تكون آية من كل سورة، لأنها تقرأ مع كل سورة، كما هو مثبت معلوم.
٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مداً، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». رواه البخاري (١).
قالوا: فقراءة النبي ﷺ للبسملة بالمد تدل على أنها آية من القرآن إذ لو لم تكون آية من القرآن لما قرأها الرسول ﷺ بالمد كما يقرأ القرآن. وهذا الاستدلال صحيح في الرد على الذين ينفون أن تكون البسملة آية من القرآن مطلقا - لكن لا يلزم من قراءة الرسول ﷺ لها بالمد، كما يقرأ القرآن أن تكون آية من سورة الفاتحة (٢)، ولا من غيرها، فالحديث يدل على أنها آية تقرأ - وهذا صحيح - لا أنها آية من سورة الفاتحة، أو من غيرها من السور.
٤ - حديث نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (ولا الضالين) فقال: «آمين»، فقال الناس: «آمين»، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ».
стр. 107
ووجه استدلالهم من هذا الحديث أن أبا هريرة قرأ البسملة مع أم القرآن، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ حيث قال في آخر الحديث: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول لله ﷺ ». وهذا الحديث ضعفه جمع من أهل العلم (١).
وأيضًا لو صح هذا الحديث فليس فيه ما ينص صراحة على أن البسملة من الفاتحة، وغاية ما فيه أن يكون أبو هريرة قرأ البسملة مع الفاتحة سواء كان ذلك جهرًا أم سرًا، ولا يلزم من قراءتها مع الفاتحة على أي حال أن تكون منها - كما تقدم في الجواب عن استدلالهم بحديث أم سلمة.
٥ - ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم، أحد آياتها» (٢).
والصواب أن هذا الحديث موقوف من كلام أبي هريرة، كما ذكر
стр. 108
أهل العلم (١) قال الزيلعي (٢) بعد ما صوب وقف الحديث على أبي هريرة «فإن قيل أن هذا موقوف في حكم المرفوع إذ لا يقول الصحابي إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي ﷺ يقرأها فظنها من الفاتحة , وأبو هريرة لم يخبر عن النبي ﷺ أن قال: هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك».
وقال أيضًا: فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ «الحمد لله هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٣).
القول الثالث:
أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة براءة، وقد نسب هذا القول لقراء مكة والكوفة وفقهائهما (٤).
وحكي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، من الصحابة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد ابن
стр. 109
جبير ومكحول والزهري (١).
وهو المشهور من مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، ونسب لأبي حنيفة (٤)، وسفيان الثوري (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأبي عبيد (٨)، والأوزاعي (٩).
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها ما يلي:
١ - ثبوت البسملة في المصاحف، بخط المصحف، مع كل سورة، سوى براءة، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية، من كل سورة (١٠).
والجواب: أنه لا يلزم من ثبوتها في المصاحف مع كل سورة، بل لا يلزم من قراءتها مع كل سورة أن تكون آية منها، فهناك سور ثبت
стр. 110
بالسنة وباتفاق العادين عدد آياتها، من غير احتساب البسملة منها كما سيأتي في ذكر أدلة القول الرابع.
٢ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «أغفى النبي ﷺ إعفاءة - ثم تبسم ضاحكًا، فقال: أنزل علي آنفا سورة ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخر السورة. رواه مسلم (١).
ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن البسملة آية أنزلت مع سورة الكوثر، فهي كذلك آية، أو بعض آية من كل سورة، تنزل معها، وتعد منها.
والجواب عن هذا أن يقال: صحيح أن البسملة تنزل مع كل سورة، لكن لا يلزم من نزولها مع السورة أن تكون آية منها، ولهذا اتفق العادون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون البسملة. فالذين قالوا: البسملة آية مستقلة أسعد بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، كما سيأتي بيان ذلك.
استدلوا - أيضًا - بحديث أم سلمة السابق (٢)، الذي فيه أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية آية: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب
стр. 111
العالمين، الرحمن الرحيم».
ووجه استدلالهم به أن النبي ﷺ قرأ البسملة مع الفاتحة، مما يدل على أنها آية منها، وكذلك ينبغي أن تكون آية من سائر السور سوى براءة، لأنها مثبتة مع سائر السور، كما أثبتت في الفاتحة فهي آية من كل سورة، ينبغي أن تقرأ معها سواء الفاتحة وغيرها.
والجواب: أن هذا الحديث إنما يدل على أنه ﷺ يقرأ البسملة مع الفاتحة، ولا يدل على أنها آية منها - كما تقدم بيانه - فكيف تكون آية من غيرها!!
٤ - كما استدلوا - أيضًا - بحديث أنس - السابق (١) - أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مداً، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم».
ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي ﷺ قرأ البسملة مداً، كما تمد آيات القرآن، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية من كل سورة سوى براءة.
والجواب: أن يقال: صحيح أن البسملة آية، وأن الرسول ﷺ قرأها بالمد - كما تقرأ آيات القرآن، لهذا الحديث ولغيره، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية أو بعض آية من كل سورة. وقد يحتمل أن أنسًا ﵁ ذكر هذا من باب التمثيل للسائل لكيفية قراءة النبي
стр. 112
- ﷺ (١).
٥ - كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢).
وكأنهم أخذوا من نزول البسملة مع السورة أن تكون آية منها، وهذا ليس بلازم، كما سيأتي بيان هذا في القول الرابع .
القول الرابع:
أن البسملة آية مستقلة من القرآن، وليست من السور، وإنما هي آية تنزل مع كل سورة، للفصل بينها وبين التي قبلها.
وهذا قول طائفة من أهل العلم، منهم الإمام أحمد، في المنصوص الصريح عنه (٣)، وعبد الله بن المبارك (٤)، ومحمد بن الحسن الشيباني (٥)، وأبو الحسن الكرخي (٦)، وأبو بكر الرازي (٧)، وداود
стр. 113
الظاهري (١) وغيرهم. واختاره الطبري فيما يظهر من كلامه (٢) واختاره ابن خزيمة (٣)، والجصاص (٤)، وابن قدامة (٥) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، والزيلعي (٧).
وهذا القول هو أصح الأقوال، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة ومنها ما يلي:
١ - إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - على إثباتها في المصحف، وكتابتهم لها بخطه، وقلمه، فنقلت نقله، كما نقلت في سورة النمل، فلا يجوز الخروج عن إجماعهم، وذلك لأنهم جردوا المصحف عن غير الآيات القرآنية، كالتفسير ونحوه (٨).
٢ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت علي آنفا سورة. فقرأ:
стр. 114
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾» رواه مسلم (١).
ووجه الدلالة في هذا الحديث على أن البسملة آية مستقلة من القرآن، أن الرسول ﷺ قرأ بها وأخبر أنها أنزلت مع هذه السورة. ولم تعد آية منها، فقد أجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون بسم الله الرحمن الرحيم (٢)، كما أجمعوا على أن سورة الإخلاص أربع آيات بدون البسملة (٣).
٣ - ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة، حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أبو داود (٤). فكونها تنزل يدل على أنها آية من القرآن، وكونها للفصل بين السور يدل على أنها ليست من السور، وإنما هي آية مستقلة (٥).
٤ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة
стр. 115
تبارك الذي بيده الملك» (١).
قال: فهذا الحديث يدل على أن البسملة ليست آية من السور من وجهين:
الوجه الأول: أنه ﷺ ابتدأ سورة الملك، بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دون البسملة، مما يدل على أن البسملة ليست من السورة.
الوجه الثاني: أن أهل العلم، والعادين لآيات القرآن اتفقوا على أن سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٢)، ثلاثون آية بدون البسملة (٣).
٥ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثاً، غير تمام» فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله - تعالى -: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله - تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال:
стр. 116
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلى عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» رواه مسلم (١).
قالوا: فهذا الحديث كسابقه، يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة من وجهين:
الوجه الأول: أن الله تعالى - بدأ الفاتحة بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ولو كانت البسملة آية من الفاتحة، لابتدأ بها، وعدها آية منها (٢).
الوجه الثاني: أن الله جعل الفاتحة بينه وبين عبده نصفين، وهي سبع آيات، باتفاق أهل العلم المعتد بقولهم، كما جعل تعالى - الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بينه وبين العبد، وهي منتصف السورة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما قبله ثلاثة آيات ونصف، حمد وثناء وتمجيد وعبادة للرب، وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما
стр. 117
بعده ثلاثة آيات ونصف للعبد دعاء ومسألة، ويكون قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الآية السادسة، وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هو الآية السابعة، وبهذا يتحقق التنصيف للفاتحة بين الرب، وبين العبد، ولو كانت البسملة آية من الفاتحة لم يتحقق التنصيف، ولكان قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما قبله أربع آيات ونصف آية. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما بعده اثنتين ونصفًا، فلا يتحقق التنصيف بل يكون ما للرب في هذه القسمة أكثر مما للعبد، وهذا خلاف نص قوله - تعالى - في الحديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (١).
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢): «وأما قوله في هذا الحديث: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل «قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فبدأ بالحمد لله رب العالمين، ولم يقل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فهذا أوضح شيء وأبينه أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست آية من الفاتحة لأن رسول الله ﷺ بدأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فجعلها آية، ثم ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فهذه ثلاث آيا لم يختلف فيها المسلمون.
стр. 118
وجاء في هذا الحديث أنها له تبارك اسمه، ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، ثم ثلاث آيات لعبده تتمة سبع آيات. فهذا يدل على أن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ثم الآية السابعة إلى آخر السورة. وهكذا تكون نصفين بين العبد، وبين ربه، لأنه قال في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل. وهؤلاء إشارة إلى جماعة من يعقل، وما لا يعقل، وأقل الجماعة ثلاثة، فعلمنا بقوله (هؤلاء) أنه أراد الآيات، والآيات أقلها ثلاث، لأنه لو أراد اثنتين لقال: هاتان، ولو أراد واحدة لقال: هذه بيني وبين عبدي، وإذا كان من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ إلى آخر السورة ثلاث آيات كانت السبع آيات، من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وصحت قسمة السبع على السواء، ثلاث وثلاث، وآية بينهما ...
وأجمع القراء والفقهاء على أنها سبع آيات إلا أنهم اختلفوا فمن جعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من فاتحة الكتاب لم يعد ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ومن لم يجعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية عد ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام، وأهل البصرة، وما أهل مكة، وأهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ولم يعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا الحديث أبين ما يروى عن النبي ﷺ في سقوط ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من آي فاتحة الكتاب، وهو قاطع لموضع الخلاف ...»
стр. 119
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه حديث صحيح صريح».
قلت: وإذا كانت البسملة ليست من الفاتحة، فليست من غيرها من السور من باب أولى.
٦ - حديث - عائشة ﵂ الطويل في قصة بدء الوحي، وفيه أن أول ما جاءه الملك قال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾، الحديث متفق عليه (٢).
قال ابن تيمية (٣) - بعد ما أشار إلى هذا الحديث: «فهذا أول ما نزل ول ينزل قبل ذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال في موضع آخر (٤): «فالذين قالوا ليست من السورة قالوا: إن جبريل ما أتى النبي ﷺ يأمره بقراءتها بل أمره أن يقرأ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ولو كانت هي أول السورة لأمره بها».
٧ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «صليت خلف النبي ﷺ ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في
стр. 120
أول قراءة ولا في آخرها». رواه مسلم (١).
٨ - حديث عائشة - قالت: «كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ..» (٢).
٩ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت». رواه مسلم (٣).
وهذه الأحاديث الثلاثة، حديث أنس برواياته، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة كلها تدل - كما سيأتي بيان ذلك - على أن الرسول ﷺ وخلفاءه، كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها - كما زعم بعضهم.
أما ما وجه الدلالة فيها على أن البسملة آية مستقلة؟ فهو كونهم ل يجهروا بها، كبقية آيات الفاتحة إذ لو كانت آية منها لما فرقوا بينها وبين بقية آيات هذه السورة (٤)، وإذا لم تكن آية من الفاتحة فالأولى أن لا تكون آية من غيرها من السور.
стр. 121
١٠ - قوله - تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، إذ لو كانت منها لكان فيها تكرار قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والأصل عدم التكرار (١)، غالبًا (٢).
١١ - أن جعل قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحدة بهذا الطول لا يناسب بقية الآيات، إذ إن غالب السور تكون آياتها متناسبة من حيث الطول والقصر. مما يقوي القول بأن هذه الآية آيتان، وأن البسملة ليست من آيات الفاتحة خلافا للعدد الموجود في المصاحف.
وإذا لم تكن آية من الفاتحة فالأولى أن لا تكون آية من غيرها من السور.
١٢ - كما يقال أيضا لمن يقول: إنها آية من الفاتحة فقط.
إن الفاتحة سورة من سور القرآن، والبسملة مكتوبة في أولها كلها، فلا فرق بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك. قال ابن تيمية (٣) «وهذا أظهر وجوه الاعتبار».
стр. 122
قال القاضي أبو يعلى (١): «إن أكثر أهل العلم وجمهورهم على أن قراءتها مستحبة فقط، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «وهو قول سائر من حقق القول في هذه المسألة، وتوسط فيها، وجمع بين مقتضى الأدلة وكتابتها سطرا مفصولا عن هذه السورة».
وقال أيضًا: «وهذا أعدل الأقوال» (٣).
стр. 123
المبحث الرابع
السبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة
أجمع المسلمون على ترك الفصل بالبسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة لإجماع المصاحف على ترك التسمية بينهما (١).
وإذا ابتدأ القارئ بسورة براءة، فإنه يتعوذ فقط، كما لو قرأ من وسطها (٢).
وقد اختلف في السبب الذي من أجله تركت البسملة في مطلع سورة براءة.
فذهب قوم إلى أن السبب هو كما جاء في حديث ابن عباس (٣) عن عثمان، ﵃ من أن النبي ﷺ لم يبين لهم في شأنها شيئًا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، فقرنوا بينهما، ولم يكتبوا:
стр. 124
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقد اختار هذا الطحاوي (١)، وصححه ابن العربي (٢).
وقيل: إن ذلك من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد، فإذا أرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا، فلم يكتبوا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين - بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقرأها عليهم في الموسم، ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم.
وقيل: لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وبراءة نزلت بالسيف، ليس فيها أمان، روي هذا عن علي بن أبي طالب (٣) وروي عن المبرد نحوه.
وقيل: لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رحمة، وبراءة سخط.
وقيل: تركت التسمية، إعظاما لبسم الله الرحمن الرحيم، من خطاب المشركين (٤).
وقيل: لأنهم اختلفوا هل هما سورتان، أو سورة واحدة، فتركت بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لقول من قال: إنهما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت
стр. 125
حجتاهما في المصحف (١).
قال القرطبي (٢): «والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل ﵇ لم ينزل بها في هذه السورة، قاله القشيري».
قلت: وما ذكره القرطبي عن القشيري، هو الذي تطمئن إليه النفس، بل يجب الجزم به، وهو أن جبريل لم ينزل بالبسملة مع هذه السورة، ولو نزلت مع هذه السورة لحفظت مع ما حفظ، ونقلت إلينا، تحقيقًا لوعد الله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٣) ولما لم تنقل، علمنا يقينا، لا يخالجه شك، أنها لم تنزل مع هذه السورة، لأن الله تكفل بحفظ القرآن، وقد وصل إلينا بحمد الله كاملا محفوظًا بحفظ الله، وهذا الذي يجب أن يعتقده كل مسلم.
أما ما روي عن ابن عباس عن عثمان ﵃ أن النبي ﷺ لم يبين لهم في شأن البسملة مع سورة براءة شيئًا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، فقرنوا بينهما، ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - فالحديث في هذا ضعيف - كما تقدم بيان ذلك.
أما القول بأن الصحابة اختلفوا، هل الأنفال وبراءة سورة واحدة، أو سورتان ... الخ فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - إنما أشكل
стр. 126
عليهم فيما روي عنهم، هل براءة سورة مستقلة أو هي من سورة الأنفال، ولهذا فصلوا بينهما. أما أن هناك شكًا في نزول البسملة مع هذه السورة أم لا فلا شك بل يجب القطع بأن ما وصل إلينا بين دفتي المصحف، هو القرآن بكامله، من غير زيادة أو نقصان.
أما بقية الأقوال، التي قيلت في عدم ذكر البسملة، والتي سبق ذكر جملة منها، فكلها يمكن حملها على البحث عن العلة، والسبب في عدم نزول البسملة مع هذه السورة، فهي مجرد تعليلات، تقبل حينا وترد أحيانا، وهي مجرد التماس للحكمة، وللعلة في عدم نزولها، مع هذه السورة، والتعليل قد يكون عليلا، فالأولى - والله أعلم - التوقف في هذا.
стр. 127
المبحث الخامس
حكم قراءة البسملة في غير الصلاة
أجمع أهل العلم على مشروعية التسمية، واستحبابها، بعد الاستعادة، تقديما للتخلية على التحلية، عند قراءة أول السورة في غير الصلاة، سواء في ذلك سورة الفاتحة، أو غيرها من السور، سوى سورة براءة (١)، لأنها آية من القرآن الكريم، نزلت مع كل سورة، سوى سورة براءة.
لكن اختلف القراء في قراءتها في حال الوصل بين السور، فقرأ ابن كثير، وقالون، وعاصم، والكسائي بالفصل بالتسمية بين السور، سوى الأنفال وبراءة (٢).
وروي عن بعض القراء تركها في الوصل منهم حمزة، وروي عن ورش الفصل وعدمه، واختلف عن الباقين، وهم: خلف وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ونافع، بين الفصل بالبسملة والوصل بين السورتين، أو السكت بينهما (٣).
والأولى الفصل بالتسمية بين جميع السور سوى سورة براءة، فلا
стр. 128
يفصل بالتسمية بينها وبين ما يقرأ قبلها من السور سواء سورة الأنفال أو غيرها - لأن الله أنزل التسمية مع كل سورة سوى سورة براءة، وكذا لو كرر السورة فوصل بين آخرها وأولها فالأولى الفصل بالبسملة (١) - وإن كانت ليست آية من كل سورة - كما قال ابن عباس ﵄: «كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة، حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢)، ولأن ذلك هو الموافق لرسم المصحف، ومن شرط صحة القراءة موافقتها لرسم المصحف (٣)، باتفاق أهل العلم، ولهذا أكثر القراء على الفصل بها بين السور، وكل من روي عنه الوصل، فقد روي عنه خلافه.
والأولى: في حال الابتداء بأول السورة أن يستعيذ ثم يقف، ثم يسمي ويقف، ثم يشرع في أول السورة، لأن الوقف على الاستعاذة تام، وكذا الوقف على البسملة، ولأن الثابت أن الرسول ﷺ كما في حديث أم سلمة ﵂ أنه كان يقطع قراءته آية آية (٤).
ويجوز أن يصل الاستعاذة بالبسملة، ثم يقف، ثم يشرع بأول السورة ويجوز أن يستعيذ ثم يقف، ثم يسمي ويصل البسملة بالسورة، ويجوز وصل الجميع، وصل الاستعاذة بالبسملة، ووصل البسملة
стр. 129
بالسورة (١).
وفي حال الوصل بين سورة وأخرى الأولى الوقف على نهاية السورة الأولى، لأن أواخر السور من أتم التمام، ثم يسمى ويقف، ثم يبتدأ بأول السورة الأخرى، سواء كانت السورتان متواليتين في ترتيب المصحف أم غير متواليتين.
ويجوز أن يقف على آخر السورة، ثم يبسمل، ويصل البسملة بأول السورة الأخرى، ويجوز وصل آخر السورة بالبسملة، ووصل البسملة بأول السورة الأخرى، وهو دون الثاني.
ويمتنع وصل البسملة بآخر السورة، ثم الوقف عليها، لأن البسملة إنما شرعت في الابتداء، لا في الانتهاء (٢).
أما في أوساط السور فيتعوذ فقط، ولا يبسمل عند أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، وقيل يستعيذ ويبسمل، وقيل يبسمل فقط (٣).
وقد تقدم هذا في الكلام على الاستعاذة.
стр. 130
المبحث السادس
حكم قراءة البسملة في الصلاة
اختلف العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة على أقوال:
القول الأول:
أنها تجب قراءتها في الصلاة، وجوب الفاتحة، لأنها آية منها.
وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، والزهري، ومجاهد، ويحيى ابن جعدة (١) وإسحاق (٢)، وأبي ثور، وأبي عبيد (٣)، وهو المشهور من مذهب الشافعي (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). وهذا على أن البسملة آية من الفاتحة (٦)، فتجب قراءتها عندهم كما تجب قراءة بقية آيات الفاتحة، كما يشرع الجهر بها عندهم، كما يجهر ببقية آيات الفاتحة. وسيأتي ذكر أدلتهم ومناقشتها عند ذكر قول من قال بالجهر بالبسملة في المبحث السابع إن شاء الله تعالى.
القول الثاني:
أن قراءتها في الصلاة مستحبة مع الفاتحة، ومع كل سورة، سوى
стр. 131
سورة براءة، كما في المصحف، وهو قول جمهور أهل العلم (١)، منهم: أبو حنيفة (٢)، وأحمد في المشهور عنه (٣)، وأكثر أهل الحديث (٤)، لأنها آية مستقلة من القرآن، وليست آية من السورة، لا من سورة الفاتحة، ولا من غيرها من السور، فلا تجب قراءتها، لا مع الفاتحة، ولا مع غيرها، لكن تستحب قراءتها معها، ومع كل سورة سوى براءة، لإثباتها في المصحف معها، ومع بقية السور، سوى براءة. وأيضًا فقد ثبت في حديث أنس وعائشة وأبي هريرة ﵃ أن الرسول ... ﷺ وخلفاءه، لا يجهرون بها (٥)، فلو كانت قراءتها واجبة، وجوب الفاتحة لجهروا بها، كما يجهرون ببقية آيات الفاتحة.
القول الثالث:
أنه لا تشرع قراءتها في المكتوبة، لا سرًا ولا جهرًا.
وهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، إلا أنه قال بقراءة البسملة في النقل وقيام الليل، ولمن يعرض القرآن عرضا (٦).
стр. 132
ونقل القول بعدم مشروعية قراءتها أيضا عن الأوزاعي (١).
وهذا القول مبني على أن البسملة ليست آية من القرآن، لا في أول الفاتحة ولا في أوائل السور، وليست آية مستقلة من القرآن - وقد تقدم بيان ضعف هذا القول (٢).
وقد استدل من ذهب إلى هذا القول بأحاديث أنس وعائشة، وعبد الله بن مغفل ﵃ والتي فيها أن الرسول ﷺ وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة والصلاة بالحمد لله رب العالمين (٣). وحديث أبي هريرة الذي فيه قوله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ...» (٤).
لكن هذه الأحاديث ليس فيها نفي قراءتها مطلقًا، وإنما فيها نفي قراءتها جهرًا - كما جاء في بعض روايات حديث أنس قوله: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وفي عض الروايات «فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وسيأتي ذكر رواياته وتخريجها، هو وحديث عائشة، وعبد الله بن مغفل، في الكلام على حكم الجهر
стр. 133
بالبسملة والإسرار بها (١).
قال أبو بكر بن خزيمة - بعد أن أخرج روايات حديث أنس، والتي في بعضها التصريح بأن الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يجهزون لها.
قال ابن خزيمة: «هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: «كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وبقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أنهم لم يكونوا يقرؤون ... جهرا، ولا خفيا. وهذا الخبر يصرح أنه أراد أنهم كانوا يسرون به ولا يجهزون به عند أنس» (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، بعد أن نفي دلالة حديث أنس على ترك قراءة البسملة، وبين أنه إنما يدل على ترك الجهر بها قال: «وأما كون الإمام لم يقرأها، فهذا لا يمكن إدراكه، إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة، يمكن فيها القراءة سرًا، ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة، من لم ير هناك سكوتا كمالك وغيره، لكن ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله. «أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا
стр. 134
إلى آخره». وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمران وأبي وغيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة، وفيها أنه كان يستعيذ، وإذا كان له سكوت، لم يمكن أنسا أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر، وإخباره بافتتاح القراءة بها، إنما هو في الجهر، وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذكر يسمى سكوتا، كما في حديث أبي هريرة فيصلح أن يقال: لم يقرأها، ولم يذكرها، أي جهرا، فإن لفظ السكوت، ولفظ نفي الذكر والقراءة مدلولهما هنا واحد».
وقد اختلف العلماء فيما إذا جهر الإمام ولم يسكت هل يبسمل المأموم أو لا: على قولين منهم: من قال: لا يبسمل ولا يقرأ بل يجب عليه الإنصات، وقال بعض أهل العلم: بأنه يستعيذ ثم يبسمل ويقرأ الفاتحة وذلك لأن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة الاستعاذة والبسملة تشرع قراءتها تبعًا لها.
وهذه المسألة مبنية على اختلافهم في حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم (١).
****
стр. 135
المبحث السابع
حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها
أما في غير الصلاة:
فأكثر القراء على الجهر بها (١)، وروي عن بعضهم إخفاؤها، منهم حمزة، ونافع (٢)، وروي عنهما الجهر بها (٣).
وأخذ بعض أهل الأداء بالتسمية جهرًا لجميع القراء وأخذ بعض أهل الأداء لهم إخفاءها (٤).
وأما في الصلاة فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:
القول الأول:
أنه يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، والإسرار بها في الصلاة السرية.
وهو مروي عن عمر، وعلي وعبد الله بن الزبير (٥) وابن عباس وابن
стр. 136
عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان (١)، وشداد بن أوس (٢) ﵃.
ومن التابعين: سعيد بن جبير (٣)، ومحمد بن شهاب الزهري (٤)، ومجاهد وعطاء وطاوس (٥).
وحكاه ابن كثير - أيضًا (٦) - عن عكرمة، وأبي قلابة، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر ونافع مولى ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، وعبد الله بن معقل بن مقرن، وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية وعمرو بن دينار.
стр. 137
وهو المشهور من مذهب الشافعي (١). ونسب لأحمد في رواية له (٢). ولكن قال ابن قدامة (٣): «ولا تختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون».
وقال ابن تيمية (٤): «وقد حكي القول بالجهر عن أحمد وغيره، بناء على إحدى الروايتين عنه، من أنها من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، وليس هذا مذهبه، بل يخافت بها عنده»، وروي عن الليث بن سعد (٥)، وأبي عبيد (٦)، وداود الظاهري (٧).
وقد سبقت الإشارة - في المبحث السادس - إلى أن أدلة القائلين بوجوب قراءة البسملة في الصلاة هي نفسا أدلة القائلين بالجهر بها ومنها ما يلي:
١ - أن الصحابة كتبوها في المصحف، مع أنهم جردوه عما ليس من القرآن (٨)، مما يدل على وجوب قراءتها والجهر بها.
والجواب عن هذا: أنه إنما تجب قراءتها لو كانت من السورة،
стр. 138
وبخاصة مع الفاتحة، والصحيح أنها آية مستقلة من القرآن - كما تقدم بيان ذلك في المبحث الثالث.
٢ - ما رواه نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. فقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » (١).
قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، لأن قوله «فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يؤخذ منه أنه قرأها جهرًا، وإلا فكيف يعلم أن أبا هريرة قرأها، وحيث قال أبو هريرة في نهاية الحديث: «والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ». فهذا يدل على أنه ﷺ يجهر بها.
وقد أجاب أهل العلم من القائلين بعدم الجهر عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: من حيث صحة سنده، فقد ضعفه جمع من أهل العلم.
стр. 139
وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (١) في ذكر كلام الأئمة في تضعيفه، وأجاب عنه، وأعله من وجوه عدة، وكذا أعله وأجاب عنه من وجوه عدة الزبيدي (٢)، كما ضعف إسناده الألباني (٣).
الجواب الثاني أن دلالته على الجهر ليست صريحة - على فرض صحته، فيحتمل أن أبا هريرة أسر بها، ويحتمل أنه قصد تعليمهم، أو غير ذلك.
قال الجصاص (٤): حديث نعيم بن المجمر لا دلالة فيه على الجهر بها، لأنه إنما ذكر أنه قرأها، ولم ينقل عنه أنه جهر بها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) «فإن العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه ... فقد يكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة، وإن لم يجهر بها، وحينئذ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح وحديث عائشة الذي في الصحيح، هذا إذا كان الحديث دالًا على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين، أحدهما: أنه قال قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيحتمل أنه قرأها سرًا ... الثاني: أنه لم يخبر أن
стр. 140
النبي ﷺ قرأها، وإنما قال في آخر الصلاة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ ».
وفي الحديث: أنه أمن، وكبر في الخفض والرفع، وهذا نحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله ﷺ من هذه الوجوه التي فيها ما فعله الرسول ﷺ وتركوه هم، ولعل قراءتها مع الجهر أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من تركها».
٣ - ما رواه أنس بن مالك: أن معاوية لما قدم المدينة - صلى بهم، فلم يجهر بالبسملة، فأنكر عليه المهاجرون والأنصار، فأعاد بهم الصلاة وجهر بها» (١).
قالوا: فإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية ترك الجهر بالبسملة، وإعادته الصلاة بهم، والجهر بها، يدل على أن السنة الجهر.
وهذا الحديث ضعفه من حيث سنده ومتنه عدد من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، فقد ضعفه من وجوه ستة، ثم قال
стр. 141
بعدها: «فهذه الوجوه وأمثالها، إذا تدبرها العالم، قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به حجه، لكان شاذًا، لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذًا، ولا معللًا، وهذا شاذ معلل، وإن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته. . .»
كما ضعفه الزيلعي (١) والزبيدي (٢) من حيث سنده ومتنه من وجوه عدة، وذكرا كلام الأئمة في تضعيفه.
٤ - ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مدا يمد (بسم الله)، ويمد بـ (الرحمن)، ويمد بـ (الرحيم)». رواه البخاري (٣).
٥ - ما روته أم سملة، قالت: «كان النبي ﷺ يقطع قراءته تقطيعًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديث» رواه أبو داود وغيره (٤).
стр. 142
قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة. والصحيح أنه لا حجة في هذين الحديثين، لأنه ليس فيهما ما يدل صراحة على أنه ﷺ كان يفعل ذلك في الصلاة (١).
٦ - ما رواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم» (٢).
وهذا الحديث - وإن صححه الحاكم - ففيه نظر، لأنه يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس وغيره، من عدم جهر الرسول ﷺ ، وخلفائه بها - كما سيأتي في أدلة القول التالي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «يعلم أولاً أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم بالصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم، ما قد ثبت في الصحيح خلافه ..».
إلى غير ذلك من الأحاديث التي استدلوا بها (٤) وهي بين ضعيف، أو موضوع، أو مما لا حجة لهم فيه، كما بين ذلك جمع من
стр. 143
المحققين.
قال الدارقطني (١): «كل ما روي عن النبي ﷺ في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف».
وقال ابن الجوزي في «التحقيق» (٢) بعد أن ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية على الجهر وبين ضعفها: «وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح. . ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها» - وبعد أن ذكر قول الدارقطني السابق قال: «ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، كما روي أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين، بعد الفاتحة أحيانًا ...».
وقال ابن قدامة (٣): «وسائر أخبار الجهر ضعيفة فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدل على ضعف رواية الجهر».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن
стр. 144
المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء، الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء».
وقال - أيضًا (١) - بعدما ذكر مذهب القائلين بالجهر بالبسملة: «واعتمدوا على آثار منقولة بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي ﷺ ، فأما المأثور عن الصحابة كابن الزبير ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف، وأما المأثور عن النبي ﷺ فهو ضعيف، أو موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث، كالدارقطني وغيره ...».
وقال - أيضًا (٢) -: «وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر، ونحو ذلك، لأن هذا من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي على ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين».
стр. 145
وقال ابن القيم (١) مشيرا إلى أحاديث الجهر: «فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح».
وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (٢) في ذكر كلاهم أهل العلم في تضعيف الأحاديث والآثار الواردة في الجهر بالبسملة، ثم قال (٣):
«وبالجملة هذه الأحاديث ليس فيها صريح، ولا صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما. وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل ...».
كما ضعف أحاديث الجهر الزبيدي (٤).
القول الثاني:
أنه يسن الإسرار بالبسملة في الصلاة مطلقا، وهو قول جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء وغيرهم (٥).
وهو الثابت من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان (٦)، وعلي (٧)،