← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ولا صلات ولا هبات. ٧٠٠ - أرغون تتر [- ٧٧٤] (١) [١٣٠ ب] أرغون ابن أمير شاه، الناصريّ، المعروف تتر، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة حسن. ربّي صغيرا في دار السلطان حسن، وتنقّل في خدمته إلى أن صار من أمراء الطبلخاناه. ثمّ أنعم عليه الأمير يلبغا الخاصّكيّ لمّا قام بتدبير الدولة بإمرة مائة رأس نوبة ثاني. ثمّ استقرّ بعد موت ملكتمر المارديني عوضه رأس نوبة كبيرا، إلى أن قبض عليه الأمير أسندمر أيّام تحكّمه في سابع شوّال سنة ثمان وستّين وسبعمائة، فيمن قبض عليه من الأمراء، وسجنه وإيّاهم بالإسكندرية، إلى أن استبدّ السلطان الملك الأشرف شعبان بنحسن بعد قبضه على أسندمر فأفرج عن تتر فيمن أفرج عنه في صفر سنة تسع وستّين وأنعم عليه بإمرة مائة. ثمّ قبض عليه وعلى الأمير طغيتمر (٢) النظاميّ في ثالث عشر رمضان منها، وأخرج تتر على إمرة بحماة. فلم يزل بها حتّى مات أول سنة أربع وسبعين وسبعمائة. ٧٠١ - أرغون الأحمديّ [- ٧٧٥] (٣) [١٣٠ ب] أرغون اللالا الأحمديّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك [ ... ]. تنقّلت به الأحوال في الخدم إلى أن أقامه الأمير الكبير يبلغا العمريّ لالا (٤) السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين عند ما أقامه في السلطنة. ثمّ عمله أستادار السلطان. ثمّ صرفه وعمله خازندار كبيرا. ثمّ صرفه وعمله رأس نوبة صغيرا. ثم نفاه إلى الشام في ثامن عشرين ربيع الأوّل سنة ثمان وستّين وسبعمائة. فلمّا قتل يبلغا أعيد من الشام بإشارة الأمير أسندمر الأتابك، وعمل لالا على عادته. فلمّا قبض الأشرف على أسندمر أنعم على أرغون بتقدمة ألف، وأقرّه لالا، إلى يوم الاثنين حادي عشر شوّال سنة اثنتين وسبعين، [ف]- خلع عليه وعمله أمير مجلس عوضا عن أرغون شاه، بحكم أنّه صار رأس نوبة كبيرا. ثمّ خلع عليه في محرّم سنة خمس وسبعين، وعمله أميرا كبيرا. ثمّ خلع عليه في سابع عشر رمضان منها وأخرجه نائب الإسكندرية عوضا عن [الأمير] كجك (٥)، فأقام بها ثمانية وخمسين يوما، ومات يوم النصف من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وسبعمائة، ودفن بها. ٧٠٢ - أرغون العلائيّ [- ٧٤٨] (٦) [١٣١ أ] أرغون العلائي، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمد بن قلاوون. تنقّل في الخدم حتى صار من أمراء الطبلخاناه،

стр. 562

واستقرّ رأس نوبة الجمداريّة في أيّام [١٦٩ ب] أستاذه الناصر محمّد، وزوّجه بأمّ [ولديه] الصالح إسماعيل والكامل شعبان، وعمله لالا أولاده. فلما مات السلطان الملك الناصر محمّد، أخرجه الأمير قوصون منفيّا إلى صفد، فعاد عن قريب صحبة الأمير قطلوبغا الفخريّ، وأقام حتى خلع الأمير الناصر أحمد، وأقاموا الصالح إسماعيل في السلطنة، [ف] جعل أمير مائة، مقدّم ألف، مدبّر الدولة، وكافل الممالك، وأنعم عليه بعشرين ألف دينار، ومائتي ألف درهم فضّة. فاستمرّ على ذلك مدّة أيّام الصالح وأيّام أخيه الكامل شعبان. وولي نظر المارستان المنصوريّ بعد موت الأمير جنكلي بن البابا. فأنشأ السبيل وكتّاب السبيل علوة على باب المارستان ووقف عليهما أرضا. وما زال مكينا في الدولة، وساعدته الأقدار، وكثرت إقطاعاته وأملاكه وأمواله، وهو باق على وظيفة رأس نوبة الجمداريّة، إلّا أنّه أكثر من النوّاب [ ... ] إلى أن ركب الكامل لمحاربة الأمراء، وقد ركبوا لحربه. فركب العلائيّ معه، حتى كانوا تجاه الأمراء عند قبّة النصر خارج القاهرة، وقد انفلّ (١) أكثر من كان مع الكامل، فحمل عدّة من الأمراء عليه، وبدر الأمير شجاع الدين أغرلو وضرب العلائيّ في وجهه بسيف بعد ما كان قد ضرب بدبّوس، حتى سقط إلى الأرض وأخذ أسيرا. فعنّفه الأمراء، وكان من خلع الكامل وإقامة المظفّر حاجي ما ذكر في ترجمتهما (٢). ثمّ أخرج إلى الإسكندريّة فسجن بها، حتى قتل في يوم [ ... ] سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. وكان كثير المكارم على المماليك السلطانية ونحوهم، متلطّفا مع جميع الناس بالأدب والمداراة وإقامة منار الشرع. وله صدقات ومعروف. وعمّر بالقرافة خانكاه، وأنعم في سنة واحدة بمائتين وثلاثين فرسا وأربعين ألف دينار. ٧٠٣ - أرغون الصغيّر الكامليّ [- ٧٥٨] (٣) [١٣١ ب] أرغون الكامليّ، الأمير سيف الدين، أحد مماليك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون، ويعرف بأرغون الصّغيّر. رقّاه وهو صغير السنّ حتى صار أمير طبلخاناه، ثمّ اختصّ به الكامل شعبان بن محمّد، ورسم أن يقال له: أرغون الكامليّ، وأنعم عليه بتقدمة ألف، وأعطاه في جمعة واحدة ثلاثمائة ألف درهم، وعشرة آلاف إردبّ غلّة، وعمّر له دارا على بركة الفيل. ثمّ بعثه ليزور القدس، وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وكتب لنوّاب الشام بخدمته، وتقديم التقادم له، وعيّنت له الإقامات طول الطريق. فلمّا زالت أيّام الكامل، أخذت منه تقدمته وأمر أن يلزم بيته، على إقطاع يقوم به. ثمّ أنعم عليه في شوّال سنة ثمان وأربعين بإمرة مائة، ثمّ أخرج لنيابة حلب بعد موت قطليجا (٤) الحمويّ. فقدمها يوم الثلاثاء نصف رجب سنة خمسين [وسبعمائة]. وباشر النيابة بمهابة إلى أن قدم الأمير كجك الدوادار بأخذ الطرقات على أمير أحمد [الساقي] نائب صفد. فبرز إلى ظاهر

стр. 563

حلب، فأرجف بإمساكه، وفرّ منه الأمير موسى حاجب حلب وغيره، ولبسوا السلاح، ونادوا بنهب طلبه. فتوجّه إلى المعرّة وسار إلى [١٣٢ أ] حمص وقد ردّ طلبه إلى حلب، ودخل دمشق ومعه نفر قليل في سابع عشر ذي الحجّة سنة إحدى وخمسين، فأكرمه الأمير أيتمش النائب وجهّزه من الغد إلى مصر صحبة الأمير قرابغا، فتلقّاه الأمير طشبغا الدوادار على اللدّ بأمان يخيّر فيه بين عوده إلى حلب أو قدومه. فمضى إلى القاهرة وقدم ثالث محرّم سنة اثنتين وخمسين. فأقبل عليه السلطان وأعاده لنيابة حلب في صفر، فسرّ الناس به. ثمّ نقل لنيابة الشام بعد عزل الأمير أيتمش، فقدم دمشق بطلبه يوم الاثنين حادي عشر شعبان صحبة الأمير ملكتمر المحمّديّ لأوّل أيّام الصالح صالح واستمرّ بها إلى أن كانت نوبة الأمير بيبغا أروس نائب حلب، فأعيد عوضه لنيابة حلب في رمضان سنة ثلاث وخمسين. وصرف [١٣٢ ب] في سابع شوّال سنة خمس وخمسين بالأمير طاز وقدم إلى مصر على إقطاع طاز وتقدمته. مات في شوّال سنة ثمان وخمسين [وسبعمائة] (١). ٧٠٤ - أرغون شاه الناصريّ [- ٧٥٠] (٢) [١٣١ ب ١٣٣ أ] أرغون شاه، الناصريّ، الأمير سيف الدين، أحد المماليك الناصريّة محمّد بن قلاوون. جلبه الكمال الخطائيّ إلى السلطان بو سعيد من بلاد الصين [هو] وسبعة مماليك وثمانمائة ثوب وبر خطائيّ (٣). فنمّ على الكمال إلى بو سعيد فصادره وأخذ منه مائة ألف دينار. ولم يعجب ذلك بو سعيد منه فكرهه (٤) وأبعده. فأخذه دمشق خواجا بن جوبان من بو سعيد، فنمّ على دمشق خواجا بأنّه مع الخاتون طقطاي فقتلهما بو سعيد. وارتجع بو سعيد أرغون شاه وبعثه إلى السلطان الملك الناصر محمّد بن قلاوون هو والأمير ملكتمر البوسعيدي. فحظي عند السلطان. وترقّى في الخدم إلى أن أنعم عليه في ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبعمائة بإقطاع الأمير أرقطاي لمّا تقلّد نيابة حلب واستقرّ رأس نوبة الجمداريّة. فلمّا مات السلطان بقي على رتبته. ثمّ عمله الكامل شعبان استادارا عوضا عن قماري، فباشر بحماقة وتكبّر وفخم أمره، وقام مع الأمير أرغون العلائيّ وصارت له عصبة كبيرة. ومن حماقته كثرت معارضته للسلطان فيما يريده، وفاجأ أكابر الأمراء بما لا يليق فمجّته الأنفس. ثمّ أخرج في خامس عشرين شهر رمضان سنة سبع وأربعين إلى نيابة صفد على البريد وأنعم

стр. 564

بإقطاعه على الأمير ملكتمر الحجازيّ واستقرّ الأمير طيبغا المجدي عوضه استادارا. فقدمها أوائل شوّال سنة سبع وأربعين وسبعمائة، فحسنت سيرته. ثمّ طلب إلى القاهرة في أواخر صفر سنة ثمان وأربعين وقلّد نيابة حلب عوضا عن الأمير بيدمر البدري. وسار إليها على البريد وأدركه طلبه فدخل دمشق في سادس عشر شهر ربيع الأوّل بتجمّل زائد، ومضى إلى حلب. ثمّ نقل منها إلى نيابة دمشق بعد الأمير يلبغا اليحياوي فقدم صحبة أقسنقر أمير جندار يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة وباشر النيابة بحرمة وافرة ونال بها سعادات جليلة جدّا وتمكّن فيها تمكّنا زائدا بحيث صار يتصرّف في جميع ممالك الشام فلا يعترض عليه حتّى زاد وأفرط وثقلت وطأته على الناس جميعا. فطرق الأمير الجيبغا نائب طرابلس دمشق ليلة الخميس ثالث عشرين شهر ربيع الأوّل سنة خمسين وسبعمائة وتوجّه معه الأمير فخر الدين أياس (١) [١٣٣ ب] السلاح دار إلى القصر الأبلق خارج دمشق، وبه أرغون شاه فدقّا الباب من آخر الليل بإزعاج، فكانا إذا خرج إليهما طواشي قبضاه. فلمّا كثرت الغوغاء خرج أرغون شاه وبيده سيف فأمسكاه ومضيا به إلى دار أياس وقيّداه وسجناه ووكّلا به الأمير طيبغا القاسميّ إلى يوم الخميس. ثمّ ذبح في ليلة الجمعة حادي عشرينه، ووجد في يده سكّين فكتب محضر بأنّه ذبح نفسه. وجهّز إلى السلطان صحبة الأمير تلك أمير علم ودفن بمقابر الصوفيّة. فشقّ ذلك على أمراء الدولة، وما منهم إلّا من حلف أنّه لم تكن هذه الواقعة برأيه، وكتب إلى الجيبغا بالإنكار عليه، فكان ما ذكر في ترجمته (٢). وكان خفيفا قويّ النفس شرس الأخلاق، وأثار فتنا كثيرة وعسف في نيابته دمشق بالناس واشتدّ على الأمراء ومن دونهم. ٧٠٥ - الحاج أرقطاي [- ٧٥٠] (٣) [١٣٤ أ] أرقطاي، الأمير سيف الدين، المعروف بالحاج أرقطاي، نائب السلطنة وأحد المماليك المنصوريّة قلاوون. ربّاه الطواشيّ فاخر مقدّم المماليك أحسن تربية. ثمّ خدم الأشرف [١٧٠ ب] خليل ابن قلاوون، وصار صغيرا إلى الملك الناصر محمّد بن قلاوونهو وأخوه أيتمش المحمّدي، وكانا معه في الكرك. فلمّا عاد إلى السلطنة أنعم عليه بإمرة في شوّال سنة تسع وسبعمائة. [تقلّب الأحوال به]: ثمّ بعثه مع الأمير تنكز نائب الشام لمّا ولّاه نيابة دمشق في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، هو وطرنطاي البجمقدار (٤)، وتقدّم إلى تنكز أن لا يستبدّ بأمر دون أرقطاي. فلم يزل بدمشق إلى أن تغيّر ما بينه وبين تنكز، وكاتب فيه. فرسم له [بنيابة] حمص عوضا عن قرطاي (٥)، بحكم انتقاله إلى نيابة طرابلس في جمادى الآخرة سنة ستّ

стр. 565

عشرة. فدخلها سابع رجب. ثمّ نقل منها بعد سنتين ونصف إلى نيابة صفد، عوضا عن طغاي الحساميّ (١) في جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وولي بكتوت القرماني (٢) مكانه نيابة حمص. فأقام بصفد ثماني عشرة سنة حتّى تنكّر ما بينه وبين الأمير تنكز نائب الشام، فأشار السلطان بإحضاره من صفد صحبة تنكز. فقدما في سادس جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين [وسبعمائة]، وأصلح بينهما، وأنعم على ولدي أرقطاي بإمرة طبلخانة وإمرة عشرة بصفد، وأعاد [هـ] إليها. ثمّ صرفه، وأمره بالحضور، لشكوى تنكز منه. فقدم في سنة ستّ وثلاثين، واستقرّ عوضه في نيابة صفد الأمير أيتمش. وأنعم على أرقطاي بتقدمة أيتمش- وكان يعمل نيابة الغيبة إذا خرج السلطان للصيد. ثمّ أخرجه في سنة إحدى وأربعين لنيابة طرابلس عوضا عن طينال، فقام بعد موت السلطان مع الطنبغا نائب الشام في قتال قطلوبغا الفخريّ، وقد قام في نصرة الناصر أحمد. فانهزما خارج دمشق ولحقا بقوصون، وهو يومئذ القائم بتدبير دولة الأشرف كجك، فوافيا تحت القلعة في اليوم الذي قبض عليه، فقبض عليهما الأمير آي دغمش أمير أخور، وهو إذ ذاك الذي تولّى كبر فتنة قوصون والقبض عليه وسجنه، حتّى استقرّت سلطنة الناصر أحمد، فأخرجه فيمن أخرج من الأمراء، إلى الإسكندريّة، وسجنه بها. فأفرج عنه الصالح عماد الدين إسماعيل في أوّل سلطنته في محرّم سنة ثلاث وأربعين [وسبعمائة] بواسطة الأمير ملكتمر الحجازيّ. واستقرّ من جملة الأمراء الأكابر، ورسم بجلوسه مكان الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ حتى مات [إسماعيل]. فلمّا ولي الكامل شعبان السلطنة أخرجه لنيابة حلب بطلبه، وذلك في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين، على البريد، عوضا عن الأمير يلبغا اليحياويّ. فلم يقم بها إلّا نحو خمسة أشهر. وأعيد إلى مصر على إقطاع الأمير جنكلي بن البابا (٣). فقدم في العشرين من المحرّم سنة [١٣٤ ب] سبع وأربعين.- وخلع عليه بذلك- واستقرّ عوضه في نيابة حلب الأمير طقتمر نائب حماة. [تعيينه نائبا للسلطنة]: ثمّ خلع عليه في يوم الخميس ثاني شهر رجب منها، واستقرّ في نيابة السلطنة بديار مصر- وكانت شاغرة- بعد تمنّعه. وخرج في موكب عظيم إلى دار النيابة، فجلس بالشبّاك على عادة النوّاب، واستمرّ إلى أن خلع المظفّر حاجّي، وأقيم بعده أخوه السلطان حسن بن محمّد بن قلاوون فشبكت (٤) عليه الأحوال وأخذ يلحّ على الأمراء في إعفائه من النيابة وخروجه إلى نيابة حلب، وبالغ في ذلك حتّى بكى في المجلس السلطانيّ، فرقّوا له وخلع عليه بنيابة حلب عوضا عن فخر الدين إياس (٥) في خامس شوال سنة ثمان وأربعين. وخلع على الأمير بيبغا أروس القاسميّ فاستقرّ عوضه في نيابة السلطنة. وخرجا معا

стр. 566

بتشريفيهما فجلس بيبغا أروس في دست النيابة حيث كان يجلس أرقطاي، وجلس أرقطاي في خدمته، بعد ما كان قبل ذلك بساعة بيبغا أروس جالسا في خدمة أرقطاي. وتوجّه إلى القاهرة في عاشره، وصحبته الأمير كجلي [١٧١ أ] متسفّرا فقدم حلب في ثاني ذي القعدة، وأنعم على كجلي بما قيمته مائة ألف درهم. وأقام بها حتى قتل الأمير أرغون شاه نائب الشام [ف]- رسم له باستقراره عوضه، فسرّ الناس به وتوجّهوا إلى حلب، فاستعدّ لذلك، وخرج في طلبه وحاشيته، وبه حمّى وإسهال. فاشتدّ مرضه حتى مات يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمسين وسبعمائة بعين مباركة خارج حلب، وله من العمر نحو من ثمان وسبعين سنة، فدفن بحلب. [صفاته]: وكان جميل الوجه، تامّ القامة، كثير الأدب، حسن المعاشرة، له عناية تامّة باقتناء آلات الحرب، بحيث وجد له بعد خروجه من طرابلس زردخاناه فيها ثمانية وثلاثون صندوقا ملآنة من السلاح، منها ستّة جواشن، وستّة بركسطوانات (١) حرير، قيمة كلّ واحد خمسة عشر ألف درهم فضّة. وكان يخمع (٢) إذا مشى [و] كان به عرج، فإنّه تقطّر (٣) في ميدان دمشق عن الفرس. وكان لطيفا ظريفا خفيف الروح. وله بصفد تربة ومدرسة وكتّاب سبيل. وله بمصر سبيل وكتّاب سبيل. وكان يخرج زكاته في كلّ سنة. وترك ابنا اسمه أمير موسى (٤). ٧٠٦ - أزبك الحمويّ [- ٧٣٧] (٥) [١٣٥ أ] أزبك الحمويّ، الأمير صارم الدين، أحد مماليك المنصور صاحب حماة. ترقّى في الخدم حتى صار من أمراء حماة، وعرف بالشجاعة والإقدام، وشهد وقائع عديدة، مع المهابة، وكثرة العطاء والجود، بحيث إنّه كان إذا سافر لغزاة يقوم بجميع مؤن من يرافقه من أجناده وغيرهم. فلمّا ندبت العساكر لمحاربة الأرمن بمدينة أياس (٦)، خرج مقدّما على عسكر طرابلس وحماة، وأبلى في حربه بلاء كبيرا فأصابه جرح في وجهه مات منه في رابع ذي الحجّة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. فأخفى النوّاب موته خشية من الأرمن، وحملوه إلى حماة حتى دفن بها، وكان قد قارب المائة سنة. وقدم مصر مرارا. ٧٠٧ - الحاجّ أزدمر الحمصيّ [- ٦٨٠] (٧) [١٣٦ أ] أزدمر الحمصيّ، عزّ الدين الحاجّ، أحد المماليك [المنصوريّة قلاوون]. ترقّى في الخدم بديار مصر حتى صار من أعيان الأمراء في الدولة الظاهريّة، وحدّثته نفسه أنّه

стр. 567

يملك مصر، دالّة بشهرته وشجاعته، إلى أن قدم منكوتمر ابن هولاكو في جموع المغل والتتار إلى بلاد الشام، وخرج الملك المنصور قلاوون بعساكر المسلمين إلى لقائه، ومعه أزدمر هذا. فلمّا التقى الجمعان، وحمل التتار على ميسرة المسلمين كسروها وكسروا جناح القلب الأيسر. وحمل من كان مع السلطان على منكوتمر، واشتدّ الكرب، وكاد أمر المسلمين أن يضمحلّ. فباع أزدمر نفسه لله، فأظهر أنّه قد خامر على السلطان، وحمل بفرسه يريد اللحاق بمنكوتمر، فمشى ذلك على التتار، وأفرجوا له إلى أن قرب من منكوتمر [ف]- تقدّم إليه وضربه [و] ألقاه عن فرسه إلى الأرض، وقد جرح. فنزل التتار عن خيولهم بأجمعهم إلى الأرض، كما هي عادتهم أن ينزلوا إذا نزل كبيرهم. فلمّا رأت عساكر المسلمين التتار وقد ترجّلوا غافصوا (١) الفرصة وحملوا حملة رجل واحد عليهم [ف]- كسروهم. ونجا منكوتمر بحاشيته وهو مجروح. واستشهد أزدمر ﵀ بأرض حمص يوم الخميس رابع عشر رجب سنة ثمانين وستمائة فعوّضه الله عن ملك الفاني الحياة الأبديّة بجواره (٢). ٧٠٨ - أزدمر العلائيّ [- ٦٩٦] (٣) [١٣٦ أ] أزدمر العلائيّ، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون. ترقّى في الخدم حتّى صار من أمراء دمشق. وقبض عليه الملك الأشرف خليل في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة. وحمله إلى مصر، وكانت له أموال جليلة. فقدم مصر أوّل ربيع الأوّل منها، ثمّ أعيد إلى إمرته بدمشق، ومات بها في سنة ستّ وتسعين وستّمائة. وهو أخو الأمير طيبرس. وكان مهابا شجاعا شرس الخلق قليل الفهم [١٧١ ب]. ٧٠٩ - أزدمر الكاشف الأعمى [- ٧٥٤] (٤) [١٣٦ ب] أزدمر الكاشف الأعمى- الأمير عزّ الدين، مملوك الأمير ألماس، ثمّ انتقل إلى الأمير قجليس (٥) السلاح دار وعمل استاداره. فلمّا مات خدم كريم الدين الكبير. وتوجّه لاشتغاله في النواحي. ثمّ انتدبه السلطان الملك الناصر محمّد بن قلاوون لقياس الجزائر وجعله من جملة مقدّمي الحلقة. وبعث به في التجريدة إلى بلاد اليمن. فلما عاد ولّاه قطيا (٦) على إمرة عشرة، فشكرت سيرته. ثمّ نقله إلى ولاية الصناعة وشدّ الأهراء، ثمّ إلى ولاية البهنسى، وعمله أمير طبلخانه. ثمّ نقله إلى كشف الوجه القبليّ فظهرت كفايته وأمانته وهمّته، حتى كان السلطان يشكره ويثني عليه بحضرة الأمراء. وأكثر من سفك دماء

стр. 568

المفسدين، ومهّد بلاد الصعيد. وطالت أيّامه. ثمّ استعفى من كشف الوجه القبليّ وطلب كشف الوجه البحريّ من أجل ضرر الحرّ بعينيه، فنقله إلى كشف الوجه البحريّ، وعمل الجسور، وثغر الإسكندرية وأعمالها. فأثخن في تلك النواحي وأوقع بأهل الفساد حتى أذعر الناس. هذا ورمد عينيه يتزايد حتى عمي في سنة اثنتين وأربعين. وأقام أعمى اثنتي عشرة سنة، منها مدّة سنتين لا يعلم أحد بعماه، بل يجلس للحكم ويتصرّف في الأحكام فيفهم من يحضر عنده من الأجناد والأمراء والعربان وغيرهم، ولا يشتبه عليه واحد بآخر، ويركب إلى كبس البلاد وسفك الدماء، وهو على عماه، من غير أن يظهر ذلك. ثم فشا أمره. وكان الأمراء يعجبون منه ومن قوّة نفسه إذا دخل إلى الخدمة وطلبه السلطان، فيأتيه كأنّه يراه. ثمّ توجّه إلى الحجاز صحبة النائب بيبغا أروس فكانت له يد في حرب المجاهد صاحب اليمن (١). فلمّا قدم من الحجّ قبض عليه فيمن قبض من الأمراء ثمّ أفرج عنه فلزم داره ولم يغيّر شيئا من حاله، بل أقرّ مماليكه عنده، وأجرى لهم الرواتب وعليق خيولهم، على عادته في أيّام مباشرته، بعد ما بعث عند قدومه من الحجّ بهداياه إلى جميع الأمراء. ففسد في مدّة عطلته حال النواحي وكثر عيث العربان بها، فأعيد إلى كشف الوجه القبليّ لأوّل سلطنة الصالح صالح، وأنعم عليه بألف أردبّ غلّة ومبلغ أربعين ألف درهم. فسار إلى عمله ومهّد البلاد. ثمّ نقل بسؤاله إلى كشف الوجه البحريّ عوضا عن الأمير مجد الدين موسى بن الهذبانيّ. ثمّ أخرج عنه كشف الوجه البحريّ لناصر الدين محمّد بن إياس الدويداري، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه. وكان يشدو قليلا من النحو، ويحفظ مقامات الحريري، وعدّة أشعار للعرب وغيرهم، ويقول الشعر، وله عدّة مدائح في الأمراء. ٧١٠ - أسامة بن زيد التنوخيّ [- بعد ١٠٤] (٢) [١٣٧ أ] أسامة بن زيد بن عديّ، أبو عيسى، التنوخيّ، الكاتب، ويقال: الكلبيّ، مولاهم، مولى سليح. روى عنه زيد بن أسلم، وحرملة بن عمران. وكان على ديوان الجند بدمشق في زمان الوليد بن عبد الملك. ثمّ ولي خراج مصر في زمن الوليد، فقدمها يوم السبت لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين. ثمّ نزع في شهر ربيع الآخر سنة تسع وتسعين، وأمّر على الخراج عوضه حيّان بن شريح من قبل عمر بن عبد العزيز. وأمر به فأقيم بمصر في العساكر، فما جاء أحد من الناس يطلب فبله دينارا ولا درهما إلّا وجد مثبتا في بيت المال فإنّه كان أمينا. ثمّ أعيد أسامة إلى ولاية الخراج في سنة اثنتين ومائة، وصرف حيّان، فأقام على الخراج إلى سنة أربع ومائة. وسار إلى الشام فجعل على الدواوين، وعمل بدله على خراج مصر يزيد ابن أبي يزيد. ومات أسامة في [ ... ]. وكانت له بمصر قصص وأنباء، منها أنّه

стр. 569

استخرج مالها اثني عشر ألف ألف دينار. وهو أوّل من اتّخذ صاحب حمالة (١). وكان بالإسكندرية صنم يقال له شراحيل على حشفة من حشف البحر يستقبل بإصبع من كفّه قسطنطينيّة [١٧٢ أ] لا يدرى من عمله. وكان الحيتان يدورون بالإسكندرية وتصاد عند هذا الصنم. وكان قدمه بطول قامة الرجل. فكتب أسامة إلى الوليد بن عبد الملك: أنّ عندنا بالإسكندريّة صنما يقال له شراحيل من نحاس، وقد غلت علينا الفلوس. فإن رأى أمير المؤمنين أن ننزله ونضربه فلوسا، فعل. فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزل فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فضربه فلوسا. فانطلقت الحيتان فلم ترجع إلى هنالك (٢). وهو الذي بنى مقياس النيل القديم بجزيرة مصر تجاه الفسطاط لمّا بطل مقياس [عبد العزيز بن مروان] (٣). ويذكر أنّه لمّا بعثه سليمان بن عبد الملك إلى مصر، دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أبا حفص، إنّه والله ما على وجه الأرض من رجل بعد أمير المؤمنين أحبّ إليّ رضا منك، ولا أعزّ عليّ سخطا منك. وإنّ أمير المؤمنين قد وجّهني إلى مصر، فأوصني بما شئت واكتب إليّ بما شئت، فإنّك لن تأمر بأمر إلّا نفذ إن شاء الله. فقال: ويحك يا أسامة إنّك تأتي قوما قد ألحّ عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإن قدرت على أن تنعشهم فأنعشهم. قال: يا أبا حفص، إنك قد علمت نهمة أمير المؤمنين في المال، وأنّه لا يرضيه إلّا المال. قال: إنك إن تطلب رضا أمير المؤمنين بسخط الله يكن الله قادرا على أن يسخط أمير المؤمنين عليك. قال: إنّي سأودّعه وأنت حاضر إن شاء الله فتسمع وصاته. فلمّا [١٣٧ ب] كان اليوم الذي يسير فيه غدا على سليمان متقلّدا سيفا متوشّحا عمامته. فلمّا عرف أنّ عمر قد استقرّ عنده دخل وسلّم. ثمّ قام وقال: يا أمير المؤمنين، هذا وجهي، وأردت أحدث عهدا بأمير المؤمنين وأن يعهد إليّ. فقال: احلب حتى ينقيك الدم. فإذا أنقاك الدم فاحلب حتّى ينقيك القيح! لا تبقها لأحد بعدي! فخرج، فلم يزل واقفا حتّى خرج عمر، فسار معه. فقال: يا أبا حفص، قد سمعت وصاته. قال: وأنت، قد سمعت وصاتي. فقال: أوصني في خاصّتك. قال: ما أنا بموصيك منّي في خاصّتي إلّا بما أوصيك به في العامّة. فسار إلى مصر، فعمل فيها عملا ما عمله فرعون، واشتدّ على نصارى مصر، وأمر بقتلهم وأخذ أموالهم، ووسم أيدي الرهبان بحديدة عليها اسمه واسم ديره وتاريخه، فكان من وجد منهم بغير وسم قطع يده. ثمّ كبس عليهم الديارات، فوجد جماعة منهم بغير وسم فضرب أعناق بعضهم،

стр. 570

وضرب بعضهم حتى مات تحت الضرب. وكتب إلى الأعمال بأنّ من وجد من النصارى ولم يكن بيده منشور (١) يؤخذ منه عشرة دنانير، ففعل ذلك. ٧١١ - أسامة بن منقذ [٤٨٨ - ٥٨٤] (٢) [١٣٨ أ] أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن محمّد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن زغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك بن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، أبو المظفّر، مؤيّد الدولة، الشيزريّ. [مولده]: ولد يوم الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة- وقيل: ثالث عشرينه. وقيل: في شهر رمضان منها- والأوّل هو الصحيح. وكانت ولادته بقلعة شيزر. وتوفّي بدمشق في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ودفن من الغد بجبل قاسيون. وهو من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم. وله تصانيف عديدة في فنون الأدب، وله ديوان شعر في جزءين. وانتقل من شيزر إلى دمشق فسكنها مدّة. ثمّ سار منها إلى مصر في خلافة الحافظ لدين الله هو وإخوته أبو الغيث منقذ، وشرف الدين مرشد وأولادهم، والوزير نظام الدين أبو الكرام محسن، لاستيحاشهم من الأتابك معين الدين أنز (٣) لمجير الدين أبق صاحب [١٧٢ ب] دمشق، وخوفهم منه. وقدموا في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. فاستمرّ بها إلى أن ولي العادل ابن السلار (٤) الوزارة، فاختصّ به. [تحريضه على قتل الظافر]: فلمّا خرج العسكر من القاهرة لحفظ عسقلان من الفرنج في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وعليه عبّاس بن تميم (٥) ربيب الوزير العادل علي بن السلار، ومعه من أمراء الدولة ملهم والضرغام وأسامة بن منقذ هذا، وكان خصيصا بعبّاس، ونزلوا (٦) على بلبيس، تذاكر عبّاس وأسامة مصر وطيبها وما هم خارجون إليه من مقاساة السفر ولقاء العدوّ. فتأوّه (٧) عبّاس أسفا على مفارقة مصر وأخذ يثرّب على العادل كونه جرّده (٨). فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر.

стр. 571

فقال: كيف لي بذلك! فقال: ولدك ناصر الدين نصر بينه وبين الخليفة- يعني الظافر- مودّة عظيمة. فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع عمّك فإنّه يحبّك ويكرهه. فإذا أجابك فاقتل عمّك (١). فوقع كلامه من عبّاس بموقع، وجهّز ابنه إلى الخليفة، وكان من قتل ابن السلار وولاية عبّاس الوزارة ما تقدّم في موضعه (٢). فلمّا استقلّ عبّاس بوزارة الخليفة الظافر، وكره اختلاط نصر بن عبّاس بالخليفة الظافر، ثقل أسامة على أمراء مصر، واستوحشوا منه لعلمهم أنّه هو الذي دبّر في قتل ابن السلار وتحدّثوا بقتله، وخيّلوا للظافر منه كونه من أهل الشام، وهواه مع بني العبّاس، ومتى ترك وقع منه ما لا يتدارك [١٨٨ ب]. وبلغه ذلك فخاف من الظافر وأخذ في الحيلة لنفسه وشرع يدبّر في فتنة أخرى. فأغرى عبّاس الوزير بابنه نصر، وبالغ حتى قال له يوما: كيف تصبر على ما يقول الناس في حقّ ولدك، من أنّ الخليفة يفعل به ما يفعل بالنساء؟ فغضب عبّاس من ذلك وطلب ابنه وعنّفه. فلم يصغ لقوله واستمرّ على معاشرة الخليفة إلى أن أنعم عليه بناحية قليوب. فقال له أسامة بحضرة أبيه: ما هي بمهرك غالية! فامتعضّ عبّاس وشقّ عليه هذا القول، وقال لأسامة: كيف الحيلة في الخلاص ممّا بلينا به؟ فقال: هيّن! هذا الخليفة في كلّ وقت يأتي إلى بيت ولدك خفية، فمره إذا جاءه أن يقتله. فما زال عبّاس بابنه نصر حتى قتل الخليفة كما ذكر في ترجمته (٣). فلمّا أقام عبّاس الفائز عيسى في الخلافة بعد قتل الظافر، وقدم طلائع بن رزيك من الأشمونين لأخذ ثأر الظافر آل أمر عبّاس إلى أن فرّ من القاهرة، هو وولده نصر، وأسامة، في عدّة من أصحابهم، بعد ما نهب لأسامة عند خروجه من مصر أربعون غرارة (٤) جماليّة مخاطة فيها من الذهب والفضّة والكسوات شيء كثير، وأخذ من اصطبله ستّة وثلاثون حصانا وبغلة بسروجها ولجمها وعدّتها، وخمسة وعشرون جملا، وأخذ من إقطاعه بكوم إشفين مائتا رأس بقر لبساتينه وأوسيته (٥)، وأهراء غلّة. [هروبه من الإفرنج وخذلانه العبّاس]: فخرج عليهم الإفرنج، ففرّ أسامة وتبعه أصحابه، وتركوا عباسا وابنه حتى قتل عبّاس وأسر ابنه نصر في يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر (٦). وسار أسامة إلى دمشق في سنة تسع وأربعين وخمسمائة (٧) فأقام بها. ثمّ رماه الزمان إلى حصن كيفا فأقام به حتّى ملك السلطان صلاح الدين يوسف دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين. قال فيه العماد الكاتب: وأسامة (٨) كاسمه في

стр. 572

قوّة نثره ونظمه، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف. [شعره]: ومن شعره في قلع ضرسه [بسيط]: وصاحب لا أملّ الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظريّ افترقنا فرقة الأبد [١٧٣ أ] وقال [البسيط]: انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها ... مغالبا ثمّ بعد الجمع يرميها كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها ... حتّى إذا مات خلّاها وما فيها وقال [البسيط]: لأرمينّ بنفسي كلّ مهلكة ... مهولة يتحاماها ذوو الباس حتّى أصادف حيني فهو أجمل بي ... من الخضوع وأستغني عن الناس وقال قصيدته المشهورة التي كتبها إلى دمشق بعد خروجه منها إلى مصر يعيب على الأمير معين الدين أنز، وهي من غرر القصائد [البسيط]: ولوا فلمّا رجونا عدلهم ظلموا ... فليتهم حكموا فينا بما علموا [١٣٩ أ] ما مرّ يوما بفكري ما يريبهم ... ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم ولا أضعت لهم عهدا ولا اطّلعت ... على ودائعهم في صدري التّهم فليت شعري، بم استوجبت هجرهم ... ملّوا فصدّهم عن وصلي السأم حفظت ما ضيّعوا، أغضيت حين جنوا ... وفيت إذ غدروا، واصلت إذ صرموا حرمت ما كنت أرجو من ودادهم ... ما الرزق إلّا الذي يجري به القلم محاسني منذ ملّوني بأعينهم ... قذى، وذكري في آذانهم صمم وبعد، لو قيل لي: ماذا تحبّ وما ... تختار من زينة الدنيا؟ لقلت: هم هم مجال الكرى من مقلتيّ، ومن ... قلبي محلّ المنى، جاروا أو اجترموا تبدّلوا بي وما أبغي بهم بدلا ... حسبي هم أنصفوا في الحكم أو ظلموا يا راكبا تقطع البيداء همّته ... والعيس تعجز عمّا تدرك الهمم بلّغ أميري معين الدين مألكة ... من نازح الدار لكن ودّه أمم وقل له: أنت خير الترك فضّلك ال ... - حياء والدين والإقدام والكرم وأنت أعدل من يشكى إليه، ولي ... شكيّة أنت فيها الخصم والحكم هل في القضيّة يا من فضل دولته ... وعدل سيرته بين الورى علم؟ يضيع واجب حقّي بعد ما شهدت ... به النصيحة والإخلاص والخدم وما ظننتك تنسى حقّ معرفتي ... إنّ التعارف في أهل النهى ذمم ولا اعتقدت الذي بيني وبينك من ... ودّ، وإن أجلب الأعداء، ينصرم لكن ثقاتك ما زالوا بغشّهم ... حتّى استوت عندك الأنوار والظلم باعوك بالبخس يبغون الغنى، ولهم ... لو أنّهم عدموك الويل والعدم

стр. 573

والله ما نصحوا فيما استشرتهم ... وكلّهم ذو هوّى في الرأي متّهم كم حرّفوا من مقال في سفارتهم ... وكم سعوا بفساد ضلّ سعيهم! أين الحميّة والنفس الأبيّة إذ ... ساموك خطّة خسف عارها يصم [١٧٣ ب] هلّا أنفت حياء أو محافظة ... من فعل ما أنكرته العرب والعجم؟ أسلمتنا وسيوف الهند مغمدة ... ولم يرو سنان السمهريّ دم وكنت أحسب من والاك في حرم ... لا يعتريه به شيب ولا هرم وأنّ جاركم جار السموأل لا ... يخشى الأعادي ولا تغتاله النقم (١) وما طمان بأولى من أسامة بال ... - وفاء لكن جرى بالكائن القلم (٢) هبنا جنينا ذنوبا لا يكفّرها ... عذر، فماذا جنى الأطفال والحرم؟ ألقيتهم في يد الإفرنج مبتغيا ... رضى عدى يسخط الرحمن فعلهم هم الأعادي وقاك الله شرّهم ... وهم بزعمهم الأعوان والخدم إذا نهضت إلى مجد تؤثّله ... تقاعدوا، فإذا شيّدته هدموا وإن عرتك من الأيّام نائبة ... فكلّهم للّذي يبكيك مبتسم حتّى إذا ما انجلت عنهم غيابتها ... بحدّ عزمك وهو الصارم الخذم رشفت آجن عيش كلّه كدر ... ووردهم من نداك السلسل الشبم وإن أتاهم بقول عنك مختلق ... واش فذاك الذي يحبى ويحترم وكلّ من ملت عنه قرّبوه، ومن ... والاك فهو الذي يقصى ويهتضم بغيا وكفرا لما أوليت من منن ... وموقع البغي لولا جهلهم وخم جرّبهم مثل تجريبي لتخبرهم ... فللرجال إذا ما جرّبوا قيم هل فيهم رجل يغني غناي إذا ... جلّى الحوادث حدّ السيف والقلم أم فيهم من له في الخطب ضاق به ... ذرع الرجال يد يسطو بها وفم؟ لكنّ رأيك أدناهم وأبعدني ... فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم وما سخطت بعادي إذ رضيت به ... ولا لجرح إذا أرضاكم ألم ولست آسى على الترحال من بلد ... شهب البزاة سواء فيه والرخم تعلّقت بحبال الشمس من كبدي ... ثمّ انثنت وهي صفر ملؤها ندم لكن فراقك آساني وآسفني ... ففي الجوانح نار منه تضطرم فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي ... وكلّ ما نالني من بؤسه نعم فلمّا وقف عليها معين الدين ألزم الأديب أبا الثناء محمود بن نعمة بن رسلان

стр. 574

الشيزريّ (١) حتّى أجاب عنها بأبيات أوّلها: يا ظالما ناره في القلب تضطرم ... مهلا! فلحظك تغشى نوره الظّلم كأنك القوس تردي وهي صارخة ... وما ألمّ بها من غيرها ألم تجني وتلزمني ذنبا أتيت به ... ووجه غدرك باد ليس يلتثم وقال (٢) [الكامل]: للخلق في يوم القيامة موقف ... تجزى البريّة فيه عن أعمالها ومطوّق الأرضين غاصب حدّها ... فليهنأ من قد حازها بكمالها (٣) وقال [الكامل]: يا ليت أنّ ديارنا كانت كذا: ... طورا تفرّقنا وطورا تجمع [١٧٤ أ] لكنّها درست وأوحشها الردى ... من أهلها فهي القفار البلقع لا يرتجى لهم إياب جامع ... أشتاتهم حتى يضمّ المجمع وقال [البسيط]: وسائل الدار عمّن كان يملكها ... هل آنست عنهم من بعدهم خبرا فلو أجابت لقالت وهي عالمة ... بسيرة السّلف الماضي ومن غبرا أرتهم العبر الدنيا فما اعتبروا ... فصيّرتهم لقوم بعدهم عبرا وقال [الوافر]: [١٤٠ أ] وما أشكو تلوّن أهل ودّي ... ولو أجدت شكاتهم شكوت إذا أدمت قوارصهم فؤادي ... صبرت على أذاهم وانطويت مللت عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت ورحت عليهم طلق المحيّا ... كأنّي ما سمعت ولا رأيت ولا والله ما أضمرت غدرا ... كما قد أضمروه، ولا نويت تجنّوا لي ذنوبا ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهيت هم نقضوا مواثيقي وعهدي ... ولم يوفوا، وها أنا قد وفيت ويوم الحشر موعدنا وتبدو ... صحائف ما جنوه وما جنيت [كتبه]: [١٤٠ ب] وله عدّة مصنّفات، منها: كتاب التاريخ البدريّ، ذكر فيه أهل بدر، وعدّتهم، وأسماءهم، وأنسابهم، وأحوالهم. وذكر فيه مغازي النبيّ ﷺ وجميع أحواله من أوّل أمره إلى آخره، واستقصى ذلك في خمس مجلّدات كبار على حروف المعجم. وكتاب الشيب والشباب، ذكر فيه الخضاب وما ورد فيه، ورتّبه على سبعة أبواب في كل باب فصول. وكتاب ملحق به سمّاه «استدراك المرتاب». وكتاب الحنين إلى الأوطان. وكتاب أخبار النساء، بدأ فيه بحوّاء، وذكر فيه أمّ موسى ومريم ابنة عمران، وأخبارهنّ، وأمّهات العرب، والأخوات، والزوجات، والبنات المنجبات، والنساء التي سارت بذكرهنّ الأشعار، واستقصى أخبار الجميع وأشعارهنّ وما قيل فيهنّ. وكتاب

стр. 575

وسائل السائل، يتضمّن الأدعية وأوقاتها وما ورد فيها. وكتاب المنازل والديار (١). وكتاب نصيحة الرعاة. وكتاب البشارة. وكتاب زجر عمور بن بحر الجاحظ، فيه النهي عن الزنا واللواط والفواحش. وكتاب أزهار الأنهار، فيه صفة الجنّة ومنافع اللبن ومضارّه. وكتاب العصا (٢)، فيه ذكر عصا موسى ﵊، وما جاء في العصا. وكتاب النوم والأحلام. وكتاب التأسّي والتسلّي. وكتاب فضائل الخلفاء الراشدين. وكتاب المحاسن. وكتاب نزهة الناظر في إملاء الخاطر، وكتاب ردع الظالم وردّ المظالم، وكتاب الاعتبار (٣)، وكتاب تاريخ ذكر الحوادث من أوّل الهجرة إلى زمانه مختصرا، وكتاب لباب الآداب (٤)، وكتاب مكارم الأخلاق، في عشرين مجلّدة، صنّفه في مدّة عشر سنين، مدّة مقامه بمصر، وكتاب المنتخبمن أشعار العرب، وكتاب المختار من محدث الأشعار، وكتاب المماثلة في الشعر، وكتاب معونة المساعد على حصر الشواهد، في الشعر أيضا، وكتاب الأقسام، في الشعر أيضا، وكتاب أمان الخائفين، في الزهد، وكتاب المدن والحصون، وكتاب فيه شعر جماعة سأله ابن الزبير عنهم، وكتاب المكارم والكرم ورعاية الذمم، وكتاب الفرق ما بين المحبّة والهوى، وكتاب زور أبي العلاء، وكتاب ضربة الولاء، وكتاب اختيار شعر أبي تمّام، وكتاب [١٧٤ ب] التجارة المربحة، وكتاب مختار شعر أبي نواس. ٧١٢ - القاضي الوزيري [٦٥٠ - ٧١٩] (٥) إسحاق بن إبراهيم [بن إسحاق] بن المظفّر بن عليّ المقرئ، [أبو] الفضل، أبو محمّد، الوزيريّ، القاضي. ولد سنة خمسين وستّمائة، وقرأ القراءات على ابن فارس (٦)، وسمع من الكمال الضرير (٧) الشاطبيّة والتيسير وتفرّد بسماعه بدمشق. وسمع من الحافظ المنذريّ معجمه، وحدّث. وكان شيخا فاضلا حسن الأخلاق. توفّي بدمشق في رابع عشرين شعبان سنة تسع عشرة وسبعمائة. ٧١٣ - ابن قلا النصرانيّ الكاتب [- بعد ٣٠٠] (٨) [١٤١ ب] إسحاق بن إبراهيم بن قلا، يكنّى بأبي يعقوب، النصرانيّ، الكاتب. استدعاه أبو عليّ الحسين بن أحمد الماذرائي، المعروف بأبي زنبور، وهو يتقلّد خراج مصر، أمانة (٩) وقال له: إنّي قد طولبت من الحضرة بالحساب لأربع سنين، فكن عند ظنّي بك، واخرج بالحساب وقم بالكلام فيه. فقال: أفعل.

стр. 576

وانصرف لمتّجهه. فجاءته رقعة أبي عليّ ومعها عشرة آلاف دينار ليتحمّل بها، وكتب له على دمشق بخمسة آلاف دينار وإلى بغداد بعشرة آلاف دينار. فأتى إليه وقال: يا سيّدي، وما أصنع بهذا كلّه؟ فقال: إنّه عليك في بغداد مؤونة، وإن احتجت إلى شيء آخر، فخذ من فلان واكتب له سفاتج (١) عليّ. فسار بالحساب إلى أن دخل على الوزير عليّ بن عيسى بن الجرّاح. فلمّا مثل بحضرته قال له: أنت صاحب أبي زنبور؟ فقال: أنا صاحب خادمك الحسين بن أحمد. قال: لعمري إنّه الحسين بن أحمد، ولكن أنت صاحب أبي زنبور. فقال: أنا صاحب خادمك الحسين بن أحمد. فقال: كم هذه؟ أنت صاحب أبي زنبور! قال: أنا صاحب خادمك أبي عليّ الحسين بن أحمد أيّده الله ببقائك! فقال: انظروا موضعا من الديوان يكون فيه، ووكّلوا به من يكون معه. قال إسحاق: ما سمعت بهذا! رجل ليس قبله تبعة، إنّما ورد بقراطيس فيها حساب بما ليس في ذمّته. والله ما أبالي بطل أو صحّ. فقال الوزير: إنّه ثمانية آلاف ألف دينار. فراجعه مرارا إلى أن قال للوزير شابّ في مجلسه: عليّ ضمانه، أيّد الله الوزير! فقال الوزير: يا هذا، إنّه ثمانية آلاف ألف دينار. فقال: تكون ماذا؟ فقال الوزير: خذوا خطّه! فأخذ الشاب الدواة والدرج. فقال إسحاق لبعض من حضر: من هذا الشابّ؟ فقال: هذا ابن حوارى. فلمّا كتب وقرأه الوزير، قال لإسحاق: انصرف حيث شئت. فخرج إسحاق ووقف على باب الوزير إلى أن خرج ابن حوارى فدعا له وشكره وقال له: أعان الله على شكرك ومكافأتك. ومشى معه إلى داره. فلمّا وصلها قال: يا سيّدي، أين تأمر أن أكون؟ فالتفت إليه وقد حرد وقال: في لعنة الله! أتراني ضمنتك لأحفظك؟ حرج عليك ألّا ركبت الساعة البرّيّة أو سفينة ومضيت إلى مصر. والله لولا أن تظنّ أنّه احتياط عليك لما أنزلتك إلّا في داري. ولكن اكتب إلى صاحبك أنّ له بظهر الغيب من يعمل هكذا. فأقام إسحاق [١٤١ ب] بالعراق ما شاء، وكتب بذلك إلى أبي عليّ. وكتب إلى أولاده كتابا يتشوّق فيه إليهم. فدخل ابناه إلى أبي عليّ. فعند ما رآهما قال: جاءكما كتاب أبي يعقوب؟ قالا: - نعم- وتدمّعا. فقال: إيش هذه؟ شوقا إليه؟ عن قريب يأتي بمشيئة الله تعالى كما نختار، ولكن بكّروا لديّ في غد لمهمّ أذكره لكما. فبكّرا إليه فوجدا أربع جمّازات (٢) نوق، واحدة عليها قبّة، والأخرى جنيبة مجهّزة، واثنتان محمّلة بما يحتاج إليه. فحملا في القبّة وأنفذا إلى أبيهما، فلم يشعر حتّى دخلا عليه في بغداد. فقال: إيش هذا؟

стр. 577

فحدّثاه الحديث فقال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله! اللهمّ، أمتني في أيامه! فلم يزالا معه حتّى قدم بهما إلى مصر، فعمل معه أبو عليّ أضعاف ما عمل قبل خروجه، وكان ذلك بعد سنة ثلاثمائة. ٧١٤ - أبو يعقوب الشاشيّ [- ٣٢٥] [١٤١ ب] إسحاق بن إبراهيم بن [ ... ]، أبو يعقوب، الخراسانيّ، الشاشيّ. قدم مصر [٧١٥ أ] وكان يتفقّه على مذهب أبي حنيفة. وكان فقيها يتصرّف مع قضاة مصر. وكان على قضاء بعض أعمال مصر. قاله ابن يونس. وكان ثقة. توفي بمصر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. ٧١٥ - ابن مراجل [٦١٠ - ] [١٤٢ أ] إسحاق بن علي بن أبي الغنائم المسلم بن محمّد بن الحسين بن إسماعيل بن محمّد بن أبي طالب بن الحسين، الكنديّ، نجم الدين، أبو المعالي، ويقال له: ابن مراجل. كان جدّه الحسين عراقيّا، فانتقل إلى سلميّة وبنى برجا عرف به. وكان كريما جوادا كثير الأضياف. فكان إذا طرقه الأضياف يقول لغلمانه: أغلوا المراجل، وضعوا المراجل! - فلقّب مراجل لذلك. ونجم الدين هذا كان والده شاعرا. وولد هو بحماة سنة عشر وستّمائة. وقدم إلى القاهرة وتقلّب في الخدم الديوانية، وكتب عنه الأمير ابن الهمّام والي المنوفيّة بناحية الغربيّة من ديار مصر. ومن شعره- وكتب به إلى كمال الدين عمر ابن العديم-: عاينت دهري لمّا تصدّى ... معاندا لي ما رثى لي فقال حظّي لا تخش نقصا ... فقد وصلنا إلى الكمال (١) وقال، وقد خلع عليه الملك [المؤيّد إسماعيل بن عليّ] صاحب حماة (٢) [كامل]: يا أيها الملك الذي لنواله ... قول بألسنة الفعال مصدّق شرّفتني بين الأنام بخلعة ... خلعت قلوب الحاسدين فأطرقوا أهديتها حمراء من يد نعمة ... بيضاء فاصفرّ العدوّ الأزرق. ٧١٦ - نجم الدين الحلبيّ [- ٧١١] (٣) [١٤٣ ب] إسحاق بن عليّ بن يحيى، نجم الدين، أبو الطاهر، الحلبيّ، شيخ الحنفية في وقته. كتب على الهداية (٤) حواشي في مجلّدين. وناب في الحكم عن قاضي القضاة معزّ الدين [النعمانيّ]. ودرّس بالأزكوجيّة وبالمنصوريّة، وبالفارقانيّة، وهو أوّل مدرّس بها. ودرّس بالحساميّة (٥)، وهو أوّل مدرّس بها أيضا.

стр. 578

وتوفّي في خامس المحرّم سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالمدرسة الأزكوجيّة من القاهرة. ٧١٧ - المؤتمن زوج السيّدة نفيسة [- بعد ٢٠٨] (١) [١٤٣ أ] إسحاق بن جعفر [الصادق] بن محمّد [الباقر] بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. قدم مصر هو وزوجته نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، مع أبيها (٢). وكان يقال لإسحاق المؤتمن ابن الصادق، وكان من أهل الصلاح والخير والفضل والدين. وروي عنه الحديث. وكان ابن كاسب (٣) إذا حدّث عنه يقول: حدّثني الثقة الرضا إسحاق بن جعفر. وكان له عقب بمصر والعراق وحلب، منهم بنو الرقيّ، وبحلب بنو زهرة. وولدت منه السيّدة نفيسة ولدين، هما القاسم وأمّ كلثوم ولم يعقبا. وقال الدارميّ عن يحيى بن معين: ما أراه إلّا صادقا. روى له الترمذي وابن ماجة. وتوفّي سنة ثمان وستّين ومائة عن خمس وثمانين سنة ببغداد (٤). ٧١٧ م- أبو طاهر ابن درباس [٥٦٩ - ٦١٣] (٥) [١٤٢ ب] إسحاق بن عبد الملك بن عيسى بن درباس، [ ... ] مع والده، يكنّى أبا طاهر. ولد في شعبان سنة تسع وستّين وخمسمائة. وسمع من البهاء [أبي محمّد القاسم] ابن عساكر (٦) بدمشق، ومن [أبي اقاسم هبة الله] البوصيري (٧) بمصر، وغيرهما. وأجاز له جماعة. ودرّس بالناصريّة التي تعرف الآن بالشريفيّة وبالسيفيّة (٨) بالقاهرة. ومات في رمضان سنة ثلاث عشرة وستّمائة. ٧١٨ - أبو نعيم ابن الفرات صاحب مالك [- ٢٠٤] (٩) إسحاق بن الفرات بن الجعد، أبو نعيم،

стр. 579

التجيبيّ، الكنديّ، مولى معاوية بن حديج. يروي عن يحيى بن أيّوب، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، وجماعة. ويروي عنه محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم، وبحر بن نصر [الخولانيّ، وأبو الطاهر] أحمد بن السرح، في آخرين. وثّقه أبو عوانة الحافظ. وقال أحمد بن يحيى بن وزير: كان من أكابر أصحاب مالك. لقي أبا يوسف وأخذ عنه، وكان موفّقا سديدا. وقال بحر بن نصر: سمعت ابن عليّة يقول: ما رأيت في بلدكم أحدا يحسن العلم إلّا إسحاق ابن الفرات. وقال ابن عبد الحكم: ما رأيت فقيها أفضل منه. وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر خلافة لمحمّد بن مسروق الكنديّ. وفي أحاديثه أحاديث كأنّها مقلوبة. توفّي لليلتين خلتا من ذي الحجّة لسنة أربع ومائتين. ٧١٩ - رفيع الدين الأبرقوهيّ [٥٨٢ - ٦٢٣] (١) إسحاق بن محمّد بن المؤيّد بن علي بن إسماعيل [١٧٥ ب] بن أبي طالب، رفيع الدين، أبو محمّد، ابن أبي عبد الله، الهمذانيّ الأصل، المصريّ المولد، الوبريّ، الشافعيّ، المعروف بالأبرقوهيّ. ولد بمصر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة تخمينا. وسمع من أبيه (٢)، ومن أبي عبد الله [محمّد بن حمد] الأرتاحيّ، وأبي الفضل [محمّد بن يوسف] الغزنويّ، وفاطمة بنت سعد الخير [أمّ عبد الكريم]، وجماعة من أهل مصر والقادمين إليها. ورحل إلى الشام، فسمع من [أبي حفص عمر بن محمّد] ابن طبرزد وغيره. وسمع ببغداد وواسط وأصبهان، وتفقّه. وولي قضاء أبرقوه (٣) مدّة، ثمّ عاد إلى مصر وحدّث. توفجي ليلة [ ... ] السابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستّمائة بالقاهرة. ٧٢٠ - إسحاق بن العازار الطبيب [- ٣٦٣] (٤) إسحاق بن موسى بن العازار، أبو يعقوب، اليهوديّ، الطبيب. قدم إلى مصر مع المعزّ لدين الله هو وأبوه وأخوه عون الله بن موسى. وكان عون الله مسلما. وكان موسى بن العازار طبيبا للمعزّ، وإلى ابنه إسحاق تدبير الدولة والنظر في جميع أمور المعزّ وخزائنه، وقليله وكثيره، والأمر والنهي. ومات بمصر في حياة أبيه موسى لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة. ومات أخوه عون الله قبله بيوم. فاغتمّ المعزّ لموت إسحاق لكفايته. وأقرّ مكانه أخاه إسماعيل بن موسى وابنه يعقوب بن إسحاق. وبقي أبوه موسى طبيبا للمعزّ حتى مات المعزّ.

стр. 580

وصار عسلوج بن الحسن (١) إليه في الحقيقة ما يتولّاه إسحاق بن موسى (٢). ٧٢١ - أبو يعقوب الأسفرايينيّ [- ٢٨٤] (٣) إسحاق بن موسى بن عمران الأسفراييني، أبو يعقوب، ابن أبي عمران. تفقّه على المزنيّ. وسمع المبسوط (٤) من الربيع. وسمع من قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه، وعليّ بن حجر، وإبراهيم بن يوسف البلخيّ، وجبارة بن المغلّس (٥)، وهشام بن عمّار، وخلق بالعراق والشام ومصر. روى عنه مؤمّل بن الحسين، وأبو عوانة (٦)، ومحمّد عبدك، ومحمّد بن الأحزم، في آخرين. وكان فقيها محدّثا زاهدا ورعا، أحد أئمّة الشافعيّين والرحّالة في طلب الحديث. توفّي بأسفرايين سنة أربع وثمانين ومائتين. ٧٢٢ - إسحاق بن نصير الكاتب [- ٢٩٧] (٧) إسحاق بن نصير، أبو يعقوب، البغداديّ. كان يخلف أبا جعفر محمّد بن عبد الله بن عبدكان على المكاتبات والترسّل. فلمّا مات، وانفرد الوزير أبو الحسن عليّ بن أحمد الماذرائي لم يستخلف أبا يعقوب، وأمره أن يلزم بيته، وتولّى الترسّل بنفسه مدّة. ثمّ إنّ الأمير أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون أمره أن يستكتب أبا يعقوب فاستكتبه. وقال له أبو الجيش: كم رزقك؟ قال: أربعون دينارا (٨). فقال [خمارويه] لعلي بن أحمد: اجعلها أربعمائة دينار في الشهر- وقال لأبي يعقوب: لا تبرح في حضرتي. فبلغ أبو يعقوب من النفقة أن صار يجود في الشهر بالآلاف. [قال ابن زولاق: مات سنة سبع وتسعين ومائتين] (٩). ٧٢٣ - أسد بن الفرات [١٤٤ - ٢١٣] (١٠) [١٤٥ أ] أسد بن الفرات بن سفيان، أبو عبد

стр. 581

الله، مولى بني سليم، قاضي إفريقية. أصله من أبناء جند خراسان. ومولده في سنة أربع وأربعين ومائة. وأقام بالكوفة. وكتب عن أهلها. وكتب بالريّ عن جرير بن عبد الحميد. وأخذ الموطّأ عن مالك بن أنس، وروى عنه المسائل الأسديّة، وهو معدود من كبار أصحاب مالك. قدم مصر، ومضى إلى إفريقية، وولي القضاء بها من قبل زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب شركة مع أبي محرز محمّد بن عبد الله بن قيس في [سنة أربع ومائتين] (١). [غزوة صقليّة]: ثمّ غزا جزيرة صقلّيّة، وذلك أنّ أهلها كانوا معاهدين. فنزع بعض أهلها إلى زيادة الله يستدعيه إلى دخول الجزيرة، وذلك أنّ ملك الروم سخط عليه، وكتب إلى صاحب صقلّيّة بأن يعاقبه ويمثّل به. فلمّا خافه استدعى أصحابه إلى الخلاف معه فأجابوه. فمضى بمراكبه نحو سرقوسة إحدى مدائن جزيرة صقلّيّة، فنزل بمرساها وقاتل البطريق الذي كان بها حتى قتله، ثم لبس الديباجة التي يلبسها الملوك والخفّ الأحمر، وأخذ الأموال التي بسرقوسة [١٧٦ أ]، واستولى عليها، وأعطى أصحابه الأموال، ثمّ رغب إلى زيادة الله في أن يمدّه. فجمع زيادة الله العلماء وشاورهم في غزو صقلّيّة. وكان في عهدهم أنّهم إذا دخل عندهم رجل من المسلمين مرتدّا، أن يسلموه إلى المسلمين. فأحضر زيادة الله أسد بن الفرات وأبا محرز، في آخرين وسألهم عن ذلك، فقال أسد: نسأل رسلهم إن كانوا احتبسوا أحدا من المسلمين ارتدّ عندهم. فسألوهم فقالوا: نعم، فعلنا ذلك، ولا يحلّ لنا في ديننا ردّ من أتى إلينا ودخل في ديانتنا. فقال أسد: قد نقضوا عهدهم، وجاز لنا أن ننقض ما عقدنا لهم، وإنّما تتأدّى إلينا الحقائق عنهم برسلهم، فبهم عاهدناهم (٢) وبهم نجعلهم ناقضين، وقد قال الله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمّد: ٣٥]. فكما لا ندع السلم ونحن الأعلون فكذلك لا نتماسك به ونحن الأعلون (٣). فأخذ زيادة الله بقول أسد، وأمر بإنشاء المراكب والاستعداد للغزو. وعرض أسد نفسه على زيادة الله للخروج في الغزاة، فولّاه على الجيش، وفيهم أشراف أهل إفريقية من قريش، والعرب، والجند، والبربر، والأندلسيّين، وأهل العلم والبصائر، وأقرّه على القضاء مع [١٤٥ ب] قيادة الجيش. فخرج في حفل عظيم، وعدّة جليلة في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة ومائتين. فقال لمن حوله: والله ما ولي أبي ولا جدّي ولاية قطّ، ولا رأى أحد من أهل بيتي ولا سلفي مثل هذا الجمع يتبعه، ولا بلغت ما ترون إلّا بطلب العلم فأجهدوا أنفسكم في طلبه، فإنكم تنالون به الدنيا والآخرة. واجتمع لزيادة الله من المراكب سبعون مركبا، وجعل فيها سبعمائة فرس (٤)، ثمّ فصل أسد بالعساكر يوم السبت للنصف من شهر ربيع الآخر، فكانت طريقه على قلعة البلّوط، ثمّ على قرى الريش، ثمّ سار إلى قلعة الدبّ وقرية الطاوس.

стр. 582

وذلك أنّهم أصابوا في القلعة دبّا أنيسا، وفي القرية طاووسا. ثمّ سار إلى معركة «بلاطة» [وهو ملك صقلّيّة] (١) فظهر له فيها جمع من الروم فنازلهم وواضعهم الحرب فانهزم المشركون، وأصيب لهم خيل وسلاح. ومن ذلك اليوم سمّيت معركة بلاطة. ثمّ دخل إلى حصون الروم ومدنهم وقراهم ينسفها ويغير عليها. وبعث السرايا إلى قصور صقلّيّة وقراها فأصابوا سبيا كثيرا، ومن الدوابّ والمواشي ما لا يحصى كثرة. وكثرت الغنائم عند المسلمين وصاروا في رغد من العيش، حتى نزل على سرقوسة، وحصر أهلها أشدّ الحصار، ونصب عليهم المجانيق وقالهمبرّا وبحرا. [محاصرته سرقوسة واستشهاده بها]: وكانت المراكب تأتيهم من القسطنطينيّة لتنصرهم، فربّما تغلّب المسلمون عليها قبل دخولها. وبثّ السّرايا من كلّ جهة، واختطّ الناس المنازل من سرقوسة إلى قطانية وما حولها، وتزوّج المسلمون في الروم وسكنوا القرى، وسارع الناس إلى إمدادهم والغزو إليهم من إفريقية والأندلس وغيرهما، وأتتهم مراكب من الأندلس فيها كليب الأعرج ورجل يقال له المشّاط فنزلوا وافتتحوا قلعة تعرف بقلعة حفص. وأحرق أسد مراكب سرقوسة وقتل جماعة من أهلها فانقطعت الموادّ عن سرقوسة، واشتدّ عندهم الغلاء وذبحوا خيولهم. وأشير على أسد أن يرجع وقيل له: سلامة مسلم واحد خير من الروم بأسرهم، فأبى أن يرجع وقال: ما كنت لأضيّع على المسلمين غزاة وفيهم خير كثير. وأمر بالزحف وأخذ اللواء بيده وقرأ سورة يس حتّى فرغ منها، ثمّ قال: [١٤٦ أ] أيها الناس، لا تهابوهم، إنّهم عبيدكم، هربوا من أيديكم، ثمّ هم قد وقعوا لكم- يشير إلى من انهزم من الروم- عند فتح إفريقية. ثمّ إنّه زحف وقاتل قتالا كثيرا، واشتدّت الحرب، وهزم الله المشركين، وكانوا في مائة ألف وخمسين ألفا. وقتل ملكهم في خلق كثير منهم. وجرح أسد، فلم تزل به جراحته حتى [١٧٦ ب] مات وهو على حصار سرقوسة في شهر رجب سنة ثلاث عشرة ومائتين. فدفن بمدينة بلرم. ٧٢٤ - شمس الخلافة [- ٥٠٦] (٢) [١٤٧ أ] أسد، الملقّب شمس الخلافة، متولّي عسقلان [للآمر الفاطميّ]. [ ... ] فلمّا كانت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة (٣) عزم على الغدر والتغلّب على عسقلان، وأخرج القاضي وصاحب الترتيب (٤) على أنّه يرسلهما إلى الباب في خدمة عرضت له. وعيّن من العسكر من يخافه وأوهمهم أنّه يبعثهم

стр. 583

إلى بلاد العدوّ. فلمّا برزوا خارج المدينة، أمرهم بالتوجّه إلى باب الأفضل، وبعث إلى العسكر الذي خرج من القاهرة على جهة البدل وقد وصل إلى الفرما، وأخافهم من العدوّ وأنّه في انتظارهم، فخافوا من المصير إلى عسقلان، فتمكّن حينئذ وأعلن بالخلاف. فلمّا بلغ ذلك الأفضل انزعج وهمّ بالمسير إليه بنفسه، فإنّ عسقلان كانت حينئذ كالقفل على أرض مصر، تحجز بين العدوّ وبينها. ثمّ إنّه رأى أن الحيلة أنجع فيه، فخادعه وبعث الكتب إليه وهو يطمئنه، وغالطه في نفسه بأنّه ما برح على الطاعة، وأنّ الذي فعله في المشارف وصاحب الترتيب والبدل المسيّر هو الصواب. ولم يغيّر رسمه في المكاتبة ولا تعرّض لإقطاعاته ولا رسومه، بل أقرّها على حالها، وعامل أصحابه وخواصّه بما جرت به عادتهم قبل عصيانه. فانخدع وكفّ عن تسليم عسقلان إلى العدوّ بعد ما عزم على ذلك. ودسّ الأفضل في الباطن إلى الكتاميّة (١) والرجال المذكورة (٢)، وبذل لهم الأموال في أخذه، إلى أن قتلوه غيلة من غير حرب ولا تكلّف حركة. وبعثوا برأسه إلى الأفضل، فسيّر عوضه واليا على عسقلان [مؤيّد الملك] خطلخ المعروف برزّيق. ٧٢٥ - ابن التركمانيّ قاضي القضاة [٧٢٩ - ٨٠٢] (٣) [١٦٦ أ] إسماعيل بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن موسى، قاضي القضاة، مجد الدين، أبو الفداء، ابن الشيخ برهان الدين أبي إسحاق، البلبيسيّ، التركمانيّ شهرة، الحنفيّ. ولد في سنة تسع وعشرين وسبعمائة. وتفقّه بمذهب أبي حنيفة على مشايخ الحنفيّة بالقاهرة. وسمع الحديث، وحدّث بسنن أبي داود وجامع أبي عيسى الترمذيّ، وكتاب السيرة النبويّة لابن هشام، وكتاب الدعاء للمحامليّ، وكتاب الترغيب والترهيب لأبي القاسم الأصفهانيّ، وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وكتاب إصلاح الغلط لابن قتيبة، وسداسيّات الرازيّ، وتصدّى للسمّاع عليه مدّة (٤).

стр. 584

وبرع في الفقه والنحو، وشارك في الحديث، وكتب في توقيع القضاة مدّة بعد أن جلس بحوانيت الشهود دهرا. وحكم عن قضاة الحنفيّة بالقاهرة، وصار من أعيانهم. ثمّ شجر بينه وبين قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسيّ، فلم يستنبه، ولزم داره على أخمل حال عدّة أعوام، إلى أن تحدّث له الأمير شيخ الصفويّ أمير مجلس في ولاية القضاء. فاستدعاه الملك الظاهر برقوق في يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وهو معتكف بالمدرسة الطيبرسيّة جوار الجامع الأزهر. فصعد القلعة وتقلّد قضاء القضاة الحنفيّة عوضا عن الطرابلسيّ. فلم ينجب فيه، وصار في غاية الخوف من الطرابلسيّ، وإذا سئل في الحكم بشيء أو ولاية أحد يقول: أعذرني فإنّ الطرابلسيّ ورائي. فنفر عنه من كان يألفه من خواصّ أصحابه، وذمّه من تجدّد تردّده إليه أيّام قضائه، وخذله من كان له ناصرا، ووقع فيه أعيان البلد من يبس قلمه وكفّ يده عن التصرّف وردّه لشفاعات الأكابر. وتنبّه له [ ... ] (١) الدولة جمال الدين محمود القيصريّ، وهو يومئذ ناظر الجيش، وأشاع عند خواصّ الدولة أنّه [١٧٧ أ] يتبرّم من السفر إلى الشام مع السلطان، ويريد الإعفاء من ولاية القضاء. وكان السلطان قد عزم على السفر، ومحمود يروم أن يضاف إليه منصب القضاء ويعجز عن مقاومة الطرابلسيّ. فلمّا صرف بالمجد ورأى أنّه ارتبك في المنصب وفشل، أعمل الحيلة في عزله ليجد السبيل إلى أخذ وظيفة القضاء. فتمّ له ما أراد، وحاق بالمجد [١٦٦ ب] مكره. ورأى السلطان أنّ في عزله الرفق به. وكان المجد يودّ لو بقي على القضاء. وسافر ماشيا، وأعان محمود على أن حاق مكره بالمجد كون المجد بدن وعظم سمنه إلى الغاية حتى إنّه كان إذا أراد أن ينهض قائما، يعتمد على يديه ويرفع عجيزته عاليا، وكانت كالكثيب ضخامة، ويقيم ساعة ويداه ورجلاه على الأرض، وعجيزته مرتفعة، حتى يستطيع أن ينتصب قائما، فلمّا رأى السلطان ذلك منه غير مرّة رحمه وعزله، مع إجلاله له وتعظيمه إيّاه، فإنّه لم يكن كتب في الفتوى عليه لمنطاش (٢) بإباحة قتاله وقتله، وعلم السلطان أنّه طلب بالكتابة في الفتوى، فاستتر حتى سافر منطاش. وكان عزله يوم الثلاثاء النصف من شعبان سنة ثلاث وتسعين، ولم يكمل عاما. فلزم داره خامل الذكر لا يؤبه له ولا يلتفت إليه، وقد علا سنّه، وضعف بدنه، وهرم من الأسف على مفارقة القضاء، ومن مقاساة ألم الفاقة وكثرة العيال، وفقد نور عينيه. وساءت حاله وأثكله فقد أولاده الذكور. وتوفّي وهو متشخّص في الخمول ليلة الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانمائة. وكان جميل العشرة فكه المحاضرة، بهيج الزيّ، إماما يقتدى به في معرفة الشروط والوثائق، صدرا من صدور المصر، علّامة في الفرائض

стр. 585

والحساب المفتوح (١)، وعنه أخذت ذلك، أحد مشايخ الحديث المتصدّرين للإسماع يرجع إليه في الإفتاء والعلوم الأدبيّة وتعرّف القراءات والنحو. وجمع لنفسه مجموعا في عدّ مجلّدات كبيرة. وله شعر يحويه ديوان لطيف. فمن شعره [الكامل]: يا عاتبا ما راقني بوصاله ... يوما ولم أظفر بحسن تعطّف وأذابني إبعاده وصدوده ... إن لم يكن مرأى لعيني أنتفي وقال [الطويل]: تقلّلت من وزني قريضا ودرهما ... وقد نفدت من بيت مالي الذخائر وها أنا عن أهل القريض بمعزل: ... فلست بوزّان وما أنا شاعر وقال [الطويل]: إذا شئت أن تبقى من المال معدما ... فكن قائلا للشعر أو كن معلّما وإن تك نسّاخا فذاك محارف ... وأعظم من هذا: تكون منجّما وقال [السريع]: إن كنت يوما كاتبا رقعة ... تبغي لها نجح وصول الطّلب إيّاك أن تعرب ألفاظها ... فتكتسي حرفة أهل الأدب وقال [الكامل]: لا تحسبنّ الشعر فضلا بارعا ... ما الشعر إلّا محنة وخبال [١٧٧ ب] فالهجو قذف والرثاء نياحة ... والعتب ضغن والمديح سؤال ٧٢٥/ ٢ - ابن شبل الإسكندرانيّ [- ٥١٣] إسماعيل بن إبراهيم بن [عثمان] بن شبل الإسكندرانيّ، أحد العدول بالثغر. كان مشارا إليه في ذلك. وقد سمع الحديث وحدّث هو وأخوه أبو بكر يحيى بن إبراهيم، وامتنع عن الشهادة (٢). ومات في رمضان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وله خمس وثمانون سنة، وصلّى عليه السلفيّ، وهو ممّن حدّث عن السلفيّ. ٧٢٥/ ٣ - الجلال القوصيّ الحنفيّ [- ٧١٥] (٣) [١٤٤ أ] إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن برتق بن بزغش بن هارون بن شجاع، جلال الدين، أبو الطاهر، القوصيّ، الحنفيّ. قرأ القرآن بالروايات وعرف فقه الحنفيّة وبرع في النحو والأدب وكتب عنه أثير الدين أبو حيّان والحافظ عبد الكريم الحلبيّ وتصدّر بجامع أحمد بن طولون وجمع كرّاسة على قوله عليه

стр. 586

السلام: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته. ومات بالقاهرة في [ ... ] سنة خمس عشرة وسبعمائة. ومن شعره [الوافر]: أقول له ودمعي ليس يرقى ... ولي من عبرتي إحدى الوسائل حرمت الطرف منك لفيض دمعي ... فطرفي فيك محروم وسائل وجلس بين الشهود وعقد الأنكحة مدّة، وكان له أدب ويحفظ كثيرا من الحكايات والنوادر وأشعار المصريّين وغيرهم، آية في التندير وحسن المحاضرة. ٧٢٥/ ٤ - ابن السديد الكاتب [- ٦٩٥] [١٥١ أ] أسعد بن عبد الله بن السديد، الشاعر، الكاتب. كان مستوفي الدولة في الأيّام الأشرفيّة ثمّ الناصريّة، وكانت له حرمة تامّة. ومات سنة خمس وتسعين وستّمائة. ٧٢٦ - إسماعيل بن محمّد بن قلاوون [٧٢٦ - ٧٤٦] (١) الملك الصالح [١٦٢ أ] إسماعيل بن محمّد بن قلاوون، السلطان الملك الصالح، عماد الدين، أبو الفداء، ابن السلطان الملك الناصر، ناصر الدين، ابن السلطان، الملك المنصور الألفيّ، الصالحيّ، النجميّ. أمّه [ ... ]. ولد في سنة ستّ وعشرين [وسبعمائة]، وأقيم في السلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد يوم الأربعاء ثاني عشرين المحرّم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة باتّفاق الأمراء عليه، وقد بلغهم عنه أنّه لمّا أخرجه قوصون وإخوته إلى قوص، كان يديم الصوم يومي الاثنين والخميس ويشتغل أوقاته بالصلاة وقراءة القرآن، مع العفّة والصيانة عمّا يرمي به الشباب من اللهو واللعب. وحلفوا له، وأحلفوه أن لا يؤذي أحدا منهم، ولا يقبض عليه بغير ذنب يوجب ذلك شرعا. ودقّت البشائر السلطانيّة، وزيّنت القاهرة ومصر على ما جرت به العادة، وأفرج عن المسجونين، وكتب إلى ولاة الوجه القبليّ والبحريّ بأن لا يترك في السجون إلّا من وجب سجنه شرعا. وأفرج عن الأمراء المسجونين بالإسكندرية، وهم ستّة وعشرون أميرا. واستقرّ الأمير أرغون العلائيّ زوج أمّ السلطان ورأس نوبة مدبّر الدولة، ورأس المشور، وكافل السلطان. واستقرّ الأمير أقسنقر السلاري نائب السلطنة. ثمّ قبض عليه وأقيم الأمير سيف الدين الحاج آل ملك بدله في النيابة. وتزوّج السلطان ابنة أحمد بن بكتمر الساقي على عشرة آلاف دينار، وعمللها مهمّا عظيما، وخلع على الأمراء وغيرهم. وعمل للعروس بشخاناه (٢) ودائر بيت كان فيه مبلغ ثمانين ألف دينار. فتنغّص وتردّد عليه المرض بالاسترخاء وغيره، فخرج عليه أخوه رمضان في شهر رجب سنة أربع وأربعين، وظفر به وقتله. وبعث إلى أخيه الناصر أحمد بالكرك العساكر تجريدة بعد أخرى حتى ظفر به، وأحضرت إليه رأسه فتمكّن.

стр. 587

وعمّر [قاعة] الدهيشة (١) بقلعة الجبل وأنفق عليها مالا جزيلا يقال إنّه خمسمائة ألف درهم، سوى ما حمل إليه من التقادم الشاميّة. وعمل فيها من الآلات الذهب والفضّة، ومن الفروش ما يجلّ وصفه. فلم يتهنّ [أ] بالنعمة ومرض أيّاما، ومات ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبعمائة، وقد أوصى بالسلطنة لأخيه شقيقه شعبان بن محمّد. وكان خير إخوته، وأحسنهم شكلا، له وجه حلو أبيض بصفرة، وعلى خدّه خال. ابتدأ دولته بدين وعفّة وعدل، وقام بتدبيرها زوج أمّه، [١٦٢ ب] الأمير سيف الدين أرغون العلائيّ. وكان وادعا ساكنا قليل الشرّ، إلّا أنّ النساء والخدّام كانوا مستولين عليه، لشدّة ميله إلى النساء، لا سيّما السودان منهنّ، فلها بهنّ عن تدبير الملك، ومكّنهنّ من جميع أغراضهنّ، حتّى كان إذا ركب إلى نحو الأهرام، إلى ناحية سرياقوس، ركبت جواريه مع أمّه في نحو المائتي امرأة، وسيّرن على الأكاديش (٢) بألوان الحرير، وعلى رءوسهنّ الطراطير البرغالي (٣)، المرصّعة بالجوهر. وكنّ يركبن الخيول العربيّات ويتسابقن ويلعبن بالكرة ويتنوّعن في اللهو. وبلغت الخدّام أيضا في أيّامه مبلغا عظيما، واقتنوا الخيول المسوّمة، وأخذوا الأراضي الكثيرة، وجعلوها رزقا أحباسيّة، وأثروا ثراء زائدا، وتحكّموا في الدولة، حتّى كان الأمير آل ملك النائب إذا رفعت إليه قصّة بطلب خبز أو رزق يقول لرافعها: النائب ما له حكم. اذهب إلى باب الستارة واسأل عن الطواشيّ فلان أو عن فلان [١٧٨ أ] يقضوا شغلك. وأنفق أيضا جملة في العمارة مع توقّف حال الدولة. ولمّا فرغت الدهيشة التي عمّرها بقلعة الجبل، عمل بها مهمّا لجواريه بالغ فيه على قدر الهمّة في ذلك الوقت. [و] قدم عليه رأس أحمد أخيه من الكرك. فعند ما رآه أخذته الرعدة وتغيّر لونه وتكدّرت حياته واعتراه الفزع في نومه، وتعلّل. وبالجملة كان أشبه بطباع النساء منه بطباع الملوك، لرقّة قلبه، وكثرة حنوّه، وكرمه، واستمالته مع من يستميله. ٧٢٦ م- أسعد بن وهب المعافري [١٥٣ ب] أسعد بن واهب المعافريّ. يروي عن واجب بن عبد الله المعافريّ (٤) روى عنه ياسين بن عبد الواحد بن أبي زرارة بن عاصم القتبانيّ (٥). ٧٢٧ - الصاحب الأمجد ابن القيسرانيّ [٦٧١ - ٧٣٦] (٦) [١٦٠ أ] إسماعيل بن محمّد بن عبد الله بن محمّد بن محمّد بن خالد بن محمّد بن نصر،

стр. 588

الرئيس عماد الدين، أبو الفداء، ابن القاضي شرف الدين، ابن الصاحب فتح الدين، ابن الصاحب عزّ الدين، القيسرانيّ، المخزوميّ. ولد سنة إحدى وسبعين وستّمائة. سمع من العزّ الحرّاني، والأبرقوهيّ، والحافظ الدمياطيّ، والتقيّ ابن دقيق العيد. [وحدّث بدمشق] وبرع في كتابة الإنشاء، وباشر توقيع الدست. ثمّ ولي كتابة السرّ بحلب عوضا عن [ ... ] فباشرها [بأبّهة] وتجمّل كبير بحيث ثقل على الأمير الطنبغا نائب حلب وأوهم منه أولاد ابن الأثير، وكانوا يعادونه. فما زالوا به حتّى صرف بعد خمسة أعوام في [ ... ] ونقل إلى دمشق على توقيع الدست بها، واستكتب أولاده في الإنشاء، فأجلّه الأمير تنكز، وكان يقول له في مجلسه: ما هنا مصريّ إلّا أنا وأنت! وتوفّي بدمشق يوم [ ... ] ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين وسبعمائة [وله خمس وستّون سنة]. وكان جميل المحاضرة محبّا لأهل الله معتنيا بهم، ويروي من كراماتهم شيئا كثيرا إلى الغاية. وكان خيّرا ديّنا مقصدا، فيه تعصّب لمن يترامى عليه ويقصده في حاجة. وله سمت. ووقع بينه مرّة وبين امرأته ابنة الصاحب تاج الدين محمّد بن حنّا فقالت له دايتها: يا قاضي، ما تعرف من قدّامك! ذي إلّا بنت المقوقس! فقال لها: وأنا الآخر ابن خالد بن الوليد! (١). ٧٢٨ - مجد الدين ابن كسيرات [- ٦٨٢] (٢) [١٥٥ أ] إسماعيل بن إبراهيم بن أبي القاسم عبيد الله، ابن أبي طالب عليّ بن عبيد الله ابن الوزير، أبو الفداء، مجد الدين، ابن كسيرات، الموصليّ، الدمشقيّ. من بيت الوزارة. كان أبوه وزير الملك المنصور عماد الدين زنكي ابن العادل أرسلان شاه، ابن عزّ الدين مسعود، ابن مودود، ابن زنكي ابن أقسنقر. وباشر هو نظر الخزانة للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. ثمّ نقله إلى جزيرة ابن عمر لمّا فتحها. ثمّ قدم إلى دمشق [١٧٨ ب] في صحبة الملك المجاهد إسحاق، وسكنها. وولي نظر برّ دمشق ونظر نابلس، ونظر الزكاة بدمشق. ثمّ نقل إلى صحابة الديوان بها. وتردّد إلى القاهرة مرارا. فلمّا تسلطن سنقر الأشقر بدمشق ولّاه الوزارة إلى أن انهزم عن دمشق. فقبض عليه، واعتقل على مال يحمله (٣) ثمّ أطلق، ولزم داره إلى أن مات في سابع عشرين شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين وستّمائة. وكان جميل المنظر تامّ القامة، مهابا، وقورا، واسع الصدر، غزير المروءة، كثير التعصّب لمن يقصده، متودّدا إلى أصحابه، مقيما على عهده، لا يزال يقضي حوائج الناس ويتفقّد معارفه وأهل مودّته. وأنشأ دارا بجبل قاسيون من صالحيّة دمشق. فلمّا أضرّت به العطلة بعد انهزام سنقر الأشقر، قيل له: لو ذكرت أحد أصحابك من الأمراء لعسى يذكّر السلطان أو نائب دمشق بك، فإن خدمتك وتفضّلك على الناس كثير؟ فأنشد [السريع]:

стр. 589

لذّ خمولي وحلا مرّه ... وصانني عن كلّ مخلوق نفسي معشوقي ولي غيرة ... تمنعني من بذل معشوقي ٧٢٩ - ابن فلّوس [٥٩٣ - ٦٣٧] (١) [١٥٥ أ] إسماعيل بن إبراهيم بن غازي بن عليّ بن محمّد، الإمام، العلّامة، شمس الدين، أبو الطاهر [و] أبو محمّد، النميريّ، الماردينيّ، الحنفيّ، المعروف بابن فلّوس. ولد بماردين سنة ثلاث- وقيل: أربع- وتسعين وخمسمائة. وسمع بدمشق على أصحاب السلفيّ. وقدم مصر، ودرّس بالمدرسة الفخريّة من القاهرة. ودرّس بمدرسة عزّ الدين أيبك المعظّمي بدمشق، إلى أن مات في حادي عشر صفر سنة سبع وثلاثين وستّمائة بها. وكان عالما بالفقه والخلاف والأصولين والمنطق والطبّ والعربيّة والحساب والوفق (٢) والموسيقى وغير ذلك، وصنّف في هذه العلوم كلّها. وبعث إليه المعظّم عيسى (٣) ليفتي بإباحة النبيذ فقال: ما أبيح هذا الباب، وإباحته إنّما هي رواية عن أبي حنيفة، وقد صحّ عنه أنّه ما شربه قطّ. والحديث عن عمر في إباحة شربه لا يثبت. فغضب منه وأخرجه من مدرسة طرخان، وولّاها غيره، فلزم بيته. وله شعر، منه [خفيف]: بأبي الأهيف الذي لحظ عيني ... هـ[ف] ذا راشق وهذا رشيق راح في حسنه غريبا وإن كا ... ن شقيقا لوجنتيه الشقيق ٧٣٠ - التاج إسماعيل المخزومي [٦١١ - ٦٩٤] (٤) [١٥٥ ب] إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عليّ بن قريش المخزومي، تاج الدين، أبو الطاهر. مولده في سنة إحدى عشرة وستّمائة تقريبا. سمع الحديث وكتب بخطّه كثيرا. وسمع من ابن المقيّر، والهمدانيّ، وابن رواج (٥). وحدّث عنه الدمياطيّ في معجمه، وصار من جلّة الشيوخ وفضلائهم. وكان فيه عبادة وزهد [ ... ]. ومات في سابع عشرين شهر رجب سنة أربع وتسعين وستّمائة وهو والد نور الدين علي بن إسماعيل بن قريش.

стр. 590

٧٣١ - علم الدين القنائيّ [- ٦٥٢] (١) [١٥٥ ب] إسماعيل بن إبراهيم بن جعفر، الشيخ علم الدين، المنفلوطيّ، ثمّ القنائيّ، المالكي. أحد الفقهاء الصلحاء المعروفين بالمكاشفات والكرامات، من كبار أصحاب الشيخ أبي الحسن عليّ بن حميد بن الصباغ (٢). سلك على يديه فلم يتعب في تربيته، وقال عنه: نفسه زكيّة. وكانت له دنيا متّسعة، فخرج عنها، ودخل الخلوة عند الشيخ أبي الحسن، ففتح عليه. وكان يغيب أوقاتا كثيرة، وربّما استمرّت غيبته اليومين والثلاثة، وتنحلّ عمامته وتنسحب خلفه، وهو ينشد [كامل]: لا تجر ذكري في الهوى مع ذكركم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد وقال يوما: والله الذي لا إله إلّا هو، أنا القطب غوث الوجود. وصنّف كتابا ذكر فيه من كلام شيخه أبي الحسن، ومن كلام شيخ شيخه عبد [١٧٩ أ] الرحيم (٣) ومن أحوالهم [ا] نبذة. وذكر غير ذلك من أحاديث واستدلالات دلّت على قوّة فهم وعلم. وفيه مسائل فقهيّة ومقالات صوفيّة، فأذن له الشيخ أبو الحسن في قراءته، وسلك بعد الشيخ جماعة في رباطه. وما زال به حتى مات بقنا لأيام من صفر سنة اثنتين وخمسين وستّمائة. وكان خ [ا] طب الشيخ أبا الحسن في مرضه بمخاطبات ترد عليه فيقبل الشيخ ذلك منه، إلى أن قال له يوما: يا ولدي، اترك مداواتي فقد قيل لي: ابتليناك بالفقر فلم تشك وأسبلنا عليك النعم فلم تشغلك عنّا، ولم يبق إلّا مقام الابتلاء لتكون حجّة في ذلك (٤). ٧٣٢ - ابن اللمطيّ [٥٤٥ - ٦٣٨] (٥) [١٤٨ أ] إسماعيل بن أحمد بن الحسن، الأمير المكرّم، أبو الطاهر، ابن أبي العبّاس المالكيّ، المعروف بابن اللمطيّ. مولده سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبي العبّاس أحمد بن الحطيّة (٦)، وحدّث [ ... ] وولي عدّة ولايات، منها قوص في ذي القعدة سنة ستّ وستّمائة [ ... ]. وتوفّي بمنية بني خصيب في ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين وستّمائة [ ... ]. واللمطيّ نسبة إلى لمطة- بفتح اللام، وسكون الميم، وفتح الطاء المهملة- قبيلة من البربر. وسيأتي ذكر ولده، الأمير أبي البقاء صالح (٧).

стр. 591

٧٣٣ - القاضي عماد الدين ابن الأثير [٦٥٢ - ٦٩٩] (١) [١٤٩ أ] إسماعيل بن أحمد بن سعيد بن محمّد بن سعيد، القاضي عماد الدين، أبو الفداء، ابن تاج الدين أبي الطاهر، ابن شرف الدين أبي البركات، ابن شمس الدين أبي جعفر، المعروف بابن الأثير، التنوخيّ، الحلبيّ. ولد ليلة النصف من شعبان سنة اثنتين وخمسين وستّمائة. وكتب في الإنشاء زمانا [ ... ]. وولي كتابة السرّ بديار مصر بعد وفاة أبيه في يوم العشرين من شوّال سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وقدم القاهرة أوّل ذي القعدة فباشر. وتوجّه مع السلطان إلى بلاد الصعيد، وعاد في صفر سنة اثنتين وتسعين. ثمّ توجّه معه في جمادى إلى الكرك وعند رحيله منها إلى جهة دمشق صرفه عن كتابة السرّ في أوّل جمادى الآخرة منها (٢) سنة اثنتين وتسعين. وولّى بعده شرف الدين عبد الوهاب ابن فضل الله [العمريّ]. وسبب عزله أن السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون أمره أن يكتب إلى نائب الكرك بقتل بعض الأمراء، فقال له: قد عاهدت الله أن لا أكتب في قتل مسلم. فغضب منه وضربه بالدواة ورفسه في صدره فقام وهو يقول: رضيت بغضب السلطان، ولا بغضب الله. ولمّا عزل عن كتابة السرّ، باشر التوقيع عند النوّاب. وعلّق شرح كتاب عمدة الأحكام (٣) عن الشيخ تقيّ الدين محمّد ابن دقيق العيد. وشرح قصيدة ابن عبدون الرائيّة التي رثى بها بني الأفطس (٤). وله ديوان خطب، وكتابة جيّدة، ونظم ونثر. وصنّف كتابا في صناعة الإنشاء في أربعة أجزاء. وقتل يوم الأربعاء تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وستّمائة في واقعة التتر مع المسلمين على حمص. وسيأتي ذكر ابن أخيه علاء الدين علي بن أحمد بن سعيد ابن الأثير. كما مرّ ذكر أبيه أحمد بن سعيد ابن الأثير (٥). ٧٣٤ - الشّقيّ الأحول مستوفي الحاشية [- ٧١٦] (٦) [١٥٠ أ] أسعد بن أمين الملك، تقيّ الدين،

стр. 592

المعروف بالشقيّ الأحول، كاتب برلغي ويعرف أيضا بمستوفي الحاشية. كان من جملة كتّاب مصر النصارى، فدخل في دين الإسلام وعرف بأستاذه برلغي الأشرفيّ. وباشر في استيفاء (١) الحاشية السلطانيّة، فعرف بذلك مدّة. ثمّ استقرّ في نظر الدولة بعد موت التاج الطويل عبد الرحمن (٢) في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وفي مباشرته أبطل السلطان الوزارة، بعد صرف أمين الملك عبد الله ابن الغنّام (٣). فكثر تمكّن الأسعد. واتّفق أنّه منع [أرباب] الرواتب من مراتبهم من استقبال سنة ست عشرة [وسبعمائة]، وأحيلوا على جهات غير طائلة لا تفي لهم إلّا بشيء يسير [١٧٩ ب]، وجعلت سنتهم ثمانية أشهر، كانت نستراوة (٤) أحسن جهاتهم التي أحيلوا بها، ثمّ صولحوا عن الثمانية أشهر بثلثها، شهرين وثلثي شهر. ثمّ أحيلوا على المطابخ فتحصّل من الدينار سدسه، وكثر تبذّل الحرم وذلّة الأيتام عند عرضهم وتردّدهم إلى أبواب الأقباط. وتولّى ذلك الصاحب سعد الدين محمّد [بن محمّد] بن عطايا، والسعيد مستوفي الرواتب، فكثر الدعاء وجهر الناس بالسوء، وسمّوهما: سعد الذابح وسعد بلع (٥). ومات وهو ناظر الدولة في ليلة الاثنين ثامن شهر رجب سنة ستّ عشرة وسبعمائة، ودفن بالقرافة. وكان هو حسّن للسلطان روك أراضي مصر، وذلك أنّه لمّا بلغه عن السلطان أنّه تقلّق من البرجيّة، وهم يومئذ جمهرة عسكر مصر، وأنّهم أخذوا معظم البلاد، حتى لم يبق للسلطان خاصّ يقوم بكلفه (٦)، اجتمع به حينئذ سرّا وحدّثه في الروك، وارتجاع بلاد تقوم بالكلف وزيادة، فأعجبه ذلك. وتقدّم للفخر محمد ابن فضل الله ناظر الجيش بعمل أوراق على ما رتّبه التقيّ هذا. فلمّا كملت حضر لقراءتها على السلطان. فأنكر الفخر على التقيّ ترتيبها وقال له: أنت قصدك ترمي بين السلطان وبين مماليكه. فمال السلطان مع التقيّ على الفخر. فثبت الفخر، وحلف بحياة رأس السلطان، لا أوافق على ما في هذه الأوراق! - وخوّفه عاقبتها. وما زال به حتى أمر بها فغيّرت وزيد في عبرة إقطاعات الأمراء والأجناد. وعرف الأمراء ما عمله التقيّ فسبّوه ولعنوه، وأخذوا في تقبيح صورته عند السلطان إلى أن غضب عليه وأحضره وسبّه ولعنه وهدّده بأن يسلخ جلده ويرميه إلى الكلاب. [١٥٠ ب] فاشتدّ خوفه وتعلّل من حينئذ فلم يفلح بعدها ومات.

стр. 593

وكان هو وأبوه من الظلمة اللئام، وكان الناس لا يقولون عنه إلّا: «الشقيّ الأحوال». ٧٣٥ - القاضي نفيس الدين ابن قادوس [٥٤٣ - ٦٣٩] (١) [١٥١ أ] أسعد بن عبد الغنيّ بن أسعد بن عبد الغنيّ بن أسعد بن الحسن، أبو الكرم، ابن أبي الطاهر، نفيس الدين، ابن قادوس، العدويّ. ولد بمصر في رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. سمع من الشريف الخطيب أبي الفتوح ناصر بن الحسن الزيدي (٢)، والفقيه أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيّة، وهو آخر من حدّث عنهما. وسمع أيضا من أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلميّ، المعروف بابن العصّار، والعلّامة ابن برّيّ، وأبي عبد الله محمّد بن عليّ الرحبيّ. وسمع بالإسكندريّة من أبي المفضّل عبد المجيد بن الحسين بن دليل والحاكم أبي عبد الله محمّد بن عبد الرحمن بن محمّد الحضرميّ، والحافظ السلفيّ، في آخرين، وحدّث. توفّي سحر التاسع والعشرين من ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وستّمائة بثغر الإسكندريّة، ودفن بالجزيرة. ٧٣٦ - أسعد بن عطيّة الصحابيّ (٣) [١٥١ ب] أسعد بن عطيّة بن عبيد بن بجالة بن عون بن ورم بن ذبيان بن الهميم، القضاعيّ. كان ممّن بايع تحت الشجرة. وشهد فتح مصر، ولا تعرف له رواية. ذكره ابن يونس. ٧٣٧ - وزير الوزراء [- ٤٦٦] (٤) أسعد بن عقيل، المشرف، وزير الوزراء، العادل، وخليل أمير المؤمنين، وأبو المكارم. كان من صنائع الوزير أبي الفرج عبد الله بن محمّد البابليّ وخواصّه. وكان ينعت قبل الوزارة برئيس الرؤساء، ذخيرة الملك. فلمّا صرف جلال الملك أبو أحمد ابن عبد الكريم بن عبد الحاكم عن الوزارة والقضاء، ولي عوضه وزارة المستنصر بالله أبي تميم معدّ في ثالث عشرين المحرّم سنة ستّ وخمسين وأربعمائة. وصرف عنها في تاسع عشر ربيع الآخر منها بأبي غالب عبد الظاهر [١٨٠ أ] بن الفضل. ثمّ أعيد بعد أبي محمّد ابن أبي كدينة في نصف رجب سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وزيد في ألقابه «رئيس الرؤساء». وقبض عليه في العشر الأخير من شوّال، ثمّ خلّي عنه. فلمّا قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ قتله في

стр. 594

سنة ستّ وستّين وأربعمائة. ٧٣٨ - السناء الجوّانيّ [- نحو ٥٥٠] (١) أسعد بن عليّ بن معمّر بن عمر بن عليّ بن أبي هاشم الحسين بن أحمد بن عليّ بن إبراهيم بن محمّد بن الحسن بن محمّد، الجوّانيّ، ابن عبيد الله بنالحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، القاضي، الشريف أبو البركات، سناء الملك، الحسيني، الجوّانيّ، النحويّ. قال تاج الرمليّ النسّابة، على ما نقلته من خطّ الحافظ أبي الحجّاج يوسف الأسديّ: كان أسعد هذا النسّابة الذي بمصر، وأبوه نقلا من واد [ ... ] على طرف الغرب إلى بجاية. فأقاما يعملان الجلاجل والخلاخل مدّة. ثمّ صارا إلى مصر، ونقيبها أبو إبراهيم الموسويّ، فاتّخذا بها دكّانا بزقاق القناديل يعملان فيها. وأبوه يحيى الوركلاني صار يحدّث على كرسيّ الجسر (٢). فحسّن له رأيه أنّه ادّعى الشرف، وادّعى نسبا في بني عبيد أصحاب مصر، وبلغ ذلك الناظر، وهو ابن أبي عقيل، أحد الأرقاب، فأحضره وقال له: ما الذي بلغني عنك! . فأقرّ بالدعوة. وعزّره ونفاه، فصار إلى الإسكندريّة مدّة. ورجع إلى مصر خفية. وتوجّه إلى الحجاز، وسار مع ركب العراق إلى بغداد، ودخل الموصل وأقام بها، واشتغل بالأدب وصناعة الإبر. والأبّار يعرف بمصر. ثمّ رجعا إلى مصر وسكنا بزقاق القناديل. فصار يعمل الإبر ويمدح ويهجو ويكثر من مجالسة أهل النحو. فأجري له جار عليه وصار من جملة السعداء (٣) وحسنت حاله. وتزوّج بنت الصقلّي، أخت عبد الصمد الورّاق. فأولد أخت عبد الصمد محمّدا هذا النسّابة اليوم بمصر واشتغل بالناس وغيّر اسم جدّه بعليّ- وكان يحيى- وزاد في اسم أبيه همزة (٤)، وبلغ من حاله إلى أن ولي النقابة بمصر. وكان أسعد يخلط المغربيّة باللغة العراقية، فقال له رجل من أفاضل المغاربة يقال له أبو عبد الله السوسي الفقيه محمّد [الكامل]: والمغربيّ إذا تمعرق قيل له ... يا نحس يا ابن النحس لا تتمعرق! وقال [الطويل]: ومن يهو إدراك المعالي فإنّه ... يعدّ المنايا من ملابسه طمرا قريع الرزايا والقنا يقرع القنا ... خطير العطايا يستقلّ الجدا خطرا [ويحفظ بالخطّيّ في النقع موطنا ... يحوز العلا، والموت يلحظه شزرا] (٥) ٧٣٩ - ابن لهيعة الأملوكيّ (٦) [١٥٢ ب] أسعد بن لهيعة الحميريّ ثمّ الأملوكيّ. شهد فتح مصر وهو أعمى حمير الذي كانوا

стр. 595

يحكّمونه. وله أخبار. قاله ابن يونس. ٧٤٠ - التاج ابن علّان الدمشقيّ [٥٦١ - ٦٣٦] (١) [١٥٢ ب] أسعد بن المسلّم بن مكّيّ بن المسلّم بن أحمد بن محمّد ابن علّان، تاج الدين (٢)، [أبو المعالي، القيسيّ]، الدمشقيّ. ولد سنة إحدى وستّين وخمسمائة. وسمع من أبيه [أبي الغنائم] (٣)، وأبي القاسم ابن عساكر، وأبي المعالي [عليّ] ابن خلدون (٤)، وجماعة. وحدّث. ومات بدمشق في ثامن شهر رجب سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. ٧٤١ - أبو المعالي ابن القلانسيّ [٥٩٨ - ٦٧٢] (٥) [١٥٢ ب] أسعد بن مظفّر بن أسعد بن حمزة بن أسعد بن عليّ، الصاحب الرئيس، مؤيّد الدين، أبو المعالي، المعروف بابن القلانسيّ، التّميميّ الدمشقيّ، والد الصاحب عزّ الدين حمزة. ولد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وحدّث بدمشق ومصر عن حنبل المكبّر بسماعه منه حضورا، وعن ابن طبرزد، والكنديّ. روى عنه جماعة. وكان صدرا، جليلا، معظّما، وافر الحرمة، كثير الأملاك، تامّ الخبرة، ذا عقل ورأي وحزم. باشر أملاك السلطان الملك الظاهر بيبرس بعد موت ابن سويد (٦)، وهو متكلّف ذلك بغير معلوم. توفّي سنة اثنتين [١٨٠ ب] وسبعين وستّمائة. ومن شعره [البسيط]: يا ربّ جد لي إذا ما ضمّني جدثي ... برحمة منك تنجيني من النار أحسن جواري إذا أصبحت جارك في ... لحدي فإنّك قد أوصيت بالجار (٧) ٧٤٢ - ابن ممّاتي [- ٦٠٦] (٨) [١٥٣ أ] أسعد بن مهذّب بن مينا بن أبي المليح زكريا بن قدامة بن أبي مليح مينا، القاضي الأسعد، شرف الدين، أبو المكارم، ابن الخطير أبي سعيد، المعروف بابن ممّاتي. ولي ديوان الجيش بعد أبيه الخطير. فلمّا استبدّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب بسلطنة مصر، استقرّ في نظر الدواوين من سنة ستّ وثمانين وخمسمائة. واختصّ بالقاضي الفاضل وحظي عنده. وكان يسمّيه «بلبل المجلس» لما يرى من حسن خطابه.

стр. 596

وله عدّة مصنّفات، منها كتاب «تلقين اليقين»، فيه كلام على قوله ﷺ : بني الإسلام على خمس. وكتاب حجّة الحقّ على الخلق، في التحذير من سوء عاقبة الظلم، وهو كبير. وكان السلطان صلاح الدين يكثر النظر فيه. وقال عنه القاضي الفاضل: وقفت من الكتب على ما لا تحصى عدّته، فما رأيت والله كتابا يكون قبالة باب منه، وإنّه من أهمّ ما طالعه الملوك. وله أيضا كتاب «قوانين الدواوين» (١) صنعه للملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين، ذكر فيه ما يتعلّق بدواوين مصر، ورسومها، وأحوالها وما يجري فيها. وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذي يقع في أيدي الناس الآن جزء واحد اختصره منه غير المصنّف. فإنّ ابن ممّاتي ضمّنه ذكر أربعة آلاف قرية من أعمال مصر ومساحة كلّ قرية وقانون ريّها ومتحصّلها من عين وغلّة. ولمّا قدّمه للعزيز أنعم عليه بخمسمائة دينار حملت إليه. وله أيضا كتاب سيرة السلطان صلاح الدين، نظما، وكتاب نظم كليلة ودمنة. وله عدّة رسائل وديوان شعر. ولم يزل بديار مصر إلى أن ولي الوزارة الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر الدميريّ للملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيّوب، فخافه لما كان منه في حقّه قبل ذلك من الإهانة. وأخذ الوزير في العمل عليه، ورتّب مؤامرات أحال بها الأجناد عليه، ثمّ قبضه في جمادى الآخرة سنة اثنتين وستّمائة وعلّقه برجليه. ففرّ من القاهرة وسار إلى حلب، فأكرمه الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين فاستخدمه. واستقرّ بحلب إلى أن مات بها في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ستّ وستّمائة عن اثنتين وستّين سنة. قال فيه العماد الكاتب: ذو الفضل الجليّ والشعر العليّ. ومن شعره يصف الخليج يوم فتحه بمصر [الوافر]: خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرّائي مسرّة [١٨١ أ] رأيت به الصغار تجيد عوما ... كأنّهم نجوم في المجرّة وله في [غلام] نحويّ [السريع]: وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجّبا يعرب عن ظرفه [١٥٣ ب] علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلّة في طرفه وقال يصف البقّ [الطويل]: تكاد بقرص البقّ تتلف مهجتي ... إذا لم أجد من ثوب جلدي تخلّصا ومن أعجب الأشياء في البقّ أنّه ... على الجسم سمّاق وتنبت حمّصا (٢) وله [وافر]: تعاتبني وتنهى عن أمور ... سبيل الناس أن ينهوك عنها أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقّك ما عليّ أضرّ منها وله في أترجّة كانت بين يدي القاضي الفاضل، وهو معنى بديع [السريع]: لله بل للحسن أترجّة ... تذكّر الناس بأمر النّعيم

стр. 597

كأنّها قد جمعت نفسها ... من هيبة الفاضل عبد الرحيم وقد ذكر أبوه (ت ٥٧٧) وجدّه في مواضعهما من هذا الكتاب (١). وقال من أبيات يصف سيفا [الطويل]: وأبيض مصقول العوارض أهيف ... مورّد حدّ الحدّ كالماء والخمر كأن دم الأعداء في صفحاته ... وإن قصّر التشبيه ورد على نهر ومنها يصف فرسا: وأدهم يحكي ليلة الهجر لونه ... ويشبه ليل الوصل في الكرّ والفرّ فيا عجبا من جمعه في أديمه ... ومن جريه ما بين ليلين في مهر (٢) ومنها: إذا ادّرعت يوم اللقاء جيوشه ... وسارت رأيت الخيل تركض بالبحر ومن أعجب الأشياء أن مراكبا ... من الطير تحت البحر تجري على البرّ ٧٤٣ - إسماعيل الكردي الزنديق [- ٧٢٠] (٣) [١٧١ أ] إسماعيل بن سعيد بن [ ... ] الكرديّ، المصريّ، المقرئ، الشافعيّ. قرأ القراءات على الشيخ نور الدين الشطّنوفيّ وعلى التقيّ الصائغ (٤) وغيره، وكان عارفا بها، وبالفقه، والنحو، والتصريف، ويحفظ قطعة من التوراة والإنجيل. وكان طلق العبارة، سريع الجواب، حسن التلاوة. لا يزال يجاري في الفقه ويسرد الحاوي في الفقه حفظا، مع العمدة في الحديث، والحاجبيّة (٥). إلّا أنّه كان كثير الهزل ولا يتحفّظ، فحفظت عنه كلمات وأفعال قبيحة حتّى قيل له: «إسماعيل الكافر»، ثمّ صار يدعى إسماعيل الزنديق. فطلب إلى قاضي القضاة تقيّ الدين محمّد بن أبي بكر الإخنائيّ (٦) المالكي، وادّعى عليه بالوقيعة في حقّ لوط ﵇. وأقيمت البيّنة فخلط في كلامه كأنّه مجنون. فساقه إلى السجن، وتوقّف فيه حتى أخبره من لا يتّهمه أنّه رأى رسول الله ﷺ في منامه وسأله عمّا قيل عن إسماعيل، فقال ﵇: قل للإخنائيّ يضرب عنقه، فإنّه سبّ أخي لوطا. فاستدعى به، وعقد له مجلسا، وضرب عنقه بعد ما شهد عليه بعظائم [بحضرة القضاة والعلماء]، في يوم الاثنين سادس عشرين صفر سنة عشرين وسبعمائة، [وله من العمر أربعون سنة أو تزيد قليلا]. وكان يوما مشهودا.

стр. 598

٧٤٤ - الشهاب القوصيّ [٥٧٤ - ٦٥٣] (١) [١٧٤ أ] إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن بن المرجّى بن المؤمّل بن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن يعيش [ ... ] (٢)، شهاب الدين، أبو المحامد وأبو الطاهر وأبو العرب، ابن أبي الشكر، ابن أبي القاسم، الأنصاري، الخزرجيّ، القوصيّ، الفقيه الشافعيّ [١٨١ ب]. ولد سنة أربع وسبعين وخمسمائة بقوص. وسمع من [ ... ] (٣). وخرّج لنفسه معجما في أربع مجلّدات ضخمة. وبرع في الأدب والأخبار. ودرّس، وحفظ كثيرا من الأشعار. وكان فصيحا مفوّها حفظة. وصنّف كتاب بغية الراجي ومنية الآمل في محاسن دولة السلطان الملك الكامل. وكتاب الدرّ الثّمين في شرح كلمة آمين، صنّفه للملك الكامل. وكتاب قلائد العقائل في ذكر ما ورد في الزلازل. واتّصل بالصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر، فتقدّم عنده، وسيّره رسولا عن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيّوب إلى [ ... ] (٤). وولي وكالة بيت المال بالشام، وتقدّم عند الملوك. وكان يلازم الطيلسان المحنّك. ومدحه جماعة وأخذوا جوائزه. وقال بعضهم في معجمه [البسيط]: كم معجم طالعته مقلتي فبدا ... للحظها منه فضل غير منقوص فما سمعت ولا عاينت في زمني ... أتمّ في فضله من معجم القوصيّ وهو يشتمل على عجائب، لأنّه صنّفه في سجن الملك الصّالح عماد الدين إسماعيل ببعلبك، وقد غضب عليه. وكانت فيه دعابة، وله عدّة نوادر، منها أنّه رأى رجلا يحادث شابّا مليحا اسمه سليمان ويمازحه، فقال له: أنت تروم الملك! فقال: معاذ الله! فقال: فما لي أراك تحوم حول خاتم سليمان؟ فخجل. وقال له الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح يوما: يا شيخ شهاب الدين، أنت عندنا مثل الوالد. فقال: لا جرم، إنّي مطروح! وقال له بعض الرؤساء: أنت عندنا مثل الأبّ- وشدّد الباء-. فقال: لا جرم، إنّكم تأكلو [ن]- ني! [١٧٤ ب] وتوفّي في يوم [الاثنين سابع عشر ربيع الأوّل] (٥) سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. ٧٤٥ - الموفّق الجلجوليّ [- ٥٤٦] (٦) [١٧٨ أ] إسماعيل بن سلامة، القاضي مكين الدولة، الموفّق في الدين، داعي الدعاة، أبو

стр. 599

الطاهر، الأنصاريّ، الجلجوليّ. ولّاه الحافظ لدين الله، أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد، قضاء القضاة في سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، بعد صرف هبة الله بن عبد الله بن الأزرق، بغير تقليد. فأقام ينظر في الحكم إلى مستهلّ المحرّم سنة خمس وثلاثين فوفّر جاريه على الحكم، وهو مبلغ أربعين دينارا في كلّ شهر، وخدم بجاري التقدمة على الدعاة، وهو [١٨٢ أ] مبلغ ثلاثين دينارا في الخدمتين فأجيب إلى ذلك. واستمرّ إلى أن صرف عن القضاء في سابع المحرّم سنة ثلاث وأربعين بأبي الفضائل يونس بن محمّد بن الحسن القرشيّ المقدسيّ، وبقي داعي الدعاة. فلمّا كان في شهر رجب قطعت أيدي بني الأنصاريّ، وصلبوا على بابي زويلة الكبير والصغير. وكان كريم الأخلاق، حليما، عليه سكينة ووقار، مليح الشيبة، ظريف الهيئة. ذكر ابن فضلان أن إسماعيل هذا مات سنة ستّ وأربعين (١). ٧٤٦ - العارف شمس الدين النوويّ [٥٩٨ - ٦٤٤] (٢) [١٧٥ أ] إسماعيل بن سودكين بن عبد الله، أبو الطاهر، شمس الدين، النوريّ، الإمام العارف. ولد في مصر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وسمع الحديث من محمّد بن حمد بن حامد الأرتاحيّ، وأبي الفضل محمّد بن يوسف الغزنويّ، وبحلب من الشريف أبي هاشم عبد المطّلب بن الفضل الهاشميّ. وحدّث بمصر والشام. وكان فقيها حنفيّا، فاضلا، محدّثا، شاعرا، له نظم جيّد، وكلام في التصوّف. وكتب كثيرا من كلام ابن عربيّ، وصحب العارف محيي الدين بن محمّد بن العربيّ الصوفيّ واختصّ به (٣)، وقال الشعر. وتوفّي بحلب في رابع عشرين صفر سنة ستّ وأربعين وستّمائة. ومن شعره [الطويل]: وقائلة: من أين أنت وحبّهم ... وأين الثرى السفليّ من رفعة القدر؟ لك الخير ما هذا بوكرك فادرجي ... فثمّ أمور يشتبهن على الغرّ لئن كان قدري ناقصا قبل حبّهم ... فإنّي مذ أحببتهم أصبحوا قدري وقال، من أبيات [الرمل]: قدم العهد بجيران النقا ... وهواهم مستجدّ يا أخيّ كلّ يوم لي شأن في الهوى ... لا خلوت الدهر من هذا الهويّ

стр. 600

يا نسيما هبّ مشكور الريا ... أهدت الأشواق مسراه إليّ وبريقا لاح من جوّهم ... حاكيا ذاك السنا من ثغر ميّ آه من شوقي إلى من قد غدا ... بصري يلقاهم في كلّ شيء وإذا لم يجتلبهم ناظري ... أي نفع لي إذن في ناظريّ لو قطعت الدهر وصلا كان لي ... قدر ما يثبت للطائر فيّ وقال [الكامل]: وصلت وفيها حاجتي مقضيّة ... فقضي الإله لك الحوائج كلّها! يا من إذا ضاقت عليّ مطالبي ... وتعقّدت رفعت إليه فحلّها وقال [الخفيف]: ما على الصبّ في المحبّة عار ... إنّما العار سلوة أو قرار ما لنا في هواكم قطّ عذر ... ولكم في وصالنا أعذار تارة خيفة الرقيب ووقتا ... حسن دلّ منكم وحينا نفار كلّ هذا يلذّ ما لم تملّوا ... ملل الإلف ما عليه اصطبار كيف شئتم كونوا سوى الصدّ عنّي ... فصدود الأحباب للقلب نار [١٨٢ ب] وقال [البسيط]: ناشدتك الله يا هطّالة السحب ... إلّا حملت تحيّاتي إلى حلب لكنّ أعظم ما ألقاه من ألم ... كوني أموت، ولا تدري الأحبّة بي لا أرضى للشوق أن يجري على قلم ... ماذا عسى يشرح المشتاق في الكتب؟ أحبابنا لا تلوموني على قلقي ... كيف القرار، وخيل الشوق في الطلب؟ خذوا أحاديث أشجاني معنعنة ... عن الغرام عن الأنفاس عن كربي [١٧٥ ب] وحدّثوا بمواجيدي على ثقة ... فالوجد أصدق أنباء من الكتب ٧٤٧ - المزنيّ صاحب الشافعيّ [١٧٥ - ٢٦٤] (١) [١٧٠ أ] إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزنيّ- بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون- نسبته إلى مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أمّ عمرو وأوس ابني أدد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار- ناصر مذهب الإمام الشافعيّ. ولد سنة خمس وسبعين ومائة. وحدّث عن الشافعيّ ونعيم بن حمّاد. وروى عنه أبو بكر بن خزيمة، وأبو جعفر الطحاوي، وزكريا الساجيّ، وابن جوصا، وعبد الرحمن بن أبي حاتم. وكان مناظرا محجاجا. قال في حقّه الشافعيّ: لو ناظره الشيطان لغلبه. وكان زاهدا ورعا متقلّلا من الدنيا مجاب الدعوة. وإذا فاتته الصلاة في جماعة صلّاها خمسا وعشرين مرّة، استدراكا لفضيلة الجماعة، مستندا في ذلك إلى قوله ﷺ : صلاة الجماعة أفضل من
следующие страницы →