← Тафсир

Тафсир · id 14533

اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب

سليمان اللاحم

Полный текст (441 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وصالح (١) وشعيب (٢) وإبراهيم (٣) ﵈. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٦). وقد قرن الله بين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تحقق الألوهية وإبطالًا للشرك فيها، وفي قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تحقيق الربوبية، وإبطالًا للشرك فيها، قال شيخ الإسلام ابن تميمة (٧): «وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه، وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن

стр. 317

نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ....» ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا. ٢٩ - دل قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢). أي حتى الموت، ولهذا قال الله تعالى عن أهل النار إنهم يقولون: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٣). أي الموت وهذا بإجماع المفسرين المعتبرين. وفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون ﵁:أن النبي ﷺ قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (٤):أي الموت وما فيه. وفي هذا الرد على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد

стр. 318

منهم قد يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد والتكليف. ويفسرون اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يسأل عما يفعل. قال ابن القيم (١).﵀» فلا ينفعك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان: "من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله ﷺ ويلتمسان من الجواب". وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون، لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب أنقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، بل وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكبر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله ﷺ بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم, والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته». ٣٠ - حاجة جميع الخلق إلى عون الله -تعالى - وإمداده وافتقار

стр. 319

جميع الخلق إليه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكما جاء في الدعاء «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (١). فالعبد دائمًا وأبدًا في حاجة إلى عون الله - تعالى وإمداده، وكما قيل: إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده ٣١ - تقديم حقه تعالى حق العبد ، وتقديم العام على الخاص، والغاية على الوسيلة، والأهم على المهم لقولة تعالى، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ٣٢ - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد أتبع قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لئلا يتعاظم المرء في نفسه وبداخله العجب بعبادته، وليعلم أن ما حصل له من التذلل لربه والخضوع له إنما هو بعون الله وتوفيقه. ٣٣ - دل قوله -تعالى-: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على إثبات القدر ، وأن الله فاعل حقيقة وإبطال قول القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. فإن استعانتهم به إنما تكون على شيء هو بيده،.وتحت قدرته ومشيئته، فلو كان بيدهم الفعل فكيف يستعينون على إيجاده بمن ليس ذلك الفعل بيده (٢).

стр. 320

٣٤ - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد) ... (ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم ، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، والله هو المعبود مجبور على أفعاله (١).قال بعض السلف من أقر بـ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر (٢). ٣٥ - في تقديم قوله -تعالى- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ دلالة على أن من آداب الدعاء والسؤال أن يقدم السائل بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة من الحمد الله الثناء عليه وتمجيده، وإعلان إخلاص العبادة له، والاستعانة به، والبراءة من الشرك ومن الحول والقوة، ثم يسأل حاجته الدينية أو الدنيوية (٣). ومثل ذلك أن يقدم بين يدي سؤاله الاعتراف بالخطأ والذنب كما قال الأبوان ﴿رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ

стр. 321

الْخَاسِرِينَ﴾ (١). وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢). وقال ذو النون: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) ومثل ذلك، لأن السائل شدة حاجته كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤). ويتفرع عن هذه الفائدة أنه يقدم بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة كالثناء عليه والدعاء له وذكر السائل شدة حاجته قال الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء (٥) قال ابن القيم (٦) ولما كان سؤال الله الهداية إلى صراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان إلى مطالبهم. وتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان، ولا يكاد يرد

стр. 322

معهما الدعاء، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم. أحدهما: حديث بريدة قال: «سمع النبي ﷺ رجلا يدعو ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال «والذي نفسي بيده، لقد سأل باسمه العظم، الذي دعي به أجاب وإذا سئل أعطى» (١). والثاني: حديث أنس أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو: ... «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم» (٢). ففي هذين الحديثين توسل إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته. قال ابن القيم (٣): «وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما: التوسل

стр. 323

بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده. ثم جاء سؤال أهم المطالب، وأنجح الرغائب - وهو الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة» ٣٦ - وجوب دعاء الله والتضرع إليه وسؤاله الهداية ، التي هي أجل المطالب لقوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ أي: اهدنا إليه وفيه، وذلك بالتوفيق إلى سلوك طريق الإيمان دون سواه وإلى فعل التفاصيل الدينية بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالعبد في كل لحظة وعند أي عمل في حاجة أن يوفقه الله وعونه وتوفيقه للعبد لانقطعت به الأسباب، وضل عن جادة الصواب فحاجة العبد إلى سؤال الله هذه الهداية ضرورية لسعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة أشد من حاجته إلى الرزق والطعام والشراب وغير ذلك (١). ٣٧ - في قوله تعالى ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ رد على القدرية المجوسية القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، ولو كان يخلق فعل نفسه ما كان في حاجة إلى أن يسأل الهداية (٢). ٣٨ - إن الهدى الحقيقي الصحيح هو ما جاء عن الله -تعالى - لقول ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ فمن التمس من غير الله فهو

стр. 324

على ضلال كمن يحتكم إلى القوانين الوضعية التي وضعها البشر، وصدق الله العظيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١). ٣٩ - مشروعية دعاء المسلم لإخوانه المسلمين حين يدعو لنفسه يؤخذ هذا التعبير بضمير الجمع في قوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ (٢). وفي هذا وفي قوله قبله ﴿نَعْبُدُ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى فضل الجماعة (٣) كما أن في الآيتان بضمير الجمع فيهما تعظيمًا لله تعالى وثناء عليه بسعة مجده وكثرة سائليه (٤). ٤٠ - ربط الأعمال ونجاحها بأسبابها ، وربط الأسباب بمسبباتها يؤخذ هذا من قوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾. فبهداية الله للعبد وتوفيقه له يسلك الطريق المستقيم فيعرف الحق ويعمل به. ٤١ - أن صراط الله والطريق الموصل إليه عدل مستقيم لا اعوجاج فيه وهو الإيمان بالله -تعالى- ومعرفة الحق والعمل به والعلم النافع والعمل الصالح، وهو المؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، بخلاف طرق الباطل فهي ملتوية معوجة وتؤول بصاحبها إلى الشقاء والهلاك في الدنيا والآخرة. ٤٢ - يؤخذ من قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ بعد قوله في أول السورة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

стр. 325

الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إن من كانت هذه صفته لم يكن أحد أحق منه بالعبادة والاستعانة وطلب الهداية. ٤٣ - إن الصراط المستقيم الذي يسأل العبد ربه الهداية إليه هو صراط الذين أنعم عليهم بطاعته وتعالى ، وطاعة رسوله ﷺ فأنعِم به من طريق، وأكرم بها من نعمة. وقال تعالى في سورة النساء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (١) وقد أضاف الصراط إلى الاسم الموصول في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ليعم السؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم بجميع تفاصيله (٢). ٤٤ - أن الهداية للطريق المستقيم بالإيمان بالله والعمل الصالح هي أعظم نعمة على العبد ولا تنال إلا بإنعام الله وتوفيقه للعبد، وقال تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.وقال تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (٣).فمن وفق ورزق هذه النعمة، وهي نعمة الإيمان بالله فهو الموفق، وإن فاته ما دونها من النعم، ومن حرمها ولم يوفق لها فذا هو الخاسر المغبون وإن حصل له شيء مما دونها من النعم،

стр. 326

بل إن التوفيق لهذه النعمة سبب للتوفيق لما دونها من النعم، وإن حرمانها سبب وعلامة على حرمان ما دونها من النعم. وهذه هي النعمة المطلقة التي بها سعادة المرء في الدنيا والآخرة، وهي التي تخص الله بها أولياءه أما مطلق النعمة فهو عام لهم ولغيرهم. قال ابن القيم (١) ﵀: «وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فكل الخلق في نعمة، فهذا فصل النزاع، في مسألة هل لله على الكافر نعمة أم لا؟. فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٢). والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون». ٤٥ - في قوله تعالى «مبنيًا للفاعل الاستعطاف بنسبة النعم إلى الله والاعتراف بنعمه السابقة على العباد فكأنه يقول أسألك يا رب الهداية يا سابق الإنعام والفضل والإحسان، كما في الدعاء

стр. 327

«اللهم اهدني فيمن هديت» (١). ٤٦ - التنويه بعلو شأن المنعم عليهم وفضلهم ورفعة قدرهم ، وعلو درجاتهم يؤخذ هذا من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ٤٧ - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم ببيان الرفقة فيه وسالكيه وأنعم بهم من رفقة. قال ابن القيم (٢): ولما كان طالب الصراط المستقيم أمر أكثر الناس ناكبون عنه مريدًا لسلوك طريقٍ مرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم ليزول عن الطالب للهداية، وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه وليعلم أن رفيقة في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف «عليك بطريق الحق

стр. 328

ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين" وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم، وغض الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وصاحوا بك في طريق سيرك فلا تلفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك. وقد ضربت لذلك مثلين، فليكونا منك على بال: المثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلامًا يؤذيه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته. فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز (١)، بقدر التفاته أو أكثر فإن أعرض عنه، واشتغل بما هو بصدده وخاف فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منه ما شاء. المثل الثاني: الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه. فيدركه الكلب، فيأخذه. والقصد أن في ذكر هذا الرفيق: ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت

стр. 329

«اللهم اهدني فيمن هديت» (١) أي أدخلني في هذه الزمرة واجعلني رفيقا لهم ومعهم ..». ٤٨ - أن الطريق الحق واحد ولهذا ذكر بالإفراد وعُرّف الموضوعين الأول، والثاني بالإضافة. قال تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الطريق المعهود المعروف بخلاف طرق الباطل فهي كثيرة متشبعة ولهذا ذكرها بالجمع بينما أفرد طريق الحق في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) قال ابن القيم (٣): ... «وذكر الصراط المستقيم مفردًا معرفًا تعريفين، تعريفًا باللام وتعريفًا بالإضافة، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا وقال: هذه سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن

стр. 330

يساره وقال سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١). ٤٩ - أن الصراط تارة يضاف إلى سالكيه ، كما في قوله - تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وتارة يضاف إلى الله - تعالى - الذي نصبه وشرعه ووضعه لعباده كما في قوله- تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (٤). ٥٠ - وجوب الاعتراف بالنعمة لموليها ومسديها لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فالنعم الحق بجميع النعم هو الله -جل وعلا - كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (٦). ٥١ - في إثبات حمده بصفات الكمال وإثبات ربوبيته وملكه ، وكونه مستعانًا به مسئولًا أن يهدي عباده الصراط المستقيم، وكونه

стр. 331

منعمًا في ذلك كله دلالة على أنه تعالى فاعل مختار بقدرته ومشيئته، ورد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة -تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا (١). ٥٢ - استدل الشنقيطي ﵀ (٢) - بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ على صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ قال «لأنه داخل في الذين أمرنا الله في هذه السورة بأن نسأل أن يهدينا صراطهم. قال: فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وقد بين الرسول ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَائِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). قال فهو ﵁ على الصراط المستقيم، وإمامته حق». ٥٣ - إثبات كمال الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى بعد أن ذكر هذا الصراط ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ أي غير صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين. لأن الصفات السلبية يؤتى بها لثبات كمال ضدها كقوله تعالى:

стр. 332

﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) لإثبات كمال قيوميته وكقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٢) ونحو ذلك. ٥٤ - ينبغي للعبد بعد أن يسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم فحققوا التوحيد وأن يسأله أيضًا أن يجنبه صراط المغضوب عليهم ممن عرفوا الحق ولم يعملوا به من اليهود وغيرهم لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهذا هو أفضل دعاء دعا به ربه وأوجبه وأنفعه (٣). ٥٥ - إثبات صفة الغضب - لله - كما يليق بجلاله وعظمته وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة لكن لا يشتق منها اسم على الإطلاق فلا يقال: الغضبان - أو الغاضب قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وقال تعالى ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٤).

стр. 333

٥٦ - ينبغي للعبد أن يسلك من الطرق أحسنها وأصلحها وأقومها ، وأن يختار لنفسه القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، بسلوك طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يحذر من طرق الكفر والبغي والضلال، التي هي مسالك اليهود والنصارى وغيرهم. ٥٧ - أن من أخص صفات اليهود الغضب ، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (١). وأن من أخص أوصاف النصارى الضلال، لأنهم عبدوا الله على جهل وضلال كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٢) ولهذا وصف الله في سورة الفاتحة كلًا من اليهود والنصارى بأخص أوصافهم فقال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يعني النصارى. وإلا فكل من الطائفتين مغضوب عليه وضال. ٥٨ - أن كل من سلك مسلك أحد الطائفتين شمله وصف تلك الطائفة كما قال سفيان: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى». وفي الحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣).

стр. 334

فيجب الحذر من التشبه بهم، إذ ليس بين الله وبين أحد من الخلق نسب بل إن الآية توجب سؤال الله السلامة من جميع مسالك الكفر والضلال والحذر من ذلك. ٥٩ - دل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وما بعده على أن الناس ينقسمون بحسب معرفة الحق والعمل به إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والعمل به إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والعمل به، وقسمان مخذولان، أحدهما: من عرفوا الحق وتركوه كفرًا وعنادًا، وهم اليهود، ومن سلك مسلكهم، ولهذا استحقوا غضب الله تعالى. والقسم الثاني: من ضلوا عن الحق وجهلوه من النصارى، ومن سلك مسلكهم، ولهذا وصفهم الله بالضلال (١). ٦٠ - في إسناد النعمة إلى الله تعالى ، وإضافتها إليه في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى تفرده بالإنعام، وتكريم المنعم عليه. وفي حذف فاعل الغضب في قوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ إشارة إلى أن الغضب عليهم لا يختص به تعالى- بل ملائكته وأنبياؤه ورسله يغضبون لغضبه، كما أن في ذلك إشعارًا بإهانة المغضوب عليهم وتحقيرهم. كما أن في إسناد النعمة إلى الله تعالى، وحذف فاعل الغضب وإسناد الضلال إلى من قام به في قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تعليم لحسن الأدب مع الله بإسناد الخير والنعم إليه، وحذف الفاعل فيما

стр. 335

يقابل ذلك أو إسناده إلى من قام به كما قال ﷺ «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» (١). أي أن الشر في مفعولات الله، لا في فعله، فإن فعله كله خير وحكمة، وكما قال إبراهيم الخليل-﵇ فيما حكى الله عنه: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٢). ٦١ - بلوغ القرآن غاية الإيجاز مع الفصاحة والبيان . فإن الله وصف كلًا من الطوائف الثلاث بوصف يستلزم الجزاء وسببه بأوجز لفظ في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال ابن القيم (٣): «وتأمل سرًا بديعًا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره، فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح، وهي الهدى ودين الحق، ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء فهذا تمام النعمة، ولفظ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يتضمن الأمرين. وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضًا أمرين الجزاء

стр. 336

بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال. فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم، وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم، وعقابه لهم، فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه». ٦٢ - الترغيب في سلوك سبيل المنعم عليهم والمؤمنين والترهيب من سلوك طريق المغضوب عليهم والضالين يؤخذ هذا من المقابلة بين الهداية والنعمة والغضب والضلال (١). ٦٣ - دلت السورة على إثبات النبوات ووجوب الإيمان بالكتب والرسل ، والرد على منكري النبوات. وذلك في مواضع كثيرة منها، ما يلي: أولًا: من قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إذ لا سبيل إلى معرفة حمده، ووصفه بصفاته إلا عن طريق كتبه ورسله، كما أن في إثبات حمده التام ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق الخلق عبثًا، ولا يتركهم سدًا، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولهذا نزه - تعالى نفسه عن هذا في مواضع من كتابه، وبين أن من أنكر الرسالة والنبوة فإنه ما قدره حق قدره قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ... ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ

стр. 337

إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (١). قال ابن القيم (٢) -رحمه الله تعالى-: «فمن أعطى الحمد حقه علمًا ومعرفة وبصيرة استنبط منه: «أشهد أن محمدًا رسول الله» كما يستنبط منه «أشهد أن لا إله إلا الله» وعلم قطعًا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل الصفات، وكإثبات الشركاء والأنداد». ثانيًا: من قوله - تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ ومعناه: المألوه المعبود، ولا سبيل إلى معرفة كيفية عبادته، وما يعبد به إلا من طريق الرسل والنبوات. ثالثًا: من قوله - تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ الرب يتعهد مربوبه بالتربية والإصلاح، ومقتضى ذلك إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لدعوة الناس إلى الخير، وتحذيرهم من الشر في دينهم ودنياهم. وقال ابن القيم (٣): «فلا يليق به أن يترك عباده سدًا هملًا، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يضرهم فيهما، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب - تعالى- إلى ما لا يليق به، وما قدره حق قدره، من نسبه إليه». رابعًا: من قوله - تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن مقتضى

стр. 338

رحمته ألا يترك العباد بلا رسل تبلغهم وحي الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١). قال ابن القيم (٢): «فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه علم إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك». خامسًا: من قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإن من تمام ملكه أن يكون له رسل وكتب يبثها في أقطار مملكته لتبليغ أوامره ونواهيه. سادسًا: من قوله - تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إذ كيف يحاسب ويجازي الخلق إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل، كما قال - تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣). قال ابن القيم (٤): «فإنه اليوم الذين يدين الله العباد فيه بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات، وما كان الله

стр. 339

ليعذب أحدًا قبل إقامة الحجة عليه. والحجة إنما قامت برسله وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب، وبهم قام سوق يوم الدين، وسبق الأبرار إلى النعيم، والفجار إلى الجحيم». سابعًا: من قوله -تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأن الله لم يتعبد خلقه بالجهل، ولا طريق لمعرفة كيفية عبادته وبماذا يعبد إلا بواسطة الرسل والكتب. ثامنًا: من قوله - تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإن من أقسام الهداية هداية البيان والدلالة والإرشاد، ولا يكون ذلك إلا من طريق الرسل والكتب المنزلة عليهم من عند الله -تعالى. ولا يمكن معرفة الطريق المستقيم الموصل إلى الله، والمؤدي إلى السعادة في الدارين إلا من طريق الرسل والكتب. تاسعًا: من قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم النبيون ومن ذكر الله معهم في قوله -تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١)، فإن معرفة المنعم عليهم ومعرفة طريقهم، ومعرفة النعمة التي من أجلها استحقوا أن يذكروا بها على سبيل التشريف والتعظيم. كل ذلك لا يمكن معرفته إلا من طريق الرسل والكتب. عاشرًا: من قوله - تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا

стр. 340

الضَّالِّينَ﴾ إذ لا يمكن معرفة طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين ليجتنبهما العبد إلا من طريق الرسل والكتب. الحادي عشر: من قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأن انقسام الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة إنما حصل بسبب إرسال الرسل، فمن عرف الحق الذي جاؤوا به واتبعه فهو من أهل النعمة، ومن عرفه وعانده فهو من أهل الغضب، ومن جهل الحق فهو من أهل الضلال. ويتفرع عن هذا أنه إذا كانت السورة متضمنة إثبات الرسالات والنبوات اقتضى ذلك إثبات صفة التكلم والتكليم له جل وعلا. قال ابن القيم (١): «فإن حقيقة الرسالة تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثم كلام فماذا يبلغ الرسول؟ بل كيف يعقل كونه رسولًا. ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلمًا أو أن يكون القرآن كلامه، فقد أنكر رسالة محمد ﷺ ، بل ورسالة جميع الرسل التي حقيقتها تبليغ كلام الله ﵎». ٦٤ - تضمنت السورة الدلالة على سعة علم الله وخبرته وتعلق علمه بالجزئيات ، والرد على من أنكر ذلك من وجوه لأن كونه محمودًا موصوفًا بصفات الكمال يقتضي أن يعلم أحوال العالم وتفاصيل جزئياته، وكونه إلهًا معبودًا يقتضي أن يعلم من يعبده ممن يعبد سواه، وكونه ربًا للعالمين يقتضي أن يكون عالمًا بتفاصيل

стр. 341

مخلوقاته مدبرًا لها، وكونه رحمانًا رحيمًا يقتضي أن يعلم أحوال المرحومين، وكونه مالكًا ليوم الدين يقتضي أن يعرف أحوال مملكته ورعيته ليجازي كلًا بعمله، كما أن كونه مستعانًا به ومسؤولًا الهداية وهاديًا ومنعمًا على من أطاعه ويغضب على من عصاه، كل ذلك يدل على تعلق علمه بالجزئيات وشموله لها (١). ٦٥ - اشتمل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وما بعده إلى آخر السورة على الرد على جميع طوائف الكفر والضلال ، وذلك على سبيل الإجمال لأن الحق في معرفة ما جاء به المصطفى ﷺ والسير على نهجه، وما عداه من المسالك والسبل الملتوية والمعوجة مردودة باطلة. وقد عقد ابن القيم (٢) ﵀، فصلًا في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة. قال: وهذا يعلم بطريقين مجمل ومفصل. وبعد أن ذكر ﵀ ما فيها من رد على جميع المبطلين بطريق الإجمال بيّن اشتمالها على الرد على جميع المبطلين بطريق التفصيل، فذكر الرد منها على الملاحدة وإبطال قولهم وبيان ضلالهم، والرد على المجوس والقدرية وعلى الجهمية وأهل الإشراك في ربوبيته وإلهيته

стр. 342

وعلى الجهمية معطلة الصفات، وعلى الجبرية، وعلى القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة وإثبات أن الله فاعل مختار والرد على منكري تعلق علمه بالجزئيات، ومنكري النبوات وإثبات صفة التكلم لله ، والرد على من قال بقدم العالم، وكل هذا سبقت الإشارة إليه. وختم ابن القيم هذا الفصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة. قال: «وذلك من قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها. قال: ووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: «منعم عليهم» وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه. «ومغضوب عليهم» وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه، و «ضالون» وهم الذين جهلوه فأخطأوه. فكل من كان أعرف للحق، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم - جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض. ثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما. فرأينا أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الكفر وقبلوها بلاد إسلام، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى، فآثارهم تدل على أنهم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان، فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على الإسلام وأهله من بليه ... ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم، وهو

стр. 343

كما فسروه، فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم ... وأشد الأمة مخالفة له الرافضة ... فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريق أهل الغضب والضلال طريق الرافضة. وبهذه الطريقة - بعينها - يرد على الخوارج فإن معاداتهم الصحابة معروفة». ٦٦ - تضمنت السورة شفاء القلوب، كما تضمنت شفاء الأبدان ، قال ابن القيم (١): «فأما اشتمالها على شفاء القلوب فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد. ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب فالضلال نتيجة فساد العلم والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها. فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه. والتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفة وعملا وحالا يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد ... إلي أن قال: ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء والكبر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:

стр. 344

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء». فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى». ثم ذكر الدليل من السنة على شفائها للأبدان، وهو حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ. وقد سبق ذكره في أسماء الفاتحة، كما استشهد بقواعد الطب وما دلت عليه التجربة. ***

стр. 345

الفصل الثاني الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة. المبحث الثاني: وفيه مسائل: أ- من لم يستطع قراءة الفاتحة في الصلاة. ب- قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. ج- قول: «آمين» بعد قراءة الفاتحة. هـ - قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة.

стр. 346

المبحث الأول حكم قراءة الفاتحة في الصلاة أولًا: حكم قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد: جمهور أهل العلم على وجوب قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد، وأنه لا تصح صلاتهما بدونها (١). منهم مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد في المشهور، بل الصحيح عنه (٤)، وإسحاق (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، والأوزاعي (٧)، وأبو ثور (٨)، وداود (٩)، وغيرهم.

стр. 347

مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١)، وبحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته وفيه: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، وقوله بعد ذلك «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢) وهذا صريح في القراءة في كل ركعة، والفاتحة أيسر القرآن. كما استدلوا بحديث عبادة في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وحديث أبي هريرة عند مسلم: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، وغيرهما من الأحاديث (٣). كما استدلوا - أيضا - بمداومة الرسول ﷺ وخلفائه على قراءتها، كما في حديث أنس وعائشة ﵄ (٤) - وبما ثبت من النقل عن عامة السلف من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المداومة على قراءتها، بل ومن القول بوجوبها، وأنه لا تصح الصلاة بدونها (٥). واختلفوا هل تجب قراءتها في كل ركعة؟ وهذا قول أكثرهم،

стр. 348

وقيل: يكفي قراءتها في أكثر الركعات، وبهذا قال مالك، وقيل: يكفي قراءتها في ركعتين، وقيل: تكفي قراءتها في ركعة واحدة من الصلاة والصحيح الأول. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تتعين قراءة الفاتحة، وأن الغرض أو الواجب: هو قراءة أقل ما تيسر من القرآن. وروي هذا عن الحسن (١) والأوزاعي والثوري (٢)، وقال به أبو حنيفة، وأصحابه. قال أبو حنيفة: أقل ما تيسر مقدار آية. وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة (٣)، وروي عن الإمام أحمد مثل قول أبي حنيفة (٤). واستدل من ذهب إلى هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٥) وقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن» متف عليه (٦).

стр. 349

وحملوا حديث عبادة «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وما في معناه على أن المعنى لا صلاة كاملة: أي على نفي الكمال لا على نفي الجواز (١). والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بأنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، وأن الصلاة لا تصح بدونها. للأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على ذلك. والتي فيها تفسير لقوله تعالى: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ ولقوله ﷺ «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» إذ لا أيسر من قراءة الفاتحة (٢) ولهذا حمله مسلم وغيره على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وبوب له بهذا. كما تقدم في تخريجه - وأيضًا - قد يحمل «ما تيسر» في الآية والحديث على ما زاد على الفاتحة (٣)، كما قال أبو سعيد الخدري ﵁ «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٤). ولم أر ما يدعو لذكر الأدلة كلها على وجوب قراءة الفاتحة، وأنها ركن لا تصح الصلاة بدونها وتفصيل القول فيها، خاصة في حق الإمام والمنفرد، نظرًا لضعف الخلاف في هذه المسألة، فليس مع المخالف من الأدلة ما يستلزم بسط القول في ذكر أدلة الوجوب التي لا تحصى كثرة من السنة الصريحة الصحيحة، والآثار الثابتة الصحيحة عن سلف

стр. 350

هذه الأمة من الصحابة والتابعين. ونظرًا لأن هذه الأدلة سيأتي ذكرها ضمن أدلة القول الأول والثاني في المسألة التالية وهي حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم. لأن دلالة هذه الأدلة على وجوب قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد أولى من دلالتها على وجوب قراءة الفاتحة في حق المأموم. ثانيًا: حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم: اختلف أهل العلم ﵏ قديمًا وحديثًا في هذه المسألة لسببين هما:- أ- السبب الأول: ظاهر النصوص الواردة في هذه المسألة، فبعضها يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة، وبعضها يوجب الإنصات لقراءة القرآن. الأمر الذي جعل أهل العلم تختلف أقوالهم في توجيه هذه الأدلة، والتوفيق بينها. ب- السبب الثاني: كثرة المروي عن الصحابة والتابعين في هذه المسألة، واختلاف النقل عنهم فيها: فمنهم من روي عنه جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا، ومنهم من روي عنه جواز القراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية، ومنهم من روي عنه المنع من القراءة خلف الإمام مطلقًا. بل منهم من روي عنه أكثر من قول في هذه المسألة. وبناء على هذا كثر الاختلاف في هذه المسألة إلى يومنا هذا. وقد ألف فيها كثير من أهل العلم، وبسطوا القول فيها، منهم من أفردها بالتأليف، كالإمام البخاري في كتابه «خير الكلام في القراءة خلف الإمام»، والبيهقي في كتابه «القراءة خلف الإمام»، واللكنوي من علماء

стр. 351

الحنفية في العصر الحاضر في كتابه «إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام». وقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام». وقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام». ومنهم من بسط القول فيها ضمن مؤلف، ولم يفردها بالتأليف، كابن المنذر في «الأوسط»، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»، وابن عبد البر في «التمهيد» و «الاستذكار» والحازمي في «الاعتبار»، من أحسن ما كتب فيها ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «مجموع الفتاوى». وقد أفرد بعضهم جواب شيخ الإسلام عن هذه المسألة فطبعه برسالة مستقلة، وهي نفس ما في الفتاوى. وممن بحث في هذه المسألة من المعاصرين الشيخ عبد المحسن بن محمد المنيف في كتابه «أحكام الإمامة والائتمام ي الصلاة». ويمكن إجمال الخلاف في هذه المسألة وأدلتها في أقوال ثلاثة هي:- القول الأول: أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقا في الصلاة السرية والجهرية. وهذا القول مروي عن جمع من الصحابة والتابعين، مع اختلاف في النقل عن أكثرهم. وكذا احتمال النقل عن بعضهم أن يكون مرادا به هذا القول وهو القراءة خلف الإمام مطلقًا، أو القول الذي بعده وهو القراءة في السرية فقط. فممن روي عنه هذا القول: عمر بن الخطاب

стр. 352

- ﵁ (١)، وعبادة بن

стр. 353

الصامت (١)

стр. 354

وأبو هريرة (١)، وعبد الله بن عباس (٢)،وعبد الله ابن

стр. 355

عمرو (١)، ومعاذ بن جبل (٢)،وأبي ابن
следующие страницы →