بعدها: «فهذه الوجوه وأمثالها، إذا تدبرها العالم، قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به حجه، لكان شاذًا، لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذًا، ولا معللًا، وهذا شاذ معلل، وإن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته. . .»
كما ضعفه الزيلعي (١) والزبيدي (٢) من حيث سنده ومتنه من وجوه عدة، وذكرا كلام الأئمة في تضعيفه.
٤ - ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي ﷺ فقال: «كانت مدا يمد (بسم الله)، ويمد بـ (الرحمن)، ويمد بـ (الرحيم)». رواه البخاري (٣).
٥ - ما روته أم سملة، قالت: «كان النبي ﷺ يقطع قراءته تقطيعًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديث» رواه أبو داود وغيره (٤).
стр. 142
قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أنه ﷺ كان يجهر بالبسملة. والصحيح أنه لا حجة في هذين الحديثين، لأنه ليس فيهما ما يدل صراحة على أنه ﷺ كان يفعل ذلك في الصلاة (١).
٦ - ما رواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: «كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم» (٢).
وهذا الحديث - وإن صححه الحاكم - ففيه نظر، لأنه يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس وغيره، من عدم جهر الرسول ﷺ ، وخلفائه بها - كما سيأتي في أدلة القول التالي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «يعلم أولاً أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم بالصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم، ما قد ثبت في الصحيح خلافه ..».
إلى غير ذلك من الأحاديث التي استدلوا بها (٤) وهي بين ضعيف، أو موضوع، أو مما لا حجة لهم فيه، كما بين ذلك جمع من
стр. 143
المحققين.
قال الدارقطني (١): «كل ما روي عن النبي ﷺ في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف».
وقال ابن الجوزي في «التحقيق» (٢) بعد أن ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية على الجهر وبين ضعفها: «وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح. . ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها» - وبعد أن ذكر قول الدارقطني السابق قال: «ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، كما روي أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين، بعد الفاتحة أحيانًا ...».
وقال ابن قدامة (٣): «وسائر أخبار الجهر ضعيفة فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدل على ضعف رواية الجهر».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن
стр. 144
المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء، الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء».
وقال - أيضًا (١) - بعدما ذكر مذهب القائلين بالجهر بالبسملة: «واعتمدوا على آثار منقولة بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي ﷺ ، فأما المأثور عن الصحابة كابن الزبير ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف، وأما المأثور عن النبي ﷺ فهو ضعيف، أو موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث، كالدارقطني وغيره ...».
وقال - أيضًا (٢) -: «وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر، ونحو ذلك، لأن هذا من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي على ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين».
стр. 145
وقال ابن القيم (١) مشيرا إلى أحاديث الجهر: «فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح».
وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (٢) في ذكر كلاهم أهل العلم في تضعيف الأحاديث والآثار الواردة في الجهر بالبسملة، ثم قال (٣):
«وبالجملة هذه الأحاديث ليس فيها صريح، ولا صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما. وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل ...».
كما ضعف أحاديث الجهر الزبيدي (٤).
القول الثاني:
أنه يسن الإسرار بالبسملة في الصلاة مطلقا، وهو قول جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء وغيرهم (٥).
وهو الثابت من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان (٦)، وعلي (٧)،
стр. 146
وعن أنس (١)، وعائشة (٢) وروي عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر وعروة بن الزبير، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي (٤)، والحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز (٥)، وعكرمة (٦)، والأوزاعي، وسفيان الثوري (٧)، وسعيد بن جبير والأعمش والشعبي (٨)، وأبو حنيفة وأصحابه (٩)،
وأحمد بن حنبل (١٠) وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه (١١)، وأبو عبيد (١٢)، وجماعة من أصحاب
стр. 147
الشافعي (١) وغيرهم كثير (٢).
واستدل أصحاب هذا القول بأحاديث صحيحة صريحة منها:
١ - ما رواه أنس بن مالك عن النبي ﷺ وعن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أنهم كانوا لا يجهرون بـ «بسم الله الرحمن الرحيم».
وقد أخرجه الأئمة عن أنس، منهم البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم بروايات وألفاظ متعددة فأخرجه البخاري (٣) عن أنس ابن مالك - بلفظ: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين».
وأخرجه مسلم عن أنس بلفظ: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها».
وفي لفظ آخر عند مسلم - أيضًا (٤) - «صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم، يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
стр. 148
وأخرجه النسائي (١) عن أنس بلفظ: «صلى بنا رسول الله ﷺ فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلى بنا أبو بكر وعمر، فلم نسمعها منهما».
وفي لفظ آخر للنسائي (٢) عن أنس قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤)، وابن خزيمة (٥) أيضا بهذا اللفظ، إلا أنه قال: «فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرجه الإمام أحمد (٦) بلفظ: «صليت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأخرجه بلفظه ابن خزيمة (٧)، وفي رواية له (٨) وللدارقطني (٩) بهذا اللفظ، وزادا
стр. 149
«وعثمان». وفي لفظ لابن خزيمة (١): «أن النبي ﷺ لم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان» وفي لفظ له - أيضًا (٢) -: «أن رسول الله ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة وأبو بكر وعمر». وفي لفظ للطحاوي (٣): «لم يكن رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر ﵄ يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
فحديث أنس هذا برواياته كلها، يدل على أن الثابت من فعل الرسول ﷺ وخلفائه الاسرار بالبسملة، وعدم الجهر بها (٤).
قال الدارمي في «سننه» (٥) مبوبًا: «باب كراهية الجهر بـ .. ثم أخرج حديث أنس بلفظ «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين». قال الدرامي: وبهذا نقول ولا أرى الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
وقال ابن خزيمة في «صحيحه» (٦) مبوبًا: باب ذكر الدليل على أن أنسا إنما أراد بقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: أي لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
стр. 150
الرَّحِيمِ﴾، وأنهم كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة».
وقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١) بعد أن ذكر روايات حديث أنس: «ففي ذلك دليل على أنهم يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى، فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو حديث صريح لا يحتمل هذا التأويل (٣)، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه، فقال فيه: «صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها» وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع.
واللفظ الآخر في صحيح مسلم «صليت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ
стр. 151
لم يجز تأويله بأن النبي ﷺ كان يقرأ جهرًا، ولا يسمع أنس، لوجوه ... - وبعد أن ذكر ابن تيمية هذه الوجوه - قال: فتبين أن هذا تحريف لا تأويل، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو يفضل هذه الرواية الأخرى، وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: «يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» أنه أراد السورة، فإن قوله: «يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة، ولا في آخرها «صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة، التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه».
وقال - أيضًا (١) -: «وأما اللفظ الآخر» لا يذكرون» فهو إنما ينفي ما يمكن العلم بانتفائه، وذلك موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا ... يؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل (٢).
стр. 152
ويؤيد قول ابن تيمية ما أخرجه الدارقطني (١) عن أبي مسلمة سعيد ابن يزيد قال: سألت أنس بن مالك، أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك. قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم».
وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٢) بعد أن ذكر حديث أنس، من رواية البخاري ومسلم، وبعد أن أشار إلى أن في رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة «لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»، وإلى الرواية الأخرى لابن خزيمة: «كانوا يسرون» قال: «وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم». يعني قوله «لا يذكرون اسم الله في أول قراءة، ولا في آخرها».
٢ - حديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ
стр. 153
يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ..» رواه مسلم (١).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت». رواه مسلم (٢).
ووجه الدلالة من هذين الحديثين - كما تقدم في حديث أنس - هو أنهم يسرون بقراءتها، ولا يجهرون بها، لا أنهم يتركونها.
٤ - حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد «الحمد لله رب العالمين» قال الله: حمدني عبدي الحديث». رواه مسلم (٣).
قال ابن قدامة (٤): «وهذا يدل على أنه لم يذكر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يجهر بها»
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) - بعد أن أشار إلى حديث أبي
стр. 154
هريرة هذا: «فيه دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة المقسومة»، فهذا يدل على أن البسملة ليست من السورة، فلا يجهر بها».
إلى غير ذلك من الأدلة الصحيحة الصريحة على أن السنة الإسرار بالبسملة وقد اختار هذا أكثر المحققين:
قال الجصاص (١) «والإخفاء أولى من وجهين: أحدهما ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، وقول إبراهيم الجهر بها بدعة. والوجه الآخر: أن الجهر بها لو كان ثابتًا لورد النقل به مستفيضًا متواترًا، كوروده في سائر القراءة، فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر، علمنا أنه غير ثابت إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها، كهي إلى معرفة الجهر في سائرفاتحة الكتاب».
وقال القرطبي (٢): «وهذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس، ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».
وقال شيخ الاسلام ابن تيمية (٣): «لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح، ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة، بل موضوعة،
стр. 155
ولهذا لما صنف الدارقطني في ذلك مصنفًا قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي ﷺ فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النبي ﷺ يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك، بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون، ثم خلفاء بني أمية، وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة- وهم أعلم أهل المدائن بسنته- ينكرون قراءتها بالكلية سرًا وجهرًا.
وقال- أيضًا (١) -: «فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان النبي ﷺ يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة، لم يكن في العادة، ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما، إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه».
القول الثالث:
التخيير بين الجهر والإسرار، وهذا القول يروى عن الحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهويه (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).
стр. 156
والذين روي عنهم هذا القول، كأنهم أرادوا الجمع بين أدلة الجهر، وأدلة الإسرار علمًا أن أدلة الجهر لا تكافئ أدلة الإسرار، بل وليس فيها دليل واحد صحيح النقل صريح الدلالة على الجهر- كما تقدم ذكر كلام الأئمة في ذلك.
فالقول بالتخيير للمصلي بين الجهر والإسرار بالبسملة ليس بصحيح، وفرق بين هذا، وبين أن يقال: يجوز الجهر بها لحاجة كتعليم ونحوه، فهذا لا بأس به، أو أن يقال: تصح صلاة من أسر بها ومن جهر، فهذا- أيضًا- صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «فإن الجهر بها والمخافتة سنة، فلو جهر بها المخافت صحت صلاته بلا ريب».
وقال الحافظ ابن كثير (٢): «أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة، ومن أسر بها، ولله الحمد والمنة».
أما أن يكون المصلي مخيرًا بين هذا وهذا على حد سواء فليس بصحيح فالجهر إنما يجوز أحيانًا لعارض، كتعليم المأمومين ونحو ذلك.
كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) أنه يستحب الجهر بها لمصلحة
стр. 157
راجحة، وذكر عن أحمد أنه يستحب الجهر بها في المدينة، لأنهم ينكرون على من لم يجهر بها. ثم ذكر ابن تيمية- أيضًا- أنه يجوز الجهر بها لبيان أن قراءتها سنة، ثم قال: «ولهذا نقل عن أكثر من روي عنه الجهر بها المخافتة ...».
وقال- أيضًا (١) -: «وكون الجهر بها لا يشرع بحال- مع أنه قد ثبت عن غيره واحد من الصحابة- نسبة للصحابة إلى فعل المكروه، وإقراره مع أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض».
وقال- أيضًا (٢) -: «ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة أحيانًا، لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا (٣)، ويسوغ- أيضًا- أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة خوفًا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك (٤)، ورأى أن مصلحة
стр. 158
الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم».
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (١): «وكان - يعني النبي ﷺ يجهز ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة, ويخفيها أكثر مما يجهز بها, ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا, في كل يوم وليلة, خمس مرات, أبدًا حضرًا وسفرًا, ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين, وعلى جمهور أصحابه, وأهل بلده, فيالأعصار الفاضلة, هذا من أمحل المحال, حتى يحتاج إلى التثبيت فيه بألفاظ مجملة, وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح, وصريحها غير صحيح».
****
стр. 159
المبحث الثامن
المواضع التي تشرع فيها البسملة
تشرع البسملة وهي قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في مواضع منها مايلي:
١ - عند قراءة القرآن, وبخاصة عند الابتداء بأوائل السور سوى سورة براءة, لأنها آية تنزل مع كل سورة سوى براءة, ولهذا أثبتت في المصاحف مع كل سورة نزلت معها, وإن كانت ليست آية من السور مطلقًا.
٢ - في بداية الكتب والرسائل والخطب والمسائل العلمية, تأسيًا بكتاب الله تعالى, وبسنة رسول الله ﷺ فقد كان يبتدئ بها في كتبه ﷺ للملوك كما في كتابه إلى هرقل فقد ابتدأه ﷺ بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. . .» (١).وكذا كان الأنبياء قبله كما جاء في كتاب سليمان لبلقيس: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢). وقد درج على هذا سلف الأمة وخلفها في كتبهم ورسائلهم وخطبهم ومقالاتهم.
وقد اختلفوا في حكم كتابتها مع الشعر، فذهب بعضهم إلى كراهة
стр. 160
ذلك والمنع منه، وأجازه آخرون (١)، والذي يظهر- والله أعلم- أن الشعر لا يختلف عن النثر من حيث جواز كتابتها مع المحمود منهما، وعدم جواز ذلك مع المذموم منهما، لأن في ذلك استخفافًا بالله، وأسمائه وصفاته.
ب-وتشرع التسمية وهي قول: «بسم الله» في مواضع كثيرة منها مايلي:
١ - عند الوضوء- فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢).
стр. 161
٢ - عند الدخول في المسجد والخروج منه، فعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد يقول: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» (١).
٣ - عند الركوب قال الله- تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وجاء في حديث جابر الطويل في قصة بعيره: أن رسول الله ﷺ قال له: «اركب باسم الله» رواه مسلم (٣).
стр. 162
وفي حديث علي ﵁ «وأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب، قال: «بسم الله ..» الحديث، ثم قال في آخره: «رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت» رواه أبو داود (١).
٤ - عند الذبح (٢)، وعند الصيد لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤)،
стр. 163
وقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢).
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك» الحديث متفق عليه (٣).
وأخرجا نحوه من حديث أبي ثعلبة، وفيه زيادة «وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله فكل» (٤).
٥ - عند الأكل لحديث عمرو بن سلمة ﵁ قال: كنت غلامًا في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» متفق عليه (٥).
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان يستحل الطعام، أن لا يذكر اسم الله عليه» رواه مسلم (٦).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال
стр. 164
الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء». رواه مسلم (١).
٦ - عند الجماع- لما رواه ابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ قال: «أما أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا لم يضره الشيطان» متفق عليه (٢).
٧ - عند الخروج من البيت لما رواه أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» (٣).
٨ - في المساء والصباح. فعن عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث
стр. 165
مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصيه فجأة بلاء حتى يمسي» (١).
٩ - عند النوم- فعن أبي الأزهر الأنماري: أن رسول الله ﷺ كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: «بسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني، وفك رهاني، واجعلني في الندي الأعلى» (٢).
١٠ - عند دخول الخلاء- فعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل الكنيف، أن يقول: بسم الله» (٣).
стр. 166
١١ - إذا عثر المرء أو عثرت دابته- لما رواه أبو تميمة الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه، قال: كنت رديف النبي ﷺ فعثر بالنبي ﷺ فقلت: تعس الشيطان فقال النبي ﷺ : «لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» (١).
١٢ - عندما يجد المسلم وجعًا في جسده, يشرع له أن يضع يده على موضع الألم, ويُسمي, ويذكر بقية الدعاء.
لما رواه عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا في جسده, منذ أسلم, فقال له رسول الله ﷺ «ضع يدك على الذي يألم من جسدك, وقل: بسم الله ثلاثًا. . . الحديث» رواه مسلم (٢).
١٣ - عند وضع الميت في قبره - فعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله, وعلى
стр. 167
سنة رسول الله» (١).
١٤ - عند إغلاق الباب، وإطفاء المصباح، وعند إيكاء السقاء, وتخميرالإناء لما رواه جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا استجنح الليل, أو كان جنح الليل, فكفوا صبيانكم, فإن الشياطين تنتشر حينئذ, فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم, وأغلق بابك, واذكر اسم الله, وأطفئ مصباحك, واذكر اسم الله, وأوك سقاءك, واذكر اسم الله عليه, وخمر إناءك, واذكر اسم الله, ولو تعرض عليه شيئًا» متفق عليه (٢).
إلى غير ذلك من المواضيع, بل إن الذي يفهم من الحديث جابر هذا أنه ينبغي أن يذكر المسلم اسم الله على جميع أحواله, تبركًا وتيمنًا واستعانة.
أما حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد (٣) , قال رسول الله ﷺ : «كل كلام, أو أمر ذي بال, لايفتح بذكر الله فهو أبتر, أو قال أقطع» فهو حديث ضعيف (٤).
* * **
стр. 168
المبحث التاسع
فوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها
فوائد البسملة والأحكام التي تضمنتها كثيرة منها ما يلي:
١ - مشروعة البداءة باسم الله على كل أمر ديني، أودنيوي، استعانة وتبركًا وتيمنًا.
٢ - إثبات اسمه تعالى «الله» الدال على أنه له كمال الألوهية والعبودية .
٣ - إثبات اسمي الله: «الرحمن»، «الرحيم»، وما تضمناه من الصفة والأثر.
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١) ﵀:
«الرحمن، الرحيم» اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم، فله نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلًا بأنه «رحمن رحيم» ذو الرحمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم، فالنعم
стр. 169
كلها أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء، يقال في العليم: إنه عليم، ذوعلم يعلم به كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء».
٤ - أن اسمه تعالى «الله» هو أصل أسمائه- تعالى- تأتي بقية أسمائه تابعة له، لهذا جاء اسماه «الرحمن» و «الرحيم» تابعين لهذا الاسم.
٥ - أن اسم «الله» أعظم من اسمه «الرحمن» ولهذا قدم عليه، وأن اسمه «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» وأخص منه من حيث اللفظ، ولهذا قدم عليه، تقديمًا للأعظم والأهم.
٦ - الاعتراف بنعمة الله - تعالى - وفضله وإحسانه، أن هذا كله من آثار رحمته المذكورة في قوله- تعالى (الرحمن الرحيم).
٧ - الجمع بين أسلوب الترهيب والترغيب، لأن في قوله (الله) دلالة على عظمة الله وقهره، وفي قوله (الرحمن الرحيم) دلالة على فضل الله، وإحسانه وإنعامه، والأول أسلوب ترهيب، والثاني ترغيب.
٨ - الدلالة على أن الاستعانة إنما تستمد من الله- تعالى، ويجب صرفها له، فهو القادر على إعانة من استعان به، وهو (الرحمن الرحيم) بعباده، أرحم من الوالدة بولدها، كما جاء في الحديث: «الله أرحم بعباده، من هذه بولدها» (١) فهو نعم النصير والمعين، ومفزع الخائفين وأرحم الراحمين.
стр. 170
٩ - إظهار مخالفة المشركين، الذين يفتتحون أمورهم باسم اللات والعزى ومناة، وغيرها من الأصنام والأنداد، من المخلوقين وغيرهم، ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من الكتاب من المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام يصدرون كتبهم وصحفهم باسم الشعب وباسم الحرية، وتقرأ الكتاب من أوله إلى آخره لا تجد فيه ذكر اسم الله.
١٠ - فيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، إذ لو كان ذلك كذلك لما احتاج العبد إلى طلب العون من الله- تعالى.
١١ - أن ذكر اسم الله عون للعبد على جميع أحواله، وسبب لحصول الخير، والبركة، والحصول على مطلوبه، والنجاة من مرهوبه، بإذن الله تعالى، والسلامة من الشيطان وهمزاته وشروره، وإغاظته ودحره وطرده من أن يحول بين العبد وبين قراءته، ويوسوس له فيها، أو في وضوئه، أو أن يشاركه في أكله وشربه ودخوله وخروجه، وسائر أحواله (١).
****
стр. 171
الباب الثاني
تفسير سورة الفاتحة
معناها، وأحكامها وفيه فصلان:
الفصل الأول: تفسير سورة الفاتحة، وبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام- وفيه ثمانية مباحث.
الفصل الثاني: الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة- وفيه مبحثان.
стр. 172
الفصل الأول
تفسير سورة الفاتحة ،
وبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام
وفيه ثمانية مباحث
المبحث الأول: مكان نزول الفاتحة
المبحث الثاني: أسماء الفاتحة.
المبحث الثالث: عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها.
المبحث الرابع: فضل سورة الفاتحة.
المبحث الخامس: المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة.
المبحث السادس: بيان معنى السورة والآية.
المبحث السابع: تفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها.
المبحث الثامن: ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد والأحكام.
стр. 173
المبحث الأول
مكان نزول الفاتحة
نزلت سورة الفاتحة بمكة، بدليل أنها ذكت في سورة الحجر، وهي مكية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ (١) وسورة الحجر مكية بالإجماع (٢).
وقد فسر الرسول ﷺ السبع المثاني في هذه الآية بالفاتحة.
فعن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (٣) الآية.
ثم قال لي: لأعلمنك سورة، هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» رواه البخاري (٤).
стр. 174
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أم القرآن, هي السبع المثاني والقرآن العظيم» رواه البخاري (١) , ورواه ابن جرير (٢) بلفظ: «هي أم القرآن, وهي فاتحة الكتاب, وهي السبع المثاني».
ورواه أبو داود (٣) بلفظ «الحمد لله رب العالمين: أم القرآن, وأم الكتاب, والسبع المثاني» وكذا رواه الترمذي (٤) , وزاد «والقرآن العظيم» وقال: حديث صحيح «.
وأيضًا فقراءتها ركن من أركان الصلاة - على الصحيح-, لا تصح الصلاة بدونها, وقد فرضت الصلاة بمكة, عندما أسرى بالرسول ﷺ
стр. 175
وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الفاتحة (١).
بل روى أنها من أول ما نزل, وأنها أول سورة نزلت كاملة (٢).
стр. 176
المبحث الثاني
أسماء الفاتحة
تعددت أسماء الفاتحة, وقد أوصلها بعضهم إلى نحو من عشرين اسمًا (١) , منها ما يلي:
١ - السبع المثاني والقرآن العظيم:
لقوله -تعالى- في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢).
وقد فسر الرسول ﷺ السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة, كما في حديث أبى سعيد بن المعلى, وأبى بن كعب, وأبى هريرة ﵃ (٣) -.
وسميت بالمثاني - والله أعلم- لأنها حمد لله وثناء عليه وتمجيد له, ولأنها تثنى في كل صلاة, بل في كل ركعة (٤) , ولأنها اشتملت
стр. 177
على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم - كما سيأتي بيانه- وهو مثاني تثنى فيه المواعظ والقصص والأخبار والحكم والأحكام, كما قال الله- تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (١).
وقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمة فخصها بها من بين الأمم (٢) , كما في حديث أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة, ولا في الزبور, ولا في الإنجيل, ولا في القرآن مثلها» (٣).
٢ - فاتحة الكتاب:
عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٤).
وعن أبى قتادة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين وفي رواية: ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٥).
стр. 178
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي «أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد» (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٢).
وفي حديث ابن عباس الآتي في المبحث الرابع في فضل سورة الفاتحة «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك, فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة» (٣).
وعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة, وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (٤).
وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبري (٥) - كما سبق في الاسم الأول للفاتحة: «هي أم القرآن, وهي فاتحة الكتاب».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله ﷺ قال:
стр. 179
«كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» (١).
وسميت بهذا الاسم لأنها تفتتح بها المصاحف خطًا وتلاوةً, وتفتتح فيها القراءة في الصلاة (٢).
٣ - الرقية:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا في مسير لنا, فنزلنا, فجاءت جارية, فقالت: إن سيد الحي سليم, وإن نفرنا غُيَّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (٣) برقية, فرقاه, فبرأ, فأمر لنا بثلاثين شاة, وسقانا لبنا, فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية, أو كنت ترقى؟ قال: لا, ما رقيت إلا بأم الكتاب. فقلنا: لا تحدثوا شيئًا, حتى نأتي, أو نسأل النبي ﷺ , فلما قدمنا المدينة, ذكرناه للنبي ﷺ فقال: «وما يدريه أنها رقية؟ اقسموا, واضربوا لي بسهم» متفق عليه (٤).
стр. 180
وعن خارجة ابن الصلت عن عمه أنه مر بقوم فأتوه, فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير, فارق لنا هذا الرجل , فأتوه برجل معتوه في القيود, فرقاه بأم القرآن, ثلاثة أيام غدوة وعشية, كلما ختمها جمع بزاقه, ثم تفل, فكأنما أنشط عن عقال, فأعطوه شيئًا فأتى النبي ﷺ فذكره له, فقال النبي ﷺ : «كل فلعمري لمن أكل برقية باطل, لقد أكلت برقية حق (١)» (٢).
٤ - أم القرآن:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج- ثلاثًا, غير تمام» الحديث رواه مسلم (٣).