Полный текст (169 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بمعنى: عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: ثم لم يرجعوا إلى الله من معصيته إلى طاعته.
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ لأنهم أحرقوا أولياء الله فكان جزاؤهم مثل عملهم جزاء وفاقًا.
﴿* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم، وهم الذين آمنوا بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فإن هذا هو الإيمان.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحة بجوارحهم.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ مَنْ جمع بين الإيمان وعمل الصالحات، لهم عند الله جنات متصفة بهذه الصفة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بعد البعث فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها وقصورها.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الجنات وما فيها من النعيم.
стр. 72
والجنة ليست اسمًا لمجرد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور فحسب فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدًا فأيسر يسر من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك.
﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ يعني: الذي به النجاة من كل مرهوب، وحصول كل مطلوب.
ثم ذكر الله بعد الآيات السابقة قوته وعظمه وشدة بطشه بمن خالف أمره وذكر قصة فرعون وثمود وما جرى لهما، فقال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
﴿إِنَّ بَطْشَ﴾ يعني: أخذه بالعقاب.
﴿رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: عقابه شديد قوي.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله .
﴿يُبْدِئُ﴾ كل شيء.
﴿وَيُعِيدُ﴾ يعني: أن الأمر إليه ابتداء وإعادة.
ولما ذكر قوته وانتقامه من المخالفين وشدة بطشه، ذكر رحمته وعفوه لمن أطاعه وتقرب إليه.
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.
стр. 73
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ يعني: ذا المغفرة، الساتر لذنوب عباده, المتجاوز عنها، والمغفرة: ستر الذنب والعفو عنه، فليست المغفرة ستر الذنب فقط بل ستره وعدم المؤاخذة عليه.
﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذ من الود، والود هو خالص المحبة فهو جل وعلا، ودود، ومعنى ودود أنه محبوب وأنه حاب، كثير المحبة لمن أطاعه.
ثم بين عظمته وتمام سلطانه في قوله:
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أي: صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى عليه الله ، وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها وخلقه بهذا الوصف يدل على عظمة خالقه.
﴿الْمَجِيدُ﴾ المجد: هو النهاية في الكرم والفضل.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هذا وصف الله تعالى بأنه الفعال لما يريد، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ثم لمَّا ذكر رحمته بعباده المؤمنين ورأفته بهم، ذكر أحداث بعض الأمم السابقة فقال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ والخطاب هنا موجه لرسول الله ﷺ أو لكل من يصح أن يتوجه إليه بالخطاب، أي: هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟
﴿الْجُنُودِ﴾ جمع جند وهم الذين تجندوا على أولياء الله ثم بين من هم بقوله.
стр. 74
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ يعني: هل أتاك خبرهم وقصتهم؟ والجواب: نعم أتانا خبرهم.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: أن الذين كفروا بمحمد ﷺ في تكذيب، وكأنهم منغمسون في التكذيب.
﴿وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ يعني: أن الله تعالى محيط بهم من كل جانب، لا يشذون عنه ولا عن علمه ولا عن سلطانه ولا عن عقابه، والإحاطة بالشيء، الحصر له من جميع جوانبه.
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما جاء به الرسول ﵊.
﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: ذو عظمة ومجد متناه في الشرف والكرم والبركة، لأنه كلام الله ، وهو ليس كما يقولون: إنه شعر وكهانة وسحر.
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ يعنيك بذلك اللوح المحفوظ عند الله هو أم الكتاب.
стр. 75
تفسير سورة الطارق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.
سورة الطارق سورة مكية، أقسم الله فيها ببعض مخلوقاته، فهو الذي خلق الخلق لعبادته، وطاعته، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وجعل عليهم ملائكة يحصون أعمالهم ويدونونها، وتنشر هذه الصحائف يوم الجزاء والحساب، وقد عظم الله، ، في هذه السورة قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم ومسكن ملائكته وفيها خلق الجنة، وابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالسماء ذات الكواكب الساطعة قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ * فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، وكل منهما آية من آياته الدال على وحدانيته.
стр. 76
﴿وَالطَّارِقِ﴾ الكوكب، وسمي طارقًا؛ لأنه يأتي بالليل ويختفي بالنهار.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ استفهام للفت النظر إليه.
﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ هذا هو الطارق، والثاقب: المضيء الشديد الإضاءة.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا جواب القسم: أي: ما كان نفس إلا عليها حافظ، عليها من أمر الله رقيب، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون على كل نفس قولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر، وحتى يتيقن الإنسان من عظمة الله، ، وقدرته على ذلك، قال سبحانه.
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ الفاء للدلالة على أنه يكون على كل نفس حافظ، يوجب على الإنسان أن يتفكر وليتدبر خلقته ومبدأه؛ فإنه مخلوق.
﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ أي: من أي شيء خلقه الله.
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: مصبوب في الرحم، وهو ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدًا لامتزاجهما.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ ترائب المرأة، وهو موضع القلادة من الصدر.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله الذي أنشأه ورعاه.
﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ أي: على رجع الإنسان وإعادته بالبعث بعد الموت.
﴿لَقَادِرٌ﴾ لبين القدرة، لا يعجز عنه، وذلك يوم القيامة.
стр. 77
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين، قادر على أن يعيده يوم القيامة يوم تختبر السرائر، والسرائر ما يسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ أي: فما للإنسان من قوة في نفسه يمتنع بها عن عذاب الله، لا ناصر ولا معين ينقذه مما نزل به.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ هذا هو القسم الثاني بالسماء.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرجع هو المطر، يسمى رجعًا؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض.
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الصدع هو الانشقاق يعني التشقق بخروج النبات منه.
﴿إِنَّهُ﴾ أي القرآن.
﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ وصفه الله تعالى بأنه قول فصل، يفصل بين الحق والباطل.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أي جد ليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات.
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾.
﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني الكفار المكذبين للرسول ﷺ فإن هؤلاء المكذبين الذين خلقوا من ماء دافق بلا حول ولا قوة.
стр. 78
﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أي: كيدًا عظيمًا، ويمكرون ويدبرون، في إبطال ما جاء به رسول الله ﷺ في الدين الحق.
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ أي: استدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم بمكرهم مكرًا أشد.
ثم قال :
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ مهل وأمهل معناهما واحد، يعني: انتظر بمهلة ولا تنتظر بمهلة طويلة، لا تعجل ولا تستبطئ الأمر، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال والهلاك.
﴿رُوَيْدًا﴾ أي: قليلا.
стр. 79
تفسير سورة الأعلى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى * سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
سورة الأعلى سورة مكية، كان ﷺ يقرؤها في صلاة العيد، وفي صلاة الشفع قبل الوتر، وفي صلاة الجمعة، فيها تنزيه الله وذكر قدرته؛ فإنه ﷻ مدبر الكون، عالم الخفيات، له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته وأفعاله، شرع لعباده أن يسبحوه بكرة وأصيلاً, وقد سبح هو نفسه مفتتح عدد من السور، ومنها هذه السورة فقال تعالى:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى * سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى * وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى * فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الخطاب هنا للرسول ﷺ .
стр. 80
﴿سَبِّحِ﴾ يعني: نزِّهِ الله عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، والتسبيح والتمجيد: التنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى لله .
﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ الرب معناه الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
﴿الْأَعْلَى﴾ من العلو.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ صفة من صفات الله حيث أوجد من العدم جميع الكائنات.
﴿فَسَوَّى﴾ يعني: سوى ما خلقه على أحسن صورة.
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ صفة أخرى من صفات الله حيث قدر كل شيء .
﴿فَهَدَى﴾ يشمل الهداية الشرعية، والهداية الكونية.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وهذه صفة ثالثة في هذه السورة من صفات الله حيث أنبت العشب وما ترعاه الأنعام والنبات الأخضر.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ أي: فجعله، أي بعد أن كان أخضرَ.
﴿غُثَاءً﴾ أي هشيمًا جافًا.
﴿أَحْوَى﴾ أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس أسود.
وقد ذكر سبحانه فيما سبق أربعة أمور عامة: الخلق والتسوية، والتقدير، والهداية وجعل التسوية من تمام الخلق، والهداية من تمام التقدير.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾.
стр. 81
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ هذا بشارة وعد من الله لرسوله ﷺ أنه يقرئه القرآن ويجمعه في قلبه ولا ينساه الرسول.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ يعني: إلا ما شاء أن تنساه، فإن الأمر بيده، .
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ أي: أن الله تعالى يعلم الجهر، ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعًا.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ أي: ما يكون خفيًا لا يظهر, فإن الله يعلمه.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ وهذا أيضًا وعد من الله لرسوله ﵊، أن ييسره لليسرى، واليسرى أن تكون أموره ميسرة، ولا سيما في طاعة الله ، فشريعته سمحة وجميع أحواله ميسرة.
﴿فَذَكِّرْ﴾ يعني ذكر الناس، ذكرهم بشرع الله وآيات الله، ذكرهم بأيام الله، عِظْهُمْ وأرشدهم إلى سبيل الخير.
﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ يعني: في محلٍ تنفع فيه الذكرى والموعظة.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ سيتعظ بالقرآن من يخشى الله أي: يخافه خوفًا عن علم بعظمة الخالق جل وعلا.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يتجنب هذه الذكرى ولا ينتفع بها.
﴿الْأَشْقَى﴾ هنا اسم تفصيل من الشقاء وهو ضد السعادة.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ الذي يصلى النار الموصوفة بأنها.
﴿الْكُبْرَى﴾ وهي نار جهنم.
стр. 82
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ أي: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة ينتفع بها.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ مأخوذ من الفلاح، والفلاح كلمة جامعة، وهو: الفوز بالمطلوب.
﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ مأخوذة من التزكية وهي التطهير.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ذكر الله، واتصف بذكر الله وانصبغ به قلبه فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله خصوصًا الصلاة، فصلى خشوعًا وامتثالا لأمره.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
﴿بَلْ﴾ أي: إنكم.
﴿تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: تفضلون وتقدمون حياة الدنيا على الآخرة.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الآخرة خير من الدنيا وأبقى، خير بما فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا ينغص بكدر، كذلك أيضًا هي أبقى من الدنيا؛ لأن بقاء الدنيا قليل زائل مضمحل، بخلاف بقاء الآخرة فإنه أبد الآبدين.
стр. 83
وفي ختام الآيات تجيء الإشارة إلى قدم هذه الدعوة وعراقة منبتها، وامتداد جذورها في شعاب الزمن، وتوحد أصولها منذ القدم، حيث رسالات الأنبياء.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾
﴿إِنَّ هَذَا﴾ ما ذكر من كون الإنسان يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة وينسى الآخرة.
﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أي: ثابت فيها؛ السابقة على هذه الأمة.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وهي صحف جاء بها إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، تتابعت فيها أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا.
* * *
стр. 84
تفسير سورة الغاشية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ * أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
سورة الغاشية سورة مكية، وورد عن النبي ﷺ أنه كان يقرؤها في صلاة العيد والجمعة، وقد ذكر الله فيها مصير وحال أهل السعادة وأهل الشقاء، محذرًا ومبينًا رأفة وشفقة بالعباد حتى لا يضلوا ولا ينحرفوا، وفي هذه السورة ذكر لبيان شيء مما يجده أهل النار في النار، وما ينعم به أهل الجنة في الجنة قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾
стр. 85
﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ الاستفهام للتشويق إلى استماع الخبر، وللتنبيه والتفخيم لشأنها، أي: قد جاءك يا محمد.
﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي: نبؤها وخبرها.
﴿الْغَاشِيَةِ﴾ هي الداهية العظيمة التي تغشى الناس بأهوالها، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي: إن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: الأول: وجوههم ذليلة خاضعة من الخزي والفضيحة.
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ عاملة عملاً يكون به النصب، وهو التعب ولا أجر لهم عليه، لما هم عليه في الكفر والضلال.
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ أي: تدخل في نار جهنم الشديدة الحرارة.
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾.
﴿تُسْقَى﴾ أي: هذه الوجوه.
﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حارة شديدة الحرارة.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ الضريع قالوا: إنه شجر ذو شوك عظيم إذا يبس لا يرعاه ولا البهائم.
﴿لَا يُسْمِنُ﴾ فلا ينفع الأبدان في ظاهره.
﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ فلا ينفعها في باطنها، فهو لا خير فيه، ليس فيه إلا الشوك.
وبعد أن ذكر الله حال أهل النار وما يلاقونه من عذاب وشقاء، بدأ في ذكر أصحاب الفريق الثاني، وهم أصحاب الجنة، ووصف حالهم وما هم فيه من النعيم والسعادة، فقال تعالى:
стр. 86
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ *﴾
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ أي: في نعمة وكرامة؛ ناعمة بما أعطاها الله من السرور والثواب الجزيل، وهي وجوه أصحاب الفريق الثاني.
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية, لأنها وصلت به إلى هذا النعيم وهذا السرور وهذا الفرح.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله ، لأوليائه يوم القيامة. والعلو ضد السفول فهي فوق السماوات السبع.
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي: لا تسمع في هذه الجنة قولة لاغية، أو نفسًا لاغية.
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾.
﴿فِيهَا عَيْنٌ﴾ أي: في الجنة عين ماء وهي ينبوع متدفق، وهو يجمع إلى الري الجمال.
﴿جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري حيث أراد أهلها لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إقامة أخدود.
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي: في الجنة سرر عالية يجلسون عليها يتفكهون والارتفاع يوحي بالنظافة كما يوحي بالطهارة.
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ الأكواب جمع كوب، وهو الكأس ونحوه.
﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ يعني: ليست مرفوعة عنهم، بل هي موضوعة لهم متى شاؤوا شربوا فيها من هذه الأنهار الأربعة.
стр. 87
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة من الحرير والإستبرق.
﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ مصفوفة مرتبة بعضها إلى بعض على أحسن وجه، تلتذ العين بها قبل أن يلتذ البدن بالاتكاء إليها.
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الزرابي: أعلى أنواع الفرش.
﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ منشورة في كل مكان، ومفرقة في المجالس.
ومن رحمة الله أنه يعيدنا دائمًا إلى التفكر في المخلوقات، ومن خلقها، ومن المستحق العبادة، فهو سبحانه يذكر في الآيات القادمة مخلوقات قريبة يراها العرب صباحًا ومساء، وفي التفكر في عظم خلقها، وحسن صورتها وقوة تحملها؛ دعوة إلى عبادة من خلقها وأبدع خلقها قال .
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
تجمع هذه الآيات الأربعة التالية مشاهد عظيمة، يصبح الإنسان ويمسي وهو يراها خاصة في بيئة مكة والعرب من حولها، فهي تبدأ النظر من الإبل، ثم ترتفع لتصل إلى الأعلى إلى السماء الأكثر ارتفاعًا والأكبر حجمًا ثم تنزل من علو إلى الجبال التي تجاهه وعلوها الأدنى من السماء، ثم تصل في النهاية إلى الأرض التي تحته وانبساطها وسهولتها! وكل ذلك تفكر في مخلوقات الله.
стр. 88
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ وهذا الاستفهام، وبدأ بالإبل؛ لأن أكثر ما يلابس الناس في ذلك الوقت الإبل، فهم يركبونها ويحلبونها، ويأكلون لحمها، وينتفعون من أوبارها، وعلى ما هي عليه من الخلق البديع، من عظم جثتها، وفريد قوتها، وبديع أوصافها.
﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ يعني: كيف خلقها الله ، هذا الجسم الكبير المتحمل، تجد الإبل تمشي مسافات طويلة لا يبلغها الإنسان إلا بشق الأنفس وهي متحملة.
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ يعني: وينظرون إلى السماء كيف رفعت هذا الارتفاع العظيم بلا عمد وبما فيها من النجوم، والشمس، والقمر.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ هذه الجبال العظيمة التي تحمل الصخور رفعت على الأرض، مرساة راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي: مدت مدًا واسعًا وسهلت غاية التسهيل؛ ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغرسها والبنيان فيها، وغير ذلك من الفوائد العظيمة.
بعد هذه الآيات وذكر المعجزات والمخلوقات يعيد سبحانه الكرة مرة أخرى للأصل الذي خلق من أجله الإنسان، ألا وهو عبادته سبحانه وما كلف به الرسول ﷺ من الدعوة والقيام بأمرها، وأمره بالوعظ والتذكير فقال تعالى.
﴿فَذَكِّرْ﴾ أمر الله نبينا محمد ﷺ أن يذكر ويعظ ويخوف.
стр. 89
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أي: لست إلا مذكرًا مبلغًا؛ فإن مهمة الأنبياء البلاغ.
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ يعني: ليس لك سلطة عليهم حتى تكرههم على الإيمان، فإن الهداية بيد الله يهدي من يشاء.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾.
﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى لكن.
﴿تَوَلَّى﴾ أعرض وتولى عن الوعظ.
﴿وَكَفَرَ﴾ أي: استكبر ولم يقبل ما جاء به الرسول ﵊.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ والعذاب الأكبر عذاب جهنم الدائم يوم القيامة.
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي: مرجع الخلائق إلينا بعد الموت.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ محاسبهم، ومجازاتهم بأعمالهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث.
стр. 90
تفسير سورة الفجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ * فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا * كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
سورة الفجر سورة مكية ذكر الله فيها حال بعض الأمم السابقة وقصص الأقوام الفانية، خاصة من كذبوا وتكبروا وطغوا، ثم ما جرى لهم من العذاب والنكال، وبيان سنة الله تعالى في ابتلاء العباد في هذه الحياة بالخير والشر، ثم ذكر سبحانه الآخرة وأهوالها وشدائدها وانقسام الناس يوم القيامة إلى سعداء وأشقياء ومنازل هؤلاء أولئك، وكل ذلك لأخذ العبرة من مآلهم والحذر من مخالفة أمر الله قال سبحانه:
стр. 91
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي﴾ كل هذه أقسامٌ أقسم الله بها.
﴿وَالْفَجْرِ﴾ هو الصبح والنور الساطع الذي يكون في الأفق الشرقي قرب طلوع الشمس.
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أي: الليالي العشر الأولى من ذي الحجة.
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قيل: إن المراد به كل الخلق، فالخلق إما شفع وإما وتر، وقيل المراد بالشفع: يوما التشريق الأول والثاني اللذان يجوز التعجل فيهما والوتر اليوم الثالث.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي﴾ أي إذا جاء وأقبل واستمر ثم أدبر، والتقييد بسريانه لما فيه من وضوح الدلالة على كمال القدرة ونور النعمة.
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ لذي عقل، أي: فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به والاستفهام تقريري لفخامة شأن الأمور المقسم بها.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بقلبك وبصيرتك يا محمد.
﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ أي: كيف فعل بهذه الأمة الطاغية وهي ﴿إِرَمَ﴾ وهذا هو جواب القسم.
стр. 92
ما الذي فعل بهم؟ وعاد قبيلة معروفة في جنوب الجزيرة العربية كانوا يسكنون بالأحقاف بين عمان وحضرموت، وقيل: اسم للقرية، أرسل الله تعالى إليهم هودًا، ﵊، فبلَّغهم الرسالة ولكنهم عتوًا وبغوا وقالوا: من أشد منا قوة.
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني: أصحاب الأبنية القوية.
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: لم يصنع مثلها في البلاد، لأنها قوية ومحكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: من أشد منا قوة؟
﴿وَثَمُودَ﴾ أي: وكذلك ثمود، وهم قوم صالح، ومساكنهم معروفة الآن.
﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي﴾ أي: قطعوا الصخر ونحتوه، وذلك في وادي القرى الذي كانت تسكنه ثمود، وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها بيوتًا يسكنون فيها.
﴿وَفِرْعَوْنَ﴾ فرعون هو الذي أرسل الله إليه موسى ﵊ فكذب وطغى.
﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي القوة التي يعذب الناس بها ويشدهم إليها.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ صفة لعاد وثمود وفرعون، والطغيان مجاوزة الحد.
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ أي: بالكفر ومعاصي الله، والجور على عباد الله.
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ الصب يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله ، واستعمل لفظ الصب لاقتضائه السرعة في النزول على المضروب.
стр. 93
﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ السوط: هو العصا الذي يضرب به.
ثم لما ذكر الله، ، ما أرسل على كل طائفة من العذاب، فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون وجنوده بالغرق، ذكر أنه سبحانه يرقب عمل الناس ويحصيه عليهم، ويجازيهم به، قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ الخطاب هنا للنبي ﷺ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب يبين الله أنه بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، فإنه له بالمرصاد سوف يعاقبه ويؤاخذه ويأخذه أخذ عزيز مقتدر.
وبعد أن ذكر الله حال بعض الأمم السابقة من الطغيان والعصيان وأنه لهم بالمرصاد، ذكر ما يدل على اختلاف أحوال العباد، فذكر أنه سبحانه يبتلي بعض عباده بالغنى والبعض بالفقر لينظر كيف يفعلون؟ فإن قيمة العبد عند الله ومكانته لا تتعلق بما وهب له من الدنيا، وما ناله من الأموال والأولاد وعرض الدنيا الفانية: فهو سبحانه يعطي الصالح والطالح، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، ابتلاء لهم بالسراء للغني، وبالضراء للفقير، قال سبحانه:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ الابتلاء من الله يكون بالخير وبالشر، والابتلاء: الاختبار والامتحان.
стр. 94
﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ أي: أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه، وجاد عليه بالجاه والصحة.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي﴾ يعني إنني أهل للإكرام، ولا يعترف بفضل الله .
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ اختبره الله وامتحنه.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ يعني: ضيق عليه الرزق ولم يوسعه له، ولا بسط له فيه.
﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ يقول إن الله تعالى ظلمني فأهانني ولم يرزقني كما رزق فلانًا، ولم يكرمني كما أكرم فلانًا فصار عند الرخاء لا يشكر، يعجب بنفسه ويقول: هذا حق لي، وعند الشدة لا يصبر بل يعترض على ربه ويقول:
﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ أنكر سبحانه على الإنسان قوله: "أكرمن وأهانن" لأنه قال ذلك على وجه الفخر والكبر لا على وجه الشكر. وهذا حال الإنسان باعتباره إنسانًا، أما المؤمن فليس كذلك, لأنه يعلم أن الكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته وتوفيقه المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره.
﴿كَلَّا﴾ يعني: لم يعطك ما أعطاك إكرامًا لك, لأنك مستحق، وليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه فهو مهان لدي، إنما الغنى والسعة ابتلاء من الله وامتحان؛ ليرى من يشكر ومن يكفر.
﴿بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ يعني: أنتم إذا أكرمكم الله بالنعم لا تعطفون على المستحقين للإكرام وهم اليتامى، بما آتاكم الله من الغنى، ولو أكرمتموه لكان ذلك لكم كرامة عند الله.
стр. 95
﴿الْيَتِيمَ﴾ الفقير من اليتامى، والغني من اليتامى.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني: لا يحض بعضكم بعضًا على أن يطعم المسكين، وإذا كان لا يحض غيره فهو أيضًا لا يفعله، فهو لا يطعم المسكين، ولا يحض على طعام المسكين.
﴿وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾
﴿التُّرَاثَ﴾ ما يورثه الله العبد من المال، سواء ورثه عن ميت، أو باع واشترى وكسب، أو خرج إلى البر وأتى بما يأتي به من عشب وحطب وغير ذلك.
﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا يأكلون المال أكلاً شديدًا بنهم وطمع، حيث كانوا يأكلون ميراث الصغير والمرأة.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: عظيمًا مع حرص وشَرَه، وهذا هو طبيعة الإنسان.
وكل هذه الأعمال السابقة من كفر النعمة وعدم شكرها والقيام بحقها تقع في الدنيا، ولهذا ذكر الله ، بعدها أحوال الآخرة وما يجري فيها حتى يتعظ الإنسان ويرجع عن غية فقال تعالى:
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ * يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
يذكر الله الناس بيوم القيامة.
стр. 96
﴿كَلَّا﴾ للردع، أي: ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم ثم استأنف سبحانه فقال:
﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ زلزلت وحركت تحريكًا بعد تحريم حتى لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا تدك الجبال، وتمد الأرض، وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ هذا المجيء هو مجيئه لفصل القضاء بين عباده، ونؤمن بأن الله يجيء لكن مجيئًا يليق بجلاله.
﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: الملائكة صفًا بعد صف.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ مزمومة والملائكة يجرونها، وعند هذا الموقف المهول.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني: إذا جاء الله في يوم القيامة، وجاء الملك الملائكة صفوفًا صفوفًا وأحاطوا بالخلق، وحصلت الأهوال والأفزاع يتذكر الإنسان يتذكر أنه وعد بهذا اليوم، وأنه أعلم به من قبل الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنذروا وخوفوا.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ أين يكون له الذكرى في هذا اليوم الذي رأى فيه ما أخبر عنه يقينًا؟ فقد فات أوان الذكرى وذهب زمانها يقول متحسرًا على ما فرط في جنب الله يتمنى لكن لا يحصل.
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ يتمنى أنه قدم لحياته هنا شيئًا، و"يا ليتني" أمنية فيها الحسرة الظاهرة.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذب عذاب الله أحد بل عذاب الله أشد.
стр. 97
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ ولا يوثق وثاق الله أحد، بل هو أشد ويوثق أي: يقيد ويؤمر.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾.
﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ يعني: المؤمنة الآمنة الموقنة الموحدة.
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ يقال هذا القول للمؤمن عند النزع في آخر لحظة من الدنيا أي: ارجعي إلى الله.
﴿رَاضِيَةً﴾ بما أعطاك الله من النعيم.
﴿مَرْضِيَّةً﴾ عند الله .
﴿* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ أي: في زمرة عبادي الصالحين وكوني في جملتهم.
﴿* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: جنته التي أعدها الله، ، لأوليائه، وأضافها إلى نفسه تشريفًا لها وتعظيمًا وإعلامًا للخلق بعنايته بها جل وعلا.
стр. 98
تفسير سورة البلد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾.
سورة البلد سورة مكية ذكر الله في أولها ما قدر على الإنسان في هذه الدنيا، من المشقة والتعب والأكدار والأحزان والمكابدة ولهذا حث على الصبر والتحمل وعدم التضجر مما يبتلي به في هذه الدنيا ولينظر أيضًا لدار ليس فيها نكد ولا حزن وهي الجنة فتكون هدفه ومستقرة برحمة الله.:
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
﴿لَا أُقْسِمُ﴾ لا. لاستفتاح الكلام وتوكيده، والقسم تأكيد الشيء بذكر معظم على وجه مخصوص.
стр. 99
﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ البلد هنا مكة، وأقسم الله بها لشرفها وعظمها، فهي أعظم بقاع الأرض حرمة، وأحب بقاع الأرض إلى الله .
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وأقسم الله بهذا البلد وهو مكة، الذي أنت مقيم به يا محمد تشريفًا لك وتعظيمًا لقدرك.
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يقسم سبحانه بالوالد وأولاده وما تناسل منهما تنبيهًا على عظم آية التناسل والتوالد ودلالتها على قدرة الله وحكمته وهو سبحانه أقسم على حال الإنسان، وأقسم بالبلد الأمين وهو مكة ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو آدم وذريته، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ جواب القسم، مؤكد بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم واللام وقد.
﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الإنسان اسم جنس يشمل كل واحد من بني آدم.
﴿فِي كَبَدٍ﴾ مكابدة الأشياء ومعاناتها وشدتها، والآية تسلية لرسول الله ﷺ مما كان يكابده من كفار مكة.
ثم ذكر سبحانه في الآية التالية طبيعة الإنسان الجاحد بقدرة الله، والمكذب للبعث والنشور فقال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ أي: أن الإنسان في نفسه وقوته يظن أن لن يبعث، ولا يقدر عليه أحد، ولا ينتقم منه أحد، وأتى ههنا بـ"لن"، الدالة على الاستقبال في مقابلة قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ فإن ذلك في الماضي.
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ أي: أنفق مالاً كثيرًا في شهواته وفي ملذاته، وسمى الله ، الإنفاق في الشهوات والمعاصي إهلاكًا؛
стр. 100
لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا الندم والخسار والتعب والقلة.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أيظن هذا أنه لا يراه أحد في تبذيره المال وصرفه فيما لا ينفع، وينسى أن عين الله عليه، وأن علمه محيط به.
فإن الإنسان قد يغتر بقوته ولا فضل له فيها، بل الله هو المنعم عليه بهذا القدر من القوة، وكل هذا تهديد للإنسان أن يتغطرس قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ذكر الله هنا ثلاث نعم من أكبر النعم على الإنسان.
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يعني: يبصر بهما ويرى، ومن هنا بدأ تعداد النعم العظيمة على الإنسان.
قرأ الفضيل بن عياض ليلة هذه الآية، فبكى فسئل عن بكائه، فقال: هل بت ليلة شاكرًا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بت ليلة شاكرًا لله أن جعل لك لسانًا تنطق به؟ وجعل يعدد من هذا الضرب.
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ لسانًا: ينطق به، وشفتين: يضبط بهما النطق ويستعين بهما على الأكل والشرب.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بَيَّنَا له طريق الخير، وطريق الشر.
وقيل: دللناه على ما به غذاؤه وهو الثديان؛ فإنهما نجدان لارتفاعهما فوق الصدر.
وبعد أن ذكر هذه النعم على عباده، ذكر عقبة كؤودًا هي التي تقف بينه وبين الجنة لو تخطاها لوصل، وهو مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى والشيطان، حتى ينال رضا الرحمن.
стр. 101
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي: الإنسان الذي كان يقول: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي: وما أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفيه تعظيم لشأنها وتهويل.
﴿الْعَقَبَةَ﴾ هي الطريق في الجبل الوعر، واقتحام هذه العقبة شاق على النفوس، أي: أفلا نشط واخترق الموانع التي تحول بينه وبين طاعة الله.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ هذا الاستفهام للتشويق والتفخيم أيضًا.
وقد بينها الله في قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: هي عتق رقبة مملوك من الرق والعبودية.
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.
﴿أَوْ﴾ هذه للتنويع.
﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: ذي مجاعة شديدة، ويوم المجاعة الذي يعز فيه الطعام هو محك لحقيقة الإيمان وحب البذل في أوجه الخير.
стр. 102
﴿يَتِيمًا﴾ اليتيم هو من مات أبوه قبل أن يبلغ، سواء كان ذكرًا أم أنثى.
﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ ذا قرابة من الإنسان، لأنه إذا كان يتيمًا كان له حظ من الإكرام والصدقات، وإذا كان قريبًا ازداد حظه من ذلك.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ المسكين: هو الذي لا يجد قوته ولا قوت عياله، والمتربة: مكان التراب، والمعنى: أنه مسكين ليس بيديه شيء إلا التراب.
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾.
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: ثم هو بعد ذلك ليس محسنًا إلى اليتامى والمساكين فقط، بل هو ذو إيمان, لأن هذه القرب والطاعات إنما تنفع مع الإيمان إذا أتى بها لوجه الله.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على طاعة الله والصبر عن معاصيه، والصبر على ما أصابهم من البلايا والمصائب.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا أن يرحم الآخرين من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، ومساعدتهم على المصالح الدينية والدنيوية.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات.
﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أصحاب اليمين.
وقرن سبحانه بين الأبرار والفجار على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب، لبيان المفارقة الهائلة بين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشرار.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بالقرآن.
стр. 103
﴿هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾.
﴿هُمْ﴾ الضمير هنا جاء للتوكيد.
﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني: الشمال أو الشؤم.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: عليهم نار مطبقة مغلقة أبوابها، لا يخرجون منها ولا يستطيعون سبيلاً.
стр. 104
تفسير سورة الشمس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
سورة الشمس سورة مكية، ذكر الله فيها أن من أسباب الفوز والفلاح محاسبة النفس ومراجعتها وتعاهدها وبذلك تستقيم النفوس وتتزكى القلوب، والمسلم مأمور بذلك في كل حين ووقت، فإن ذلك أقرب للتوبة والعودة إلى الله ، ومحاسبة النفس قبل أن تحاسب.
وفي مطلق السورة يقسم الله ، بسبعة أشياء من مخلوقاته العظيمة، فأقسم تعالى بالشمس وضوئها الساطع، وبالقمر إذا أعقبها وهو طالع، ثم بالنهار إذا جلا ظلمة الليل بضيائه، وبالليل إذا غطى الكائنات بظلامه، ثم بالقادر الذي أحكم بناء السماء بلا عمد، وبالأرض التي بسطها على ماء جمد، وبالنفس البشرية التي كملها الله وزينها بالفضائل والكمالات، أقسم بهذه الأمور على فلاح الإنسان ونجاحه إذا اتقى الله، وعلى شقاوته وخسرانه إذا طغى وتمرد، قال سبحانه:
стр. 105
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا *﴾ أقسم الله تعالى بالشمس وضحاها، وهو ضوؤها لما في ذلك من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله , وكمال علمه ورحمته، والضحى: وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تم ضياؤها.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قيل: إذا تلاها في السير بعد غروب الشمس، وحكمة القسم بالشمس أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإذا ظهر الصبح وبزغت الشمس دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء فانتشروا لأعمالهم وقت الصحوة، وهذه الحال تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها، والشمس والقمر مخلوقات لمصالح البشر، والقسم بها للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة وقيل: إذا تلاها في الإضاءة.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ إذا جلى الأرض وبينها ووضحها؛ لأنه نهار تتبين به الأشياء وتتضح.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ إذ يغطي الأرض حتى يكون كالعباءة المفروشة على شيء من الأشياء.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أي: والسماء وبنائها.
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: بسطها من كل جانب.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أنشأها وسوى أعضاءها وركب فيها الروح وجعلها مستقيمة على الفطرة.
стр. 106
﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أي: الله ألهم هذه النفوس وعرفها وأفهمها.
﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي: عرفها، وأفهمهما طريق الخير وطريق الشر، وعلمها الطاعة والمعصية، وما فيهما من الحسن والقبح، والفجور هو ما يقابل التقوى.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ جواب القسم والتقدير: لقد أفلح أي: فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، من زكى نفسه وأعلاها بالتقوى.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي: خسر من أرداها في المهالك والمعاصي والكفر والفسوق.
والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وخاب من دساها بالمعاصي، فالطاعة تزكي النفس وتطهرها، فترتفع والمعاصي تدسي النفس، وتقمعها فتنخفض وتصير كالذي يدس في التراب.
وبعد هذه الآيات الكريمة ساق الله قصة ثمود الذين بعث إليهم نبيه صالحًا ﵇ فكذبوه وعصوا أمره وخالفوه وما جرى من وقوع العذاب عليهم فقال تعالى.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ ثمود اسم قبيلة، ونبيهم صالح ﵊ وديارهم في الحجر معروفة في طريق الناس، هؤلاء كذبوا نبيهم صالحًا بسبب الطغيان، حملهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحد في المعاصي.
стр. 107
﴿بِطَغْوَاهَا﴾ أي: بأجمعها.
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ هذا بيان للطغيان الذي ذكره الله وذلك حين.
﴿انْبَعَثَ﴾ يعني: انطلق بسرعة لعقر الناقة.
﴿أَشْقَاهَا﴾ أي: أشقى ثمود.
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ صالح ﵇ محذرًا وفي هذا إيضاح لمهمة الرسل وأنهم يجاهدون أقوامهم ويدلونهم على الخير.
﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا﴾ أي: ذروا ناقة الله، وحذرهم أن يعقروها.
﴿وَسُقْيَاهَا﴾ شربها من الماء، فلا تتعرضوا له يوم شربها.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذبوا صالحًا فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: فذبحوا الناقة، عقرًا حصل به الهلاك.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أطبق عليهم فأهلكهم بسبب ذنوبهم، دمر عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم والرجفة من تحتهم فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيًا ولا مجيبًا والدمدمة: هلاك باستئصال.
﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: فسوى الأرض عليهم, فجعلت تحت التراب.
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ يعني: أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم وكيف يخاف وهو القادر القاهر الجبار الحكيم في كل ما قضاه وشرعه .
стр. 108
تفسير سورة الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى *﴾.
سورة الليل سورة مكية، جلى فيها حكمته وعدله وسبق ذلك بذكر بديع صنعه في الأكوان، وذكر أن من تمام عدله وحكمته أنه لا يضيع عمل المحسن ولا يغفل عمل المسيء، ومن ذلك أن يوفق المحسن للاستزادة من عمل الخير، ويحرم المسيء من الهداية لأفعال الخير فيستمر في أعمال الشر، وابتدأت السورة الكريمة بالقسم بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه وبالنهار إذا أنار الوجود بإشراقه وضيائه، وبالخلق العظيم الذي أوجد النوعين الذكر والأنثى، أقسم على أن عمل الخلائق مختلف وطريقهم متباين قال تعالى:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
стр. 109
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ الواو للقسم، أقسم الله بالليل إذا يغشى يعني حين يغشى الأرض ويغطيها بظلامه.
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: إذا ظهر وبان وانكشف، فاستضاء الخلق بنوره.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ما هنا هي الموصولة، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وهذا منه تعالى إقسام بخلقه لجنسي الذكر والأنثى بني آدم وغيرهم.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا جواب القسم، يعني: إن عملكم.
﴿لَشَتَّى﴾ أي: لمتفرق تفرقًا عظيمًا، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال، أو جاه، أو علم في وجوه الخير.
﴿وَاتَّقَى﴾ اتقى ما أمر باتقائه من المحرمات.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ صدق بالقولة الحسنى، وهي قول الله وقول رسوله ﷺ بالخلف والعاقبة الحسنة من الله.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ السين: هنا للتحقيق, أي: أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسيسره الله لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه، نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق: اشترى ستة عبيد من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة، يعذبونهم في الله فأعتقهم.
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بماله، فلم يعط ما أمر بإعطائه فترك الإنفاق الواجب والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما أوجب الله.
стр. 110
﴿وَاسْتَغْنَى﴾ استغنى عن الله، ، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غني عن رحمة الله، وزهد في الأجر والثواب.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ .
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ييسر للعسرى في أموره كلها فتتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾ يعني: أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به.
﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ أي: هلك فأي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئًا.
ثم ذكر جل وعلا، ما كتبه على نفسه، فضلاً منه بعباده ورحمة أن يبين الهدى لفطرة الناس ووعيهم، فلا تكون هناك حجة لأحد ولا يكون هناك ظلم لأحد قال تعالى:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ فيه التزام من الله ، أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه، وذلك بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني: لنا الآخرة والأولى وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، ولكنه في هذه الآية أخرها.
ولما ذكر الله في الآيات السابقة انقسام الناس إلى مصدق ومكذب، وباذل وممسك، ذكر جزاءهما في الآخرة فقال تعالى:
следующие страницы →