كما استدلوا - أيضًا -.
٤ - بما رواه ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال: إني أقول مالي أنازع القرآن». فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ » (١).
стр. 387
قالوا: فقوله ﷺ : «مالي أنازع القرآن» إنكار على من يقرأ حال جهر الإمام، سواء بأم القرآن أو غيرها (١).
وقالوا - أيضًا - قوله في الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع النبي ﷺ فيها جهر فيه ... إلى آخره. هذا من كلام الزهري كما ذكر أهل العلم. والزهري من أعلم أهل زمانه وقد قطع بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي ﷺ في حال الجهر. وهذا من الأحكام العامة، التي لا تخفى ويعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان» (٢).
٥ - وعن عبد الله بن شداد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وروي مسنداً عن جابر بن عبد الله (٣).
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه، لا الفاتحة ولا غيرها، إذا جهر إمامه في القراءة، لأن قراءة الإمام في هذه الحال قراءة لمن خلفه. ولهذا أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام (١) - كما في الآية والأحاديث السابقة.
٦ - وعن عمران بن حصين ﵁ «أن رسول الله ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (٢). قال أبو داود: قال الوليد في حديثه:
стр. 390
قال شعبة قلت لقتادة: كأنه كره فقال: لو كرهه لنهى عنه.
قالوا: فهذا الرجل قرأ خلف النبي ﷺ ، ولم ينهه ولا غيره فدل على أن المأموم يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية (١). وإن احتمل الحديث معنى النهي فإنما هو نهي للمأموم عن الجهر بالقراءة خلف إمامه كما بوب له مسلم ﵀.
٧ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ فقال: خلطتم علي القرآن» (٢).
قالوا: فهذا يدل على أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ جهرًا فيخلطون عليه القرآن، إذ لو قرؤوا سرًا ما خلطوا عليه قراءته، وما كره ذلك منهم» (٣).
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٤) بعد إخراجه للحديث: «أي في حال الجهر». أي أنهم يقرؤون حال جهر الإمام فيخلطون عليه قراءته.
٨ - ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ أمره أن ينادي: «لا
стр. 391
صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد» (١)
٩ - ما رواه أبو سعيد قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٢).
قالوا: فقوله في الحديث «فما زاد»، «وما تيسر» يدل على عدم وجوب قراءة الفاتحة حال جهر الإمام لأن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز أن يقرأ بغيرها حال جهر الإمام بل ينصت» (٣).
١٠ - كما استدلوا بالآثار الكثيرة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في النهي عن القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والأمر بالقراءة خلفه في الصلاة السرية (٤).
١١ - وقالوا: أجمع أهل العلم على أنه لم يقل أحد إن المأموم إذا لم يقرأ خلف إمامه فصلاته باطلة، وبخاصة إذا جهر الإمام بالقراءة (٥).
١٢ - وقالوا: إن الاستماع لقراءة الإمام من المتابعة للإمام المأمور بها، ومن لم ينصت لقراءة الإمام لم يكن قد ائتم به (٦) والمستمع لقراءة الإمام كالقارئ (٧).
стр. 392
١٣ - وقالوا - أيضًا -: إذا لم ينصت المأموم لقراءة إمامه فما الفائدة من جهر الإمام بالقراءة إذا كان المأموم مشغولًا بالقراءة لنفسه (١).
وقال ابن تيمية (٢): «لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم نزاعًا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم الفاتحة ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر ...».
ثم ذكر أنها لو كانت قراءة المأموم حال جهر الإمام مستحبة لاستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم، وجماهير العلماء على أنه لا يستحب للإمام أن يسكت ليقرأ المأموم.
وقال أيضًا (٣): «وقد ثبت بالكتاب والسنة وبالإجماع أن إنصات المأموم لقراءة إمامه يتضمن معنى القراءة معه وزيادة».
ولأنه قد ثبت الأمر بالإنصات لقراءة القرآن، ولا يمكن الجمع بين الإنصات والقراءة، ولولا أن الإنصات يحصل به مقصود القراءة وزيادة لم يأمر الله بترك الأفضل لأجل المفضول».
стр. 393
القول الثالث: أن المأموم لا يقرأ الفاتحة ولا غيرها.
لا في الصلاة السرية، ولا في الصلاة الجهرية.
وممن قال بهذا القول زيد بن ثابت (١).
وجابر بن عبد الله (٢).
стр. 394
ويروى عن عمران بن حصين (١)، الأسود بن يزيد (٢)، وسعد بن
стр. 395
أبي وقاص (١)، وروي عن أبي الدرداء على اختلاف عنه (٢)،
وعلقمة ابن قيس (٣)، وابن أبي ليلى (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، والضحاك وأبي وائل (٦) وسفيان الثوري وسفيان ابن
стр. 396
عيينة (١)، والحسن بن حي (٢)، وابن شبرمة (٣).
وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٤) وبعض المالكية (٥).
الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦).
وحديث أبي موسى وأبي هريرة «وإذا قرأ فأنصتوا» (٧).
قالوا: فالأمر للمأموم بالإنصات يدل على أنه لا قراءة على المأموم، وأن قراءة الإمام له قراءة.
٢ - حديث أبي هريرة الذي فيه قوله ﷺ «مالي أنازع القرآن» (٨). قالوا: ففي هذا الحديث إنكار على من يقرأ خلف الإمام.
стр. 397
٣ - ما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (١).
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية. وما روي من الأحاديث في قراءة الفاتحة في الصلاة كحديث عبادة «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» ونحوه فمحمول على المنفرد والإمام، أما المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة (٢).
٤ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نقرأ خلف النبي ﷺ فقال: «خلطتم عليَّ القرآن» (٣).
٥ - حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ «صلى صلاة الظهر، فلما قضى صلاته، قال أيكم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ فقال بعضهم: أنا. فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» (٤).
قالوا: فيفهم من هذين الحديثين ضرورة النهي عن القراءة خلف الإمام مطلقًا (٥).
стр. 398
٦ - واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء (١) وعبد الله بن عمر (٢)، وغيرهم من الآثار التي فيها أنهم لا يقرؤون خلف الإمام أو ينهون عن ذلك. كما سبق (٣).
كما استدلوا بأحاديث وآثار واهية ضعيفة لم أر ما يدعو إلى ذكرها، كحديث أنس. قال: قال النبي ﷺ : «من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ناراً»، وكحديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له» (٤).
كما استدلوا بتعليلات عقلية كلها ضعيفة مردودة (٥).
стр. 399
ذكر الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول، وإجابة أصحابه عنها:
أ- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الأول بأن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية . والإجابة عنها:
أولًا: اعترض على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١).
وبقوله ﷺ للمسيء في صلاته «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» بأن «ما» في الآية والحديث تفيد العموم فما الدليل على تخصيص الفاتحة في القراءة دون غيرها.
وهذا الاعتراض له وجه. لكن أصحاب هذا القول أجابوا عنه بأن الأحاديث الموجبة لقراءة الفاتحة، ومداومة الرسول ﷺ وخلفائه على قراءتها كل ذلك مبين ومفسر لقوله: «ما تيسر» في الآية والحديث.
ثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وما في معناه من الأحاديث.
قالوا (٢) هذا الحديث مطلق عام، قيد، وخص منه حال جهر الإمام
стр. 400
بالقراءة، فيجب الإنصات في هذه الحال لأمره تعالى بالإنصات بالآية، ولأمر رسوله ﷺ بذلك، كما في حديث أبي موسى وأبي هريرة. فهذا الأمر بالإنصات هو المخصص للأحاديث التي فيها وجوب قراءة الفاتحة كحديث عبادة هذا، وحديث أبي هريرة «من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» عند مسلم وغيره.
وغيرها من الأحاديث وردوا القول بأن هذه الأدلة التي فيها الأمر بالإنصات مخصوصة في غير حالة قراءة الفاتحة، لما ذكره الإمام أحمد من الإجماع على أن الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ نزلت في الصلاة.
وقد أجاب عن هذا الاعتراض أصحاب القول الأول بأننا نسلم بأن الآية المذكورة نزلت في الصلاة، لكنها هي وحديث أبي موسى وأبي هريرة مخصصة والمخصص لها أحاديث الأمر بقراءة الفاتحة، كما سبق ذكرها والدليل لنا على هذا التخصيص حديث عبادة «لا تفعلوا إلا بأم القرآن».
ثالثًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، والذي فيه «اقرأ بها في نفسك» بأن هذا لفظ مجمل، قد يحمل على ما ذهبوا إليه من الاستدلال به على القراءة مطلقًا، حتى في حال الجهر بالقراءة. وقد يحمل على القراءة حال المخافتة، أو سكوت الإمام كما روى ابن المنذر (١) عن أبي هريرة: «اقرأ خلف الإمام فيما
стр. 401
يخافت به».
قال ابن تيمية (١): «ويؤيد هذا أن أبا هريرة ممن روى قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا» وروى قوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد»، وقال «تجزئ فاتحة الكتاب، وإذا زاد فهو خير». ومعلوم أن هذا لم يتناول المأموم المستمع لقراءة الإمام، فإن هذا لا تكون الزيادة على الفاتحة خيرا له. فلا يجزم حينئذ بأنه أمره أن يقرأ حال استماعه لقراءة الإمام بلفظ مجمل».
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بقولهم: يتبادر من قول السائل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام أنه يسأل عن قراءة الفاتحة حال جهر الإمام لأن قراءة المأموم في هذه الحال قد تستشكل، وقد أجابه أبو هريرة بقوله: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مشتهر عن أبي هريرة أنه يرى القراءة خلف الإمام في الحالين، وأيضًا على احتمال أن أبا هريرة أراد قراءة الفاتحة في صلاة السر فقط فالحديث دليل لنا على القراءة في هذه الحال، خلافًا لمن زعم أنه لا قراءة خلف الإمام مطلقًا.
رابعًا: اعترض على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت، الذي فيه: «أتقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» وما في معناه من الأحاديث من وجهين (٢):
стр. 402
الوجه الأول: أن بعض أهل العلم قد طعن في إسناد هذا الحديث منهم الإمام أحمد وغيره.
الوجه الثاني: على القول بصحة هذا الحديث قالوا: إنه محمول على الإمام الذي له سكتات، كما كان ﷺ له سكتتان. قالوا: فليس في الحديث دليل على أنه يقرأ الفاتحة خلف إمامه حال الجهر، وإنما فيه أن له أن يقرأها حال سكتات إمامه، لأنه نهاهم عن القراءة خلفه إذا جهر، واستثنى من النهي قراءة فاتحة الكتاب إذ يمكن أن يقرأها في سكتات الإمام.
قالوا: وقوله: «أتقرؤون خلف إمامكم؟» بصيغة الاستفهام يدل على أنه ﷺ لم يكن يعلم أنهم يقرؤون، ولو كانت القراءة واجبة حال الجهر لكان أمرهم بذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو بين ذلك لهم وأمرهم به لعلمه عامتهم وفعلوه.
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن الوجه الأول وهو طعن بعض أهل العلم في إسناد حديث عبادة المذكور بأن الحديث صحيح وقد صححه أكثر أهل العلم، كما سبق بيانه.
وأجابوا عن الوجه الثاني بأنه لا دليل على أن الحديث محمول على الإمام الذي له سكتات، فيقرأ المأموم في سكتاته بل الحديث عام. وقوله لهم: «أتقرؤون خلف إمامكم؟ أو لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» يمكن حمله على أنه ﷺ أراد به تنبيههم، أو أن المراد به السؤال عن قراءة ما زاد على الفاتحة.
стр. 403
خامسًا: اعترض على استدلالهم بما نقل من الآثار عن الصحابة من القراءة خلف الإمام بأن ذلك في الصلاة السرية، أو حال سكتات الإمام، أو إذا لم يسمع المأموم قراءة إمامه لبعده أو صممه، ونحو ذلك (١).
وقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بأن ما نقل عن الصحابة منه ما يمكن حمله على الصلاة السرية، لأنه محتمل، لكن منه آثار صريحة في القراءة في الصلاة الجهرية، وهذه الآثار لم تقيد قراءة الفاتحة فيها في سكتات الإمام أو إذا لم يسمع المأموم. ونحن نقول الأولى أن يقرأ في سكتات الإمام إذا كان له سكتات، وإن لم يكن له سكتات قرأ حال قراءته.
ب- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الثاني أن المأموم يقرأ في الصلاة السرية دون الجهرية .
أولًا: اعترض على استدلالهم بقوله - تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
وبحديث أبي موسى وأبي هريرة اللذين فيهما: «وإذا قرأ فأنصتوا» بأن هذه الأدلة الثلاثة ليست مخصصة لعموم الأحاديث في وجوب قراءة الفاتحة كحديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغيره. كما تقولون، وإنما الحق أن نصوص الأمر بالإنصات
стр. 404
هذه عامة، خص منها قراءة الفاتحة بالنسبة للمأموم، فيقرأها ولو كان إمامه يقرأ، إذا لم يكن له سكتات والمخصص لذلك هو حديث عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ونحوهما من الأحاديث.
والدليل على هذا التخصيص حديث عبادة الآخر الذي فيه قوله ﷺ : «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟، قالوا: نعم. قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن».
وأجاب أصحاب القول الثاني بقولهم: بأن الآية وحديث أبي موسى وأبي هريرة هي المخصصة لعموم أحاديث الأمر بقراءة الفاتحة، وليس العكس كما تقولون. وحديث «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» طعن فيه بعض أهل العلم، وعلى القول بصحته يمكن حمله على الإمام الذي له سكتات.
ثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة، الذي فيه قوله ﷺ : «مالي أنازع القرآن» من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث خارج من محل النزاع، لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف إمامه سرًا والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم، لا مع إسراره.
الوجه الثاني: لو سلم أن المراد بالمنازعة القراءة خلف الإمام سرًا لكان الإنكار الذي في الحديث عاما في جميع القرآن أو مطلقًا في
стр. 405
جميعه خصص في حديث عبادة ونحوه، أو قيد به» (١).
الوجه الثالث: ما ذكر الترمذي (٢) بعد أن أخرج حديث أبي هريرة «مالي أنازع القرآن» قال: «وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي ﷺ هذا الحديث. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، غير تمام» فقال له حامل الحديث إني أكون وراء الإمام. قال: أقرأ بها في نفسك. وروي أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب».
وقد أجاب أصحاب القول الثاني عن الوجه الأول بأنه لا يلزم أن تكون المنازعة مع جهر المؤتم حال قراءة الإمام، بل حتى مع إسرار المؤتم بالقراءة لكن جهره أشد منازعة حتى في حال إسرار الإمام.
وأجابوا عن الوجه الثاني بأننا لا نسلم بدعوى التخصيص بحديث عبادة، فقد طعن فيه بعض أهل العلم، وذكرنا توجيهه فيما سبق على القول بصحته (٣).
وأجابوا عن الوجه الثالث بأن قول أبي هريرة «اقرأ بها في نفسك» محمول على القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية. وقد سبق ذكر
стр. 406
جواب أصحاب القول الأول عن هذين الوجهين (١).
ثالثًا: اعترض على استدلالهم بحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» من وجوه عدة:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به، فالأصح أنه مرسل من حديث عبد الله بن شداد، والعمل بالمرسل مختلف فيه بين أهل العلم، وكثير منهم لا يرى العمل به.
وقد أجاب أصحاب القول الثاني بأن الحديث مسند ضعيف لكنه ثبت وصح مرسلا من حديث عبد الله بن شداد وهو من أكبر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به الأئمة الأربعة وغيرهم (٢).
الوجه الثاني: أن أبا هريرة وابن عمر - ممن روي عنهم حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وقد ثبت عن أبي هريرة جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا، أو في السرية فقط، كما ثبت عن ابن عمر القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية.
وهذا يدل على ضعف هذا الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» لأن ظاهره لو صح يدل على أن قراءة الإمام له قراءة في حال السر والجهر.
وقد أجاب أصحاب القول الثاني بأن الحديث معناه فقراءة الإمام له قراءة: أي في الجهرية، وهذا يوافق ما ثبت عن أبي هريرة وابن عمر
стр. 407
من القراءة في الصلاة السرية ولا يخالفه.
من القراءة في الصلاة السرية ولا يخالفه.
الوجه الثالث: على القول بالعمل بمثل هذا المرسل، أو أن هذا الحديث قد يرتفع برواياته وطرقه وشواهده إلى درجة الحسن فإنه مخالف للأدلة الصريحة الصحيحة الموجبة لقراءة الفاتحة مطلقًا كقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١) وحديث عبادة في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ونحوه كحديث أبي هريرة عند مسلم «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج». وكذا حديث عبادة، الذي فيه: «هل تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن».
وقد أجاب أصحاب القول الثاني عن هذا الوجه بأن الأدلة التي ذكرتموها خاصة بالمنفرد والإمام، وكذلك تشمل المأموم أيضًا في حال عدم جهر الإمام. أما حديث عبادة: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» فقد ذكرنا أنه طعن فيه، وذكرنا توجيهه - على القول بصحته - فيما سبق (٢).
الوجه الرابع: على القول بصحة الاحتجاج بهذا الحديث فإنه دليل لمن منع من القراءة خلف الإمام مطلقًا في السرية والجهرية فما المخصص له في أنه في المنع من القراءة في الجهرية فقط.
أجاب أصحاب القول الثاني عن هذا الوجه بأن معنى الحديث «فقراءة الإمام له قراءة": أي القراءة التي يسمعها تكفيه عن القراءة،
стр. 408
يؤيد هذا أنه مأمور بالإنصات حال قراءة الإمام. أما القراءة التي لا يسمعها فكيف تكون له قراءة وهو لا يسمعها.
الوجه الخامس: على القول بصحة الاحتجاج بهذا الحديث - أيضًا - فإنه عام خص بحديث عبادة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وما في معناه، كما خص بهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١)، وحديث أبي موسى وأبي هريرة «وإذا قرأ فأنصتوا».
يدل على هذا التخصيص حديث عبادة «لا تفعلوا إلا بأم القرآن». فيكون معنى الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فيما عدا الفاتحة».
وأجاب أصحاب القول الثاني بأن حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ليس مخصصًا بحديث عبادة وما في معناه كما ذكرتم، بل هو من ضمن المخصصات لحديث عبادة وعليه يكون المعنى: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إلا إن كان مأمومًا فتكيفه قراءة الإمام وخاصة في الصلاة الجهرية. وأما حديث «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» فقد ذكرنا الطعن، وتوجيهه على القول بصحته.
ج- الاعتراضات الواردة على أدلة أصحاب القول الثالث: أن المأموم لا يقرأ لا في السرية، ولا في الجهرية .
أولًا: اعترض على استدلالهم بالأدلة التي فيها الأمر بالإنصات
стр. 409
لقراءة الإمام كآية الأعراف، وحديث أبي موسى وأبي هريرة من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه الأدلة إن دلت على عدم القراءة حال جهر الإمام فليس فيها دلالة على عدم القراءة في حال إسرار الإمام، أو سكوته، لأن السكوت حال عدم جهر الإمام لا يسمى إنصاتًا، ولم يؤمر بترك قراءة الفاتحة ولا غيرها في هذه الحال (١).
الوجه الثاني: أن هذه الأدلة التي فيها الأمر بالإنصات مخصصة بالأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة. كما سبق.
وقد أجاب أصحاب القول الثالث عن الوجه الثاني بأن أدلة الأمر بالإنصات ليست مخصصة بأحاديث الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة، لأن هذه الأحاديث خاصة بالمنفرد والإمام دون المأموم.
ثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة الذي فيه قوله ﷺ «مالي أنازع القرآن». بأن هذا محمود على الجهر خلف الإمام، وهذا لا يجوز بالاتفاق أو على القراءة سرًا حال جهر الإمام، وهذا لا يجوز عند كثير من أهل العلم، ولا يدل الحديث على النهي عن القراءة خلف الإمام مطلقًا، حتى ولو كانت سرًا في حال إسرار الإمام، كما تقولون. ثالثًا: اعترض على استدلالهم بالحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» من وجوه عدة:
стр. 410
منها: الوجه الأول والثالث والخامس من الوجوه المذكورة في الاعتراض على استدلال أصحاب القول الثاني بهذا الحديث.
ومنها: أن المراد بقوله «فقراءة الإمام له قراءة» أي: في الصلاة الجهرية. إذا لم يسكت الإمام، كما يقوله أصحاب القول الثاني - فيما تقدم (١) - وله وجه.
ومنها: أنهم يستدلون بالحديث على عدم جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا والحديث ظاهرة أن قراءة الإمام تجزئ عن المأموم، لا أن القراءة لا تجوز من المأموم أو لا تستحب منه. قال ابن تيمية (٢): «ليس في حديث «فقراءة الإمام له قراءة» دليل للكوفيين على أنه لا تستحب للمأموم القراءة، وإنما فيه الدلالة على أن له أن يجتزئ بذلك، وأن الواجب يسقط عنه بذلك، لا أنه ليس له أن يقرأ».
ومنها: أن جميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها مستحبة كانت أو واجبة يشرع للمأموم أن يقولها فكيف يتحمل الإمام عن المأموم القراءة، ولا يتحمل ما دونها من المستحبات.
رابعًا: اعترض على استدلالهم بحديث عمران بن حصين، الذي فيه: «ظننت أن بعضكم خالجنيها» وحديث ابن مسعود، الذي فيه «خلطتم عليَّ القرآن».
بأن هذين الحديثين محمولان على الجهر بالقراءة خلف الإمام.
стр. 411
والجهر بالقراءة خلف الإمام سوار أسر الإمام أو جهر أمر لا يجوز بالاتفاق. وليس فيهما الإنكار على من قرأ سرًا خلف الإمام.
ويمكن حمل ما جاء في حديث عمران «ظننت أن بعضكم خالجنيها» على أنه ليس فيه نهي لهم أو إنكار عليهم، لأن القارئ خلفه قرأ سرًا في صلاة سرية ويؤيد هذا قول شعبة لقتادة - وهما من رواة الحديث: «كأنه كرهه فقال: لو كرهه لنهى عنه» (١).
خامسًا: اعترض على استدلالهم ببعض الآثار عن الصحابة في ترك القراءة خلف الإمام أو النهي عنها بأن أكثر المنقول عنهم في هذا مطلقا يحتمل ترك القراءة خلف الإمام أو النهي عنها في الصلاة الجهرية فقط، ويحتمل تركها والنهي عنها في الحالين، مع وجود الاحتمال لا يصح الجزم، وأيضًا جمهور الصحابة وعامتهم يرون القراءة خلف الإمام، لكن منهم من يرى القراءة في الصلاة السرية والجهرية معًا، ومنهم من يرى القراءة في حال الإسرار فقط. وقليل منهم من يرى ترك القراءة مطلقًا، وأيضًا الذين روي عنهم هذا القول من الصحابة روي عنهم أكثرهم خلافه، حتى قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢) «ولا أعلم في هذا الباب صاحبًا صح عنه بلا اختلاف أنه قال مثل قول الكوفيين إلا جابر بن عبد الله».
стр. 412
الترجيح بين الأقوال:
بعد النظر في أدلة كل فريق من أصحاب الأقوال الثلاثة، وبعد النظر في الاعتراضات الواردة على تلك الأدلة، وفي إجابات كل فريق على ما ورد على أدلتهم من اعتراضات يظهر جليا أن أصحاب القول الثالث القائلين بعدم القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السرية، ولا في الجهرية لم يسلم لهم دليل واحد كما رأيت، لا من أدلة الكتاب ولا من السنة، ولا من الأثر.
قال اللكنوي وهو من محققي الأحناف في كتابه «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» (١): «الذي يظهر بالنظر الدقيق، ويقبله أصحاب التحقيق هو أن الأحاديث التي استدل بها أصحابنا ليس فيها حديث يدل على النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، فيدفع ذلك بالجميع، أو الترجيح، أو التساقط، أو النسخ، بل هي متنوعة إلى أنواع ثلاثة:-
فمنها ما يدل على وجوب الإنصات عند القراءة كالحديث الأول - يعني حديث أبي موسى وأبي هريرة: «وإذا قرأ فأنصتوا» - قال: وهو وإن كان ظاهر لفظه وعمومه يدل على الإنصات مطلقا لكن النظر الدقيق يحكم بأنه يمنع من القراءة مع قراءة الإمام في الجهرية بحيث يخل بالاستماع والتدبر، ولا يدل على وجوبه في الجهر أثناء السكتات ولا على وجوبه في السر، وكذا الآية القرآنية، يعني: ﴿وَإِذَا
стр. 413
قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١) قال: وكذا الحديث الثالث والرابع - يعني حديث عمران، الذي فيه: «قد عرفت أن بعضكم خالجينها» وحديث ابن مسعود، الذي فيه قوله ﷺ : «خلطتم عليَّ القرآن» قال: وإثبات وجوب السكوت مطلقًا من هذه الأحاديث، وكذا من الآية، وإن قال به جمع من أصحابنا عند التنازع لكنه لا يخلو عن تكلف وتعسف.
ومنها: ما يدل بظاهره على النهي عن مطلق القراءة لكنها مما خدش في ثبوتها، بل ببطلان بعضها فلا يصح الاحتجاج بها، مع إمكان حملها على ما عدا الفاتحة ...
ومنها: ما يدل على كفاية قراءة الإمام للمقتدي، وأنه لو لم يقرأ المقتدي صحت صلاته بقراءة إمامه , فيمكن أن يعارض ما صح منه بإطلاقه الأحاديث الواردة في إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام بعمومها أو خصوصها، ويختار طريق الجمع بينهما، ولا دلالة لها على وجوب السكوت مطلقًا، بل ولا مقيدا، ولا على كراهة القراءة، أو الحرمة، وإن قال به جمع من الحنفية».
وحيث تبين ضعف هذا القول وهو أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، وأن قراءة الإمام له قراءة في الصلاة السرية والجهرية فأي القولين الباقيين أولى بالترجيح.
أهو قول من قال بوجوب قراءة الفاتحة مطلقًا في السرية
стр. 414
والجهرية، أم قول من قال بقراءتها في بالسرية دون الجهرية إذا كان يسمع الإمام، ولم يكن للإمام سكتات.
فأصحاب القول الأول كما تقدم استدلوا بالأحاديث الموجبة لقراءة الفاتحة في الصلاة، وجعلوها مخصصة لعموم أدلة الأمر بالإنصات في الآية والأحاديث.
وأصحاب القول الثاني استدلوا بالأدلة معًا لكنهم جعلوا أدلة الأمر بالإنصات هي المخصصة لأدلة الأمر بقراءة الفاتحة، فتقرأ الفاتحة حيث لا يجب الإنصات: أي حيث لا جهر في القراءة من قبل الإمام.
وأصحاب القول الأول احترزوا من الوقوع في ترك قراءة الفاتحة، وهي في حق المأموم واجب تركه يخل بالصلاة، أو ركن تركه يبطل الصلاة.
ولم يروا وجوب الإنصات على المأموم حال قراءته للفاتحة وإن كان يسمع قراءة الإمام إذا لم يكن للإمام سكتات.
وأصحاب القول الثاني احترزوا من الوقوع في المنهي، وهو القراءة حال قراءة الإمام، وترك الإنصات، والاستماع المأمور بهما، ولم يروا أن قراءة الفاتحة واجبة بل ولا مستحبة، بل ولا جائزة حال قراءة الإمام.
وبالمقارنة بين المحترزين فإن ترك قراءة الفاتحة حال الجهر يعد إخلالا بالصلاة عند بعض أهل العلم، بل يعد مبطلًا لصحتها عند بعضهم.
стр. 415
أما القراءة حال جهر الإمام فهو - عند بعض أهل العلم - ارتكاب لمحذور، وهو ترك الإنصات المأمور به عند القراءة، لكن ذلك بكل حال لا يبطل الصلاة باتفاق أهل العلم.
وعلى هذا فإن من ترك قراءة الفاتحة حال جهر الإمام متعرض للقول بعدم صحة الصلاة. أما القارئ حال قراءة الإمام فهو متعرض فقط للقول بأنه ارتكب محظوراً.
وبناء على هذا فإن أظهر الأقوال، وأقربها لصحة الصلاة وسلامتها من الخلل والنقص، ولبراءة الذمة، والذي تطمئن إليه النفس - بعد المقارنة بين هذه الأقوال وأدلتها هو القول بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية للأدلة الصحيحة الصريحة في وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل، إمام كان أو مأموما أو منفردا وعدم المخصص لها على الصحيح، ولحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب»، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها: فهذا نص صريح صحيح في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية التي هي موضع الخلاف.
والأولى أن يقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام أن أمكن ذلك، فإن لم يتمكن من قراءتها في السكتات قرأها حال قراءة الإمام لكن في قراءة الإمام ما بعد الفاتحة، فينصت لقراءة الفاتحة ثم يقرأها أثناء قراءة الإمام السورة.
стр. 416
وقد اختار هذا القول أكثر محققي علمائنا في العصر الحاضر منهم:
سماحة الشيخ شيخنا عبد العزيز بن عبد العزيز بن باز (١) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد (٢) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٣) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا صالح بن محمد اللحيدان (٤) - غفر الله له ورحمه.
وقد صدرت بترجيح هذا القول وهو وجوب قراءة الفاتحة مطلقًا الفتوى رقم ١٧٥٢ بتاريخ ٢٨/ ١٢/١٣٩٧ هـ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والتي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. وهذا نصها:
"تجب قراءة الفاتحة على المصلي، سواء كان إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا، وسواء كانت الصلاة سرية أم جهرية، سمع المأموم فيها قراءة إمامه أم لم يسمعها في أرجح الأقوال للعلماء، لعموم حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم
стр. 417
يقرأ بأم القرآن» فنفى الصلاة الشرعية لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب عمومًا ولم يخص منها حالا من أحوال المصلي دون حال. والنفي إذا ورد في نصوص التشريع اتجه إلى الحقيقة الشرعية لا إلى كما لها إلا بدليل ولا دليل يصرف عنها على الصحيح من أقوال العلماء. وما استدل به الحنفية على أن المأموم لا يقرأ بفاتحة الكتاب من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة» فضعيف.
قال ابن حجر في التلخيص: إنه مشهور في حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة، ولو صح لكان مخصصًا لما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه صلى خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرفوا من الصلاة قال لعبادة بعض من سمعه يقرأ: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه فقال: «هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: نعم إنا نصنع ذلك. قال: فلا، وأنا أقول مالي أنازع القرآن، فلا تقرؤوا بشيء إذا جهرت إلا بأم القرآن».
فهذا عبادة راوي الحديث قرأ بها جهرا خلف الإمام، لأنه فهم من كلامه ﷺ أنه يقرأ بها خلف الإمام جهر والإمام يجهر بالقراءة.
وكذلك العموم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
стр. 418
وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وما ثبت من قوله ﷺ في الحديث الصحيح «وإذا قرأ فأنصتوا» يخصص بما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت المتقدم فإنه نص في قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية. والقاعدة أن الخاص إذا عارضه العام حمل العام على الخاص وخصص به جمعا بين الدليلين وإعمالا لهما بدلًا من إلغاء أحدهما.
وروى مسلم وأبو داود - أيضًا - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج، غير تمام».
قال له السائب مولى هشام بن زهرة: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعه وقال: اقرأ بها يافارسي في نفسك. فدل جواب أبي هريرة للسائب راوي الحديث عنه على أنه فهم من الحديث قراءة المأموم لها في الصلاة لكنه رأى أن يكون ذلك سرًا».
فائدة: في بيان المشروع من السكتات في الصلاة ، وما يشرع قوله فيها:
وحيث شرع للمأموم قراءة الفاتحة في سكتات الإمام، فإن من المناسب ذكر المشروع من السكتات، وما يشرع قوله في هذه السكتات.
أولًا: بيان المشروع من السكتات في الصلاة.
اختلف أهل العلم في المشروع من السكتات في الصلاة على أقوال
стр. 419
عدة:
أ- جمهور أهل العلم على أن المشروع من السكتات في الصلاة سكتتان، منهم الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق (٣)، والحسن وقتادة (٤) والأوزاعي (٥)، وأبو ثور (٦).
واستدلوا على هاتين السكتتين بما يلي:
١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» متفق عليه (٧).
стр. 420
٢ - ما رواه سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ فأنكر ذلك عمران بن حصين، وقال حفظنا سكتة. فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة فكتب أبي أن حفظ سمرة».
قال سعيد: فقلنا لقتادة: «ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه (١).
وفي رواية (٢) عن الحسن عن سمرة بن جندب «أنه تذاكر وعمران بن حصين، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبنا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما أن سمرة قد حفظ».
وفي رواية (٣) عن الحسن عن سمرة بن جندب: «أن رسول الله
стр. 421
- ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع ...».
واتفقوا على أن السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة للتنصيص على مكانها في الحديثين.
واختلفوا في محل السكتة الثانية بناء على اختلاف روايات حديث سمرة، فقال بعضهم: هي بعد انتهاء القراءة، وقبل التكبير للركوع، ورجح هذا الإمام أحمد (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله تعالى (٢) -.
وقيل: إنها بعد قراءة الفاتحة.
وإلى هذا القول يميل ابن القيم - رحمه الله تعالى - فيما يظهر من كلامه في «زاد المعاد» (٣).
حيث قال بعد أن ذكر تصحيح أبي حاتم لحديث السكتتين من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين قال: «وقد تبين بذلك أن أحد من روى حديث السكتتين سمرة بن جندب، وقال: حفظت من
стр. 422
رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وفي بعض طرق الحديث فإذا فرغ من القراءة سكت، وهذا كالمجمل واللفظ الأول مفسر مبين، ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب، إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ على أن تعيين محل السكتتين إنما هو من تفسير قتادة».
وهل هذه السكتات واجبة على الإمام، أو مستحبة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة على الإمام، منهم الأوزاعي وأبو ثور وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك مستحب فقط.
ب- وذهب بعض العلماء إلى أن المشروع للإمام سكتة واحدة للاستفتاح منهم: عمران بن حصين (١)، وبه قال الإمام أبو حنيفة (٢)، مستدلين بحديث أبي هريرة المتقدم كان النبي ﷺ «إذا كبر سكت هنية»، أما حديث السكتتين فلم يصح عندهم.
ج- وذهب بعض أهل العلم إلى أن المشروع للإمام ثلاث سكتات منهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد قالوا: يستحب للإمام ثلاث سكتات، والثانية: منها بعد قراءة الإمام الفاتحة ليقرأ المأموم الفاتحة، والثالثة: بعد الانتهاء من القراءة وقبل الركوع. (٣)
стр. 423
مستدلين بحديث أبي هريرة وحديث سمرة برواياته.
د- وذهب الإمام مالك إلى أنه لا سكوت في الصلاة بحال من الأحوال (١).
والذي عليه جمهور أهل العلم، وصححه بعض المحققين من أهل العلم أن السكتات الثابتة اثنتان فقط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان فليس في الحديث إلا ذلك، وإحدى الروايتين غلط، وإلا كانت ثلاثا وهذا هو المنصوص عن أحمد، وأنه لا يستحب إلا سكتتان، والثانية عند الفراغ من القراءة، للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد» (٣).
وقال أيضًا (٤): «ولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين».
وقال ابن القيم (٥): «وكان له سكتتان، سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة. واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة، وقيل: إنها بعد القراءة وقبل الركوع، وقيل: هي سكتتان غير الأولى
стр. 424
فتكون ثلاثا، والظاهر إنما هي اثنتان فقط».
لكن ابن القيم ﵀ يقول توفيقا بين روايتي حديث سمرة. «وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط، وهي سكتة لطيفة، فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة، فلا اختلاف بين الروايتين، وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث .. "
قلت: وهذا مسلك جيد في التوفيق بين الروايتين إن صحت كل منهما.
ثانيًا: ما الذي يشرع قوله في سكتات الإمام ، وهل يشرع أن يسكت لأجل قراءة المأموم.
جمهور أهل العلم على أنه يستحب للمأموم، بل وللإمام في السكتة الأولى التي بعد التكبير، وقبل الشروع بقراءة الفاتحة قراءة دعاء الاستفتاح لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه سأل رسول الله ﷺ عما يقول في هذه السكتة، فقال ﷺ أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ... الحديث» (١).
ولما ثبت في الصحيح عن عمر ﵁ أنه كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح يعلمه الناس (٢).
стр. 425
وأما السكتة التي بعد نهاية القراءة، وقبل التكبير للركوع، فإنها على ما ذكر أهل العلم ليست محلا للقراءة، وإنما هي سكتة لطيفة جدا، لأجل تراد النفس والفصل بين القراءة والتكبير للركوع، كما قال قتادة: «وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه» (١). وقال ابن القيم (٢) ﵀: «وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط وهي سكتة لطيفة ...».
وأما السكتة بعد قراءة الفاتحة، فكما اختلف في ثبوتها، فقد اختلف المثبتون لها فيما يقال فيها.
فبعض أهل العلم يرى أنها سكتة يسيرة كالسكتة بين السور، وعند رؤوس الآيات لا تتسع لقراءة الفاتحة (٣).
وقيل: إنها لأجل قراءة الفاتحة , وهذا يروى عن سعيد بن جبير (٤) وعمر بن عبد العزيز (٥)