← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بدليل ما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذ قال العبد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (١). فقوله (الحمد لله) حمد مطلق. و «الحمد» اسم جنس والجنس له كمية وكيفية. فالثناء كمية الحمد وتكثيره والتمجيد كيفيته وتعظيمه. وهذا يدل على خلاف ما درج عليه كثير من المفسرين وأهل اللغة من تفسير الحمد مطلقًا بالثناء (٢). الفرق بين الحمد والشكر: فسر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد (٣) والطبري (٤). قال الطبري: «العرب تقول الحمد لله شكرًا». والصحيح أن الحمد غير الشكر فالحمد كالمدح نقيضه الذم،

стр. 212

والشكر نقيضه الكفران (١) وبين الحمد والشكر عموم وخصوص (٢). فالحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه. وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه. وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣). قال الزمخشري (٤): «وهو إحدى شعب الشكر «. قلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته، لأن الحمد كما تقدم وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى «(٥) وقال ﷺ : «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي

стр. 213

القلب «(١). ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: (والحمد إنما يكون بالقلب واللسان ...). والشكر أخص من حيث ما يقع عليه فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية. تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداء. وهو: أي الشكر أعم من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع في القلب واللسان والجوارح كما قال الشاعر: ولكنني حاولت في الجهد مذهبًا وما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا (٣) فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا ونسبتها إلى المُنعم بها ومسديها. والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا والتحدث بها باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤).

стр. 214

وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدث بنعم الله عامة والآية تحتمله بلا شك، لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة. والشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المُنعم قولًا وعملًا كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١). وقام ﷺ حتى تورمت قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). ويكون بظهور أثر النعمة على المنعم عليه. كما في الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده «(٣). وفي حديث أبي مالك الجشمي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٤). والمدح أعم منهما جميعًا: من حيث ما يقع عليه (٥)، فإنه يقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه،

стр. 215

كما يمدح بفروسيته وشجاعته. وهو تقع على الحي والميت، وعلى الحيوان والنبات والجماد والزمان والمكان وغير ذلك، وهو كالحمد من حيث إنه يقع بالقول باللسان لا غير. قال الراغب (١): «فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرًا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا». «لله» اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق (٢)، ولفظ الجلالة مجرور بها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو خبر (الحمد) تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله. وقد تقدم في بحث البسملة الكلام مستوفي على معنى لفظ الجلالة (الله) واشتقاقه (٣). و معنى (الحمد لله): أي أن الحمد المطلق لله وحده فهو المستحق له المختص به دون سواه وحمده - تعالى هو وصفه بصفات الكمال اللازمة والمتعدية، كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة مع المحبة والتعظيم له والرضا عنه والخضوع له، لأنه المنعم بأكبر النعم وأعظمها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ﵀: «والحمد نوعان حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق»

стр. 216

للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية،، فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها، ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال، فكل ما يحمده به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد، والكمال من كل كامل، وهو المطلوب». وقال ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى-: «الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له. وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحبسها. ولهذا كان الحمد لله، حمدًا لا يحصيه سواه، لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه (٢)، لما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه ...». والذين قالوا معنى الحمد الثناء، معناه عندهم: الثناء عليه - تبارك

стр. 217

وتعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. قال القرطبي (١) - رحمه الله تعالى- «الحمد قي كلام العرب معناه الثناء الكامل ... فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العليا». وقال - أيضًا - «الحمد ثناء على الممدوح بصفاته .... وذكر عن جعفر الصادق في قوله (الحمد لله) قال: من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ....». وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جملة خبرية فيها معنى الأمر، فهو - جل وعلا - يخبر عن اتصافه بالحمد، ويأمر عباده أن يحمدوه (٢). كما قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّه﴾ (٣). وإنما جاءت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والدوام، فله الحمد في جميع الأوقات والأزمان، وهو المحمود بكل حال، على ماله - سبحانه - من المحاسن والإحسان، وعلى ماله من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى (٤). افتتح كتابه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 218

وله الحمد على إنزاله، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١). وله الحمد على خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣). وله الحمد على ملك ما في السموات والأرض قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤). وله الحمد في السموات والأرض، وفي جميع الأوقات. قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٥). وله الحمد في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧). وحمده تعالى آخر دعوى أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَآَخِرُ

стр. 219

دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وشق لنبيه ﷺ اسمًا من الحمد، فسماه: محمدًا. قال حسان بن ثابت ﵁ (٢) -: وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه (٣) ليجله ... فذو العرش محمد وهذا محمد فهو تعالى المحمود على الدوام في جميع الأحوال، ولهذا أمر عباده أن يحمدوه في آيات كثيرة. وكان نبينا محمد ﷺ إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال» (٤). كما رغب ﷺ بحمد الله تعالى في أحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو مسلم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك، أو عليك، كل

стр. 220

الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها» رواه مسلم (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكله الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» رواه مسلم (٢). وبما أن كل نعمة على العباد فهي من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وبما أن نعم الله على العباد كثيرة لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤). فإن العبد ليس بمقدوره أن يشكر الله حق شكره على هذه النعم التي منها النعم الدينية من الإيمان والعلم والتقوى، والنعم الدنيوية كالصحة والمال والنعم أخروية وهي الجزاء الكثير على العمل القليل في العمر القصير، ومضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. إذ كيف يمكن العبد أن يشكر الله حق شكره والشكر نفسه نعمة من الله على العبد تستوجب الشكر. فما على العبد إلا أن يقوم بما يستطيع من الشكر ويقول «سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٥).

стр. 221

وكما قيل: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي بها لله يستوجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رب صفة أولى للفظ الجلالة «الله»، أو بدل منه. ورب مضاف والعالمين مضاف إليه، مجرور وعلامة جره الياء، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. و «رب العالمين» بمعنى خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم. و «رب» في الأصل مأخوذ من التربية للشيء وتنميته، وتبليغه إلى كماله، كما قال تعالى: ﴿نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١) أي اللاتي تربونهن في حجوركم. وهو بمعنى المالك والسيد، كما قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ (٢) أي مالكه وسيده. وفي الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» (٣)

стр. 222

أي مالكتها وسيدتها. وبمعنى: المعبود حتى لو كان بغير حق، كما قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١). وقال أحد المشركين وقد وجد الثعلب قد بال على صنمه: أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب (٢) وبمعنى القائم على الشيء ومدبره ومصلحه ومتوليه. ومنه قول في الحديث: «هل لك عليه من نعمة تربها (٣)»: أي تقوم بها وتصلحها. وقال ابن عباس ﵁: «لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم» (٤): أي يكون على ربا، أي أميرًا يقوم بأمره ويملك تدبيره ويدخل تحت طاعته. ومنه قولهم: «أديم مربوب» (٥) وقول النابغة الذبياني (٦): تخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي

стр. 223

وبمعنى صاحب الشي، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١) أي صاحب العزة. وكل هذه المعاني حق بالنسبة له - تعالى - فهو تعالى مربي الخلق وخالقهم ومالكهم وسيدهم، وهو معبودهم بحق، وهو القيوم على كل شيء ومدبره ومصلحه. وهو صاحب العزة (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) «الرب: هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي». واسمه تعالى «الرب» يفيد أن الربوبية صفة ذاتية له ﵎ وصفة فعلية (٤). وربوبية الله لخلقه نوعان: ربوبية خاصة، وربوبية عامة: فالربوبية العامة: هي خلقه للمخلوقين وملكه لهم، وتدبيره الكوني لهم، ورزقه لهم، وهدايتهم لمصالح دنياهم ونحو ذلك. وهذه شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، جيهم وجمادهم كما في قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 224

وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢). والربوبية الخاصة: هي ربوبية الله - تعالى - لأوليائه بهدايتهم إلى الصراط المستقيم بالإيمان والعلم الناف، والعمل الصالح، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وذلك ملاك الأمر مع توفيقهم وحفظهم. كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا﴾ (٣). وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤). وكما في قول المؤمنين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٥) وغير ذلك. ولما كان من أخص معاني الرب المالك والمدبر والقائم بما يصلح الخلق كان كثير من دعاء الأنبياء والمؤمنين باسمه تعالى «الرب» لأنه أحق باسم الاستعانة والمسألة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦): «فعامة المسألة والاستعانة

стр. 225

المشروعة باسم الرب». و «الرب» بالتعريف لا يطلق إلا على الله تعالى. ورب كذا بالإضافة يطلق عليه وعلى غيره فلزم إذا أريد به غير الله أن يقيد بالإضافة فيقال: رب الدار، ورب الإبل (١)، كما قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ (٢). وقال يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣). وقال أيضًا: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤). وفي الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» (٥). ويظهر جليًا من تعريف اسمه تعالى «الله»، و «رب العالمين» دخول اسم «الرب» في اسمه تعالى «الله». قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) عن هذين الاسمين: «فالاسم الأول - يعني - «الله» يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خلق له، وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله. والاسم الثاني - يعني - «رب العالمين» يتضمن خلق العبد ومبتداه، وهو أنه يربه ويتولاه، مع أن

стр. 226

الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية، والربوبية تستلزم الألوهية أيضًا». والعالمين: جمع عالم بفتح اللام، اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط وقوم. والعالمين: كل موجود سوى الله - تعالى - وقد جمع ليشمل كل جنس ممن سُمي به، فيعم جميع المخلوقات في السموات والأرض، وما بينهما من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والحيوانات والجمادات وغير ذلك من سائر المخلوقات (١) كما خلت عليه «أل» الدالة على الاستغراق ليشمل كل فرد من أفراد تلك الأجناس (٢). وهو مشتق من العلامة (٣)، لأن كل ما في الوجودمن المخلوقات علامة على وجود الله، وكماله بذاته وصفاته. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ

стр. 227

وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (١). إلى غير ذلك من الآيات (٢). قال ابن المعتز: فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ويقال إنه مشتق من «العلم» بكسر العين (٣). والقول بأنه مشتق من «العلم» إن أريد به أنه تعالى خلق «العالمين» عن علم منه جل وعلا بهم، كما خلقهم - أيضًا - عن قدرة تامة «فصحيح»، كما قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤). وإن أريد به أن هذه المخلوقات سميت عوالم، لأن عندها شيئًا من العلم المحدود الناقص القليل، أو عندها ما يخصها من العلم. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٥) فهذا محتمل. والقول بأنه مشتق من العلامة هو الأظهر، ويحتمل أنه مشتق منها

стр. 228

ومن العلم (١) والله أعلم. وجميع «العالمين» جمع من يعقل، علمًا أنه يتناول العقلاء وغيرهم من باب تغليب العقلاء على من سواهم، لأن العقلاء هم المعنيون بالخطاب والتكليف، لما ميزهم الله به عن الحيوان والجماد من العقل والإدراك، الذي هو مناط التكليف. وهذا كقوله - تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٣). فقد غلب العقلاء على غيرهم في الآية الأولى بقوله ﴿عَرَضَهُمْ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وفي الآية الثانية بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾. أما قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤) ونحوه. فالمراد به الإنس والجن فقط فاستخدم لفظ «العالمين» لبعض مدلوله. وإنما حمل على أنه خاص بهم، لأنهم هم المعنيون بالنذارة دون غيرهم من سائر المخلوقات.

стр. 229

وهكذا فإن السياق نفسه يحدد المراد بلفظه: «العالمين» أهو العموم لجميع المخلوقات كما في أكثر المواضع الواردة في القرآن أم الخصوص لبعضعها كما في آية الفرقان. وكما في قوله: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١). فالمراد بهذا الذكران من عالمي زمانهم من الإنس، وهكذا. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرحمن صفة ثانية للفظ الجلالة «الله» والرحيم صفة ثالثة له، وكل منهما مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره أو هما بدلان من لفظ الجلالة. وهذا بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ثناء على الله ﵎ لقوله في حديث أبي هريرة: «فإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي» رواه مسلم (٢). و «الرحمن الرحيم»: اسمان من أسماء الله - تعالى يدل كل منهما على إثبات صفة الرحمة وأثرها، وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى في الكلام على البسملة (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) بعدما بين أن اسم «الله» أحق بالعبادة، وأن اسم «الرب» أحق بالاستعانة - قال: «والاسم «الرحمن»

стр. 230

يتضمن كمال المتعلقين، وبوصف (١) الحالين فيه تتم سعادته - يعني العبد - في دنياه وأخراه، ولهذا قال - تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. فذكر ههنا الأسماء الثلاثة: «الرحمن»، و «ربي»، و «الإله»، وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٢) كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن ...». ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مالك صفة رابعة للفظ الجلالة «الله» أو بدل منه مجرور مثله وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، وهو مضاف و «يوم» مضاف إليه مجرور، ويوم مضاف و «الدين» مضاف إليه مجرور وعلامة جره كل منهما الكسرة الظاهرة على آخره. وهذا بعد قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تمجيد الله - تعالى. لقوله - تعالى - في حديث أبي هريرة: [«فإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ﴾ قال الله: «مجدني عبدي». قرأ عاصم والكسائي: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ بالالف اسم فاعل من «الملك» بكسر الميم وسكون اللام كقوله - تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٣). ومعنى «المالك»: المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء. وقرأ باقي السبعة (ملك) والملك هو الحي الذي يتصرف فيأمر وينهي ويطاع، مأخوذ من «الملك» بضم الميم كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ

стр. 231

أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ (٣)، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ (٤)، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٥)، وقوله تعالى ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٦)، وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٧). و «ملك» على وزن «فعل» صفة مشبهة تدل على ثبوت ملكه ودوامه، وأن له التصرف التام في الأمر والنهي. وقراءة «ملك» أعم وأشمل من قراءة «مالك» إذ إن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا (٨). وقال بعضهم بل قراءة (مالك) أعم وأشمل. قال في «لسان العرب» (٩): «روى المنذر عن أبي العباس أنه اختار «مالك يوم الدين» وقال: كل من يملك فهو مالك، لأن بتأويل الفعل مالك يوم الدين أي

стр. 232

يملك إقامته، ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾» (١). وكل من القراءتين سبعية وصحيحة ثابتة، نزل بها جبريل من عند الله على النبي ﷺ وإذا صح في الآية أكثر من قراءة فكل قراءة بمثابة آية. ولا تجوز المقارنة بين ألفاظ تلك القراءات من حيث الجودة والحسن إذ ليس في كلام الله جيد وأجود، وحسن أحسن، بل كل كلامه - تعالى في غاية الجودة والحسن، وفي أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ «اليوم» في الأصل هو القطعة من الزمن قليلة كانت أو كثيرة: أي مطلق الوقت. فمن إطلاقه على الزمن وإن كان قليلًا قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٣): أي ساعة التي الجمعان. وقوله تعالى: ﴿رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٥)، ويقال: «شاهدتك يومًا، أو سمعتك يوم كذا»: أي لحظة من يوم (٦).

стр. 233

كما يطلق على الزمن الطويل قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢)، وهو اليوم الآخر، ويوم القيامة، كما ذكره الله تعالى في آيات عديدة من كتابه العزيز. واليوم في الشرع: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣). ومنه قوله - تعالى -: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٨). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٩).

стр. 234

لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه الأيام الستة كأيام الدنيا، لأن الله خاطب العرب بما يعرفون. وأيام الله تعالى هي نعمه تعالى، وثوابه للمطيعين، ووقائعه في العاصين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). و (الدين) هو الحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرها (٣). كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ (٤) أي جزاء أعمالهم. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ (٥): أي غير مجزيين بأعمالكم ومحاسبين عليها. وذكر الله عن الكفار قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا

стр. 235

لَمَدِينُونَ﴾ (١): أي لمجزيون، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٢): أي إن الجزاء على الأعمال لواقع حقيقة. وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٣): أي تكذبون بالحساب والجزاء على الأعمال. وقال تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ (٦): أي فما يكذبك بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال. وتفسير الدين بالمحاسبة والمجازاة معروف مشهور في كلام العرب. قال شهل بن شيبان من قصيدة له في حرب البسوس (٧). ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا واعلم يقينًا أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (٨)

стр. 236

وقال آخر: حصادك يومًا ما زرعت وإنما ... يدان الفتى يومًا كما هو دائن (١) وفي المثل والأثر: «كما تدين تدان» (٢). والمراد بـ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم، وقيام الأشهاد من الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، ويوم قيام العدل الحقيقي، يوم إدانة الخلائق ومحاسبتهم ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤). قال عمر ﵁: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٥). ويطلق الدين على الملة والشريعة، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ

стр. 237

مُسْلِمُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٨). ويطلق على الحكم والقضاء الشرعي قال تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٩): أي في حكمه وقضائه الشرعي (١٠). وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (١١): أي في قضاء الملك ويطلق على العادة والشأن والحال والخلق (١٢).

стр. 238

قال امرؤ القيس (١): كدينك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل وقال المثقب العبدي (٢): تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني ويطلق على الطاعة (٣). قال زهير (٤): لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك أي: في طاعة عمرو. وفي السير أنه ﷺ قال لقريش: «كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم» (٥): أي تطيعكم وتخضع لكم. ويطلق على القهر ومنه: المدين للعبد، والمدينة للأمة (٦)، ومنه

стр. 239

قول عمرو بن كلثوم (١): وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا أي: أن نقهر. وقال ذو الاصبع العدواني (٢): لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني والدين: بالفتح ما تعلق بذمة العبد من حقوق الله، كصيام نذر، أو من حقوق العباد كثمن مبيع، أورد قرض ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟. قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» متفق عليه (٥).

стр. 240

وقال الشاعر: تعيرني بالدين قومي، وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدًا (١) و معنى (مالك يوم الدين): أي أنه مالك ذلك اليوم، ومليكه، لا ملك في ذلك اليوم، ولا مالك سواه ﵎ فهو تعالى المالك لجميع الأعيان، المتصرف فيها، لا ينازعه أحد في مملوكاته. وهو الملك الذي أمره ونهيه نافذ في جميع مملكته جل وعلا. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَاتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ

стр. 241

وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (١). وإنما أضاف «الملك» ليوم الدين، وخصه به، دون ملك أيام الدنيا، مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومليكهما كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٤)، لعظمة ذلك اليوم (٥)، وتفرده - تعالى - بنفوذ الأمر فيه حيث يظهر للخلائق تمام الظهور تفرده بالملك حقيقة، وتمام ملكه وعدله تعالى - وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق الدنيوية (٦). تلك الأملاك التي خولها الله تعالى - من شاء كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (٧) وقال

стр. 242

تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وهذه الأملاك الدنيوية، ملوكها وما ملكوا ملك له - جل وعلا -. ولهذا حرم أن يتسمى بملك الأملاك، لأن الله هو مالك الأملاك كلها ولهذا قال ﷺ في حديث أبي هريرة: «أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك» (٤). وكثير من هؤلاء الملوك خارجون عن طاعته - جل وعلا - مبارزون له في المعصية كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٥) أي ملك عاص لله ظالم للعباد. بل كثير منهم يحكمون ممالكهم بغير حكم الله، ويظلمون عباد الله، ويتخوضون في مال الله بغير ما يرضي الله. وقد حكم الله ﵎ وقضى بزوال هذه الأملاك، ورجوع الملك له وحده في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ

стр. 243

عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (٢)، وذلك هو الملك الحقيقي، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٧). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» (٨). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين

стр. 244

المتكبرون؟» (١). بل إن ذلك اليوم هو اليوم الحقيقي، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا﴾ (٢). فمجيئه حق، وفيه يظهر الحق تمام الظهور، وهو اليوم الذي يستحق أن يعمل له، وأن يحسب له كل حساب لا أيام الدنيا بل ولا الدنيا كلها. ولهذا نجد القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بهذا اليوم «اليوم الآخر» لأنه أكبر حافز على الاستعداد بالأعمال الصالحة (٣). وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى»: أي إن ذلك اليوم أعظم مانع للناس من التهالك في الشر والمعاصي. وتلك الدار هي الدار الحقة، وتلك الحياة هي الحياة الحقيقة، قال الله - تعالى-: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). لهذا كله أضاف الله ﵎ الملك إلى يوم الدين، إضافة

стр. 245

إلى أن في قوله قبل هذا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ما يدل على أنه مالك الدنيا (١). قال ابن كثير (٢): «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة ...». ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه الآية هي الآية الرابعة من الفاتحة، نصفها للرب - جل وعلا -، ونصفها للعبد كما قال الله في حديث أبي هريرة: «فإذا قال العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ...» فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للرب ﵎ مع ثلاث آيات قبلها، وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعبد، مع ثلاث آيات بعدها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

стр. 246

إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم». و ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده أو «إيا» ضمير مبني في محل نصب مفعول به والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. وهذا مذهب الأخفش، واختاره الزمخشري، وقال: «وعليه ... المحققون» (١). وقُدم المفعول «إياك» على الفعل فى الموضعين للاهتمام (٢)، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود (٣)، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ (٥)، ولئلا يتقدم ذكر الاستعانة والمستعين على المستعان به- جل وعلا كقوله -تعالى: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٦). وقُدم أيضًا لإفادة الحصر والاختصاص، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر (٧) والاختصاص (٨)، لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تحقيق لمعنى «لا إله إلا الله»، ففي تقديم المعمول

стр. 247

إياك» في الموضعين نفي للعبادة عن الغير الله، ونفي للاستعانة بغيره. وفي قوله: «نعبد» و «نستعين» إثبات العبادة والاستعانة له سبحانه. قال ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» (١): «فهو في قوة لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. . مع أن في ضمير «إياك» الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك» قصدت وأحببت من» الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: «قصدتك وأحببتك. .» وكرر الضمير «إياك» مرة أخرى للاهتمام (٢)، ولأن ذلك أفصح (٣). قال ابن القيم (٤): وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل من الفعلان، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا: «إياك احب، وإياك أخاف وإياك أخاف» كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قوله: «إياك أحب وأخاف». وفي قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد الآيات الثلاث التفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله - تعالى -

стр. 248

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا *إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (١) وعكسه قوله - تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٢). والغرض العام من الالتفات في جميع المواضع التي ورد فيها هو تنبيه القارئ والمستمع لأن انتقال الكلام من الغيبة إلى الخطاب أو التكلم أو العكس ونحو ذلك مما بنيه القارئ والمستمع، وأدعى للصفاء، وأبعث على النشاط (٣)، بخلاف ما إذا جاء الكلام على وتيرة واحدة، فإن القارئ أو المستمع قد يغفل أو يمل. وهناك غرض خاص في كل التفات بكل موضع بحسبه، وقد يكون هذا الغرض ظاهرًا كما في قوله -تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٤). ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٥) فقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ التفات للخطاب بعد الغيبة في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. والغرض من مجيء الكلام أولا بضمير الغيبة كراهية مواجهة الرسول ﷺ بذلك فلم يقل: «عبست وتوليت أن جاءك الأعمى». بينما خاطبه مواجهة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ إذ لا غضاضة، ولا

стр. 249

محذور في مواجهة الرسول ﷺ بهذا الخطاب، لأنه ﷺ لا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١). واختلف في الغرض الخاص من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ... بعد الآيات الثلاث قبلها. فقد قيل إنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى- فلهذا قال:: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.﴾ (٢) وقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء والعبادة والاستعانة، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أي: (إياك) يا من هذه صفاته يخص بالعبادة والاستقامة (٣). والله أعلم. ﴿نَعْبُد﴾: العبادة في الأصل: التذلل والخضوع، ومنه سمي العبد عبدًا لذلته وخضوعه وسكينته وخشوعه وانقياده لمولاه. ومنه قولهم: بعير معبّد أي مذلّل بالركوب في الحوائج. قال طرفة بن العبد: (٤)

стр. 250

إلى أن تحتامني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد أي: المذلّل ومنه قولهم: طريق معبّد: أي مذلل بكثرة وطئه بالأقدام (١). وقال طرفة بن العبد (٢): تُبارى عِتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مَور مُعَبَّد وقال عامر بن الطفيل (٣): شحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذلّ من الصراط فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ أي نخصك دون غيرك بأقصى غاية التذلل والخضوع لك محبة وتعظيمًا وخوفًا. والعبادة تطلق ويراد بها فعل العبادة: أي التعبد وهو التذلل والخضوع لله محبة وتعظيمًا، وتطلق ويراد بها نفس العبادات، وهي بهذا الإطلاق: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال
следующие страницы →