← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١). ومنهم أبو بكر الصدِّيق ﵁ لأن الرسول ﷺ سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك. «والشهداء» جمع شهيد, وهو من قتل في سبيل الله , ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ حيث شهد لهما الرسول ﷺ بذلك كما روي أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فرجف بهم. فقال النبي ﷺ : «اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (٢). ومنهم أيضًا: على بن أبي طالب ﵁ , وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص. كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص, فتحركت الصخرة, وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله ﷺ «اسكن حراء» وفي رواية: «اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (٣).

стр. 282

ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي ﷺ , وأنس بن النضر , ومصعب ابن عمير ﵃ وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله , وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (١). لكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد , وإن قتل في المعركة , لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك , إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي ﷺ فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد , وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله ﷺ إلى عسكرة, ومال الآخرون إلى عسكرهم , وفي أصحاب رسول الله ﷺ رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه. فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد , كما أجزأ فلان, فقال رسول الله ﷺ : «أما إنه من أهل النار» الحديث , وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد , وفلان شهيد,

стр. 283

حتى مروا على رجل , فقالوا: فلان شهيد , فقال رسول الله ﷺ : «كلا إني رأيته في النار غلها أو عباءة» رواه مسلم (١). وروى أبو العجفاء أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب , فقال: «تقولون في مغازيكم: فلان شهيد , ومات فلان شهيدا , ولعله يكون قد أوقر راحلته , إلا لا تقولوا ذلكم , ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : «من مات في سبيل الله أو قتل فهو في الجنة» (٢). ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾: «غير» صفة للاسم الموصول «الذين» مبينة أو مقيدة على معني إنهم جمعوا بين النعمة المطلقة , وهي نعمة الأيمان , وبين السلامة من الغضب والضلال , وقيل هي بدل من الاسم الموصول على معني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم (٣). والصحيح إنها صفة , وإنما صح مجيء «غير» صفة لمعرفة وهو الاسم الموصول مع أن «غيرًا» لا تتعرف لشدة إبهامها - لما في من

стр. 284

الإبهام ورائحة النكرة, ولان «غيرًا» أضيفت إلى «المغضوب» وهي معرفة , ووقعت بين ضدين منعم عليهم ومغضوب عليهم فضعف إبهامها كما قال ابن هشام (١). أو زال إبهامها وتعرفت كما قال ابن السراج (٢). واختاره ابن القيم (٣). و «غير» ملازمة للأفراد والتذكير , وللإضافة لفظًا أو تقديرًا , وهي لا تعرف وان أضيفت إلى معرفة عند أكثر من اللغة , ولا تدخل عليها الألف واللام (٤). وقد روي عن ابن كثير انه قراها بالنصب «غير» على الحال , وثبت عنه وعن بقية القراء السبعة قراءتها بالكسر «غير» (٥). «غير» مضاف و «المغضوب» مضاف إليه مجرور. و «عليهم» متعلق ب «المغضوب» , قراها حمزة بالضم «عليهم» وقرأها بقية السبعة بالكسر «عليهم» كقراءة «عليهم» في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٦). وإنما وصف الله ﵎ صراط المنعم عليهم بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾ لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم , لأن الصفات السلبية يؤتي بها لإثبات كمال ضدها, كما في قوله - تعالى:

стр. 285

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (١). فقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ صفة سلبية جئ بها لإثبات كمال ضدها , وهي الحياة. وكقوله - تعالى: ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٢). فهو لإثبات كمال قيوميته ﵎. والغضب: ضد الرضا (٣). وفي الحديث: «ألا وإن الغضب جمرة توقد في ابن ادم , ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (٤)»). والغضب صفة من صفات الله - تعالى - يجب إثباتها لله , كما يليق بجلاله وعظمته , ولا تشبه صفات المخلوقين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عليكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عليهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (٥). وفي حديث أبي هريرة في الشفاعة: «إنَّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم

стр. 286

يغضب قبله مثله». متفق عليه (١). والمراد بالمغضوب عليهم من استوجبوا غضب الله , ووصفوا به , ممن فسدت إرادتهم فعدلوا عن الحق بعد أن عرفوه وعلموه. وفي مقدمتهم اليهود , قال عدي بن حاتم: سالت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ﴾ قال: هم اليهود , ﴿وَلَا الضَّالينَ﴾ قال: هم النصارى» (٢). وقد وصف الله الاهود بالغضب وحكم به في مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣) , وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ أينَ مَا

стр. 287

ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عليهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» (٢) ,وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» (٣) , وقال تعالى: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٤) ,وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٥). وإنما وصفوا بالغضب ووصموا به, واستوجبوه, لأنهم عرفوا الحق وتركوه كفرًا وحسدًا, كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٧). وعن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خرج إلي الشام, يسأل عن الدين, ويتبعه, فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم, فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله, ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا,

стр. 288

وأني أستطيعه, فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله, فخرج فلقي عالمًا من النصارى, فذكر مثله. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله. قال ما أفر إلا من لعنة الله ..» الحديث رواه البخاري (١). ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: أي ولا صراط الضالين. فـ الواو: عاطفة و «لا» زائدة إعرابًا عند البصريين مؤكدة لمعني النفي المفهوم من «غير» (٢) لئلا يتوهم عطف الضالين على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٣) وليدل على أن ثم مسلكين فاسدين, وهما: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين (٤) ولرفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وأن ذلك من عطف الصفات بعضها على بعض (٥). وقال الكوفيون هي بمعني «غير» مؤكدة أيضًا (٦). ويؤيده قراءة عمر ﴿غير المغضوب عليهم وغير الضالين﴾ (٧).

стр. 289

قال الحافظ بن كثير (١): «والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء, لقرب مخرجيهما .. لمن لا يميز ذلك» والضالين: جمع ضال. والضلال هو التيه والجهل والبعد عن الحق (٢) والعدول عن طريق المستقيم, والانحراف عن المنهج القويم. يقال: ضل الطريق: أي تاه وانحرف, كما يقال ضال, بدون إضافة قرينة, وإذا أطلق فالمراد به العدول عن طريق المستقيم, طريق الحق. ويطلق الضلال على النسيان, كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣) أي أن تنسي إحداهما. ويطلق على الاختفاء وغياب الشيء كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤) أي غيبنا فيها, وصرنا ترابًا. ومنه قول الشاعر: ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الركب المضلل أين ساروا (٥)

стр. 290

والمراد بالضالين: من فقدوا العلم, فتركوا الحق عن جهل, وعبدوا الله على غير هدي, وعلى غير بصيرة (١). قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢). ويأتي في مقدمة الضالين النصارى (٣) كما في حديث عدي بن حاتم- المتقدم قريبًا أن رسول الله ﷺ قال في قوله: (ولا الضالين) هم «النصارى». وهكذا وصف الله النصارى بالضلال في غير هذا الموضع. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٤). قال ابن كثير (٥) بعد أن ذكر تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى: «وقال ابن أبي حاتم لا أعلم بين المفسرين في تأويل ذلك اختلافًا». وإذا كان سبب ضلال النصارى في الأصل هو الجهل, فلا يمنع أن يكون طرأ عليهم في هذا الزمن مع الجهل العناد والإصرار. وإتباع الهوى,

стр. 291

كما هو واقع الآن. وكل من اليهود والنصارى مغضوب عليهم وضالون, وكذا كل من حاد عن منهج الله عن علم, أو عن جهل إلا أن أخص أوصاف اليهود الغضب, ومثلهم من ترك الحق بعد معرفته, وأخص أوصاف النصارى الضلال (١) ومثلهم من عبد الله على جهل. ولا يلزم من هذا أن لا يوجد من بين اليهود من هو جاهل ضال, ومن بين النصارى من هو عالم, ولا يمنع من هذا أن يكفر نصراني, وهو يعرف الإسلام كما يعرف ابنه وزوجته. ولما كان اليهود تركوا الحق بعد معرفته, وكانوا أجرأ على محارم الله- تعالى-, واقسي قلوبًا كانوا أحق بوصف الغضب, وأولي بأن يقدم وصفهم على وصف النصارى الضالين مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢). قال ابن القيم (٣): «والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل, والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل, فكل منهما ضال مغضوب عليه, ولكن تارك الحق بعد معرفته أولي بوصف الغضب وأحق

стр. 292

به, ومن هنا كان اليهود أحق به, وهو متغلظ في حقهم. ,والجاهل بالحق أحق باسم الضلال, ومن هنا وصف النصارى به ...». وقد ذكر ابن القيم (١) من الوجوه في تقديم المغضوب عليهم على الضالين أن اليهود متقدمون على النصارى من حيث الزمان, وأنهم كانوا هم الذين يلون النبي ﷺ من أهل الكتابين لأنهم كانوا في المدينة أما النصارى فكانت ديارهم نائية, ولأنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني يذكر فيها الشيء وضده. وكل من كان عنده علم فلم يعمل به, بل اتبع هواه, وجانب شرع الله عن علم وبصيرة ومعرفته ففيه شبه من اليهود, ومتوعد بالغضب بقدر معصيته, وله منه نصيب بقدر شبهه فيهم. وكل من عبد الله على جهل وضلال- معذور بجهله- به شبه من النصارى وموصوف بالضلال على قدر معصيته, وله نصيب منه بقدر شبهه فيهم. ولهذا كان السلف- ﵃ يقولون «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود, ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٢). وما أكثر من تشبه باليهود وبالنصارى من هذه الأمة. وصدق المصطفي ﷺ حيث قال: «لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعًا بذراع, حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود

стр. 293

والنصارى؟ قال: فمن» متفق عليه (١). وقال ﷺ : «افترقت اليهود على أحدي وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة, وستفرق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة, كلها في النار إلا واحدة. قلنا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٢). ومما يدل على شمول الغضب لليهود وغيرهم, وشمول الضلال للنصارى وغيرهم أن الله توعد بالغضب في القرآن الكريم مرتكبي بعض الكبائر والكفرة والمنافقين والمشركين من هذه الأمة, ووصف كثيرا منهم بالضلال, كما وصفهم بذلك رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعليهِمْ غَضَبٌ مِنَ

стр. 294

اللَّهِ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عليهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عليهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣). وقال ﷺ : «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» متفق عليه (٤). وقال ﷺ : «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها بات الذي في السماء ساخطا عليها» (٥). وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٦) , وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٧) , وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عليكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٨) , وقال تعالى:

стр. 295

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). وقال ﷺ في حديث أبي بكرة: «ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض» متفق عليه (٣). قال ابن القيم (٤): «والغضب نتيجة فساد القصد, والضلال نتيجة فساد العلم, فاعتلال القلوب ومرضها نتيجة لأحد هذين الفاسدين, وبالهداية للصراط المستقيم الشفاء من مرض الضلال, وبالتحقق بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا الشفاء من مرض فساد القصد».

стр. 296

المبحث الثامن ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام ١ - مشروعية الابتداء في بالبسملة في الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها تأسيًا بكتاب الله تعالى , حيث ابتدأ كتابه بها ومشروعية الاستفتاح بها عند قراءة أي سورة من سور القرآن, لأن الله افتتح بها سورة الفاتحة وغيرها من السور عدا سورة براءة فلا تشرع البسملة معها. ٢ - مشروعية حمد الله ﵎ في افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها تأسيا بكتاب الله- حيث افتتحه جل وعلا بالحمد. ٣ - حمد لله -تعالى- لنفسه (١) , وثناؤه عليها, وتمجيده لها, لما له من صفات الكمال. قال تعالى: (الحمد لله) , وقد جاء هذا كثيرا في القرآن الكريم, قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ» (٢) , وقال تعالى: «وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ» (٣). ولم يأذن في ذلك لأحد من خلقه, بل نهاهم في محكم كتابه

стр. 297

فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). وقال ﷺ : «أحثوا في وجوه المداحين التراب» (٢) , وقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم, إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣). ٤ - أمر الله -تعالى- عباده أن يحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه - لما له من صفات الكمال, وتعليمهم كيفية ذلك, لأن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وان كانت هذه جملة خبرية, فهي متضمنة لمعني الطلب (٤). وهكذا جل الآيات التي حمد الله- تعالى- بها نفسه هي متضمنة تعليم عباده وأمرهم أن يحمدوه. ولهذا رغب المصطفي ﷺ بالحمد لله. فعن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «الطُّهور شطر الإيمان, والحمد لله تملأ الميزان, وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض, والصلاة نور, والصدقة برهان, والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو, فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (٥).

стр. 298

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها, أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (١). ٥ - أن الوصف الكامل مستحق لله على الدوام , وفي جميع الأحوال لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهي جملة اسمية تفيد الاستمرار والدوام والكمال فهو المحمود على الدوام وبكل حال كما قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ (٢). ٦ - في قوله تعالى: (الحمد لله) رد على الجبرية, الذين يقولون إن الله جبر العبد على أفعاله , ومن ثم عاقبه عليها- تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا, ووجه الرد عليهم: أن في إثبات حمده ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي أنه لا يعاقب عباده على ما لا قدرة لهم عليه, ولا هو من فعلهم (٣). ٧ - أن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن هو أهل له , ولمقتضي لذلك, وإلا فهو زور وباطل, لأن الله لما حمد نفسه ذكر ما يقتضي ذلك, وأنه تعالى أهل لذلك لكونه- تعالى-: الله رب العالمين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)

стр. 299

قال ابن القيم (١) ﵀: «في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد, وإيقاع الحمد على مضمونها ومعناها ما يدل على أنه محمود في إلهيته, ومحمود في ربوبيته, محمود في رحمانيته, محمود في ملكه, وأنه إله محمود ورب محمود, ورحمن محمود, وملك محمود, فله بذلك جميع أقسام الكمال, كمال من هذا الاسم بمفرده, وكمال من اقتران أحدهما بالآخر ..». ٨ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الإقرار والاعتراف من العبد لله جل وعلا بالكمال من جميع الوجوه وبالفضل والإنعام والإحسان , والإقرار من العبد على نفسه بضعفه وفقره وحاجته إلى ربه في أمور دينه ودنياه. وهذا من أجل أنواع العبادة لله وأفضلها, بأن يعترف العبد لله بالكمال المطلق من جميع الوجوه, ويدخل على ربه من باب الذلة والانكسار, ولا يعجب بعملة. وهذا هو أصل معني العبادة لله تعالى- كما تقدم. وقد كان هذا دأب الأنبياء والمرسلين والصالحين من أممهم يدعون ربهم متذللين خاضعين سائلين ربهم المغفرة. قال ﷺ : «أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي وأعترف بذنبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٢). ٩ - إثبات توحيد الأسماء والصفات «توحيد العلم» لأن الله افتتح

стр. 300

السورة بقولة تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ومعناه- كما تقدم- وصفه تعالى بصفات الكمال, كما ذكر تعالى فيها خمسة من أسمائه, وهي «الله» , و «الرب» و «الرحمن» و «الرحيم» و «الملك» وهذه الأسماء دالة على بقية أسمائه تعالى, وكل منها يؤخذ منه إثبات صفة من صفاته- تعالى فاسمه- تعالى «الله» يدل على إثبات صفة الربوبية العامة له تعالى صفة ذاتية له تعالى وصفة فعلية, واسماه «الرحمن» «الرحيم» يدل الأول على إثبات صفة الرحمة الذاتية له- تعالى ويدل الثاني «على إثبات صفة الرحمة الفعلية له » كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) , وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على القراءتين يدل على أنه مالك يوم الدين ومليكه. وأن من صفاته تعالى الذاتية والفعلية أنه مالك, وملك يوم الدين. كما يدل قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ﴾ على إثبات صفة الغضب له- تعالى-, كما يليق بجلاله وعظمته. وفي إثبات أسمائه تعالى وصفاته رد على نفاتها من المعطلة وغيرهم. وقد ذكر ابن القيم (٢) ﵀ اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة ثم ذكر أنه دل من هذه السورة على توحيد الأسماء والصفات شيئان مجمل ومفصل, قال: «أما المجمل فإثبات الحمد له

стр. 301

سبحانه, وأما المفصل فذكر صفة الإلهية والربوبية والرحمة والملك, وعلى هذه مدار الأسماء والصفات. فأما تضمن الحمد لذلك, فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله, مع محبته, والخضوع له, فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود, ولا من أعرض عن محبته والخضوع له, وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل, وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها, ولهذا كان الحمد كله لله حمدا لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها .. ثم ذكر دلالة هذه الأسماء الخمسة وغيرها من أسمائه تعالى على إثبات الذات والصفات له جلا وعلا ثم بين دلالة اسمه تعالى (الله) على جميع أسمائه الحسني وصفاته العليا, ولهذا تضاف إليه جميع أسمائه كما قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) , ثم ذكر ما هو أخص من الصفات بكل اسم من هذه الأسماء. ١٠ - إثبات توحيد الإلوهية , «توحيد العبادة» يؤخذ من اسمه- تعالى: (الله) لأن معناه كما تقدم: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «والله هو الإله المعبود, فهذا الاسم أحق بالعبادة, ولهذا يقال: الله أكبر, والحمد لله, سبحان الله, لا إله إلا الله, كما يؤخذ توحيد العبادة من قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما سيأتي- إن شاء الله.

стр. 302

١١ - إثبات توحيد الربوبية بقسميه العام لجميع الخلق , والخاص بأولياء الله- تعالى- لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهو تعالى رب جميع الخلق خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم ومربيهم بجميع النعم, وفي هذا رد على الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرًا. إذ إن كل ما في الكون من المخلوقات دليل على وجوده وكماله في ذاته وصفاته, كما قيل: فوا عجباً كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد بل إنه تعالى دليل على كل شيء, ولهذا قالت الرسل لأمهم: ﴿فِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء» , وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: كيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلي دليل وهو تعالى مرب لأولياته المتقين وحزبه المفلحين تربية خاصة بتوفيقهم للإيمان والعمل الصالح, ودفع الصوارف عنهم مما يبعث في قلوبهم الطمأنينة إلي رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة وحفظه الذي لا

стр. 303

يغيب (١). وإذا ثبتت الربوبية صفة عامة له ﵎ صفة ذاتية, وصفة فعلية وجب توجه جميع الخلق إليه في جميع حوائجهم, وفي جميع عبادتهم لأن من لازم ربوبيته لجميع خلقه, أن يكون هو الإله المعبود, لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية, كما أن توحيد الإلوهية يتضمن توحيد الربوبية, ولهذا لما قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ أتبع ذلك بوصفه تعالى بقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلي أن المستحق للعبادة هو المتفرد بالربوبية والملك والخلق والتدبير, وعلى هذا فما دل من السورة على إثبات توحيد الإلوهية ففيه دلالة بالتضمن على توحيد الربوبية، وما دل منها على توحيد الربوبية ففيه دلالة بالالتزام على توحيد الإلوهية كما أن في إثبات ربوبيته ردًا على المشركين على معه في إلهيته الذي يعبدون غيره مع إقرارهم بربوبيته. كما أن في إثبات ربوبيته للعالمين دليلًا على مباينته لخلقه بذاته, وبربوبيته وصفاته وأفعاله, وفي هذا رد على من نفي مباينته لخلقه. كما أن في إثبات ربوبيته أيضًا ردًا على أهل الإشراك في ربوبيته من المجوس والقدرية وغيرهم الذين يثبتون مع الله خالقًا آخر. فالقدرية المجوسية يقولون: العبد يخلق فعل نفسه, فلا تدخل أفعالهم تحت ربوبيته- تعالى الله عن ذلك (٢).

стр. 304

١٢ - إثبات علم الله تعالى الشامل , وقدرته التامة من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ مقتضي ربوبيته للعالمين وخلقة لهم أن يكون عالمًا بهم وبأحوالهم, وأن يكون ذا قدرة تامة نافذة فيهم, كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١). ١٣ - إثبات أنه تعالى الأول بلا بداية لأن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معناه أنه خالقهم وموجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئًا كما قال- تعالى-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (٢) أي قد أتي على الإنسان. وهذا يدل على أنه تعالى هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ﴾ (٣). ١٤ - أن الأحق بالاستعانة والمسألة هو اسم «الرب» لأن من معانيه المربي الخالق المالك الرازق المدبر الناصر الهادي. ولهذا كان جل دعاء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بهذا الاسم (٤). كما قال الأبوان ﵉: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥).

стр. 305

وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١). وقال الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٢). وقال موسي ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). وقال عيسي ﵇: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ علينَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤). وقال تعالى لنبينا محمد ﷺ : ﴿قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٥). وقال نبينا محمد ﷺ : «اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فأغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٦). وذكر الله عن المؤمنين قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا

стр. 306

وَلَا تَحْمِلْ علينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١). وقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ (٢). ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣). ١٥ - في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلي تساوي الخلق في الربوبية العامة التي بمعني الخلق والملك والتدبير . وهذا يدل على أن البشر تجمعهم الربوبية فربهم واحد كما أن أباهم واحد, لا فخر لجنس على جنس إلا بالتقوى (٤). وفي هذا رد على من يفتخر بحسبه ونسبه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أذهب عنكم عبيَّة (٦) الجاهلية وفخرها بالآباء, مؤمن,

стр. 307

تقي, وفاجر شقي, أنتم بنو آدم, وآدم من تراب, ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم, أو ليكون أهون على الله من الجعلان, التي تدفع بأنفها النتن» (١). ١٦ - في إثبات حمده وروبيته للعالمين وتوحيد رد على من قال بقدم العالم فإن في إثبات حمده ما يقتضي ثبوت أفعاله الاختيارية , والفعل متأخر عن فاعله وفي إثبات ربوبيته للعالمين ما يقتضي أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة, وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن, وفي إثبات توحيده ما يقتضي عدم مشاركه شيء من العالم له في خصائص الربوبية, والقدرة من خصائص الربوبية, فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة, كما ينفي الربوبية والإلهية لغيره (٢). ١٧ - في إثبات رحمته -تعالى- ورحمانيته رد على الجبرية في أن الله يعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه , ولا هو من فعله, بل يكلفه ما لا يطيق ثم يعاقبه عليه. وهذا باطل فإن في ثبوت رحمته ورحمانيته ما يقتضي أنه تعالى- لا يكلف العبد ما لا قدرة له عليه, ولا يعاقبه بما ليس من فعله, وما لا قدرة له عليه (٣) , بل إنه تعالى- برحمته يعفو حتى عن بعض ما فعله العبد, كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ

стр. 308

مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١). ١٨ - إثبات يوم القيامة , والرد على من أنكر البعث والمعاد الجسماني والتأكيد على أنه محقق الوقوع, ولهذا جعله كالموجود القائم في الحال فقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وخصه بالذكر مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة معا لانقطاع أملاك الخلائق كلها في ذلك اليوم, ولعظم ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (٢). ١٩ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الدلالة على أن الملك الحقيقي لله جل وعلا يظهر في ذلك اليوم إذ تنقطع جميع الأملاك سوى ملكه جل وعلا, وأن كل ملك دون ذلك الملك فهو حقير زائل, وأن الدنيا بما فيها من أملاك لا تساوى شيئا بالنسبة للآخرة, وأنها بما فيها من أيام لا تعد شيئا بالنسبة ليوم الدين يوم القيامة, كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤) , وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ (٥). ٢٠ - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل , لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ والدين معناه الجزاء بالعدل:

стр. 309

أي كما تدين تدان، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨﴾ (١). ٢١ - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها ، لأن المجازاة عليها تقتضي ذلك، إذ كيف يدان عليها ويجازى إلا بعد إحصائها، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣). ٢٢ - الحث على الاستعداد ليوم الدين بالإيمان والعمل الصالح، والتحذير من الكفر والمعاصي. ٢٣ - في تقديم قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ على قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إشارة إلى أن رحمته تعالى سبقت غضبه ، كما جاء في الحديث «إن رحمتي سبقت غضبي» (٤) يؤيد ذلك تكرار ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في البسملة والفاتحة. وهذا مما يبعث في قلب المؤمن الطمأنينة، فيلهج بالحمد والثناء لربه الرحمن الرحيم. وعلى هذا فينبغي للعلماء وطلبة العلم إلى الله أن يقدموا

стр. 310

للناس الترغيب برحمة الله والتبشير بها قبل الترهيب من عقوبته، بل ينبغى ان يعطى الكلام عن ﵀ أكثر لأن رحمته تعالى سبقت غضبه، لكن لاينسى الترهيب من عقوبته، ولكل مقام مقال. ٢٤ - الجميع بين الترغيب والترهيب (١) يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وهذا ترهيب كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (٥٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (٤). وعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لو يعلم الؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (٥). والغرض من الترغيب والترهيب في القرآن والسنة المسلم إلى ربه بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء، فلا يغلب جانب أحدهما على الآخر فيهلك.

стр. 311

٢٥ - في قول ﴿إِيَّاكَ﴾ رد على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله ، لأن هذا خطاب لموجود حاضر (١) ... بعلمه وإحاطته مع كل مخلوقات كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). وهو مع عباده المتقين بعونه ونصره وتأييد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣). ٢٦ - في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد الآيات قبله انتقال من الغيبة إلى الخطاب لأجل تنبيه القارئ والمستمع وهذا يدل على أنه يحسن الانتقال في الكلام أحيانا والالتفاف فيه لأجل تنبيه القارئ والمستمع كما أنه أبعث على النشاط وأدعى للإصغاء. ٢٧ - دل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على إثبات نوع من أنواع العبودية وهى العبودية الخاصة وهى عبودية والمحبة، وإتباع الأوامر (٤)،كما قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٦).

стр. 312

وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ (٢). وقال تعالى عن إبليس: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣). فهؤلاء أهل طاعته تعالى وولايته، وهم عبيد إلهيته الذين خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا لأمره ونهيه، ولا يجئ في القرآن إضافة العباد إليه-تعالى - مطلقا إلا لهؤلاء وهم ومن عداهم من الخلق يجتمعون في العبودية العامة: عبودية الربوبية: الخلق والملك والتدبير والقهر والخضوع له قهراَ ورغماَ فهذه تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى: ... ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٥) فسماهم عباده مع ضلالهم تسمية مقيدة بالإشارة. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٧).

стр. 313

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (١). وقد ذكر ابن القيم (٢) ﵀: مراتب (إياك نعبد) علماَ وعملاَ فقال «فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينه. فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته وأفعاله وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه. والثانية دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلم بملائكته ورسله. وأما مراتبها العملية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين. فأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات وأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات، وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره. وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح مساوي الطرفين، بل كل أعمالهم

стр. 314

راجحة، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلاَ عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله. كما ذكر أبن القيم ﵀ (١) -أن لأهل مقام (إياك نعبد) وهم أهل هذه العبودية الخاصة - في أفضل العبادة وأنفعها طرقا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أعظمها مشقة على النفوس، قالوا: والأجر على قدر المشقة. والصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. والصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما فيه نفع متعد كخدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس. والصنف الرابع: قالوا أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن والأفضل في وقت حضور الضيف القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.

стр. 315

ثم ذكر ﵀ (١) اختلاف الناس في حكمة العبادة وفائدتها وأنهم في ذلك أربعة أصناف أيضا الصنف الأول نفاه الحكم والتعليل الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإدارة، والصنف الثاني القدرية النفاة الذين يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل لكنه لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته فعندهم أن العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العبد من الثواب العظيم كأجرة الأجير. والصنف الثالث زعموا أن حكمة العبادة ومصلحتها رياضة النفوس من الصوفية والفلاسفة، والصنف الرابع الطائفة الإبراهيمية المحمدية العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه وأهل البصائر في عبادته ومراده بها. ٢٨ - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقاداً وقولًا وعملًا ، والبراءة من الشرك ووسائله، ومن الحول والقوة - لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففي تقديم المفعول في الموضعين وفى تكراره، مع: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما يؤكد تخصيصه جل وعلا بالعبادة والاستعانة والدعوة إلى عبادة الله، وتخصيصه بجميع أنواع العبادة من الاستعانة وغيرها. وهى أساس دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال نوح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ ... إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) وكذلك قال هود (٣)

стр. 316

وصالح (١) وشعيب (٢) وإبراهيم (٣) ﵈. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٦). وقد قرن الله بين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تحقق الألوهية وإبطالًا للشرك فيها، وفي قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تحقيق الربوبية، وإبطالًا للشرك فيها، قال شيخ الإسلام ابن تميمة (٧): «وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه، وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن

стр. 317

نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ....» ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا. ٢٩ - دل قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢). أي حتى الموت، ولهذا قال الله تعالى عن أهل النار إنهم يقولون: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٣). أي الموت وهذا بإجماع المفسرين المعتبرين. وفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون ﵁:أن النبي ﷺ قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (٤):أي الموت وما فيه. وفي هذا الرد على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد

стр. 318

منهم قد يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد والتكليف. ويفسرون اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يسأل عما يفعل. قال ابن القيم (١).﵀» فلا ينفعك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان: "من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله ﷺ ويلتمسان من الجواب". وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون، لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب أنقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، بل وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكبر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم, والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته». ٣٠ - حاجة جميع الخلق إلى عون الله -تعالى - وإمداده وافتقار

стр. 319

جميع الخلق إليه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكما جاء في الدعاء «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (١). فالعبد دائمًا وأبدًا في حاجة إلى عون الله - تعالى وإمداده، وكما قيل: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده ٣١ - تقديم حقه تعالى حق العبد ، وتقديم العام على الخاص، والغاية على الوسيلة، والأهم على المهم لقولة تعالى، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ٣٢ - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد أتبع قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لئلا يتعاظم المرء في نفسه وبداخله العجب بعبادته، وليعلم أن ما حصل له من التذلل لربه والخضوع له إنما هو بعون الله وتوفيقه. ٣٣ - دل قوله -تعالى-: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على إثبات القدر ، وأن الله فاعل حقيقة وإبطال قول القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. فإن استعانتهم به إنما تكون على شيء هو بيده،.وتحت قدرته ومشيئته، فلو كان بيدهم الفعل فكيف يستعينون على إيجاده بمن ليس ذلك الفعل بيده (٢).

стр. 320

٣٤ - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد) ... (ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم ، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، والله هو المعبود مجبور على أفعاله (١).قال بعض السلف من أقر بـ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر (٢). ٣٥ - في تقديم قوله -تعالى- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ دلالة على أن من آداب الدعاء والسؤال أن يقدم السائل بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة من الحمد الله الثناء عليه وتمجيده، وإعلان إخلاص العبادة له، والاستعانة به، والبراءة من الشرك ومن الحول والقوة، ثم يسأل حاجته الدينية أو الدنيوية (٣). ومثل ذلك أن يقدم بين يدي سؤاله الاعتراف بالخطأ والذنب كما قال الأبوان ﴿رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ
следующие страницы →