← Тараджим

Тараджим · id 145334

المقفى الكبير

المقريزي

Полный текст (3 152 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ولمّا توجّه عمرو بن العاص بالجنود إلى مصر، بلغ ذلك المقوقس، فسار من الإسكندريّة إلى مصر وجهّز الجيوش لقتاله. فما زال عمرو يهزمهم حتّى نزل على الحصن وقد تحصّن به المقوقس وخندق حوله، وجعل للخندق أبوابا وبثّ في أفنيته حسك الحديد. فلمّا اشتدّ الحصار تنحّى المقوقس ومعه أكابر القبط وخرجوا من باب الحصن القبليّ، ودونهم جماعة يقاتلون المسلمين، حتى لحقوا بجزيرة الفسطاط وقطع الجسر وذلك في جري النيل وترك المندقور (١) على الحصن، فلم يزل يقاتل المسلمين إلى أن غلب وصار إلى المقوقس بالجزيرة. فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنّكم قوم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا وطال مقامكم في أرضنا. وإنّما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلّكم الروم وجهّزوا إليكم، ومعهم العدّة والسلاح. وقد أحاط بكم هذا النيل وإنّما أنتم أسارى في أيدينا. فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه. ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم. فابعث إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء. فلم يجبه عمرو. ثمّ بعث إليه عبادة بن الصامت فتحاورا طويلا. ورجع عبادة وقد أبى القبط على المقوقس أن يجيبوه إلى [٣٦٩ ب] أداء الجزية، وقطعوا الجسر. فقاتلهم المسلمون وقتلوا وأسروا من كان بالقصر من جموع الروم والقبط. فقال لهم المقوقس: ألم أعلمكم هذا، وأخافه عليكم. ما تنتظرون؟ فو الله لتجيبنّهم إلى ما أرادوا طوعا، أو لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم منه كرها. فأطيعوني من قبل أن تندموا! فأذعنوا إلى قوله ورضوا بإعطاء الجزية. فبعث المقوقس إلى عمرو يعلمه أنّه لم يزل حريصا [٢٩٦ ب] على الإجابة إلى ما أراد، لكنّ القوم أبوا عليّ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم، وقد عرفوا نصحي. فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت، [أنا] في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك. فاجتمعا على عهد بينهما واصطلحا على أن يكون على كلّ ذكر بلغ الحلم من القبط ديناران دون الروم، فإنّهم يخيّرون بين الإقامة بمصر على هذا أو الخروج منها. وكتب إلى ملك الروم يعلمه الخبر. فكتب إليه يقبّح رأيه ويؤكّد عليه في القتال. فقال المقوقس لمّا ورد عليه الكتاب: والله إنّ العرب على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على كثرتنا وقوّتنا. إنّ الواحد منهم ليعدل مائة منّا، فإنّهم قوم الموت أحبّ إليهم من الحياة، يقاتل أحدهم وهو يتمنّى أن لا يرجع إلى أهله وولده، ويرون أنّ لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منّا، ويقولون إن قتلوا: دخلوا الجنّة. وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذّتها. ونحن نكره الموت ونحبّ الحياة ولذّتها. فكيف نستقيم نحن وهؤلاء، وكيف صبرنا معهم؟ واعلموا معشر الروم أنّي لا أخرج ممّا دخلت فيه. وحذّرهم وأنّبهم وأعلم عمرو بن العاص بذلك كلّه، وأنّه والقبط ثابتون على ما عاهدوا عليه. فألزمه عمرو أن يقدم بالإنزال والضيافة، وينصب الأسواق والجسور ما بين الفسطاط والإسكندريّة، ففعل ذلك. وصارت القبط أعوانا للمسلمين.

стр. 947

وقد قيل: إنّ المقوقس الذي كتب إليه رسول الله ﷺ سمّه ابنه بعد ما نزل عمرو بن العاص بلبيس بجيوش المسلمين، وقام من بعده بحرب عمرو. فثار أرجانوس بن راعيل على ابن المقوقس وملك القصر، ففرّ ابن المقوقس إلى الإسكندريّة، وصالح أرجانوس عمرو بن العاص. وقد ذكرت في ترجمة المغيرة بن شعبة (١) ﵁ خبر قدومه الإسكندريّة ومساءلة المقوقس له ولقومه بني مالك عن النبيّ ﷺ ، فتضمّن من أعلام النبوّة، ومن كلام المقوقس ما دلّ على علمه وتقدّم فضله. فراجعه تجده إن شاء الله. ١٠٦٨ - جعفر بن حبيب القائد [- ٤٠١] (٢) [٣٧١ أ] ولّاه عبد الله بن محمّد الكاتب (٣) مدينة باجة في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. ثمّ عزل عنها في سنة اثنتين وثمانين. ثمّ أعيد بعد أيّام. وقدم إلى مصر غير مرّة رسولا من إفريقيّة بهديّة بعثها الأمير عدّة العزيز بالله أبو الفتح منصور ابن سيف العزيز بالله أبي الفتوح يوسف بن زيري بن مناد إلى أمير المؤمنين العزيز بالله أبي منصور نزار ابن المعزّ. فقدم في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وعاد بهديّة جليلة في سنة أربع وثمانين إلى المهديّة، ومعه الفيل. فتلقّاه الأمير منصور وابنه باديس والقضاة وخلائق، للنصف من ذي القعدة [سنة أربع وثمانين] (٤). ثمّ سار بهديّة الأمير أبي مناد باديس بن منصور في يوم الاثنين سادسرمضان سنة ستّ وثمانين وعاد. فلمّا قدم يانس العزيزي إلى طرابلس بعد ولايته برقة وخرج تمصولت إلى مصر، كما ذكر في ترجمة كلّ منهما (٥)، دعا نصير الدولة أبو مناد باديس بالقائد جعفر بن حبيب، وخلع عليه، وحمله، وقلّده سيفا، وأخرج بين يديه الطبول والبنود، وأمره بالرحيل إلى طرابلس. فخرج من المنصوريّة مستهلّ رجب سنة تسعين وثلاثمائة، وسار حتى نزل من وراء يانس بمرحلتين، فأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان حتى بعث نصير الدولة إلى يانس وأجابه بما ذكر في ترجمته. فكوتب جعفر بالنهوض إليه ومناجزته، فرحل حتى نزل صبرة واستظهر بالكتاب إلى يانس يخيّره بين مسيره إلى نصير الدولة أو محاربته، فاختار الحرب. وبرز إليه حتّى أشرف عليه يوم [٣٧١ ب] الجمعة الثاني من ذي القعدة. فخرج من الغد روّاد العسكرين، وكان بينهم قتال قتل فيه من أصحاب يانس سبعة من حماة فرسانه، وأتى برءوسهم إلى

стр. 948

جعفر فحمد الله وقال [٢٩٧ أ]: هذا أوّل الفتح إن شاء الله. وبات على تحرّس واحتراس. فلمّا كان عند صلاة الفجر من يوم الأحد لأربع خلون منه، تعبّأ الفريقان واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه يانس، وانهزم أصحابه إلى المدينة. فكان أوّل من سبق إليها فتوح بن علي بن عقيانان بن الحسن الكتاميّ (١)، فقال لمن بها: البشرى يا أهل طرابلس! قد فتح الله لنا وقتلنا صنهاجة مقتلة عظيمة! ففتحوا له الباب. فلمّا دخل وكّل من وقف عليه حتى وصل إليه المنهزمون. وشغل القائد جعفر بن حبيب عن اتّباع المنهزمين بما أصابه من الغنائم، وبمن قتل من الرجال حتى أفناهم عن آخرهم إلّا من فرّ. وتقدّم إلى طرابلس فوجد القوم قد تحصّنوا ونصبوا العرّادات وجعلوا الرجال على السور. فنزل بالمرج على نحو ميلين عن المدينة، وكانت بينه وبينهم وقائع كثيرة. وأخذ يجبي بوادي طرابلس وجميع قبائل البربر من هوارة ولماته وزناته وغيرهم وفرّق عمّاله إلى أن بلغه أنّ فلفل بن سعيد (٢) الثائر على نصير الدولة قد توجّه يريد طرابلس، فجمع أصحابه ليلقاه ويحاربه فاختلفوا عليه. فرحل بهم في رجب سنة إحدى وتسعين إلى ناحية الجبل (٣)، وكان يوما شديد [٣٧٢ أ] الحرّ، وكان مع عساكره من الأثقال والعيال والأطفال ما لا يوصف. فاشتدّ بهم العطش حتى مات كثير منهم، وأسلم بعضهم ولده. وشرب رجل شربة فاستنقد عنها مائة درهم. وطلبت امرأة من زوجها شربة فقال لها: أنت طالق- ومضى عنها، فسقاها آخر شربة تزوّجها بها. وسار جعفر بمن معه إلى جبال نفوسة، ولم يدخلها سلطان قبله، فآواه النفوسيّون. ووصل فلفل بن سعيد إلى المناخ الذي كان به جعفر. فلمّا علم أين قصد تبعه حتّى قرب منه، فجمع جعفر أصحابه ليقاتله فاختلفوا عليه، ثمّ أجمعوا على القتال فزحف بهم على تعبئته. فلمّا أحسّ بهم فلفل رحل إلى طرابلس، فمضى جعفر عائدا إلى المدينة المنصوريّة فوصل إليها يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان، ووصل فلفل بن سعيد إلى طرابلس فملكها حتّى مات. ولم يزل جعفر بن حبيب على حاله إلى أن مات بالمنصوريّة يوم السبت لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعمائة. وكان رجلا حليما عاقلا صبورا فاضلا بعيد الغضب محتملا مفتقدا لأحوال رجاله وحاشيته، فمن علم به منهم خلّة سدّها مسديا له بذلك من غير سؤال. وكان مقتصدا في أموره غير مبذّر ولا مقتّر ضحوكا مستبشرا أبدا. وولي ابنه هاشم بن جعفر بعده ما كان تولّاه من كتابة نصير الدولة أبي مناد باديس. ١٠٦٩ - جعفر بن الحسين بن جوهر القائد [- ٤٠١] [٣٧٣ أ] أبو [ ... ]، ابن قائد القوّاد أبي عبد الله ابن القائد أبي الحسين جدّه جوهر، [و] هو الذي أخذ مصر وبنى القاهرة. وتقدّم أبوه الحسين في أيّام الحاكم بأمر الله تقدّما زائدا ثمّ قتله كما تقدّم

стр. 949

في ترجمته (١). فلم يأمن جعفر هذا بعد قتل أبيه، وفرّ من القاهرة بإخوته إلى بني جرّاح فأعطوهم الذمام وأجاروهم وأمّنوهم. فبعث الحاكم في طلبهم فدافعوا وسوّفوا. فأعمل الحاكم الحيلة، ودعا بمفلح من جملة عبيده وخواصّهم، فأمره بما أحبّ ثمّ أظهر أنّه سخط عليه فاعتقله وقبض على أمواله وأملاكه وضياعه، وتركه في السجن مدّة. ثمّ فرّ بحيلة عملها، ثمّ لحق ببني جرّاح (٢)، فتوجّعوا له وقاموا بأمره وأنزلوه عندهم. فخلا بجعفر بن الحسين وإخوته وقال: إنّ هذا الرجل- يعني مفرج بن دغفل بن جرّاح- قد فعل معنا جميلا، ولم يقبل فينا كتابا ولا رسولا، غير أنّ العرب يستميلهم المال، ويخشى أن يبذل الحاكم الرغائب فينا فيبعث إليه بنا كما فعل في أيّام العزيز بالله بفلان وفلان، فيقتلنا بعد أن يمثّل بنا. وابن جرّاح وإن منعه مرّة، فإنّه لا يخرج عن طاعته جملة. ولم يزل يخوّفهم إلى أن قالوا [٢٩٧ ب] له: فما ترى؟ قال: أرى أن نبذل مالا لمن يأخذ بنا (٣) طريقا يوصلنا إلى بغداد حيث لا ينفذ للحاكم حكم، ولا يقبل منه أمر. فعزموا على ذلك وساروا، وقد تقدّمت كتب مفلح إلى جيش بن الصمصامة بدمشق، فأقام لهم الأرصاد على كلّ طريق فما شعروا، وقد نزلوا منزلا، حتى قبض عليهم، [٣٧٣ ب] فضربت رقبة جعفر وإخوته. وحمل مفلح إلى الحاكم فردّ إليه أمواله وأملاكه ورفع منزلته (٤). ١٠٧٠ - جعفر بن عبد الغفّار الكاتب [- بعد ٢٧١] (٥) [٣٧٤ أ] استكتبه أحمد بن طولون لمّا وجّه كاتبه أحمد بن محمد الواسطيّ (٦) إلى العراق، فاضطرب بما حمّله إيّاه من الأمر ولم يكمل له. فقال حمدان بن خاقان: الأمير أيّده الله يحتاج إلى كاتب أوفى وزنا من هذا الكاتب. فقال له أحمد ابن طولون: أنا أحتمله وأقنع به لأنّه مصري (٧). فقال: والأمير أيّده الله يرى أنّ الكاتب المصريّ أكتب من العراقيّ وأنهض بما يتولّاه؟ فقال: اعلم أنّ أصلح الأشياء لمن ملك بلدا أن يكون كاتبه فيه من أهله، لأ [نّه] يجمع بذلك أشياء يحمدها ويحمد عاقبت [ها]، منها: أنّ عمّال الكاتب وشمله وكلّ ما يملكه معه في بلده. ومنها أنّ جميع ما يكسبه فيه. وإن كان يرغب في

стр. 950

تجارة كانت تجارته فيه، أو في شراء عقار أو بناء كان فيه. ومنها أنّ جميع ما يتجمّل به وولده وعياله و [ما] يعتقده لهم من مال قليل وكثير، ففي بلده، وما يعتقده من ضيعة أو ربع أو ماشية، فكلّه عمارة لبلده. ومنها أنّه رهين بجناية إن كانت منه أو من أحد بسببه. ومع هذا كلّه فأهله ظاهرون لي منصرفون في خدمتي. والكاتب الغريب ليس كذلك لأنّه يعتقد المستغلّات في بلده النائي عنّي، وجهده [في] عمارة بلده بتخريب بلدي. وهو في كلّ حال متطلّع إلى بلده. فإن اجتمع عليّ منه أن يكون رئيس بلده صارت الخلطة والاختصاص بالمقيمين في بلده بالمواصلات سببا لما لا أريده. فهذا الذي أكره من كتّاب العراق، وإن كنت عالما بما فيهم من الصناعة وتقدّمهم في الكتابة. فقال له حمدان: قد أصاب الأمير أيّده الله الرأي، ووفّقه الله. ١٠٧١ - ابن سيّد بونة المقرئ [- ٦٢٤] (١) [٣٧٥ أ] جعفر بن عبد الله ابن سيّد بونة، الأستاذ أبو أحمد، الخزاعيّ، الأندلسيّ، القسنطانيّ، المقرئ، العابد. قرأ القراءات على أبي الحسن بن هذيل وسمع منه ومن ابن النعمة. وسمع التيسير من أبي الحسن في سنة ستّين وخمسمائة. وحجّ بعد السبعين وخمسمائة فمرّ بمصر. وعاد مائلا إلى الزهد والتخلّي، وكان شيخ الصوفيّة في وقته، علا ذكره وبعد صيته في العبادة. توفّي في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وستّمائة عن سنّ عالية تقارب المائة، وشيّعه خلق كثير، وانتاب الناس زيارة قبره تبرّكا به. وقسنطانة من عمل دانية (٢). ١٠٧٢ - الأدفوّيّ صاحب الطالع السعيد [٦٨٥ - ٧٤٨] (٣) [٣٧٥ أ] جعفر بن عبد الله بن ثعلب بن جعفر بن علي بن المطهّر بن نوفل، كمال الدين، أبو الفضل، الأدفوّيّ، الشافعيّ. ولد للنصف من شعبان سنة خمس وثمانين وستّمائة. وسمع من الأثير أبي حيّان، والسرّاج الأرمني، والتاج الدشنائي، وحدّث، وصنّف كتاب «الإمتاع في حكم السماع» (٤)، دلّ على اطّلاع كبير، وكتاب «الطالع السعيد في تاريخ الصعيد» نقلت منه في هذا الكتاب كثيرا، وهو كتاب نفيس يشتمل على فوائد وتراجم لا توجد في غيره. ودرس في الحديث بمسجد ابن البابا [و] أعاد بالمدرسة الصالحيّة من القاهرة، وكان مقيما بها، ولم يتزوّج. توفّي يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة (٥). وكان فاضلا، له مشاركة في علوم عديدة، وله خبرة بالموسيقى ومعرفة تامّة بالتاريخ.

стр. 951

١٠٧٣ - جعفر بن علي بن هبة الله الإسكندراني [٥٤٦ - ٦٣٦] (١) [٣٧٧ أ] جعفر بن علي بن هبة الله بن جعفر بن يحيى، الشيخ أبو الفضل، ابن أبي الحسن، ابن أبي البركات، ابن أبي الفضل، ابن منير، الهمداني، الإسكندرانيّ، المقرئ، المالكيّ. ولد بالإسكندريّة في العاشر من صفر سنة ستّ وأربعين وخمسمائة. وسمع الكثير من الحافظ السلفيّ والشريف أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني، وأبي الطاهر بن عوف، وأبي القاسم [٢٩٨ أ] أحمد بن جعفر بن إدريس الغافقي، وأبي يحيى اليسع بن عيسى بن حزم، والحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحضرميّ، في آخرين، وحدّث بمصر ودمشق وغيرهما. ومات بدمشق في ليلة السادس والعشرين من صفر سنة ستّ وثلاثين وستّمائة. وقرأ القراءات على عبد الرحمن بن خلف الله القرشيّ. وتفقّه وأخذ العربيّة، وكتب بخطّه كثيرا. وأقرأ الناس بمسجده. ثمّ طلب في آخر عمره إلى دمشق وحدّث بها. وقرأ عليه القراءات الشيخ علي الدهّان وعبد النصير المريوطيّ، ورشيد الدين ابن أبي الدرّ، وجماعة. وحدّث عنه أبو الحسن اليونينيّ، وأحمد بن موسى [البطرنيّ]، والقاسم بن عمر الهواري وخلق كثير. وكان ثقة خيّرا كثير الفضائل. ١٠٧٤ - جعفر بن عمر أمير برقة [- بعد ٧٣٦] (٢) [٣٧٨ أ] جعفر بن عمر [ ... ]، أحد أمراء برقة. وشى به قائد وسليمان، من أهل برقة، إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بسبب فرسين عنده دلّا السلطان عليهما. فامتنع من إرسالهما، وأنكرهما [واتّهم] أنّه يمتنع من إعطاء زكاة الغنم ويغير على عربان الطاعة. فبعث لحربه الأمير أيتمش المحمّديّ في سنة تسع عشرة وسبعمائة وحاربه كما ذكر في ترجمته (٣). فلمّا عاد أيتمش قدم بعده بأسبوع ونزل على الأمير بكتمر الساقي مستجيرا به من غضب السلطان، فأجاره ووعده بكلّ خير ونزّله عنده، وحدّث السلطان فيه. فسرّ به وأمر به. فلمّا مثل بخدمته قرّبه. فاعترف بالخطإ، وشكا من قائد وسليمان وقال: ما جرت لنا عادة ولا لآبائنا بإعطاء العرب زكاة الغنم ولا يتجاسر علينا أحد. ولولا حرمة السلطان ما طالت أيديهم منّا لشيء. وها أنا أتيت أطلب العفو من مراحم السلطان وأقوم بكلّ ما يأمرني به ولا تحكم العرب فيّ. فطيّب خاطره وأجاب سؤاله وخلع عليه. فدعا للسلطان، وشكر أيتمش وقال إنّه عفّ عن الحريم وستر الأهل وعفا بعد القدرة. فجمع السلطانبينه وبين أيتمش، فقال: جزاك الله خيرا عن مروءتك. وأمر به السلطان فأنزل وأجري عليه الضيافة، فتردّد إلى الخدمة عدّة أيّام، وزوّده وأنعم عليه

стр. 952

بذهب كثير وكسوة فاخرة وأعاده إلى بلاده. فأقام يبعث القود في كلّ سنة مدّة أعوام. ١٠٧٥ - ابن علوان ذخيرة الملك [- بعد ٥١٦] (١) [٣٧٦ أ] جعفر بن علوان، ذخيرة الملك. ولّاه الآمر بأحكام الله ولاية القاهرة والحسبة في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. فاشتدّ عسفه وظلمه. وبنى المسجد الذي عرف به، وسمّاه العامّة مسجد «لا بالله»، فإنّه كان يقبض الناس من الطريق ويعنّفهم في العمل به فيقولون له: لا بالله! - فيقيّدهم ويستعملهم بغير أجرة. ولم يعمل فيه منذ أنشأه إلّا صانع مكره، أو فاعل مقيّد. وكان قد أبدع في عذاب الجناة وأهل الفساد أنواعا من العقوبات خرج فيها عن الحدّ. فابتلاه الله بالأمراض التي ما عهد الناس مثلها، حتّى مات. فتجنّب الناس تشييعه والصلاة عليه، وذكر عنه في حال غسله وحلوله بقبره ما يعيذ الله كلّ مسلم من مثله. وهذا المسجد اليوم بجوار الرميلة تحت القلعة تجاه مدرسة السلطان حسن من شرقيّها. ١٠٧٦ - أخو المأمون البطائحيّ [- ٥٤٩] (٢) [٣٧٩ أ] جعفر بن فاتك بن مختار بن حسن بن تمّام، الأمير ركن الخلافة، عزّ الملوك، أبو الفضل، ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع، ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن، ابن الأمير أمين الدولة أبي عليّ، المعروف بأخي الوزير الأجلّ المأمون أبي عبد الله محمد البطائحيّ. رتّبه أخوه لمّا ولي وزارة الخليفة الآمر بأحكام الله أبي علي منصور، بحمل السيف الخاصّ، وهي رتبة جليلة المقدار لا يليها إلّا أمير عظيم القدر، وهو أكبر حامل. وهذا السيف حليته ذهب مرصّعة بالجواهر في خريطة مرقومة بالذهب لا يظهر إلّا رأسه، يخرج من خزائن السلاح الخاصّ عند ركوب الخليفة في يوم العيد [ين] ونحوهما. فيسلّم إلى حامله، وهو ممّن يرخي الذؤابة ما دام حاملا له. ويكون في وقت مسير الخليفة راكبا في الجانب الأيسر هو وحامل الدواة. وولّاه أيضا حماية خزائن الكسوات وصناديق النفقات فجلّ أمره واتّسعت أحواله، بحيث إنّه توفّيت له حظيّة من حظاياه فحصل للغاسلة من المصاغ الذهب المرصّع، والملبوس المذهّب، والفرش ما تزيد قيمته على ألف دينار، سوى مائة دينار عينا، وجارية تحمل المصاغ والملبوس. وكان ممّا عمل في عنق هذه الحظيّة لمّا كفّنت عقد فيه ثلاثة عشر حجرا فيهم خمسة ياقوت أحمر رمّاني، وثمانية ما بين أزرق وأصفر يساوي جملة كثيرة. وجعل في أذنيها خرصان وزنهما أربعة مثاقيل ذهب وجوهر. ثمّ لمّا قبض الآمر بأحكام الله على الوزير المأمون، قبض على جعفر هذا في جملة من قبض عليه. ثمّ أفرج عنه. وتأخّرت وفاته إلى خلافة الفائز فمات في أثناء سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وصلّى عليه الصالح طلائع بن رزّيك في الإيوان. وخلّف سبعة ذكور وأربع بنات فرقّت أحوالهم

стр. 953

وركبهم دين ثقيل حتى احتاج بعضهم في سنة ستّ وسبعين وخمسمائة إلى بيع تربتهم بالقرافة. ثمّ مضوا إليها وحفروا القبر الذي فيه حظيّة أبيهم المذكورة وغربلوا ما تحتها من التراب فوجدوا فيه من الذهب المسبوك ثلاثمائة وعشرين مثقالا. ثمّ باعوا رخام القبر والتابوت الساج والتربة حتّى وفوا ما عليهم من الدين. فسبحان محيل الأحوال! ١٠٧٧ - جعفر بن الفرات [٣٠٨ - ٣٩٢] (١) [٣٨٠ أ] جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، الوزير أبو الفضل، ابن الوزير أبي الفتح، المعروف بابن حنزابة، البغداديّ الأصل، المصريّ الدار والوفاة. وزر أبوه للمقتدر في السنة التي قتل فيها المقتدر (٢). وولد أبو الفضل في ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثمائة. وسمع من محمّد بن هارون الحضرميّ والحسن بن محمّد الداركي الأصبهانيّ، ومحمد بن زهير الأيليّ، ومحمد بن حمزة بن عمارة، وأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطيّ، ومحمد بن سعيد الحمصيّ وجماعة. وكان يذكر أنّه سمع من أبي القاسم البغويّ (٣) مجلسا ولم يكن عنده، وكان يقول: من جاءني به أغنيته. وحدّث وأملى. وقدم عليه الدارقطنيّ، وذلك أنّه كان يريد تصنيف مسند (٤)، فلزمه الدارقطنيّ وحصّل منه مالا كثيرا وروى عنه أحاديث. قال السّلفي (٥): كان من الحفّاظ الثقات المتبجّحين بصحبة أصحاب الحديث، مع جلاله ورئاسته، و [كان] يروي (٦) بمصر في حال الوزارة، ولا يختار على العلم وصحبة أهله شيئا، وعندي من أماليه فوائد، ومن كلامه على الحديث وتصرّفه الدالّ على حدّة فهمه ووفور علمه. وقد روى عنه حمزة الكناني الحافظ مع تقدّمه. وقال الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي (٧): قدم علينا حلب فتلقّاه الناس وكنت فيهم فعرّف أنّي محدّث، فقال لي: [أ] تعرف إسنادا فيه أربعة من الصحابة، كلّ واحد يروي عن صاحبه؟ قلت: نعم. وذكرت له حديث السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزّى، عن عبد الله بن السّعديّ، عن عمر ﵃، في العمالة (٨)، فعرف لي ذلك، وصار به لي عنده منزلة. وله مسند روى منه الحرف الموفي ألفا من مسند كذا، والحرف

стр. 954

الموفي خمسمائة من مسند كذا. وكان يصوم، فإذا [أ] فطر نام نومة، ثمّ نهض فتوضّأ، ودخل بيت مصلّاه وصفّ قدميه إلى الغداة. ولّاه الأمير أبو القاسم أونوجور ابن الإخشيد وزارة مصر بعد الحسين بن محمد بن علي الماذرائيّ في يوم الأربعاء سابع ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فدبّر الأمور، وعقد له مجلسا بداره في عشيّة كلّ خميس حضره القضاة والفقهاء والمحدّثون [ ... ]. ولم يزل مدّة أيّام أونوجور وأيّام أخيه [٢٩٩ أ] عليّ، وأيّام كافور الإخشيديّ. فلمّا مات كافور في عاشر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة انقسم أمر مصر بين أربعة: فأقيم الأمير أبو الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد في الإمارة، وعمره عشر سنين وعشرة أشهر، وجعل خليفته الحسن بن عبيد الله بن طغج (١) وهو بالرملة، وجعل على تدبير العساكر شمول الإخشيديّ، وعلى تدبير الأموال الوزير أبو الفضل. وقام كلّ من القوّاد في هوى نفسه وانفرد بما يريد. فقبض أبو الفضل على جماعة من الكتّاب، وأخذ البيعة على الجند لابنه أحمد بن جعفر بالإمارة على مصر والشامات والحرمين، واحتجّ بأنّه ابن بنت الإخشيد (٢)، فوقع بينه وبين شمول، وكثرت الفتن، ولم يطق رضا الإخشيديّة (٣) والكافوريّة والأتراك وسائر العسكر، ولم يحملوا إليه ما عليهم من أموال الضمانات وطلبوا منه، فاضطرب الأمر عليه، فاختفى في يوم الثلاثاء ثاني عشر شوّال منها ولم يعرف له خبر إلى أن جمع الشريف أبو جعفر مسلّم بن [٣٨٠ ب] عبيد الله الحسينيّ القوّاد والوجوه بداره في يوم الجمعة سادس ذي القعدة، وأخرج الوزير إليهم في زيّ الاستتار بقلنسوة نوميّة ورداء ونعل. فاعتذر الجماعة إليه ووعدوه من أنفسهم النصرة والخدمة وعقدوا عليهم الوفاء له بذلك، وكتبوا له كتابا يتوثّق به. ثمّ ركب من دار أبي جعفر إلى الجامع العتيق، وصلّى الجمعة، وأمر بالنداء بالحجّ في البرّ، وانصرف في جميع العسكر، وصار إلى أمّ عليّ ابن الإخشيد فسلّم عليها وعاد إلى داره، فنظر في أمور الناس، وأمر ونهى، وعزل وولّى. ولم يحجّ أحد من مصر في البرّ، ولا وفى بما عاهد عليه، ولا وفى له من حلف. وصارت أمور مصر إلى تلاش زائد، وضاعت الأموال، وتغيّرت النيّات، وافترق الناس: فطائفة خرجت من مصر إلى الرملة ولحقت بالحسن بن عبيد الله بن طغج تضرّب على الوزير وترميه بالعظائم، وأكثر الناس قد كتبوا إلى بلاد المغرب يستحثّون الإمام المعزّ لدين الله على المسير إلى مصر، وأخذها لعدم من يقوم بأمرها. وممّن كتب إليه الوزير أبو الفضل. وطائفة قد خرجت إلى الغرب ولحقت بالمعزّ هذا، وقد اختلطت الأمور وكثر الإرجاف بمسير القرامطة لعلمهم بموت كافور. وقد كثرت الفتن ببلاد الشام، فصار من تغلّب صاحبه يتأمّر بدمشق، والشريف أبو محمد عبد الله أخو مسلّم بالرملة على محاربة الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقد جمع معه ثمال العقيلي وطوائف من العرب ودعا إلى نفسه وتلقّب بالمهديّ.

стр. 955

فبينا هم في ذلك بمصر إذ ورد الخبر بقدوم الحسن بن أحمد الأعصم كبير القرامطة (١) إلى الرملة، وانهزام الحسن بن عبيد الله منهم إلى مصر. فشغب الأتراك على الوزير وطالبوه بأرزاقهم فاستتر منهم. ونهبوا داره ودور أصحابه وكتّابه فلم يزل مستترا إلى سلخ ذي الحجّة [سنة ٣٥٧]، وقد قدم الحسن بن عبيد الله بن طغج، فخرج إليه، وهو نازل بالمختار في الجزيرة تجاه مصر. وركب معه في يوم الجمعة ثاني المحرّم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة من المختار إلى الجامع العتيق. فلمّا انقضت الجمعة سار خلف الحسن، والناس تسبّه وتشتمه، فخاف عليه الحسن، وأمره أن يمضي إلى داره، فسار إليها. ونزل الحسن بدار الإمارة، وقبض على الوزير يوم الاثنين سادس المحرّم وعذّبه، وصادره على مال عظيم باع فيه أملاكا كثيرة. وتوسّط أمره الشريف مسلّم فأطلعه إلى داره [٣٨١ أ] موكّلا به، فأقام إلى أن أطلق في آخر صفر. وسار الحسن بن عبيد الله إلى الرملة في ثالث ربيع الآخر ومعه شمول وجماعة من القوّاد، فخلت له البلاد، إلّا أنّ الأخبار وردت بمسير عساكر المعزّ مع القائد جوهر في جمادى الآخرة، فأنفذ أهله إلى الأشمونين مع الشريف عيسى بن عبيد الله أخي مسلّم، وجمع الناس وشاورهم فاتّفقوا على مراسلة جوهر. ثمّ اجتمعوا على محاربته، وأن يولّوا عليهم نحرير شويزان. ثمّ انحلّ ذلك وعادوا إلى المراسلة بالصلح، وكانت رسل القائد جوهر ترد سرّا إليه. فسار الشريف مسلّم والقاضي أبو طاهر في جماعة إلى القائد جوهر في يوم الاثنين ثامن عشر رجب [سنة ٣٥٨] بتقرير الوزير، وعادوا في أوّل شعبان بكتاب جوهر إلى جماعة أهل مصر، وبكتابه إلى الوزير. وخاطبه فيه بالوزارة بعد ما امتنع من ذلك، وقال للشريف مسلّم: كيف أخاطبه بالوزير، وما وزر لخليفة قطّ؟ فما زال الشريف به حتّى خاطبه بالوزارة. فاجتمع الناس عنده لقراءة كتاب جوهر، وقد نقض الإخشيديّة والكافوريّة حديث الصّلح، وأقاموا عليهم نحرير شويزان، وانفضّوا. وخرجوا للقتال في عاشر شعبان فقتل كثير منهم. وعبر جوهر إلى مصر، ونزل بمناخه حيث القاهرة اليوم في سابع عشر [شعبان ٣٥٨]، فخرج إليه فيمن خرج إلى لقائه بالجيزة، فصاح بعض حجّاب جوهر بالناس: الأرض! إلّا الشريف والوزير! فاستمرّ به جوهر على قرارته، فكان يركب في كلّ يوم إلى القائد جوهر ويلقاه بمناخه فيقبل جوهر منه ما يشير به ويعمل بمقتضاه. وجلس معه في مجلس المظالم كلّ يوم سبت إلى أن ورد عليه كتاب المعزّ في ذي الحجّة [سنة ٣٥٨]. فبعث ابنه أحمد بن جعفر في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة إلى بلاد المغرب بهديّة إلى المعزّ. فلمّا قدم القرامطة لقتال جوهر، وكلّ القائد جوهر بالوزير أبي الفضل خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان. ثمّ أمره في رابع صفر سنة إحدى وستّين [وثلاثمائة] أن يخرج من داره بمصر، وأن يقيم بالقاهرة، فبنى بها دارا سكنها بعده الوزير يعقوب بن كلّس. وردّ إليه جوهر تدبير الأموال في شهر ربيع الآخر إلى أن قدم المعزّ لدين الله في سابع شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة، وردّ الأمور إلى يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن.

стр. 956

وتعطّل أبو الفضل إلى أن شكاه ابنه أحمد إلى المعزّ في ربيع الآخر سنة خمس وستّين [وثلاثمائة]، فاستأذن له أبو إبراهيم إسماعيل بن موسى الحسني على المعزّ، فدخل عليه، وشكا ابنه وعقوقه [٣٨١ ب] فقبل قوله. وعاد فأقام متعطّلا عن العمل إلى أن كانت غرّة شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [ف] ردّ الخليفة العزيز بالله أبو منصور نزار ابن المعزّ تدبير الأمور إليه، وأمر الكتّاب كلّهم أن يمتثلوا ما يأمرهم به، فركب جميعهم إليه وصاروا إلى داره. فجلس بها [و] أمر ونهى، وتحدّث في الدواوين إلى نصف شعبان منها فاستعفى من ذلك، فتقدّم العزيز بإعفائه ومحاسبته فحوسب وألزم بمال من قبل الضياع التي حلّها وعقدها تخطيطه في الارتفاع. ثمّ خرّج عليه خراج ضياعه بالشام وضيّق عليه بسببه ولحقه منه عنت شديد. وأحيل عليه في سنة أربع وثمانين أصحاب منصور الجوذريّ فشدّدوا عليه في المطالبة ومدّوا أيديهم إليه، ورموه عن مركوبه إلى الأرض، ففرّ منهم والتجأ إلى دار القائد أبي عبد الله الحسين بن البازيار، وقد انكسر إصبعه، وطلبوا [ا] بنه فوثبوا به. فقام في أمره القائد حتى سكتوا عنه. فلمّابلغ ذلك العزيز بالله أنكره. وما زال ملازما داره حتى مات بها في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين (١) وثلاثمائة عن اثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيّام، فجعلت في فيه ثلاث شعرات من شعر النبيّ ﷺ كان ابتاعها بمال عظيم، وكانت عنده في درج ذهب محتزمة الأطراف بالمسك، فأوصى أن تجعل في فيه بعد موته [٣٠٠ أ]، ففعل ذلك. وصلّى عليه القاضي حسين بن [علي بن] النعمان في داره، ودفن بها، وحضر جنازته سائر قوّاد أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبي علي منصور ابن العزيز، وسائر أولياء الدولة وأكابر الناس. قال المسبّحي (٢): وكان ﵀ من الفضل والعلم والدين والتصرّف في سائر العلوم بمنزلة لم يشاهد مثلها، وحدّث وأسمع وأملى عدّة مجالس، وعمل مستخرجا على صحيحي البخاري ومسلم، وكان كثير البرّ والصّلات لآل رسول الله ﷺ كثير الصدقة شديد الغيرة على حرمه، مبالغا في الحجاب لهم، لما تمّ عليه من أولاده الكبار، وذلك أنّ فيهم من واقع أخته وأحبلها. فمنع أولاده الذكور من رؤية أمّهاتهم وأخواتهم. حدّثت طرف المغنّية جارية ابنه أبي محمّد قال [ت]: كنت في منزلي بجواره بعد وفاة مولاي أبي محمّد أنا وابنتي وعدّة جوار يخدمنني. فلمّا كان نصف الليل إذا بالخدم قد دخلوا عليّ وقالوا: سيّدنا يستدعيك. فلبست ثيابي ونهضت معهم، فصرفت إليه أنا وابنتي وجوارينا، فإذا به في مجلس، فقبّلت يده أنا وابنتي، فأمر [نا] بالجلوس وباسطنا ثمّ قال: يا بنيّة، تحفظين صوتا [٣٨٢ أ] كان يغنّي في دارنا؟ فقلت: إن رأى سيّدنا أن يذكره، فعل. فقال [الطويل]: أهاجك بالبيداء رسم ومنزل ... أضرّ به طول البلى فهو محول

стр. 957

وقفت به في الركب أبدي تجمّلا ... فأبدى الهوى ما كان يخفي التجمّل فغنّيته إيّاه بعد أن استدعيت العود، فما هو إلّا أن بدأت به حتى وضع كمّه على وجهه وانتحب انتحابا شديدا متداركا. فتوقّفت عن الغناء رحمة له فقال: غنّي! - وأخذ في شأنه من البكاء. ثم قال: حسبك! انصرفي! فقبّلت يده وقمت. فأخذ الخدم بيدي إلى قاعة قد فرشت وأعدّ فيها سائر ما يحتاج إليه الناس من الآلات والمأكل وغير ذلك، وجيء بابنتي وجواريّ إليّ، ثمّ أغلق علينا الباب. فو الله ما خرجت رجلي منها إلى أن توفّي ﵀. وكان قد تنسّك وعمره أربعون عاما فكان يصوم، وإذا أفطر نام ثمّ نهض وصلّى إلى الصبح. وكان يحمل كلّ سنة إلى بني حسن وحسين المال والبرّ والدقيق والدهن وغير ذلك، فلا يزالون في الدعاء له والثناء عليه، فمكّنوه لهذا من دفن أمّه بدار في جوار قبر رسول الله ﷺ . فلمّا حضرته الوفاة أوصى أن يدفن عند أمّه فحمل إلى المدينة النبويّة ودفن عندها. ومن شعره [البسيط]: من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر إنّ الرياح إذا اشتدّت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الثمر (١) ورآه سيبويه الموسوس بعد موت كافور في موكب عظيم، فقال: ما بال أبي الفضل قد جمع كتّابه ولفّق أصحابه وحشد بين يديه حجّابه [٣٨٢ ب]، وشمّم أنفه (٢)، وساق العساكر خلفه؟ أبلغه أنّ الإسلام طرق، أو أنّ ركن الكعبة سرق؟ فقال له رجل: هو اليوم صاحب الأمر ومدبّر الدولة. فقال: يا عجبا! أليس بالأمس نهب الأتراك داره، ودكدكوا آثاره، وأظهروا عواره، وهم اليوم يدعونه وزيرا، ثمّ قد صيّروه أميرا؟ ما عجبي منهم كيف نصبوه، بل عجبي كيف تولّى أمر عدوّهم ورضوه. وكان قد زوّج ابنه أبا العبّاس (٣) بابنة الوزير يعقوب بن كلّس، فدخل أبو العبّاس علي ابن كلّس يوما، فقال له: يا أبا العبّاس، ما أنا بأجلّ من أبيك ولا بأفضل! أتدري ما أقعد أباك خلف الناس (٤)؟ شيل أنفه! بالله، يا أبا العبّاس، لا تشل أنفك كأبيك (٥)! أتدري ما الإقبال؟ نشاط وتواضع؟ وتدري ما الإدبار؟ كسل وترافع! وكان أبو الفضل يهوى النظر إلى الحشرات والأفاعي والحيّات والعقارب وأمّ أربع وأربعين ونحو ذلك [٣٠٠ ب]، وكان له في داره قاعة لطيفة فيها هذه المذكورات، ولها قيّم وفرّاش وحاو يتعاهدها،

стр. 958

وكانت الحواة بأعمال مصر تتقرّب إليه بما تصيده من ذلك فيثيبهم عليها. وكان له وقت يجلس فيه على دكّة مرتفعة، ويدخل المستخدمون والحواة فيخرجون ما في السلل ويطرحونه على ذلك الرخام، ويحرّشون بين الهوامّ، وهو ينظر إليها (١). ١٠٧٨ - جعفر بن فلاح [- ٣٦٠] (٢) [٣٨٣ أ] جعفر بن فلاح بن مروان [ ... ]، أبو الفضل، الكتاميّ: من أرقى الكتاميّين بيتا وأجلّهم قدرا. كان أبوه قائدا جليلا، ولي مدينة طرابلس، وبرقة وباجة. وكان حسن السيرة في الرعيّة. مات في رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. ونشأ ابنه جعفر بالمغرب في خدمة المعزّ لدين الله. وهو أحد الجعفرين اللذين أرشد ابن هاني الشاعر الأندلسيّ إليهما، فإنّه، لمّا امتدح جوهر القائد، أعطاه مائتي درهم فاستقلّها وسأل عن كريم يمدحه فقيل له: عليك بأحد الجعفرين: جعفر بن فلاح وجعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسيّة، فمدح جعفر بن فلاح فأعطاه مائتي دينار. ومن شعره فيه [البسيط]: كانت محادثة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر حتى رأيت، فلا والله ما سمعت ... أذناي بالعشر ممّا قد رأى بصري (٣) ثمّ انتقل إلى جعفر ابن الأندلسيّة وهو يومئذ أمير الزاب، فلم يزل عنده إلى أن استدعاه المعزّ لدين [لله]، فبعث به إليه في جملة تحف وطرائف. ولمّا جهّز المعزّ لدين الله القائد جوهر من بلاد المغرب لأخذ مصر، سار معه جعفر بن فلاح إلى أن وافت العساكر الجيزة، وقد نزل الإخشيديّة بالجزيرة التي تعرف اليوم بالروضة لقتال جوهر، وضبطوا الجسرين (٤)، وتقدّم منهم عدّة إلى الجيزة. فلمّا شاهد جوهر ذلك عاد إلى منية شلقان، فعبر [إلى] مصر من هناك. وبعث فاستقبل المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها. وتولّى العبور إليهم جعفر بن فلاح عريانا في سراويل ومعه جمع من المغاربة، فوقع القتال، وقتل خلق من المصريّين. وكان الفتح، ودخول جوهر، وبناية القاهرة في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة (٥). فأقام جعفر بن فلاح بالقاهرة إلى ثاني عشر المحرّم سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وسار إلى الشام في عسكر كبير إلى أن قدم الرملة، وبها الحسن بن عبيد الله بن طغج وجعفر القرمطيّ (٦)

стр. 959

وفاتك ودرامك وعدّة من قوّاد الإخشيديّة ورجالهم، فقاتلهم قتالا شديدا، وأسر الحسن بن عبيد الله وجعفر القرمطيّ وابن الرياحي وفاتك وعدّة من الأعيان في يوم الثلاثاء لسبع خلون من ربيع الآخر [سنة ٣٥٩]، وأبعدهم إلى القاهرة في القيود مع ابنه. وأخذ السيف بقيّتهم، فقتل كثيرا منهم وتمكّن من الرملة، وذلك للنصف من شهر رجب. وأقام يتتبّع ما للحسن بن عبيد الله ولأصحابه من أموال حتى استخلصها. ثمّ سار إلى طبريّة وأخذ يبني قصرا عند جسر الصّنّبرة (١)، وكان على طبريّة فاتك غلام ملهم من قبل الإخشيديّة، فكاتبه جعفر وخدعه حتى قعد عن الحسن بن عبيد الله. وكاتب شمول الإخشيدي وهو على دمشق قد استخلفه عليها الحسن بن عبيد الله [٣٨٣ ب]، واستماله ووعده، فتمكّن من طبريّة، وثقل عليه أمر بني عقيل أهل بلاد حوران والبثنيّة (٢) الذين أقامهم كافور الإخشيدي، وهم شبيب بن [ ... ] وظالم بن مرهوب، وملهم بن [ ... ] (٣). فاستجلب إليه عرب مرّة وعرب فزارة، وأوعز إلى من يفتك بفاتك غلام ملهم، فوقف له عدّة من المغاربة ووثبوا به على حين غفلة، فجرّد سيفه وضرب رجلا منهم رمى نصف رأسه، وكثروا عليه وقتلوه. فتبرّأ جعفر من قتله وأظهر جزعا عليه وقبض على الجماعة الذين قتلوه وبعث بهم إلى ملهم (٤)، فقال لمّا وصلوا إليه [٣٠١ ب]: هو غلامي ومملوكي وقد وهبته للقائد- وأطلق الجماعة الذين قتلوه. واتّفق من الأمر الرديء لأهل دمشق أنّ مشايخ أهلها لمّا بلغهم قدوم جعفر بن فلاح إلى طبريّة خرجوا إلى لقائه، وفيهم عقيل بن الحسن بن الحسين العلويّ و [أبو القاسم إسماعيل] بن أبي يعلى العبّاسيّ، فوافوا يوم دخولهم إلى طبريّة قتل فاتك، وقد ثارت فتنة، والمغاربة ركبانا، وفيهم من يأخذ الناس، فقصدوا أهل دمشق فأخذوهم وجرّدوهم من ثيابهم وسبّوهم وتوعّدوهم وقالوا لهم: أوذا نحن سائرون إليكم! - فصاروا في أسوإ حال قد أخذت أثقالهم وثيابهم. فلقوا جعفر بن فلاح وعادوا إلى دمشق فأخبروا الناس بما جرى عليهم من الوعيد وأنّهم لقوا قوما جفاة قباح المنظر والزيّ والكلام ناقصي العقول. فاستوحشت قلوب أهل دمشق من المغاربة. وكان شمول قد خرج إلى لقاء جعفر بن فلاح وخلت مدينة دمشق من السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعّار وحمّال السلاح. واتّفق أيضا أنّ جعفر [ا] لمّا قتل فاتك [ا] عمل في قلع بني عقيل من أرض حوران والبثنيّة، فأنفذ إليهم مرّة وفزارة، وجهّز بعدهم جيشا من المغاربة. فالتقى القوم وأدركهم المغاربة فانهزم العقيليّون وتبعوهم إلى أرض حمص. ثمّ عادوا عنهم ومالوا على جبل سنير (٥) الذي يقال له اليوم جبل الثلج فنهبوا، ونزلوا الغوطة فجالوا فيها وساروا حتّى نزلوا على نهر يزيد نحو الدكّة (٦). فثار عليهم أهل دمشق وقاتلوهم وقتلوا منهم [رجلا] (٧) من العرب يقال له عيسى بن دهاس الفزاريّ، وهزموهم عن

стр. 960

دمشق، وذلك يوم الخميس لثمان خلون من ذي الحجّة. فأقبل صبيح بطلائع عسكر جعفر بن فلاح ونزل خارج دمشق، فخرج الناس إليه مستعدّين للحرب في خيل [٣٨٤ أ] ورجل فاقتتلوا يومهم ذلك ثمّ انصرفوا. وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا وصاح الناس في جامع دمشق بعد الصلاة: «النفير! »، فخرج النفير واشتدّ القتال إلى آخر النهار، ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون من ذي الحجّة يوم عيد الأضحى فقاتله الناس على الشمّاسيّة والقطيعة (١)، ولم يصلّ الناس يومئذ صلاة العيد. وخرج ابن أبي يعلى، فلم يزل القتال إلى بعد العصر فكلّت الدماشقة، وحمل عليهم المغاربة، فانهزموا وركب المغاربة أقفيتهم وبذلوا فيهم السيف فقتلوا من ظفروا به. وقام بأمر البلد أبو إسحاق محمد بن عصودا وغلّق الأبواب وأوقف الرماة على شرفات السور، فرموا المغاربة بالنشّاب. ونزل العسكر أرض عاتكة (٢) وطرحوا النار فيما هنالك من الأبنية، فانهزم ابن أبي يعلى وانفلّ من كان معه فقتل خلق كثير. ودخل فرقة من المغاربة باب الجابية، فتكاثر الناس عليهم وأخرجوهم وأغلقوا الباب. فأحاط العسكر بالبلد من كلّ ناحية، ووقعت المضاربات وارتفع ضجيج الرجال والنساء والصبيان بالبكاء والنّفير، وظنّوا أنّ القوم يدخلون البلد بالسيف، وكان قد قرب غروب الشمس، فأمسك العسكر عن القتال. وتقدّم رجل من العسكر وأشار إلى من فوق الأسوار وحدّثهم، فأمسكوا عن الرمي، وبات أهل دمشق ليلة الأحد في سدّ الأبواب وتضييق الدروب وكسر القنا في الأسواق وحفر الخنادق، وعزموا على القتال وباتوا على خوف. فلمّا أصبحوا خرج المشايخ إلى جعفر بن فلاح ليتحدّثوا معه في الصلح، فما هو إلّا أن ساروا عن البلد قليلا [حتّى] خرج عليهم فرسان من المغاربة [ف] أخذوا ما عليهم من الثياب وقتلوا منهم رجلين. فلمّا رأى من كان فوق المآذن والأسطحة ذلك صاحوا: «اضبطوا الأبواب، فقد شلّحوا المشايخ! » (٣)، فظنّ الناس أنّ العسكر يريد الركوب، ودخل المشايخ عريا، فارتاع أهل البلد واشتدّ خوفهم وتحيّروا. ثمّ جرت بينهم مراسلة فخرجوا إلى جعفر فرهب عليهم [٣٠١ ب] و [أ] وعد البلد بالنار والسيف، فعاجوا خائفين وجلين وبلّغوا أهل البلد ما أقلقهم فاشتدّ اضطرابهم، وعاد المشايخ ثانيا إلى جعفر فاشتدّ عليهم وأرعد وأبرق فسألوه العفو. فقال: ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إليّ ومعكم النساء [٣٨٤ ب] فيتضرّعن ويكشفن شعورهنّ ويمرّغنّها في التراب بين يديّ (٤)! فقالوا: نفعل ما يقول القائد. ورجعوا إلى البلد وخرجوا إليه بما طلب من تضرّع النساء وكشفهنّ الشعور بين يديه، وهو مع ذلك يرهبهم، ثمّ باسطهم وقال: أريد [أن] أدخل يوم الجمعة للصلاة. فانصرفوا عنه، وركب يوم الجمعة في عسكره ودخل البلد. فلمّا خرجوا من الجامع وضع جماعة من العسكر أيديهم في السوق ونهبوا. ثمّ أرادواأن

стр. 961

يدخلوا إلى الأزقّة، فثار بهم الناس وقتلوا كثيرا من الرجّالة، فاشتدّ جعفر على المشايخ ووعدهم بكلّ مكروه، وقال لهم: دخل رجال أمير المؤمنين إلى الصلاة فقتلتموهم! لأسوّينّ بهذا البلد الأرض! فلطفوا به وداروه، فقال: أريد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين. فأذعنوا لذلك، وكان الذي يتولّى خطابه الشريف أبو القاسم أحمد بن الحسين العقيقي، و [ ... ] بن أبي هاشم. ودخلوا البلد وقسّطوا المال على الناس. وشرع العسكر في البناء فوق نهر يزيد عند الدكّة وعملوا مساكن وأسواقا حتى صارت تشبه المدينة، وبنوا قصرا عظيما شاهقا في الهواء (١)، غريب البنيان. فلمّا استقرّ في الدكّة طلب حمّال السلاح وضرب أعناق كثير منهم وصلب جثثهم وعلّق رءوسهم على أبواب المدينة، منها رأس إسحاق بن عصودا. وبعث بأزرق إلى حمص وسلميّة، فخرج إليه أهل سلمية بكتاب عبيد الله المهديّ جدّ المعزّ لدين الله بترك الخراج لهم متى ملكهم. فبعث بذلك إلى جعفر فأمره بالوفاء لهم. وقدم ابن عليان العدويّ وقد قبض على [ ... ] (٢) بن أبي يعلى العباسيّ لمّا انهزم من نحو تدمر، وهو يريد بغداد، فأمر به جعفر فشهّر في العسكر على جمل ثمّ حمله إلى القاهرة. وأمّا محمّد بن عصودا فإنّه لمّا انهزم سار إلى الأحساء هو وظالم بن مرهوب العقيليّ، وحثّا القرامطة على المسير إلى الشام، فوافق ذلك منهم الغرض لأنّ الإخشيديّة كانت تحمل في كلّ سنة إلى القرامطة مالا، فلمّا أخذ جوهر مصر انقطع المال عن القرامطة، فأخذوا في الجهاز للمسير إلى الشام. وجهّز جعفر غلامه فتوحا في عسكر إلى أنطاكية، وكانت بيد الروم، فسار في صفر سنة ستّين وطلب أهل أعمال فلسطين وطبريّة، وسيّر [٣٨٥ أ] عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية فنازلوها، وكان الوقت شتاء، إلى أن دخل الصيف، وهم يداومون القتال. وبعث سريّة فيها أربعة آلاف إلى إسكندرونة وعليهم عرائس، ومعهم ابن الزيّات (٣) أمير طرسوس، وكان عليها عسكر للروم. فظفروا في طريقهم بمائتي بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فتقوّوا بها، وساروا إلى مرج إسكندرونة وفيه مضارب الروم الديباج، فتسرّع إليها رجالة تنهبها، فحمل عليهم الروم فانهزموا وأخذهم السيف، ونجا عرائس وابن الزيّات في طائفة ولحقوا بجعفر، وهلك كثير ممّن كان في السريّة. فكثرت الأخبار بمسير القرامطة إلى الشام، وأنّهم نزلوا على الكوفة، وكتبوا إلى الخليفة ببغداد فأنفذ إليهم خزانة سلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبي تغلب عبد الله ابن ناصر الدولة ابن حمدان، من مال الرحبة (٤)، وأنّهم ساروا من الكوفة إلى الرحبة وأخذوا من ابن حمدان المبلغ. فكتب جعفر إلى غلامه فتوح وهو على أنطاكية يأمره بالرحيل. فوافاه الكتاب مستهلّ شهر رمضان [سنة ٣٦٠]، فشرع في شدّ أحماله، ونظر الناس إليه فجفلوا ورموا خيمهم وأراقوا طعامهم. وأخذوا في السير مجدّين إلى دمشق، فلمّا وافوا جعفرا أراد أن يقاتل بهم القرامطة، فلم يقفوا وطلب كلّ قوم موضعهم، ولم يبالوا بالموكّلين

стр. 962

على الطرق. وعند ما نزل القرامطة على الرحبة أكرمهم أبو تغلب، وبعث إلى الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنّابي المعروف بالأعصم كبيرهم، يقول له: هذا شيء أردت أن أسير أنا فيه بنفسي، لكنّي مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد إليّ خبرك، فإن احتجت إلى [٣٠٢ أ] مسيري سرت إليك. ونادى في عسكره: من أراد السير من الجند الإخشيديّة وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد، فلا اعتراض لنا عليه، وقد أذنّا له في المسير، والعسكران واحد. فخرج إلى القرامطة كثير من الإخشيديّة الذين كانوا بمصر وفلسطين ممّن فرّ من جوهر وجعفر بن فلاح. وكان جعفر لمّا أخذ طبريّة بعث إلى أبي تغلب بن حمدان بداع يقال له أبو طالب التّنوخي يقول له: «إنّا سائرون إليك فتقيم لنا الدعوة». فلمّا قدم الداعي على أبي تغلب وهو بالموصل وأدّى الرسالة، قال له: «هذا ما لا يتمّ، لأنّا في دهليز بغداد والعساكر منّا قريبة. ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرته». [٣٨٥ ب] فانصرف بغير شيء. ثمّ إنّ الحسن بن أحمد القرمطي سار عن الرحبة إلى أن قرب من دمشق. فجمع جعفر خواصّه واستشارهم، فاتّفقوا على أن يكون لقاء القرامطة في طرف البريّة قبل أن يتمكّنوا من العمارة. فخرج إليهم وقاتلهم قتالا شديدا، فانهزم عنه عدّة من أصحابه، فولّى في عدّة ممّن معه. وركب القرامطة أقفيتهم وقد تكاثرت العربان من كلّ ناحية وصعد الغبار، فلم يعرف كبير من صغير. ووجد جعفر قتيلا (١)، لا يعرف له قاتل. وكانت هذه الوقعة يوم الخميس لستّ خلون من ذي القعدة سنة ستّين وثلاثمائة. فامتلأت أيدي القرامطة بما احتووا عليه من المال والسلاح وغيره. وخرج محمّد بن عصودا إلى جثّة جعفر بن فلاح وهي مطروحة على الطريق فأخذ رأسه وصلبه على حائط داره، وأراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق بن عصودا. وملك القرامطة دمشق. وورد الخبر بذلك على جوهر القائد فاستعدّ لحرب القرامطة. وكان جعفر أحمق هذّارا كثير الكلام، أكثر كلامه بغير طائل. وكان يحسد جوهر القائد لتقدّمه عليه. وكاتب المعزّ فيه كما هو مذكور في ترجمة جوهر (٢).

стр. 963

١٠٧٩ - ابن الدبوقا الدمشقيّ [٦٢١ - ٦٩١] (١) [٣٨٦ أ] جعفر بن القاسم بن جعفر بن عليّ بن جيش، رضيّ الدين، أبو الفضل، ابن دبوقا، الدمشقيّ، المقرئ، الكاتب. ولد سنة إحدى وعشرين وستّمائة بحرّان، وكان أبوه كاتبا بها. ثمّ قدم دمشق. وقرأ القراءات على السخاوي وبرع في العربيّة والأدب، وتصرّف في الكتابة حتى أضرّ في أواخر عمره، فجلس للإقراء بجامع بني أميّة فقرأ عليه الناس، وحدّث حتى مات في سادس عشرين شهر رجب سنة إحدى وتسعين وستّمائة. وكان جيّد المعرفة بالأداء فصيحا متقنا موطّأ الأكناف. قدم القاهرة فيما ذكر بعضهم. ١٠٨٠ - ابن جدار الكاتب [- ٢٦٨] (٢) [٣٨٧ أ] جعفر بن محمّد بن أحمد، ابن جدار، أبو القاسم، الكاتب، شاعر مصر. حسن البلاغة، له ديوان شعر ومكاتبات كثيرة حسنة. وقام مع العبّاس بن أحمد بن طولون، فلمّا ظفر الأمير أحمد بن طولون بابنه العبّاس وقد صار ابن جدار وزيره وصاحب أمره، ضربه ثلاثمائة سوط وقطع يديه ورجليه، فمات في ذي القعدة سنة ثمان وستّين ومائتين. ومن شعره [الرمل]: زارني زور ثكلتهم ... وأصيبوا حيثما سلكوا أكلوا حتى إذا شبعوا ... حملوا الفضل الذي تركوا ١٠٨١ - جعفر بن محمد الكلبيّ الصقليّ [- ٣٧٥] (٣) [٣٨٧ ب] جعفر بن محمد بن الحسن بن عليّ بن أبي الحسين، الكلبي، الصقليّ، أمير صقلّيّة. كان أمراء بني أبي الحسين بصقليّة يتوارثون إمارتها مدّة سنين. وأوّل من ولي منهم الحسن بن عليّ في سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة من قبل الإمام المنصور بنصر الله أبي الطاهر إسماعيل بن محمد القائم بأمر الله بن عبيد الله المهديّ الفاطميّ. ثمّ ولي بعد الحسن بن عليّ ابنه أبو الحسين أحمد بن الحسن، ثمّ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن عليّ، ثمّ ابنه جابر بن أبي القاسم عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد هذا. وكان أبوه أبو عبد الله محمد بن الحسن قد قدم إلى مصر مع المعزّ لدين الله ومات بالقاهرة. فلمّا مات المعزّ واستخلف من بعده ابنه العزيز بالله أبا منصور نزار بن المعزّ ونافق حمزة بن [ثعلة] (٤) الكتامي بأسوان في سنة ثمان وستّين وثلاثمائة أخرج إليه جعفر بن محمّد هذا، فأخذه ودخل به القاهرة ومعه أمواله وجواهره ونعمه: فلمّا قتل أبو القاسم عليّ بن حسن أمير صقليّة لعشر بقين من المحرّم سنة اثنتين وسبعين في الجهاد وقام من بعده ابنه جابر كتب قوم من أهل صقلّيّة إلى العزيز يعرّفونه عجز جابر عن القيام بأمر صقلّية. فأمر

стр. 964

العزيز جعفر بن محمد هذا أن يمضي من مصر إلى صقلّيّة وعقد له بولايتها. وقد كان في رتبة أبيه من الوزارة والحال الجليلة. فخاف منه الوزيريعقوب بن كلّس وأراد إبعاده، فحسّن للعزيز ولايته صقليّة وعرّفه أنّ الثغر يتلف ما لم يله (١)، فتمّت حيلته وولّاه العزيز. فخرج من القاهرة في البرّ، ومعه خيل يسيرة فوصل إلى مدينة المنصوريّة يوم الأربعاء لخمس خلون من صفر سنة ثلاث وسبعين [وثلاثمائة]، وبين يديه عشرون فرسا بالسروج المحلّاة الثقيلة، وخمسة بنود مذهبة وخمس عماريّات، ومعه سبكتكين التركيّ (٢)، فلقيه عبد الله بن محمد الكاتب (٣) وأنزله. فنادى مناديه في الناس بإعطاء الأرزاق السنيّة، فأتاه جماعة من الناس فلم يحتمل ذلك عبد الله ونادى: «من مضى إلى جعفر بن [محمّد] بن الحسن، فقد حلّ دمه». وأخذ قوما سائرين نحوه فضرب أعناقهم. فرحل عند ذلك للنصف منه يريد المهدّية، ورحل معه عبد الله فأتته ثاني يوم وصوله خمسة مراكب حربيّة من صقلّيّة بهدايا جليلة وعدّة عظيمة بعث بها إليه ابن عمّه جابر بن أبي القاسم، فركب فيها يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر [سنة ٣٧٣]، وسار إلى صقلّيّة فتسلّمها من جابر بغير مدافعة واستقامت له أمورها. وكتب إليه العزيز في سنة خمس وسبعين يأمره أن يدفع إلى الراهب الذي هو أبو جاريته [٣٨٨ أ] السيّدة العزيزيّة (٤)، القلاع التي افتتحها جدّه الحسن بن علي بن أبي الحسين، وأن يدفع إليه كلّ شيء عنده من قديم وحديث. فقدم الراهب إلى صقلّيّة فأنزله جعفر ووكّل به ومنع أن يدخل عليه أحد، حتى إنّه كان إذا عبر الحمّام صحبه عدّة من المسلمين حتى يدخل ويخرج فيردّو [ن] هـ إلى موضعه. فأقام على هذا نحو أربعة أشهر. ثمّ جمع له كلّ شيخ وعجوز وعليل من النصارى ودفعهم إليه، وهم نحو مائة نفس وأمره بالرحيل، [فأفلت وما صدّق بنجاته] (٥) فمضى إلى القسطنطينيّة، وكتب إلى العزيز بما كان فيه مع جعفر. وأمر جعفر بعد مسير الراهب فاشترى مركبا أندلسيّا وشحنه بطرائف الأندلس، وأظهر أنّ ابن أبي عامر بعثه إليه، وكتب إلى العزيز بأنّ صاحب الأندلس قد كتب إليه يدعوه إلى طاعته ويعده أن يقطعه من الأندلس كلّ ما يسأله. فكتب إليه العزيز بأنّ سلفه

стр. 965

من بني أبي الحسين ما عرفوا قطّ إلّا طاعته وطاعة آبائه- يحضّه عليها- فبقي جعفر يداري أمره، والقلاع بأيدي المسلمين، فلم يرم أن مات في يوم [ ... ] سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فولي بعده أخوه عبد الله بن محمّد. ١٠٨٢ - القاضي ابن سناء الملك [٥٢٥ - ٥٩٢] (١) [٣٨٩ أ] جعفر بن محمّد بن هبة الله بن محمد، القاضي الرشيد، أبو الفضل، ابن سناء الملك. ولد للنصف من شوّال سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وتوفّي في يوم الثلاثاء خامس ذي الحجّة سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ١٠٨٣ - ابن عبد الرحيم القنائيّ [٦١٩ - ٦٩٦] (٢) [٣٩٠ أ] جعفر بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد بن حجون بن محمد بن حمزة بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الشريف صدر الدين، أبو الفضل، ابن الإمام ضياء الدين، ابن الشيخ عبد الرحيم، الحسينيّ، السّبتي الأصل، القنائي، الفقيه الشافعي. مولده بقنا في سنة تسع- أو ثماني- عشرة وستّمائة، وأخذ الفقه عن البهاء القفطيّ، والمجد القشيريّ، وسمع الحديث من البهاء عليّ بن الجمّيزى (٣)، والحافظ أبي الحسين يحيى بن عليّ العطّار. [٣٠٣ أ] وسمع بدمشق من الزين خالد وغيره. وولي قضاء قوص، ثمّ وكالة بيت المال بالقاهرة، وتدريس المشهد الحسينيّ. واشتهر بمعرفة الفقه والأصول والأدب، وبعد صيته. توفّي في يوم [ ... ] ثاني عشر شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين وستّمائة. وقد حدّث فروى عنه الحفّاظ، كالدمياطيّ، وأبي حيّان، وعبد الكريم الحلبيّ، وتخرّج به جماعة، منهم ابن الرفعة، وابن عدلان. وكان من الأعيان، وأفتى بضعا وأربعين سنة على السداد. وكان يقال إنّه يصلح للخلافة لما اجتمع فيه من الأوصاف الجميلة. ومن شعره وهو بعرفة [الكامل]: أتظنّ أنّ الله يفردني ... بالردّ وحدي دون من وقفا (٤) حاشى الكريم وقد وقفت له ... أن لا يسامح بالذي سلفا ١٠٨٤ - جعفر الأفضليّ [٥٤٣ - ٦٢٢] (٥) [٣٩١ أ] جعفر بن محمّد بن مختار، الأفضليّ، الأمير الكبير، أبو الفضل، مجد الملك، ابن الأمير شمس الخلافة أبي عبد الله، ابن شمس الخلافة، الأفضليّ، المصريّ، القوصيّ، الشاعر الأديب. ولد في ثاني عشر المحرّم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ونشأ بالقاهرة وتأدّب. وقال الشعر، وكتب الخطّ الجيّد. وله تصانيف تدلّ على فضله. وكان من الأذكياء، وحدّث بديوانه، وامتدح جماعة.

стр. 966

روى عنه الزكيّ المنذريّ، والشهاب القوصيّ. وخدم السلطان صلاح الدين أميرا، ثمّ خدم ابنه الملك العزيز. وتوجّه إلى حلب وخدم صاحبها غازي. ثمّ عاد إلى مصر. وذكر الذهبيّ أنّ اسمه جعفر بن إبراهيم بن عليّ (١)، وقال: ووهم ابن الشعّار في وفاته فذكرها في سنة عشر. ووهم أيضا في اسمه المنذريّ (٢) [ ... ]. ومات يوم الجمعة الثاني عشر من المحرّم سنة اثنتين وعشرين وستّمائة بخطّ الكوم الأحمر خارج مدينة مصر، ودفن بالقرافة. وكان شاعرا مشهورا، وفاضلا مذكورا، يكتب الخطّ الجيّد، وللناس رغبة في خطّه لحسنه وصحّته. وله تواليف جمع فيها لطائف دلّت على جودة اختياره. وله ديوان شعر أجاد فيه. فمن مصنّفاته كتاب [الآداب النافعة بالألفاظ المختارة الجامعة] (٣). ومن شعره [الكامل]: هي شدّة يأتي الرخاء عقيبها ... وأسى يبشّر بالسرور العاجل وإذا نظرت فإنّ بؤسا زائلا ... للمرء خير من نعيم زائل وله في الصاحب صفيّ الدين عبد الله بن عليّ بن شكر [الكامل]: مدحتك ألسنة الأنام مخافة ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسن أترى الزمان مؤخّرا في مدّتي ... حتّى أعيش إلى انطلاق الألسن؟ ١٠٨٥ - المهذّب شلعلع [- بعد ٥٧٧] (٤) [٣٩٢ ب] جعفر بن مفضّل بن زيد، القرشيّ، مهذّب الدين، المعروف بشلعلع. قال العماد الكاتب: نظمه كالعقد المجزّع، والوشي الملمّع، والإكليل المرصّع. كتب إليّ يستأذن عليّ [الوافر]: تأمّل أيّها المولى العماد ... أديب ساقه منك الوداد أتاك به توسّله لتأسو ... بقرب منك ما جرح البعاد فإن تأذن له في أن [ ... ] ... ببغيته فقد حصل المراد (٥) ١٠٨٦ - ظهير الدين التزمنتيّ [- ٦٨٢] (٦) جعفر بن يحيى بن جعفر، التزمتنيّ، ظهير الدين، القرشيّ، الفقيه، الشافعيّ. تفقّه على ابن بنت الجمّيزى [وسمع الحديث] من فخر القضاة [أحمد بن محمّد] بن الحبّاب. وتقدّم في المذهب إلى أن صار شيخ الشافعيّة في زمانه. وصنّف شرح مشكل الوسيط (٧). وممّن تفقّه عليه الإمام نجم الدين ابن الرفعة. وكان موته في ثاني عشر جمادى الأولى سنة

стр. 967

اثنتين وثمانين وستّمائة. ١٠٨٧ - تاج الدولة الكلبيّ [- بعد ٤١٠] (١) [٣٥٧ أ] جعفر بن يوسف بن عبد الله بن محمّد بن الحسن بن علي بن أبي الحسين، الكلبيّ، أبو محمّد، ابن أبي الفتوح- ويقال أبي الفتح- الأمير تاج الدولة، سيف الملّة، ابن الأمير ثقة الدولة، أحد أمراء صقلّية المعروفين ب «بني أبي الحسين». قام بأمر صقلّيّة نيابة عن أبيه الأمير أبي الفتح ثقة الدولة يوسف لمّا فلج وتعطّل جانبه الأيسر في [أواخر رجب] (٢) سنة ثلاث وأربعمائة، فلقّبه الحاكم بأمر الله منصور ابن العزيز ب «تاج الدولة وسيف الملّة» (٣)، فاستقرّ على ولايته. وفي آخر رجب سنة خمس وأربعمائة خالف عليه أخوه الأمير علي بن يوسف، فقتله بمعونة أخويه أحمد وحسن (٤). ثمّ خرج أهل صقلّية عن طاعته لظلمه وحصروه، فخرج إليهم أبوه يوسف في محفّة حتّى ردّهم عن محاربته، وصرفه عنهم، وولّى عليهم ابنه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف في سادس المحرّم سنة عشر وأربعمائة، وسيّره (٥) من صقلّية إلى القاهرة فقدمها. وسار أبوه من بعده إليها بأموالها وكانت كثيرة جدّا (٦). ١٠٨٨ - جلدك التقويّ والي دمياط [بعد ٥٤٠ - ٦٢٨] (٧) [٣٩٣ أ] جلدك بن عبد الله، الأمير شجاع الدين، أبو المنصور، المظفّريّ، التقويّ (٨). ولد في أعوام بضع وأربعين وخمسمائة [ ... ]، تأدّب وتفقّه وسمع من السّلفيّ. وكان يعرف كتاب الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاريّ. وكتب بخطّه أربعا وعشرين ختمة قرآن. وشهد عدّة مواقف في الجهاد. وولي ثغر الإسكندريّة ودمياط وشدّ الدواوين بديار مصر. ومات بالقاهرة عن نيّف وثمانين سنة في ثامن عشرين شعبان سنة ثمان وعشرين وستّمائة. ومن شعره قوله [الدوبيت]: المرء مع الزمان في حالاته ... ينقاد لحكمه على علّاته فاقصد في السعي إنّ في أوقاته ... يأتيك الرزق مسرعا من ذاته وقوله [الدوبيت]: قبّلت فم الحبيب والشرب نيام ... سرّا وفضضت من ثناياه ختام أحببت بأن أبلّ باللثم أوام ... فازداد قلبي وازددت هيام (٩)

стр. 968

وقوله [السريع]: هذا قريضي حين حرّزته ... علمت أنّي لست من أهله وكتبته لا لغرامي به ... لكن عسى أذكر من أجله وقوله [في غلام يتعلّم علم الهندسة والهيئة- الطويل]: وذي هيئة يزهى بوجه مهندس ... أموت به [في] كلّ يوم وأبعث محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به إقليدسا يتحدّث فعارضه خطّ استواء، وخاله ... به نقطة، والصدغ شكل مثلّث ١٠٨٩ - جمّاز بن شيحة الحسينيّ أمير المدينة [- ٧٠٤] (١) [٣٩٤ أ] جمّاز بن شيحة بن هاشم بن القاسم بن المهنّا بن حسين بن المهنّا بن داود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب- ﵈ الشريف، الأمير عزّ الدين، أبو سند، الحسينيّ، أمير المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ولي إمارة المدينة في [ ... ] وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة. وكرّمه السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون وعظّمه وأجلّ منزلته. وكان الشريف [ ... ] صاحب ينبع قد قبض عليه، فلم يزل يتلطّف في أمره حتى أفرج عنه. وتوسّط أيضا في الصلح بين السلطان وبين الشريف أبي نميّ صاحب مكّة، وكان في تغيّب عن ملاقاة الركب، والسلطان يتهدّده بتجهيز العسكر لقتاله. وتكفّل بردّه إلى الطاعة وحمل كتاب السلطان إليه بمكّة وقام عليه حتى خطب للسلطان بمكّة وضرب [ت] [٣٠٤ أ] الدراهم والدنانير باسمه. وكتب بذلك محاضر بعثها مع شرف الدين أحمد ابن الشيخ قطب الدين ابن القسطلانيّ. فسرّ السلطان بذلك وردّ عليه إقطاعاته، وشكر جمّاز على ما كان منه. وما زال على إمارة المدينة إلى أن أضرّ وعلت سنّه. ومات في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعمائة. وأضرّ في آخر عمره، فأقام السلطان عنه ولده منصورا، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة أربع وسبعمائة، واستمرّ في الإمرة بعده. ١٠٩٠ - الجلاح الضبّيّ [٣٩٣ أ] جلاح الضبّيّ، من بني هلال بن معاوية بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ثعلبة بن سعد بن ضبّة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. كان بينه وبين مالك بن المنتفق من بني صباح بن سعد بن ضبّة مشاجرة. فاتّفق الجلاح وابن عمّه أبو الليل على قتل مالك. فقتلاه وهربا. فأدرك أبو الليل في الحرم فقتل. وأدرك الجلاح بمصر فقتل. وفي ذلك يقول الفرزدق [الطويل]: فلا يصرم الله اليمين التي سقت ... أبا الليل تحت الليل سجلا من الدم (٢)

стр. 969

١٠٩١ - حمدان بن صلغاي [- بعد ٦٩٨] (١) [٣٩٦ أ] حمدان بن صلغاي [ ... ]. [ ... ] ثمّ خرج إلى الشام بصورة أنّه يستحثّ العساكر المجرّدة إلى سيس على أخذها، وفي الباطن إنّما هو رسول الأمير منكوتمر نائب السلطنة بمصر ليقبض على كثير من أمراء مصر المجرّدين وأمراء الشام. فقدم دمشق وأعلم الأمير جاغان المشدّ بما ندب له. وخرج إلى الأمير قبجق نائب دمشق، وقد رحل بعساكره إلى حمص فلقيه هناك. ومضى إلى حلب وأطلع النائب بلبان الطباخيّ بأنّه يريد مسك الأمير بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكي نائب صفد، والأمير عزّ الدين طقطاي والأمير بزلار، والأمير عرار. فنمى الخبر إليهم فاحترزوا على أنفسهم. ولحق بكتمر السلاح دار بالأمير قبجق نائب دمشق ومعه عدّة من الأمراء، وكان من خبرهم ما ذكر في ترجمة قبجق (٢). وفي أثناء ذلك قتل السلطان لاجين ونائبه الأمير منكوتمر في ليلة الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستّمائة. فقدم الخبر بذلك إلى دمشق في تاسع عشره. فقبض على حمدان وسجن ثمّ حمل مقيّدا إلى القاهرة هو والأمير سيف الدين كجكن المنصوري في شهر رمضان. فأعيد حمدان إلى صفد، فكان آخر العهد به. ١٠٩٢ - جميل بثينة [- ٨٢] (٣) [٣٩٧ أ] جميل [بن حنّ] بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن خيبري بن ظبيان بن حنّ بن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أبو عمرو، الحنّيّ، العذريّ، أحد الشعراء المشهورين، يعدّ في الطبقة السادسة من شعراء الإسلام، ويعرف بجميل بن معمر صاحب بثينة. حدّث عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ من الشعر لحكمة. حكى عنه محمد بن راشد بن عمرو الحبطي، وكثيّر بن أبي جمعة (٤) الشاعر. ووفد على الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. وقدم مصر وحضرته الوفاة بها، فقال وقد ذكر بثينة [الكامل]: صدع النعيّ فؤادها بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول فبلغ ذلك بثينة، فقالت [الطويل]:

стр. 970

وإنّ سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما جاءت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا متّ، بأساء الحياة ولينها وكان مع الوليد بن عبد الملك في سفر، والوليد على نجيب. فرجز به [مكين العذريّ] (١)، فقال: يا بكر هل تعلم من علاكا؟ ... خليفة الله على ذراكا فقال له الوليد: انزل فأرجز! وظنّه يمدحه. فنزل فقال: أنا جميل في السّنام من معدّ ... في الذروة العلياء والركن الأشدّ فقال له: اركب لا حملك الله! ولم يمدح جميل أحدا قطّ. ١٠٩٣ - جناب الرعينيّ نائب أمير مصر [- ٨٣] (٢) [٣٩٨ أ] جناب بن مرثد بن زيد بن هانى الرعينيّ [٣٠٤ ب]، أبو هاني. شهد فتح مصر. وحدّث عن معاذ بن جبل، وكان ممّن بايعه لمّا بعثه النبيّ ﷺ إلى اليمن. وحدّث عنه بكر بن سوادة. ولّاه عبد العزيز بن مروان أمير مصر على الحرس والخيل والأعوان، وضمّ إليه ثلاثمائة من الأمداد. فكان الرجل إذا أغلظ لعبد العزيز وخرج تناوله جناب ومن معه فضربوه وحبسوه، فاشتدّ به سلطان عبد العزيز. فلمّا نزل حلوان وسكنها، جعل جناب على الحرس والشرط والأعوان. ثمّ استخلفه في سنة أربع وسبعين على الإسكندريّة، ولم يعزله عن الحرس والأعوان، ولكنّه استخلفه عليهما حتى قدم من الوفادة إلى أخيه عبد الملك بن مروان. فلمّا قدم الصريخ إلى الفسطاط بنزول الروم الإسكندريّة، نهض جناب في رعين على مقدّمة عبد العزيز فلقي الروم، وفيهم عدد. فحملته الشجاعة على الإقدام عليهم، فقاتلهم فقتل في عدد من رعين. ثمّ أتى عبد العزيز في عظم الناس فقاتل الروم وهزمهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وذلك في سنة ثلاث وثمانين على الصحيح. وجناب بجيم مفتوحة بعدها نون، وفي آخره باء موحّدة من تحتها. كذا ضبطه ابن ماكولا. ١٠٩٤ - جنادة بن أبي أميّة الأزديّ [- ٨٠] (٣) [٣٩٩ أ] جنادة بن أبي أميّة- واسمه كبير، وقيل: مالك- الأزديّ، ثمّ الزهرانيّ. وقال فيه أبو حاتم: الدوسيّ، وإذا صحّ فيه الدوسيّ فهو من زهران بن كعب. وإذا صحّ فيه الأزديّ فهو من زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهو قبيل عظيم فيه بطون وأفخاذ. كان من صغار الصحابة، روى عن النبيّ ﷺ ، وروى عن معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وابن عمر. شهد فتح مصر، وولي البحرين من أيّام عثمان بن عفّان إلى أيّام يزيد بن معاوية إلّا ما كان من زمن الفتنة. روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني،

стр. 971

وأبو قبيل المعافري، وشييم بن بيتان (١)، ويزيد بن صبح، والحارث بن يزيد الحضرميّ. وتوفّي بالشام سنة ثمانين. ١٠٩٥ - جنادة الأزديّ الهرويّ اللغويّ [- ٣٩٩] (٢) [٣٩٩ ب] جنادة بن محمّد، الأزديّ، الهرويّ، اللغويّ. كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها، عارفا بحوشيّها ومستعملها ولم يكن في زمنه مثله في فنّه. حضر مجلس الصاحب إسماعيل بن عبّاد بشيراز، وهو شعث الزيّ ذو أطمار رثّة وسخة، فجلس قريبا من الصاحب، وكان مشغولا. فلمّا بصر به قطّب وقال: قم يا كلب من ههنا! فقال له جنادة: الكلب هو الذي لا يعرف للكلب ثلاثمائة اسم. فمدّ عند ذلك الصاحب يده، وقال: قم إلى ههنا، فما يجب أن يكون مكانك حيث جلست، ورفعه إلى جانبه. وقدم مصر وصحب الحافظ عبد الغني بن سعيد [المصري] وأبا علي الحسن بن سليمان المقرئ النحويّ الأنطاكيّ (٣)، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، وتجري بينهم مذاكرات ومباحثات. فتنكّر الحاكم بأمر الله أبو علي منصور عليهم وقتل جنادة وأبا علي المذكور في ثالث عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، واستتر عبد الغنيّ. ١٠٩٦ - جنيّ الصفوانيّ [- بعد ٣١٢] (٤) [٤٠٠ أ] جنيّ الصفوانيّ الخادم [ ... ]. [ ... ] ودخل بلاد الروم في سنة ستّ وثلاثمائة، فخرّب ونهب وأحرق وفتح، وعاد. فقرئت الكتب على المنابر ببغداد. وقدم إلى مصر مددا لتكين على قتال أبي القاسم ابن المهديّ عبيد الله صاحب إفريقيّة، سلخ ذي الحجّة سنة ثمان وثلاثمائة، ومعه عسكر من بغداد. فعسكر بالجيزة. وجعله مؤنس المظفّر على مقدّمته عند مسيره إلى الفيّوم. فلمّا مضى مؤنس إلى العراق خرج جنيّ أيضا من مصر في الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة. ١٠٩٧ - جنكلي بن البابا [- ٧٤٦] (٥) [٤٠١ أ] جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله، العجليّ، الأمير بدر الدين، ويرجع نسبه إلى إبراهيم بن أدهم.

стр. 972

كان مقامه بالقرب من آمد، فخطبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون ورغّبه في القدوم إلى مصر، فلم يوافق على القدوم حتى يرى منشور الإقطاع، فكتب له منشور بإقطاع جيّد ووجّهه إليه فلم يتهيّأ له ذلك. وكان تحت إيالة المغل ملوك بغداد، ويلي عنهم [٣٠٥ أ] رأس عين من قبل غازان. فلمّا مات غازان في سنة ثلاث وسبعمائة أحبّ القدوم إلى مصر، وكتب يستأذن في ذلك، فأجيب بالإذن والشكر، ووعد بكلّ خير. وكتب إلى الأمراء نوّاب الشام بتلقّيه وإكرامه وتعظيم قدره. فركب بمن معه من الزامه وأقاربه وأمواله، ونزل على الفرات، فتلقّاه نوّاب بهسنا وكختا وكركر (١) وغيرها، وقاموا بخدمته حتّى قرب من حلب، فتلقّاه نائبها، وقام بواجبه، وجهّزه إلى دمشق، فتلقّاه أيضا نائبها، وسيّره إلى مصر. فخرج إليه الأمير بيبرس الجاشنكير وسائر الأمراء، ولقوه بقبّة النصر خارج القاهرة في ثالث ذي الحجّة منها، وصعدوا به إلى قلعة الجبل. فقبّل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فاستدناه وسأله عن أحواله، وأنزله بالقلعة، وأنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف على إقطاع الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهريّ بحكم انتقاله إلى إمرة بصفد. وأعطا [هـ] زيادة مائة ألف درهم. وأنعم على أمير عليّ- من الزامه- بإمرة عشرة، وعلى نوروز ابن أخيه بإمرة مائة. وأهدى الأمراء إليه هدايا سنيّة. واستمرّ من أكبر أمراء مصر. وقدمت عليه أخته في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فماتت بدمشق قبل رؤيته. وكان السلطان يعظّم قدره ويكرمه ويبعث إليه الذهب مع الأمير بكتمر الساقي ومع غيره، ويرسل إليه بأن: لا تبوس الأرض على هذا المبلغ ولا تنزله في ديوانك- يريد بذلك إخفاء ما يرسله إليه. وكان يجلس [أوّلا في الميمنة] ثاني نائب الكرك، فلمّا خرج [نائب الكرك] إلى طرابلس جلس جنكلي رأس الميمنة، حتّى مات يوم الاثنين ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبعمائة. وكان من الحشمة والعقل والسكون، والدين الوافر، وعفّة الفرج، في غاية. وكان يعرف من الفقه ربع العبادات، واختلاف الأئمّة [٤٠١ ب] في ذلك. وكان ركنا من أركان الإسلام في نفع أهل العلم والدين بماله وجاهه. وأنفق في حركة الناصر أحمد في توجّهه إليه بالكرك وإحضاره إيّاه منها حتّى تسلطن، وما قدّمه له في سلطنته، وما تكلّفه في توجّهه لمحاربته بالكرك، مبلغ ألف ألف وأربعمائة ألف درهم فضّة، عنها نحو سبعين ألف دينار. وكان له ولدان، أحدهما ناصر الدين محمد، وقد مرّ ذكره في المحمّدين (٢). والآخر شهاب الدين أحمد.

стр. 973

وما زال في رقيّ وازدياد منذ قدم حتّى مات، ﵀. ومن فضائله أنّه كان يتصدّق في كلّ سنة بعد إخراج الزكاة الواجبة عليه بثمانية آلاف إردبّ من القمح، وثمانين ألف درهم من الفضّة، عنها نحو أربعة آلاف دينار (١). ١٠٩٨ - جوّاز الضبيّ رأس الخوارج (٢) [٤٠٢ أ] جوّاز- ويقال جوّاب- الضّبّيّ، أحد رؤساء الخوارج. كان مع عبد الله بن الزبير حتّى قتله الحجّاج بن يوسف، فهرب ولم يزل هاربا حتّى ضاقت عليه الأرض. وقدم الشام فنزل على عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكانوا يضيفون من لا يعرفون. فكتب الحجّاج إلى عبد الملك [بن مروان] كتابا ذكر فيه الخلافة والطاعة، فعظّم أمر الخلافة وقدرها والطاعة، وزعم أنّما قامت السماوات والأرض بهما، وأنّ الخليفة أعظم عند الله منزلة من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين، لأنّه خليفة الله في الأرض وخيرته من خلقه، وذلك أنّ الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسكنه الأرض فجعله خليفته، ثمّ جعل ملائكته رسلا إليه، وإنّما الرسل من الله إلى الخليقة. فازدهى ذلك عبد الملك وقال: وددت أنّ عندي بعض الخوارج أخاصمه بهذا الكتاب. فانصرف جلساؤه إلى منازلهم. فقال عبد الله بن يزيد: إنّ أمير المؤمنين أتاه كتاب الحجّاج بكذى وكذى، وقال كذى. فقال له جوّاز: أتثق به؟ قال: نعم. قال: فتوثّق منه ثمّ أعلمني [٣٠٥ ب]. فراح عبد الله فذكر لعبد الملك عن جوّاز قوله. قال: أحضره! فأتى عبد الله فذكر ذلك لجوّاز. فأصبح جوّاز فاغتسل ولبس ثوبين أبيضين وتحنّط، ثمّ جاء إلى باب عبد الملك. ودخل عبد الله فاستأذن عليه فأذن له، فدخل (٣) بسمت وسكون فسلّم ثمّ جلس. فقال عبد الملك: يا غلام، ائت بكتاب الحجّاج! فأتي به. فقال: اقرأ! فقرأ حتى فرغ. فقال جوّاز: أراه قد جعلك في موضع ملكا، وفي موضع نبيّا، وفي موضع خليفة. فإن كنت ملكا، فحدّثنا: متى نزلت؟ وإن كنت نبيّا فحدّثنا: من استنبأك؟ وإن كنت خليفة، فأخبرنا من استخلفك؟ أعن ملإ من المسلمين، أو ابتزازا لأمورهم؟ فقال أميّة بن عبد الله بن خالد القسريّ: يا أمير المؤمنين، منهم والله! قال جوّاز لأميّة: لو كنت منهم عرفتني يوم أبي فديك (٤).

стр. 974

فقال عبد الملك: قد أعطيناك عهدا وموثقا، ولا سبيل إلى قتلك. والله لا تساكننّي في بلد أبدا، فالحق بحيث شئت وانزل من الأرض حيث أحببت! قال: فإنّي أختار مصر. فنزل مصر. وكان يرى رأي الصفريّة. فلمّا مات عبد الملك، كتب الحجّاج إلى الوليد بن عبد الملك أنّ ذمّة عبد الملك أمير المؤمنين قد وفت، ولا أمان لعدوّ الله جوّاز الضبّيّ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث به إليّ فليفعل! فكتب الوليد إلى قرّة بن شريك العبسيّ، وكان عامله على مصر أن ابعث [٤٠٢ ب] إليّ بجوّاز الضبيّ. فبعث به إليه. فلمّا رآه قال: انطلقا به إلى الحجّاج! قال: إنّي في أمان أبيك، وأنا في ذمّته. قال: لا بدّ من الحجّاج! قال: مثلك والله أخفر (١) أباه واستهان بذمّته. فلمّا قدم به على الحجّاج، قال: جوّاز؟ قال: نعم. قال: أبلغ من أمرك أن تردّ على أمير المؤمنين؟ قال: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [طه: ٧٢]. فقال الحجّاج لصالح بن عبد الرحمن: قم فاضرب عنقه. فمشى إليه فضرب عنقه خوفا من الحجّاج. وكان يستغفر الله من ذلك، وذلك أنّ صالحا كان يرى رأي الخوارج (٢)، وكان يزيد ابن أبي مسلم مولى الحجّاج يعاديه. فلمّا جيء بجوّاز أراد يزيد مكايدة صالح وأشار بأن يتولّى قتل جوّاز. فإن فعل اغتالته الخوارج، وإن أبى قتله الحجّاج. فقال الحجّاج: قم إليه فاضرب عنقه! قال صالح: لمّا دعوت بالسيف أردت أن أطرحه فخفت أن يسبي الحجّاج بناتي. وو الله ما دعاني إلى قتله رغبة في الحياة، ولكن خفت عليهنّ. ومشى صالح فقتله. ثمّ لم يزل خائفا من الخوارج حتّى عذّبه عمر بن هبيرة في زمن يزيد بن عبد الملك، ثمّ طرح على مزبلة على باب العذاب، وبه رمق. فسمع على المزبلة وهو يقول: لا حكم إلّا لله! استغفر الله من قتل جوّاز. اللهمّ اغفر لي ولا أراك تفعل! ١٠٩٩ - هزار الملوك الأمير جوامرد [- ٥٢٤] (٣) [٤٠٣ أ] جوامرد، الأمير الأفضل، هزار الملوك. كان هو والعادل برغش أخصّ غلمان الخليفة الآمر بأحكام الله أبي عليّ المنصور [ابن المستعلي] حتى إنّه وهب لهما في يوم واحد مائتي ألفدينار عينا.

стр. 975

ثمّ إنّ الآمر ردّ الأمر إلى جوامرد قبل قتله بقليل. فتحدّث في المظالم، ونظر في أحوال الجند، وصار كأنّه في شيء من أمر الوزارة، وطمع في الوزارة. فلمّا قتل الآمر أشاع أنّه عهد أن يكون ابن عمّه أبو الميمون عبد المجيد [العسقلاني] (١) كفيلا لحمل في بطن بعض جواريه. وعضده رفيقه برغش حتّى قاما بأمر أبي الميمون وأجلساه كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله (٢). وبايعه الناس يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وخلع على جوامرد خلع الوزارة. واشمأزّت نفسه من الأمير السعيد أبي الفتح يانس متولّي الباب وأراد القبض عليه. فغمز [هـ] برغش وأومأ إليه بالخروج من القصر، وكان ذلك سببا لسلامته (٣). وعند ما دفن الآمر بكّر (٤) الجند إلى القصر، وقد داخل برغش الحسد لجوامرد على الوزارة وشقّ عليه تقدّمه، [ف] تحيّل [٣٠٦ أ] حتى أخرج أبا [عليّ] كتيفات أحمد، ابن الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي من القصر إلى الأجناد. فعند ما رأوه تعلّقوا به وقالوا: ما يكون الوزير إلّا ابن الأفضل! - وقاموا بدعوته وحصروا القصر، ونصبوا السلالم إلى المنظرة، وصعد إليها الأمير [ ... ] (٥) ابن شاهنشاه، وقال للأستاذين: يا قوم، هذه فتنة تقوم ما يسواها (٦) هذا الذي خلعتم عليه، ويحصل من ذلك [٤٠٣ ب] على الخليفة من العوامّ (٧) وسوء أدب جهّال العسكر ما لا يتلافى. وما هذا منّي والله إلّا نصيحة لمولانا، فإنّني قد علمت من رأي القوم ما لا علمتم. أخبروا مولانا عنّي بهذا. فلمّا بلغه ذلك قال لجوامرد وهو بخلع الوزارة بين يديه: ها أنت تسمع ما يقال. فقال: يا مولانا، أنا في محلّك، ووزارتي بوصيّة خليفة قبلك، فاتركني أخرج لهؤلاء الفعلة الصنعة! فقال له الحافظ: لا سبيل إلى فتح باب القصر في مثل هذا الوقت، وقد فعلنا في أمرك ما رتّب لك، وهذه الخلع عليك. ولكن قد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: لا رأي لمن لا يطاع. واشتدّ الأمر وعظم تموير (٨) العسكر، فقيل لابن شاهنشاه: «قد أجبتم إلى وزارة أبي عليّ». فلمّا بلغ ذلك لرضوان (٩) وأصحابه قالوا: قل له يسلّم لنا جوامرد! فامتنع الحافظ من تسليمه حتى تكاثروا على

стр. 976

سور القصر، وعزموا على ما لا يجمل، فقال حينئذ لجوامرد: قم احتجب في مكان عسى ندبّر قضيّتك بأمر نصرف به هذا الجمع. فنزعت عنه الخلع وأحيط به، وأخذ إلى موضع قتل فيه سرّا، وألقيت رأسه إلى القوم فطيف بها. وولي أبو علي ابن الأفضل الوزارة. فكانت وزارة جوامرد نصف يوم بغير تصرّف. ١١٠٠ - جوّاس بن القعطل (١) واسم القعطل ثابت بن سويد بن الحارث، وهو الحرشاء بن حصن بن ضمضم بن عديّ بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن ويرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، أبو [ ... ]. شاعر قدم على عبد العزيز بن مروان، ومن شعره يخاطب عوانة بن النعمان بن عروة بن قنافة بن عديّ [الوافر] (٢): فإن يدبر عوانة غير راض ... فإنّي في مودّته زهيد ستعلم يا عوان إذا التقينا ... من الأثرون والحيّ العديد! ١١٠١ - جوبان المنصوري [- ٧٢٨] (٣) كان من أكابر الأمراء بدمشق في دولة المنصور قلاوون. وبنى له تربة بالمزّة، وكان كثير المال جدّا. مات في صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ١١٠٢ - جوهر الصقلّيّ [٣١٢ - ٣٨١] (٤) [٣٥٨ أ] جوهر بن عبد الله، القائد أبو الحسين، الصقلبيّ، الروميّ، الكاتب، مولى المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ. ولد في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وصار إلى ملك غلام لهم يقال له صابر. ثمّ انتقل إلى خادم

стр. 977

لهم يقال له خيران، ثمّ إلى خادم يقال له خفيف (١). فأهداه خفيف إلى الإمام المنصور بالله أبي الطاهر إسماعيل، فنحله (٢) ابنه الإمام المعزّ لدين الله وهو صغير فربّاه حتّى بلغ مبالغ الرجال في خدمته، وكنّاه بأبي الحسين ورقّاه في الخدم إلى أن قام في الخلافة بعد أبيه (٣). و[لمّا] كانت [سنة] خمس وأربعين وثلاثمائة ارتفع أمر جوهر، وصار إلى رتبة الوزارة. ثمّ أخرجه المعزّ في يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة سبع وأربعين [وثلاثمائة] على عسكر عظيم بالعدّة والقوّة ليتوجّه به إلى المغرب. وكتب له أن يأخذ من كلّ كورة مرّ عليها عددا معلوما. وكتب إلى جعفر بن علي الأندلسي وزيري بن مناد الصنهاجيّ ويعلى بن محمّد الزناتيّ أن يخرجوا معه بعساكرهم. فخرجوا معه حتّى وصلوا إلى تاهرت فتلقّاه يعلى بن محمّد الزناتي وكان صاحب المغرب، وأكرمه وقام له بالوظائف والعلف أيّاما، غير أنّ أهل مدينة إفكان كانوا إذا باعوا أهل عسكر جوهر شتموهم واستخفّوا بهم، ومع ذلك فكان يعلى لم يسارع بالمسير مع جوهر. فلمّا رحل جوهر بعساكره من عند يعلى، مشى يعلى ليشيّعه. فسار جوهر، وأخذ العسكر في رفع أثقالهم إذ سمع صياحا عظيما. فقال: ما هذا؟ فقيل له: أصحاب يعلى قد ضربوا على ساقة العسكر وقد شغبوا. فقال يعلى: أنا أمضي لأفرّقهم. فمنعه جوهر من المضيّ وزاد الصياح. فأمر جوهر بيعلى فأرجل عن فرسه وأركب على بغلة. ثمّ زاد الأمر فأمر جوهر بيعلى فأنزل عن البغلة ومشى بين يديه راجلا، فاشتدّ الأمر ونهبت الزوامل (٤) فأتى أبو طاعة بن يصل الكتاميّ إلى جوهر، وقال: «السيف يعمل في عسكرنا وهذا حيّ»! فجرّد سيفه فضرب يعلى [ف] أطار رأسه ورفعها على قناة وحملها إلى موضع القتال. فلمّا رآها أصحابه انهزموا فمال عليهم العسكر حتّى بلغوا بهم إلى إفكان، والسيف يعمل فيهم فدخلوا إفكان بالسيف، فقتل أكثر أهلها ونهب كلّ ما فيها، وأسر يدو بن يعلى، ثمّ هدمت إفكان، وحرّقت بالنار، وذلك كلّه يوم الاثنين (٥) الثاني من جمادى الأولى [٣٤٧]. ورحل جوهر حتّى [٣٥٨ ب] انتهى إلى فاس وبها أحمد بن بكير، فامتنع من جوهر وقاتلة مدّة، فلم يقدر عليه جوهر ورحل عن فاس إلى سجلماسة. فلمّا قرب منها فرّ عنه محمّد بن الفتح الملقّب بالشاكر لله أمير المؤمنين، وكان قد تغلّب عليها ستّ عشرة سنة. ثمّ أخذ أسيرا وحمل إلى جوهر في يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب [٣٤٧] بغير حرب. فمضى جوهر إلى البحر المحيط، وأمر أن يصطاد له من حيتانه، وجعلها

стр. 978

في قلّة فيها ماء. وكتب إلى المعزّ كتابا جعل في طيّه من ضريع البحر المحيط وبعث بذلك إليه، يشير أنّه انتهى إلى البحر المحيط. ثمّ عاد إلى فاس (١) بعد أن ملك تلك البلاد كلّها، فنزل عليها وقاتل أهلها مدّة قتالا طويلا حتّى يئس منها. ثمّ جدّ فيها إلى أن ملكها ونهب عسكره مافيها، وسبوا ذراريّها. وأخذ أحمد بن بكير (٢) وقيّده وجعله مع محمد بن الفتح أمير سجلماسة، وذلك لعشر بقين من رمضان [٣٤٨]. وعمل قفصين من خشب سجن فيهما المذكورين. وقفل إلى إفريقيّة بعد ما فتح الفتوح وأراح البلدان إلى البحر المحيط. ولم يتعرّض لسبته، وكانت بيد بني أميّة. فلمّا قدم تاهرت ولّى عليها زيري بن مناد وضمّها إلى يده فقوي أمره. وتركه بها، وسار إلى المسيلة فترك عليها عاملها جعفر بن عليّ الأندلسيّ، وردّ كلّ قوم إلى مواضعهم. ووصل إلى المنصوريّة ومعه أحمد بن بكير أمير فاس، ومحمد بن الفتح الشاكر لله أمير سجلماسة، ويدو بن يعلى بن محمد الزناتي أمير تاهرت، وكثير من الأسرى في يوم الجمعة لاثنتي عشرة بقيت من شوّال. ثمّ أخرجه المعزّ في سنة سبع وخمسين [وثلاثمائة] لإصلاح المغرب في عسكر عظيم، وليحشد كتامة الذين ينهض بهم إلى المشرق، ويجبي من البربر خمسمائة ألف دينار، فدوّخ المغرب. وقدم يوم الأحد لثلاث بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين [وثلاثمائة] بعساكر عظيمة من كتامة والجند والبربر، فأقام خارج المنصوريّة ليجتمع إليه الحشود والعساكر. وفتح المعزّ بيت المال، وأعطى الأموال من ألف دينار إلى عشرين دينارا. ثمّ رحل في يوم السبت لأربع عشرة مضت من ربيع الأوّل [٣٥٨] بالعساكر، ومعه زيادة على مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف ومائتي صندوق فيها المال. فنزل برقّادة وخرج إلي [هـ] المعزّ وخلا به، وأطلق يده ليتصرّف في بيوت أمواله كيف شاء، ويأخذ منها، زيادة على ما معه، ما أحبّ واختار. [٣٥٩ أ] فقال المعزّ، وجوهر قائم بين يديه، والعساكر مجتمعة: والله [لو] خرج جوهر هذا وحده بسوطه لفتح مصر، وليدخلنّ مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا! وأمر المعزّ أولاده وإخوته وسائر الأولياء وعبيد الدولة أن يمشوا بين يدي جوهر وهو راكب. وكتب إلى جميع من يمرّ عليه جوهر من العمّال يأمرهم، إذا قدم عليهم، أن يترجّلوا إليه عند لقائه ويمشوا في خدمته. ثم تقدّم إلى جوهر بالمسير، فرفع من مناخه، والمعزّ واقف، ثمّ أكبّ على جوهر وقد ركب فرسه فسارّه طويلا. ثمّ التفت إلى الأمراء أولاده وإخوته فقال: «ودّعوه»! فنزلوا عن خيولهم، ونزل بنزولهم كافّة الناس فودّعوه على قدر مراتبهم واحدا بعد واحد. فلمّا فرغوا من وداعه أقبل جوهر فقبّل يد المعزّ وحافر فرسه. فقال له المعزّ: «اركب! » فركب وسار، والمعزّ يسايره طويلا، ثمّ وقف وقال له: «سر! » فسار، ثم التفت والمعزّ قائم، فأومأ إليه بكمّه أن امض! فحرّك جوهر يريد عسكره حتى لحق بهم، ثمّ نزل منزله. وعاد المعزّ

стр. 979

إلى منزله، فنزع ثيابه وأنفذها كلّها إلى جوهر، ما عدا السراويل والخاتم. وأنشد أبو القاسم محمد بن هاني قصيدة بديعة في يوم رحيل جوهر، وكان من أيّام الله العظيمة المهولة، منها [الطويل]: رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأنّ الأفق سدّ بمثله ... فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودّعت كيف أودّع ... ولم أدر إذ شيّعت كيف أشيّع ألا إنّ هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن ولا بات يهجع ٥ إذا حلّ في أرض بناها مدائنا ... وإن سار عن أرض ثوت وهي بلقع تحلّ بيوت المال حيث يحلّه ... وجمّ العطايا والرواق المرفّع وكبّرت الفرسان لله إذ بدا ... وظلّ السلاح المنتضى يتقعقع وعبّ عباب الموكب الفخم حوله ... وزفّ كما زفّ الصباح الملمّع رحلت إلى الفسطاط أوّل رحلة ... بأيمن فأل بالذي أنت تجمع ١٠ فإن يك في مصر ظماء لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النيل يهمع ويمّمهم من لا يغار بنعمة ... فيسلبهم، لكن يزيد فيوسع [٣٥٩ ب] وفي غد رحيل جوهر هرب من البربر خمسمائة فارس، فخرج في طلبهم ففاتوه. فقال المعزّ: الله أكرم من أن ينصرنا بأراذل البربر، وإنّي لأرجو أن يكون بزوالهم زوال النحس عن عسكرنا. [تحرّك جوهر إلى مصر] وأقام جوهر بمكانه إلى يوم الأحد لستّ بقين من شهر ربيع الأوّل [سنة ٣٥٨]. ثمّ رحل بجميع العساكر في قوّة عظيمة، ومعه من الأموال والسلاح والعدد والكراع ما لا يوصف كثرة. فلم يزل سائرا حتّى وصل إلى برقة. فافتدى منه أفلح الناشب الصقلبيّ (١) متولّي برقة بخمسين ألف دينار يحملها إليه ويعفيه من أن يمشي في ركابه، فامتنع جوهر من قبول ذلك، وأبى إلّا أن يمشي راجلا بين يديه، فلم يجد أفلح بدّا من المشي لمّا لقيه حتى نزل. وأتت الأخبار إلى مصر في جمادى الآخرة [سنة ٣٥٨] بمسير جوهر إليها. وكان في عامّة أرض مصر حينئذ من الشدّة والغلاء والوباء أمر لم يعهد قبله مثله، بحيث إنّه أحصي من مات في أيّام يسيرة فكانوا ستّمائة ألف إنسان، وكانوا يلقون الغرباء في النيل، وبلغ الفرّوج دينارا والبيضة درهما، وبيع الإردبّ (٢) [من] القمح بثمانين دينارا، مع كثرة الفتن وتغلّب كلّ أحد من العمّال وغيرهم على ما يليه، واختلاف أهل الدولة بمصر من الإخشيديّة والكافوريّة، وكثرة تحاسدهم، وعظم الخوف من هجوم القرامطة على مصر، وكانوا قد انتشروا ببلاد الشام. فاختلّت من أجل هذا وشبهه الأحوال بديار مصر، واتّضعت أمور الناس، وتغيّرت نيّاتهم وساءت معاملاتهم، وفسدت أكثر أوضاعهم، وشمل الخراب عامّة أرض مصر لموت أهلها، وقلّة أموالها، وتعذّر وجود الأقوات، وكثرة الخوف. وكان بمصر جماعة من دعاة المعزّ. قد استمالوا خلائق من القوّاد ووجوه الرعيّة، وأنفذ

стр. 980

إليهم المعزّ بنودا ففرّقوها فيمن استجاب لهم، وأمرهم أن ينشروها إذا قاربت عساكره مصر. فعند ما قرب جوهر من أرض الإسكندريّة جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة (١) الناس بداره من مصر، واتّفقوا على مراسلة جوهر وأن يشترطوا عليه أن يقرّهم على ما بأيديهم من الضياع والأعمال التي يتولّونها. وشرط نحرير شويزان أن لا يجتمع مع جوهر. وأرسلوا إليه بذلك الشريف أبا جعفر مسلّم [بن عبيد الله الحسينيّ] والشريف أبا إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ، والقاضي أبا [٣٦٠ أ] الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهليّ وأبا (٢) الطيّب العبّاس بن أحمد العبّاسيّ الهاشميّ في جماعة. فبرزوا إلى الجيزة في يوم الاثنين ثامن عشر شهر رجب [سنة ٣٥٨]، وساروا فلقوا جوهر في تروجة، فوافقهم وأجابهم إلى ما التمسوه وكتب لهم كتابا، نصّه بعد البسملة: [عهد جوهر لأهل مصر] هذا كتاب جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعزّ لدين الله صلوات الله عليه لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرها: إنّه قد ورد منسألتموه الترسّل والاجتماع معي، وهم: أبو جعفر مسلّم الشريف، أطال الله بقاءه، وأبو إسماعيل الرسّيّ أيّده الله، وأبو الطيّب الهاشميّ أيّده الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزّه الله، والقاضي أبو طاهر أعزّه الله. وذكروا عنكم (٣) أنّكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم. فعرّفتهم ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله [عليه] وحسن نظره إليكم، فاحمدوا الله على ما أولاكم واشكروه على ما آتاكم. وادأبوا فيما يلزمكم، وسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسعادة عليكم والعصمة الشاملة لكم: وهو أنّه، صلوات الله عليه، لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفّرة، إلّا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، وقد تخطّفتكم الأيدي، واستطال عليكم المستدلّ، وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة والتغلّب عليه، وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكّد عزمه واشتدّ كلبه، فعاجله مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بإنفاذ الجيوش المظفّرة دونكم ومجاهدته عنكم وعن كافّة المسلمين ببلدان المشرق الذين عمّهم الخزي، وشملتهم الذلّة، واكتنفتهم المصائب، وتتابعت لديهم الرزايا، واتّصل عندهم الخوف، وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلّا من أرمضه أمرهم ومضّه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حلّ بهم: وهو مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، فرجا، بفضل الله وإحسانه لديه، وما عوّده وأجراه عليه، استنقاذ من أصبح منهم في ذلّ مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمّن من استولى عليه الوهل، ويفرّخ روع من [٣٦٠ ب] لم يزل في خوف ووجل، وآثر إقامة الحجّ الذي تعطّل وأهمل العباد فروضه وحقوقه، من الخوف المستولي عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا

стр. 981

على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرّة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم وابتزّت أموالهم، مع اعتماد ما هي عادته من إصلاح الطرقات، وقطع عيث العائثين فيها، ليتطرّق الناس آمنين، ويمشوا مطمئنّين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه، صلوات الله عليه، انقطاع طرقاتها، لخوف مارّتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين، ثمّ تجويد السكّة وضربها على العيار الذي [٣٠٨ أ] [عليه] السكّة الميمونة المنصورة المباركة، وقطع الغشّ منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال [م] ما لا يسع من ينظر في أمور المسلمين إلّا إصلاحها واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها. وما (١) أوعز به مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحقّ، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفي الأذى، ورفع المؤن، والمناوأة في الحقّ، وإعانة المظلوم، والتقريب والإشفاق، والإحسان وجميل النظر، وكريم الصحبة ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد في ليلهم ونهارهم، وحين تصرّفهم في أوان ابتغائهم معايشهم، حتى لا تجري أمورهم إلّا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم على طاعة وليّه مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وما أمر (١) به مولانا من إسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي، صلوات الله عليه، بإثباتها عليكم، وأن أجريكم في المواريث على كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ، وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة، من المتوفّى، بها، فإنّه لا استحقاق لتصييرها ببيت المال، وأن أتقدّم في رمّ مساجدكم وتزيينها بالفرش والإيقاد وأعطي مؤذّنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم، وأدرّها عليهم، فلا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلّا من بيت المال، لا بإحالة على من تقبض منهم. وأمّا غير ما ذكره مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، ممّا نصّه من ترسّل عنكم، أيّدهم [٣٦١ أ] الله، [من] أنّكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم، وإن لم يكن لذكرها معنى، ولا في نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنّة واحدة، وشريعة متّبعة، وهي: إقامتكم على مذاهبكم، وأن تتركوا على ما أنتم عليه من أداء الفروض في الاشتغال بالعلم، والاجتماع عليه في جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمّة من الصحابة، ﵃، والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجري فرض الأذان والصلاة، وقيام شهر رمضان، وفطره، والزكاة، والحجّ، والجهاد، على ما أمر الله به ونصّه بنبيّه ﷺ في سنّته، وإجراء أهل الذمّة على ما كانوا عليه. ولكم عليّ أمان الله التامّ العامّ، الدائم الشامل، المتّصل الكامل، المتجدّد المتأكّد، على الأيّام، وكرور الأعوام، في أنفسكم وأموالكم وأهليكم، ونعمكم وضياعكم ورباعكم، وقليلكم وكثيركم، وعلى أنّه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنّى عليكم متجنّ، ولا يتعقّب عليكم متعقّب، وعلى أنّكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذبّ عنكم ويمنع منكم، فلا يتعرّض إلى أذاكم ولا يسارع أحد في الاعتداء عليكم ولا في الاستطالة على قويّكم فضلا عن ضعيفكم، وعلى أن لا أزال

стр. 982

مجتهدا فيما يعمّكم صلاحه ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره وتتعرّفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولكم عليّ الوفاء بما ألزمته نفسي، وأعطيتكم إيّاه، عهد الله وغليظ ميثاقه، وذمّته وذمّة أنبيائه ورسله، وذمّة الأئمّة موالينا، أمراء المؤمنين، قدّس الله أرواحهم، وذمّة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين المعزّ لدين الله، صلوات الله عليه، فتصرّحون بها، وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون وتسلّمون عليّ، وتكونون بين يديّ، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل في المناخ المبارك، وتحفظون وتحافظون من بعد على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليّا لمولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وتلزمون ما أمرتم به. وفّقكم الله وأرشدكم أجمعين. وكتب جوهر القائد هذا [٣٦١ أ] الأمان بخطّه في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وصلّى الله على محمد النبيّ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين الأخيار. وفي آخره: قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين: كتبت هذا الأمان على ما تقدّم به أمر مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه. وعليّ الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم، على ما شرطت فيه. والحمد لله ربّ العالمين، وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمّد وعلى آله الطيّبين. وكتب جوهر بخطّه، وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم: أبو جعفر مسلّم بن عبيد الله الحسينيّ، وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّيّ الحسينيّ، وأبو الطيّب العبّاس بن أحمد الهاشميّ، والقاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد، وابنه أبو يعلى محمد بن محمّد، ومحمّد بن مهلّب بن محمد (١)، وعمرو بن الحارث بن محمد. [رفض الإخشيديّة للاتّفاق] وأخذ منه أبو جعفر مسلّم كتابا إلى جماعة، منهم الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. وأجاز جوهر الجماعة وحملهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلّم منه شيئا، وطعم الجماعة عنده معه وودّعوه وانصرفوا. فبلغهم أنّ الجماعة بمصر قد نقضوا الصلح فأسرعوا في الانصراف. وبلغ ذلك جوهرا فأدركهم بمحلّة حفص، وقال لهم: قد بلغني أنّ القوم قد نقضوا الصلح، فردّوا عليّ أماني! فرفقوا به. فقال لأبي طاهر: يا قاضي، ما تقول في هذه المسألة؟ فقال: ما هي؟ قال: ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضي إلى الجهاد، ويقاتل الروم فمنع؟ أليس له قتالهم؟ فقال القاضي: نعم. فقال جوهر: وحلال قتالهم؟ قال: نعم.

стр. 983

فسارع عبد العزيز بن هيج الكلابي (١) من عسكر جوهر، فدخل الفيّوم وأقام الدعوة، ففرّ منه مبشّر الإخشيديّ إلى الفسطاط. ووافى الشريف مسلّم والجماعة من عند جوهر في ثامن شعبان ونزل بداره فأتاه الناس [و] فيهم الوزير ابن الفرات، فقرأ عليهم كتاب جوهر، وأوصل إلى ابن الفرات وغيره كتبهم، فامتنع الإخشيديّة والكافوريّة، وقال فرح البجكمي (٢): لو جاءنا يا شريف جدّك محمد ﷺ بهذا ضربنا وجهه بالسيف! فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال لهم: أنتم سألتم الشريف في [٣٦٢ أ] هذه الرسالة، فلم يقنع حتّى أخذ معه أبا إسماعيل، وهو حسنيّ، وأخذ معه قاضي المسلمين، وأخذ رجلا عبّاسيّا. هذا وأبو جعفر مسلّم ساكت لم يزد على أكثر من قوله: خار الله لكم! واشتغل بمساررة ابن الفرات، والكافوريّة مع الإخشيديّة في خوض، وقالوا كلّهم: ما بيننا وبين جوهر إلّا السيف! فقال أبو منحل: فتكون حرب بغير أمير؟ فقالوا: هو كذلك. فقال: ترضون بمن أرضى؟ فقالوا: نعم. فقام قائما واستقبل نحرير شويزان (٣)، وقال: السلام عليك أيّها الأمير! وقاموا كلّهم فسلّموا عليه وخرجوا يحجبو [ن] هـ إلى داره. فانعقد له الأمر، وأحمد ابن الأمير عليّ بن الإخشيد لا يفكّر فيه ولا يعتدّ به. واستعدّ القوم للقتال وساروا في عاشره، ونزلوا بالجزيرة وضبطوا الجسرين. فلمّا رأى ذلك جوهر عاد إلى منية شلقان (٤) ليعبر من هناك، وبعث جعفر بن فلاح لاستقبال المراكب الواردة من تنيس ودمياط وأسفل الأرض فأخذها. فبعث الإخشيديّة نحرير الأزغلي ويمن الطويل ومبشّر [الإخشيديّ] وبلال الطائيّ في خلق ليمنعوا جوهرا من العبور (٥)، فابتدأ القتال في يوم الخميس حادي عشر شعبان. فقتل من المصريّين خلق كثير. وانصرف الناس عشيّة الأحد النصف من شعبان [سنة ٣٥٨]. فلمّا كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم وأصبحوا غازين إلى الشام. وكان ممّن قتل: نحرير الأزغليّ، ومبشّر [٣٠٩ أ] الإخشيديّ، ويمن الطويل، وبلال الطائي في خلائق. فلمّا كان يوم الاثنين اجتمع أحمد بن محمد الروذباري الكاتب (٦)، وعبد الله بن أحمد

стр. 984

الفرغاني (١) وغير [هم] من الوجوه عند الشريف أبي جعفر مسلّم وسألوه أن يكتب إلى جوهر في إعادة الأمان، فكتب كتابا بإملاء الروذباري وبعثه. وكتب مع غلامه سعادة الأسود كتابا آخر، وجلس الناس عنده لانتظار الأمان نهارهم. فطاف عليّ بن الحسين بن لؤلؤ صاحب الشرطة ومعه رسول لجوهر، ومعه جابر بن محمّد الداعي، ومعهم بند عليه [اسم] المعزّ لدين الله، وبين أيديهما الأجراس، بأن لا مؤنة ولا كلفة، وأمّن الناس. وكان جابر قد فرّق البنود التي عنده فنشر كلّ من عنده بند [بنده] في دربه. فلمّا كان وقت العصر وافى سعادة بجواب جوهر، ونصّه بعد البسملة: [عهد جديد من جوهر إلى الشريف الحسينيّ] وصل كتاب الشريف الجليل، أطال [٣٦٢ ب] الله بقاءه وأدام عزّه وتأييده وعلوّه، فهو المهنّأ بما هنّأ به من الفتح الميمون. ووقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأوّل، وقد أعدته على حاله، وجعلت إلى الشريف، أيّده الله، أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحبّ، ويزيد على ما كتبته كيف شاء، فهو أماني وعن إذني وإذن مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد كتبت إلى الوزير أيّده الله بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة. ويعمل الشريف أيّده الله على لقائي في يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان [سنة ٣٥٨]. فاستبشر الجماعة وعملوا على الغدوّ إلى الجيزة. ثمّ سأل الشريف غلامه عمّن قتل فقال: نحرير الأزغلي، ومبشّر الإخشيديّ، ويمن الطويل وبلال. فقال له: [أ] تدري ويلك ما تقول؟ فقال: رأيت رءوسهم في طشت فضّة. فقال له: ومن؟ فقال: وخلق كثير قد جمعت رءوسهم. فبات الناس على هدوء وطمأنينة. ولمّا كان في غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان، خرج الشريف أبو جعفر مسلّم والوزير أبو الفضل جعفر ابن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة، وأهل العلم، والشهود، ووجوه التجّار والرعيّة إلى الجيزة. فلمّا تكامل الناس أقبل القائد جوهر في عساكره، فصاح بعض حجّابه: الأرض، إلّا الشريف والوزير! وتقدّم الناس، وأبو جعفر أحمد بن نصر التاجر يعرّفه بالناس واحدا واحدا. فلمّا فرغوا من السلام عليه مضى إلى فسطاطه فأقام إلى أن زالت الشمس. [ف] سارت العساكر وعبرت الجسر أفواجا أفواجا ومعهم صناديق المال على البغال وأقبلت القباب. ثمّ جاء القائد جوهر في حلّة مذهّبة مثقل [ة] تحفّ به فرسانه ورجّالته، ومدّ العسكر بأسره إلى المناخ الذي رسم به المعزّ، وهو موضع القاهرة. فلمّا استقرّت به الدار جاءته الألطاف والهدايا، فلم يقبل من أحد شيئا، إلّا طعام الشريف مسلّم وحده. فلمّا أصبح أنفذ عليّ بن الوليد قاضي عسكره، وبين يديه أحمال مال، ومناد ينادي: من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبي جعفر أحمد بن نصر! فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصار بهم إلى الجامع العتيق وفرّق فيهم.

стр. 985

[أوّل دعاء للمعزّ في صلاة الجمعة] [٣٦٣ أ] فلمّا كان يوم الجمعة التالي لدخوله وهو لعشر بقين من شعبان [سنة ٣٥٨] سار جعفر (١) ابن القائد جوهر في عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب للناس هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمر العبّاسي (٢) ببياض حتّى بلغ إلى الدعاء [ف] قرأ من رقعة ما نصّه: اللهمّ صلّ على عبدك ووليّك ثمرة النبوّة وسليل السادة المهديّة عبدك معدّ أبي تميم المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، كما صلّيت على آبائه الطاهرين، وأسلافه الأئمّة الراشدين. اللهمّ ارفع درجته وأعل كلمته، وأوضح حجّته، واجمع الأمّة على طاعته، والقلوب على موالاته ومحبّته، واجعل الرشاد في موافقته، وورّثه [٣٠٩ ب] مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادى الأمور وعواقبها، فإنّك تقول، وقولك الحقّ: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]. فلقد امتعض لدينك ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد في سبيلك، وانقطع من الحجّ إلى بيتك، وزيارة قبر رسولك ﷺ ، فأعدّ للجهاد عدّته، وأخذ لكلّ خطب أهبته، فسيّر الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل المجهود في مرضاتك، فارتدع الجاهل وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل. فانصر اللهمّ جيوشه التي سيّرها، وسراياه التي انتدبها لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذبّ عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرمين، وإزالة الباطل، وبسط العدل في الأمم. اللهمّ فاجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية عليه. [الدينار المعزّيّ] ومن الغد أمر جوهر بفتح دار الضرب، وضرب السكّة الحمراء ونقشها: دعا الإمام معدّ، لتوحيد الإله الصمد، في سطر. وفي السطر الآخر: المعزّ لدين الله أمير المؤمنين. وفي السطر الثالث: ضرب هذا الدينار بمصر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وفي الوجه الآخر: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أرسله بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، [التوبة: ٣٣] عليّ أفضل الوصيّين ووزير خير المرسلين. وجلد متزانيين وطاف بهما وظهر المرأة مكشوف. وكاتب مزاحم بن محمّد بن رائق (٣)، وكان قد
следующие страницы →