الحنفية في العصر الحاضر في كتابه «إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام».
وقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام».
وقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام».
ومنهم من بسط القول فيها ضمن مؤلف، ولم يفردها بالتأليف، كابن المنذر في «الأوسط»، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»، وابن عبد البر في «التمهيد» و «الاستذكار» والحازمي في «الاعتبار»، من أحسن ما كتب فيها ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «مجموع الفتاوى». وقد أفرد بعضهم جواب شيخ الإسلام عن هذه المسألة فطبعه برسالة مستقلة، وهي نفس ما في الفتاوى.
وممن بحث في هذه المسألة من المعاصرين الشيخ عبد المحسن بن محمد المنيف في كتابه «أحكام الإمامة والائتمام ي الصلاة».
ويمكن إجمال الخلاف في هذه المسألة وأدلتها في أقوال ثلاثة هي:-
القول الأول: أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقا في الصلاة السرية والجهرية.
وهذا القول مروي عن جمع من الصحابة والتابعين، مع اختلاف في النقل عن أكثرهم. وكذا احتمال النقل عن بعضهم أن يكون مرادا به هذا القول وهو القراءة خلف الإمام مطلقًا، أو القول الذي بعده وهو القراءة في السرية فقط. فممن روي عنه هذا القول: عمر بن الخطاب
كعب (١)،وحذيفة بن اليمان (٢)، وعبد الله بن الزبير (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وهشام بن عامر (٥) ﵃ أجمعين -.
стр. 357
كما روي عن جمع من التابعين منهم: مجاهد بن جبر (١)، وسعيد ابن جبير (٢)، والحسن البصري (٣)، ومكحول (٤)،
стр. 358
وأبو المليح (١)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٢)، وميمون بن مهران (٣)، ومالك بن عون (٤)، والشعبي (٥)، وأبو مجلز (٦)،وسعيد بن أبي عروبة، والحكم بن عتيبة (٧)، وعروة ابن
стр. 359
الزبير (١)،وعطاء (٢). وقال بهذا القول الإمام الشافعي في الجديد، وأكثر أصحابه (٣). والأوزاعي (٤)، والليث بن سعد (٥)، وأبو ثور (٦)، وهو رواية عن مالك (٧) وأحمد (٨).
стр. 360
واختار هذا القول بعض المحققين من أهل العلم، منهم البخاري (١)، وأبو بكر بن المنذر (٢)، وأبو بكر بن خزيمة (٣)، والخطابي (٤)، والبيهقي (٥)، وابن حزم (٦)، والحازمي (٧).
وأبو البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، والقرطبي (٩)، وأبو الطيب محمد شمس الحق آبادي (١٠)، والشوكاني (١١)، وأحمد محمد شاكر (١٢).
واتفقوا على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية.
واختلفوا في حكم قراءتها في حال جهر الإمام بالقراءة، فقال بعضهم بوجوب ذلك منهم الشافعي والبخاري وابن حزم والشوكاني
стр. 361
وغيرهم، وقال بعضهم باستحبابه فقط منهم الأوزاعي والليث بن سعد وأبو البركات. والأولى عندهم جميعًا أن تكون في سكتات الإمام.
الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:
أ- من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١).
ب- ومن السنة أحاديث كثيرة جدًا منها ما يأتي:
١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وأن النبي ﷺ قال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (٢).
قالوا: ووجه الأدلة من الآية، والحديث: أن الأمر للوجوب في الآية والحديث بقراءة ما تيسر، والفاتحة هي أيسر ما تيسر من القرآن.
والآية والحديث كل منهما مبين مفسر بالأحاديث التالية، التي فيها وجوب قراءة الفاتحة.
٢ - ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن» (٣).
وفي رواية للدارقطني (٤) والبيهقي (٥): «لا تجزئ صلاة لا يقرأ
стр. 362
الرجل فيها بفاتحة الكتاب» (١).
قالوا: فقوله: «لا صلاة» صلاة نكرة في سياق النفي، فهو يعم (٢). وهو نفي للصلاة الشرعية المجزئة بدليل رواية الدارقطني والبيهقي: «لا تجزيء صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» قالوا: وهذا العموم لم يخص منه المأموم (٣).
٣ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا، غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» الحديث رواه مسلم (٤).
٤ - وعن عائشة ﵂ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج» رواه ابن ماجه وغيره (٥).
٥ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ
стр. 363
قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج فهي خداج» رواه ابن ماجه وغيره (١).
قالوا: ووجه للدلالة من حديث أبي هريرة، وما في معناه من الأحاديث أن الخداج هو الفساد والنقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة من قولهم: أخدجت الناقة إذا ولدت نتاجاً فاسداً قبل وقتها، وقبل تمام الخلق (٢).
وقالوا: ومما يدل على أن المراد بالخداج النقصان، الذي لا تصح الصلاة معه ولا تجزئ، وأن ذلك يشمل المنفرد والإمام والمأموم قول أبي هريرة: «اقرأ بها في نفسك» (٣).
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» متفق عليه (٤).
قالوا: فقوله «وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت» يدل على أنه لا تجزئ الصلاة بدون أم القرآن، وأن قراءتها في الصلاة أقل المجزئ. وأن الزيادة عليها خير: أي مستحبة وليست واجبة.
стр. 364
٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «أَمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد» رواه أبو داود (١).
٨ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» رواه أبو داود (٢).
٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» رواه ابن خزيمة وابن حبان (٣).
قالوا: فهذه الأحاديث الثلاثة كحديث أبي هريرة الذي قبلها تدل على وجوب قراءة الفاتحة، وأنه لا تصح الصلاة، بل ولا تجزئ بدونها، سواء كان المصلي إماما أو منفردا أو مأموما.
كما استدلوا بالأحاديث التي فيها النهي عن القراءة خلف الإمام - إذا جهر - فيما عدا الفاتحة.
١٠ - فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ
١١ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: فلا تفعلوا، ويقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (١).
стр. 367
١٢ - وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ. قالوا: إن لنفعل قال: لا، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (١).
١٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أتقرؤون خلفي؟ قالوا نعم يا رسول الله، إنا لنهذه هذا قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن» (٢).
قالوا: فحديث عبادة «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ...» وما في معناه من الأحاديث التي تشهد له، كلها نص في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في نفسه واستثنائها من النهي عن القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ووجوب قراءتها إذا أسر الإمام في القراءة من باب أولى.
كما استدلوا بالأحاديث والآثار التي تدل على وجوب قراءة
стр. 368
الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية.
١٤ - وعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» رواه ابن ماجه (١).
قالوا: فهذا الحديث وما في معناه من الأحاديث والآثار (٢)، تدل على ملازمة الصحابة ﵃ على قراءة الفاتحة في الصلاة السرية خلف الإمام. وقول الصحابي كنا نفعل كذا في عهد الرسول ﷺ من قبيل المرفوع.
١٥ - وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزئني منه، قال: قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...» (٣).
قالوا: ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول ﷺ علم من لا يحسن القرآن ما يقوم مقامه، ولم يأمره بالائتمام حتى تسقط عنه
стр. 369
القراءة (١).
إلى غير ذلك من الأحاديث (٢).
١٦ - كما استدلوا بالآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، في القراءة خلف الإمام مطلقًا في السرية والجهرية (٣).
١٧ - وقالو: إن الإمام لا يتحمل عن المأموم شيئًا من الركوع والسجود، بل لا يتحمل عنه شيئًا من السنن والمستحبات، فكيف يتحمل قراءة الفاتحة التي هي من الواجبات (٤).
١٨ - وقالوا أيضًا: إن قراءة الفاتحة خلف الإمام لا تبطل الصلاة بالإجماع، حتى ولا في الصلاة الجهرية، وإنما يفوته الاستماع فقط، وإنما تبطل الصلاة بترك قراءتها عند كثير من أهل العلم وخاصة في الصلاة السرية (٥).
قالوا: فهذه الأدلة تدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية وسواء كان المصلى إماما أو مأمومًا أو منفردًا فهي مخصصة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ
стр. 370
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) والسنة تخصص القرآن بلا خلاف (٢).
ومخصصة لعموم قوله ﷺ في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة: «وإذا قرأ فأنصتوا» (٣).
بل ومخصصة لعموم حديث جابر «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٤) على فرض صحته: أي فقراءته له قراءة فيما عدا الفاتحة التي خصها الدليل بوجوب قراءتها على كل مصل إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردا. ويدل على التخصيص حديث عبادة: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٥).
والأولى أن يقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام إذا كان له سكتات، فإن لم يكن له سكتات قرأ معه (٦).
والأولى إذا لم يكن للإمام سكتات أن يقرأ معه حال قراءة الإمام للسورة. أما حال قراءة الإمام الفاتحة فإن الأولى بالمأموم أن يستمع، لأن قراءة الفاتحة واجبة بخلاف قراءة ما بعدها، والاستماع لقراءة
стр. 371
الواجب أولى من الاستماع لغير الواجب (١).
وإذا نسي المأموم قراءة الفاتحة، أو سها عن ذلك، أو جهل وجوبها، سقط عنه وكفته قراءة الإمام على الصحيح. وكذا إذا أدرك الإمام راكعا لفوات محلها، لحديث أبي بكرة ﵁: «أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: زادك الله حرصاً، ولا تعد» (٢).
وقد أجمع العلماء على هذا.
قال القرطبي (٣): «وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعًا فالإمام يحمل عنه القراءة، ولإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعًا أنه يكبر ويركع، ولا يقرأ شيئًا».
القول الثاني:
أن المأموم يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، ولا يقرأ في الصلاة الجهرية، بل ينصت لقراءة الإمام.
وهذا هو الثابت - والله أعلم - عن علي بن أبي طالب - رضي الله
وعائشة (١). وأبي سعيد الخدري، مع اختلاف عنه في ذلك (٢)،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣) والزهري (٤)،
стр. 376
وقتادة (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، والحكم بن عتيبة (٣)، والقاسم ابن محمد (٤)، وعروة بن الزبير (٥)،
ونافع بن جبير بن مطعم (٦)، وسالم ابن عبد الله بن عمر (٧).
وبه قال الإمام مالك وأصحابه (٨) وأحمد بن حنبل، إلا أنه قال: إن سمع في صلاة الجهر لم يقرأ، وإن لم يسمع قرأ (٩)، وذكر ابن
стр. 377
تيمية (١) أنه لم يصح عنه غيرها.
وقال به أيضًا عبد الله بن المبارك (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣) وهو قول الشافعي في القديم (٤)، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (٥) وداود (٦).
وهو اختيار جمع من المحققين أيضًا منهم:
الطبري (٧)، وأبو بكر بن العربي (٨)، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: «وهو قول جمهور أهل العلم، وأعدل الأقوال» (٩).
واختاره - أيضًا - الحافظ ابن كثير (١٠)، وشيخ الإسلام محمد ابن
стр. 378
عبد الوهاب (١)، واللكنوي من محققي الأحناف في هذا العصر (٢).
واختاره من علمائنا المعاصرين فضيلة الشيخ شيخنا محمد بن ناصر الدين الألباني (٣)، وفضيلة الشيخ شيخنا صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.
واختلفوا في حكم القراءة في الصلاة السرية خلف الإمام، أهي واجبة أم سنة.
فذهب مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥) له عدها بعض أصحابه هي المشهورة عنه (٦).
واختارها بعض أصحابه كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (٧) إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية خلف الإمام سنة.
وذهب الأوزاعي (٨)
стр. 379
والشافعي (١) وأبو ثور وإسحاق، وداود (٢)، وأحمد في رواية (٣) عنه إلى أن القراءة في الصلاة السرية خلف الإمام واجبة ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. واختار هذا ابن العربي (٤).
واتفقوا على أنه لا يشرع قراءة الفاتحة، ولا غيرها حال سماع المأموم لقراءة إمامه ..
واختلفوا في حكم من قرأ وهو يسمع قراءة الإمام: فذهب بعضهم إلى كراهية ذلك (٥)، وذهب بعضهم إلى تحريمه (٦)، بل شذ بعضهم فقال ببطلان صلاته (٧).
أما إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام، أو كان للإمام سكتات. فقال بعضهم الأفضل للمأموم أن يقرأ الفاتحة في هذه الأحوال (٨) - وهو الأولى - لكن لو لم يفعل فصلاته صحيحة عندهم (٩).
الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:
стр. 380
أ- استدلوا على وجوب القراءة في الصلاة السرية، أو استحبابها بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول على وجوبها أو استحبابها في الحالين وعلى أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها كحديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (١).
وحديث أبي هريرة «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا، غير تمام» رواه مسلم.
وغير ذلك من الأحاديث بهذا المعنى وقالوا: المراد بها الإمام والمنفرد، وكذا المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية إذا لم يسمع قراءة الإمام.
ب- أما أدلتهم على أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية، بل ينصت لقراءة الإمام فمنها ما يأتي:
١ - قوله - تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (٢).
قالوا: فهذه الآية نزلت في الأمر بالإنصات عند القراءة في الصلاة. فعن أبي هريرة ﵁ أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ
стр. 381
تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقد روي نحوه عن ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، والزهري (٥)، ومعاوية بن قرة (٦).
والقول بأنها في الصلاة دون ذكر سبب نزولها مروي أيضًا عن أبي هريرة (٧) وابن عباس (٨)، وابن مسعود (٩)، وعبد الله بن مغفل (١٠)، والزهري، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن (١١)، وعبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح،
стр. 382
والضحاك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد (١)، ومحمد بن كعب القرظي (٢)، واختاره الطبري (٣).
بل ذكر الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في الصلاة (٤).
٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: «أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (٥).
стр. 383
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (١).
стр. 384
قالوا: فهذه الأدلة الثلاثة - الآية، وحديث أبي موسى، وحديث أبي هريرة فيها وجوب الإنصات والاستماع لقراءة الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ولم يخص هذا الأمر بقراءة الفاتحة ولا غيرها (١)، بل إن هذه الأدلة هي المخصصة للأحاديث التي فيها إيجاب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، كحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغيره (٢).
واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) على تخصيص عموم أحاديث وجوب قراءة الفاتحة بالآية والحديثين المذكورين بأنه قد خص من عموم تلك الأحاديث أمور، منها: أن من أدرك الإمام راكعا فكبر ودخل معه قلب رفعه من الركوع فقد أدرك الركعة بإجماع أهل العلم (٤)، كما جاء في حديث أبي بكرة (٥).
стр. 385
وخص منه الصلاة بإمامين، فإن الإمام الثاني يقرأ من حيث انتهى الإمام الأول، ولا يستأنف قراءة الفاتحة، كما في فعله ﷺ لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر، ولم يستأنف قراءة الفاتحة، لأنه بنى على صلاة أبي بكر، فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى.
وخص منه أيضًا حال العذر كالجهل والسهو، فإذا ترك المأموم قراءة الفاتحة خلف إمامه في السرية جهلًا أو سهوًا سقطت عنه، وتحلمها الإمام.
فإذا خص من ذلك حال المسبوق، والصلاة بإمامين، وحال العذر بالجهل، أو السهو فكذلك خص منه حال استماع المأموم لقراءة إمامه، لأن هذا عذر. فلا يقرأ في حال جهر إمامه بل يستمع، أما أمر المأموم بالإنصات فلم يخص منه شيء، ولا بنص خاص ولا إجماع، وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم المحفوظ.
قال ابن تيمية (١): «ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا على المأموم مطلقا لم تسقط بسبق ولا جهل، كما أن الأعرابي المسيء في صلاته قال له النبي ﷺ : «ارجع فصل فإنك لم تصل» وأمر الذي صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة».
стр. 386
كما استدلوا - أيضًا -.
٤ - بما رواه ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال: إني أقول مالي أنازع القرآن». فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » (١).
стр. 387
قالوا: فقوله ﷺ : «مالي أنازع القرآن» إنكار على من يقرأ حال جهر الإمام، سواء بأم القرآن أو غيرها (١).
وقالوا - أيضًا - قوله في الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع النبي ﷺ فيها جهر فيه ... إلى آخره. هذا من كلام الزهري كما ذكر أهل العلم. والزهري من أعلم أهل زمانه وقد قطع بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي ﷺ في حال الجهر. وهذا من الأحكام العامة، التي لا تخفى ويعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان» (٢).
٥ - وعن عبد الله بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وروي مسنداً عن جابر بن عبد الله (٣).
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه، لا الفاتحة ولا غيرها، إذا جهر إمامه في القراءة، لأن قراءة الإمام في هذه الحال قراءة لمن خلفه. ولهذا أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام (١) - كما في الآية والأحاديث السابقة.
٦ - وعن عمران بن حصين ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (٢). قال أبو داود: قال الوليد في حديثه:
стр. 390
قال شعبة قلت لقتادة: كأنه كره فقال: لو كرهه لنهى عنه.
قالوا: فهذا الرجل قرأ خلف النبي ﷺ ، ولم ينهه ولا غيره فدل على أن المأموم يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية (١). وإن احتمل الحديث معنى النهي فإنما هو نهي للمأموم عن الجهر بالقراءة خلف إمامه كما بوب له مسلم ﵀.
٧ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ فقال: خلطتم علي القرآن» (٢).
قالوا: فهذا يدل على أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ جهرًا فيخلطون عليه القرآن، إذ لو قرؤوا سرًا ما خلطوا عليه قراءته، وما كره ذلك منهم» (٣).
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٤) بعد إخراجه للحديث: «أي في حال الجهر». أي أنهم يقرؤون حال جهر الإمام فيخلطون عليه قراءته.
٨ - ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ أمره أن ينادي: «لا