليّ بن يوسف القفطيّ أنّه جلس على درج المقياس بمصر على شاطئ النيل في مدّة زيادته، ومعه كتاب في العروض، وهو يقطّع بحرا منه، فسمعه بعض العوامّ فقال: هذا يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار- فدفعه برجله فذهب في المدّ فلم يوقف على جسده. (قال) وتوفّي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. ٦٦٤ - القاضي ابن صصرى [٦٥٥ - ٧٢٣] (٦) [٦٣ أ] أحمد بن محمد بن سالم بن الحسن بن

стр. 436

هبة الله بن محفوظ بن الحسن، قاضي القضاة، نجم الدين، أبو العبّاس، ابن أبي المواهب، ابن صصرى، الربعيّ، التغلبيّ، الدمشقيّ، الشافعيّ. ولد يوم السابع عشر من ذي القعدة سنة خمس وخمسين وستّمائة. وحضر بمصر على الرشيد العطّار سنة تسع وخمسين. وسمع بدمشق من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وجدّه لأمّه المسلم بن علّان، وغيره. وخرّج له الشيخ صلاح الدين العلائيّ مشيخة فأجازه عليها بجملة. وأخذ الفقه بدمشق على الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفركاح (١). وأخذ بمصر الفقه والأصول عن الأصبهانيّ (٢). [تنقّله في الوظائف]: ودخل ديوان الإنشاء بدمشق في ذي الحجّة سنة ثمان وسبعين وستّمائة، ونظم ونثر، وكتب المنسوب، وكان يكتب سريعا: قيل إنّه كتب خمس كراريس في يوم. وشارك في فنون. وعرف بكثرة التودّد إلى الناس، وكثرة الاحتمال للأذى. وكثر ماله وخدمه. ودرّس بالعادليّة الصغرى في سنة ثنتين وثمانين وستّمائة، وبالأمينيّة سنة تسعين، وبالغزاليّة سنة أربع وتسعين. وولي قضاء العسكر، ومشيخة الشيوخ بدمشق. ثمّ ولي قضاء القضاة بها، عوضا عن بدر الدين ابن جماعة بحكم انتقاله لقضاء الديار المصريّة سنة اثنتين وسبعمائة (٣). فلم يزل على القضاء حتى مات فجأة يوم الثلاثاء النصف من ربيع الأوّل سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. وولي قضاء دمشق بعده جمال الدين سليمان الزرعيّ. وترك أموالا كثيرة ومماليك عدّة. وكان ينطوي على تعبّد وديانة وعفّة (٤)، مع معرفة بالأحكام وسعادة فيها. وكان يفضل على القادمين إلى دمشق من أمراء وغيرهم، ويزوّدهم ويتودّد إليهم، ولا تزال هداياه تضرب في أقطار الأرض، مصرا وشاما، إلى أعيان الدولة ومن دونهم، فلهذا طالت مدّته مع كبار الفقهاء في زمانه، وفيهم من يرى أنّه لا يفهم عنه. فلم يتكدّر وقته في طول مدّة إحدى وعشرين سنة. وكان له أصحاب وعشراء يتّحدون به ويبلّغونه الأخبار في كلّ يوم. ويجمع الناس ببستانه في كلّ يوم سبت، ويمدّ لهم سماطا يجمع أنواع الأطعمة والفواكه والحلوى، ولا يمنع منه أحدا. وكانت الشعراء تفد عليه رجاء برّه وجوائزه فيوفّيهم غاية آمالهم، فبلغت مدائحه جملة وافرة. ورثاه الشهاب محمود بمرثية عظيمة بديعة أوّلها [الكامل]: أترى درى داعي المنيّة من دعا ... أم أيّ ركن للشريعة ضعضعا؟ [تسامحه]: [٦٣ ب] ومن جميل أخلاقه أنّ الجمال محمد بن نباته مدحه بقصيدة وهجاه بأخرى،

стр. 437

ودخل إليه وهما معه، وعزم على أن يقدّم له المديح، فإن أنصفه وإلّا أظهر الهجاء. فذهل وناوله الهجو. فكتب له بثلاثمائة درهم على وكيله. فلمّا خرج إذا به قد ناوله الهجاء فخجل. وأخذ القاضي في غيبته يقرأ القصيدة سرّا ويظهر لجلسائه أنّها مدح ويستحسنها، ولم يبد أمرها لأحد. وكان حسن الأخلاق، كثير التودّد، مليح المحاضرة، قاضيا للحقوق، لا يخلّ بافتقاد المرضى وحضور الجنائز، ومهاداة أصحابه، وكان [١٥٥ أ] حسن الملتقى، متواضعا إلى الغاية. وكان فصيح العبارة، قادرا على الحفظ، طويل الروح، سالما، محسنا إلى من أساء إليه: بلغه أنّ الشيخ صدر الدين ابن المرحّل نظم فيه بلّيقة (١): فتحيّل إلى أن وقعت بخطّه في يده. فتركها عنده إلى أن قيل له يوما: إنّ الشيخ صدر الدين بالباب فقال: يدخل- ووضع تلك الورقة مفتوحة على مصلّاه قدّامه. فرآها الشيخ صدر الدين وعلم أنّها بخطّه. ولم يزل القاضي إلى أن تحقّق أنّ صدر الدين رأى الورقة، فقال للطواشيّ: أحضر للشيخ ما عندك! فأحضر له بقجة (٢) قماش يزبكند (٣) وبدلة وشاش، وصرّة فيها نحو خمسمائة أو ستّمائة درهم، وقال: هذه جائزة تلك البلّيقة. وتوجّه مرّة بغلس ليصلّي صلاة الصبح بالجامع الأمويّ فضربه بالخضراء رجل بمطرق كبير، [ف] خرّ إلى الأرض، وقد ظن الرجل أنّه مات. فلمّا أفاق حضر إلى منزله، وكان يقول: أعرفه وما أذكره لأحد. وتراهن كتّاب الإنشاء أيّام كان يكتب معهم ب [ال] ديوان على أنّ أحدا منهم يسبقه بالسلام فلم يقدروا على ذلك. وكان له خدم ومماليك وأموال جمّة. وهو من بيت حشمة. قال يوما للشيخ صدر الدين ابن الوكيل وغيره: فرق ما بيننا أنّي اشتغلت على الشّمع الكافوريّ، وأنتم على قناديل المدارس. ولم يقدر أحد [أن] يدلّس عليه في مدّة ولايته القضاء قضيّة ولا شهادة زور، لكثرة تحرّيه في أحكامه، وبصره بقضاياها، ولا سمع عنه أنّه ارتشى في حكومة. [قدرته على الشعر]: وكان الشهاب محمود كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري يهنّئه بفتح طرابلس ويذكر جراحة أصابته، بقصيدة أوّلها [البسيط]: ما الحرب إلّا الذي تدمى به اللمم ... والفخر إلا إذا زان الوجوه دم ولا ثبات لمن لم تلق جبهته ... حدّ السيوف ولا تثنى له قدم فكتب الجواب قاضي [٦٤ أ] القضاة نجم الدين: وافى كتابك فيه الفضل والكرم ... فجلّ قدرا وجلّت عندي النعم وجاء من بحر فضل قد همى وطما ... درّ المعاني مع الألفاظ تنتظم وصفت حالي حتى خلت أنّك قد ... شاهدتها، ولهيب الحرب يضطرم وما جرى في سبيل الله محتسب ... فهو الذي لم تزل تسمو له الهمم وجاءنا النصر والفتح المبين، فلو ... شاهدت نور الظّبى تجلى به الظّلم

стр. 438

غدا العدوّ ذليلا بعد عزّته ... حليّ أجيادهم بعد العقود دم قد فرّق الجمع منهم عزم طائفة ... لم يثن همّتها يوم الوغى سأم ترك إذا ما انتضوا عزما لهم تركوا ... أمامهم كلّ جمع وهو منهزم لمّا بقتل العدى صاحت سيوفهم ... صلّت فقبّلها يوم الوغى القمم (١) حازوا الثواب الذي راموا وبعضهم ... فازوا بما كسبوا منها وما غنموا وكنت مشتغلا في وقت كسبهم ... عنه بما كسبه عندي هو النّعم فكيف يطلب منّي الأرفغان وقد ... شهدت لي، ولهذا بيننا حكم (٢) ألست أنت الذي قد قال مبتدئا ... وذاك قول بحكم الحقّ ملتزم هجمته وسيوف [الهند] مصلتة ... وعدت، والسبي والأموال تقتسم [١٥٥ ب] وكان همّك في الأرواح تكسبها ... وهمّ غيرك فيها المال والنّعم وقال [الطويل]: ومذ خفيت عنّي بدور جمالهم ... غدا سقمي في حبّهم وهو ظاهر وقد بتّ ما لي في الغرام مسامر ... سوى [ذكرهم] يا حبّذاك المسامر (٣) وإنّي على قرب الديار وبعدها ... مقيم على عهد الأحبّة صابر ودمعي سريع والتشوّق كامل ... ووجدي مديد، والتأسّف وافر وما لي أنصار سوى فيض أدمعي ... إذا بات من أهواه وهو مهاجر أأحبابنا غبتم فغابت مسرّتي ... وأصبح حزني بعدكم وهو حاضر وما القصد إلّا أنتم ورضاكم ... وغير هواكم ما تسرّ السرائر وما في فؤادي موضع لسواكم ... ولا غيركم في خاطر القلب خاطر وما راقني من بعدكم حسن منظر ... ولا شاقني زاه من الروض زاهر وما كلفي بالدار إلّا لأجلكم ... وإلّا فما تغني الرسوم الدواثر؟ وما حاجر إلا إذا كنتم بها ... إذا غبتم عنها فما هي حاجر (٤) ٦٦٥ - ابن ساكن الزنجاني [- قبل ٣٠٠] (٥) [٦٤ ب] أحمد بن محمد بن ساكن، أبو عبد الله، الزنجانيّ، الشافعيّ، إمام في وقته فقها وعلما بالحديث. رحل إلى العراقين والحجاز ومصر. سمع ببغداد أحمد بن المقدام العجليّ، ويعقوب الدورقيّ، وأقرانهما. وبالبصرة نصر بن

стр. 439

عليّ، وبندارا، وأبا موسى (١)، وأقرانهما. وبالكوفة إسماعيل السدّي (٢)، وأبا كريب (٣). وبحلوان وبالمدينة جماعة. وبمصر يونس بن عبد الأعلى، والمزنيّ، والربيع، وغيره، وبالرّيّ. وأخذ علم الحديث عن أبي زرعة. سمع منه الكبار. توفّي قبل الثلاثمائة. ٦٦٦ - أبو جعفر الطحاويّ [٢٣٦ - ٣٢١] (٤) [٦٥ أ] أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة بن سليمان بن سلمان بن حباب، أبو جعفر، الأزديّ، الحجريّ، المصريّ، الطحاويّ، الفقيه الحنفيّ، الحافظ المحدّث، أحد الأعلام. ولد في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وثلاثين ومائتين- وقيل: ولد ليلة الأحد لعشر خلون من ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثين ومائتين. وسمع هارون بن سعيد الأيليّ، وأبا شريح محمّد بن كريب، كاتب العمريّ، وأبا عثمان سعيد بن بشر بن مروان الأزديّ، وأبا جعفر عبد الغنيّ بن رفاعة اللخميّ، وأبا بشر عبد الملك بن مروان الرقيّ، والربيع بن سليم الجيليّ (٥)، وأبا الحارث أحمد بن سعيد الفهريّ، وعلي بن معبد بن نوح، وعيسى بن إبراهيم الغافقيّ، ويونس بن عبد الأعلى، وأبا قرّة محمد بن حميد الرعينيّ، ومالك بن عبد الله التجيبيّ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وجماعة. روى عنه أبو بكر ابن المقرئ، وأبو الحسن الإخميميّ، وأبو الفرج أحمد بن القاسم بن الخشّاب. وخرج إلى الشام سنة ثمان وستّين ومائتين، فلقي القاضي أبا خازم عبد الحميد بن جعفر فتفقّه عليه وسمع منه. وتفقّه بمصر على أبي جعفر أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى. وكان أوّلا يذهب إلى مذهب الشافعيّ ﵀، ثمّ انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵀، ويقال في سبب انتقاله إنّ أبا إبراهيم إسماعيل المزنيّصاحب الشافعيّ كان خاله، وإنّه قال له يوما في أثناء مذاكرته: «والله لا جاء منك شيء». فأغضبه هذا منه وأبق (٦) وانتقل إلى ابن أبي عمران، وصار من أعلام أئمّة الفقهاء الحنفيّة. [مصنّفاته]: وصنّف كتاب الاختلاف بين الفقهاء، وكتاب الشروط الكبير، وكتاب الشروط الصغير، وكتاب

стр. 440

المختصر الكبير في الفقه، وكتاب المختصر الصغير في الفقه، وكتاب شرح الجامع الكبير لمحمّد بن الحسن، وكتاب شرح الجامع الصغير لمحمّد بن الحسن أيضا، وكتاب المحاضر والسجّلات، وكتاب الوصايا، وكتاب الفرائض، وكتاب أمثلة كتب العدل، وكتاب شرح مشكل أحاديث رسول الله ﷺ ، نحو ألف ورقة، وكتاب نقض كتاب المدلّسين على الكرابيسيّ، وكتاب [ال] مختصر في الفقه، وكتاب أحكام القرآن. وذكر عنه أنّه قال عند ما صنّف مختصره في الفقه، وعمله على ترتيب كتاب المزنيّ: رحم الله أبا إبراهيم! - يعني المزنيّ- لو كان حيّا لكفّر عن يمينه. وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الورّاق المعروف بابن أبي يعقوب النديم، في كتاب الفهرست (١): ويقال إنّه عمل لأحمد بن طولون كتابا في نكاح ملك اليمين، يرخّص له في نكاح الخدم. قال كاتبه: هذا خبر لا يصحّ، فقد كان أبو جعفر أتقى لله وأورع من هذا. وقال أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي: وكان قد أدرك المزنيّ وعامّة طبقته وبرع في علم الشروط. واستكتبه أبو عبيد الله محمد بن عبدة القاضي (٢) وكان صعلوكا فأغناه، وكان أبو عبد الله سمحا جوادا. فلمّا استتر أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن عبدة أخذ [محمّد بن] أبا خليفة الأمير هارون [بن أبي] جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون أبا جعفر وطالبه بحساب الأوقاف، ثمّ عدّله أبو عبيد عليّ بن الحسين بن [٩٤ ب] حرب (٣) القاضي عقيب القصّة التي جرت لمنصور الفقيه مع أبي عبيد، وذلك في سنة ستّ وثلاثمائة. وكان الشهود ينفسون عليه بالعدالة لئلّا تجتمع له رئاسة العلم وقبول الشهادة. وكان جماعة من الشهود قد جاوروا بمكّة في هذه السنة فاغتنم أبو عبيد غيبتهم فعدّل أبا جعفر بشهادة أبي القاسم مأمون وأبي بكر محمد بن موسى المعروف بصقلاب. وذكر أبو يعلى الخليليّ في كتاب الإرشاد (٤) أنّ إبراهيم بن محمد الشروطيّ قال: قلت للطّحاويّ: لم خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأنّي كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فانتقلت إلى مذهبه لذلك. وقال الحافظ أبو محمد بن خلف في كتاب الدرّ المنظّم فيمن دفن بسفح [١٥٨ أ] المقطّم (٥): فريد دهره ووحيد عصره، له التصانيف المفيدة والآثار الحميدة، صاحب فقه وأثر ورواية ونظر. ومن تصانيفه الفقهيّات الكبار، والمختصرات الخالية من الإكثار. وكتبه في الوراقة مشهودة أيضا، وفضائله أكثر من أن تعدّ، ومناقبه أوفر من دخولها تحت الحصر والعدّ. وروى عنه القضاة المحقّقون والعلماء المبرّزون. وبلغ من العمر ثمانين سنة. وكان السواد أغلب على لحيته من البياض. وقال في كتاب الفهرست: وكان أوحد زمانه علما وزهدا. وقال القضاعي: توفّي ليلة الخميس مستهلّ ذي

стр. 441

القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. والطحاويّ نسبة إلى طحا بفتح الطاء والحاء المهملتين: قرية من صعيد مصر. والحجري بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، نسبة إلى حجر الأزد. وقال ابن يونس: وكان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. [تحوّله من الشافعيّة إلى الحنفيّة]: وقال الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ الشيرازيّ في كتاب طبقات الفقهاء: وإليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر. وأخذ العلم عن أبي جعفر ابن أبي عمران، وعن أبي خازم وغيرهما. وكان شافعيّا، يقرأ على أبي إبراهيم المزنيّ، فقال له يوما: «والله لا جاء منك شيء! » فغضب من ذلك وانتقل إلى ابن أبي عمران. فلمّا صنّف مختصره، قال: «رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيّا لكفّر عن يمينه! » وصنّف: اختلاف العلماء، والشروط، وأحكام القرآن، ومعاني الآثار. وقال أبو سليمان بن زبر: قال لي أبو جعفر الطحاويّ: أوّل من كتبت عنه الحديث المزنيّ [وأخذت بقول الشافعيّ. فلمّا كان بعد سنين، قدم أحمد بن أبي عمران قاضيا على مصر فصحبته]، وأخذت بقوله- وكان يتفقّه للكوفيّين- وتركت قولي الأوّل. فرأيت المزنيّ في المنام وهو يقول لي: يا أبا جعفر، اغتصبت (١)! [٩٥ أ] وذكر أنّ امرأة أتت أبا جعفر برقعة، فزعمت أنّها مسألة أرسلت إليه فنظر فإذا فيها [الخفيف]: رحم الله من دعا لغريب ... باجتماع لعاشق وحبيب (٢) فطواها ورماها إليها وقال: ليس هذا المكان الذي بعثت إليه يا امرأة، غلطت! [لباقته وأريحيّته]: ونقل المحبّ ابن النّجار عن أبي الحسين التنيسيّ قال: كنت عند أبي جعفر الطحاويّ فجاءته رقعة فيها مسألة سئل جوابها فقرأت المسألة والجواب فإذا فيها [الطويل]: أبا جعفر، ماذا تقول، فإنّه ... إذا نابنا أمرّ، عليك يعوّل ولا تنكرن قولي وأبشر برحمة ... من الله في الأمر الذي عنه نسأل أبالحبّ عار أم من العار تركه ... وهل من لحا أهل الصبابة يجهل؟ وهل بمباح في الهوى قتل مسلم ... يهاجره أحبابه ويواصل؟ فرأيك في ردّ الجواب فإنّه ... بما فيه تقضي أيها الشيخ نفعل فكتب الجواب: سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل فديتك ما بالحبّ عار علمته ... بل العار ترك الحبّ إن كنت تعقل وليس يباح عندنا قتل مسلم ... بلا ترة، بل قاتل النفس يقتل ووصلك من تهوى، وإن صدّ، واجب ... عليك، كذا حكم المتيّم يفصل [١٥٨ ب]

стр. 442

٦٦٧ - ابن أبي عمران البغداديّ [- ٢٨٠] (١) [٧٦ أ] أحمد بن موسى بن عيسى، أبو جعفر، المعروف بابن أبي عمران البغداديّ، الفقيه، الحنفيّ، نزيل مصر، أستاذ أبي جعفر الطحاويّ. تفقّه على محمد بن سماعة القاضي، وبشر بن الوليد الكنديّ. وحدّث بمصر عن عاصم بن عليّ (٢)، وشعيب بن سليمان، الواسطيّين، وعليّ بن الجعد، ومحمد بن الصبّاح. قال ابن يونس: كان مكينا من العلم، حسن الدراية بألوان من العلم كثيرة، وكان ضرير البصر. وحدّث بحديث كثير من حفظه، وكان ثقة. وكان قدم إلى مصر مع أبي أيّوب (٣) صاحب خراج مصر، فأقام بها إلى أن توفّي بها في محرّم سنة ثمانين ومائتين. وقال عبد الغنيّ بن سعيد: قدم مصر وذهب بصره بأخرة. وكان أحد الموصوفين بالحفظ، روى حديثا كثيرا من حفظه، وصنّف كتابا يقال له «الحجج» (٤). ٦٦٨ - شهاب الدين الحلبيّ [- ٧٠٣] (٥) [٧٦ أ] أحمد بن موسى بن عمرو، أبو العبّاس، شهاب الدين، الحلبيّ، الحنفيّ. درّس بالمدرسة الفارقانيّة بالقاهرة بعد النجم إسحاق الحلبيّ. ومات بها في أخريات شهر رمضان سنة ثلاث وسبعمائة، وهو ثاني من درّس بها. ٦٦٩ - ابن قرصة الفيّوميّ [- ٧٠١] (٦) [٧٦ ب] أحمد بن موسى بن محمّد بن أحمد، عزّ الدين، أبو [ ... ]، ابن قرصة، الفيّومي المولد، القوصيّ الدار والوفاة، الشافعيّ. توفّي بقوص سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وكان فقيها أديبا شاعرا، أخذ عن الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام، وولي نظر الدواوين بقوص، ودرّس بها. وكان قليل الكلام يتكلّم بإعراب. وتصدر منه عجائب كالمكاشفات. وله ديوان شعر، وله خطب، وله كتاب «نتف المذاكرة وتحف المحاضرة» (٧)، وله مسائل فقهيّة ومسائل نحويّة ولغويّة وأدبيّة. ومن شعره [البسيط]: لا تحقرنّ من الأعداء من قصرت ... يداه عنك، وإن كان ابن يومين

стр. 443

فإنّ في قرصة البرغوث معتبرا ... فيها أذى الجسم، والتسهيد للعين ٦٧٠ - أحمد بن نصر المقرئ [- ٢٤٥] (١) [٧٧ أ] أحمد بن نصر بن زياد، أبو عبد الله، القرشيّ، النيسابوريّ، المقرئ، الفقيه، الزاهد. روى عن أبي أسامة، وأزهر السمّان، وحسين الجعفيّ، وحمّاد بن مسعدة، وروح بن عبادة، وشجاع بن الوليد، وعبد الله بن عبد الحكم، وأصبغ بن الفرح، وخلائق. وروى عنه أبو عيسى الترمذيّ، والنسائيّ، وابن خزيمة، وجماعة. وروى عنه البخاريّ ومسلم خارج الصحيحين. قال الحاكم: سمعت أبا الوليد حسّان بن محمّد الفقيه- وسئل: عند من تفقّه محمّد بن إسحاق بن خزيمة قبل خروجه إلى مصر؟ فقال: عند أحمد بن نصر المقرئ. فقيل: وعلى مذهب من كان؟ يعني أحمد بن نصر. فقال: على مذهب أبي عبيد (٢). خرج إليه على كبر السنّ متفقّها وقد روى عنه الكتب. وقال محمد بن عبد الوهاب: أحمد بن نصر ثقة مأمون، وكان يقرئ. وقال مسلم بن الحجّاج: أبو عبد الله، أحمد بن نصر، النيسابوريّ، سمع ابن أبي فديك وابن نمير- يعني عبد الله- وصفوان بن عيسى (٣). وقال أحمد بن سيّار المروزيّ: كان ثقة، أبيض الرأس واللحية، قصيرا أجلح- أو قال: أصلع- صاحب سنّة، محبّا لأهل الخير. كتب العلم، وجالس الناس، وكان يحدّث عن صفوان بن عيسى، وعبيد الله بن موسى (٤)، وأشكالهما. وقال أبو بكر بن خزيمة: سمعت أحمد بن نصر المقرئ- وأثنى عليه ابن خزيمة- يقول: كان خالي قد قرأ على يحيى بن صبيح، وقرأت أنا على خالي القرآن سبعين مرّة أو زيادة على سبعين مرّة. وقال الحاكم: أحمد بن نصر المقرئ فقيه أهل الحديث في عصره، وهو كثير الرحلة إلى مصر والشام والعراقين. سمع منه أبو نعيم الفضل بن دكين، وروى عنه سلمة بن شبيب، وعليّ بن حرب الموصليّ، وعلي بن رجاء الجرجانيّ، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج. مات في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين. ٦٧١ - الحافظ أبو طالب البغداديّ [- ٣٢٣] (٥) [١٥٩ ب] أحمد بن نصر بن طالب، أبو طالب البغداديّ، الحافظ.

стр. 444

سمع بمصر يحيى بن عثمان بن صالح، وأحمد بن أصرم المغفّليّ (١)، وبدمشق أبا زرعة النصريّ، وسليمان بن أيّوب بن جذيم. وسمع بحمص والعراق واليمن. روى عنه الدارقطنيّ، وأبو حفص ابن شاهين وغيره. وكان الدارقطنيّ يقول: أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ أستاذي، وفي رواية: حافظ متقن. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا. توفّي في شوّال، وقيل: في رمضان، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ٦٧٢ - ابن أبي الليث المصريّ الحافظ [- ٣٨٦] (٢) [٧٧ ب] أحمد بن نصر بن محمد، أبو الحسن، ابن أبي الليث، المصريّ، الحافظ. سمع بمصر أصحاب يونس بن عبد الأعلى، وأبي عبد الله الوهبيّ. وسمع أيضا أبا عليّ بن شعيب الأنصاري، وأبا هاشم الكنانيّ، وأحمد بن عبد الرحيم القيسرانيّ وجماعة. واستوطن ما وراء النهر. روى عنه الحاكم وقال: قدم نيسابور، وهو باقعة في الحفظ. ولقد رأيته يوما يذكر ترجمة سليمان التيميّ فشبّهته بالسحر في المذاكرة. وكان مع هذا يتقشّف ويجالس الصالحين من الصوفيّة. وكتب عندنا سنين. ثم آذاه بلديّ له فخرج إلى ما وراء النهر. واشتغل بالأدب والشعر. ثمّ تصرّف في أعمال كثيرة فصار بحال سريّة وغلمان ومراكب. ومات في رمضان سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة. ٦٧٣ - أبو بكر الزقّاق الكبير [- (٢٩٠)] (٣) [٧٨ أ] أحمد بن نصر، أبو بكر الزقّاق الكبير، أحد أقران الجنيد وأكابر مشايخ مصر. قال الكتّانيّ (٤): لما مات الزقاق، انقطعت حجّة الفقراء في دخولهم إلى مصر. ومن كلامه: من لم يصحبه التّقى في فقره أكل الحرام المحض. وقال: جاورت بمكّة عشرين سنة، فكنت أشتهي اللبن. فغلبتني نفسي فخرجت إلى عسفان، واستضفت حيّا من أحياء العرب. فنظرت إلى جارية حسناء بعيني اليمنى. فأخذت بقلبي، فقلت لها: قد أخذ كلّك كلّي، فما فيّ لغيرك مطمع. فقالت له: تقبح بك الدعاوي الغالية. لو كنت صادقا لذهبت عنك (٥) شهوة اللبن. (قال) فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها. فقالت لي: مثلك من نظر لله (عج). فرجعت إلى مكّة وطفت أسبوعا. ثمّ نمت

стр. 445

فرأيت في منامي يوسف الصدّيق ﵇ فقلت: يا نبيّ الله، أقرّ الله عينك بسلامتك من زليخا! فقال لي: يا أبا بكر، أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانيّة. ثمّ تلا ﵇: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الرحمن: ٤٦]، فصحت من طيبة تلاوته ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة. وقال: كنت مارّا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أنّ علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة. فهتف بي هاتف من تحت شجرة: كلّ حقيقة لا تتبع الشريعة، فهي كفر. وقال أبو عليّ الروذباريّ: دخلت يوما على أبي بكر الزقّاق فرأيته بحالة عجيبة، فسكتّ ساعة حتى رجع إليّ. فقلت: ما لك أيّها الشيخ؟ فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالحيرة في بعض تلك الخرجات وإذا شخص يقول [الطويل]: أبت غلبات الشوق إلّا تطرّبا ... إليك ويأبى العذل إلّا تجنّبا وما كان صدّي عنك صدّ ملامة ... ولا ذلك الإبعاد إلّا تقرّبا ولا كان ذاك العذل إلّا نصيحة ... ولا ذلك الإغضاء إلّا تهيّبا عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي ... إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا وما هو إلّا أن أنشدني الشيخ حتى صرت مغلوبا لا أدري ما لحقني، فلمّا أفقت قال لي: يا أبا عليّ، لا عليك، هكذا من تحقّق في بليّة لم يخل من البلاء حاضروه، وإنّما هو زيادة بلاء صبّ منّى عليك (١). فقمت وتركته [١٥٩ ب]. ٦٧٤ - محيي الدين ابن باتكين [٦١٤ - ٧١٠] (٢) [٧٩ أ] أحمد بن نصر الله بن باتكين، محيي الدين، أبو العبّاس، ابن أبي الفتح، القاهريّ، العدل. ولد سنة أربع عشرة وستّمائة. وعانى الخدم. وسمع على السديد عيسى ابن أبي الحرم إمام جامع الحاكم. وكان شاعرا ماهرا، كتب إلى شعراء عصره، وراجعه أدباء دهره. ومات سنة عشر وسبعمائة. ومن شعره قوله [الكامل]: يا جفن مقلته سكرت فعربد ... كيف اشتهرت على فؤاد المكمد؟ ورميت عن قوس الفتور فأصبحت ... غرضا لأسهمك القلوب، فسدّد لم تغضض الجفن الكحيل تغاضيا ... إلّا لتقتلنا بسيف مغمد من لم يبت بعذاب حبّك قلبه ... متنعّما، لا فاز منك بموعد! للصبّ أسوة خال خدّك إنه ... متنعّم في جمره المتوقّد أهوى قوام الغصن تعطفه الصّبا ... فعل الصّبا بقوامك المتأوّد طربا، وأصبو للغدير مجعّدا ... بيد النسيم حكى صفيحة مبرد إذ أشبهاك تأرّجا وتموّجا ... بين الروادف والقضيب الأملد

стр. 446

لاموا على ظمئي عليك وما دروا ... في ماء خدّك ما حلاوة موردي طورا أحيّى بالأقاح، وتارة ... في الخدّ بالريحان والورد النديّ وجه كما سفر الصباح، وحوله ... حسنا، بقايا جنح ليل أسود وكأنّما خاف العيون فألبست ... وجناته زردا مخافة معتد أنّى يخاف من استجار محبّه ... بمحمّد بن علي بن محمّد! يريد الصاحب فخر الدين محمد، ابن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد ابن حنّا. وقد حكي أنه كان على [رسوخ] قدمه الثابتة في الأدب، ربّما أخطأ الوزن في مواضع. فانتقد عليه السراج الورّاق في وزن الكامل فكتب إليه [الكامل]: يا جابرا كسر الضعيف بطوله ... ومصحّحا معلول كلّ سقيم لا تعجبن إن تبد منّي نبوة ... عن وزن بحر الكامل الموسوم لا زلت تستر كلّ عيب ظاهر ... منّي، وتأسو داميات كلومي ٦٧٥ - أبو بكر البرذعيّ الحافظ [- ٣٠١] (١) [٨٠ أ] أحمد بن هارون بن روح، أبو بكر، البرذعيّ، البرديجيّ- وبرديج من أعمال برذع من بلاد أرمينية- الحافظ. سمع بمصر الربيع بن سليمان، وبحر بن نصر، وعلي بن عبد الرحمن، وسليمان بن شعيب الكيسانيّ. وسمع بدمشق وبيروت والمصيصة والكوفة وبغداد، من جماعة. روى عنه الطبرانيّ، وابن عديّ، وأبو بكر الشافعيّ، في آخرين. قال صالح بن أحمد الحافظ عنه: صدوق، من الحفّاظ. وقال الحاكم: لا أعرف إماما من أئمّة عصره في الآفاق إلّا وله عليه انتخاب يستفاد. وقال الخطيب: سكن بغداد وحدّث بها عن أبي سعيد الأشجّ، وهارون بن إسحاق الهمدانيّ، ويوسف بن سعيد بن مسلم، وعمرو بن عبد الله الأودي، ومحمد بن حمدون الكرمانيّ، وعلي بن إشكاب، وبحر بن نصر المصري، وغيرهم. وكان ثقة فاضلا فهما حافظا. مات في رمضان سنة إحدى وثلاثمائة، ولم يغيّر شيبه. ٦٧٦ - ابن هبة الله الدمياطيّ [- ٦٣٠] [٧٨ ب] أحمد بن هبة الله، ابن أبي المعالي، ابن عبد العزيز، ابن أبي القاسم، ابن النوريّ، القرشيّ، الدمياطيّ. تفقّه على عبد العزيز الحميريّ وغيره. وسمع من محمّد بن العماد الحرّانيّ، وغيره. وأعاد بالمدرسة الحافظيّة، وناب في التدريس بها عن عمّه. وكانت وفاته في نصف ذي الحجّة سنة ثلاثين [١٦٠ أ] وستّمائة بالإسكندريّة.

стр. 447

٦٧٧ - ابن فضل الله العمري [٦٩٧ - ٧٤٩] (١) أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلّي بن أبي الرجال دعجان بن خلف بن أبي الفضل نصر بن منصور بن عبيد الله بن عديّ بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبيد الله الصالح، ابن أبي سلمة عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، شهاب الدين، أبو العبّاس، ابن محيي الدين أبي زكريا [بن] أبي المعالي [بن] أبي الفضل ابن جمال الدين، القرشيّ، العدويّ، العمريّ، الدمشقيّ، الفقيه، الأديب، كاتب السرّ. [تعلّمه]: ولد بدمشق في ثالث شوّال سنة سبع وتسعين وستّمائة. وقرأ العربيّة على الكمال ابن قاضي شهبة، ثمّ على قاضي القضاة شمس الدين [محمد] بن مسلم، وقرأ الفقه على قاضي القضاة شهاب الدين [محمد] ابن المجد، وعلى الشيخ برهان الدين الفزاريّ. وقرأ الأحكام الصغرى على التقيّ أحمد بن تيميّة. وقرأ العروض على شمس الدين [محمد بن حسن] ابن الصائغ [العروضيّ] والكمال ابن الزملكانيّ. وأخذ الأدب عن علاء الدين عليّ الوداعي (٢). وقرأ جملة من المعاني والبيان على الشهاب محمود (٣)، وقرأ عليه تصانيفه وجملة من الدواوين وكتب الأدب. وقرأ الأصول على شمس الدين محمّد الأصفهانيّ. وقرأ بمصر على أبي حيّان (٤)، وسمع عليه كتاب الفصيح لثعلب، والأشعار الستّة والدريديّة وغير ذلك. وسمع بدمشق والقاهرة، والحجاز والإسكندريّة، من الحجّار وستّ الوزراء، وابن أبي الفتح، وخرّج له الذهبيّ مشيخة كثيرة حدّث بها ورويت عنه. وقال الشعر الكثير من القصائد والأراجيز والمقطوعات والدوبيت. [مصنّفاته]: وأنشأ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع والأصدقة. وصنّف كتاب المبكتات. وكتاب التاريخ الذي سمّاه «مسالك الأبصار» في عشرة أسفار كبار، ولم يسبق لمثله. وكتاب الدعوة المستجابة، مجلد. وكتاب صبابة المشتاق في المدائح النبويّة، مجلّد. وكتاب سفرة السفر. وكتاب دمعة الباكي، وكتاب يقظة الساهر، وكتاب نفحة الروض، وكتاب [ ... ]. وكان يتوقّد ذكاء وفطنة، وله حافظة قويّة، ومحاضرة جميلة، وكلامه فصيح بليغ، وله غوص على المعاني، وعنده اقتدار على النظم، بحيث تساوت بديهته وارتجاله. وكان يكتب من رأس قلمه بديها ما يعجز عنه غيره بعد إعمال رويّته مع

стр. 448

لطف الأخلاق وسعة الصدر وبشر المحيّا. واجتمع فيه أربع خصال قلّما جمعها غيره: جودة الحافظة، فقلّما طالع شيئا إلّا واستحضره أو أكثره، وحسن الذاكرة، فكان إذا أراد، تذكّر شيئا ولو قدم عهده كأنّما مرّ به أمس، والذكاء الذي تسلّط به على ما أراد [٨١ ب]، وحسن القريحة في النظم والنثر. وأضاف الله له مع ذلك حسن الذوق. وكان إماما في الأدب عارفا بتراجم الناس، سيّما أهل عصره. عارفا بخطوط الفضلاء وشيوخ الكتابة، قد جوّد فنّ الإنشاء حتى كان فيه آية. وجوّد النظم وبرع في التاريخ، سيّما ما قارب وقته، وعرف مسالك الأرض وممالكها، وحذق في علم الأصطرلاب وحلّ التقويم. وأذن له [العلّامة شمس الدين] الأصفهاني في الإفتاء على مذهب الشافعيّ. وباشر في كتابة الإنشاء بدمشق أيّام بني محمود حتى ولي أبوه محيى الدين كتابة السرّ بها. ثم قدم معه إلى القاهرة في سنة ثمان وعشرين [وسبعمائة] لمّا ولي كتابة السرّ بديار مصر، وكان يقرأ البرد على السلطان. ثمّ سار مع أبيه إلى دمشق؛ وعاد معه إلى القاهرة لمّا ولي كتابة السرّ ثانيا في سنة ثلاث وثلاثين. وقرأ أيضا البريد على السلطان، وجلس في دار العدل. فاتّفق ذات يوم وقوع مفاوضة بينه وبين الأمير صلاح الدين يوسف الدوادار، فاحتدّ على الدوادار وتنافرا. فما زال هو وأبوه بالسلطان حتّى صرفه وأقام [سيف الدين] بغا دوادارا عوضه. [حدّة مزاجه]: فلمّا قدم الأمير تنكز نائب الشام في سنة سبع وثلاثين وسأل السلطان في ولاية علم الدين [محمّد] ابن القطب كتابة السرّ بدمشق فأجابه وولّاه، أخذ شهاب الدين [١٦٠ ب] يضع منه عند السلطان بأنّه قبطيّ لا يصلح لكتابة السرّ، والسلطان يغضي عن ذلك مراعاة لنائب الشام. فلمّا كتب توقيعه رسم له بزيادة المعلوم فأبى شهاب الدين من ذلك وشافه السلطان بكلام خشن، وقد قويت نفسه وشرست أخلاقه على عادته، واسترسل في الكلام الجافي حتى قال: كيف يكون رجل أسلميّ (١) تعمله كاتب السرّ وتزيد جامكيّته؟ ما يفلح من يخدمك، وخدمتك عليّ حرام! وقام من [بين] يدي السلطان مغضبا، والأمراء وقوف بالخدمة، وقد اقشعرّوا من كلامه، وما شكّوا في أنّ السلطان يضرب عنقه. وسار شهاب الدين إلى أبيه وعرّفه ما وقع فبهت. فبادر للقيام في تدبير ما فرط من ابنه وتلافي خطئه. فقبّل الأرض عند ما دخل على السلطان وسأل العفو فأجابه السلطان بأنّه لأجله قد حلم عليه وسامحه، وتقدّم إليه بإحضار ابنه [٨٢ أ] علاء الدين عليّ ليقوم مقام شهاب الدين في قراءة البريد وتنفيذ الاشتغال، فاعتذر بأنّه صغير، فقال: أنا أربّيه كما أعرف فأحضره. ولزم شهاب الدين بيته حتّى مات أبوه، واشتغل أخوه علاء الدين بكتابة السرّ من بعده. [ف] كتب قصّة يسأل فيها السفر إلى دمشق. [نكبته]: فحرّكت هذه القصّة من السلطان ساكنا وأمر طاجار الدوادار أن يطلبه إلى قاعة الصاحب من القلعة وأن يعرّيه حتى يكتب خطّه بعشرة آلاف

стр. 449

دينار، فإن امتنع ضربه بالمقارع. فعند ما عرّاه أرعد حتّى كاد يموت، وكتب خطّه بالمبلغ، وأوقعت الحوطة على موجوده وأخذ في بيعه وبيع أملاكه بدمشق، واقترض خمسين ألف درهم وأورد مائة وأربعين ألف درهم، وذلك في رابع عشرين شعبان سنة تسع وثلاثين [وسبعمائة]. ثمّ أفرج عنه في ثالث ربيع الآخر سنة أربعين بعد سبعة أشهر وثمانية عشر يوما لسبب غريب: وهو أنّ بعض الكتّاب زوّر خطّ السلطان، فرسم بقطع يده. فتلطّف شهاب الدين بالسلطان حتى عفا عنه وسجنه، فأقام مدّة في السجن إلى أن رفع في هذا الوقت قصّة يسأل فيها العفو عنه وتخلية سبيله. فلم يعرف السلطان خبره ولا سبب حبسه. فقيل له: إنّ أمره يعرفه شهاب الدين ابن فضل الله. فبعث إليه ليخبره بشأن هذا المحبوس، فعرّفه الخبر فأمر بالإفراج عن الرجل وعن شهاب الدين. فنزل إلى داره بالقاهرة. ثمّ استدعاه السلطان في محرّم سنة إحدى وأربعين بعد قتل تنكز نائب الشام، واستحلفه على المناصحة، وولّاه كتابة السرّ بدمشق عوضا عن شهاب الدين يحيى بن إسماعيل ابن القيسرانيّ. فسار إليها وقد قبض على ابن القيسراني وأخذ ماله ورسم بقطع يده لتهمته بموافقة الأمير تنكز على ما رمي به من المخامرة. فما زال يجهد في أمره حتى أفرج عنه. واستمرّ في كتابة السرّ حتّى مات السلطان، وكان الاختلاف من بعده. فعزل بأخيه بدر الدين محمد في يوم الاثنين ثالث صفر سنة ثلاث وأربعين. وطلب لكثرة الشكايات فيه. فقدم في صفر سنة أربع وأربعين وقد لطّف أخوه علاء الدين عليّ كاتب السرّ أمره حتى أعيد إلى دمشق، واستقرّ باسمه مرتّب يكفيه حتى مات يوم عرفة سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ٦٧٨/ ٦٧٩ - أبو المكارم العوفيّ القرشيّ [- نحو ٥٩٥] (١) [٨٣ أ] أحمد بن يحيى بن مكّي بن جعفر بن عبد العزيز بن يوسف بن عليّ الفهري، ابن بنت أبي الطاهر بن عوف الإسكندرانيّ، يكنّى أبا المكارم. ومن شعره [المتقارب]: حلمت قليلا بحلم الوداد ... والقلب من حمله قد وجب ولو ساعدت همّتي قدرتي ... لقضّيت من حقّكم ما وجب ومن شعره، وقد أمره الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين يوسف بن أيّوب (٢) أن ينظم في جارية له قد نقشت على خدّها بالخضاب صورة حيّة وعقرب. فقال بديها [السريع]: [١٦١ أ] سألتها تصفح عن زلّة ... من عاشق أقسم ألّا يعود فصوّرت ملغزة حيّة ... وعقربا فوق لهيب الخدود فكان تفسير الذي ألغزت ... خيفة أن يفهم عنها الحسود: غفرت ما أسلف فليهنه ... جنّة وصل بعد نار الصدود وأنشد أيضا [الطويل]:

стр. 450

حمت أرض خدّيها بأفعى وعقرب ... فردّت يدي جانيه عن جلّناره أليس محيّاها المزخرف جنّة ... فلا غرو أن حفّت لنا بالمكاره فعمل في ذلك شعراء القصر عدّة أبيات، منهم الوزير نجم الدين يوسف بن المجاور، فقال [السريع]: قد رقمت في خدّها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم ما ذاق من قابله غفوة ... يا عجبا من ساهر بالرقيم! مرسلة بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم أيم الكليم (١) وعيب عليه قوله: «أرقما بالمسك» وقيل: صوابه: أرقما كالمسك. وقال النفيس أحمد بن عبد الغني بن أحمد القطرسيّ المغربيّ (٢) [متوليّ] ديوان قوص [المخلّع]: [٨٣ ب] وغادة زيّنت بأفعى ... مسك على خدّها المصون قلنا: فيكفيك سحر لحظ ... أنفذ من سهم المنون قالت: رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فنون فصاغها الحسن فوق خدّي ... تلقّف السّحر من جفوني (٣) ٦٨٠ - ابن وزير التجيبيّ [١٧١ - ٢٥٠] (٤) [٨٤ أ] أحمد بن يحيى بن وزير بن سليمان بن المهاجر، أبو عبد الله، التجيبي، مولى آل الأزد، ابن رفاعة، ابن كثيف، التجيبي، من بني سوم بن عديّ بن تجيب. ولد سنة إحدى وسبعين ومائة. وحدّث عن أبيه، وعبد الله بن وهب، ومحمد بن إدريس الشافعيّ الإمام، وشعيب بن الليث بن سعد، وإسحاق بن الفرات، وأصبغ بن الفرج. روى عنه النسائيّ، وأحمد بن حمّاد بن سفيان القاضي، وأبو بكر ابن أبي داود، وعلي بن أحمد علّان، في آخرين. وسمّاه بعضهم «محمد بن يحيى»، والأوّل هو الصواب. وكان فقيها من أصحاب ابن وهب. وكان أعلم أهل زمانه بالشعر والغريب وأيّام الناس. وكان يتقبّل (٥) فانكسر عليه خراج فسجنه أحمد بن محمد بن المدبّر متولّي خراج مصر. فتوفّي في سجنه سنة خمسين ومائتين. وقيل: مات لستّ خلون من شوّال سنة إحدى وخمسين ومائتين. وقال النسائيّ: ثقة.

стр. 451

٦٨١ - اليعقوبيّ المؤرّخ (١) [٨٤ ب] أحمد بن أبي يعقوب [إسحاق] بن جعفر بن وهب بن واضح، المقرئ، الكاتب، مولى أبي جعفر المنصور. كان فاضلا إخباريّا. صنّف كتابا في البلدان وكتابا في تاريخ الهاشميّين، وهو كبير. ٦٨٢ - التيفاشيّ القفصيّ [٥٨٠ - ٦٥١] (٢) [٨٥ أ] أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن حمدون بن حجّاج بن ميمون بن سليمان بن سعد، القيسيّ، القفصيّ، المغربيّ، شرف الدين، أبو الفضل، التيفاشيّ. [أسرته]: جدّه الأعلى سعد، من عرب قيس، دخل المغرب في فتوح إفريقيّة. وتوالى بها عقبه إلى حمدون بن حجّاج بن ميمون بن سليمان بن سعد، فخرج منها حمدون في فتنة العرب الداخلين على ملوك صنهاجة، وانتقل عنها (٣) بولده وماله واستوطن مدينة قفصة. فولد له بها أبو بكر العالم الشهير. وولد لأبي بكر أحمد عميد هذا البيت، ووزر لسلطان قفصة. وولد لأحمد خمسة فضلاء، كلّ واحد منهم إمام في فنّ من فنون العلم [١٦١ ب] غير الفنّ الذي اشتغل به الآخر، وهم: يوسف، ومحمّد، وعمر، ويحيى، وأبو بكر. فيوسف ومحمّد ويحيى (٤) لهم نظم. وولد يوسف أحمد صاحب الترجمة، ومولده بقفصة يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمسمائة. [إطراء ابن سعيد له]: قال ابن سعيد: الشيخ الإمام الفاضل مجموع الفضائل، شرف الدين أبو الفضل أحمد ابن القاضي أبي يعقوب، ابن الوزير أبي العبّاس التيفاشيّ [السريع]: لست لله بجاحد ... أن يجمع العالم في واحد (٥) فسبحان من جمع أشتات الفضائل لديه، وخلع ملابس المحاسن عليه، وأسنى به ابن أبي دواد في منازع الهمّة، وابن سينا في دقائق الحكمة، وأخمل بديع الزمان، في التمكّن من أعنّة البيان، [الكامل]: نسبوا لنا نسق الحساب مقدّما ... وأتى بذلك حين جاء مؤخّرا وسلني فإنّي به خبير: غصن خضل في دوحة الظرف، وفي معالم الجلال ثبير (٦). ركب جوامح الأمور، وسبر بتصرّف الأحوال الجمهور، وتقلّب

стр. 452

بين التأهل والاغتراب، وتصرّف بين الضرب والصاب، فخلّصه الزمان إبريزا، وأبى له الكمال في ما نهض فيه إلّا تبريزا. نشأ حيث مولده بمدينة قفصة في بحبوحة ذلك الكرم، وتقلّب بين أفياء تلك النعم. ولم يشغله عن طلب العلم الجاه والغنى، إلى أن نال من فنونه غاية المنى. ولمّا أكبرته العيون، وتحقّقت في نجابته الظنون، قلّده صاحب إفريقيّة الأمير أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص خطّة أبيه، وهي قضاء قفصة، ورفعه ودفع كلّ خاطب على تلك المنصّة. [ركوبه البحر إلى المشرق]: ومع هذا فإنّه لم يزل له إلى المشرق حنّة، لم يبلغها أبو نواس إلى دير حنّة، ابتغاء في زيادة العلم ومشاهدة من به من ذوي الفهم. فرحل عن بلده بماله وولده، وصبّح أهل مدينته من فراقه براغية البكر حتّى بكته لحسن سيرته عين ذي حسده، وطارت به أجنحة الرياح في اللجج الخضر، وهي كاشرة عن المنايا الحمر، فغار البحر الملح من ركوب البحر العذب، فلم تنج (١) إلا حشاشة مهجته التي غفرنا له بها كلّ ذنب، ولم يبق معه إلّا الكنز الذي لا يبور ولا يضيع، فنال به حيث اتّجه من بلاد المشرق ذروة المكان الرفيع، وأوصله إلى مجلس الملك الأعظم الكامل فغمره من إحسانه ما بقي مستمرّا عليه إلى الآن (٢)، وأغناه بحمد الله عن فلان وفلان. [موسوعته فصل الخطاب]: وانزوى في كسر بيته على جمع التصانيف في مختلفات الفنون، حتّى كمل له ما قصر عنه المصنّفون، وأعظمها تصنيفه الذي سمّاه ب «فصل الخطاب، في تدبير الطعام والشراب، وسائر ما يتّصل بهما بسبب من الأسباب». وجملة الأمر فيه أنّه لم يترك في العالم العلويّ والسفليّ شيئا ممّا ينظر إليه فيستحسن، أو يشمّ فيستعطر، أو يؤكل فيستطاب، ممّا خلقه الله، أو نضيفه لأنفسنا، أو يشرب فينساغ، من المشروبات المباحة أو المحظورات، أو يسمع فيرتاح إليه، إلّا وأورد الكلام عليه من كل علم من العلوم المعقولة والمنقولة، والشرعيّة والأدبيّة. وأنا أقول قول منصف غير جاحد للحقّ: إنّه ما ألّف في معناه مثل كتابه هذا، لا في قديم الزمان ولا في حديثه، وإنّه لممّا تحتاج إليه مجالس الملوك. وقد ولع بتصنيفه ولوع جميل ببثينة، واسألني عنه تجد الخبر اليقين عند جهينة، وله في تصنيفه نحو من ثلاثين سنة، لا تشغله عنه يقظة ولا سنة [البسيط]: إذا تلفّظت لم أنطق بغيركم ... وإن سكتّ فأنتم عقد إضماري وله على الكتب وفضلاء الأدب عيون، كلّما علّموا بشيء من ذلك على تلك المسالك، فلا يستقرّ به [١٦٢ أ] قرار حتى يبلغ منه الغرض والاختيار، مصرفا في ذلك جاهه وماله، إلى أن يقضي منه آماله. وله من النثر [٨٦ أ] والنظام، مكان البدر من التمام، هذا على كون الأدب أقلّ فنّ من فنونه الجمّة، وبمنزلة الطراز لملابس تلك النّعمة. [بعض شعره]: ومن شعره يعارض أبيات ابن شهيد التي يغنّى بها [الرمل]: مرّ بي في فلك من ربرب ... [قمر مبتسم عن شنب] (٣)

стр. 453

فقال: مذهبي في أخذ كأس من صبيّ ... معجب يزهى بخدّ مذهب جمدت في خدّه [أدمعه] ... بل جرت من خدّه في العنب وبدا كالثغر منها حبب ... بل بدا ثغر له كالحبب سكرت بل أسكرت ألحاظه ... طربي من سكرها! بل حربي! مرضت في صحّة أجفانه ... عجبي يا قوم منها عجبي! كلّما يعجبني أنشد من ... لا مني فيه بقلب وصب: أيّها العذّال لي لم تعلموا ... من صبيّ تلفت فيه نصبي (١) سمته في قبلة أطفي بها ... من غليلي بعض حرّ اللهب فتأبّى قائلا لي: قد يرى ... أثرا منها على خدّي أبي فتلفّت وأهويت له ... كاختلاس الطير عذب المشرب فتلظّى حنقا لي قائلا: ... سوف تدري يا قليل الأدب عقرب الصّدغ الدغي قبلته ... فكذا عندي جزاء المذنب أدركوني يا لقومي إنّني ... ميّت من سمّ تلك العقرب! وأنشدني لنفسه ارتجالا في محمل الكيزان الذي يعلّق في الهواء لتبريد الماء وهو من النحاس، ويسمّى العنكبوتة [الطويل]: وكالنار من سرّ التراب كيانها ... تعدّ لماء في هواء معدّل تجمّعت الأضداد أربعة بها ... بأعدل من جمع الطباع وأفضل نياط إليها من بنيها أصاغر ... كمثل مهاة حين ترضع مطفل ترى كلّ خلف لا يدرّ وطلقة ... يدرّ عليه بالرحيق المسلسل إذا أبصرتها العين في حسن شكلها ... ورفعتها والمنظر المتجمّل رأيت الثريّا علّقت في فضائها ... «بأمراس كتّان إلى صمّ جندل» (٢) وإن أرسلت جاءت معا بنجومها ... كما انفضّت الجوزاء للمتأمّل توفّي يوم السبت ثالث عشر محرّم سنة إحدى وخمسين وستّمائة بالقاهرة ودفن من يومه بباب النصر، رحمه الله تعالى، وقد طرش وعمي. وقال [البسيط]: لا تعتبنّ على بخل مغاربة ... طباع أنفسهم تبدي الذي فيها فالشمس تبذل في الدنيا أشعّتها ... حتى إذا وصلت للغرب تخفيها ٦٨٣ - ابن صلاح الدين الأيّوبيّ [٥٧٧ - ٦٣٤] أحمد بن يوسف بن شادي بن مروان، الملك المحسن، معين الدين (٣)، أبو العبّاس، ابن الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفّر، ابن نجم الدين، الأيّوبيّ، الكرديّ.

стр. 454

ولد بالقاهرة في شهر [١٦٢ ب] ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وخمسمائة، وسمع بها من أبي القاسم البوصيري وطبقته. وسمع بدمشق من أبي عبد الله محمد بن عليّ بن صدقة الحرّاني وجماعة كثيرة. وسمع بمكّة وغيرها، وحدّث. وأعرض عن الدنيا وتركها لآخرته، وأقبل على العلم والاشتغال به حتى توفّاه الله بحلب في رابع عشرين المحرّم سنة أربع وثلاثين وستّمائة. ونقل إلى الرقّة فدفن بها بوصيّته بذلك. وكان قد ترك زيّ الأجناد، وتزيّا بزيّ أهل العلم. وحمل من بغداد أبا حفص بن طبرزد، وحنبل بن عبد الله، وسمع منهما، وأفاد الناس بالشام حديثهما. ٦٨٤ - موفّق الدين الكواشيّ المقرئ [٥٩٠ - ٦٨٠] (١) [٨٦ أ] أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع، موفّق الدين، أبو العبّاس، الكواشيّ (٢)، الشافعيّ، المقرئ، المفسّر، الزاهد، بقيّة الأعلام. ولد سنة تسعين وخمسمائة فقرأ على والده وقدم دمشق وأخذ عن السخاوي وغيره. وسمع من ابن روزبة، وتقدّم في معرفة القراءات والتفسير والعربيّة. وكان منقطع القرين عديم النظير زهدا وصلاحا وصدقا وتبتّلا وورعا واجتهادا، صاحب أحوال وكرامات. كان السلطان فمن دونه يزورونه فلا يقوم لهم ولا يعبأ بهم، ولا يقبل صلتهم. أضرّ قبل موته بسنوات، وصنّف التفسير الكبير والتفسير الصغير. ويقال: إنّه قدم مصر، وأنّه اشترى قمحا من قرية الجابية بدمشق لكونها من فتوح عمر ﵁، ثلاثة أمداد، وحملها إلى الموصل فزرعها بأرض وخدمها بيده، ثمّ حصده وتقوّت منه، وخبّأ بذرا منه، ثمّ زرعه فنما وكثر إلى أن بقي يدخل عليه من ذلك القمح ما يقوم به وبجماعة من أصحابه. وكان إذا أرسل ليشفع في شيء عند صاحب الموصل لا يردّه. قال الذهبيّ: حدّثني الشيخ تقيّ الدين المقصّاتيّ (٣) قال: قرأت على الشيخ موفّق الدين تفسيره، فلمّا بلغنا إلى «والفجر» منعني من إتمام الكتاب وقال: أنا أجيزه لك، ولا تقل: قرأته كلّه على المصنّف- يعني أنّ للنفس في ذلك حظّا (٤). (قال) وغبت عنه سنة ونصفا، فجئت ودفعت الباب، وكان قد أضرّ. فجاء ليفتح وقال: من ذا؟ أبو بكر؟ - فاعتددتها له كرامة. وتوفّي في سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمانين وستّمائة. ٦٨٥ - علم الدين ابن الصاحب [- ٦٨٨] (٥) أحمد بن يوسف بن عبد الله بن عليّ بن شكر، علم الدين، أبو العبّاس، ابن الصاحب صفيّ الدين.

стр. 455

تفقّه في صباه على مذهب مالك، ودرس في مدرسة جدّه، وكان ذكيّا فاضلا، إلّا أنّه تجرّد، واستعمل حشيشة الفقراء، فكثر هذره، وزادت رعونته، وصار يركب في قفص حمّال على رأس إنسان، وقد لبس ثوبا أزرق بلغ ركبتيه، وأخذ بيده مدية صغيرة، ووضع إلى جانبه قرطاس حلوى، وهو يأكل منها، ويدور به في مواضع النزه وغيرها. فإذا رأى أميرا أو رئيسا قال: «أعطني مائة، أعطني كذا! » فلا يخالفه. وكان يعمّم رأسه بشرطوط (١) دقيق طويل جدّا، ويعاشر الأراذل، ويلبس قميصا أزرق، ويمشي تارة وبيده عكّاز. وكان يصحب الفارس أقطاي فيركب معه النيل للنزهة، وربّما ركب بيبرس معهما قبل سلطنته. وكان يجرّد الأكابر، وكان الحمّالون يبادرون إلى حمله ويستبقون له، من أجل أنّه مهما فتح عليه به، أجزل منه نصيب الحمّال. وله نوادر كثيرة، منها أنّ الملك الظاهر ركب بعد سلطنته إلى الميدان قبل عمارة قناطر السباع، وكان ممرّه على باب زويلة إلى باب الخرق، وقد قام ابن الصاحب على حانوت صيرفيّ. فعند ما حاذاه السلطان ضرب بمفتاح عنده على خشبة ضربا مزعجا. فالتفت السلطان فرآه فقال: هاه! علم الدين! فقال: إيش علم الدين؟ أنا جيعان. فرسم له بثلاثة آلاف درهم. وحضر يوما بعض المدارس، والنقيب يقول: باسم الله، فلان الدين القليوبي؟ باسم الله فلان الدين الدمنهوري، [١٦٣ أ] باسم الله فلان الدين المنوفيّ، باسم الله فلان الدين البهنسيّ! فقال: ويلك! هذه مدرسة، وإلّا مدقّ كتّان؟ - يعني أن الذين ذكرهم فلّاحون. وحضر مرّة الدرس، وهم يبحثون في شيء قد خبطوا فيه. فقام وجلس وسط الحلقة كأنّه يبول. فقيل له: ما هذا؟ فقال: لا بأس بالرجل يبول بين غنمه وبقره. ودخل يوما المدرسة فسمعهم يغتابونه، فجاء ليبول عليهم، فقالوا: ما هذا؟ فقال: كلّ ما أكل لحمه فبوله طاهر. وقال له الأمير علم الدين شيخ الشجاعي لمّا بنى القبّة المنصوريّة: أيّما أحسن، هذه أو المدرسة الظاهريّة؟ فقال: هذه مليحة، إلا أنّ الذي يصلّي في الظاهريّة يبقى جحره في وجه الذي يصلّي في مدرستكم. وكان بمصر رجل يجرّد الناس، ويقال له: زحل. فبينا ابن الصاحب يزن دراهم ثمن حلوى اشتراها إذا بزحل أقبل، فقال للحلاويّ: أعطني الدراهم، ما بقي لي حاجة بالحلوى .. فقال: لم؟ قال: أما ترى زحل قارن المشتري في الميزان؟ وقال مرّة لامرأة ركبت حمارا ودخل الهواء في إزارها. فقال: والله ما ذي إلّا قبّة! فقالت: كيف لو رأيت الضريح! فأخرج أيره وقال: كنت أهدي له هذه الشمعة نذرا. وكان إذا رأى الصاحب بهاء الدين ابن حنّا يقول: اشرب وكل وتهنّا ... لا بدّ أن تتعنّى

стр. 456

محمّد وعليّ ... من أين لك يا ابن حنّا؟ ومات سنة ثمان وثمانين وستّمائة. ٦٨٦ - أبو جعفر الكاتب وزير المأمون [- ٢١٣] (١) أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح، أبو جعفر الكاتب. أصله من الكوفة. وكتب أبوه لعبد الله بن عليّ عمّ أبي جعفر المنصور. وولي هو ديوان الرسائل للمأمون. ويقال إنّه من بني عجل وكان له أخ يقال له القاسم بن يوسف، كان شاعرا كاتبا. وهما وأولادهما جميعا أهل أدب وطلب للشعر والبلاغة. وحكى أحمد بن يوسف عن المأمون، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب. وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف، وأحمد بن سلمة، وعلي بن سليمان الأخفش. وقدم مصر مع المأمون سنة سبع عشرة ومائتين. قال الخطيب: كان من أفاضل كتّاب المأمون، وأذكاهم وأفطنهم، وأجمعهم للمحاسن. وكان جيّد الكلام فصيح اللسان حسن الحفظ، مليح الخطّ، يقول الشعر في الغزل والمديح والهجاء. وله أخبار مع إبراهيم ابن المهديّ، وأبي العتاهية، ومحمد بن بشر (٢) وغيرهم. مات سنة ثلاث عشرة- وقيل أربع عشرة- ومائتين وهو في سخطة من المأمون. قال الأخفش: قال لي أحمد بن يوسف: رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطّا رديئا، فقال لي: إن أردت أن تجوّد خطّك، فأطل جلفتك وأسمنها، وحرّف قطّتك (٣) وأيمنها. ثمّ قال [الطويل]: إذا خرج الكتّاب كان قسيّهم ... دوايا وأقلام الدويّ لهم نبلا قال الأخفش: قوله: جلفتك، أراد فتحة رأس القلم. وقال رجل لأحمد بن يوسف: والله ما أدري أيّك أحسن؟ ما ولّاك الله من خلقك، أم ما وليته من أخلاقك؟ ومن شعره قوله [البسيط]: يزيّن الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوما، وقد يزري بأفواه قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما مسّني من غنى يوما ولا عدم ... إلّا وقولي عليه: الحمد لله وقوله [الطويل]: إذا قلت في شيء نعم فأتمّه ... فإنّ «نعم» دين على الحرّ واجب وإلّا فقل: لا، واسترح وأرح لها ... لكي لا يقول الناس: إنّك كاذب [١٦٣ ب] وقوله [الطويل]:

стр. 457

إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي استودعته السرّ أضيق وكتب إلى المأمون في يوم مهرجان وقد بعث إليه بهديّة [الطويل]: على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله ألم ترنا نهدي إلى الله ما له ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للمليك بقدره ... لقصّر فضل المال عنه وسائله (١) ولكنّنا نهدي إلى من نجلّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله وذكر أبو بكر محمد بن يحيى الصوليّ عن أبي الحارث النوفليّ، قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه. فلمّا مات ابنه الحسن قلت على لسان ابن بسّام [مخلّع]: قل لأبي القاسم المرجّى ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعايب حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب قال الصوليّ: وإنّما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب لبعض إخوانه من الكتّاب، وقد ماتت له ببّغاء، وكان له أخ يضعّف، فكتب إليه [الخفيف]: أنت تبقى ونحن طرّا فداك ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا فلقد جلّ خطب دهر أتانا ... بمقادير أتلفت ببّغاكا عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا كان عبد الحميد أصلح للمو ... ت من الببّغا وأولى بذاكا شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا (قال) وإنّما أخذه أحمد بن يوسف من قول أبي نواس لمّا مات الرشيد وقام الأمين، يعزّي الفضل بن الربيع وزاد في المعنى [الطويل]: تعزّ أبا العبّاس عن خير هالك ... بأكرم حيّ كان أو هو كائن حوادث أيّام تدور صروفها ... لهنّ مساو مرّة ومحاسن وفى الحيّ بالميت الذي غيّب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن (٢) وجاء أبو العتاهية يريد الدخول على أحمد بن يوسف فمنعه الحاجب فقال، وكتب بها إليه [الطويل]: ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر فوجّه إليه بخمسة آلاف درهم. فبلغ ذلك عليّ بن جبلة فقال: بئس ما صنع أبو العتاهية! كان ينبغي أن يقول له: أأحمد إنّ الفقر يرجى له الغنى فيسير باسمه. ولمّا مات أحمد بن يوسف قالت فيه نسيم مغنّيته ترثيه [الطويل]: ولو أنّ ميتا هابه الموت قبله ... لما جاءه المقدور وهو هيوب

стр. 458

ولو أنّ حيّا قبله صانه الردى ... إذن لم يكن للأرض فيه نصيب [١٦٤ أ] وهي القائلة لأحمد بن يوسف، وقد غضب عليها، وكان لها من قلبه مكان [الطويل]: غضبت بلا جرم عليّ تجرّما ... وأنت الذي تجفو وتعفو وتعذر سطوت بعزّ الملك في نفس خاضع ... ولولا خضوع الرقّ ما كنت أصبر فإن تتأمّل ما فعلت تقم به ال ... مقادير، أو تظلم فإنّك تقدر فرضي عنها واعتذر إليها. وقالت أيضا ترثيه [البسيط]: نفسي فداؤك، لو بالناس كلّهم ... ما بي عليك، تمنّوا أنّهم ماتوا وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهمّ والأحزان موتات ومن شعر أحمد بن يوسف قوله [المنسرح]: وعامل بالفجور يأمر بال ... برّ كهاد يقود في الظّلم أو كطبيب قد شفّه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم يا واعظ الناس غير متّعظ ... ثوبك طهّر أو لا فلا تلم وقوله [الخفيف]: صدّ عنّي محمد بن سعيد ... أحسن العالمين ثاني جيد صدّ عنّي لغير جرم إليه ... ليس إلّا لحسنه في الصدود وقوله: [مجزوء الكامل] قلبي يحبّك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبّك لأكون فردا في هوا ... ك فليت شعري كيف قلبك وقوله [المنسرح]: كم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدي قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدّي على بنان يدي وأشرف وهو يجود بنفسه على بستان بشاطئ دجلة فتنفّس وأنشد متمثّلا [البسيط]: ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيب لعائبه ٦٨٧ - عماد الدين الحسينيّ [- ٦٤٨] أحمد بن يوسف بن علي بن محمد بن أحمد، أبو نصر، وأبو العبّاس، الحسينيّ، الحنفيّ، عماد الدين. تفقّه على أحمد بن محمد بن محمود العربوي. وسمع الحديث من جماعة. ودخل مصر في الجفل سنة ستّ وأربعين وحدّث بها. ثمّ عاد إلى حلب وقد أضرّ. ومات سنة ثمان وأربعين وستّمائة عن نحو من ثمانين سنة. ٦٨٨ - شهاب الدين النحويّ السمين [- ٧٥٦] (١) أحمد بن يوسف بن محمد [بن عبد الدائم] النحويّ، الحلبيّ، المعروف بالسمين، [شهاب الدين].

стр. 459

لازم أبا حيّان إلى [أن] مهر في حياته. وصنّف التصانيف السائرة، منها «إعراب القرآن» وفرغ منه في حياة شيخه [أبي حيّان]. ويقال إنّه بلغه أنّه اعترض عليه فيه كثيرا فسأله فأنكر وحلف أنّه لم يفعل ذلك، مع أنّه محشوّ بالحطّ عليه وتزييف كلامه والانتصار للزمخشري عليه. وهو جامع حامل لم يصنّف مثله. وله تفسير كبير يزيد على عشرين مجلّدة، وشرح أيضا التسهيل والشاطبيّة (١). وتصدّر للإقراء وناب في الحكم. ومات في جمادى الآخرة سنة ستّ وخمسين وسبعمائة [بالقاهرة]. ٦٨٩ - شرف الدين البونيّ [٥٢٠ - ٦٢٢] (٢) أحمد بن يوسف بن [ ... ]، الشيخ أبو العبّاس، شرف الدين، البونيّ، القرشيّ. ولد بمدينة بونة التي تعرف ببلد العنّاب [حاشية ١]، من أعمال إفريقيّة في حدود العشرين وخمسمائة. وقرأ القرآن الكريم بالقراءات الثماني في مدينة تونس، وتفقّه على مذهب مالك، وتفنّن في عدّة علوم. وأخذ عن جماعة، منهم ابن حرز الله، وابن رزق الله، وابن عوانة [١٦٤ ب]، وبرع في علم الفلك. ثمّ رحل إلى الأندلس، ولقي أبا القاسم السّهيليّ، وأبا القاسم بن بشكوال، والفقيه الصالح أبا العبّاس أحمد بن جعفر الخزرجيّ السبتيّ. وقدم إلى الإسكندرية، ولقي الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفيّ، وأبا الطاهر إسماعيل بن عوف الزهريّ المالكيّ. وأقام بالقاهرة في أيّام الخليفة العاضد. ومضى منها إلى مكّة فحجّ، وعاد على بيت المقدس. وتوجّه إلى دمشق، واجتمع بالحافظ أبي القاسم ابن عساكر. ودخل واسط وبغداد، ولقي الحافظ أبا الفرج ابن الجوزي. ورجع إلى القدس، وحجّ منه مرّة ثانية. وعاد إلى مصر، فقيل له بها: كيف كان سفرك هذا؟ فقال: خير سفر. لم يوجد في الدنيا في أيّامنا هذه مثله. قيل: كيف ذلك؟ قال: بدأناه ببيت الله وختمناه به- يريد الحجّ.

стр. 460

ثمّ عاد إلى تونس وأقام بها. وكان يعلّم الصبيان ويؤمّ بمسجد. ثمّ ترك تعليم الصبيان وأقبل على الوعظ. وصنّف نحوا من أربعين كتابا، منها كتاب في الوعظ يتداوله الناس ببلاد إفريقيّة، كما يتداولون كتب ابن الجوزيّ، ولا غنى بهم في [٨٧ ب] الوعظ عنه. ومنها كتاب شرح الأسماء الحسنى في مجلّدين كبيرين، ضمّنه فوائد جمّة. وكتاب شمس المعارف في علم الحرف، وهو عزيز الوجود، يتنافس الناس فيه ويبذلون فيه الأموال الجزيلة. وكتاب اللمعة النورانية. وكتاب الأنماط. وكان كثير الانقطاع والعبادة من التهجّد والصوم، يلازم الإمساك عن الطعام في أكثر أوقاته ويؤثر العزلة على مخالطة الناس، ويخرج في أغلب الأيّام إلى جبل ماكوض (١) على البحر شرقيّ تونس على يومين منها، فيقيم به. ولم يكن له أولاد ولا أتباع لإعراضه عن ذلك. وتؤثر عنه أحوال عجيبة من الخطوة (٢) في المشي والاختفاء عن الناس والاحتجاب عنهم: فساعة هو معك تراه، وساعة يغيب عنك ويتوارى في الطريق فلا يظهر لك إلّا بعد أسبوع وأكثر. وكان كثيرا ما يأتي بما يقترح عليه من الفواكه والخضراوات في غير أوانها، ويأتي إلى النساء أولات الحمل بذلك في غير حينه فيقرع أبوابهنّ ليلا ونهارا ويقول: خذوا شهواتكنّ لعلّ الله ينفعنا بسببكنّ. ولم يكن في زمنه ببلده أحسن خلقا ولا أكثر معرفة بعلم الحساب والحروف منه [ح ٢] حتى إنّه كان يقال له: كنديّ [ح ٣] الزمان. ويقال إنّ الحروف كانت تخاطبه فيعلم منها منافعها ومضارّها. وقال له الحافظ ابن عساكر بدمشق: إنّ الناس يذكرون أنّ هذه الدولة الفاطميّة قرب زوالها. فقال: وكذلك الدولة العبّاسيّة أيضا. ولكنّ الدولة الفاطميّة آن زوالها وحان، والدولة العبّاسيّة قرب وكاد، وليس بين الدولتين إلا قريبا من تسعين سنة. قال: فمن يكون بعدهم؟ قال: قوم لا يعبأ الله بهم، وإن أحسنوا. هم كالنّمر مع البقر أو كالذئب مع الغنم، يؤيّد الله بهم هذا الدين ويعمر بهم الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة: هم الذين وقعت فيهم الإشارة من صاحب الشريعة حيث قال ﷺ : «إنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣)، فمارأيت أكثر منهم عملا تظاهرا بفجور إذا ظهروا. فقال له ابن عساكر: فبلادك أنت؟ فقال: يظهر فيها بعد هؤلاء الذين بها قوم سوء ثمّ قوم سوء، ثمّ قوم سوء. [قال]: فما وراء ذلك؟ قال: كذلك حتى ينزل عيسى بن مريم ﵇. وقال له الحافظ السلفيّ يوما: إنّ أهل بلدنا- يعني الإسكندريّة- يذكرون عنك أنّ عندك شيئا من علم الغيب! فقال له: قال الله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
следующие страницы →