الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
ولكن هذا [ق ٥٣] مما استشكله كثير من الناس، وقالوا: الموت عَرَض، والأعراض لا تنقلب أجسامًا، قالوا: لأن الأجناس لا تنقلب، فلا تنقلب الحركة طعمًا، والطعم لونًا، ولكن الأجسام في قولهم جنسٌ واحدٌ، فلهذا ينقلب بعضها إلى بعض، كانقلاب الماء ملحًا ورمادًا، قالوا: وإنما تتبدَّل (١) الأعراض، وأما الأجسام فهي مركبة عندهم من جواهر منفردة متماثلة.
وأنكر ذلك على هؤلاء غيرُهم، وقال: ما ذكرتموه خطأ في المعقول والمنقول، فإنّ الصواب أن الأجسام أجناس مختلفة كالأعراض، وليس حقيقة الذوات كحقيقة الماء، وأن الله سبحانه يقلب الجنس إلى الجنس الآخر؛ كما يقلب الهواء ماء، والماء هواء، والنار هواء، والهواء نارًا، والتراب ماء، والماء ترابًا، وكما يقلب المنيّ عَلَقة، والعَلَقة مُضْغة، والمضغة عظامًا، وكما يقلب الحبة شجرة، وكما يقلب ما يخرج من الشجر ثمرًا. فهو سبحانه يخلق من الأعراض أجسامًا كما ورد بذلك النصوص في مواضع، كقوله ﵇: «اقرؤوا القرآن، اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو (٢)
стр. 2312
غيايتان أو فِرْقان من طير صوافّ يحاجّان عن صاحبهما» (١).
وقال: «إنّ لسبحان الله، والحمد، لله ولا إله إلا الله، والله (٢) أكبر، دويًّا عند العرش تذكُر صاحبَها» (٣).
وقال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٤).
وقد قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وهذا باب متسع، يتسع (٥) الكلام فيه، قد بُسط في موضع آخر.
стр. 2313
فصل
* وأما من سأل ع من اعتقد الإيمان بقلبه ولم يقر بلسانه، هل يصير مؤمنًا ؟
الجواب: أما مع القدرة على الإقرار باللسان، فإنه لا يكون مؤمنًا لا باطنًا [ق ٥٤] ولا ظاهرًا عند السلف والأئمة وعامة طوائف القبلة، إلا جهمًا ومن قال بقوله، كالصالحي (١) وطائفة من المتأخرين كأبي الحسن وأتباعه، وبعض متأخر [ي أصحاب] (٢) أبي حنيفة: زعموا أن الإيمان مجرَّد تصديق القلب، وأن قول اللسان إنما يعتبر في أحكام الدنيا والآخرة، فيجوِّزون أن يكون الرجل مؤمنًا بقلبه وهو يسبّ الأنبياء والقرآن، ويتكلم بالشرك والكفر من غير إكراه ولا تأويل. وهذا القول قد كَفَّر قائلَه غيرُ واحدٍ من الأئمة، كوكيع بن الجرَّاح وأحمد بن حنبل وغيرهما.
وألزم المسلمون قائلَ هذا القول أن يكون إبليس مؤمنًا، وفرعون
стр. 2314
مؤمنًا، واليهود مؤمنين، وأبو طالب وأبو جهل وغيرهما ممن عَرَف أن محمدًا حق مؤمنين (١). وأن يكون من قاتَل الأنبياءَ مؤمنًا، ومن ألقى المصاحف في الحشوش وأهانها غاية الإهانة مؤمنًا (٢)، وأمثال هؤلاء ممن لا يشكّ مسلمٌ في كفره.
فأجابوا بأنه كلّ من دلَّ النصُّ أو الإجماع على كفره، [عَلِمْنا] (٣) أنه كان في الباطن غير مقرٍّ (٤) بالصانع، وألزموا أن يكون إبليس وفرعون وقومه واليهود ومعاندو الفرق غير مقرّين بالصانع.
قال لهم أئمة المسلمين وجمهورهم: هذه مكابرة ظاهرة وبهتان بيِّن؛ فإن الله قد قال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون (٥): ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال عن قوم من المشركين: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
стр. 2315
وإبليس لم يُرْسَل إليه رسول فيكذبه، ولكن الله أمره فاستكبر وأبى وكان من الكافرين، فعُلِم أنّ الكفر قد يكون من غير تكذيبٍ بل عن كبرٍ وامتناع من قول الحق والعمل به، وعُلِم أنه قد يعلم الحق بقلبه من لا يقر به ولا يتبعه، ويكون كافرًا.
ومتى استقر [ق ٥٥] في القلب التصديق والمحبة والطاعة، فلا بدَّ أن يظهر ذلك على البدن في اللسان والجوارح؛ فإنه ما أسرَّ أحدٌ سريرةَ خيرٍ أو شرٍّ إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفَلَتات لسانه، وقال تعالى عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، فإذا كان المنافق الذي يجتهد في كتمان نفاقه لا بدَّ أن يظهر (١) في لحن قوله، والمؤمن الذي يجتهد في كتمان إيمانه ــ كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون ــ يظهر إيمانه على لسانه عند المخالفين الذين يخالفهم، فكيف يكون مؤمن قد حصل في قلبه الإيمان التام بالله تعالى ورسوله، ولا ينطق بذلك من غير مانع يمنعه من النطق؟ بل هذا مما يُعلَم بصريح العقل امتناعُه، كما قد بُسِط ما يتعلق بهذه المسألة في غير هذا الموضع (٢).
وأما الأخرس فليس من شرط إيمانه نطق لسانه، والخائف لا يجب
стр. 2316
عليه النطق عند من يخافه، بل لا بدَّ من النطق فيما بينه وبين الله.
فصل
* وأما السؤال عن القرآن إذا قرأه الأحياء للأموات فأهدوه إليهم، هل يصل ثوابه سواء كان بعيدًا أو قريبًا؟
والجواب: أن العبادات المالية كالصدقة تصل إلى الميت باتفاق الأئمة؛ لأنه تدخلها النيابة بالاتفاق، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصيام والقراءة ففيها قولان للعلماء:
أحدهما: يصل ثوابها للميت، وهذا مذهب أحمد بن حنبل وأصحابه، وهوالذي ذكره الحنفية مذهبًا لأبي حنيفة، واختاره طائفةٌ من أصحاب مالك والشافعي، وقد ثبت في «الصحيح» (١) عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه». فجعل الصيام يقبلُ النيابة.
ومنهم من قال: إنه لا يصل، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي.
ومن احتجَّ على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فحجَّتُه داحضة؛ فإنه قد ثبت بالنص والإجماع [ق ٥٦] أنه ينتفع بالدعاء له والاستغفار والصدقة والعتق وغير ذلك، فالقول في مواقع النزاع كالقول في موارد الإجماع.
وقد ذكر الناس في الآية أقاويل، أصحها أن الآية لم تنف انتفاع
стр. 2317
الإنسان بعمل غيره، وإنما نفت أن يستحقّ غيرَ سعيِه بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وهذا حقّ، لا يستحقّ إلا سعي نفسه لا سعي غيره، لكن لا يمنع ذلك أن الله تعالى يرحمه وينفعه بغير سعيه، كما يُدْخل أطفال المؤمنين الجنة بغير سعيهم، وكما يُنشئ في الآخرة خلقًا يسكنهم الجنة بغير سعيهم، وكما ينتفع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، وكما ينتفع بصدقة غيره، فكذلك بصيامه وقراءته وصلاته.
فصل
* وأما السؤال عن البئر إذا وقع بها نجاسة هل تنجس أم لا، وإن تنجست كم ينزح منها ؟
والجواب: إذا كان الماء قُلّتين ــ وهو نحو قنطار بالدمشقي ــ لم ينجس إلا بالتغيير عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وكذلك لو كانت أقلّ من قُلتين لم ينجس إلا بالتغيُّر في أظهر قولي العلماء، وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب أهل المدينة وروايتهم عن (١) كأبي المحاسن الروياني، وحُكِيَ قولًا للشافعي
стр. 2318
ومالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، كابن عقيل وأبي محمد بن المَنِّي (١) وغيرهما، وهو قول طائفة من أصحاب الشافعي.
فإذا لم يتغير الماء لم يُنْزح من البئر شيء، سواء تمعَّط فيها شعر الفأرة أو الهرّ أو غيرهما، أو لم يتمعَّط، فإنَّ شَعْر الميتة طاهر (٢) عند أكثر العلماء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه.
وإن تغيّر الماءُ بالنجاسة نُزح مقدار ما يطيب به الماء ويزول تغيره بالنجاسة، وليس لذلك حدٌّ مقدَّرٌ، والله أعلم.
فصل
* عن شهر رمضان هل يصام بالهلال أو بالحساب والقياس [ق ٥٧] إذا حال دونه غيم أو غيره؟
والجواب: إذا رأى الناسُ الهلالَ ليلة الثلاثين من شعبان أو أكملوا عدة
стр. 2319
شعبان ثلاثين، وجبَ عليهم الصوم باتفاق العلماء أئمة الإسلام، ولا يجب الصيام قبل ذلك عند عامّة السلف والخلف، لا في الغيم ولا في الصحو.
والإمامُ أحمد لم يكن يوجب الصيام ليلةَ الغيم، ولكن استحبّ ذلك اتباعًا لابن عمر وغيره من الصحابة، ولكن أوجب صيامَه طائفةٌ من أصحابه، وهذا القول لم يُنْقَل عن أحدٍ من السلف. وآخرون من أصحابه نهوا عن صيامه نهي تحريم أو تنزيه، كأبي الخطاّب وابن عقيل وأبي القاسم بن منده وغيرهم، وهذه رواية ثانية (١) عنه. وهذا قول مالك والشافعي.
وكثير من الصحابة والتابعين والعلماء كانوا يصومون يوم الغيم على طريق الاحتياط لا على طريق الإيجاب. ومذهب مالكٍ وأبي حنيفة: يجوز صوم يوم الشك مع الصحو والغيم. وكثير منهم ينهى عن صومه في الصحو والغيم، وكثير منهم كان يصومه في الغيم دون الصحو، وهو المشهور عن أحمد، وعنه رواية أخرى: أنه لا يصوم إلا مع الناس، وقال: لا يصوم وحده لكن يصوم مع الجماعة، يدُ الله على الجماعة. وهذه الرواية أظهر؛ لما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون» (٢).
стр. 2320
والشهر اسم لما يشتهر، والهلال اسم لما يستهلّ به الناس، فما لم يشتهر ولا يستهل لا يكون شهرًا ولا هلالًا، وقد بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع (١).
وقد ثبت في السنة وآثار السلف أنه لو انفرد برؤية هلال ذي الحجة لم يقف بعرفات وحدَه، ولكن يقف مع الناس، فكذلك الصوم والفطر على هذه الرواية، فإذا رأى الهلال وحْدَه لم يصم، ولم يُستحبّ له الصوم وحده بل يُكره، وهذه رواية منصوصة [ق ٥٨] عن أحمد بن حنبل، وهي أرجح في الدليل.
والعلماء لهم فيمن انفرد برؤية هلال الصوم والفطر ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.
أحدها: أنه يصوم وحده ويفطر وحده سرًّا، كقول الشافعي.
والثاني: أنه (٢) يصوم وحده ولا يفطر إلا مع الناس، وهو المشهور عن أحمد ومالك وأبي حنيفة.
стр. 2321
والثالث: أنه لا يصوم إلا مع الناس ولا يفطر إلا مع الناس، وهذا أرجح الأقوال. ومن رجح الاستحباب زعم أن هذا القول أقيس الأقوال، فإن ما شُكَّ في وجوبه لم يجب، لكن يستحب فيه الاحتياط، كما لو شك في وجوب الزكاة أو الحج أو الكفارات أو الطهارة أو غير ذلك؛ فإن الاحتياط فيما شك في وجوبه مشروع وليس بواجب، ولكن مالك يوجب الطهارة إذا شك هل أحدث، والجمهور يستحبون الطهارة ولا يوجبونها.
لكن من هؤلاء من يجزم بنيّة رمضان، كإحدى الروايتين عن أحمد، ومنهم من يجزم بنيّة شعبان، فإن صادف رمضان أجزأه، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يصومه بنيةٍ فيقول: إنه إن كان من رمضان فهو من رمضان، وإلا فهو تطوع، وهذا هو الذي نقله المرُّوذي عن أحمد، وهو اختيار الخِرَقي في «شرح المختصر» (١)، ذكره عنه أبو يعلى في تعليقه (٢)، وهو أحد الأقوال لمن يختار صيامه (٣).
والجمهور الذين (٤) ينهون عن صومه يجيبون عن هذا بأن النبي
стр. 2322
- ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» (١).
وقال: «لا تقدّموا رمضان بيوم ولا بيومين» (٢).
وقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العِدَّة» (٣).
قالوا: فقد نهى عن الصيام قبل الرؤية أو إكمال العدة، ونهى عن استقباله باليوم، والذي من فعله أن الاحتياط في ذلك غير مشروع؛ لأن في ذلك مفسدَة، وهي (٤) الزيادة على المشروع، والاحتياط الواجب يغير وتفرق [ق ٥٩] واختلافها (٥)، وهذه المفاسد راجحة على المصلحة بالاحتياط، قالوا: لأنّ الاحتياط إنما يكون مع الشكّ في الوجوب، ونحن نجزم أنَّ الله لم يوجب علينا أن نصوم إلا شهرًا، والشهر متعلّق برؤية الهلال، فما لم يشتهر ولم يستهلّ به لم يوجبِ اللهُ صومَه، فلا احتياط مع الجزم بانتفاء الوجوب. والله أعلم.
стр. 2323
فصل
* وأما السؤال عن الصبي إذا مات وهو غير مطهَّر هل يقطع ختانه بالحديد عند غسله أم يخلَّى على حاله (١)؟
والجواب: أن الصبيَّ وغيره إذا مات غير مختون، لم يُخْتَن بعد الموت عند عامة أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، ولكن فيه قولٌ شاذٌّ أنه يُخْتَن، وليس بشيء، فإن هذا مُثْلةٌ بعد الموت، والنبي ﷺ نهى عن المُثلة (٢)؛ ولأن المقصود من الختان منع احتباس البول في القَلْفَة، وهو بعد الموت لا يبول.
ولكن تنازع العلماء في قصّ أظفاره، وأخذ عانته وإبطه، وجزّ شاربه، منهم من استحبَّ ذلك كأحمد وغيره؛ لأنه نظافة، وسعدُ بن أبي وقّاص غسّل ميتًا فدعا بالموسى (٣). ومنهم من لم يستحب ــ كالشافعي ــ كالختان، والله أعلم.
فصل
* وأما السؤال عن رَشاش البول وهو في الصلاة أو في غيرها ويغفل عن نفسه وعن ثيابه، ولم يتمكَّن من غَسْلها في الصلاة هل يصلي بالنجاسة أو غيرها؟
стр. 2324
والجواب: أنه إن كان به سَلَس البول فهو كالمستحاضة ونحوها، فمن به الحَدَث الدائم الذي لم ينقطع مقدار الطهارة والصلاة، فهذا يتوضأ ويصلي بحسب الإمكان، ولو جرى البول في أثناء الصلاة لم يضره، لكن يتخذ حفاظًا يمنع وصول البول إلى بدنه وثيابه، فإن عجز عن ذلك فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، وأما إن لم يكن به سَلَس، فعليه أن يغسل البول من بدنه وثيابه، فإن لم يجد ماء يغسل [ق ٦٠] به ذلك صلى والنجاسة في بدنه وثيابه، ولا يؤخر الصلاة حتى يفوت الوقت ويجد الماء، ولا إعادة عليه. والله أعلم.
فصل
* أما السؤال عن المقتول إذا مات وبه جراح فخرج منها الدم، فهل يُغسَّل ويُصلى عليه أم لا ؟
والجواب: أنه إذا كان شهيدًا في معركة الكفار لم يُغسل بل يُدفن في ثيابه، كما قال النبيّ ﷺ في شهداء أحد: «زمِّلوهم بكلومهم ودمائهم؛ فإنّ أحدهم يجيء يوم القيامة وجرحه يَثْعُب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك» (١). وفي الصلاة عليه نزاع مشهور، ومن قتله المسلمون ظلمًا ففيه نزاع، وأكثر العلماء يرون غسله والصلاة عليه، وأما من قتل قِصاصًا فهذا يُغسَّل ويُصلى عليه باتفاقهم، وكذلك إذا
стр. 2325
جرح وبعد الجرح أكل أو شرب ــ كما جرى لعمر بن الخطاب ــ فإن هذا يُغسَّل ويُصلى عليه.
فصل
* وأما السؤال عن رجل يسرق الأسيرة من المُغْل أو غيرهم، وما لها أحدٌ، وهو يريد أن ينهزم بها، ويخبؤها ليلًا ونهارًا ويختلي بها، ويخفيها خوفًا من المغل، فأراد الرجل أن يتزوجها، وقال الرجل: إني أُشْهِد الله وملائكته إني رضيت بها زوجة، وأن صداقها عليّ كذا وكذا. وقالت المرأة: أُشهد الله وملائكته أني رضيت بالصداق المعيّن. وأن يكون زوجها، فهل يجوز ذلك مع الضرورة والخوف من الفتك والوقوع في الزنا، لخلوته بها في طول مسافة الطريق، وانكشافه عليها ليلًا ونهارًا أم لا؟
والجواب: أنه إن أمكنه أن يذهب بها إلى مكان يزوجها به وليُّ ذلك المكان ذهب أو وَكَّل، وإن كان قاضي المكان لا يزوِّجها زوَّجها غيره ممن له سلطان، كوالي الحرب، أو رئيس القرية، أو أمير الأعراب أو التركمان أو الأكراد، فمتى زوَّجها ذو سلطان ــ وهو المطاع ــ جاز النكاح. نصّ عليه أحمد بن حنبل وغيره، نصَّ أحمد على أن والي الحرب يزوِّج [ق ٦١] إذا كان القاضي جهميًّا، وعلى أن دِهقان القرية يزوِّج إذا لم يكن هناك حاكم، وكذلك إذا وكَّلْتَ عالمًا مشهورًا أو خطيبَ القرية ونحو ذلك، جاز أن يزوّجها إذا وكّلَته. وإن تعذّر هذا كله
стр. 2326
وكَّلت رجلًا من المسلمين يزوِّجها بهذا الرجل، فلا تباشر هي العقد، وإن تعذَّر هذا كله واحتاجا إلى النكاح زوَّجَتْه نفسها؛ فإنَّ ما أمر الله به في العقود وغيرها يجب مع القدرة، وأما مع العجز فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يحرم ما يحتاج إليه الناس من النكاح لعجزهم عن بعض ما أُمِر به من ذلك، بل ما عَجَزوا عنه سقط وجوبه، والله أعلم.
فصل
* وأما السؤال عن رجل يقرأ القرآن للجهورة ما عنده أحدٌ يسأله عن اللحن ، وإذا وقف عليه شيء يطّلع في المصحف، فهل يلحقه إثم؟
والجواب: أنه إذا احتاج الناس إلى قراءة القرآن عليهم قرأه بحسب الإمكان، ويرجع إلى المصحف فيما يُشكل عليه، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يترك ما يحتاج إليه وينتفع به من القراءة لأجل ما قد يعرض من الغلط أحيانًا، إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة، والله أعلم.
فصل (١)
* وأما السؤال عن القاتل خطأ أو عمدًا هل ترفع الكفارةُ المذكورة في القرآن ذنبَه ، أم يطالب بالقتل أو الدية؟
والجواب: [قتل الخطأ لا يجب فيه إلا الدية والكفارة ولا إثم فيه،
стр. 2327
وأما القاتل عمدًا فعليه الإثم، فإذا عفا عنه أولياءُ المقتول أو أخذوا الدية، لم يسقط بذلك حقُّ المقتول في الآخرة. وإذا قتلوه، ففيه نزاع في مذهب أحمد، والأظهر أن لا يسقط، لكن القاتل إذا كثرت حسناته أُخِذ منه بعضها ما يرضى به المقتول، أو يعوّضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبة نصوحًا.
وقاتل الخطأ تجب] عليه (١) الدية مع الكفارة بنصِّ القرآن واتفاق الأئمة (٢)، والدية تجب للمسلم والمعاهد كما دلَّ عليه القرآن، وهو قول السلف (٣) والأئمة، لا يُعرف فيه خلاف متقدِّم، لكن بعض متأخري الظاهرية زعم أن الذمّي (٤) لا دية له (٥).
وأما القاتل عمدًا ففيه القَوَد، فإن اصطلحوا على الدية جاز ذلك بالنصِّ والإجماع، وكانت الدية في مال القاتل، بخلاف الخطأ، فإن ديته على عاقلته.
وأما الكفارة فجمهور العلماء يقولون: قتل العمد أعظم من أن يُكفَّر، وكذلك قالوا في اليمين الغموس، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، كما اتفقوا كلّهم على أنّ الزنا أعظم من [ق ٦٢]
стр. 2328
أن يكفَّر، وإن (١) وجبت الكفارة بوطء المظاهر، والوطء في رمضان، [وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: بل تجب الكفارة في العمد] واليمين الغموس. واتفقوا على أن الإثم لا يسقط بمجرّد الكفارة.
فصل (٢)
* وأما الخمر والحرام هل هو رزق الله للجهال، أم يأكلون ما قدّر لهم ؟
والجواب: أن لفظ الرزق يُراد به ما أباحه الله للعبد أو ملَّكه إياه، ويراد به ما يتقوّى (٣) به العبد.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، فهذا الرزق هو الحلال والمملوك، لا يدخل فيه الخمر ولا الحرام.
والثاني: كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، والله تعالى يرزق البهائم ولا توصف بأنها تملك، ولا بأنه أباح الله لها ذلك إباحة شرعية، فإنه لا تكليف على البهائم وكذلك (٤)
стр. 2329
الأطفال والمجانين، لكن كما أنه ليس بملك فليس بمحرّم عليها، وإنما (١) المحرّم الذي يغتذي به العبد فهو من الذي عَلِم (٢) الله أنَّ العبد يغتذي به، وقدَّر ذلك، ليس هو مما أباحه وملَّكه، كما في «الصحيح» (٣) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «يُجمع خلقُ أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يُبْعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقَه وأجلَه وعملَه وشقيّ أو سعيد. ثم يَنفخ فيه الروح. ثم قال: فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
فالرزق الحرام هو مما قدّره الله وكتبَتْه الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة الله وخَلْقه، وهو مع ذلك قد حرّمه ونهى عنه، ولفاعله من غضبه وذمّه وعقوبته (٤) ما هو له أهل، والله أعلم.
стр. 2330
فصل (١)
[ق ٦٣] الإيمان هل هو مخلوق أو غير مخلوق ؟
الجواب: أن هذه المسألة نشأ (٢) النزاعُ فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، فقد جرت فيها أمور يطول وصفها هنا. لكن لما ظهر القولُ بأن القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، وأطفأ اللهُ نار الجهمية المعطلة، صارت طائفةٌ يقولون: إن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبّرون عن ذلك بـ «اللفظ»، فصاروا يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا له مخلوقة. وليس مقصودهم مجرّد أصواتهم (٣) وحركاتهم، بل يدرجون في كلامهم نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا. وعارضهم طائفةٌ أخرى قالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. وردَّ الإمام أحمد على الطائفتين، وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوقٍ فهو مبتدعٌ.
وتكلم الناس حينئذٍ في الإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق، وأدخلوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان، مثل قوله: «لا إله إلا الله»، فصار مقتضى قولهم أنّ نفس هذه الكلمة مخلوقة لم يتكلم الله بها؛ فبدَّع
стр. 2331
الإمامُ أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ : «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله» (١)، أفيكون قول «لا إله إلا الله» مخلوقًا (٢)!
ومراده أن من قال: هي مخلوقة مطلقًا، كان مقتضى قوله أنّ الله لم يتكلم بهذه الكلمة، كما أن من قال: ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا القرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أنّ الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله، وأن القرآن المنزَّل ليس هو كلام الله، وأن يكون جبريل نزل بمخلوقٍ ليس هو كلام الله، والمسلمون يقرؤون قرآ نًا [مخلوقًا] ليس هو كلام الله.
وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله تعالى، وإن كان مسموعًا عن المبلِّغ عنه، فإنَّ الكلام قد يُسمع من المتكلِّم به، كما سمعه موسى بلا واسطة [ق ٦٤] هذا سماع مطلق، كما يرى الشيء رؤيةً مطلقةً. وقد يسمعه مِن المبلِّغ عنه، فيكون قد سمعه سماعًا مقيدًا، كما يرى الشيء [في] (٣) الماء والمرآة رؤيةً مقيَّدةً لا مطلقة، ولما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٢] كان معلومًا عند جميع من خُوطب بالقرآن أنه يُسمع سماعًا مقيدًا من المبلغ، ليس المراد به أنه يسمع من الله كما سمعه موسى بن عمران، فهذا المعنى هو الذي عليه السلف والأئمة.
стр. 2332
ثم بعد ذلك حدث أقوال أخر، فظن طائفةٌ أنه سمع من الله. ثم (١) من هؤلاء من قال: إنه يسمع صوت القارئ من الله، ومنهم من قال: إن صوت الرب حَلَّ في العبد، ومنهم من يقول: ظهر فيه ولم يحل فيه، ومنهم من يقول: لا نقول ظهر ولا حل، ثم منهم من يقول: الصوتُ المسموع غير مخلوق أو قديم، ومنهم من يقول: يسمع منه صوتان: مخلوق، وغير مخلوق. ومن القائلين بأنه مسموع من الله من يقول: بأنه يسمع المعنى القديم القائم بذات الله مع سماع الصوت المُحْدَث، قال هؤلاء: يسمع القديم والمحدث، كما قال أولئك: يسمع صوتين قديمًا ومحدثًا. وطائفة أخرى قالت: لم يسمع الناسُ كلام الله، لا من الله ولا من غيره، قالوا: لأن الكلام لا يُسمع إلا من المتكلم. ثم من هؤلاء من قال: يسمع حكايته، ومنهم من قال: يسمع عبارته لا حكايته، ومن القائلين بأنه مخلوق من قال: يُسمع شيئان الكلام المخلوق الذي (٢) خلقه، والصوت الذي للعبد.
وهذه الأقوال كلها مبتدعةٌ؛ لم يقل السلف شيئًا منها، وكلها باطلة شرعًا وعقلًا، ولكن ألجأ أصحابَها إليها اشتراكٌ في الألفاظ واشتباه في المعاني، فإنه إذا قيل: سمعتُ [كلام] زيدٍ، أو قيل: هذا كلام زيد، فإن هذا يقال على كلامه الذي تكلم هو به بلفظه ومعناه، سواء كان مسموعًا
стр. 2333
منه أو من المبلغ عنه، مع العلم بالفرق بين الحالين، وأنه إذا سُمِع منه سُمع بصوته، وإذا سُمع من غيره سُمع من ذلك المبلِّغ لا بصوت المتكلم، وإن كان اللفظ لفظ المتكلم.
وقد يقال مع [ق ٦٥] القرينة: هذا كلام فلان، وإن ترجم عنه بلفظ آخر، كما حكى الله كلامَ من يحكي قولَه من الأمم باللسان العربي، وإن كانوا إنما قالوا بلفظٍ عِبْري (١) أو سُرياني أو قبطي أو غير ذلك. وهذه الأمور مبسوطة في موضعٍ آخر.
والمقصود أنه نشأ (٢) بين أهل السنة والحديث نزاع في مسألتي الإيمان والقرآن بسبب (٣) ألفاظ مجملة ومعاني متشابهة. وطائفة من أهل العلم والسنة كالبخاري صاحب «الصحيح»، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما قالوا: الإيمان مخلوق. وليس مرادهم شيئًا من صفات الله تعالى، وإنما مرادهم بذلك أفعال العباد. وقد اتفق أئمة السنة (٤) على أن أفعال العباد مخلوقة، وأصوات العباد مخلوقة، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة.
стр. 2334
وصار بعضُ الناس يظنّ أنّ البخاريّ وهؤلاء خالفوا أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، وجرى للبخاريّ محنة بسبب ذلك، حتى زعم بعض الكذّابين أنّ البخاري لما مات أمر أحمد بن حنبل أن لا يُصلى عليه، وهذا كذبٌ ظاهر؛ فإنّ البخاري ــ ﵀ ــ مات بعد أحمد بن حنبل ــ ﵀ ــ بنحو خمس (١) عشرة سنة، تُوفي أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، وتُوفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، وكان أحمد بن حنبل يحبّ البخاري ويبجّله ويعظّمه، وأما تعظيم البخاري وأمثاله الإمامَ أحمد فهو أمر مشهور.
ولما صنف البخاريّ كتابه في «خلق أفعال العباد» ــ وذكر في آخر كتابه «الصحيح» (٢) أبوابًا في هذا المعنى ــ ذكر (٣) أن كلًّا من الطائفتين القائلين بأن لفظنا بالقرآن مخلوق، والقائلين بأنه غير مخلوق ينتسبون (٤) إلى الإمام أحمد بن حنبل، ويدَّعون أنهم على قوله، وكلام الطائفتين كلام مَنْ لم يفهم [دِقّة] (٥) كلام أحمد رضوان الله عليه.
стр. 2335
وطائفة أخرى كأبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي (١) بكر بن الطيب، والقاضي أبي يعلى ــ وغيرهم ممن يقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل وأئمة أهل السنة والحديث ــ قالوا: أحمد [ق ٦٦] وغيره إنما كرهوا أن يقال: لفظت بالقرآن؛ لأن اللفظ هو الطرح والنبذ.
وطائفةٌ أخرى كأبي محمد بن حزم وغيره ممن يقول: إنه متبع لأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة [إلى غير هؤلاء ممن ينتسب إلى السنة ومذهب] (٢) أئمة الحديث، ويقولون: إنهم على اعتقاد أحمد بن حنبل ونحوه من أهل السنة، وهم لم يعرفوا حقيقة ما كان يقوله أهل السنة كأحمد بن حنبل. وقد بسطنا أقوال السلف والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره في غير هذا الموضع.
خلا (٣) البخاري وأمثاله، فإنَّ هؤلاء من أعرف الناس بقول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة.
وقد رأيت طائفة تنتسب إلى السنة والحديث كأبي نصر السِّجْزي وأمثاله ممن يردّون على أبي عبد الله البخاري يقولون: إن أحمد بن حنبل كان يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وذكروا روايات كاذبة لا
стр. 2336
ريب فيها، والقول المتواتر عن أحمد بن حنبل من رواية ابنيه صالح وعبد الله، وحنبل، والمرُّوذي، وفُوْرَان (١)، ومن لا يُحصى= يبين أن أحمد كان ينكر على هؤلاء [وهؤلاء]، وقد صنّف أبو بكر المرُّوذي في ذلك مصنفًا، ذكر فيه قول أحمد بن حنبل وغيره من أئمة العلم، وقد ذكر ذلك الخلال في كتاب «السنة» (٢)، وذكر بعضَه أبو عبد الله بن بطّة في كتاب «الإبانة» (٣) وغيره، وقد ذكر كثيرًا من ذلك أبو عبد الله بن منده فيما صنفه في مسألة اللفظ (٤).
وقال أبو محمد بن قتيبة الدينوري (٥): لم يختلف أهل الحديث في شيء من اعتقادهم إلا في مسألة اللفظ. ثم ذكر ابن قتيبة ــ ﵀ ــ أن اللفظ يراد به مصدر لفَظَ يلفظ، فاللفظ الذي هو فعل العبد يُرَاد (٦) به نفس الكلام الذي هو فعل العبد وصوته وهو مخلوق، وأما نفس كلام الله الذي يتكلم به العباد فليس مخلوقًا.
وكذلك مسألة الإيمان لم يقل قط أحمد بن حنبل: إن الإيمان غير
стр. 2337
مخلوق، ولا قال: إنه قديم، بل ولا [ق ٦٧] قال أحمد ولا غيره من السلف: إن القرآن قديم، وإنما قالوا: القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق. ولا قال قطُّ أحمد بن حنبل ولا أحد من السلف: إن شيئًا من صفات العبد وأفعاله غير مخلوقة، لا صوته بالقرآن، ولا لفظه بالقرآن، ولا إيمانه ولا صلاته، ولا شيء من ذلك.
ولكن المتأخرون انقسموا في هذا الباب انقسامًا كثيرًا، فالذين كانوا يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق، منهم من أطلق القول بأن الإيمان غير مخلوق، ومنهم من يقول: قديم في هذا وهذا، ومنهم من يفرق بين الأقوال الإيمانية والأفعال، فيقولون: الأقوال غير مخلوقة أو قديمة، وأفعال (١) الإيمان مخلوقة. ومنهم من يقول في أفعال الإيمان: إن المحرَّم منها مخلوق، وأما الطاعة كالصلاة وغيرها، فمنهم من يقول: هي غير مخلوقة، ومنهم من يمسك [فلا يقول هي مخلوقة ولا غير مخلوقة، ومنهم من يمسك] (٢) عن الأفعال المحرمة، ومنهم من يقول: بل أفعال العباد كلها غير مخلوقة أو قديمة، ويقول: ليس مرادي بالأفعال الحركات (٣)، بل مرادي الثواب الذي يجيء يوم القيامة، ويحتجّ هذا بأن القدر غير مخلوق، والشرع غير مخلوق، ويجعل أفعال
стр. 2338
العباد هي القدر والشرع، ولا يفرق بين القدر والمقدور، والشرع والمُشَرَّع، فإنّ الشرع (١) الذي هو أمْرُ الله (٢) ونهيه غير مخلوقٍ، وأما الأفعال المأمور بها والمنهي عنها فلا ريب أنها مخلوقة، وكذلك قَدَر الله الذي هو علمه ومشيئته وكلامه غير مخلوق، وأما المقدَّرات والآجال والأرزاق والأعمال فكلها مخلوقة. وقد بُسِط الكلام على هذه الأقوال وقائليها في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن نبين أن الإمام أحمد ومَن قَبله من أئمة السنة ومن اتبعه كلهم بريئون من الأقوال المبتدعة المخالفة للشرع والعقل، فلم يقل أحدٌ منهم إن القرآن قديم، لا معنى قائم بالذات، ولا أنه تكلم به في القِدَم بحرفٍ وصوتٍ قديمين، ولا تكلم به في القدم بحرفٍ قديم. لم يقل أحد [ق ٦٨] منهم لا هذا ولا هذا، وإنما الذي اتفقوا عليه: أن كلام الله منزَّل غير مخلوق، وأنَّ الله لم يزل متكلِّمًا إذا شاء، فكلام الله لا نهايةَ له، وهو بمعنى أنه لم يزل متكلمًا بمشيئته، لا بمعنى أن الصوت المعين قديم، كما قا ل تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية، كما قد بَسَطتُ الكلامَ (٣) على
стр. 2339
اختلاف أهل الأرض في كلام الله.
فمنهم من يجعله فيضًا من العقل الفعَّال في النفوس، كقول طائفة من الصابئة والفلاسفة، وهو أفسد الأقوال. ومنهم من يقول: هو مخلوق خَلَقه بائنًا (١) عنه، كقول الجهمية والنجَّارية (٢) والمعتزلة. ومنهم من يقول: هو معنى قديم قائم بالذات، كقول ابن كُلَّاب الأشعري. ومنهم من يقول: هو حروف وأصوات قديمة كقول ابن سالم (٣) [وطائفة. ومنهم من يقول: تكلم بعد أن لم يكن متكلمًا، كقول ابن كرَّام وطائفة] (٤).
والصواب من هذه الأقوال قول السلف والأئمة كما قد بسطتُ ألفاظهم في غير هذا الموضع.
ولما ظهرت المحنة كان أهل السنة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. وكانت الجهمية من المعتزلة وغيرهم يقولون: إنه مخلوق.
وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان له فضيلة ومعرفة ردّ [بها] على الجهمية والمعتزلة نُفاة الصفات، وبيَّن أنّ الله نفسَه فوق
стр. 2340
العرش، وبَسَط الكلام في ذلك، ولم يتخلص من شبهة الجهمية كلّ التخليص، بل ظنّ أن الربّ لا يتصف بالأمور الاختيارية التي تتعلق [بقدرته ومشيئته، فلا يتكلم] (١) بمشيئته وقدرته، ولا يحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته، بل ما زال (٢) محبًّا راضيًا أو غضبان ساخطًا على من علم أنه يموت مؤمنًا أو كافرًا، ولا يتكلم بكلام بعد كلام، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [آل عمران: ٥٩ ــ ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] [ق ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، وهذا أصل كبير قد بُسط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع.
وإنما المقصود هنا التنبيه على مآخذ (٣) اختلاف المسلمين في مثل
стр. 2341
هذه المسائل، وإذا عُرِف ذلك فالواجب أن نُثبت ما أثبته الكتاب والسنة، وننفي ما نفاه الكتاب والسنة، واللفظ المجمل الذي لم يَرِد به الكتاب والسنة لا يطلق في النفي والإثبات حتى يبين المراد به.
كما إذا قال القائل (١): الرب متحيِّز، أو غير متحيِّزٍ، أو هو في جهة، أو هو في غير جهة.
قيل: هذه ألفاظ مجملة لم يَرِد بها الكتاب والسنة لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا نطق أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها. فإن كان مرادك بقولك: إنه متحيّز، أنه محيط به شيءٌ من المخلوقات أو يفتقر إليها، فالله تعالى غنيٌّ عن كلّ شيء لا يفتقر إلى العرش ولا إلى غيره من المخلوقات (٢)، بل هو بقدرته يحمل العرشَ وحَمَلَتَه، وكذلك هو العليّ الأعلى الكبير العظيم الذي لا تُدركه الأبصارُ وهو يدرك الأبصارَ، وهو سبحانه أكبر من كل شيءٍ، وليس متحيزًا (٣) بهذا الاعتبار.
وإن كان مرادك بأنه بائن عن مخلوقاته، عليٌّ عليها فوق (٤) سماواته على عرشه، فهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكر ذلك أئمة السنة، مثل عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل،
стр. 2342
وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أعلام الإسلام، وكما دلّ على ذلك صحيح المنقول وصريح المعقول، كما هو مبسوط في موضعٍ آخر.
وكذلك لفظ «الجهة» إن أراد بالجهة أمرًا موجودًا (١) يحيط بالخالق أو يفتقرُ إليه، فكلّ موجود سوى الله فهو مخلوق لله، [و] الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو غني عن كل ما سواه.
وإن كان [ق ٧٠] مراده أن الله ــ سبحانه ــ فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فهذا معنى صحيح، سواء عبَّر عنه بلفظ الجهة أو بغير لفظ الجهة.
وكذلك لفظ «الجبر» إذا قال: هذا (٢) العبد مجبورٌ، أو غير مجبورٍ؟ قيل له: إن أردت بالجبر أنه ليس له مشيئة، أو ليس له قدرة، أو ليس له فعل= فهذا باطل، فإن العبد فاعل لأفعاله الاختيارية، وهو يفعلها بقدرته ومشيئته. وإن أراد بالجبر أن الله خالق مشيئته وقدرته وفعله (٣)، فالله خالق ذلك كله.
وكذلك إذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه كقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٦] وإيمانه الذي دلّ عليه اسمه «المؤمن»، فهذا غير مخلوق، أو
стр. 2343
تريد به شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم؟ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد (١) الُمحْدَث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصوَّر ما يقول. فإذا حصل الاستفسار والتفصيل (٢) ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل: أكثر اختلاف العقلاء (٣) من جهه اشتراك الأسماء.
ومثل هذه المسألة وأمثالها مما كثر فيه نزاع الناس بالنفي والإثبات إذا فصّل (٤) فيها الخطاب ظهر فيها الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق: أن ما أثبته الكتاب والسنة النبوية أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، ومالم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي (٥) ولا إثباتٍ فصَّلوا القولَ فيه، واستثبتوا القائل (٦)، فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسولُه فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته فقد لَبَس الحق بالباطل، فيجب أن يفصّل ما في كلامه من حقٍّ وباطل (٧)، فيتبع الحقَّ ويترك الباطل.
стр. 2344
وكلّ ما خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضًا لصريح المعقول، فإنّ العقل الصريح لا يخالف شيئًا من النقل الصحيح، كما أن المنقول الثابت [ق ٧١] عن الأنبياء لا يخالف بعضُ ذلك بعضًا، ولكن كثير من الناس يظنّ تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦].
ونسأل الله العظيم أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
فصل
* وأما السؤال عن الإمام إذا استقبل القبلة في الصلاة هل يجوز لأحد أن يتقدم عليه ؟ وهل تبطل صلاة الذين يتقدمون إمامهم؟
والجواب: إن السنة للمؤتمّين أن يقفوا خلف الإمام مع الإمكان، كما كان المسلمون يصلّون خلفَ النبيّ ﷺ ، وإذا صلى الإمام بواحد أقامه عن يمينه، كما فعل النبي ﷺ بابن عباس لما قام يصلي معه بالليل، فوقف عن يساره، فأداره عن يمينه، وحديثه في «الصحيحين» (١). وكذلك في الصحيح ــ مسلم (٢) ــ من حديث جابر: أنه أوقفه عن يمينه،
стр. 2345
فلما جاء جبّار (١) بن صخر أوقفهما جميعًا خلفه، فلهذا كانت السنة إذا كان المأمومون اثنين فصاعدًا يقفوا خلفه. وإن وقف بين الاثنين جاز؛ كما وقف ابن مسعود بين (٢) علقمة والأسود وقال: إن النبي ﷺ فعل كذلك (٣).
وقد قيل: إنما ذاك لأن أحدهما كان صبيًّا.
وأما الوقوف قدام الإمام [ففي صلاة المأموم ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تصح مطلقًا، وإن قيل إنها تكره] (٤) فهذا هو المشهور في مذهب مالك، والقول القديم للشافعي.
والثاني: لا تصح الصلاة مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وهو المشهور من مذهب أحمد عند كثيرٍ من أصحابنا، على ما نقل عنه من إطلاق القول، ولكن نصوصه تدلُّ على الفرق كما سنذكره.
والثالث: أنه إن تقدم لحاجةٍ صحت الصلاة وإلا فلا، وهذا مذهب كثيرٍ من أهل العلم، وهو قول في مذهب أحمد. وأهل هذا [ق ٧٢] القول يقولون: إذا لم يمكن الصلاةُ خلفه لزحمةٍ أو غيرها ــ كما قد يحصل في
стр. 2346
الجُمَع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا ــ فالصلاة أمامه جائزة، وقد نصَّ أحمد على ما مضت (١) به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية (٢): أن المرأة تؤمّ الرجال عند الحاجة، كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وَهُم لا يقرؤون، وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صفّ الرجال ولا (٣) تكون أمامهم، فنصَّ على أنّ المأمومين في هذا الموضع يكونون قدّام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا تكون المرأة في صفّ الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على الرجال أو مصافة المرأة للرجال.
مع أنه سُئل عن المرأة إذا وقفت في صفِّ الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين يحاذونها؟ فتوقَّف في ذلك (٤). ومسائل التوقف تخرَّج على وجهين.
стр. 2347
وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حالٍ وحالٍ.
وجواز التقدّم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز وتصلَّى بدونها، وكذلك ما يُشترط للجماعة يسقط بالعجز ويُصلّى بدونه، كصلاة الخوف التي (١) صلاها النبي ﷺ في جماعةٍ، والتزم لأجل الجماعة أمورًا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلّف الصف الثاني عن متابعته كما في صلاة عُسْفان (٢). ومثل (٣) مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار (٤) الطائفة الثانية القعود، كما في صلاة (٥) ذات الرِّقاع (٦). ومثل استدبار القبلة والعمل الكثير، كما في حديث ابن عمر (٧) [ق ٧٣]. إلى أمثال ذلك.
стр. 2348
ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما لو فعله منفردًا بطلت صلاته، مثل كونه إذا رآه ساجدًا أو منتصبًا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة، ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحقّ بالجواز من تقدُّمه على الإمام للحاجة.
وبهذا تأتَلِف (١) النصوصُ جميعها، وعلى ذلك تدلّ أصول الشريعة، فإن جميع واجبات الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال الكعبة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك= إذا عَجَز عنه المصلي سقط، وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرًا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن تركها، فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة مع ترك ذلك الواجب خيرًا من تفويتها وصلاة الرجل وحده.
ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] (٢) خلف الفاسق والمبتدع، يأمرون بأن يُصلى خلفه ما يتعذَّر صلاته خلفَ غيره كالجمعة والعيدين وطواف الحج، ونحو ذلك من الجُمَع والجماعات، التي أنْ تُصلّى خلف ذلك الفاسق والمبتدع
стр. 2349
خيرٌ (١) من أن يصلي الرجلُ وحدَه.
وهذه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي ﷺ كان يُؤمّر الأمير ثم يتبيّن له فيما بعد أنه كان مذنبًا فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمَّر أميرًا فلم ينفذ أمره فقال: «ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري» (٢). وإصراره على ترك تنفيذ (٣) أمر النبي ﷺ يقدح في دينه، ولم [ق ٧٤] يأمرهم بإعادة ما صلوه خلفه. وقد أمَّر الذي أمَر أصحابه بدخول النار فقال النبي ﷺ : «لو دخلوها لما خرجوا منها» (٤) ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا. والوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط ولّاه فأنزل الله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم بمنع الصدقة (٥). هذا إن كان معه جماعة يصلي بهم.
وقد أخبر عن الأمراء الذين يكونون بعده أنهم يستأثرون ويظلمون الناس، وأنهم يمنعون الناسَ حقوقَهم ويطلبون حقَّهم، ومع هذا فنهى
стр. 2350
عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة (١)، حتى إن من كان منهم يؤخِّر الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها، ويصلوا خلفهم ويجعلوها نافلة (٢). فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي عن الفرقة.
وقد صلى أصحابه ــ كابن عمر وغيره ــ خَلْف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج، وخلف المختار ابن أبي عُبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يُعِد أحدٌ من الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذّاب ومُبِير». فالكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحدٌ من الصحابة بالإعادة.
وقد سنّ النبيّ ﷺ للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر بإقامة الصف، وقد قال النبي ﷺ : «لا صلاةَ لمن خلفَ الصَّف» (٤)، ورأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٥)، ومع هذا