← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الثاني أسماء الفاتحة تعددت أسماء الفاتحة, وقد أوصلها بعضهم إلى نحو من عشرين اسمًا (١) , منها ما يلي: ١ - السبع المثاني والقرآن العظيم: لقوله -تعالى- في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢). وقد فسر الرسول ﷺ السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة, كما في حديث أبى سعيد بن المعلى, وأبى بن كعب, وأبى هريرة ﵃ (٣) -. وسميت بالمثاني - والله أعلم- لأنها حمد لله وثناء عليه وتمجيد له, ولأنها تثنى في كل صلاة, بل في كل ركعة (٤) , ولأنها اشتملت

стр. 177

على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم - كما سيأتي بيانه- وهو مثاني تثنى فيه المواعظ والقصص والأخبار والحكم والأحكام, كما قال الله- تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (١). وقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمة فخصها بها من بين الأمم (٢) , كما في حديث أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة, ولا في الزبور, ولا في الإنجيل, ولا في القرآن مثلها» (٣). ٢ - فاتحة الكتاب: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٤). وعن أبى قتادة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين وفي رواية: ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٥).

стр. 178

وعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي «أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٢). وفي حديث ابن عباس الآتي في المبحث الرابع في فضل سورة الفاتحة «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك, فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة» (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة, وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (٤). وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبري (٥) - كما سبق في الاسم الأول للفاتحة: «هي أم القرآن, وهي فاتحة الكتاب». وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله ﷺ قال:

стр. 179

«كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» (١). وسميت بهذا الاسم لأنها تفتتح بها المصاحف خطًا وتلاوةً, وتفتتح فيها القراءة في الصلاة (٢). ٣ - الرقية: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا في مسير لنا, فنزلنا, فجاءت جارية, فقالت: إن سيد الحي سليم, وإن نفرنا غُيَّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (٣) برقية, فرقاه, فبرأ, فأمر لنا بثلاثين شاة, وسقانا لبنا, فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية, أو كنت ترقى؟ قال: لا, ما رقيت إلا بأم الكتاب. فقلنا: لا تحدثوا شيئًا, حتى نأتي, أو نسأل النبي ﷺ , فلما قدمنا المدينة, ذكرناه للنبي ﷺ فقال: «وما يدريه أنها رقية؟ اقسموا, واضربوا لي بسهم» متفق عليه (٤).

стр. 180

وعن خارجة ابن الصلت عن عمه أنه مر بقوم فأتوه, فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير, فارق لنا هذا الرجل , فأتوه برجل معتوه في القيود, فرقاه بأم القرآن, ثلاثة أيام غدوة وعشية, كلما ختمها جمع بزاقه, ثم تفل, فكأنما أنشط عن عقال, فأعطوه شيئًا فأتى النبي ﷺ فذكره له, فقال النبي ﷺ : «كل فلعمري لمن أكل برقية باطل, لقد أكلت برقية حق (١)» (٢). ٤ - أم القرآن: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج- ثلاثًا, غير تمام» الحديث رواه مسلم (٣).

стр. 181

وعن أبي هريرة ﵁ قال: «في كل صلاة يقرأ, فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم, وما أخفي أخفينا عنكم, وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت, وإن زدت فهو خير» متفق عليه (١). وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» رواه مسلم (٢). وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» (٣). وفي حديث أبي هريرة ﵁ السابق في المبحث الأول عن رسول الله ﷺ قال: «أم القرآن هي السبع المثاني, والقرآن العظيم» (٤) وفي رواية «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب, وهي السبع المثاني» (٥). وفي رواية: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن وأم الكتاب

стр. 182

والسبع المثاني» (١). وسميت أم القرآن, لأنه ابتديء بها, فهي أصله وابتداؤه, ولأنها أيضًا اشتملت على معاني القرآن كلها (٢) , كما سميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها, وجمعها ما سواها, وقيل: لأن الأرض دحيت منها (٣). قال الطبري (٤): «سميت أم القرآن لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها, وتأخر ما سواها في القراءة والكتابة, وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب, وإنما قيل لها بكونها كذلك أم القرآن لتسمية العرب كل جامع أمرًا, أو مقدم لأمر - إذا كانت له توابع تتبعه- هو لها إمام جامع «أمُّا». فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: «أمّ الرأس «. وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش «أمًّا». ومن ذلك قول ذي الرمة (٥) يصف راية معقودة على قناة, يجتمع تحتها هو وصحبه: على رأسه أم لنا نقتدي بها ... جماع أمور لا نعاصي لها أمرًا ٥ - الصلاة:

стр. 183

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل, فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (١). فالمراد بالصلاة في الحديث الفاتحة, كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أي لا تجهز بقراءتك, ولا تخافت بها. قال ابن كثير (٢): «فدل على عظمة القراءة في الصلاة, وأنها من أكبر أركانها .. , كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله تعالى ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣). والمراد صلاة الفجر ...». ٦ - أم الكتاب: عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن, وأم الكتاب, والسبع المثاني, والقرآن العظيم» (٤).

стр. 184

وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب, فهي خداج» (١). وفي حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ (٢) أن الرجل رقاه بأم الكتاب. قال البخاري (٣): «سميت أم الكتاب, لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف, ويبدأ بقراءتها في الصلاة». وقد أخرج ابن الضريس في «فضائل القرآن» عن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يقول: أم الكتاب. يقول: قال الله- تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ , ولكن يقول: «فاتحة الكتاب «وروي نحوه عن أنس ابن مالك (٤). وروي عن الحسن قال: «أم الكتاب الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٥)». وإنما كرهه هؤلاء لأن الله سمى اللوح المحفوظ أم الكتاب. في

стр. 185

قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) , وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٢). كما سمى الآيات المحكمات المشتملة على الحلال والحرام وغيره «أم الكتاب» في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٣). وهذه العلة لا تكفي حجة إذ لا يلزم من تسمية الفاتحة «أم الكتاب» أن لا يسمى غيرها بذلك. قال القرطبي (٤) بعدما ما رُويَ عن أنس والحسن وابن سيرين من ركاهتهم تسميتها أم الكتاب, وما روُىَ عن أنس وابن سيرين - أيضًا- من كراهيتهما تسميتها أم القرآن قال: «والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين». ٧ - القرآن العظيم: لقوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ (٥). ولما جاء في حديث أبي سعيد المعلى, وأبي بن كعب وأبي

стр. 186

هريرة ﵃ من قوله ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (١). على اعتبار أن الواو في الحديث لعطف الصفات, والتي بمعنى التفصيل, كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣). وذلك لأن سورة الفاتحة تضمنت معاني القرآن كلها كما سبقت الإشارة إلى ذلك (٤). ويحتمل أن تكون الواو لعطف التغاير, كما هو الأصل في العطف فيكون المراد بالقرآن العظيم: أي الذي أوتيته زيادة على الفاتحة (٥). ٨ - الحمد لله رب العالمين: لما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلي (٦). قال ﷺ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هي السبع المثاني ... «الحديث».

стр. 187

هذه الأسماء الثمانية هي التي دل عليها الدليل من الكتاب والسنة. وهناك أسماء عدة ذكرها بعض أهل العلم, منها ما يلي:- ١ - الأساس, قيل: لأنها أساس القرآن. روى عن ابن عباس: «إذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس» (١). ٢ - الشافية (٢) , أو الشفاء (٣). ٣ - الواقية. بالقاف المثناة (٤). ٤ - الوافية: بالفاء الموحدة, قالوا: لأنها لا تُنصَّف, ولا تحتمل التصنيف ولا يجوز تنصيفها (٥). ٥ - الكافية: قالوا لأنها تكفي عن غيرها, ولا يكفي غيرها عنها (٦). ٦ - الكنز: رُوي أنها نزلت من كنز تحت العرش (٧).

стр. 188

٧ - سورة السؤال, أو المناجاة (١). ٨ - الواجبة: لأنها تجب قراءتها في الصلوات, ولا تصح الصلاة إلا بها (٢). ٩ - سورة النور (٣). ١٠ - سورة التفويض (٤). ١١ - سورة الحمد (٥). ١٢ - سورة الصلاة (٦). ١٣ - سورة تعليم المسألة (٧). إلى غير ذلك (٨). ****

стр. 189

المبحث الثالث عدد آيات الفاتحة, وهل البسملة آية منها ؟ عدد آيات الفاتحة سبع آيات بإجماع المسلمين (١) , لقوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢). وقد فسر الرسول ﷺ السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة - كما سبق ذكره- في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبي بن كعب وأبي هريرة (٣). وهي سبع آيات بدون البسملة آية الأولى منها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ , والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ , والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ , والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ , والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ , والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ , والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٤). والبسملة ليست آية منها - على الصحيح- الذي تؤيده

стр. 190

الأدلة الصحيحة الصريحة. أما الترقيم الموجود في المصاحف فهو وفق قول قراء الكوفة وبعض أهل العلم, لكن الصحيح خلافه. وقد تقدم بيان ذلك وبسط الأدلة فيه في الكلام على البسملة (١). ****

стр. 191

المبحث الرابع فضل سورة الفاتحة سورة الفاتحة من أعظم سور القرآن, وأفضلها, بل هي أفضل سورة في القرآن, ومما يدل على فضلها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (١). ٢ - ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله ﷺ قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هي السبع المثاني, والقرآن العظيم, الذي أوتيته» (٢). وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن أبي بن كعب نحوه (٣). وفي بعض روايات حديث أُبيّ أن رسول الله ﷺ قال: «ما أنزل في التوراة, ولا في الإنجيل, ولا في الزبور, ولا في القرن مثلها, هي السبع المثاني, والقرآن العظيم الذي أوتيته «. ٣ - ما رواه مسلم وغيره (٤) عن ابن عباس ﵄ قال:

стр. 192

«بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه, فرفع رأسه, فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم, لم يفتح قط إلا اليوم, فنزل منه ملك, فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض, لم ينزل قط إلا اليوم, فسلم, وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك, فاتحة الكتاب, وخواتيم سورة البقرة, لن تقرأ بحرف إلا أعطيته «(١). ٤ - ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وغيره من الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة (٢) , وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها, مما يدل على فضلها. ٥ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن, فهي خداج, ثلاثًا - غير تمام ...» (٣).

стр. 193

وكذا ما جاء من الأحاديث في الدالة على أن من صلى صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة فصلاته ناقصة غير تامة, أو أنها غير مجزئة, فهذا أيضًا يدل على فضلها. ٦ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل ...» الحديث (١). فقد سمى الله - تعالى- الفاتحة الصلاة وقسمها بينه وبين عبده, فأولها حمد وثناء وتمجيد للرب, وآخرها للعبد دعاء ومسألة. وكل هذا يدل على عظمها وفضلها (٢). ٧ - ما رواه البخاري ومسلم - عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان -رضي عنهم- كانوا يفتتحون الصلاة, وفي بعض الروايات يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٣). ٨ - ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين» (٤).

стр. 194

٩ - ما وراه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ وأن رجلا منهم رقاه بأم الكتاب, وفي بعض رواياته «فقام الرجل كأنما نشط من عقال». وقوله ﷺ : «وما يدريه أنها رقية, اقسموا واضربوا لي بسهم». وفي حديث خارجة عن عمه (١): «أنه مر بقوم فأتوه برجل معتوه في القيود فرقاه بأم القرآن» وذكر نحوه. فأثرها في إبراء المريض يدل عظمها وفضلها, ولهذا سماها الرسول ﷺ بالرقية. ١٠ - وعن عبد الله بن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبرك بخير سورة في القرآن, قلت: بلى يا رسول الله - قال: اقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ حتى تختمها» (٢). ١١ - ومما يدل على عظم سورة الفاتحة, وفضلها اشتمالها على معاني القرآن كله, من حمد الله وثنائه وتمجيده, وأنواع توحيده, وإثبات الرسالات والبعث والجزاء, وذكر العامل وعمله وأقسام الناس وغير ذلك -كما سيأتي بسط ذلك قريبًا إن شاء الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) - في الكلام على الفاتحة: «والصلاة

стр. 195

أفضل الأعمال, وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح, أفضل كلمها الطيب, وأوجبه أم القرآن, وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود». وقال أيضًا: «وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة, فهي أفضل سورة في القرآن ..». وفضائلها كثيرة جدًا. وقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري, رواه ابن ماجه وغيره: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب, جمع علمها في الأربعة, وجمع علم الأربعة في القرآن, وجمع علم القرآن في المفصل, وجمع علم المفصل في أم القرآن, وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فائدة: حيث ثبت بالأحاديث الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن فتجوز المفاضلة بين السور, خلافًا لمن منع ذلك (١). وقد أخرج مسلم وغيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في

стр. 196

صدري, وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر (١)». لكن التفضيل بين السور والآيات مقيد بأن يكون ثبت بالنص الصحيح الصريح عن النبي ﷺ أما المفاضلة بين السور والآيات بلا دليل صحيح فإنها لا تجوز. * * *

стр. 197

المبحث الخامس المعاني التي اشتملن عليها سورة الفاتحة اشتملت سورة الفاتحة على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم. ففيها حمد الله والثناء عليه وتمجيده, وفيها توحيده بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية, وتوحيد الأسماء والصفات. وفيها الترغيب والترهيب والوعد والوعيد, وإثبات البعث والجزاء والعمل: أى العمل وجزائه, والعامل وعمله. وفيها: إرشاد الخلق إلى حمد الله والثناء عليه وتمجيده وعبادته والاستعانة به في جميع أمورهم الدينية والدنيوية, وإخلاص العمل لله, وإعلان البراءة من حولهم وقوتهم, وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم المؤدي بسالكه إلى سعادة الدارين. وفيها ذكر أقسام الناس الثلاثة: المنعم عليهم, وهم الذين هداهم الله ووفقهم إلى العلم, ومعرفة الحق, والعمل به. والمغضوب عليهم: وهم الذين علموا الحق وعرفوه, ولو يعملوا به, والضالين: وهم الذين جهلوا الحق, فعملوا بالباطل. وفيها إثبات الرسل والرسالات والوحي, إذ كيف يحمده العباد,

стр. 198

وكيف يعبدونه وفق ما شرع, وكيف لهم بمعرفة طريق المنعم عليهم واقتفائه, والحذر من طريق المغضوب عليهم, وطريق الضالين, والبعد عنهما, إلا من طريق الوحي والرسل والرسالات, وكيف يجازون على ذلك حسب أعمالهم إلا بعد البيان وإقامة الحجة عليهم, بإرسال الرسل, وإنزال الكتب, كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢). وقال حذيفة بن اليمان: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (٣). وكما قيل: عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لم يعرف الشر حري أن يقع فيه كما تضمنت السورة الرد على جميع المبطلين, وأهل البدع والضلال والإلحاد. قال ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» (٤): «اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال,

стр. 199

وتضمنتها أكمل تضمن فاشتملت على التعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها, ومدارها عليها وهي: «الله» , و «الرب» , و «الرحمن». وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة, و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مبني على الإلهية, و ﴿نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الربوبية. وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة, والحمد يتضمن الأمور الثلاثة, فهو المحمود في إلهيته, وربوبيته, ورحمته, والثناء والمجد كما لان لجده. وتضمنت إثبات المعاد, وجزاء العباد بأعمالهم, حسنها وسيئها, وتفرد الرب - تعالى- بالحكم إذ ذاك بين الخلائق, وكون حكمه بالعدل. وكل هذا تحت قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة ...». وقال - أيضًا- في كتابه «الفوائد» (١): «فائدة: للإنسان قوتان: قوة علمية نظرية, وقوة علمية إرادية, وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية والإرادية, واستكمال القوة اللمية إنما يكون بمعرفة فاطره وبارئه, ومعرفة أسمائه وصفاته, ومعرفة الطريق التي توصل إليه, ومعرفة آفاتها, ومعرفة نفسه, ومعرفة عيوبها, فبهذه المعارف الخمس يحصل كمال قوته العلمية. وأعلم الناس أعرفهم بها, وأفقههم فيها, واستكمال القوة العلمية الإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد, والقيام بها, إخلاصًا وصدقًا, ونصحًا وإحسانًا,

стр. 200

ومتابعة, وشهودًا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه, فهو مستحيٍ من مواجهته بتلك الخدمة, لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه, ودون دون ذلك, وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته, فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم, الذي هدى إليه أولياءه وخاصته, وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط, أما بفساد في قوته العلمية, فيقع في الضلال, وإما في قوته العملية, فيوجب له الغضب. فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور, وقد تضمنتها سورة الفاتحة, وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمن الأصل الأول, وهو معرفة الرب تعلى, ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله. والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى, وهو اسم «الله» و «الرب» و «الرحمن». فاسم «الله «متضمن لصفات الألوهية, واسم «الرب «متضمن لصفات الربوبية, واسم «الرحمن «متضمن لصفات الإحسان والجود والبر, ومعاني أسمائه تدور على هذا. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه, وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه, واستعانته على عبادته. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن بيان أن العبد

стр. 201

لا سبيل إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم, وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بمعونته, فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يتضمن طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم, وأن الانحراف إلى أحد. الطرفين انحراف إلى الضلال, الذي هو فساد العلم والاعتقاد, والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل. فأول السورة رحمة, وأوسطها هداية, وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية, وحظه منها على قدر حظه من الرحمة, فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته, والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون إلا رحيمًا منعمًا, وذلك من موجبات إلهيته, فهو الإله الحق, وإن جحده الجاحدون, وعدل به المشركون, فمتى تحقق بمعني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب, وصارت عبوديته عبودية الخاصة, الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين, والله المستعان». وقال ابن كثير ﵀ (١): «اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله وتمجيده, والثناء عليه, بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا, وعلى ذكر المعاد, وهو يوم الدين,

стр. 202

وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله, والتضرع إليه, والتبرؤ من حولهم وقوتهم, وإلى إخلاص العبادة له, وتوحيده بالألوهية تبارك تعالى, وتنزيه أن يكون له شريك, أو نظير, أو مماثل, وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم, وتثبيتهم عليه حتى يفضي لهم بذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة, المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة. والتحذير من مسالك الباطل لا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة, وهم المغضوب عليهم والضالون ...». ** * *

стр. 203

المبحث السادس بيان معنى السورة والآية أ- بيان معنى السورة: السورة: فيها لغتان: «سورة «بدون همز. و «سؤرة» بالهمز. أما «سورة» بدون همز فهي لغة قريش وأكثر قبائل العرب, تجمع على «سور» (١). قال تعالى: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ (٢). وقال الراعي (٣): هن الحرائر لاربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور ويجوز أن تجمع على سُوْرات, وسُوَرَات (٤). وهي مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع ومن معنى الإحاطة ومعنى التمام. أما كونها مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع فإن السورة بائنة عن السورة الأخرى منفصلة عنها, ولأن منزلتها رفيعة وعظيمة وشريفة

стр. 204

يشرف بها القارئ ويرتفع بها من منزلة إلى منزلة (١)؛، كما قال النابغة الذبياني (٢). ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملْك دونها يتذبذب أي: أعطاك منزلة رفيعة قصرت عنها منازل الملوك. وأما كونها بمعنى الإحاطة فلأنها محيطة بما احتوت عليه من الآيات، ومن قرأها بكاملها أشرف واطلع على ما فيها من الآيات. كسور البلد يكون عاليًا مرتفعًا ويحيط بما في داخله من العمران من المنازل والدور والبيوت وغيرها (٣)، ومن صعد عليه شاهد ما بداخله من ذلك العمران. وأما كونها بمعنى التمام فلأنها تامة منفصلة عن السورة الأخرى، تامة بموضوعاتها وآياتها، كما تسمي العرب الناقة التامة الكريمة سورة (٤). وأما اللغة الثانية: «سؤرة» بالهمز فإنها لغة تميم وتجمع على «سُؤَر» بهمز. والسؤرة في الأصل معناها القطعة من الشيء، والبقية منه، ومنه

стр. 205

«سؤر الشراب»: أي بقيته. قال الأعشى (١): فبانت وقد أسارت في الفؤا ... د صدعا على نأيها مستطيرا أي: أبقت في الفؤاد. ومعنى السؤرة من القرآن هي القطعة منه. والقرآن من سؤرة بعد سؤرة: أي قطعة بعد قطعة، حتى كمل منها القرآن (٢). والسورة من القرآن في الاصطلاح: القطعة من كلام الله - تعالى- في كتابه، ذات بداية ونهاية معروفة، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر. وسور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة، أطولها سورة البقرة، وأقصرها سورة الكوثر.

стр. 206

ب- بيان معنى الآية: الآية لغة: العلامة (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ (٢). وقال تعالى عن الحواريين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ﴾ (٣). وقال الأسير الموصي لقومه (٤): «بآية ما أكلت معكم حيسا». وقال النابغة الذبياني (٥): توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع جج وتطلق الآية بمعنى الجماعة، يقال: خرج القوم بآيتهم: أي بجماعتهم (٦). قال برج بن مسهر الطائي (٧):

стр. 207

خرجنا من النقيين لا حي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا والآية القرآنية مأخوذة من معنى العلامة، لأن الآية القرآنية علامة على وجود الله وكماله في ذاته وصفاته. كما أنها علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها (١). ويحتمل أنها من المعنيين جميعًا من معنى العلامة، ومعنى الجماعة لأنها مع كونها من معنى العلامة فهي أيضًا فيها معنى الجمع، لأنها تجمع حروفًا وكلمات من القرآن» (٢). وتجمع الآية على آيات، وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية. فالآيات الشرعية هي ما يتعلق بالوحي، من كلام الله تعالى، وسميت بذلك لمباينتها كلام البشر، وعجزهم عن الإتيان بمثلها، ولأن في إصلاح هذا الوحي لمن أنزله الله عليه، حسب ما شرع الله. علامة ودلالة واضحة على أنه من عند الله ذو الكمال في ذاته وصفاته، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣). والآية الشرعية في الاصطلاح: هي القطعة من كلام الله - تعالى-

стр. 208

ذات بداية ونهاية، منفصلة عما قبلها وعما بعدها، مندرجة تحت سورة من سور القرآن الكريم (١). وأطول آية في القرآن آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ ...﴾ (٢) الآية، وأقصر آية ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٣) باستثناء الحروف المقطعة أوائل السور. والآيات الكونية: ما يتعلق بالخلق والتقدير، وهي تشمل كل ما خلق الله في هذا الكون من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وحجر وشجر، وجن وإنس، وحيوان، وسائر المخلوقات. لأن في إيجاد هذه المخلوقات وانتظامها علامة ودلالة واضحة على وجود خالقها وباريها، وعلى قدرته وحكمته ووحدانيته ورحمته، وكماله في ذاته وصفاته. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ*

стр. 209

لِيَاكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿مِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٥). ****

стр. 210

المبحث السابع تفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها . ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. وهو مصدر سماعي للفعل «حمد» دخلت عليه «أل». و «أل»: إذا دخلت على الأوصاف، وأسماء الأجناس دلت على الاستغراق والشمول والاستقصاء (١)، وعلامتها صحة وضع كل الشمولية مكانها: أي كل الحمد بجميع صنوفه وأجناسه لله تعالى. والحمد: وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم. فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم كان نفاقًا ورياء، وكذبًا وتزلفا ومدحًا مذمومًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «الحمد الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها. فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدًا، ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدًا». وإذا كرر الحمد مرة ثانية سمي ثناء، وإذا كرر ثالثة سمي «تمجيدًا»

стр. 211

بدليل ما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذ قال العبد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (١). فقوله (الحمد لله) حمد مطلق. و «الحمد» اسم جنس والجنس له كمية وكيفية. فالثناء كمية الحمد وتكثيره والتمجيد كيفيته وتعظيمه. وهذا يدل على خلاف ما درج عليه كثير من المفسرين وأهل اللغة من تفسير الحمد مطلقًا بالثناء (٢). الفرق بين الحمد والشكر: فسر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد (٣) والطبري (٤). قال الطبري: «العرب تقول الحمد لله شكرًا». والصحيح أن الحمد غير الشكر فالحمد كالمدح نقيضه الذم،

стр. 212

والشكر نقيضه الكفران (١) وبين الحمد والشكر عموم وخصوص (٢). فالحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه. وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه. وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣). قال الزمخشري (٤): «وهو إحدى شعب الشكر «. قلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته، لأن الحمد كما تقدم وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى «(٥) وقال ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي

стр. 213

القلب «(١). ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: (والحمد إنما يكون بالقلب واللسان ...). والشكر أخص من حيث ما يقع عليه فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية. تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداء. وهو: أي الشكر أعم من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع في القلب واللسان والجوارح كما قال الشاعر: ولكنني حاولت في الجهد مذهبًا وما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا (٣) فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا ونسبتها إلى المُنعم بها ومسديها. والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا والتحدث بها باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤).

стр. 214

وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدث بنعم الله عامة والآية تحتمله بلا شك، لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة. والشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المُنعم قولًا وعملًا كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١). وقام ﷺ حتى تورمت قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). ويكون بظهور أثر النعمة على المنعم عليه. كما في الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده «(٣). وفي حديث أبي مالك الجشمي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٤). والمدح أعم منهما جميعًا: من حيث ما يقع عليه (٥)، فإنه يقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه،

стр. 215

كما يمدح بفروسيته وشجاعته. وهو تقع على الحي والميت، وعلى الحيوان والنبات والجماد والزمان والمكان وغير ذلك، وهو كالحمد من حيث إنه يقع بالقول باللسان لا غير. قال الراغب (١): «فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرًا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا». «لله» اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق (٢)، ولفظ الجلالة مجرور بها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو خبر (الحمد) تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله. وقد تقدم في بحث البسملة الكلام مستوفي على معنى لفظ الجلالة (الله) واشتقاقه (٣). و معنى (الحمد لله): أي أن الحمد المطلق لله وحده فهو المستحق له المختص به دون سواه وحمده - تعالى هو وصفه بصفات الكمال اللازمة والمتعدية، كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة مع المحبة والتعظيم له والرضا عنه والخضوع له، لأنه المنعم بأكبر النعم وأعظمها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀: «والحمد نوعان حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق»
следующие страницы →