← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. ولم يقل أحدٌ منهم: إن القرآن قديم، ولا قالوا: إن كلامه معنى واحد قائم بذاته، ولا قالوا: إن القرآن أو حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله، [وإن كان جنس الحروف لم يزل الله متكلمًا بها إذا شاء] (١) بل قالوا: إن حروف القرآن غير مخلوقة، وأنكروا على من قال [ق ٣٤]: إن الله خلق الحروف. وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. ويقولون: من قال: هو مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. فإن اللفظ يُراد به مصدر لفظ يلفظ لفظًا، ويُراد باللفظ الملفوظ به، وهو نفس الحروف المنطوقة. وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف في أن ذلك مخلوق، وقد نصَّ أحمد على أن أصوات القارئ صوت العبد، وكذلك غير أحمد من الأئمة، وقال أحمد: «من قال: لفظي بالقرآن مخلوق ــ يريد به القرآن ــ فهو جهمي» (٢). والإنسان وجميع حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة، وجميع صفاته مخلوقة، فمن قال عن شيء من صفاته: إنها [غير] مخلوقة أو قديمة فهو مخطئ ضال. ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته: إنه مخلوق فهو مخطئ

стр. 2277

ضال. وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي في المصحف، فلم يكن أحدٌ من السلف يتوقف في ذلك، بل كلّهم متفقون على أنّ أصوات العباد مخلوقة (١)، وكلام الله الذي كُتِبَ بالمداد غير مخلوق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وهذه المسائل قد بُسِطَ الكلام عليها، وذُكِر أقوال العلماء (٢) واضطرابهم فيها في مواضع أخر (٣). فصل (٤) * و الذي يُصلي وقتًا ويترك الصلاةَ كثيرًا أو لا يصلي ؟ فالجواب: إن مثل هذا ما زال المسلمون يُصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يُصلي المسلمون عليهم ويُغسَّلون وتُجرى عليهم أحكامُ المسلمين، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ . وإن كان من قد علمَ نفاقَ شخصٍ لم يَجُز له أن يصلي عليه؛ كما نُهي النبيّ ﷺ عن الصلاة على من عَلِم نفاقَه، وأما من شكّ في حاله فيجوزُ الصلاةُ عليه إذا كان ظاهره الإسلام [ق ٣٥]، كما صلى

стр. 2278

النبيّ ﷺ على مَن لم يُنْه عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. ومثل هؤلاء يجوزُ النهيُ عنهم، ولكن صلاة النبي والمؤمنين على المنافقين لا تنفعه؛ كما قال النبي ﷺ لما ألْبَس ابنَ أُبيٍّ قميصَه: «وما يغني عنه قميصي من الله» (١). وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]. وتارك الصلاة أحيانًا وأمثاله من المتظاهرين بالفسق، فأهلُ العلم والدين إذا كان في هجر هذا وترك الصلاة عليه منفعةٌ للمسلمين، بحيث يكون ذلك باعثًا لهم على المحافظة على الصلاة؛ تركوا الصلاة عليه، كما ترك النبي ﷺ الصلاة على قاتل نفسه، والغالِّ، والمَدِين الذي لا وفاء له (٢)، وهذا شَرّ (٣) منهم.

стр. 2279

فصل (١) * وأما الكفار هل يُحاسبون يوم القيامة أم لا ؟ فالجواب: أن هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، فممن قال: إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن (٢)، والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي ــ من أصحاب أحمد ــ، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي. وفَصْل الخطاب: أنّ الحساب يُراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، أو يراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات. فإن أُريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يُحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أُريد المعنى الثاني، فإن قُصِدَ بذلك أن الكفار يبقى لهم حسنات يستحقّون بها الجنة، فهذا خطأ ظاهر، وإن أُريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب (٣) من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلَّت سيئاته، ومن كان له حسنات خُفِّف عنه العذاب، كما أنَّ أبا طالب أخفّ عذابًا من أبي لهب.

стр. 2280

[ق ٣٦] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]. وقال تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (١) [النحل: ٨٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. والنار دركات، فإذا كان بعضُ الكفار عذابه أشدّ من بعض ــ لكثرة سيئاته وقلّة حسناته ــ كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخول (٢) الجنة. فصل (٣) * وأما ما شَجَر بين الصحابة، فقد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليًّا (٤) وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة، بل ثبت في «الصحيح» (٥) أنه «لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرة». وأبو موسى الأشعري، وعَمْرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، هم من الصحابة ولهم فضائل ومحاسن. وما يُحكَى عنهم فكثير منه كذبٌ، والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين، فالمجتهد إذا أصابَ فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ، وخطؤه مغفورٌ له.

стр. 2281

وإن قُدِّر أنّ لهم ذنوبًا فالذنوب لا توجبُ دخول النار مطلقًا إلا إذا انتفت (١) الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرةٌ: منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفِّرة، ومنها شفاعة النبيّ ﷺ ، ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين، ومنها ما يُهدى للميت من الثواب، كالصدقة والعتق عنهم، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة (٢). وقد ثبت في «الصحيح» (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: «خير القرون القرن الذي بُعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وحينئذٍ فمن جزم في أحدٍ من هؤلاء أنَّ له ذنوبًا يدخل بها النار قطعًا فهو كاذب مفترٍ (٤)، فإنه لو قال مالا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تكلَّم فيما شَجَر بينهم بما (٥) نهى الله عنه من ذمِّهم أو التعصّب لبعضهم بالباطل فهو ظالم معتد.

стр. 2282

قد ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ [ق ٣٧] أنه قال: «يمرق مارقةٌ على حين فُرْقة من المسلمين يقتلهم (١) أولى الطائفتين بالحق» (٢). وثبت في «الصحيح» عنه أنه قال عن الحسن: «إن ابني هذا سيِّدٌ وسيصلحُ الله به بين فئتين عظيمتين [من المسلمين]» (٣). وفي «الصحيحين» (٤) عن عمَّار أنه قال: «تقتله الفئة الباغية». وقد قال الله في القرآن: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ما يدلّ على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن (٥) عليّ بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحقِّ من الطائفة المقابلة، والله أعلم.

стр. 2283

فصل (١) * وأما الشفاعة في أهل الكبائر من أمَّة محمد ﷺ وهل يدخلون الجنة ؟ فالجواب: أن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي ﷺ ، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهلُ البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم. ولا يبقى في النار مَنْ في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمان، بل كلهم يخرجون من النار إلى الجنة (٢) ويدخلون الجنة، ويبقى في الجنة فضل، يُنشئ الله لها خلقًا آخر يدخلهم الجنة، كما ثبت ذلك في «الصحيح» (٣) عن النبي ﷺ . فصل * وأما المطيعون من أمة محمد هل هم أفضل من الملائكة ؟ فالجواب: أنه قد ثبت عن عبد الله بن عَمْرو (٤) أنه قال: «إن

стр. 2284

الملائكة قالت: يا ربّ جعلت بني آدم يأكلون في الدنيا ويشربون ويتمتعون، فاجعل لنا الآخرة، كما جعلْتَ لهم الدنيا. قال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه: فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، فقال: وعزَّتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت [ق ٣٨] له كن فكان». ذكره عثمان بن سعيد الدارمي (١). وروى هذا عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» (٢) عن النبي ﷺ مرسلًا. وثبت عن عبد الله بن سلام أنه قال: «ما خلق الله خلقًا عليه أكرم من محمد، فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ فقال للسائل: أتدري ما جبريل وميكائيل، إنما جبريل وميكائيل خلق مسخّرٌ كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد» (٣). وما علمت عن أحد من الصحابة ما يخالف ذلك، وهذا هو المشهور عن المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم،

стр. 2285

وهو أن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة. ولنا في هذه المسألة مصنف مفرد، ذكرنا فيه الأدلة من الجانبين (١). فصل (٢) * وأما الميزان هل هو عبارة عن العدل أم له كِفَّتان ؟ فالجواب: أنّ الميزان ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٨] [﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف:٩]] (٣)، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وفي «الصحيحين» (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».

стр. 2286

وقال عن ساقَيْ عبدِ الله بن مسعود: «لهما في الميزان أثقل من أحد» (١). وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما، في الرجل الذي يُؤتى به، ويُنشر له تسعة وتسعون سجلًّا كلّ سجلّ منها مدّ البصر، فتوضع في كِفّة، ويُؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ : «فطاشت السِّجلّات، وثَقُلت البطاقة» (٢). وهذا وأمثاله مما يبيّن أنّ الأعمال توزن بموازين يتبين بها رُجْحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما يتبيَّن به [العدل] (٣)، والمقصود بالوزن العدل كموازين [ق ٣٩] الدنيا. وأما كيفيّة تلك الموازين، فهو بمنزلة كيفية سائر ما أُخْبِرنا به من الغيب.

стр. 2287

فصل (١) * وأما ال سؤال عن الله تعالى هل أراد المعصية من خلقه أم لا ؟ فالجواب: أن لفظ «الإرادة» مجمل له معنيان: فيقصد به المشيئة لما خلقه، ويقصد به المحبة والرضى لما أمر به. فإن كان مقصود السائل أنه أحبّ المعاصي ورضيها أو أمر بها، فلم يرِدْها بهذا المعنى؛ فإن الله لا يحبّ الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، بل قد قال لما نهى عنه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيّئةً (٢) عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨]. وإن أراد أنها من جملة ما شاء الله خَلْقَه (٣)، فالله خالق كل شيء، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في الوجود إلا ما شاءه. وقد ذكر الله في موضع أنه يريدها، وفي موضع أنه لا يريدها، والمراد بالأول أنه شاءها خلقًا، والثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها ولا أمر بها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال نوح: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].

стр. 2288

وقال في الثاني: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ ــ ٢٨]. وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ (١) لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فصل (٢) * وأما الباري سبحانه هل يُضل ويهدي ؟ فالجواب: أنَّ كل ما في الوجود فهو مخلوق له، خلقه بمشيئته وقدرته [ق ٤٠]، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يُعطي ويمنع، ويَخْفِض ويرفع، ويُعزّ ويُذلّ، ويُغني ويُفقر، ويُضلّ ويهدي، ويُسعد ويُشقي، ويُؤتي (٣) الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويشرح

стр. 2289

صدرَ من يشاء إلى الإسلام، ويجعل صدرَ من يشاء ضيقًا حرجًا كأنما يَصَّعَّد في السماء، وهو مقلِّب القلوب، ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه، وهو الذي حبّب إلى المؤمنين الإيمان وزيَّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون. وهو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصلِّيًا. قال الخليل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا [ق ٤١] صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال عن آل فرعون: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١]. وقال: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]. وقال: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، والفلك مصنوعةٌ لبني آدم، وقد أخبر الله أنه خلقها بقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢]. وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا

стр. 2290

وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وهذه كلها مصنوعات لبني آدم. وقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فـ «ما» بمعنى «الذي» أي: والذي تنحتونه (١)، ومن جعلها مصدريةً فقد غلط، لكن إذا خلق المنحوت كما خلق المصنوع والملبوس والمبني (٢) الذي دلَّ على أنه خالق كلِّ صانع وصنعته، كما في الحديث عن النبي ﷺ : «إنَّ الله خالق [ق ٤١] كلِّ صانع وصنعته» (٣). وقال ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِي (٤) وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٨]. وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

стр. 2291

وهو سبحانه خالق كلّ شيء وربّه ومليكه، وله فيما خلقه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ورحمة عامة وخاصة، وهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، لا لمجرَّد قدرته وقهره، بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته؛ فإنه سبحانه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وقد أحسنَ كلّ شيء خلَقَه، وقال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) [النمل: ٨٨]. وقد خلق الأشياء بأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٧٥]. وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. فصل (٢) * وأما المقتول هل مات بأجله أو قَطَع القاتلُ أجلَه ؟ فالجواب: أن المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحدٌ قبل أجله، ولا يتأخّر أحدٌ عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدَّم ولا تتأخَّر؛ فإنّ أجل الشيء هو نهاية مدّته، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل نهاية العمر بالانقضاء.

стр. 2292

وقد ثبتَ في «صحيح مسلم» (١) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «قدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يَخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشُه على الماء». وثبت في «صحيح البخاري» (٢) أن النبي ﷺ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذِّكْر كلّ شيء، وخلق السموات والأرض»، وفي لفظ (٣): «ثمّ خلق السماوات والأرض». وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]. [ق ٤٢] والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن، أو ذات الجنب، أو الهدم أوالغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا إما بالسمِّ وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل. وعِلْم الله ذلك وكتابته له، بل مشيئته لكل شيء، وخَلْقه لكل شيء، لا يمنع المدح والذمّ والثواب والعقاب، بل القاتل إن قَتَل قتلًا مما (٤) أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله، أثابه الله على ذلك، وإن قَتَل قتلًا حرَّمه اللهُ ورسولُه كفعل القُطَّاع

стр. 2293

والمتعدين، عاقبه اللهُ على ذلك، وإن قَتَل قتلًا مباحًا كقتل المقتصّ، لم يُثب ولم يُعاقب، إلا أن يكون له نيةٌ حسنة أو سيئة في أحدهما. والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجلٌ مقيَّد، وبهذا تبيّن قوله ﷺ : «مَن سَرَّه أن يُبْسَط له في رِزْقه ويُنسأ له في أثره، فليَصِل رَحِمَه» (١)، فإنّ الله أمر المَلَك أن يكتب له أجلًا وقال: إن وَصَل رَحِمَه كتب له (٢) كذا وكذا. والملك لا يعلم أيزاد (٣) أم لا، ولكن الله يعلم ما يستقرّ الأمر عليه، فإذا جاء ذلك لا يتقدَّم ولا يتأخّر. ولو لم يُقتل المقتول فقد قال بعض القدرية: إنه كان يعيش، وقال بعضُ نفاة الأسباب: إنه كان يموت، وكلاهما خطأ، فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا قُدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون. وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه. فلو فرضنا أنَّ الله علم أنه لا يُقتل أمكن أن يكون قَدَّر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قَدَّر حياته إلى وقتٍ آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جَهْل. وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قُدّر له من الرزق قد كان يموت أو يرزق شيئًا آخر. وبمنزلة من قال: لو لم يُحْبِل هذا الرجل [ق ٤٣] لهذه المرأة هل كانت عقيمًا أم يُحبلها رجلٌ

стр. 2294

آخر. ولم لم يزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتًا لا زرع بها؟ وهذا الذي تعلَّم القرآنَ مِن هذا لو لم يتعلّمْه هل كان يتعلّمه من هذا (١)، أم لم يكن يتعلم القرآن البتة؟ ومثل هذا كثير. فصل (٢) * وأما الغلاء والرُّخْص هل هما مِنَ الله تعالى أم لا ؟ فالجواب: أنّ جميع ما سوى الله من الأعيان وصفاتها وأحوالها مخلوقةٌ لله، مملوكةٌ لله، وهو ربها وخالقها ومليكها ومدبّرها، لا ربَّ لها غيره، ولا إله سواه لها، له الخلق والأمر، لا شريكَ له في شيء من ذلك ولا مُعين، بل هو كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ ــ ٢٣]. أخبر سبحانه أنَّ ما يُدعَى من دونه ليس له مثقال ذرَّةٍ في السماوات ولا في الأرض، ولاشرك في ملك، ولا إعانة على شيء، وهذه الوجوه الثلاثة هي (٣) التي يثبت بها حقّ، فإنه إما أن يكون مالكًا للشيء

стр. 2295

مستقلًّا (١) بملكه، أو يكون مشاركًا فيه له فيه نظير (٢)، أو لا ذا ولا ذاك، فيكون معينًا لصاحبه كالوزير والمشير والمعلّم والمنْجِد والناصر، فبين سبحانه أنه ليس لغيره ملك مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض، ولا لغيره شرك في ذلك لا قليل ولا كثير، فلا يملكون شيئًا، ولا لهم شرك في شيء، ولا له سبحانه ظهير، وهو المظاهر المعاون، فليس له وزير ولا معين ولا مشير ونظير، وهو كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. فإنَّ المخلوق يوالي المخلوق لذلّه؛ فإذا كان له من يواليه [عز بوليه] (٣)، والرّبُّ تعالى لا يوالي [ق ٤٤] أحدًا لذلّته (٤) تعالى عن ذلك، بل هو العزيز بنفسه، و ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، وإنما يوالي عبادَه المؤمنين لرحمته (٥) ونعمته وحكمته، وإحسانه وجوده، وتفضُّله وإنعامه.

стр. 2296

وحينئذٍ فالغلاء بارتفاع الأسعار والرُّخص بانخفاضها، هما (١) من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيءٌ منها إلا بمشيئته وقدرته، لكن هو سبحانه قد جعل بعضَ أفعال العباد سببًا في بعض الحوادث، كما جعل [قتل] القاتل سببًا في موت المقتول، وجعل ارتفاع الأسعار قد يكون بسبب ظلم بعض العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس، ولهذا أضاف من أضاف من القدريَّة المعتزلة وغيرهم الغلاءَ والرخصَ إلى بعض الناس، وبنوا ذلك على أصولٍ فاسدة. أحدها: أنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله. والثاني: أنَّ ما يكون فعل العبد سببًا له، يكون العبد هو الذي أحدثه. والثالث: أنّ الغلاء والرُّخْص إنما يكون بهذا السبب. وهذه أصول باطلة، فإنه قد ثبت (٢) أنّ الله خالق كلّ شيء من أفعال العباد وغيرها، ودلت على ذلك الدلائل الكثيرة السمعية [والعقلية]، وهذا متفق عليه من السلف والأئمة، وهم مع ذلك يقولون: إن العباد لهم قدرة ومشيئة، وأنهم فاعلون لأفعالهم، ويثبتون ما خلقه الله من الأسباب، وما خلق له (٣) من الحِكَم.

стр. 2297

ومسألة القدر مسألةٌ عظيمة ضلَّ فيها طائفتان من الناس (١): طائفة أنكرت أنَّ الله تعالى خالق كلِّ شيء، أو أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما أنكرت ذلك المعتزلة. وطائفة أنكرت أن يكون العبد فاعلًا لأفعاله، أو أن يكون له قدرة لها تأثير في مقدورها، أو أن يكون في المخلوقات ما هو سببٌ لغيره، أو أن يكون الله خلق شيئًا لحكمة، كما أنكر ذلك الجهم بن صفوان [ق ٤٥] ومن اتبعه من المُجْبرة الذين ينتسب كثيرٌ منهم إلى السُّنة. فالكلام على هذه المسألة مبسوط في مواضع أخر. وأما (٢) الثاني: وهو أنّ ما كان فِعْلُ العبد أحدَ أسبابه، كالشبع والرِّي الذي يكون بسبب الأكل، وزهوق النفس الذي يكون بسبب القتل، فهذا قد جعله أكثر المعتزلة فعلًا للعبد، والجبرية لم يجعلوا لفعل العبد فيه [تأثيرًا، بل ما] (٣) تيقّنوا أنه سبب، قالوا: إنه عنده لا به. وأما السلف والأئمة فلا يجعلون للعبد فعلًا (٤) لذلك كفعله لِمَا قام به من الحركات، ولا يمنعون أن يكون مشاركًا أسبابه، وأن يكون الله جعل فعل العبد مع غيره أسبابًا في حصول مثل ذلك.

стр. 2298

وقد ذكر الله في كتابه النوعين بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ ــ ١٢١]. والإنفاق والسير هو نفس أعمالهم القائمة بهم فقال فيها: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ ولم يقل: «إلا كُتب لهم به عمل صالح» فإنها بنفسها عمل، بنفس كتابتها يتحَصَّل بها المقصود، بخلاف الظمأ والنَّصَب والجوع الحاصل بغير (١) الجهاد، وبخلاف غيظ الكفار وبما نيل منهم؛ فإن هذه ليست نفس أفعالهم، وإنما هي حادثة عن أسباب منها أفعالهم، فلهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾. فبيَّن (٢) أنَّ ما يحدث من الآثار عن أفعال العبد يُكْتب لهم بها عمل؛ لأن أفعالهم كانت سببًا فيها، كما قال ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوِزْر [ق ٤٦] مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص

стр. 2299

من أوزارهم شيء» (١). والأصل الثالث: أنَّ الغلاءَ والرُّخْص لا تنحصر أسبابه في ظلم (٢) بعض الناس، بل قد يكون سببه قلّة ما يُخلق أو يُجلب من ذلك المال المطلوب، فإذا كثرت الرغبات في الشيء وقل المرغَّبُ فيه ارتفع سعره، وإذا كثر وقلَّت الرغباتُ فيه انخفض سعره. والقلة والكثرة قد لا تكون سببًا من العباد، وقد يكون لسبب لا ظلمَ فيه، وقد يكون بسبب [فيه] ظلم، والله يجعل الرغبات في القلوب، فهو سبحانه كما جاء في الأثر: «قد تُغْلى الأسعار والأهواء غزار، وقد تُرْخَص الأسعار والأهواء قفار» (٣). فصل * وأما السؤال عن المعراج، هل عُرِج بالنبيّ ﷺ يقظة أو منامًا ؟ فالجواب: أنّ الذي عليه جماهير السلف والخلف أنه كان يقظة، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ

стр. 2300

الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ ــ ١٨]. ومعلوم أنّ قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ تعظيم لهذه الآية وتسبيح الربِّ الذي فعلها، والتسبيح يكون عند الأمور العجيبة العظيمة الخارجة عن العادة. ومعلوم أنّ عامة الخلق يرى أحدهم في منامه الذهاب من مكة إلى الشام، وليس هذا مما يُذكر على هذا الوجه من التعظيم، وهو سبحانه ذكر في تلك السورة ما يتمكّن الرسول من ذكر الشواهد ودلائله، فإنهم لمّا أنكروا الإسراء، وقد علموا أنه لم يكن رأى (١) بيتَ المقدس، فسألوه عن صفته لِيَبِين لهم هل هو صادق، فأخبرهم عن صفته خبرَ من عاينه، وأخبرهم عن عِير كانت لهم [ق ٤٧] بالطريق، ولو كان منامًا لما اشتدَّ إنكارهم له، ولا سألوه عن صفته، فإنَّ الرائي قد يرى الشيء في المنام على خلاف صفته. ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ ــ ١٨] صريح في أنَّ بصره رأى ما رآه في الملأ الأعلى، وأنه ما زاغ بصره وما طغى. وقد ثبت أنّ جنة المأوى وسدرة المنتهى في السماء لا في الأرض، فإذا رأى بعينه ما هنالك امتنع أن

стр. 2301

يكون ذلك منامًا، ودلّ ذلك على أنّ جسده كان هنالك، ولكنه سبحانه ذكر في سورة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ لأنه مما ذكر له دلائله وشواهده (١) [و] ذلك تمهيدًا لما أخبر به عن رؤية ما رآه عند سدرة المنتهى، والقرآن يدلُّ على ذلك حيث قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم:٥ ــ ٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣]، ثم قال في النجم: ﴿وَلَقَدْ رَأَىهُ﴾ أي رأى الذي رآه بالأفق الأعلى مرةً أخرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. وهذا قول أكثر السلف كابن مسعود وعائشة وغيرهما. وقالت طائفة منهم ابن عباس: إن محمدًا رأى ربه بفؤاده مرتين (٢). ولم يقل أحدٌ من الصحابة ولا من الأئمة المعروفين كأحمد بن حنبل وغيره: إنه رآه بعينه، ولا في أحاديث المعراج الثابتة شيء من ذلك، وقد نقل بعضهم ذلك عن ابن عباس، وقد نقلوه روايةً عن أحمد بن حنبل، وهو غلط على ابن عباس وعلى أحمد، كما بُسِطَ الكلامُ على هذا في غير هذا الموضع (٣)، ولكن جاءت عن النبي ﷺ أحاديث أنه رأى ربَّه في المنام

стр. 2302

بالمدينة، ولم يكن ذلك ليلة المعراج؛ فإنَّ المعراج كان بمكة. وقد اتفق السلف [ق ٤٨] والأئمة على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وفي عَرَصات القيامة، وفي الجنة. واتفقوا على أن أحدًا من البشر لا يرى الله بعينه في الدنيا، لم يتنازعوا إلا في نبينا محمد ﷺ . والذي عليه الأئمة والأكابر من السلف أنه لم يره بعينه في الدنيا أحدٌ، وقد ثبت في «صحيح مسلم» (١) وغيره عن أبي ذر أنه قال: «سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربَّك؟ فقال: «نور أنى أراه؟». وما يذكره بعض الناس من أنه قال لأبي بكر: «رأيته»، وقال لعائشة: «لم أره» (٢) = فهو من الأكاذيب التي لم يروها أحد من علماء الحديث، بل اتفقوا على أنَّ ذلك كذب. وثبت في «صحيح مسلم» (٣) وغيره عن النبيّ ﷺ أنه قال: «واعلموا أنّ أحدًا منكم لن يرى رَبَّه حتى يموت». وأما رؤية (٤) جبريل بعينه منفصلًا (٥) عنه يقظة؛ فهذا مما نطق به الكتاب والسنة واتفق عليه المسلمون، وإنما ينازع في ذلك المتفلسفة القائلون بأن جبريل هو خيال يتخيل في نفسه، أو أنه العقل الفعَّال، ويقولون: إن هذا لا يمكن رؤيته بالعين، وهذا القولُ كفرٌ بالأنبياء،

стр. 2303

وإنّ ما جاءَ به مخالفٌ لدين المسلمين واليهود والنصارى. وقد أخبر الله عن الملائكة وصفاتهم، وتصوّرهم في صورة البشر في القرآن وغيره مما يخالف قول هؤلاء الملاحدة، وإثبات رؤيته لجبريل، وأن جبريل مَلَك عظيم ــ ليس هو خيالًا (١) في النفس، ولا هو مما يذكره المتفلسفة من العقول التي لا حقيقة لها إلا أمورًا مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ــ هو من أعظم أصول الإسلام والإيمان، وذلك واجبٌ، بخلاف رؤية محمد ربَّه بعينه؛ فإن هذا ليس يجب اعتقاده عند أحد من أئمة المسلمين، ولا نطق به كتاب ولا سنة صحيحة، ولا قاله أحد من الصحابة، ولا من الأئمة المشهورين، كالأئمة الأربعة وأمثالهم من أئمة المسلمين. وقد حكى [ق ٤٩] غير واحد من [العلماء] (٢) إجماعَ المسلمين ــ كعثمان بن سعيد الدارمي وغيره ــ على أن محمدًا ﷺ لم يرَ ربَّه بعينه (٣). وأما من يدّعي إجماعَ أهل السنة، أو إجماع المسلمين المثبتين (٤) للرؤية في الآخرة، على أنّ محمدًا رأى ربَّه بعينه ليلةَ المعراج، كما يذكر

стр. 2304

ذلك بعض الناس، مثل ابن شُكْر المصري (١) ونحوه، فهذا كلام جاهل بالكتاب والسنة وكلام السلف. وقد زعم طائفة أن المعراج كان مرتين: مرة منامًا، ومرة يقظةً. ومنهم من جعله ثلاث مرات، والصواب أنه كان مرةً واحدةً، وتلك الليلة فُرِضَت الصلوات الخمس، ولم يكن هذا إلا مرة واحدة لم تُفرض مرتين، ولكن بعض الناس غلط في بعض ما نقله؛ فقيل: إنه كان قبل النبوّة منامًا، وأن تلك الليلة فُرضت الصلوات الخمس قبل فرضها بعد النبوّة، وهذا غلط. فصل * وأما المبتدعة هل هم كفار أو فسَّاق ؟ والجواب: أنَّ المبتدعةَ جنسٌ تحته أنواع كثيرة، وليس حكم جميع المبتدعة سواء، ولا كل البدع سواء، ولا مَن ابتدع بدعةً تخالف القرآن والحديث مخالفةً بيِّنةً ظاهرةً، كَمَن ابتدع بدعةً خفيّةً لا يُعلم خطؤه فيها

стр. 2305

إلا بعد نظر طويل، ولا مَن كثر اتِّباعه السنة إذا غلط في مواضع كثيرة، كمن كثر مخالفته للسنة وقلّ متابعته لها، ولا من كان مقصوده اتباع الرسول باطنًا وظاهرًا، وهو مجتهد في ذلك، لكنه يخفى عليه بعض السنة أحيانًا، كمن هو مُعرِضٌ عن الكتاب والسنة، طالب الهدى في طرق الملحدين في آيات الله وأسمائه، المتبعين لطواغيتهم من أئمة الزندقة والإلحاد وشيوخ الضلال والأهواء. فقد جعل الله لكل شيء قدرًا. فمن كان من أهل البدع والتحريف للكلم عن مواضعه (١) والإلحاد في أسماء الله وآياته ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ [ق ٥٠] الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ومن كان مفرِّطًا في طلب ما يجب عليه من العلم والسنة، متعصِّبًا لطائفة دون طائفة، لهواه ورياسته، قد ترك ما يجب عليه من طلب العلم النبوي وحُسْن القصد، ولكنه مع ذلك مؤمن بما جاء به الرسول، إذا تبين له ما جاء به الرسول لم يكذبه، ولا يرضى أن يكون مشاقًّا للرسول متبعًا لغير سبيل المؤمنين، لكنه يتبع هواه ويتكلم بغير علمٍ، فهذا قد يكون من أهل الذنوب والمعاصي وفساقهم، الذين حُكْمُهم حكم أمثالهم من المسلمين أهل الفتن والفُرقة والأهواء والذنوب.

стр. 2306

ومن كان قصده متابعة الرسول باطنًا وظاهرًا، يقدِّم رضا الله على هواه، مجتهدًا في طلب العلم الذي بعث الله به رسوله باطنًا وظاهرًا، لا يقدّم طاعةَ أحدٍ على طاعة الرسول، ولا يوافق أحدًا على تكذيب ما قاله الرسول، ولو كان من أهل قرابته أو مدينته أو مذهبه أو حِرْفته (١)، لكنه قد خفي عليه بعض السنة، إما لعدم سماعه للنصوص النبويّة أو لعدم فهمه (٢) لما أراده الرسول، أو لسماع أحاديث ظنها صدقًا وهي كذب، أو لشبهات ظنها حقًّا وهي باطل، كما قد وقع في بعض ذلك كثير من علماء المسلمين وعُبَّادهم. وأكثر المتأخرين من (٣) العلماء والعُبَّاد لم يَخْلصوا من أكثر ذلك، فهؤلاء ليسوا (٤) كفّارًا ولا فسّاقًا، بل مخطئون خطأ يغفره الله لهم، كما قال تعالى على لسان المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقد ثبت في «الصحيح» (٥) أنّ الله أستجاب هذا الدعاء. وثبت في «الصحيح» (٦) من غير وجهٍ أنّ الله تعالى غفر للذي قال:

стр. 2307

«إذ أنا متّ فأحرقوني واسحقوني واذروني في اليَمِّ، فوالله لئن قَدَر الله عليَّ ليعذّبَنّي [ق ٥١] عذابًا لا يعذّبه أحدًا من العالمين». فهذا مؤمنٌ ظنّ أنّ الله لا يقدِر على إعادته، وأنه لا يعيده إذا فعل ذلك، وقد غفر الله له هذا الخطأ بخشيته منه وإيمانه. وقد أنكر كثيرٌ من السلف أشياء خالفوا بها السنة، ولم يكفرهم أحدٌ من أئمة الدين، فقد كان غير واحدٍ يكذِّب بأحاديث ثابتة عن النبي ﷺ ويغلِّط رواتها؛ لما ظنه معارضًا لها من ظاهر القرآن، أو أنكر (١) خبرًا، كما أنكرت عائشةُ عدة أخبار، وأبو بكر وعمر وعليّ وزيد وغيرهم بعض الأخبار، وأنكر غير واحدٍ بعض الآيات التي لم يعلم أنها من القرآن، وهؤلاء من سادات المسلمين، وخيار أهل الجنة وأفضل هذه الأمة، وقد اختلفوا أختلافًا آل بهم إلى الاقتتال بالسيف والتلاعن باللسان، ومع هذا فالطائفتان من أهل العلم والإيمان، مبرؤون عند أهل السنة من الكفر والفسوق. وقد صحَّ عن النبي ﷺ الحديث في الخوارج من وجوهٍ كثيرة، قال أحمد بن حنبل: صحَّ فيهم الحديث من عشرة أوجه (٢).

стр. 2308

وقد رواها مسلم ــ صاحب أحمد ــ في «صحيحه» (١)، وروى البخاري (٢) قطعةً منها، فثبت بالنصّ وإجماع الصحابة أنّ الخوارج مارقون ومبتدعون مستحقّون القتال، فقد قال فيهم النبي ﷺ : «يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، وقراءتَه مع قراءتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرَهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهمُ من الرَّمِيَّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (٣). ومع هذا فلم يكفِّرهم الصحابة، بل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي قاتلهم حكم فيهم بحكمه في المسلمين الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك الصحابة كسعد بن أبي وقاص ذكروا أنهم من المسلمين، هذا مع أن الخوارج كفّروا عثمان وعليًّا ومَنْ والاهما، وكانوا [ق ٥٢] يقتلون أهلَ الإسلام ويدَعون أهلَ الأوثان، وقد قتلوا من المسلمين ما شاء الله.

стр. 2309

فصل (١) * في الدابّة كالجاموس وغيره يقع في الماء فيُذبح ويموت وهو في الماء، هل يؤكل؟ والجواب: أنه إذا كان الجرح غير موحٍ (٢) وغاب رأس الحيوان في الماء، لم يحلّ أكله، فإنه اشترك في أجله السببُ الحاظرُ والمبيحُ (٣)، كما قال النبي ﷺ لعديّ بن حاتم: «إن خالط كلبَك كلابٌ أخَر فلا تأكل؛ فإنك إنّما سمّيت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره» (٤). وإن كان بدنه في الماء ورأسه خارج الماء لم يضرّ ذلك شيئًا. وإن كان الجرح موحيًا ففيه نزاع معروف. فصل (٥) * وأما السؤال عن غسل الجنابة هل هو فرض؟ وهل يجوز لأحد الصلاة جنبًا ؟ فالجواب: أنّ الطهارة من الجنابة فرض، ليس لأحدٍ أن يصلي جُنبًا ولا محدِثًا حتى يتطهَّر، ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلًّا لذلك

стр. 2310

فهو كافر، وإن لم يستحل ذلك فقد اختُلف في كفره، وهو مستحقٌّ للعقوبة الغليظة، لكن إن كان قادرًا على الاغتسال بالماء اغتسل، وإن كان عادمًا للماء، أو يخاف الضرر باستعماله لمرض أو خوف بردٍ تيمَّمَ (١). وإن تعذَّر الغسل والتيمّم صلى بلا غسل ولا تيمّم ــ في أظهر أقوال العلماء ــ ولا إعادة عليه. فصل * وأما السؤال عن مَلك (٢) الموت، هل يُؤتَى به يوم القيامة ويُذْبح أم لا ؟ الجواب: أنه قد ثبت في الصّحاح (٣): «أنه يُؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة. فيشْرَئبُّون (٤) وينظرون، ويا أهل النار. فيشْرَئبُّون وينظرون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ

стр. 2311

الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. ولكن هذا [ق ٥٣] مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عَرَض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا، قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب، فلا تنقلب الحركة طعمًا، والطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنسٌ واحدٌ، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدَّل (١) الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة. وأنكر ذلك على هؤلاء غيرُهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإنّ الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله سبحانه يقلب الجنس إلى الجنس الآخر؛ كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا، والتراب ماء، والماء ترابًا، وكما يقلب المنيّ عَلَقة، والعَلَقة مُضْغة، والمضغة عظامًا، وكما يقلب الحبة شجرة، وكما يقلب ما يخرج من الشجر ثمرًا. فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله ﵇: «اقرؤوا القرآن، اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو (٢)

стр. 2312

غيايتان أو فِرْقان من طير صوافّ يحاجّان عن صاحبهما» (١). وقال: «إنّ لسبحان الله، والحمد، لله ولا إله إلا الله، والله (٢) أكبر، دويًّا عند العرش تذكُر صاحبَها» (٣). وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٤). وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وهذا باب متسع، يتسع (٥) الكلام فيه، قد بُسط في موضع آخر.

стр. 2313

فصل * وأما من سأل ع من اعتقد الإيمان بقلبه ولم يقر بلسانه، هل يصير مؤمنًا ؟ الجواب: أما مع القدرة على الإقرار باللسان، فإنه لا يكون مؤمنًا لا باطنًا [ق ٥٤] ولا ظاهرًا عند السلف والأئمة وعامة طوائف القبلة، إلا جهمًا ومن قال بقوله، كالصالحي (١) وطائفة من المتأخرين كأبي الحسن وأتباعه، وبعض متأخر [ي أصحاب] (٢) أبي حنيفة: زعموا أن الإيمان مجرَّد تصديق القلب، وأن قول اللسان إنما يعتبر في أحكام الدنيا والآخرة، فيجوِّزون أن يكون الرجل مؤمنًا بقلبه وهو يسبّ الأنبياء والقرآن، ويتكلم بالشرك والكفر من غير إكراه ولا تأويل. وهذا القول قد كَفَّر قائلَه غيرُ واحدٍ من الأئمة، كوكيع بن الجرَّاح وأحمد بن حنبل وغيرهما. وألزم المسلمون قائلَ هذا القول أن يكون إبليس مؤمنًا، وفرعون

стр. 2314

مؤمنًا، واليهود مؤمنين، وأبو طالب وأبو جهل وغيرهما ممن عَرَف أن محمدًا حق مؤمنين (١). وأن يكون من قاتَل الأنبياءَ مؤمنًا، ومن ألقى المصاحف في الحشوش وأهانها غاية الإهانة مؤمنًا (٢)، وأمثال هؤلاء ممن لا يشكّ مسلمٌ في كفره. فأجابوا بأنه كلّ من دلَّ النصُّ أو الإجماع على كفره، [عَلِمْنا] (٣) أنه كان في الباطن غير مقرٍّ (٤) بالصانع، وألزموا أن يكون إبليس وفرعون وقومه واليهود ومعاندو الفرق غير مقرّين بالصانع. قال لهم أئمة المسلمين وجمهورهم: هذه مكابرة ظاهرة وبهتان بيِّن؛ فإن الله قد قال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون (٥): ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال عن قوم من المشركين: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].

стр. 2315

وإبليس لم يُرْسَل إليه رسول فيكذبه، ولكن الله أمره فاستكبر وأبى وكان من الكافرين، فعُلِم أنّ الكفر قد يكون من غير تكذيبٍ بل عن كبرٍ وامتناع من قول الحق والعمل به، وعُلِم أنه قد يعلم الحق بقلبه من لا يقر به ولا يتبعه، ويكون كافرًا. ومتى استقر [ق ٥٥] في القلب التصديق والمحبة والطاعة، فلا بدَّ أن يظهر ذلك على البدن في اللسان والجوارح؛ فإنه ما أسرَّ أحدٌ سريرةَ خيرٍ أو شرٍّ إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفَلَتات لسانه، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فإذا كان المنافق الذي يجتهد في كتمان نفاقه لا بدَّ أن يظهر (١) في لحن قوله، والمؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه ــ كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون ــ يظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فكيف يكون مؤمن قد حصل في قلبه الإيمان التام بالله تعالى ورسوله، ولا ينطق بذلك من غير مانع يمنعه من النطق؟ بل هذا مما يُعلَم بصريح العقل امتناعُه، كما قد بُسِط ما يتعلق بهذه المسألة في غير هذا الموضع (٢). وأما الأخرس فليس من شرط إيمانه نطق لسانه، والخائف لا يجب
следующие страницы →