← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

محمّد وعليّ ... من أين لك يا ابن حنّا؟ ومات سنة ثمان وثمانين وستّمائة. ٦٨٦ - أبو جعفر الكاتب وزير المأمون [- ٢١٣] (١) أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح، أبو جعفر الكاتب. أصله من الكوفة. وكتب أبوه لعبد الله بن عليّ عمّ أبي جعفر المنصور. وولي هو ديوان الرسائل للمأمون. ويقال إنّه من بني عجل وكان له أخ يقال له القاسم بن يوسف، كان شاعرا كاتبا. وهما وأولادهما جميعا أهل أدب وطلب للشعر والبلاغة. وحكى أحمد بن يوسف عن المأمون، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب. وحكى عنه ابنه محمد بن أحمد بن يوسف، وأحمد بن سلمة، وعلي بن سليمان الأخفش. وقدم مصر مع المأمون سنة سبع عشرة ومائتين. قال الخطيب: كان من أفاضل كتّاب المأمون، وأذكاهم وأفطنهم، وأجمعهم للمحاسن. وكان جيّد الكلام فصيح اللسان حسن الحفظ، مليح الخطّ، يقول الشعر في الغزل والمديح والهجاء. وله أخبار مع إبراهيم ابن المهديّ، وأبي العتاهية، ومحمد بن بشر (٢) وغيرهم. مات سنة ثلاث عشرة- وقيل أربع عشرة- ومائتين وهو في سخطة من المأمون. قال الأخفش: قال لي أحمد بن يوسف: رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطّا رديئا، فقال لي: إن أردت أن تجوّد خطّك، فأطل جلفتك وأسمنها، وحرّف قطّتك (٣) وأيمنها. ثمّ قال [الطويل]: إذا خرج الكتّاب كان قسيّهم ... دوايا وأقلام الدويّ لهم نبلا قال الأخفش: قوله: جلفتك، أراد فتحة رأس القلم. وقال رجل لأحمد بن يوسف: والله ما أدري أيّك أحسن؟ ما ولّاك الله من خلقك، أم ما وليته من أخلاقك؟ ومن شعره قوله [البسيط]: يزيّن الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوما، وقد يزري بأفواه قد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما مسّني من غنى يوما ولا عدم ... إلّا وقولي عليه: الحمد لله وقوله [الطويل]: إذا قلت في شيء نعم فأتمّه ... فإنّ «نعم» دين على الحرّ واجب وإلّا فقل: لا، واسترح وأرح لها ... لكي لا يقول الناس: إنّك كاذب [١٦٣ ب] وقوله [الطويل]:

стр. 457

إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي استودعته السرّ أضيق وكتب إلى المأمون في يوم مهرجان وقد بعث إليه بهديّة [الطويل]: على العبد حقّ فهو لا بدّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله ألم ترنا نهدي إلى الله ما له ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله ولو كان يهدى للمليك بقدره ... لقصّر فضل المال عنه وسائله (١) ولكنّنا نهدي إلى من نجلّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله وذكر أبو بكر محمد بن يحيى الصوليّ عن أبي الحارث النوفليّ، قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه. فلمّا مات ابنه الحسن قلت على لسان ابن بسّام [مخلّع]: قل لأبي القاسم المرجّى ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعايب حياة هذا كموت هذا ... فليس تخلو من المصائب قال الصوليّ: وإنّما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب لبعض إخوانه من الكتّاب، وقد ماتت له ببّغاء، وكان له أخ يضعّف، فكتب إليه [الخفيف]: أنت تبقى ونحن طرّا فداك ... أحسن الله ذو الجلال عزاكا فلقد جلّ خطب دهر أتانا ... بمقادير أتلفت ببّغاكا عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا كان عبد الحميد أصلح للمو ... ت من الببّغا وأولى بذاكا شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا (قال) وإنّما أخذه أحمد بن يوسف من قول أبي نواس لمّا مات الرشيد وقام الأمين، يعزّي الفضل بن الربيع وزاد في المعنى [الطويل]: تعزّ أبا العبّاس عن خير هالك ... بأكرم حيّ كان أو هو كائن حوادث أيّام تدور صروفها ... لهنّ مساو مرّة ومحاسن وفى الحيّ بالميت الذي غيّب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن (٢) وجاء أبو العتاهية يريد الدخول على أحمد بن يوسف فمنعه الحاجب فقال، وكتب بها إليه [الطويل]: ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر فوجّه إليه بخمسة آلاف درهم. فبلغ ذلك عليّ بن جبلة فقال: بئس ما صنع أبو العتاهية! كان ينبغي أن يقول له: أأحمد إنّ الفقر يرجى له الغنى فيسير باسمه. ولمّا مات أحمد بن يوسف قالت فيه نسيم مغنّيته ترثيه [الطويل]: ولو أنّ ميتا هابه الموت قبله ... لما جاءه المقدور وهو هيوب

стр. 458

ولو أنّ حيّا قبله صانه الردى ... إذن لم يكن للأرض فيه نصيب [١٦٤ أ] وهي القائلة لأحمد بن يوسف، وقد غضب عليها، وكان لها من قلبه مكان [الطويل]: غضبت بلا جرم عليّ تجرّما ... وأنت الذي تجفو وتعفو وتعذر سطوت بعزّ الملك في نفس خاضع ... ولولا خضوع الرقّ ما كنت أصبر فإن تتأمّل ما فعلت تقم به ال ... مقادير، أو تظلم فإنّك تقدر فرضي عنها واعتذر إليها. وقالت أيضا ترثيه [البسيط]: نفسي فداؤك، لو بالناس كلّهم ... ما بي عليك، تمنّوا أنّهم ماتوا وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهمّ والأحزان موتات ومن شعر أحمد بن يوسف قوله [المنسرح]: وعامل بالفجور يأمر بال ... برّ كهاد يقود في الظّلم أو كطبيب قد شفّه سقم ... وهو يداوي من ذلك السقم يا واعظ الناس غير متّعظ ... ثوبك طهّر أو لا فلا تلم وقوله [الخفيف]: صدّ عنّي محمد بن سعيد ... أحسن العالمين ثاني جيد صدّ عنّي لغير جرم إليه ... ليس إلّا لحسنه في الصدود وقوله: [مجزوء الكامل] قلبي يحبّك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبّك لأكون فردا في هوا ... ك فليت شعري كيف قلبك وقوله [المنسرح]: كم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضا على كبدي قد غصّت العين بالدموع وقد ... وضعت خدّي على بنان يدي وأشرف وهو يجود بنفسه على بستان بشاطئ دجلة فتنفّس وأنشد متمثّلا [البسيط]: ما أطيب العيش لولا موت صاحبه ... ففيه ما شئت من عيب لعائبه ٦٨٧ - عماد الدين الحسينيّ [- ٦٤٨] أحمد بن يوسف بن علي بن محمد بن أحمد، أبو نصر، وأبو العبّاس، الحسينيّ، الحنفيّ، عماد الدين. تفقّه على أحمد بن محمد بن محمود العربوي. وسمع الحديث من جماعة. ودخل مصر في الجفل سنة ستّ وأربعين وحدّث بها. ثمّ عاد إلى حلب وقد أضرّ. ومات سنة ثمان وأربعين وستّمائة عن نحو من ثمانين سنة. ٦٨٨ - شهاب الدين النحويّ السمين [- ٧٥٦] (١) أحمد بن يوسف بن محمد [بن عبد الدائم] النحويّ، الحلبيّ، المعروف بالسمين، [شهاب الدين].

стр. 459

لازم أبا حيّان إلى [أن] مهر في حياته. وصنّف التصانيف السائرة، منها «إعراب القرآن» وفرغ منه في حياة شيخه [أبي حيّان]. ويقال إنّه بلغه أنّه اعترض عليه فيه كثيرا فسأله فأنكر وحلف أنّه لم يفعل ذلك، مع أنّه محشوّ بالحطّ عليه وتزييف كلامه والانتصار للزمخشري عليه. وهو جامع حامل لم يصنّف مثله. وله تفسير كبير يزيد على عشرين مجلّدة، وشرح أيضا التسهيل والشاطبيّة (١). وتصدّر للإقراء وناب في الحكم. ومات في جمادى الآخرة سنة ستّ وخمسين وسبعمائة [بالقاهرة]. ٦٨٩ - شرف الدين البونيّ [٥٢٠ - ٦٢٢] (٢) أحمد بن يوسف بن [ ... ]، الشيخ أبو العبّاس، شرف الدين، البونيّ، القرشيّ. ولد بمدينة بونة التي تعرف ببلد العنّاب [حاشية ١]، من أعمال إفريقيّة في حدود العشرين وخمسمائة. وقرأ القرآن الكريم بالقراءات الثماني في مدينة تونس، وتفقّه على مذهب مالك، وتفنّن في عدّة علوم. وأخذ عن جماعة، منهم ابن حرز الله، وابن رزق الله، وابن عوانة [١٦٤ ب]، وبرع في علم الفلك. ثمّ رحل إلى الأندلس، ولقي أبا القاسم السّهيليّ، وأبا القاسم بن بشكوال، والفقيه الصالح أبا العبّاس أحمد بن جعفر الخزرجيّ السبتيّ. وقدم إلى الإسكندرية، ولقي الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفيّ، وأبا الطاهر إسماعيل بن عوف الزهريّ المالكيّ. وأقام بالقاهرة في أيّام الخليفة العاضد. ومضى منها إلى مكّة فحجّ، وعاد على بيت المقدس. وتوجّه إلى دمشق، واجتمع بالحافظ أبي القاسم ابن عساكر. ودخل واسط وبغداد، ولقي الحافظ أبا الفرج ابن الجوزي. ورجع إلى القدس، وحجّ منه مرّة ثانية. وعاد إلى مصر، فقيل له بها: كيف كان سفرك هذا؟ فقال: خير سفر. لم يوجد في الدنيا في أيّامنا هذه مثله. قيل: كيف ذلك؟ قال: بدأناه ببيت الله وختمناه به- يريد الحجّ.

стр. 460

ثمّ عاد إلى تونس وأقام بها. وكان يعلّم الصبيان ويؤمّ بمسجد. ثمّ ترك تعليم الصبيان وأقبل على الوعظ. وصنّف نحوا من أربعين كتابا، منها كتاب في الوعظ يتداوله الناس ببلاد إفريقيّة، كما يتداولون كتب ابن الجوزيّ، ولا غنى بهم في [٨٧ ب] الوعظ عنه. ومنها كتاب شرح الأسماء الحسنى في مجلّدين كبيرين، ضمّنه فوائد جمّة. وكتاب شمس المعارف في علم الحرف، وهو عزيز الوجود، يتنافس الناس فيه ويبذلون فيه الأموال الجزيلة. وكتاب اللمعة النورانية. وكتاب الأنماط. وكان كثير الانقطاع والعبادة من التهجّد والصوم، يلازم الإمساك عن الطعام في أكثر أوقاته ويؤثر العزلة على مخالطة الناس، ويخرج في أغلب الأيّام إلى جبل ماكوض (١) على البحر شرقيّ تونس على يومين منها، فيقيم به. ولم يكن له أولاد ولا أتباع لإعراضه عن ذلك. وتؤثر عنه أحوال عجيبة من الخطوة (٢) في المشي والاختفاء عن الناس والاحتجاب عنهم: فساعة هو معك تراه، وساعة يغيب عنك ويتوارى في الطريق فلا يظهر لك إلّا بعد أسبوع وأكثر. وكان كثيرا ما يأتي بما يقترح عليه من الفواكه والخضراوات في غير أوانها، ويأتي إلى النساء أولات الحمل بذلك في غير حينه فيقرع أبوابهنّ ليلا ونهارا ويقول: خذوا شهواتكنّ لعلّ الله ينفعنا بسببكنّ. ولم يكن في زمنه ببلده أحسن خلقا ولا أكثر معرفة بعلم الحساب والحروف منه [ح ٢] حتى إنّه كان يقال له: كنديّ [ح ٣] الزمان. ويقال إنّ الحروف كانت تخاطبه فيعلم منها منافعها ومضارّها. وقال له الحافظ ابن عساكر بدمشق: إنّ الناس يذكرون أنّ هذه الدولة الفاطميّة قرب زوالها. فقال: وكذلك الدولة العبّاسيّة أيضا. ولكنّ الدولة الفاطميّة آن زوالها وحان، والدولة العبّاسيّة قرب وكاد، وليس بين الدولتين إلا قريبا من تسعين سنة. قال: فمن يكون بعدهم؟ قال: قوم لا يعبأ الله بهم، وإن أحسنوا. هم كالنّمر مع البقر أو كالذئب مع الغنم، يؤيّد الله بهم هذا الدين ويعمر بهم الشام والحجاز واليمن ومصر والجزيرة: هم الذين وقعت فيهم الإشارة من صاحب الشريعة حيث قال ﷺ : «إنّ الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر» (٣)، فمارأيت أكثر منهم عملا تظاهرا بفجور إذا ظهروا. فقال له ابن عساكر: فبلادك أنت؟ فقال: يظهر فيها بعد هؤلاء الذين بها قوم سوء ثمّ قوم سوء، ثمّ قوم سوء. [قال]: فما وراء ذلك؟ قال: كذلك حتى ينزل عيسى بن مريم ﵇. وقال له الحافظ السلفيّ يوما: إنّ أهل بلدنا- يعني الإسكندريّة- يذكرون عنك أنّ عندك شيئا من علم الغيب! فقال له: قال الله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي

стр. 461

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]. قال الحافظ أبو الطاهر: [١٦٥ أ] صدق الله، وأنت تكلّمت بالحقّ، فما هذا الذي يقوله الناس؟ قال: تصحيف وتحريف، وإنّما أعلم علم الشاهد لا علم الغيب. قال: وما علم الشاهد؟ قال: ما أظهره الله لي ولأمثالي ممّن كان قبلي وفي زماني. وله أخبار كثيرة. وتوفّي ﵀ سنة اثنتين [وعشرين] وستّمائة عن نحو ثمانين سنة بمدينة تونس. ٦٩٠ - جمال الدين الأدفويّ [- ٦٧٩] (١) [٨٩ أ] أحمد بن يوسف بن يوسف بن منجّى، أبو العبّاس، جمال الدين الأدفويّ. مات بها في سنة تسع وسبعين وستّمائة. وكان إماما في العلوم الفلسفيّة يقصد من البلاد ليؤخذ عنه المنطق والحكمة. وكان عاقلا عدلا يتحرّى في شهادته. ولزم بيته في آخر عمره. ٦٩١ - أبو نصر المنازيّ الكاتب [- ٤٣٩] (٢) [٨٩ ب] أحمد بن يوسف، أبو نصر، المنازيّ، الكاتب، أحد أعيان الفضلاء، وأماثل الشعراء. وزر لنصر الدولة أبي نصر أحمد بن مروان الكرديّ صاحب ميّافارقين وديار بكر (٣)، فبعثه رسولا إلى مصر. فلمّا وصل معرّة النعمان دخل إلى أبي العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ مسلّما وتناشدا. وانبسط أحدهما إلى الآخر، فذكر أبو العلاء ما يقاسي من الناس وكلامهم فيه. فقال له المنازيّ: ما يريدون منك، وقد تركت لهم الدنيا والآخرة. فقال: والآخرة أيضا؟ - وأطرق، ولم يكلّمه إلى أن قام. وذكر غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابي في تاريخه (٤): قال المنازي: اجتمعت بأبي العلاء فقلت له: ما هذا الذي يروى عنك ويحكى؟ فقال: حسدني قوم وكذبوا عليّ. فقلت له: على ماذا حسدوك، وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ فقال: والآخرة أيّها الشيخ؟ قلت: إيه والله. ثمّ قلت له: لم تمتنع من أكل اللحم وتلوم من يأكله؟ فقال: رحمة منّي بالحيوان. قلت: لا، بل تقول إنّه من شره الناس. فلعمري إنّهم يجدون ما يأكلون ويتجزّون به عن اللحمان ويتعوّضون. فما تقول في السباع والجوارح التي خلقت لا غذاء لها غير لحوم الناس والبهائم والطيور ودمائها وعظامها، ولا طعام تعتاض به عنها، ولا تتجزّى به منها حتى لم تخلص من ذلك حشرات الأرض؟

стр. 462

فإن كان الخالق لها [هو] الذي نقوله نحن، فما أنت بأرأف منه بخلقه ولا بأحكم منه في تدبيره. وإن كانت الطبائع [هي] المحدثة لذلك على مذهبك، فما أنت بأحذق منها ولا أتقن صنعة ولا أحكم عملا حتى تعطّلها ويكون رأيك وعقلك أوفى منها وأرجح، وأنت من إيجادها غير محسوس عندها- فأمسك. وقال الصاحب أبو القاسم كمال الدين عمر بن [أحمد بن] أبي جرادة الحلبي (١) في كتاب «الأنصاف والتحرّي، في دفع الظلم والتجرّي، عن أبي العلاء المعرّي»: وهذا يبعد وقوعه من أبي نصر المنازي، فإنّه كان قدم على أبي العلاء، وحكى ما أخبر به الحافظ السلفيّ. قال: سمعت أبا الحسن المرجّى بن نصر الكاتب يقول: سمعت خالي الوزير أبا نصر أحمد بن يوسف المنازيّ يقول: بعثني نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان سنة من ميّافارقين إلى مصر رسولا، فدخلت معرّة النعمان واجتمعت بأبي العلاء التنوخيّ وجرت بيننا فوائد. فقال أصحابه فينا قصائد، ومن جملتها هذه الأبيات [البسيط]: [٩٠ أ] تجمّع العلم في شخصين فاقتسما ... على البريّة شطريه وما عدلا جاءا أخيري زمان ما به لهما ... مماثل وصل الحدّ الذي وصلا أبو العلا وأبو نصر هما جمعا ... علم الورى، وهما للفضل قد كملا هذا كما قد تراه رامح علم ... وذاك أعزل للدنيا قد اعتزلا لولاهما تقفّر (١) العلم عن حكم ... أو لافترى صاحب التمويه إذ سئلا [١٦٥ ب] يا طالب الأدب اسأل عنهما وأهن (٢) ... إذا رأيتهما أن لا ترى الأولا خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فطلعة البدر تغني أن ترى زحلا (قال) فلو كان المنازيّ واجه أبا العلاء بهذا الكلام القبيح، لما مدح أصحابه أبا نصر بما ذكره. وقد قال أبو نصر المنازيّ في أبي العلاء أبياتا خاطبه بها في مدحه [البسيط]: لله لؤلؤ ألفاظ تساقطها ... لو كنّ للغيد ما استأنسن بالعطل ومن عيون معان لو كحلن بها ... نجل العيون لأغناها عن الكحل سحر من اللفظ لو دارت سلافته ... على الزمان تمشّى مشية الثمل فمن هذا خطابه له وذكره لما قيل فيهما، كيف يصحّ عنه أنّه يواجهه بهذا الكلام الفاحش؟ وقال القاضي شمس الدين أحمد بن إبراهيم ابن خلّكان: وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا فأعجبه حسنه فعمل هذه الأبيات [الوافر]: وقانا لفحة الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنوّ المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمإ زلالا ... أرقّ من المدامة للنديم

стр. 463

يراعي الشمس أنّى قابلته ... فيحجبها ويأذن للنسيم وأورد له [السريع]: ولي غلام طال في دقّة ... كخطّ اقليدس لا عرض له وقد تناهى عقله قلّة ... فصار كالنقطة لا جزء له (قال) ويوجد له بأيدي الناس مقاطيع. فأمّا ديوانه فعزيز الوجود. وبلغني عن القاضي الفاضل أنّه أوصى بعض الأدباء السّفارة أن يحصّل له ديوانه. فسأل عنه في البلاد التي انتهى إليها فلم يقع له على خبر، فكتب إلى [القاضي] الفاضل كتابا يخبره بعدم قدرته عليه، وفيه أبيات من جملتها [الطويل]: وأقفر من شعر المنازي المنازل وتوفّي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. والمنازي بفتح الميم والنون وبعد الألف زاي: نسبة إلى منازكرد، مدينة في عمل قاليقلا. وبزاعا بضمّ [٩٠ ب] الباء الموحّدة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة ثمّ ألف: قرية بين حلب ومنبج في نصف الطريق. ٦٩٢ - ابن هلال الصفديّ الطبيب [٦٦١ - ٧٣٧] (١) [٩١ أ] أحمد بن يوسف بن هلال بن أبي البركات، شهاب الدين، الصفديّ، الطبيب. ولد بالشغر وبكاس (٢) من أعمال حلب سنة إحدى وستّين وستّمائة. ثمّ سكن صفد وقدم إلى القاهرة. وخدم في جملة أطبّاء السلطان والمارستان إلى أن توفّي بها في يوم [ ... ] سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة عن سبع وسبعين سنة. وكان فاضلا في الطبّ معروفا بالديانة، ساكنا، أديبا، بارعا، له قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه ويبرز أمداح الناس في أشكال أطيار وعمائر وأشجار وعقد وأخياط ومآذن وغير ذلك. ومن شعره [الطويل]: وما زلت أنت المشتهي متولّعا ... بكثرة ترداد إلى الروضة الصغرى إلى أن بلغت القصد في كلّ مشتهى ... من المصطفى المختار في الروضة الكبرى [١٦٦ أ] [ومنه] [البسيط]: لم يخضب الكفّ حاشى لمع أنملها ... فزينة الزور ليست من عوائدها وإنّما أشرقت شمس الجبين على ... ورد الخدود فلاح الصبح من يدها ٦٩٣ - ابن السرّاج الشاعر [- ١٩٨] (٣) [١١٤ أ] أحمد بن يوسف بن السرّاج. قدم مصر ومدح المطّلب بن عبد الله بن مالك الخزاعيّ أمير مصر. قال دعبل بن عليّ الخزاعيّ: حججت أنا وابني رزين، وأخذنا كتبا إلى المطّلب بن عبد الله أمير مصر. وصحبنا رجل يعرف بأحمد السرّاج. فما

стр. 464

زال يحدّثنا ويؤنسنا طول طريقنا ويتولّى خدمتنا كما يتولّاها الرفقاء والأتباع. ورأيناه حسن الأدب. وعلم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن نقول قصيدة ننحله إيّاها. فقال: إن شئتم- وأرانا سرورا بذلك وتقبّلا له. فعملنا له قصيدة وقلنا: تنشدها المطّلب فإنّك تنتفع بها. قال: نعم. ووردنا مصر فدخلنا إلى المطّلب وأوصلنا إليه الكتب وأنشدناه، فسرّ بذلك. ووصفنا له أحمد السرّاج هذا فأذن له فدخل، ونحن نظنّ أنّه سينشده القصيدة التي عملناها له. فأنشد [البسيط]: لم آت مطّلبا إلّا بمطّلب ... وهمّة بلغت بي غاية الرتب أفردته برجائي أن تشاركه ... فيّ الوسائل أو ألقاه بالكتب وأشار إلى الكتب التي أوصلناها إليه، وكانت بين يديه- وكان ذلك أشدّ شيء مرّ علينا- ثمّ أنشده فيها: [رحلت عيسي إلى البيت الحرام على ... ما كان من وصب فيها ومن نصب] ألقى بها وبوجهي كلّ هاجرة ... تكاد تقدح بين الجلد والعصب حتى إذا ما قضت نسكي ثنيت لها ... عطف الزمام فأمّت سيّد العرب فيمّمتك وقد ذابت مفاصلها ... من طول ما تعب لاقت ومن لغب إنّي استجرت بإستارين مستلما ... ركنين: مطّلبا والبيت ذا الحجب فذاك للآجل المرجوّ آمله ... وأنت للعاجل المرجوّ في الطلب هذا ثنائي وهذي مصر سانحة ... وأنت أنت وقد ناديت عن كثب فصاح المطّلب: لبّيك! لبّيك! - ثمّ قام إليه فأخذه بيده وأجلسه معه وقال: يا غلمان، البدر! - فأمر له بشيء كثير. ٦٩٤ - أحمد الأسليّ الطبيب [٩١ ب] أحمد الأسليّ الإسرائيليّ. كان كبيرا في اليهود، إليه المرجع في علم التوراة ونظر العلوم العقليّة وشدا في علم النجوم والطبّ. ثمّ قدم الديار المصريّة في سلطنة الأشرف خليل فأسلم، وولي رئاسة الطبّ بديار مصر، وغيّر اسمه. ومات في [ ... ]. ٦٩٤/ ١ - أحمد بن ... المدائني (١) [ ... - ٢٦٤] [٥٠ أ] كان وكيل موسى بن بغا على إقطاعه بمصر. فلمّا مات موسى قبض أحمد بن طولون على أحمد هذا. وكان يوما بمنية حسّان في الحرّ [ ... ]. فلمّا وصل أحضره إلى القسطاط فكتب خطّه بمال جزيل. فردّ إلى داره فمات بعد أيّام ممّا داخله من الجزع والإهانة التي ما اعتاد بها. وكان سبب غضب ابن طولون عليه أنّه كان

стр. 465

يمطل بدفعه [ ... ] فكان [ ... ] من موسى. وكانت وفاة أحمد هذا في ربيع الأوّل سنة أربع وستّين ومائتين. ٦٩٤/ ٢ - ابن سعيد الدولة ناظر البيوت [٦ أ] أحمد بن أحمد بن أبي الفرج، ابن سعيد الدولة (١)، علم الدّين، أبو شاكر ابن الوزير المشير تاج الدّين، ابن شرف الدّين، ابن سعيد الدولة. ولد بالقاهرة، ونشأ مع الكتّاب، واستقرّ في نظر البيوت. ٦٩٤/ ٣ - أبو جعفر التجببيّ المقرئ [ ... - ٣٤٢] (٢) [٧ أ] أحمد بن أسامة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أسامة بن السمح، التجيبيّ، مولاهم، أبو جعفر، ابن أبي سلمة، المصريّ. قرأ على إسماعيل بن عبد الله النحّاس (٣)، وسمع من أبيه. قرأ عليه خلف بن قاسم بن خاقان (٤)، ومحمد بن النّعمان، وعبد الرحمن بن يونس. وروايته في التيسير للدانيّ. مات سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وقد نيّف على المائة. قاله خلف بن إبراهيم (قال) وكان قيّما بقراءة ورش. وأرّخ [يحيى بن] عليّ ابن الطحّان (٥) وفاته سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة. ٦٩٤/ ٤ - أبو الفضائل القوصيّ [ ... - ٦٨٢] [٧ ب] أحمد بن إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن، أبو الفضائل القوصيّ، سمع الحديث، ومات يوم الاثنين تاسع عشرين ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستّمائة. ٦٩٤/ ٥ - الشهاب الحريريّ [ ... - ٨٠٩] (٦) [١٢٠ ب] أحمد بن إسماعيل بن عبد الله الطبيب، شهاب الدّين، المعروف بالحريريّ. اشتغل بالطبّ وتعانى الأدب ونظر في المنطق. وكان خاملا فاتّفق أنّ فتح الدّين فتح الله كاتب السرّ قرّبه من الملك الظاهر [برقوق] في عارض عرض له، فحصل له البرء بسرعة. فأقبل عليه وولّاه عدّة وظائف فنبه قدره بعد خمول طويل. ولم يطل في ذلك ومات في خامس ذي القعدة سنة تسع وثمانمائة. ٦٩٤/ ٦ - سبع شعرات [١١٥ أ] أحمد بن إسماعيل بن عمّار، المعروف بسبع شعرات. قدم مع أحمد بن طولون من الشام إلى مصر فقلّده الأملاك وما خرج عن الخراج موضع الحسن بن سليمان بن ثابت. فاتّفق أنّه أشار على أحمد بنطولون مشورة فتعدّاها فبسط لسانه على طريق الإشفاق وذكر عن ابن طولون أنّه لم يتمرّن في الرئاسة وأنّ فيه لجاجا لا تأمنه عليه. فحبسه إلى أن عزم على المسير إلى الشام وملاقاة أمير المؤمنين المعتمد على الله وأخذه إلى مصر ونقل كرسيّ الخلافة إليها. فاستحضر أحمد بن محمد

стр. 466

الواسطيّ وقال له: أليس من الصواب خروجي بجميع جيشي حتى انتاش (١) أمير المؤمنين من تلاعب أخيه أبي أحمد طلحة الموفّق وغيره به، وأنقل كرسيّ الخلافة إلى مصر، فإنّ بيعته تقتضيني هذا. فقال له الواسطيّ: ما تبلغ معرفتي الكلام في هذا، وفي مجلس الأمير جماعة أصلح للمشاورة فيه منّي. فأفكر أحمد بن طولون ثمّ قال: أحضروني أحمد بن إسماعيل بن عمّار. فأخرج من محبسه وأدخل إليه في ثوب غليظ قد اخلولق واسودّ من دخان السرج. فلمّا مثل بين يديه استدناه فقال: أكره أن أوذي الأمير برائحتي، ووقف قائما. فقال له أحمد بن طولون: دعوتك لأستشيرك في شيء من أمري. فقال: وأين الرأي أيّها الأمير؟ فقال له: إنّك أوفى وزنا من أن يختلّ عليك ما ألتمسه. فقال: يقول الأمير وفّقه الله. قال: إنّ أبا أحمد- يعني الموفّق- قد اجترأ على أمير المؤمنين المعتمد وتخطّى أمره وتمكّن من إعناته لأنّه استدعى جملة الجيش المطيفة به إلى قتال البصريّ- يعني صاحب الزنج- وصيّرها عدّة له، وقد خفت حنث يميني له بالبيعة للقعود عنه وعزمت على أن أخرج إليه بنفسي ورجالي وأنصر دعوته، فما عندك في هذا؟ فقال أحمد بن إسماعيل: إنّ من الخطر العظيم خروج الأمير بنفسه وجماعة عدده إليه لأنّ الحرب سجال والظفر بحسب التوفيق فلا يكون له بعدها قائمة. ويحتاج الأمر إلى أن تكون من وراء من تقدّمه ليتماسك ويعلم أنّك مادّة له. وقد لهج الأمير من نصرة المعتمد وما يؤثره من ردّ أموره إليه بما لا يراه المعتمد له ولا لغيره لأنّه مشغول بشهواته عن حسن التدبير وجمال المكافأة، وما أشكّ أنّ الأمير لو حماه من [١١٥ ب] أخيه ونقله إلى هذا البلد لما آثر على تقديم من كان يقدّمه ولا يدفع عنه ولا يحمل شيئا من ثقله ولا يزيد على أن يلهيه ويطيّب موارد أمور يخاف صدورها عليه حتى يكون الأمير قائما بين يديه وذلك الشخص جالسا معه منبسطا إليه. ولعلّ هذا أن يخرج الأمير إلى أكثر ممّا خرج إليه أخوه فيه، وكلّ ما يلحقه من أخيه فمن إقبال الأمير لأنّه يجد الحجّة عليه في خلاف أخيه وترك الائتمار له، وقد أمكن الأمير هذا الحادث ثلبه وإسقاط دعوته وتأليب الأولياء عليه. فقال له أحمد بن طولون: حسبك! وأمر بردّه إلى محبسه. فقال له أحمد بن محمد الواسطيّ: أكان هذا جزاؤه على هذا الرأي السديد: أن يردّ إلى الحبس؟ فقال له أحمد بن طولون: يا غرّ، تأمّلت أمره فوجدته قد نصحني في دنياي وغشّني في آخرتي، وهذا ما حضره من الرأي وهو بهذه الحال، فكيف به إذا لبس اللّيّن وأكل الطيّب ورأى نفاذ أمره ونهيه؟ إنّ أجهل الأمراء من أعطى مقادته من الكتّاب لأسدّ رأي منه وأنقص دين. ثمّ قبل عنه الرأي سرّا ولم يظهر تصويبه. وخلّد سجنه حتى مات فيه. ٦٩٤/ ٧ - ابن أغجن الطولونيّ [ ... - ٣١٤] / أحمد بن أغجن- بمعجمة ساكنة ثمّ جيم. كان أحد القوّاد في أيّام أحمد بن طولون، ثمّ صار صاحب الشرطة بالعسكر في إمارة هارون بن خمارويه. وعاش إلى سنة أربع عشرة وثلاثمائة.

стр. 467

٦٩٤/ ٨ - الشهاب العزيزي المهمندار [ ... - ٧٤٩] (١) [١٢٣ ب] أحمد بن أقش العزيزيّ، شهاب الدّين أقيم في نقابة الجيش بعد طيبرس الخزناداري في ربيع الآخر سنة سبع عشرة وسبعمائة. وكان قبل ذلك في وظيفة المهمنداريّة، فباشر وأمر طبلخاناه إلى [ ... ]. ومات في [ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين] وسبعمائة. ٦٩٤/ ٩ - الحاكم العبّاسيّ [الأوّل] [ ... - ٧٠١] (٢) [١٧ أ] أحمد بن الحسن بن أبي بكر، ابن الأمير أبي الحسن عليّ القبّيّ، ابن الإمام أمير المؤمنين الراشد بالله أبي جعفر منصور ابن المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن أحمد المظهر بالله أبي العبّاس المقتدي بأمر الله- هذا هو المشهور [ ... ] العبّاسيّين [ ... ] تبيّن في درج نسبهم الثابت فقالوا: هو أحمد بن أبي عليّ بن أبي بكر ابن أحمد ابن الإمام المسترشد. ورأيت في نسخة أنّه: أحمد بن محمد بن الحسن بن أبي بكر ابن أبي عليّ القبّيّ الإمام الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، أبو العبّاس، العبّاسيّ، البغداديّ. فرّ من واقعة بغداد على يد هولاكو، واختفى، ثمّ سار مع الزّين صالح ابن البنّاء والنجم ابن المشّاء وقصدوا أمير خفاجة حسين بن فلاح وأقاموا عنده مدّة ثمّ توصّلوا إلى دمشق، وأقام بالبرّ عند عيسى بن مهنّا فعرّف به الملك الناصر يوسف صاحب حلب فطلبه. وجاء هولاكو فكان ما كان حتى دخل السلطان الملك المظفّر قطز إلى دمشق بعد وقعة عين جالوت، فبعث أحد أمرائه في طلب الحاكم فأتاه به وبايعه. فتسامع به عرب الشام فأتوه وساروا معه، وفيهم آل فضل فأخذ بهم عانة وهيت والأنبار وقاتل القراؤول (٣) في آخر سنة ثمان وخمسين وستّمائة وهزمهم وقتل منهم ثمانية من مقدّميهم وأزيد من ألف رجل، ولم يقتل من عسكره سوى ستّة. فأقبلت التتار مع قرابغا فتحيّز الحاكم وأقام عند عيسى بن مهنّا. فكاتبه الأمير طيبرس نائب دمشق فقدمها فبعث به إلى القاهرة وصحبته الثلاثة الذين رافقوه من بغداد. فاتّفق وصول المستنصر قبله بثلاثة أيّام فخاف الحاكم منه وتنكّر ورجع ماشيا وصحبته الزّين صالح إلى دمشق فاختفى بالعقيبة ثمّ قصدا سلميّة وصحبتهما جماعة من الأتراك فقاتلهم قوم ونجا الحاكم وقصد الأمير البرليّ نائب حلب وقد تملّك البيرة فقبّل يده وبايعه هو وأهل حلب واستخدم له. وسار في جمع إلى حرّان فبايعه بنو تيميّة بها وصار في نحو الألف من التركمان وغيرهم، وقصد بهم عانة فصادفوا المستنصر الأسود وقد توجّه بعسكر الملك الظاهر بيبرس من دمشق فعمل عليه واستمال التركمان فخضع [الحاكم] له وبايعه ولقي معه التتار وانكسر المسلمون وعدم المستنصر ونجا الحاكم إلى الرحبة ونزل على عيسى بن مهنّا من آل فضل فقام في مناصرته (٤) وقاد له جمهور عسكره فخاف السلطان الملك الظاهر عاقبته فلاطف عيسى بن مهنّا وراسله في تجهيزه إلى مصر لمبايعته

стр. 468

فجهّزه إليه وسار إلى دمشق فقدمها في [١٧ ب] يوم الأحد ثاني عشرين صفر سنة ستّين. وخرج منها في يوم الخميس سادس عشر منه فوصل إلى القاهرة في سابع عشرين ربيع الأوّل فأنزله الملك الظاهر ركن الدّين بيبرس البندقاري في البرج الكبير داخل باب القلّة من قلعة الجبل. فلمّا كان يوم الخميس ثاني المحرّم سنة إحدى وستّين وستّمائة جلس السلطان مجلسا عامّا جمع فيه أهل الدولة والأعيان والتتار الوافدين من العراق والرسل الذين عيّنهم للتوجّه إلى الملك بركة واستدعى بالحاكم بأمر الله فحضر وهو راكب إلى الإيوان ونزل إلى مرتبة بجانب السلطان قد فرشت فجلس عليها. وقرأ القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر نسبه بعد ما عمل شجرة النسب على قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب [ابن بنت الأعزّ] وشهد به عنده. فلمّا أثبته مدّ يده وبايعه السلطان على العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أعداء الله وأخذ أموال الله بحقّها وصرفها في مستحقّها، والوفاء بالعهود، وإقامة الحدود، وما يجب على الأئمّة فعله في أمور الدين وحراسة المسلمين. ولقّبه بالحاكم بأمر الله فأقبل بعيد ذلك [٢٠ أ] وقلّد السلطان أمور البلاد والعباد، ووكّل إليه تدبير الخلق وجعله قسيمه في القيام بالحقّ، وفوّض إليه سائر الأمور وعقد (١) به صلاح الجمهور. ثمّ أخذ الناس على اختلاف طبقاتهم في مبايعته فلم يبق ملك ولا أمير، ولا وزير ولا قاض ولا مشير، ولا جنديّ ولا فقيه إلّا وبايعه. فلمّا كان يوم الجمعة ثانيه اجتمع الناس وحضر الرسل الذين جهّزوا إلى الملك بركة، وحضر الأعيان لسماع خطبة الخليفة بجامع القلعة، فخرج وعليه سواده، ورقي المنبر وخطب [ ... ] وكانت خطبته: الحمد لله الذي أقام لآل العبّاس ركنا وظهيرا، وجعل لهم من [ ... ] سلطانا نصيرا، أحمده على السرّاء والضرّاء، واستنصره على دفع الأعداء، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وأئمّة الاقتداء، الأربعة الخلفاء، وعلى العبّاس عمّه وكاشف غمّه أبي السادة الخلفاء الراشدين والأئمّة المهديّين، وعلى بقيّة الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أيّها الناس، اعلموا أنّ الإمامة فرض من فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع الأنام ولا يقوم على الجهاد إلّا باجتماع كلمة العباد، ولا سبّت الحرم إلّا بانتهاك المحارم، ولا سفكت الدماء إلّا بارتكاب المآثم. فلو شاهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام واستباحوا الدماء والأموال وقتلوا الرجال والأبطال والأطفال، وهتكوا حرم الخليفة والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم، فاتّفقت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت الضجّات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضّبت شيبته بدمائه، وكم [من] طفل بكى فلم يرحم لبكائه. فشمّروا عن ساق الإجهاد في إحياء فرض الجهاد، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢). فلم يبق معذرة عن القعود عن أعداء الدّين والمحاماة عن المسلمين.

стр. 469

وهذا السلطان الملك الظاهر السيّد الأجلّ العالم العادل المجاهد المرابط ركن الدنيا والدّين قد قام بنصر الإمامة عند قلّة الأنصار، وشرّد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه [٢٠ ب] واسطة العقود والدولة العبّاسيّة به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة وأخلصوا نيّاتكم تنصروا وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يروعنّكم ما جرى فالحرب سجال وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١) والدهر يومان والآخرة للمؤمنين. جمع الله على التّقوى أمركم، وأعزّ بالإيمان بصركم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم. والخطبة الثانية: الحمد لله حمدا يقوم بشكر نعمائه، وأشهد ألّا إله إلّا الله وحده لا شريك له عدّة عند لقائه، وأشهد أنّ محمّدا سيّد أنبيائه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عدد ما خلق في أرضه وسمائه. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، إنّ أحسن ما وعظ به الإنسان كلام الملك الديّان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢). نفعنا الله وإيّاكم بكتابه وأجزل لنا ولكم من ثوابه وغفر لي ولكم وللمسلمين أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين. ونزل فصلّى بالناس. وخطب في هذا اليوم للخليفة الحاكم على منابر مصر والقاهرة وكتب إلى الأعمال كلّها في مصر والشام [بأن] يدعوا له على المنابر في الجمع والأعياد. وكتبت شجرة نسبه المثبوتة على قاضي القضاة وأذهبت لتجهّز إلى الملك بركة، وأعلم في مكاتبته بمبايعة الخليفة. ثمّ خطب ثانيا في يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان منها بحضور رسل الملك بركة ودعا للملك الظاهر والملك بركة، وصلّى بالناس صلاة الجمعة بجامع القلعة. ثمّ اجتمع بالسلطان وبالرسل في مهمّات الإسلام. فلمّا كانت ليلة الأربعاء ثالث شهر رمضان سأله السلطان هل لبس الفتوّة من أحد من أهل بيته؟ فقال: لا، وأحبّ أن تتّصل بلبس ذلك من السلطان. فألبسه السلطان في هذه الليلة بحضور الأعيان، وباشر ذلك الأتابك فارس الدّين أقطاي عن السلطان بطريق الوكالة، وحمل إليه السلطان من الملابس ما يليق به. وفي الليلة الثانية حضرت رسل الملك بركة إلى القلعة وألبسهم الخليفة بتفويض الوكالة للأتابك، وحمل إليهم من الملابس ما يليق بهم فطلب له إلى القاهرة شرف الدّين [ ... ] المغربيّ فأقام معه يؤنسه بفقهه وبعلمه وبكتبه. واستمرّ بالبرج بالقلعة إلى أن دخلت سنة ثلاث وستّين فأمره السلطان أن لا يجتمع بأحد [٢٠ ب] فاحتجب عن الناس كلّهم. ولم يزل به مدّة أيّام الملك الظاهر وأيّام ولديه، وأيّام الملك منصور قلاوون إلى أيّام ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون. فلمّا ولي السلطنة الملك المنصور لاجين في سنة ستّ وتسعين وستّمائة رسم بالإفراج عنه، وقد كان منع الخروج والركوب ولم يمكّن أحد من الاجتماع به، وصار في برج بقلعة الجبل عرف بعد ذلك ببرج الخليفة، فسار إليه عدّة من الأمراء وأخرجوه ومضوا به إلى السلطان. فلمّا رآه قام له وعظّم قدره وسأله أن يفوّض السلطنة إليه فأجابه

стр. 470

وقلّده وألبسه الخلع الخليفيّة وكتب له التقليد وركب معه وشقّ القاهرة فأنعم عليه السلطان وأمر له بكسوة ولعياله أيضا، ورسم أن يخلى له الكبش وأن يكون مقيما فيه هو وعائلته (١) وأجرى عليه الرواتب بجميع ما يحتاج إليه. ورسم أن يكون في يوم الجمعة يخطب ويؤمّ بالناس. فنزل من قلعة الجبل في موكب حفل ومعه الأمراء والحجّاب وكان يوما مشهودا اجتمع فيه لرؤية الخليفة عالم لا يقع عليه حصر وصاروا يتملّسون (٢) به ويسألونه الدعاء. وعند ما استقرّ بمناظر الكبش أتاه القضاة والعلماء والمشايخ والأعيان فسلّموا عليه. فلمّا كان يوم الجمعة [ ... ] ركب إلى القلعة وخطب على منبر الجامع خطبة بليغة وصلّى بالنّاس. وحجّ ثانيا في سنة سبع وتسعين. ومات ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، فحضر الشيخ كريم الآملي (٣) شيخ خانقاه سعيد السعداء بسائر الصوفيّة وحضر القضاة ونائب السلطان وجميع الأمراء وحملت جنازته من الكبش إلى جامع ابن طولون حتّى صلّى عليه، ثمّ مشى الأمراء بين يدي الجنازة إلى أن دفن بجوار المشهد النفيسيّ. وخطب من بعده لابنه المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بعهده إليه. وكانت مدّة خلافته أربعين سنة، وهو أوّل خليفة عبّاسيّ مات بمصر. وكان شجاعا له إقدام وعنده ثبات. وكان ملازما لداره وله راتب يقوم بأوده، وليس له أمر ولا نهي سوى الدعاء في الخطبة. وكان فيه عدل وحسن ديانة. وكان قد عهد بالخلافة أوّلا إلى ابنه الأمير أبي عبد الله محمد ولقّبه المستمسك بالله وأن يكون أخوه أبو الربيع سليمان من بعده فمات المستمسك وعظم المصاب به على أبيه فعهد إلى ابنه، إبراهيم بن محمد المستمسك. فلمّا مات الحاكم بويع أبو الربيع سليمان. ٦٩٤/ ١٠ - أحمد بن الحسن الطوسيّ [ ... - ٣٠٥] (٤) [٣ ب] أحمد بن الحسن بن سهل الطوسيّ، الفقيه، الشافعيّ. تفقّه على المزنيّ، وصنّف كتاب عيون المسائل، وهو أوّل من درّس مذهب الشافعيّ ببلخ. مات سنة خمس وثلاثمائة. ٦٩٤/ ١١ - الشهاب الملكاويّ [ ... - ٨٠٣] (٥) [٤٠ ب] أحمد بن راشد بن طرخان، شهاب الدّين، الملكاويّ، الفقيه الشافعيّ.

стр. 471

كان بارعا في الفتيا وتدريس الفقه محبّا في السنّة ملازما للاشتغال. وناب في الحكم بدمشق. ومات في الحادثة العظمى (١) سنة ثلاث وثمانمائة. ٦٩٤/ ١٢ - ابن الأثير الحلبيّ كاتب السر [ ... - ٦١٩] (٢) [١١٦ أ] أحمد بن سعيد بن محمد بن سعيد، القاضي، أبو العبّاس وأبو الطاهر، تاج الدين، ابن شرف الدين أبي البركات، ابن شمس الدين أبي جعفر، ابن الأثير، التنوخيّ، الحلبيّ، الحنفيّ. نشأ بحلب وخدم في ديوان الإنشاء بها أيّام الناصر يوسف ابن العزيز الأيوبيّ (٣)، واستقرّ ناظر ديوان الإنشاء بها بعد موت النظام ابن المولى (٤). وما زال في خدمة الناصر إلى أن قدم هولاكو إلى بلاد الشام وقتل الناصر، فرحل إلى القاهرة وخدم بديوان الإنشاء في الأيّام الظاهريّة بيبرس فاتّفق أنّ الأمير عزّ الدين أيدمر النجيبيّ داودار السلطان أنشده أوّل اجتماعه به من غير أن يعلم اسمه ولا اسم أبيه قول الشاعر [البسيط]: كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن ممّا قد رأى بصري (٥) فقال له ابن الأثير: يا مولانا، أتعرف أحمد بن سعيد! . قال: لا. قال: المملوك أحمد بن سعيد. فتعجّب كلّ منهما بهذا الاتّفاق. ولم يزل يخدم بديوان الإنشاء في القاهرة من سنة ثمان وستّين وستّمائة مدّة أيّام الملك الظاهر وابنيه الملك السعيد محمد بركة والملك العادل سلامش، والملك المنصور قلاوون بين يدي فخر الدين إبراهيم بن لقمان وفتح الدين محمد بن عبد الظاهر إلى أن مات فتح الدين ابن عبد الظاهر عند عود الملك الأشرف خليل بن قلاوون من فتح قلعة الروم، فولّى ابن الأثير ديوان الإنشاء، عوضا عنه في النصف من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وستّمائة، فباشر أيّاما قليلة ومرض بمنزلة الكسوة (٦) وسار مع السلطان وهو مريض فمات بغزّة في يوم الخميس تاسع عشر شوّال عن إحدى وتسعين سنة ودفن بها فكانت مدّة ولايته كتابة السرّ نحو الشهر. وكان نثره مصقولا وعلى كلامه طلاوة وله رونق مع رويّة جيّدة. قال فيه الشهاب محمود (٧): يبطئ ولا يخطئ وكان اعتباره بالألفاظ أكثر من المعاني. وكان بارعا في حلّ المترجم (٨). ومن شعره [الطويل]: ولمّا وقفنا بالدّيار وعيسنا ... طلائح سير داميات كلومها

стр. 472

وقد أمّرت فينا الليالي فلا ترى ... سوى دمن لم يبق إلّا رسومها بكينا وأبكينا المطيّ توجّعا ... ورقّ لنا حتّى الصبا ونسيمها وقال [مجزوء الكامل]: لم أنس ليلة ودّعت ... ليلى وسارت بالحمول والدمع من فرط الأسى ... يجري فيعثر في الذيول وقال، وقد بنى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بدمشق خانا مات فيه [١١٦ ب] جماعة في اله [ ... ] (١) [الوافر]: بنى السلطان ربعا راق حسنا ... يزيد الناظرين له اشتياقا فقل للربع إن أبدى جوابا ... أيدري الربع أيّ دم أراقا؟ ٦٩٤/ ١٢ م- أحمد بن ... صدقة المرادي [٩٧ أ] [ ... ] بن صدقة المرادي المصري يعرف ب [ ... ] سنة خمسين ومائة. روي عن نافع بن [ ... ]. وعنه يونس بن عبد الأعلى وعمر بن سعيد العزيز. ويعقوب بن سفيان الفسوي وسعد بن عبد الله بن [ ... ]. توفّي يوم الأحد لسبع خلون من صفر سنة خمس [ ... ] تين. ٦٩٤/ ١٣ - ابن عبد الأعلى الإفريقيّ [ ... - ١٩٥] (٢) أحمد بن عبد الأعلى، أبو الخطّاب، الكنديّ، الإفريقيّ. يروي [عن] مالك والليث وابن لهيعة وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. وكان من المجتهدين في العبادة. وحديثه معروف في الغرب مع علم بالفقه والحديث. أقام مدّة أربعين سنة لم ينزع طوقه من عنقه اشتغالا [منه] بالصلاة والعبادة. توفّي سنة خمس وتسعين- وقيل: وسبعين- ومائة. ٦٩٤/ ١٤ - الملك المفضّل الأيّوبيّ [ ... - ٦١٩] (٣) [٩٧ أ] أحمد بن محمد بن أيّوب بن شادي بن مروان. الملك المفضّل، قطب الدين، أبو العبّاس، ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر والد الملوك نجم الدين أبي الشكر. ولد في [ ... ]. ومات بالفيّوم في خامس عشر رجب سنة تسع عشرة وستّمائة وحمل إلى القاهرة فدفن خارج باب النصر بالتربة القطبيّة. ٦٩٤/ ١٥ - أبو العبّاس الإشبيلي الشاهد [ ... - ٤١٥] [٢٠ ب] أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى، أبو العبّاس، الإشبيليّ، الشاهد، سكن مصر وحدّث بها وكان مكثرا. خرّج عليه أبو نصر السجستانيّ أجزاء كثيرة عن عدّة مشايخ، منهم أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت، ومحمد بن

стр. 473

جعفر المعروف بغندر. وحدّث عنه القاضي أبو الحسن عليّ بن الحسن ابن الخلعيّ، وأبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله الحبّال (١) وأثنى عليه. ومات في ثالث عشر صفر سنة خمس عشرة وأربعمائة، قاله الحميديّ. ٦٩٤/ ١٦ - أبو الحسن ابن الحبّاب الهرويّ [ ... - بعد ٣٠٠] [٢٠ أ] أحمد بن محمد بن الحباب، أبو الحسن، الهرويّ، سكن مصر وحدّث بها عن هشام بن عمّار وغيره. ومات بعد الثلاثمائة. ٦٩٤/ ١٧ - أبو العبّاس القموليّ [ ... - ٧٢٧] (٢) [١٢١ أ] أحمد بن محمد بن أبي الحرم مكّيّ بن ياسين، نجم الدين، أبو العبّاس، القموليّ، الفقيه الشافعيّ. ولد في [ ... ]. وسمع الحديث على قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة وغيره، واشتغل في الفقه على مذهب الشافعيّ بمدينة قوص وبالقاهرة، قرأ الأصول والنحو وبرع في الفقه وشرح الوسيط لأبي حامد الغزالي في الفقه شرحا حافلا في غاية البسط والاتّساع، يحتوي على بحوث غزيرة ونقول كثيرة سمّاه البحر المحيط، ثمّ جرّد نقوله في مجلّدات وسمّاه جواهر النحو. وشرح مقدّمة ابن الحاجب في النحو [شرحا] جيّدا. وشرح أسماءالله الحسنى في مجلّد وكمّل تفسير الإمام فخر الدّين محمد بن عمر الرازيّ. وناب في الحكم ببلدة قمولا من عمل الصعيد عن قاضي قوص شرف الدين إبراهيم بن عتيق، ثم قسم العمل بينه وبين الوجيه عبد الله السبريانيّ في أيّام ذي الرئاستين قاضي القضاة تقيّ الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعزّ، وولي قضاء إخميم مرّتين، وولي أسيوط وغيرها، وناب في القاهرة عن القضاة، ثمّ ولي حسبة مصر. ودرّس بالمدرسة الفخريّة بالقاهرة ومات يوم [ ... ] ثامن شهر رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وهو ينوب عن قاضي القضاة بمصر والجيزة ويتقلّد حسبة مصر، ودفن بالقرافة. قال الكمال الأدفويّ: كان من الفقهاء الأفاضل والعلماء المتعبّدين والقضاة المتّقين، وافر العقل، حسن التصرّف، محفوظا. قال يوما: لي قريب من أربعين سنة أحكم، ما وقع لي حكم خطإ ولا أثبتّ مكتوبا تكلّم فيه ولا ظهر فيه خلل. وما زال يفتي ويدرّس ويكتب ويصنّف وهو مبجّل معظّم إلى حين وفاته. وكان حسن الأخلاق كبير المروءة والفتوّة. حافظا ودّ أصحابه ومعارفه، محسنا إلى أهله وأقاربه وأهل بلده. وكان له قيام بالليل، ولسانه بالليل والنهار كثير الذكر، رأيته في مرضه الذي مات فيه وهو ملازم وظائفه وكلّ يوم يزداد وأقول له يترك بعضها فلا يفعل، ويكتب إلى أن عجز وتوفّي. ونقل عن صدر الدين ابن المرحّل أنّه قال: ليس بمصر أفقه من القموليّ. ٦٩٤/ ١٨ - ابن بسطام الكاتب [ ... - ٢٩٧] (٣) [٩٨ أ] أحمد بن محمد بن الحسن بن بسطام،

стр. 474

أبو العبّاس، الكاتب. قرأ على يعقوب بن السكّيت، وروى عن مشرّف بن سعيد الواسطيّ (١). روى عنه عليّ بن سليمان الأخفش، وأبو بكر محمد بن هارون بن حميد بن المجدّر (٢). وكان من الأعيان الفضلاء، ولي ولايات جليلة وتنقّل فيها إلى أن مات بمصر. ومنشؤه ببغداد، تصرّف في الخدمة بالكتابة وقلّده المعتضد خراج ديار ربيعة وديار مضر وطريق الفرات في سنة ثمانين ومائتين ثمّ صرفه في سنة ثلاث وثمانين وطلبه إلى بغداد فقدمها وتقلّد عمالة آمد وميافارقين وأعمالها بعد أخذها من عيسى بن شيخ فوردها في زيّ الوزراء بأمر عظيم هائل، وكان يتقلّدها وصيف القائد (٣) ويكتب له أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب التنوخيّ، فاستدعاه ابن بسطام يوما وقال له: لي حاجة عند صاحبك لا أس [أ] له إيّاها مجانا ولكنّي أعطيه عليها عشرة آلاف دينار، وأعطيك أنت ثلاثة آلاف دينار. فقلت: يأمر مولانا. فقال: قد وردت هذا العمل، وعليّ كلف، وأنت تعلم أنّ اتساع المعروف إنّما هو بمال السلطان، وهنا غلّات عظيمة لا يؤثّر فيها الارتفاق، وقد عوّلت على بيع شيء منها وأخذه، وأن أنسب ذلك في الحساب إلى أنّ الأعراب أحرقوه ونهبوه. ويحتاج هذا إلى شهادة صاحبك لي فإنّ الوزير لا بدّ أن يكاتبه ويعرف منه صحّة الخبر وليس في هذا عيب فإنّي أقول إنّ الأعراب وردوا وهم ألوف لم يف بهم الجيش ولا أضعافه فيسقط عنه العتب بشهادتي له بعظم الأعراب وأبلغ أنا ما أريد بشهادته ويأخذ هو في الوسط عشرة آلاف دينار. فاعتذرت بأنّه لا يجيب إلى هذا فقال: لا بدّ من محادثته في ذلك فإن [٩٨ ب] أجاب وإلّا فعرّفه أنّ هذا يتمّ بغير حمده ولا يصير إليه منه شيء. فمضى إلى وصيف وأعلمه ذلك. فغضب منه. فعاد إلى ابن بسطام وأعلمه فقال له: هذا أحمق وأنت فأحسن الله جزاءك. وصرفه. وأخذ ابن بسطام يبيع الغلال حتى حصل بها أربعين ألف دينار. وكتب إلى الوزير بأنّ الأعراب وردوا فأحرقوا من الغلال ونهبوا بكذا وكذا، وأنّ وصيفا قصّر في الحماية وضعف عن المدافعة وفشل عن القوم. فلم يشعر وصيف إلّا بكتاب الخليفة المكتفي (٤) بالله قد ورد عليه بما ذكر عنه ابن بسطام ويقيم قيامته ويهدّده. فقال لكاتبه: ما ترى في هذا الرجل؟ أمس يراسلني على يدك بما عرفته ثمّ يكتب بمثل هذا؟ وأخذ يعمل محضرا يأخذ فيه خطوط أهل البلد يكذّب ما رمي به فدافعوه وأعلموا ابن بسطام وذلك أنّهم كانوا قد أسعفوا من ابن بسطام وسامحهم في المقاسمة وخفّف عنهم الخراج. فبعث إليه ابن بسطام يقول: لم أحضرت الثناء؟ وأيّ شيء تريد منهم، ولا يد لك عليهم، وإنّما لك الحماية والمعونة؟ وانتزعهم من يده قسرا ووضع محضرا أخذ فيه خطوطهم بصحّة ما ادّعاه، والشكاية من وصيف،

стр. 475

واجتهد وصيف في أن يكتب له أحد من أهل البلد خطّه فلم يقدر، وبعث المحضر إلى بغداد فكتب إليه الخليفة والوزير بالاعتداد بالمال الذي ادّعى أنّ الأعراب أتلفته. فكتب إلى وصيف بالإنكار وتغريم المال لتقصيره في الحماية. فأخذ ابن بسطام الكتب وأوقف عليها أبا إسحاق كاتب وصيف وقال له: كيف ترى صاحبك؟ فاعتذر إليه بأنّه أعجميّ لا يحسن التأتّي (١). فقال: لا يحسن أن تنصرف إلّا بما كنّا وعدناك به أوّلا. وأعطاه ثلاثة آلاف دينار (٢). قال: رفع إليه الكتب الواردة بتغريم وصيف المال وقال: قل له: لو دخل معنا فيما سمناه إيّاه كان أصلح له. فلمّا بلّغ ذلك إلى وصيف قامت قيامته وخبّأ أن يتلطّف بابن بسطام حتى كتب بإزالة الغرم عنه وحرم ما كان وعد. ولمّا تقلّد الموصل وديار ربيعة قبض على العامل وأحسن إليه غاية الإحسان ولم يكلّفه شيئا، وأمره برفع حسابه فأتاه به وقرأه كلّه وهو يثني على العامل حتى فرغ وإذا به قد بقي فيه ألف كرّ حنطة سوى شيء كثير من الشعير، فأمره بإسقاط ذلك من الحساب، فقال: لا أحسن أن أسقطه ولا أدري كيف أعمل فيه. فقال: تقول إنّه بقي في الأهراء حتى عفن وسوّس فاحتيج أن يطرح في دجلة. فتوقّف في ذلك وقال: وكيف تخفي مثله؟ وإن علم به كان سببا لعطلتي ونكبتي؟ . فغضب وقال: تسامحي لك وشكري ظنّا أنّك تعرف قدر الجميل. وو الله لأضعفنّه بعدد حبّات ما ذكر من الحنطة والشعير حتى يصحّ ذلك ولأكشفنّ كلّ صغيرة وكبيرة في الحساب ولا قبلت منه شيئا إلّا بألف شاهد بعد ألف صفعة وتقرعة! يا غلمان قيّدوه! فقيّد ما يحتاج أن يسقط من حسابه فأبقاه وأورد أجرة الحمّالين في نقل الغلال التي سوّست حتى طرحت في دجلة، وأحضر إليه حسابا غير الأوّل، فخلع عليه ووصله بمال وشيّعه إلى بغداد. ثمّ قدم ابن بسطام إلى مصر مشرفا على أبي زنبور الحسين بن أحمد في ولايته خراج مصر مرّة ثانية، ثمّ صرف بابن بسطام في سنة خمس وتسعين ومائتين، فباشر خراج مصر حتى مات في [ ... ] سنة سبع وتسعين ومائتين فولي الخراج بعده ابنه أبو القاسم علي بن أحمد. ٦٩٤/ ١٩ - أحمد بن حنبل [١٦٤ - ٢٤١] (٣) [٢٢ أ] أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهلبن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، أبو عبد الله، الشّيبانيّ، الإمام الجليل، الصابر على المحنة، الناصر للسنّة. أصله من مرو، ومولده ببغداد في ربيع الآخر سنة أربع وستّين ومائة. وقدم مصر مع أبيه. وطلب الحديث في سنة تسع وسبعين وهو ابن

стр. 476

ستّ عشرة سنة. فسمع سفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن عليّة، وأبا عبيدة عبد الواحد بن واصل الحدّاد، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن بن مهدي بن بشير بن المفضّل، وإبراهيم بن سعد الزهريّ، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن نمير، وأبا معاوية الضرير، وأبا أسامة حمّاد بن أسامة، وعبد الرزّاق بن همّام وأبا قرّة موسى بن طارق الزبيديّ اليمانيّين، ويحيى بن سليم الطائفيّ، ومحمد بن يزيد ويزيد بن هارون الواسطيّين. وسمع بدمشق من الوليد بن مسلم، وزيد بن يحيى بن عبيد، ومن أبي مسهر الغسّانيّ وجماعة سواهم يطول ذكرهم. روى عنه ابناه: عبد الله وصالح، وابن عمّه حنبل بن إسحاق بن حنبل، والحسين بن الصبّاح البزّاز، ومحمد بن إسحاق الصاغانيّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وأبو بكر محمد بن طريف الأعين، وأبو داود السجستانيّ، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريّ، وأبو الحسين مسلم بن الحجّاج، وإبراهيم بن إسحاق الحربيّ، وموسى بن هارون الحمّال، وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيّان، وعبّاس الدوريّ، ومحمد بن عبيد الله المنادي، وبقي بن مخلد، وأحمد بن يحيى الحلوانيّ، وإدريس بن عبد الكريم الحدّاد المقرئ، ومحمد بن يحيى المروزيّ، وإبراهيم بن هاشم البغويّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ مطيّن، ويعقوب بن شبّة البصريّ، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، في جماعة آخرهم أبو القاسم. وكان قد خرج إلى الشام قاصدا لمحمد بن يوسف الفريابيّ إلى قيساريّة، فبلغته وفاته في الطريق فعدل إلى حمص فسمع بها أبا اليمان الحكم بن نافع بن يزيد بن عبد ربّه، وبشر بن شعيب بن أبي [٢٢ ب] حمزة، وعليّ بن عبّاس. قال العبّاس بن محمد الدوريّ: وكان أحمد رجلا من العرب من بني ذهل بن شيبان. وقال عبد الله بن أبي داود: أحمد بن حنبل من بني مازن بن ذهل بن شيبان، وكان في ربيعة رجلان لم يكن في زمانهما مثلهما: لم يكن في زمان قتادة مثل قتادة، ولم يكن في زمان أحمد بن حنبل مثله، وهما جميعا سدوسيّان. قال الخطيب أبو بكر: وقول عبّاس الدوري وأبي بكر بن أبي داود أنّ أحمد من بني ذهل بن شيبان غلط: إنّما كان من بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وذهل بن ثعلبة هذا هو عمّ ذهل بن شيبان. وقال أبو نصر ابن ماكولا وقد ذكر نسب الإمام أحمد: أحمد إمام في النقل، وعلم في الزهد والورع، وكان أعلم النّاس بمذاهب الصحابة والتابعين، أصله مروزيّ وقدمت به أمّه بغداد وهو حمل وولدته بها. سمع ابن عيينة وابن عليّة وهشيم بن بشير وخلقا كثيرا من الكوفيّين والبصريّين وأهل الحرمين واليمن والشام والجزيرة. وعن يحيى بن معين: ما رأيت خيرا من أحمد بن حنبل قطّ: ما افتخر علينا قطّ بالعربيّة ولا ذكرها. وفي رواية: ما سمعت أحمد بن حنبل يقول: أنا من العرب قطّ. وعن عارم محمد بن الفضل (١): وضع أحمد بن حنبل عندي نفقته، فكان يجيء في كلّ يوم فيأخذ منه حاجته. فقلت له يوما: يا أبا عبد الله، بلغنيأنّك من العرب؟ فقال: يا أبا النّعمان نحن قوم مساكين، فلم يزل يدافعني حتى

стр. 477

خرج، ولم يقل لي شيئا. وعن يحيى بن معين: أحمد هو رجل صالح ليس هو صاحب شرّ. وقال محمد بن حاتم: أحمد بن محمد بن حنبل أصله من مرو، وحمل من مرو وأمّه به حامل. وجدّه حنبل بن هلال ولي سرخس، وكان من أبناء الدعوة، فسمعت إسحاق بن يونس صاحب ابن المبارك يقول: ضرب حنبل بن هلال وأبا النجم إسحاق بن عيسى السعديّ المسيّب بن زهير الضبّيّ ببخاري في دسّهم إلى الجند في الشغب، وحلقهما. وقال صالح بن أحمد- وذكر أباه فقال: جيء به حملا من مرو، وتوفّي أبوه محمد بن حنبل وله ثلاثون سنة فوليته أمّه، قال الخطيب: أحسب أنّ أباه هو الذي مات وسنّه ثلاثون، وكان أحمد إذ ذاك طفلا. وعن أبي جعفر [محمد بن صالح] (١) ابن ذريح العكبريّ: طلبت أحمد بن محمد بن حنبل لأسأله عن مسألة فجلست على باب الدار حتى جاء، فقمت فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، وكان شيخا مخضوبا طوالا فنظر [٢٣ أ] إليه [ ... ] (٢). ٦٩٤/ ٢٠ - الإمام أحمد بن حنبل [١٦٤ - ٢٤١] (٣) قال الشيخ محمد بن محمد السعديّ الحنبلي (٤) ﵀ في كتابه «الجوهر المحصّل في مناقب

стр. 478

الإمام أحمد بن حنبل» (١): قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الجامع الصحيح: سمعت بعض أصحابنا يقول: قال أحمد بن حنبل: حملت من مرو وأمّي حامل بي إلى بغداد. وقال ولده صالح: ولد أبي في ربيع الأوّل سنة أربع وستّين ومائة. ومات والد الإمام وهو طفل، وأصله من العرب. قال يحيى بن معين (٢): ما رأيت خيرا من أحمد: ما افتخر علينا قطّ بالعربيّة ولا ذكرها. وقال أبو النعمان بن عارم (٣): قلت له يوما: بلغني أنّك من العرب، فقال: يا أبا النعمان، بحقّ ذلك وكيف (٤) وما قال لي شيئا. قال صالح: أراني أبي هذا النسب في كتاب، وهو: أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيّان- بياء مثنّاة تحتيّة بعد الحاء- ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أدّ بن أدد بن العميسع بن حمل بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل، صلوات الله وسلامه عليه، فيجتمع نسبه ونسب رسول الله ﷺ في نزار. قلت (٥): أكثر الروايات أنّه من بني شيبان بن ذهل كما ذكرنا (٦)، ورجحه ابن الجوزي (٧). ووقع في بعض الروايات: ابن ذهل بن شيبان، بتقديم ذهل على شيبان. قال ابن الجوزي: وهو غلط، واستدلّ لذلك، قال: وذهل هذا هو عمّ ذهل بن شيبان، وقد غلط أقوام فجعلوه من ولد ذهل بن شيبان. لكن قال البيهقيّ (٨): ويحتمل أن يكون الصواب: ابن ذهل بن شيبان كما قال الدوري والبغوي (٩)، والله أعلم. ابتدأ في طلب العلم وعمره ستّ عشرة سنة، وسافر في طلبه إلى البلاد البعيدة. قال عبد الرحمن بن مهديّ (١٠) فيه وهو صغير: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماما في بطن أمّه. وأخذ عن جماعة، منهم: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبو يوسف القاضي، ووكيع بن الجرّاح، وعبد الرزّاق بن همّام الصنعانيّ، وإسماعيل بن عليّة، وهشام بن سعيد، وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويزيد بن هارون، وأبو عاصم النبيل، ويحيى بن سعيد القطّان وغيرهم. ولقي خلقا كثيرا من الصالحين الزهّاد.

стр. 479

وقال الإمام أبو بكر المروزيّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أعدل بالفقر شيئا. رأيت قوما صالحين: لقد رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جبّة من لبود وقد أتى عليه السنون والدهور، ورأيت أبا داود الحفريّ وعليه جبّة مخرّقة قد خرج القطن منها يصلّي بين المغرب والعشاء وهو يرجج (١) من الجوع، ورأيت أيّوب بن النجّار بمكّة وقد خرج ممّا كان فيه ومعه رشاء «يستقي به بمكّة وقد خرج من كلّ ما كان يملكه، وكان من العابدين، وكان في دنيا فتركها في يدي يحيى القطّان، في أناس أخر ذكرهم. وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (٢) أنّ حاتم الأصمّ قصد الحجّ، فلمّا دخل بغداد قال لبعض أصحاب الإمام أحمد: أحبّ أن أزور أحمد بن حنبل، فقال له: امض بنا إليه، فلمّا دخل عليه في منزله قال له صاحبه: حاتم قصد زيارتك والسلام عليك، فأقبل عليه أحمد وتحادثا ساعة طويلة. ثمّ قال له أحمد بعد بشاشة: يا حاتم فيم التخلّص من الناس؟ فقال له: يا أحمد، في ثلاث. قال: وما هي؟ قال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئا، وتقضي حقوقهم ولا تستقضي من أحد منهم حقّا، وتحتمل مكروهم ولا تكره أحدا منهم على شيء. (قال) فجعل أحمد ينكت بإصبعه على الأرض ويقول: إنّها لشديدة! إنّها لشديدة! فقال له حاتم: وليتك تسلم! وليتك تسلم! . وفي مجمع الأصحاب في ترجمة الحارث المحاسبيّ (٣) ﵁.: قال في المناقب: قال محمد بن خفيف ﵀: دخلت يوما على القاضي عليّ بن أحمد فقال له: يا أبا عبد الله: معنا لكم حكاية تحتاج تكتبها بماء الذهب. فقلت: أيّها القاضي، ماء الذهب لا أجده ولكنّي أكتبها بالحبر الجيّد. فقال: بلغني أنّه قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أنّ الحارث بن أسد يتكلّم في علم القوم ويحتجّ عليه بالآيات والسنن. فقال أحمد: أحبّ أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم بموضعي، فقال له الرجل: أنا أعمل هذا. فاتّخذ دعوة ودعا الحارث وأصحابه، ودعا أحمد. فجلس أحمد حيث لا يراه. فلمّا حضرت الصلاة تقدّم الحارث وصلّى بهم المغرب. وأحضروا الطعام فجعل يأكل ويتحدّث معهم، فقال: هذا من السنّة! فلمّا فرغوا غسلوا أيديهم فقال أحمد: وهذا أيضا من السنّة! ثمّ جلس الحارث وجلس أصحابه فقال: من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل، فسئل عن الإخلاص وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها بأحسن جواب واستشهد عليه بالآيات والسنن، وأحمد يسمع. فلمّا مرّ هويّ (٤) من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن، فبكى بعضهم وانتحب آخرون. ثمّ سكت الحارث ودعا بدعوات خفاف ثمّ قام إلى الصلاة

стр. 480

فقال أحمد: قد كان يبلغني غير هذا. أمّا هذا فلا أنكر منه شيئا. زاد في رواية أخرى أنّ الحارث لمّا أخذ في الكلام بقي أصحابه يسمعون كأنّما على رءوسهم الطير فمنهم من يبكي ومنهم من ينتحب (قال) فجئت إلى الحارث وقد غشي عليه، فتركته ثمّ عدت إليهم، ولم يزل هذا حالهم في القراءة والذكر إلى آخر الليل، فلمّا صلّوا وذهبوا جئت إلى أحمد بن حنبل فقال: ما أعلم أنّي رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل- أو كما قال- اه. فإن قلت: قد نقل فقهاء الحنابلة في كتبهم أنّ الإمام أحمد تكلّم في الحارث المحاسبيّ وأنّه قيل له: يا أبا عبد الله، يروي الحديث وهو ساكن خاشع فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدّل خشوعه ولينه ويقول: لا يغترّ فإنّه رجل سوء لا يعرفه إلّا من خبره، ولا كرامة له، قلت: هذا الكلام من الإمام أحمد محمول على أنّه كان في أوّل أمره بحسب ما بلغه عنه، ولمّا سمع كلامه بغير واسطة بينه وبينه تحقّق حاله وظهر له مقامه وعلوّ شأنه، ويدلّ على ذلك قول الإمام أحمد: قد كان يبلغني غير هذا إلى آخره. وقال (١) في ترجمة سريّ السقطي (١) ﵁: حكى الراغب وغيره أنّ سريّا السقطي لمّا ترك التجارة كانت أخته تنفق عليه من غزلها، فأبطأت عليه يوما فسألها عن ذلك فقالت: إنّ غزلي لم يشتر لأنّه مختلف بعضه أرفع من بعض. فامتنع السريّ من طعامها لذلك وعزم أن لا يأكل ممّا عندها بعد ذلك. ثمّ إنّ أخته دخلت عليه بعد ذلك فرأت عنده عجوزا تكنس بيته، وكانت تلك العجوز تأتيه كلّ يوم برغيفين، فاغتمّت أخته وراحت إلى الإمام أحمد بن حنبل فذكرت له ذلك. فلمّا كلّمه أحمد في ذلك قال السريّ: هذه الدنيا أمرها الله أن تخدمني وتأتي إليّ بقوتي، أو كما قال. وكان ﵁ يتأسف على اجتماعه بالإمام مالك لأنّ مالكا ﵁ توفّي في السنة (٢) التي طلب الإمام أحمد فيها الحديث وهي سنة تسع وسبعين ومائة، فكان يقول: فاتني مالك فأخلف الله عليّ سفيان بن عيينة، وفاتني حمّاد بن زيد فأخلف الله عليّ إسماعيل بن عليّة. واجتمع بالشافعيّ ﵁ وأخذ عنه الفقه وأصوله وكان ﵁ يقول: ما حمل أحد محبرة ولا مسّ قلما إلّا وللشافعيّ في عنقه منّة. ولمّا ذكر الشيخ محيي الدين النّوويّ هذا الكلام عن الإمام أحمد قال بعده: فهذا قول إمام أصحاب الحديث وأهله ومن لا يختلف الناس في ورعه وفضله. ثمّ قال النوويّ: ومن كلماته- يعني الإمام أحمد- أنّ الشافعيّ مكّنه الله تعالى من أنواع العلوم حتّى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون (٣) اه. وقال الإمام أحمد: ما صلّيت صلاة منذ ثلاثين سنة إلّا وأنا أدعو للشافعيّ- كذا في الحلية للحافظ أبي نعيم، وقال الإمام الغزالي في الإحياء: أربعين سنة- ولكثرة دعائه له قال له ابنه: أيّ رجل كان الشافعيّ حتّى تدعو له كلّ هذا الدعاء؟ فقال:

стр. 481

يا بنيّ كان الشافعيّ كالشمس للدنيا وكالعافية للناس. حجّ أحمد حجّات رافق في بعضها يحيى بن معين. واتّفقا على أنّهما بعد انقضاء الحجّ يمضيان إلى صنعاء اليمن يأخذان الحديث عن عبد الرزّاق (١) فوجداه في الطواف. فلمّا فرغ اجتمعا عليه، وكان أحمد لا يعرف شخصه وإنّما يعرفه باسمه، فقال له يحيى بن معين: هذا أخوك أحمد بن حنبلفقال: حيّاه الله! إنّه ليبلغني عنه كلّ ما أسرّ به ثبّته الله تعالى على ذلك! ثمّ واعد يحيى الشيخ على القراءة. فلمّا انصرفا عنه قال أحمد لابن معين: لم أخذت على الشيخ الموعد؟ فقال له يحيى: قد أراحك الله مسيرة شهر ورجوع شهر والنفقة. فقال الإمام أحمد: ما كان الله ليراني وقد نويت نيّة أفسدها بما تقول! ثمّ سافرا إلى صنعاء اليمن وأخذا عنه بها. وصحّ عن الإمام أحمد أنّه قال: ما كتبت حديثا إلّا وقد عملت به، حتّى مرّ بي أنّ رسول الله ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة الحجّام دينارا، فاحتجمت وأعطيت الحجّام دينارا. [أولاد ابن حنبل]: وأمّا أولاده فأكبرهم صالح، وكنيته أبو الفضل: ولد سنة ثلاث ومائتين، وروى عن أبيه وأبي الوليد الطيالسي وعليّ بن المدينيّ، وروى عنه ابنه زهير، والبغويّ، ومحمّد بن مخلد، وولي قضاء أصبهان، وهو من زوجته عبّاسة بنت الفضل. توفّي سنة خمس وستّين ومائتين. وعبد الله، وكنيته أبو عبد الرحمن، سمع من أبيه وأكثر عنه، ومن عبد الأعلى بن حمّاد ويحيى بن معين، ومن أبي بكر بن أبي شيبة وخلق كثير. قال الذهبيّ: كان إماما خبيرا بالحديث وعلله مقدّما فيه. ولمّا مرض قال: ادفنوني بالقطيعة (٢) فقيل له: ألا تدفن عند أبيك- يعني: بمقبرة باب حرب-؟ فقال: صحّ عندي أنّ بالقطيعة نبيّا مدفونا، ولأن أكون في جوار نبيّ أحبّ إليّ من أن أكون في جوار أبي. وكانت وفاته في سنة تسعين ومائتين، وسنّه سبع وسبعون سنة كأبيه. وللإمام أحمد ولد اسمه سعيد من سرّيّة يقال لها حسن، ولي قضاء الكوفة. وله منها ولد اسمه محمّد وآخر اسمه الحسن، وله منها بنت اسمها زينب وله منها ولدان توأمان أحدهما الحسن والآخر الحسين وماتا بالقرب من ولادتهما. وله بنت اسمها فاطمة، والله أعلم. قال البخاري: لمّا امتحن أحمد بن حنبل كنت بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسيّ يقول: لو كان الذي نزل بأحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة. [٢ أ] فصل في بشارة النبيّ ﷺ له بالمحنة قبل وقوعها بسنتين على لسان الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ ﵁ كان الإمام الشافعيّ ﵁ لمّا دخل مصر رأى النبي ﷺ في المنام وأخبره أنّ الإمام أحمد سيمتحن. قال الربيع بن سليمان: فكتب الشافعيّ على يدي كتابا إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل. ثمّ قال لي: يا أبا سليمان، انحدر بكتابي هذا إلى العراق ولا تقرأه. فأخذت الكتاب وخرجت من مصر حتى قدمت العراق فوافيت

стр. 482

مسجد أحمد بن حنبل، فصادفته يصلّي الفجر فصلّيت معه وكنت لم أركع السنّة (١) فقمت أركع عقب الصلاة، فجعل ينظر إليّ مليّا حتّى عرفني. فلمّا سلّمت من صلاتي سلّمت عليه وأوصلت الكتاب إليه وقلت له: هذا [بعثه] إليك الشافعي من مصر. فجعل يسألني عن الشافعي طويلا قبل أن ينظر في الكتاب. ثمّ قال لي: نظرت فيه؟ قلت: لا. ففضّ ختمه وقرأه حتّى إذا بلغ موضعا منه بكى وقال: أرجو الله تعالى أن يحقّق ما قاله الشافعيّ. قلت: يا أبا عبد الله أيّ شيء قد كتب إليك؟ قال: ذكر في كتابه أنّه رأى النبيّ ﷺ في نومه وهو يقول له: يا ابن [إدريس] بشّر هذا الفتى أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنّه سيمتحن في دين الله ويدعى أن يقول: القرآن مخلوق، فلا يفعل ويضرب بالسياط، وأنّ الله سينشر له بذلك علما لا يطوى إلى يومالقيامة. فقلت: بشارة، فأيّ شيء جائزتي عليها؟ - وكان عليه ثوبان فنزع أحدهما فدفعه إليّ وكان ممّا يلي جلده. وأعطاني جواب الكتاب. فخرجت حتى قدمت على الشافعي فأخبرته بما جرى. قال: فأين الثوب؟ قلت: هو ذا. فقال: ليس نفجعك به- ويروى أنّ الشافعي قال للربيع: لا نبتاعه منك ولا نستهديه ولكن اغسله وجئنا بمائه. (قال) فغسلته وحملت ماءه إليه فجعله في قنينة. وكنت أراه في كلّ يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبرّكا بأحمد بن حنبل. [محنة خلق القرآن] فصل في محنة الإمام ﵁ وما وقع فيها على سبيل الاختصار قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزيّ: لم يزل الناس على قانون السلف وقولهم إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق حتى نبقت (٢) المعتزلة فقالوا بخلق القرآن، وكانوا يتستّرون بذلك إلى زمن الرشيد حتّى إنّ الرشيد قال يوما: بلغني أنّ بشرا المريسي (٣) يقول: القرآن مخلوق، ولله عليّ إن أظفرني الله به لأقتلنّه قتلة ما قتلتها أحدا. فأقام بشر متواريا أيّام الرشيد نحوا من عشرين سنة فلمّا توفّي الرشيد كان الأمر كذلك في زمن ولده الأمين، فلمّا ولي المأمون خالطه قوم من المعتزلة فحسّنوا له القول بخلق القرآن. وقال البيهقيّ: قرّب من مجلسه جماعة من المبتدعين والفلاسفة حتّى ألقوا في سمعه من كلام أهل الزيغ والبدع ما حمله على القول بخلق القرآن ونفي الصفات. اه. وكان يتردد في حمل الناس على ذلك ويراقب بقايا الأشياخ. ثمّ قوي عزمه على ذلك. قال يحيى بن أكثم (٤) قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون (٥) لأظهرنّ القول بخلق القرآن. فقال له بعض جلسائه: ومن يزيد بن هارون حتّى يتّقيه أمير المؤمنين؟ فقال: إنّي أخاف إن أظهرته يردّ عليّ فيختلف الناس وتكون فتنة وأنا أكره الفتنة. فقال الرجل للمأمون: أنا أخبر لك ذلك من يزيد بن هارون. فخرج إلى واسط فجاء إلى يزيد فدخل عليه المسجد فقال: يا أبا خالد، إنّ أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إنّي أريد

стр. 483

أن أظهر القول أنّ القرآن مخلوق. فقال له: كذبت على أمير المؤمنين، فإن كنت صادقا فاصبر إلى أن يجتمع عليّ الناس. (قال) فلمّا كان الغد واجتمع عليه الناس قلت: يا أبا خالد إنّ أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: إنّي أريد أن أظهر القول بخلق القرآن، فما عندك في ذلك؟ قال: كذبت على أمير المؤمنين، أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه وما لم يقل به أحد. قال الرجل: فلمّا رجعت إلى أمير المؤمنين قلت له: يا أمير المؤمنين إنّك كنت أعلم بالأمر منّا: كان من القصّة كيت وكيت. فقال أمير المؤمنين: إنّه تلعّب بك. اه. وقال البيهقي: باب ما جاء في محنة أبي عبد الله أيّام المأمون ثمّ المعتصم ثمّ الواثق بسبب القرآن، وما أصابه من الحبس الطويل والضربالشديد والتهديد بالقتل، وقلّة مبالاته بما كان منهم وتمسّكه بالدين القويم والصراط المستقيم: وكان ﵀ سمع ما ورد في مثل حاله من الآيات المتلوّة والأخبار المأثورة، وبلغه ما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلّم إيمانا واحتسابا وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة هنّأه الله بما آتاه من ذلك ببلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أولياء الله، وألحق به محبّيه فيما نال من كرامة الله إن شاء الله من غير بليّة. ثمّ روى البيهقيّ بسنده إلى مصعب بن سعد (١) عن أبيه سعد قال: سألت رسول الله ﷺ : أيّ الناس أشدّ بلاء؟ قال الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل ... الحديث. وعن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كنّ فيه فقد وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وأن يقذف [٢ ب] في النار أحبّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه (٢). قال الإمام البيهقي ﵀: فاجتمعت هذه الخصال الثلاث في أبي عبد الله رحمة الله عليه، وظهرت آثارها حتّى وقع في المحنة، كما روينا عن بشر بن الحارث- يعني الحافي (٣) - أنّه سئل عن أبي عبد الله بعد المحنة فقال: إنّ ابن حنبل أدخل الكير فخرج ذهبا أحمر، هذا لأنّه هانت عليه نفسه في الله حين عوقب في كلام الله، كما هانت على بلال بن رباح نفسه في الله حين عذّب في دين الله فكان بلال إذا دعي إلى الشرك بالله ومسّ بالعذاب جعل يقول: أحد! أحد! وكان أبو عبد الله إذا دعي إلى القول بخلق القرآن وضرب بالسياط يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فإذا قيل له: القول بذلك يؤدّي إلى التشبيه يقول: أحد صمد! لا شبه له ولا عدل، وهو كما وصف به نفسه. وكان أبو عبد الله وطّن نفسه على الصبر على المكروه والرضا بالقضاء فحين [ ... ] (٤) أقرّ بما عزم عليه وأظهر الرضا به فرحمة الله ورضوانه عليه، اه. كلام البيهقي. ذكر طلب أبي عبد الله أمام المأمون قال حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن عم الإمام أحمد: سمعت أبا عبد الله يقول: لمّا دعيت إلى المحنة رأيت في المنام عليّ بن عاصم (٥) فأوّلتها: علوّا وعصمة من الله والحمد لله على

стр. 484

ذلك. وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أقلّ من دعي للمحنة سبعة أنفس، وهم: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقيّ، وإسماعيل الجزريّ، ومحمّد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم مستملي [يزيد بن هارون] (١) فأجابوا، ولو كانوا صبروا وقاموا لله لكان انقطع الأمر وحذر الرجل- يعني المأمون- ولكن، لمّا أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. وكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ ويقول: هم أوّل من ثلم هذه الثلمة. وقال حنبل: حدّثني أبي قال: ورد كتاب المأمون من الروم على بغداد إلى إسحاق بن إبراهيم (٢) يأمره بامتحان أبي عبد الله ابن حنبل وعبيد الله بن عمر القواريريّ والحسن بن حمّاد المعروف بسجّادة ومحمّد بن نوح، فوجّه إليهم إسحاق وأحضرهم، فأدخلوا على إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد الله والقوم أن يجيبوا. فلمّا كان بعد يوم أو يومين دعا إسحاق بالقواريريّ وسجّادة من الحبس وهما مقيّدان فسألهما فأجاباه فخلّى عنهما. وكان أبو عبد الله ﵀ يقيم عذرهما ويقول: أليس قد حبسا وقيّدا؟ قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦]. ثمّ قال أبو عبد الله ﵀: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأمّا إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له. قال أبو عبد الله ﵀: وكان في الكتاب: اقرأ عليهم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فقرأ عليّ إسحاق: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقلت: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] فقال لي إسحاق: ما أردت بهذا؟ قلت: قرأت كلام الله وذكرت ما وصف به نفسه ولم أزد في كتابه شيئا. قلت (٣): انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجّته في إثبات الصفات من الآية التي احتجّوا عليه بها فكان الذي استدلّوا به دليلا له لا عليه ﵁. ثمّ ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم بحمل أبي عبد الله ومحمد بن نوح (٤) إليه ببلاد الروم فحملا. وسأل رجل أبا عبد الله فقال له: إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا أجيب. وذكر البيهقيّ وابن الجوزيّ كلّ منهما بسنده إلى إبراهيم بن عبد الله البصريّ (٥) أنّه قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة كانت أقوى لقلبي من كلمة كلّمني بها أعرابي في رحبة طوق (٦)، قال: يا أحمد إن يقتلك الحقّ متّ شهيدا وإن عشت عشت حميدا. قال البيهقيّ: زاد غيره- أي غير إبراهيم البصريّ- أنّه قال: يا أبا عبد الله، تحبّ الله؟ قال: قلت نعم، قال: فإنّك إن أحببت الله أحببت لقاءه، ثمّ مضى فلم أزل انظر

стр. 485

إليه حتّى غاب. قال ابن أبي حاتم (١): وكان كما قال الأعرابيّ: لقد رفع الله شأن أحمد بعد ما امتحن وعظم عند الناس وارتفع أمره جدّا. وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى أبي جعفر الأنباريّ (٢) أنه قال: لمّا حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس [في الخان] فسلّمت عليه فقال: يا أبا جعفر، تعنّيت! فقلت: ليس في هذا عناء، وقلت له: أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنّ بإجابتك خلق من خلق الله. وإن أنت لم تجب ليمتنعنّ خلق من الناس كثير. ومع هذا فإنّ الرجل- يعني المأمون- إن لم يقتلك تموت، ولا بدّ من الموت، فثق بالله ولا تجبهم إلى شيء (قال) فجعل أبو عبد الله يبكي ويقول: ما شاء الله، ما شاء الله! . وقال أحمد بن غسّان (٣) كنت سائرا مع أحمد لمّا طلبه المأمون فلمّا صرنا قرب غابة قال لي أحمد: قلبي يحسّ أنّ رجاء الحضاري (٤) يأتي في هذه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني، وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينما نحن نسير إذ قرع قارع المحمل (٥) فاستشرف أبو عبد الله فإذا هو برجل فعرفه أبو عبد الله بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدّها على عنقه، فقال: يا أبا عبد الله إنّ الله قد رضيك له وافدا فانظر أن لا يكون وفودك على المسلمين وفودا مشئوما، واعلم أنّ الناس إنّما ينتظرونك لأن تقول فيقولوا، فاعلم إنّما هو الموت والجنّة، ثمّ مضى (قال) فلم يكن بأسرع من أن ورد علينا قاصد المأمون، وهو رجاء الحضاريّ، فقال: أين هؤلاء الأشقياء؟ فقال له أحمد: يا عدوّ الله، تقول: القرآن مخلوق ونكون نحن الأشقياء؟ (قال) فأنزلنا من المحامل وصيّرنا في خيمة فخرج إلينا خادم وهو يمسح عن وجهه بكمّه ويقول: عزّ عليّ يا أبا عبد الله: [لقد] جرّد أمير المؤمنين سيفا لم يجرّده قطّ، وبسط نطعا لم يبسطه قطّ. ثمّ قال: وقرابتي من رسول الله ﷺ [٣ أ] لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتّى يقولا: القرآن مخلوق. (قال) فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينه ثمّ قال: علا عن هذا الفاجر حكمك حتّى يتجرّأ على أوليائك بالضرب والقتل! اللهمّ فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته! (قال) فو الله ما مضى الثلث الأوّل من الليل إلّا ونحن بصيحة وضجّة وإذا برجاء الحضاريّ قد أقبل علينا فقال: صدقت يا أبا عبد الله: القرآن كلام الله غير مخلوق وقد مات والله أمير المؤمنين (٦). فلمّا مات المأمون ووليّ أخوه أبو إسحاق المعتصم ردّ بأبي عبد الله ومحمد بن نوح إلى بغداد، فمات محمد بن نوح في الطريق، ووصل أبو عبد الله إلى بغداد مقيّدا (قال) فكان أبو عبد الله يقول: ما رأيت أحدا على حداثة سنّه وقلّة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله إنّك لست مثلي: أنت رجل يقتدى بك، وقد مدّ الخلق أعناقهم [إليك] ليسمعوا مقالتك، فاتّق الله واثبت لأمر الله! (قال)

стр. 486

وكان أبو عبد الله يتعجّب من تقويته له وموعظته (١). ومكث أبو عبد الله مسجونا في دار الحضاريّ أيّاما، ثمّ نقل إلى حبس العامّة [في درب الموصلية] (٢). (قال): لمّا سجن أبو عبد الله جاءه السجّان فقال له: يا أبا عبد الله، الحديث الذي روي في الظلمة وأعوانهم [ ... ] قال السجّان: وأنا من أعوان الظلمة. فقال له أبو عبد الله: أعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل [ ... ] ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك، أمّا أنت فمن أنفسهم. وكان أحمد بن أبي دواد المعتزليّ مستوليا لقضاء القضاة وكان يحمل المعتصم على القول بخلق القرآن. قال إسحاق بن حنبل عمّ الإمام: لقد كنت أتكلّم مع أصحاب السلطان والقوّاد في خلاص أبي عبد الله فلم يتمّ لي أمر، فاستأذنت على إسحاق بن إبراهيم فدخلت إليه وكلّمته فقال لحاجبه: اذهب معه إلى ابن أخيه ولا يكلّم ابن أخيه بشيء إلّا أخبرتني به. قال إسحاق: فدخلت على أبي عبد الله ومعي حاجبه، فقلت: يا أبا عبد الله، قد أجاب أصحابك وقد أعذرت فيما بينك وبين الله وبقيت أنت في الحبس والضيق. فقال أبو عبد الله. يا عمّ، إذا أجاب العالم تقيّة، والجاهل يجهل، متى يتبيّن الحقّ؟ (قال) فأمسكت عنه (قال) فذكر أبو عبد الله ما روي في التقيّة من الأحاديث فقال: كيف تصنعون بحديث خبّاب (٣): إنّ من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثمّ لا يصدّه ذلك عن دينه (قال) فيئسنا منه. ثمّ قال: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلّا واحد، ولا قتلا بالسيف، إنّما أخاف فتنة بالسوط وأخاف أن لا أصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله ما هو إلّا سوطان ثمّ لا تدري أين يقع الباقي. فلمّا سمع ذلك سرّي عنه. (قال) ثمّ حوّل أبو عبد الله إلى دار إسحاق بن إبراهيم في شهر رمضان سنة تسع عشرة ومائتين، فبعث إسحاق بن إبراهيم فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطار أبي عبد الله فنظر إليه فإذا فيه رغيفان وشيء من قثاء وملح فعجب إسحاق من ذلك. قال أبو عبد الله: كان إسحاق يوجّه إليّ برجلين يناظراني يقال لأحدهما أحمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجّام فلا يزالان يناطراني، فإذا أرادا الانصراف دعوا (٤) بقيد حتّى صار في رجلي سبعة أقياد. (قال) ودار بيني وبين الحجّام كلام فقلت له: ويحك، بعد طلبك العلم والحديث صرت إلى هذا الأمر؟ وسألته عن علم الله فقال: مخلوق. فقلت: كفرت بالله العظيم! (٥) فقال لي رجل معه: هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: هذا كفر بالله العظيم. ثمّ قلت لصاحبه ابن رباح: هذا زعم أنّ علم الله مخلوق فكفر، فنظر إليه وأنكر عليه مقالته، تمّ انصرفا. فقال الحجّام: ما رأيت لهذا نظيرا: عجبت من هذا الذي هو فيه، وهو يعظني ويوبّخني. قال أبو عبد الله: ثمّ أدخلت على إسحاق فقال لي: لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه؟ فكلّمته بكلام قويّ. فقال: يا أحمد إنّي عليك

стр. 487

مشفق، وقد آلى أمير المؤمنين إن لم تجبه ليقتلنّك. فقلت له: ما عندي في هذا الأمر إلّا الأوّل- كذا نقل البيهقي. ونقل ابن الجوزيّ أنّ إسحاق بن إبراهيم قال له: إنّ أمير المؤمنين لا يقتلك، وقد آلى إن لم تجبه يضربك ضربا بعد ضرب ويلقيك في موضع لا ترى فيه شمسا. ثمّ قال إسحاق: اذهبوا به إلى أمير المؤمنين. قال أبو عبد الله: فذهبوا بي إلى دار المعتصم، وأدخلت في حجرة ليلا وأغلق عليّ الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في المكان سراج. فأردت أن أتيمّم للصلاة فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع، فتوضّأت وقمت أصلّي ولا أعرف القبلة فصلّيت. فلمّا أصبحت فإذا أنا أصبت القبلة. ثمّ جاء رسول المعتصم فقال: أجب! فثقلت عليّ القيود وكدت غير مرّة أخرّ على وجهي. فأخرجت تكّة سراويلي وشددت بها القيود أحملها، وعطفت سراويلي من غير تكّة. ثمّ مشيت إلى أن دخلت عليه والتكّة بيدي أحمل بها الأقياد، فإذا هو جالس وابن أبي دواد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه، منهم أبو عبد الرحمن الشافعيّ (١) وغيره. فلمّا نظر إليّ المعتصم سمعته يقول لهم كالمنكر عليهم: أليس قد زعمتم أنّه حدث السنّ؟ هذا شيخ مكتهل. فلمّا دنوت سلّمت. فقال لي المعتصم: ادن! ولم يزل يدنيني حتى قربت منه. ثمّ قال: اجلس! فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلا ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين [٣ ب] ائذن لي في الكلام. فقال: تكلّم! فقلت: إلام دعا الله ورسوله- وفي رواية: إلام دعا إليه ابن عمّك رسول الله ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله. ثمّ قلت: إنّ جدك ابن عبّاس يقول: لمّا قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان فقال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم. فإلام أدعى وهذه شهادتي وإخلاصي بالتوحيد؟ فقال المعتصم: لولا أنّي وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. ثمّ قال لعبد الرحمن بن إسحاق (٢): ألم آمرك أن [ترفع] المحنة؟ قال أبو عبد الله: فقلت: الله أكبر! إنّ في هذا لفرجا للمسلمين. ثمّ قال المعتصم للحاضرين: ناظروه! ثمّ قال لعبد الرحمن: كلّمه! فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فسكتّ، فقال لي المعتصم: أجبه! فقلت له: ما تقول في علم [الله ... ] قلت لعبد الرحمن: القرآن من علم الله ومن زعم أنّ علم الله مخلوق فقد كفر بالله. فسكت عبد الرحمن، فقال [الجماعة] للمعتصم: يا أمير المؤمنين أكفرنا وأكفرك! فلم يلتفت إلى ذلك منهم. فقال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن فقلت سبحان الله! ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم أنّ الله كان ولا علم لكفر. قال أبو عبد الله: واحتجّوا عليّ بحديث عمران بن حصين (٣) إنّ الله خلق الذّكر، والذكر هو القرآن. فقلت: هذا خطأ، حدّثنا غير واحد أن الله كتب الذّكر. واحتجّوا عليّ بحديث ابن مسعود: وما خلق الله من جنّة ولا نار، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسيّ. قال أبو عبد الله: فقلت: إنّما وقع الخلقعلى الجنّة والنار، والسماء والأرض، ولم

стр. 488

يقع على القرآن. قال أبو عبد الله: كان القوم إذا انقطعوا عن الحجّة عرض ابن أبي دواد فتكلّم. وكلّمني مرّة فلم ألتفت إليه، فقال لي المعتصم: ألا تكلّمه؟ فقلت: لست أعرفه من أهل العلم فأكلّمه! .- قال أبو عبد الله: وكان ابن أبي دواد من أجهل الناس بالعلم والكلام- (قال) فجعل ابن أبي دواد يقول: يا أمير المؤمنين، والله إن أجابك لهو أحبّ إليّ من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار- وعدّد من ذلك ما شاء الله- فقال المعتصم: والله إنّه لفقيه والله إنّه لعالم، ووددت أن يكون معي يصلح من شأني ويردّ عليّ أهل الملل. ثمّ قال لي: يا أحمد، أتعرف صالحا الرشيد؟ (١) قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدّبي وكان صاحب سنّة، فسألته عن القرآن فخالفني فأمرت به فوطئ وسحب. ثمّ قال لي: يا أحمد، أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي. ولأركبنّ إليك بجندي ولأطأنّ بساطك! فقلت: أعطوني شيئا من كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله ﷺ . فلمّا طال المجلس قام ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ووجّه إليّ برجلين من أصحاب ابن أبي دواد يبيتان عندي ويناظراني. فلمّا كان وقت الإفطار وجيء بالطعام جهدا بي أن أفطر فلم أفعل. فلمّا كان في اليوم الثاني جاء الرسول فذهب بي. فقال لهم: ناظروه وكلّموه فجعلوا يناظروني ويتكلّم هذا من ههنا فأردّ عليه ويتكلّم هذا فأردّ عليه، وإذا جاءوا بشيء من الكلام والبدع ممّا ليس في كتاب الله تعالى ولا سنّة رسول الله ﷺ ولا عندي فيه خبر أقول: لا أدري ما هذا، فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجّهت له الحجّة انساب علينا، وإذا كانت الحجّة عليه قال: لست صاحب كلام، أنا صاحب أثر. فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلمّا ضجر قال لهم: قوموا! ثمّ رددت إلى المكان الذي كنت فيه. فلمّا كان الليل نام من كان معي وأنا متفكّر في أمري، فإذا أنا برجل طويل يتخطّى الناس حتّى دنا منّي، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم. قال: فاصبر ولك الجنّة. قال أبو عبد الله ﵁: فلمّا مسّني حرّ السوط ذكرت قول الرجل فصبرت. (قال) فلمّا كانت الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غدا من أمري شيء. فلمّا كان من الغد وجّه إليّ المعتصم فأدخلت فإذا الدار غاصّة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين شيء من ذلك. فلمّا انتهيت إليه قال: اقعد! ثمّ قال لي: يا أحمد، أجبني إلى ما أدعوك إليه، فإنّه بلغني أنّك تحبّ الرئاسة، وو الله إن أجبتني إلى ما أنا فيه لآتينّك في حاشيتي ومواليّ ولأطأن بساطك ولأنوّهنّ بك! يا أحمد، الله الله في نفسك! . قلت: يا أمير المؤمنين هذا القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ وأخباره فمهما وضع عليّ من حجّة صرت إليها. فقال: ناظروه! كلّموه! (قال) فجعلوا يناظروني ويتكلّم هذا فأردّ عليه، ويتكلّم هذا فأردّ عليه، ويتكلّم هذا فأردّ عليه، وصار صوتي يعلو أصواتهم. قال أبو عبد الله: واحتجّوا عليّ فقالوا: تجيء سورة البقرة يوم القيامة، فقلت لهم: إنّما هو الثواب، قال : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر، ٢٢] وإنّما تأتي قدرته، أي آثار قدرته، إنّما القرآن أمثال ومواعظ، وأمر ونهي، وكذا وكذا. فلمّا طال المجلس نحّاني

стр. 489

ثم خلا بهم. وكان المعتصم لا يعلم [٤ أ] ويظن إلا أنّ القول قولهم (١). ثمّ نحّاهم وردّني إليه وقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتّى أطلق عنك بيدي، إني والله لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني. فرددت عليه نحوا ممّاكنت أردّ قبل ذلك فغضب ولعن وقال: لقد طمعت فيك أن تجيبني، خذوه واسحبوه وخلّعوه! قال أبو عبد الله: وكان معي شعر من شعر [رسول الله] ﷺ أعطانيه الفضل بن الربيع، وكان في صرّة من قميصي. فقالوا: انزعوا منه قمصيه ولا تخرقوه. ثمّ قال: ما هذا في ثوبك؟ فقالوا لي: ما هذا في ثوبك؟ قلت: هذا شعر من شعره ﷺ . قال صالح: قال أبي: فظننت أنّه إنّما [درئ] (٢) عن قميصي الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه. قال أبو عبد الله: وجعلت بين العقابين (٣) فقلت: يا أمير المؤمنين إنّ رسول الله ﷺ قال: لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله إلا بإحدى [ثلاث]، وقال (٤) رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصمت دماؤهم وأموالهم، فبم تستحلّ دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين؟ أذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين، راقب الله! فلمّا رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه [ ... ] الله فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله وأنّه غلب خليفتين، فهاجه ذلك وطلب كرسيّا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه. ثم قال للجلّادين: أروني أسياطكم! فنظر إليها، ثم قال: ائتوني بغيرها! فأتوه بغيرها. ثم قال: تقدّموا! فيتقدم الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول المعتصم: شدّ، قطع الله يدك! ثم يتنحّى، ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين، وهو في كلّ ذلك يقول: شدّوا، قطع الله أيديكم! فلمّا بلغ تسعة عشر سوطا قام الخليفة إليّ ثم قال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ والله إنّي عليك شفيق. فجعل عجيف ينخسني بقائم سيفه وقال: تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك! الخليفة على رأسك قائم! وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، أقتله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم. فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. (قال): ثم رجع فجلس، ثم قال للجلّاد: تقدّم، أوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية فقال: يا أحمد، أجبني! فجعلوا يقولون لي: ويلك! إمامك أمير المؤمنين قائم على رأسك! فقال المعتصم: أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي! فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنّة رسوله ﷺ حتى أقول به. ثم رجع فجلس، فقال للجلّادين: تقدّموا! فيتقدّم الجلّاد فيضربني سوطين ويتنحّى وهو في خلال ذلك يقول: شدّ قطع الله يدك! قال أبو عبد الله ﵁: فذهب عقلي. ثم أفقت، فإذا الأقياد قد أطلقت عنّي،

стр. 490

فقال رجل ممّن حضرنا: إنّا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك فما شعرت بشيء من ذلك! وأتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيّأ! فقلت: لست أفطر- يعني من الصيام- ثمّ جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم (١) فحضرت صلاة الظهر، فتقدّم ابن سماعة (٢) فصلّى. فلمّا انفتل من الصلاة قال لي: صلّيت والدم يسيل في ثوبك. فقلت: قد صلّى عمر وجرحه يثعب (٣) دما. وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى [أبي الفضل] عبيد الله بن عبد الرحمن الزهريّ قال: قال المروزيّ: قال لي أبو عبد الله، وهو بين الهنتازين (٤): اخرج انظر أيّ شيء ترى! (قال) فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصي عددهم إلّا الله، والصحف والأقلام في أيديهم والمحابر في أذرعتهم. فقال لهم المروزيّ: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه. فدخل المروزيّ إلى أبي عبد الله وهو قائم بين الهنتازين فقال: رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقوله فيكتبونه، فقال: يا مروزيّ، أضلّ هؤلاء كلّهم؟ أقتل نفسي ولا أضلّ هؤلاء كلّهم. قال الحافظ أبو الفرج: قلت: هذا رجل هانت عليه نفسه في الله كما هانت على بلال نفسه. وقد روينا عن سعيد بن المسيّب أنّه كانت عليهنفسه في الله تعالى أهون من نفس ذباب، او إنّما تهون عليهم أنفسهم لعلمهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدّة ابتلاء الإمام أحمد دليل على قوّة دينه لأنّه قد صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: يبتلى الرجل على حسب دينه. فسبحان من أيّده وبصّره وقوّاه ونصره! . وقد تقدّم كلام الإمام البيهقي بمعنى ذلك. وذكر ابن الجوزي أيضا بسنده إلى ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد فسمعت ضجّة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن. فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى [٤ ب] من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت وبالتراس قد نصبت وبالسياط قد طرحت. فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفا، وأوقفوني حيث أسمع الكلام. فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسيّ، وأتى بأحمد بن حنبل فقال له: وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنّك بالسياط أو تقول كما أقول! ثمّ التفت إلى جلّاد فقال: خذه إليك! فأخذه. فلمّا ضرب سوطا قال: باسم الله. فلمّا ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. فلمّا ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلمّا ضرب الرابع قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: ٥١] فضربه تسعة وعشرين سوطا. وكانت تكّة سراويله حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فقلت: الساعة ينهتك! فرمى أبو عبد الله طرفه نحو السماء وحرّك شفتيه فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل (٥) (قال ميمون): فدخلت إلى أبي عبد الله بعد سبعة أيّام فقلت يا أبا عبد الله رأيتك يوم ضربوك قد انحلّ سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرّك شفيتك فأيّ شيء قلت؟ قال: قلت: اللهمّ إني

стр. 491

أسألك باسمك الذي ملأت به العرش: إن كنت تعلم أنّي على الصواب فلا تهتك لي سترا. وفي رواية أنه قال: يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلّا هو، إن كنت على الحقّ فلا تبد عورتي، اه. وذكر البيهقي أنّه لمّا ضرب أوّل سوط قال: باسم الله، وفي الثاني قال: توكّلت على الله، وهذا في رضى الله. وفي الثالث قال: ما شاء الله كان وكلّ شيء بمقدار وفي الرابع قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. وفي الخامس قال: يا أمير المؤمنين إنّك موقوف ومسائل عنّي بين يدي ربّ لا يظلم ويأخذ للمظلوم من الظالم. وفي السادس قال: يا أمير المؤمنين سألتك بالله والدار الآخرة! (قال) وهو لا يرفع رأسه إليه. وفي السابع قال: اذكر الوقوف بين يدي الله كوقوفي بين يديك لا تستطيع منعا ولا عن نفسك دفعا. فلمّا ضربه الثامن اضطرب المئزر في وسطه. قال المروزي، وعبّاس بن مسكويه الهمدانيّ: لقد رأينا أحمد رفع رأسه إلى السماء وحرّك شفتيه، فما استتمّ الدعاء حتّى رأينا كفا من ذهب قد خرج من تحت مئزره فردّ المئزر إلى موضعه بقدرة الله تعالى فضجّت العامّة وهمّوا بالهجوم على دار السلطان، فأمر بحلّه. قال المروزيّ وابن مسكويه: فدخلنا على أبي عبد الله فقلنا: أيّ شيء كان تحريك شفتيك عند اضطراب المئزر؟ قال: رفعت بصري إلى السماء وناديت: يا غياث المستغيثين ويا إله العالمين، إن كنت تعلم أنّي قائم بحقّ فلا تهتك عورتي! فاستجاب الله دعائي. (قال) فكان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا والله رأيت يوم ضرب أحمد وقد ارتفع السراويل من بعد انخفاضه وانعقد من بعد انحلاله، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، والله لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلّا ميتا، اه. كلام البيهقيّ. ورأيت في بعض التواريخ أنّ الخليفة المعتصم أخذه عقب ذلك صفار، وكان ينتبه من الليل مذعورا، وربّما سمع وهو يقول: ما لي ولأحمد؟ كأنّه يعذّب، إلى أن مات. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: كنت كثيرا [ما] أسمع والدي يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم! فقلت له: يا أبة، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت: لا. قال: لمّا أخرجت إلى السياط ومدّت يداي للعقابين (١)، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيّار اللصّ الطرّار (٢)، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أنّي صربت ثمانية عشر ألف سوط [بالتفاريق] وإنّما صبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين! . فصل في ما وقع له ﵁ بعد انقضاء المحنة قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بإسحاق عمّ أحمد بن حنبل. ثمّ قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم [هو أحمد بن حنبل] (٣). قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ ولولا أنّه فعل ذلك لوقع شرّ لا يقدر على دفعه. فلمّا قال: قد سلّمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكتوا. وكان ابن أبي دواد يحاول الخليفة على حبس

стр. 492

أبي عبد الله وعدم إطلاقه ويقول: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنّه فتنة! فغضب المعتصم وقال لنائبه: يا إسحاق، أطلقه. قال أبو عبد الله: فلم يجد بدّا من أن يخلّي عنّي، ولولا ذلك لكان قد حبسني. وقال المعتصم لهم: ليس هذا كما وصفتم. قال البيهقي: وذلك أنّهم وضعوا من قدره وقلّلوه وصغّروه عنده، فلمّا شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله. وقال ميمون بن الأصبغ: أخرج أحمد بعد أن اجتمع الناس وضجّوا حتّى خاف السلطان فخرج. قال البيهقيّ: قال حنبل: وخلع عليه المعتصم مبطّنة وقميصا وطيلسانا وخفّا وقلنسوة، وأخرج على دابّة عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه الناس فدخل منزله ورمى بنفسه على وجهه وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وأخذ ثمنه فتصدّق به. وبلغنا أنّ أبا إسحاق- يعني المعتصم- ندم وأسقط في يده، وأمر إسحاق نائبه أن لا يقطع عنه خبره، فكان إسحاق يأتينا كلّ يوم يتعرّف خبره حتّى صحّ وبرأ بعد العلاج وخرج للصلاة والحمد لله. فلمّا مات المعتصم وولي ابنه هارون الواثق أكثر الناس من الأخذ عن الإمام [٥ أ] أحمد فشقّ ذلك على أهل البدع، فكتب الحسن بن علي [بن] الجعد قاضي بغداد (١) إلى ابن أبي دواد أنّ أحمد قد انبسط في الحديث. فلمّا بلغ أبا عبد الله أمسك عن التحديث من نفسه من غير أن يمنع. واستمرّ ابن أبي دواد يحسّن للواثق امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولكنّه لم يتعرّض للإمام أحمد. قال الحافظ أبو الفرج: إمّا لما علم من صبره، أو لأنّه خاف على نفسه أن يعرض له شيء ببركته، يعني كما عرض لأبيه، إلّا أنّه أرسل يقول له: لا تساكنّي بأرضي فاختفى إلى أن مات الواثق. قال الحافظ أبو الفرج: وروي أنّ الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت [ ... ] رأى بها أنّ الأولى ترك الامتحان. وذكر بسنده إلى طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله محمد ابن الواثق قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس. فأتي بشيخ مخضوب مقيّد فقال أبي ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه- يعني ابن أبي دواد- ثمّ طلب الشيخ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلّم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدّبك مؤدّبك! قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [النساء: ٨٦] والله ما حيّيتني بها ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلّم. فقال له: كلّمه! فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ فقال له الشيخ: لم تنصفني، ولّني السؤال! (٢) فقال: سل! فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. فقال: هذا شيء عليه النبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ الخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبيّ ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ (قال) فخجل. فقال: أقلني. قال: والمسألة بحالها. قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ (قال) ثمّ قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبيّ ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ سبحان الله! شيء

стр. 493

علمه النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثمّ دعا عمّارا الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدا (١). قال الحافظ أبو الفرج: وقد رويت لنا هذه القصّة على صفة أخرى، وساق بسنده إلى صالح بن عليّ الهاشميّ قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين وقد جلس للنظر في أمور المتظلّمين في دار العامّة (٢) فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أوّلها إلى آخرها فيأمر بالتوقيع فيها وينشئ الكتاب عليها ويحرّر (٣) ويختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه، فسرّني ذلك واستحسنت ما رأيت. فجعلت انظر إليه ففطن ونظر إليّ فغضضت عنه حتّى كان ذلك منّي ومنه مرارا ثلاثا، إذا نظر غضضت وإذا شغل نظرت. فقال لي: يا صالح! قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! وقمت قائما. فقال: في نفسك شيء تحبّ أن تقوله؟ قلت: نعم. قال: عد إلى موضعك، فعدت حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح. فانصرف الناس، ثمّ أذن لي فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس! فجلست، فقال لي: يا صالح، تقول لي ما دار في نفسك أو أقول لك ما دار في نفسي؟ فقلت: ما تأمر به يا أمير المؤمنين، فقال: أقول أنا: إنّه دار في نفسي أنّك استحسنت ما رأيت منّا فقلّت: أيّ خليفة خليفتنا إن لم يقل: القرآن مخلوق! (قال صالح) فورد على قلبي أمر عظيم، ثمّ قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك، وهل تموتين إلّا مرّة؟ وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلّا ما قلت. فأطرق مليّا ثمّ قال: ويحك، اسمع منّي ما أقول: فو الله لتسمعنّ الحقّ! (قال) فسرّي عنّي وقلت: يا أمير المؤمنين، ومن أولى بقول الحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين وابن عمّ سيّد المرسلين؟ فقال: ما زلت أقول: القرآن مخلوق صدرا من أيّام الواثق حتّى أقدم ابن أبي دؤاد علينا شيخا من أهل أذنة (٤) أيّام الواثق، فأدخل الشيخ على الواثق، وهو جميل الوجه تامّ القامة حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورقّ له، فما زال يقرّبه حتّى قرب منه، فسلّم الشيخ وأحسن، ودعا فأبلغ. فقال الواثق: اجلس! فجلس. فقال: يا شيخ، ناظر أبا عبد الله- يعني ابن أبي دواد- على ما يناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إنّ ابن أبي دواد يصبأ (٥) ويضعف عن المناظرة. فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له غضبا عليه وقال: ابن أبي دؤاد يصبأ ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: هوّن عليك يا أمير المؤمنين وائذن في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلّا للمناظرة. فقال الشيخ: إن رأيت أن تحفظ عليّ وعليه ما نقول. فقال أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه: هي مقالة واجبة [٥ ب] داخلة في عقد الدين، فلا يكون الذين كاملا حتّى يقال فيه بما قلت؟ . قال: نعم.

стр. 494

قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده، هل ستر شيئا ممّا أمره الله به في أمر دينهم؟ . قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ [الأمّة] إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال له الشيخ: تكلّم! فسكت فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة؟ فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] هل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه وأنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دواد. فقال الشيخ: تكلّم! فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال، يا أمير المؤمنين، اثنتان؟ فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ قال ابن أبي دواد: علمها. قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث؟ فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد، فاتّسع لرسول الله ﷺ أن علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمّته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتّسع لأبي بكر وعمر بن الخطّاب وعثمان وعليّ ﵃؟ قال ابن أبي دواد: نعم. فأعرض الشيخ [ ... ] على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدّمت القول أنّ أحمد يصبأ ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين، إن لم يتّسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنّه اتّسع لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله على من لم يتّسع له ما اتسع لهم! فقال الواثق: نعم، إنّ لم يتسع [لنا] من الإمساك عن هذه المقالة ما اتّسع لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله علينا! اقطعوا قيد الشيخ! فلمّا قطع القيد ضرب الشيخ بيده على القيد حتّى يأخذه فجاذبه الحدّاد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه! فأخذه فوضعه في كمّه، فقال له الواثق، يا شيخ، لم جاذبت الحدّاد عليه؟ قال: لأنّي نويت أن أتقدّم إلى من أوصي إليه إذا أنا متّ أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم- يعني ابن أبي دواد- عند الله يوم القيامة وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيّدني وروّع أهلي وولدي وإخواني بلا حقّ أوجب ذلك عليّ. وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا. ثمّ سأله الواثق أن يجعله في حلّ وسعة ممّا ناله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حلّ وسعة من أوّل يوم إكراما لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلا من أهله. فقال له الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال له الواثق: تقيم عندنا فننتفع بك وفتياننا، فقال الشيخ: إنّ ردّك إيّاي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عندك، وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي وولدي فأكفّ دعاءهم عنك، فقد خلّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منّا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عنها غنيّ. فقال: سل حاجة. فقال الشيخ: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تأذن لي أن يخلّى لي السبيل الساعة. قال: قد أذنت لك. فسلّم وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت.

стр. 495

قال الحافظ أبو الفرج: قلت: وقد روي أنّ الواثق رجع عن القول بخلق القرآن قبل موته. فصل في ما جرى للإمام أحمد ﵁ مع الخليفة المتوكّل على الله ابن المعتصم بالله قال الإمام البيهقيّ: وردّ الله كيد من كاد أبا عبد الله. ثمّ ذكر بسنده إلى الإمام أحمد بن حنبل قال: ثنا سفيان قال الإفريقيّ لأبي جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين، إنّ عمر بن عبد العزيز كان يقول: إنّ السلطان سوق فما نفق عنده أتى به. ثمّ ساق بسنده إلى أبي القاسم المنيعي قال: رفع رجل إلى أمير المؤمنين المتوكّل على الله قصّة أنّ أحمد بن حنبل يشتم آباءك وينسبهم إلى الزندقة. (قال) فوقّع المتوكّل: أمّا المأمون فإنّه خلط وأوجد للمقال على نفسه سبيلا. وأمّا أبو إسحاق المعتصم فإنّه كان صاحب حرب ولم يكن له بصر بالكلام. وأمّا هارون- يعني الواثق- فإنّه استحقّ ما قيل فيه. يضرب هذا الرجل- يعني الذي رفع القصّة- مائتي سوط. فجرّده خليفته بالباب، وهو عبد الله بن إسحاق، وضربه خمسمائة سوط. فرفع الخبر إلى المتوكّل فدعاه وقال له: أمرتك أن تضرب رجلا مائتي سوط، فلم ضربته خمسمائة سوط؟ فقال: يا أمير المؤمنين ضربته مائتي سوط لطاعة أمير المؤمنين، ومائتي سوط ابتغاء مرضاة الله، ومائة سوط لما تكلّم [به] في ذلك الشيخ الصالح أحمد بن حنبل. اه كلام البيهقيّ. وقال الحافظ أبو الفرج، وولي المتوكّل على الله سنة اثنتين وثلاثين ومائتين فأظهر الله به السّنّة، وكشف تلك الغمّة، فشكره الناس على ما فعل. ثمّ ذكر بسنده إلى محمد بن خلف قال: كان إبراهيم بن محمد التيميّ قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر، قاتل أهل الردّة حتى استجابوا له، وعمر بن عبد العزيز ردّ مظالم بني أميّة، والمتوكّل: محا البدع وأظهر السنّة. ثمّ إنّ المتوكّل على الله في سنة سبع وثلاثين ومائتين بعد مضيّ خمس سنين من ولايته بعث يستزير أبا عبد الله. قال صالح: فوجّه المتوكّل إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إليه، فوجّه إسحاق إلى أبي فقال له: إنّ أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصك إليه، فتأهّب لذلك. ثمّ قال إسحاق لأبي عبد الله: اجعلني في حلّ من حضوري ضربك. قلت (١): قد جعلت كلّ من حضر في حلّ. ثمّ قال لأبي عبد الله: أسألك عن القرآن مسألة مسترشد وليكن ذاك عندك مستورا: ما تقول في القرآن؟ قلت: كلام الله غير مخلوق. قال لي: من أين قلت: [٦ أ] غير مخلوق؟ فقلت: قال الله أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] ففرّق بين الخلق والأمر. فقال إسحاق: الأمر مخلوق. فقلت: يا سبحان الله، أمخلوق يخلق مخلوقا؟ فقال: وعن من يحكى أنّه ليس بمخلوق، فقلت: جعفر بن محمّد قال: ليس بخالق ولا مخلوق. (قال) فسكت. فلمّا كان في الليلة الثانية وجّه إليّ فقال: ما تقول في الخروج؟ فقلت: ذاك إليك. (قال صالح) وجاء إلى أبي جماعة من الأنصار والهاشميّين عند ما وجّه المتوكّل في حمله فقالوا له: كلّمه! - يعني الخليفة- في أمرنا. فقال: قد نويت أن أكلّمه في أهله وفي الأنصار والمهاجرين وما فيه مصلحة للمسلمين [فأمر] بردّه من بعض الطريق. (قال صالح) فقلت له: يا أبة، أريد أن تكون خيرة، فقال: لم أزل أدعو الله [فعزل] إسحاق بن إبراهيم، وولي مكانه ابنه عبد الله بن إسحاق، فرفع الأعداء إلى المتوكّل أنّ عند أبي عبد الله علويّين. قال المروزيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: قد جاءني أبو عليّ بن خاقان
следующие страницы →