← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم». و ﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده أو «إيا» ضمير مبني في محل نصب مفعول به والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. وهذا مذهب الأخفش، واختاره الزمخشري، وقال: «وعليه ... المحققون» (١). وقُدم المفعول «إياك» على الفعل فى الموضعين للاهتمام (٢)، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود (٣)، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ (٥)، ولئلا يتقدم ذكر الاستعانة والمستعين على المستعان به- جل وعلا كقوله -تعالى: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٦). وقُدم أيضًا لإفادة الحصر والاختصاص، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر (٧) والاختصاص (٨)، لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تحقيق لمعنى «لا إله إلا الله»، ففي تقديم المعمول

стр. 247

إياك» في الموضعين نفي للعبادة عن الغير الله، ونفي للاستعانة بغيره. وفي قوله: «نعبد» و «نستعين» إثبات العبادة والاستعانة له سبحانه. قال ابن القيم ﵀ في «مدارج السالكين» (١): «فهو في قوة لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. . مع أن في ضمير «إياك» الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك» قصدت وأحببت من» الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: «قصدتك وأحببتك. .» وكرر الضمير «إياك» مرة أخرى للاهتمام (٢)، ولأن ذلك أفصح (٣). قال ابن القيم (٤): وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل من الفعلان، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا: «إياك احب، وإياك أخاف وإياك أخاف» كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قوله: «إياك أحب وأخاف». وفي قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد الآيات الثلاث التفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله - تعالى -

стр. 248

﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا *إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (١) وعكسه قوله - تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٢). والغرض العام من الالتفات في جميع المواضع التي ورد فيها هو تنبيه القارئ والمستمع لأن انتقال الكلام من الغيبة إلى الخطاب أو التكلم أو العكس ونحو ذلك مما بنيه القارئ والمستمع، وأدعى للصفاء، وأبعث على النشاط (٣)، بخلاف ما إذا جاء الكلام على وتيرة واحدة، فإن القارئ أو المستمع قد يغفل أو يمل. وهناك غرض خاص في كل التفات بكل موضع بحسبه، وقد يكون هذا الغرض ظاهرًا كما في قوله -تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٤). ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٥) فقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ التفات للخطاب بعد الغيبة في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. والغرض من مجيء الكلام أولا بضمير الغيبة كراهية مواجهة الرسول ﷺ بذلك فلم يقل: «عبست وتوليت أن جاءك الأعمى». بينما خاطبه مواجهة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ إذ لا غضاضة، ولا

стр. 249

محذور في مواجهة الرسول ﷺ بهذا الخطاب، لأنه ﷺ لا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١). واختلف في الغرض الخاص من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ... بعد الآيات الثلاث قبلها. فقد قيل إنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى- فلهذا قال:: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.﴾ (٢) وقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء والعبادة والاستعانة، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أي: (إياك) يا من هذه صفاته يخص بالعبادة والاستقامة (٣). والله أعلم. ﴿نَعْبُد﴾: العبادة في الأصل: التذلل والخضوع، ومنه سمي العبد عبدًا لذلته وخضوعه وسكينته وخشوعه وانقياده لمولاه. ومنه قولهم: بعير معبّد أي مذلّل بالركوب في الحوائج. قال طرفة بن العبد: (٤)

стр. 250

إلى أن تحتامني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد أي: المذلّل ومنه قولهم: طريق معبّد: أي مذلل بكثرة وطئه بالأقدام (١). وقال طرفة بن العبد (٢): تُبارى عِتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مَور مُعَبَّد وقال عامر بن الطفيل (٣): شحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذلّ من الصراط فمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ أي نخصك دون غيرك بأقصى غاية التذلل والخضوع لك محبة وتعظيمًا وخوفًا. والعبادة تطلق ويراد بها فعل العبادة: أي التعبد وهو التذلل والخضوع لله محبة وتعظيمًا، وتطلق ويراد بها نفس العبادات، وهي بهذا الإطلاق: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال

стр. 251

والأعمال الباطنة والظاهرة (١). قال ابن القيم (٢): «وبني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقًا هم أصحابها. فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة، أو قليل المنفعة، وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، ف (إياك نعبد) التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها». وعلى هذا فكل ما أمر الله به، بل كل ما تعبد له به - سبحانه

стр. 252

وتعالى - فهو عبادة سواء كان ذلك مما يجب فعله كالصلاة والزكاة والحج والصيام ونحو ذلك، أو مما يجب تركه من المحرمات كالربا والزنا والسرقة ونحو ذلك أو مما يستحب فعله كالصدقة والإحسان وإماطة الأذى عن الطريق، أو مما يستحب تركه كتدخل الإنسان فيما لا يعنيه، كما يدخل في ذلك الأمور المباحة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، فهذه المباحات مما يفعله الإنسان جبلة، وهي مصلحة صرفة للنفس إلا أن فعلها تقربًا إلى الله - تعالى -، وامتثالًا لأمره، وصيانة للنفس، وبهدف التقوى على طاعة الله تعالى، وإظهارًا لنعمته - تعالى على العبد، كل ذلك عبادة لله تعالى. عن عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: «ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فليُرَ أثر نعمه الله عليك وكرامته» (١). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٢)». وبهذه النية والقصد الحسن تكون جميع أعمال العبد المباحة من عادات ونحوها عبادات بينما قد تصبح عبادات كثيرين أشبه شيء

стр. 253

بالعادات، بسبب الغفلة، وعدم استحضار النية والقصد الحسن. ولهذا يقال «المُوَّفقون عاداتهم عبادات والمخذولون عباداتهم عادات» والمُوَّفق من وفقه الله. و لا بد لصحة العبادة من توفر شرطين: الأول: الإخلاص لله -تعالى- كما دل على ذلك قوله -تعالى- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: أي نخصك بالعبادة ونخلصها لك، ونتبرأ من الشرك وأهله ووسائله. وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه (٤)». وقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه (٥) والشرط الثاني: متابعة شرع الله. فقال ﷺ : «من أحدث في

стр. 254

أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه (١). وقال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢). وذلك بأن تكون العبادة وفق ما شرع الله من حيث الجنس والقدر والصفة والزمان والمكان والسبب. فمثلًا زكاة الفطر عبادة ولا بد أن يكون المخرج فيها من جنس ما أمر الشرع بإخراجه وهو الطعام لا من الخضار، ولا بد من أن يكون المخرج عن الشخص الواحد بمقدار صاع على الصحيح. وأما موافقة الشرع في الصفة فبأن تكون العبادة على الصفة التي شرع الله كالصلاة مثلا ركوعها قبل سجودها ولو عكس لما صحت صلاته. وأما الزمان فيكون بالعبادة في وقتها كالصلاة مثلًا. وأما المكان فتكون العبادة في مكانها كذبح الهدي. وأما السبب فبأن يكون سبب العبادة قد وجد كصلاة الكسوف لا تصلى إلا عندما يحصل الكسوف أو الخسوف. وينتظم الشرطين معًا في الدلالة قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عليهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤) وقوله

стр. 255

تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (١) فالمراد بإسلام الوجه لله الإخلاص له في العبادة. والمراد بقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع لما جاء عن الله، لا مبتدع وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣). قال الفضيل بن عياض: «أي أخلصه وأصوبه» (٤) وقد جعل الله -تعالى- العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأحبهم إليه، وهم رسله وأنبياؤه ﵈، كما جعلها وصفًا لمن اصطفاه من المؤمنين. فوصف بها نبيه محمدًا ﷺ أفضل خلقه وخاتم رسله، في أشرف مقاماته، وهو مقام إنزال الكتاب عليه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ

стр. 256

كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٣). ووصفه بها في مقام دعائه ﷺ لربه، وعبادته له، ودعوته إليه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٤). وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات الشدة والضيق، وأمره بالاستمرار عليها حتى الموت فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥). وقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٦). وعن عبد الله بن عمرو قال: «قرأت في التوراة صفة محمد ﷺ : محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو

стр. 257

ويغفر» (١) كما وصف الله بها سائر أنبيائه ورسله فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ (٣)، وقال عن سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (٥)، وقال تعالى عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليهِ﴾ (٦) وقال عنه وعن الملائكة: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٧). وقال أيضًا عن الملائكة ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٨)، وقال عنهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٩)، وقال عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١٠) كما وصف الله بها الصالحين من المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١١)، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ

стр. 258

اللَّهِ﴾ (١). وجعل لهم البشارة المطلقة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢).كما جعل لهم الأمن المطلق فقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عليكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) عزل عنهم سلطان الشيطان فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عليهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٤). وجعل ﷺ إحسان العبودية أعلى مراتب الدين فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» متفق عليه (٥). وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ معطوف على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهو وما بعده من الآيات للعبد كما سبق بيانه. ومعنى ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي نخصك بطلب العون منك في جميع أمورنا (٦) الدينية والدنيوية في جميع الأوقات

стр. 259

والأحوال، ونعتمد عليك في جلب المنافع ودفع المضار، مع تمام الثقة بك يا ربنا في تحصيل ذلك (١)، ونعلن لك عجزنا وضعفنا وبراءتنا من حولنا وقوتنا وحول كل مخلوق وقوته، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا شرع للمسلم أن يقول عند قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢) وفي الدعاء في الحديث: «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (٣). قال ابن القيم (٤) ﵀: «فإن قلت فما معنى التوكل والاستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقينًا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملئ به، ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه، فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسه همه على إنزال ما ينوبه بهما فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد.

стр. 260

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١) أي كافيه، والحسب: الكافي، فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة». وذكرت الاستعانة بعد العبادة مع أن الاستعانة من العبادة من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم، ومن باب تقديم الغاية المقصودة على الوسيلة، وتقديم الأهم على المهم. والعبادة والاستعانة متلازمتان: فلا تحقق أحداهما دون الأخرى فالعبادة لا تتحقق بدون الاستعانة بالله، وعونه للعبد، ولا يحصل العون من الله بدون عبادته، وطلب العون منه (٢). وبهما معًا يتحقق الإيمان فبالعبادة الخالصة لله براءة من الشرك، وبالاستعانة بالله دون سواء براءة من الحول والقوة، وتمام التفويض إلى الله وهما كمال الطاعة وبهما تحصل السعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور. قال ابن القيم (٣): «وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾» متعلق بألوهيته

стр. 261

واسمه «الله» و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته واسمه «الرب». فقدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، كما تقدم اسم ... «الله» على «الرب» في أول السورة (١)، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله تعالى عبودية تامة مستعين به، ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر. والإعانة فعله بك، وتوفيقه لك. فإذا التزمت بعبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين إعانة

стр. 262

قبلها على التزامها، والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نحبه. ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ به، وما لم مقدم على ما به، لأن ماله متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الاستعانة به، والتوكل عليه، وأكد ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم (١). قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ

стр. 263

بِحَمْدِهِ﴾ (١). وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢). وقال المؤمنون فيما ذكره الله عنهم: ﴿رَبَّنَا عليكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عليهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٥). قال الزمخشري (٦) في كلامه على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «فإن قلت لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبينما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته».

стр. 264

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: إهدنا: فعل أمر معناه الدعاء (١)، لأن الأمر إذا صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وأما إذا جاء من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن كان من المتساويين فهو التماس. والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره: «أنت» و «نا» ضمير متصل في محل نصب مفعول أول للفعل «اهد». والمفعول الثاني ... «الصراط». والأصل في الفعل «هدى» أنه يتعدى إلى مفعولين الأول بنفسه، ويتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه كما في قوله- تعالى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣). وتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، إما باللام كقوله - تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤)، وكقوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥)، وإما بإلى كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ

стр. 265

مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥). قال الطبري (٦): «والعرب تقول: هديت فلانًا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق». والهداية تنقسم إلى قسمين: هداية البيان والدلالة والإرشاد، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (٧) أي: أفلم يتبين لهم. وقال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٨) أي: لتستدلوا بها وتسترشدوا. وهذه الهداية عامة. فالله -تعالى هاد، بمعنى مبين ومرشد للعباد

стр. 266

كما قال - تعالى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ علينَا لَلْهُدَى﴾ (٤). والرسل هداة إلى الله تعالى، كما قال تعالى - عن أفضلهم نبينا محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) وقال: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (٦). وقال موسى ﵇ مخاطبًا فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٧). والدعاة إلى الله من المؤمنين هداة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (٨). والقسم الثاني هداية التوفيق والإلهام والقبول. وهذه خاصة بالله ﵎ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٩)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عليكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي

стр. 267

مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فنفي عن رسوله ﷺ هذه الهداية التي بمعني التوفيق , وأثبتها تعالى لنفسه، وقال تعالى ﴿يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ , وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤) أي: هدي كل شيء لما خلق له وألهمه كقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٥): أي هدي كل مخلوق لما قدر له. قال الشاعر: ولا تعجلني هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالاً (٦) أي: وفقك المليك ﵎ وهذه الهداية الحقة التي من وفق لها ظفر بخيري الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٧) , ويجمع الهدايتين قوله

стр. 268

تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (١) أي وجدك ضالًا لا تدري ما الكتاب ولا الأيمان , فعلمك ما لم تكن تعلم , ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق (٢). وكذا قوله - تعالى - هنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يشمل الهدايتين وينتظم القسمين لان فعل الهداية إذا عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معني الحرف فإذا عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة, وإذا عدي باللام تضمن الاختصاص والتعيين، فإذا عدي بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تضمن ما يجمع ذلك كله أي بين لنا ودلنا وأرشدنا إلى الصراط المستقيم , وألهمنا ووفقنا فيه وثبتنا عليه (٣). وقد ذكر ابن القيم ﵀ (٤) «إن للهداية عشر مراتب الأولي هداية العلم والبيان للحق والثانية أن يقدره الله عليه , والثالثة أن يجعله مريداً له , والرابعة أن يجعله فاعلًا له , والخامسة أن يثبته على ذلك , والسادسة أن يصرف عنه الموانع والعوارض , والسابعة أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا , والثامنة أن يشهده

стр. 269

المقصود في الطريق فلا يحجب عنه بالوسيلة , والتاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة , والعاشرة أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل الغضب وطريق أهل الضلال» ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الصراط مفعول ثاني لـ ﴿اهْدِنَا﴾ كما تقدم و «أل» في الصراط للعهد العلمي الذهني أي الصراط المعلوم المعهود , لأن اللام إذا دخلت على موصوف اقتضت انه أحق بتلك الصفة من غيره. وإنما جاء الصراط معرفًا لأن المقام مقام دعاء وطلب. ويأتي الصراط منكرًا إذا كان المقام مقام إخبار كقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١) وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) وكقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣). قرأ ابن كثير (السراط) بالسين في جميع القران , وقرأ حمزة بإشمام السين بين الزاي والصاد , وقرأ بقية القراء (الصراط) بالصاد (٤). ومعني الصراط: الطريق المسلوك , والسبيل الواضح مأخوذ من الاستراط وهو الابتلاع , يبتلع السائر فيه , والماشي عليه: أي

стр. 270

يضمه بين جانبيه (١). (المستقيم): صفة للصراط منصوبة مثله. والمستقيم: هو اقرب خط يصل بين نقطتين (٢). وهو المعتدل المستوي , الذي لا اعوجاج فيه , ولا التواء (٣). قال جرير (٤) يمدح هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم وقال الآخر: فصد عن نهج الصراط القاصد. فالصراط المستقيم: هو الطريق المعتدل الواضح الذي لا اعوجاج فيه , ولا التواء , وهو صراط الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٥) , وقال تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). وهو الصراط الذي عليه ربنا ﵎ كما قال هود عليه

стр. 271

السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وهو الصراط المؤدي إلى الله تعالى , قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ على مُسْتَقِيم﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (٣). أي أن السبيل القاصد , وهو المستقيم المعتدل , يرجع إلى الله - تعالى ويوصل إليه كما قال طفيل الغنوي: مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلب أي ممرنا عليهم , ووصولنا إليهم. وقال الآخر: فهن المنايا أي واد سلكته ... عليها طريقي أو على طريقها (٤) قال ابن القيم (٥): «ولا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة والإيصال إلى المقصود, والقرب, وسعته للمارين عليه, وتعينه طريقًا للمقصود. ولا يخفي تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة:

стр. 272

فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه, لأن الخط المستقيم هو اقرب فاصل بين نقطتين, وكلما تعوج طال وبعد, واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود, ونصبة لجميع من يمر عليه يستلزم سعته, وإضافته إلى المنعم عليهم , ووصفة بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا». والمراد بالصراط المستقيم: طريق الحق والأيمان, والدين القيم , ومعرفة ما جاء به الرسول ﷺ عن ربه في الكتاب والسنة والعمل به وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ (١) - إخلاصًا لله ومتابعة لرسوله ﷺ كما قال الله تعالى: ﴿وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). وهو الطريق الموصل إلى ساحل النجاة , وإلى الغاية المنشودة والهدف المقصود , وهي: السعادة في الدنيا والآخرة , والحصول على مرضاة الله وجنته , بأقل وقت وأقصر طريق. قال ابن القيم (٣) بعد أن ذكر قسمي الهداية , وهما هداية البيان والدلالة , وهداية التوفيق والإلهام - قال: «وللهداية مرتبة أخرى - وهي أخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة, وهو الصراط

стр. 273

الموصل إليها , فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم , الذي أرسل به رسله , وانزل به كتبه هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته , ودار ثوابه , وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم , وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط». كما ذكر في كتابه «بدائع الفوائد» (١) أن الهداية أربعة أنواع: الهداية العامة المشتركة كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٢) أي هداه لما خلق له من الأعمال وهذه تشمل الحيوان والجماد. ثم ذكر هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر , وهداية التوفيق والإلهام , ثم قال: والرابع غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سبق أليهما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِأيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣) وقال أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ (٤) وقال تعالى عن أهل النار ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٥).

стр. 274

فالمعنى العام لقوله - تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي بين لنا وأرشدنا إلى سلوك الطريق المستقيم بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق والعمل به, ووفقنا فيه وثبتنا عليه, وزدنا هداية وأيمانًا وعلمًا, كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٢) , وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٣) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ أيمَانًا﴾ (٤). فالعبد في كل لحظة, وفي كل حال, وعند كل مسألة محتاج أعظم الحاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم. وذلك بان يهتدي لمعرفة الحق والحكم في كل مسألة , ويوفق للعمل بما طلب منه سواء كان ذلك فعلًا أو تركا. قال الطبري (٥) في كلامه على قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: «ومعناه نظير معني قوله: ﴿إياكَ نَعْبُدُ﴾ في أنه مسألة من العبد ربه بالتوفيق للثبات على العمل بطاعته. وإصابة الحق

стр. 275

والصواب , فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «وأما سؤال من يقول: فقد هداهم الله فلا حاجة بهم إلى لسؤال وجواب من إجابة بان المطلوب دوامها كلام من لا يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به , فان «الصراط المستقيم» أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر الله به في ذلك الوقت من علم وعمل, ولا يفعل ما نهي عنه, وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت , وما نهي عنه, وإلى أن يحصل له إدارة جازمة لفعل المأمور , وكراهة جازمة لترك المحظور, فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد , بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الصراط المستقيم. نعم حصل له هدي مجمل بأن القرآن حق, والرسول حق, ودين الإسلام حق, وذلك حق , ولكن هذا المجمل لا يغنيه أن لم يحصل له هدي مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق , ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم». وقال ابن القيم (٢) بعد أن ذكر قسمي الهداية: «وهما هدايتان مستقلتان , لا يحصل الفلاح إلا بهما , وهما متضمنتان تعريف ما لم

стр. 276

نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا , وإلهامنا له , وجعلنا مريدين لإتباعه ظاهرًا وباطنًا , ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدي بالقول والعمل , ثم إدامه ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. قال: ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى السؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة» وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسال الهداية؟ فان المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم , وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلا مثل ما نريده , أو أكثر منه , أو دونه , وما لا نقدر عليه مما نريده - كذلك , وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر , ونحن محتاجون إلى الهداية التامة , فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام». وقال ابن كثير (١): «فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢). وقال السعدي (٣): «اهدنا إلى الصراط المستقيم, وإهدنا في الصراط, فالهداية إلى الصراط لزوم دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان, والهداية في الصراط تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا».

стр. 277

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ صراط بدل كل من الصراط في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ , أو عطف بيان (١). و (الذين) مضاف إليه, وما بعده صلة الموصول. وفائدة هذا التوكيل والإيضاح والبيان , فهو تفسير للصراط المستقيم , وبيان أنه صراط المنعم عليهم (٢) , وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على ابلغ وجه وأكده (٣). وإنما عرف الصراط في الموضع الأول «بأل» , وهنا بالإضافة , لأن طريق الحق واحد أما طرق الشر فهي كثيرة , متعددة متشعبة , كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤). وعن النواس بن سمعان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة , وعلى الأبواب ستور مرخاه وعلى باب الصراع داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا , وداع يدعو فوق الصراط , فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب , قال: ويحك , لا تفتحه , فإنك أن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام , والسوران حدود الله , والأبواب

стр. 278

المفتحة محارم الله, وذلك الداعي على الصراط كتاب الله , والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (١). وهكذا غالبًا ما يذكر طريق الحق بالأفراد بينما يذكر طريق الشر متعددًا, وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد, ويراد به فروع الشريعة. ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ الإنعام: إيصال النعمة. والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش , والخفض والدعة والمال ونحوها (٢). والنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير , وإذا أضيفت إلى معرفة دلت على الإنعام المطلق التام أي على عموم النعم الدينية والدنيوية والأخروية (٣) , كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٤) , وقوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكُمْ﴾ (٥) , ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٦). والأنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني

стр. 279

آدم , كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِ وَأَنْعَمْتَ عليهِ﴾ (١). ولا يسمي الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا فلا تقول: أنعمت على الفرس. (عليهم) قرأ حمزة بضم الهاء (عليهُم) , وقرا الباقون بكسرها (عليهِم) (٢). والمنعم عليهم: هم الذين ووفقهم الله لسلوك الطريق المستقيم, للهدي ودين الحق. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٣) أي إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به, إلى الإيمان بالله تعالى, إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . وتلك أجل نعمة وأعظمها, فهي سبب للسعادة في الدارين, وأفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم. وهم المذكورون في قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإذا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عليمًا (٧٠)﴾ (٤).

стр. 280

وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عليهِمْ أياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١) أي الذين انعم الله عليهم بأجل نعمة وأعظمها , وهي: نعمة الإيمان , كما قال تعالى ردا على الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا على إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْأيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). «والنبيين» جمع نبي , ويدخل فيهم الرسل من باب أولى , لأن كل رسول نبي ولا عكس , ويأتي في مقدمتهم أولو العزم , كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣). وهم المذكورون في قوله - تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٤). «وَالصِّدِّيقِينَ»: جمع صديق , يدخل فيهم من ثبت بالكتاب أو السنة وصفة أو تسميته بذلك منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ

стр. 281

كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١). ومنهم أبو بكر الصدِّيق ﵁ لأن الرسول ﷺ سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك. «والشهداء» جمع شهيد, وهو من قتل في سبيل الله , ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ حيث شهد لهما الرسول ﷺ بذلك كما روي أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فرجف بهم. فقال النبي ﷺ : «اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (٢). ومنهم أيضًا: على بن أبي طالب ﵁ , وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص. كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص, فتحركت الصخرة, وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله ﷺ «اسكن حراء» وفي رواية: «اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (٣).

стр. 282

ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي ﷺ , وأنس بن النضر , ومصعب ابن عمير ﵃ وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله , وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (١). لكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد , وإن قتل في المعركة , لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك , إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي ﷺ فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد , وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكرة, ومال الآخرون إلى عسكرهم , وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد , كما أجزأ فلان, فقال رسول الله ﷺ : «أما إنه من أهل النار» الحديث , وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد , وفلان شهيد,

стр. 283

حتى مروا على رجل , فقالوا: فلان شهيد , فقال رسول الله ﷺ : «كلا إني رأيته في النار غلها أو عباءة» رواه مسلم (١). وروى أبو العجفاء أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب , فقال: «تقولون في مغازيكم: فلان شهيد , ومات فلان شهيدا , ولعله يكون قد أوقر راحلته , إلا لا تقولوا ذلكم , ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : «من مات في سبيل الله أو قتل فهو في الجنة» (٢). ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾: «غير» صفة للاسم الموصول «الذين» مبينة أو مقيدة على معني إنهم جمعوا بين النعمة المطلقة , وهي نعمة الأيمان , وبين السلامة من الغضب والضلال , وقيل هي بدل من الاسم الموصول على معني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم (٣). والصحيح إنها صفة , وإنما صح مجيء «غير» صفة لمعرفة وهو الاسم الموصول مع أن «غيرًا» لا تتعرف لشدة إبهامها - لما في من

стр. 284

الإبهام ورائحة النكرة, ولان «غيرًا» أضيفت إلى «المغضوب» وهي معرفة , ووقعت بين ضدين منعم عليهم ومغضوب عليهم فضعف إبهامها كما قال ابن هشام (١). أو زال إبهامها وتعرفت كما قال ابن السراج (٢). واختاره ابن القيم (٣). و «غير» ملازمة للأفراد والتذكير , وللإضافة لفظًا أو تقديرًا , وهي لا تعرف وان أضيفت إلى معرفة عند أكثر من اللغة , ولا تدخل عليها الألف واللام (٤). وقد روي عن ابن كثير انه قراها بالنصب «غير» على الحال , وثبت عنه وعن بقية القراء السبعة قراءتها بالكسر «غير» (٥). «غير» مضاف و «المغضوب» مضاف إليه مجرور. و «عليهم» متعلق ب «المغضوب» , قراها حمزة بالضم «عليهم» وقرأها بقية السبعة بالكسر «عليهم» كقراءة «عليهم» في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٦). وإنما وصف الله ﵎ صراط المنعم عليهم بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾ لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم , لأن الصفات السلبية يؤتي بها لإثبات كمال ضدها, كما في قوله - تعالى:

стр. 285

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (١). فقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ صفة سلبية جئ بها لإثبات كمال ضدها , وهي الحياة. وكقوله - تعالى: ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٢). فهو لإثبات كمال قيوميته ﵎. والغضب: ضد الرضا (٣). وفي الحديث: «ألا وإن الغضب جمرة توقد في ابن ادم , ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (٤)»). والغضب صفة من صفات الله - تعالى - يجب إثباتها لله , كما يليق بجلاله وعظمته , ولا تشبه صفات المخلوقين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عليكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عليهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (٥). وفي حديث أبي هريرة في الشفاعة: «إنَّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم
следующие страницы →