← Джавами‘

Джавами‘ · id 145376

جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن تيمية

Полный текст (3 650 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

الجُمَع في بعض الأوقات، وكما قد يحصل في الجامع أحيانًا ــ فالصلاة أمامه جائزة، وقد نصَّ أحمد على ما مضت (١) به السنة في حديث أم ورقة الأنصارية (٢): أن المرأة تؤمّ الرجال عند الحاجة، كقيام رمضان إذا كانت تقرأ وَهُم لا يقرؤون، وتقف خلفهم لأن المرأة لا تقف في صفّ الرجال ولا (٣) تكون أمامهم، فنصَّ على أنّ المأمومين في هذا الموضع يكونون قدّام الإمام كما جاء في الحديث، وذلك لئلا تكون المرأة في صفّ الرجال أو تكون أمامهم، فهنا كان تقدم المأموم على الإمام أولى في الشرع من تقدم النساء على الرجال أو مصافة المرأة للرجال. مع أنه سُئل عن المرأة إذا وقفت في صفِّ الرجال هل تبطل صلاة الرجال الذين يحاذونها؟ فتوقَّف في ذلك (٤). ومسائل التوقف تخرَّج على وجهين.

стр. 2347

وتنازع أصحابه في ذلك فقالت طائفة ببطلان الصلاة كمذهب أبي حنيفة، وهو قول أبي بكر وأبي حفص، وقالت طائفة: لا تبطل، كمذهب الشافعي، وهو قول أبي حامد والقاضي وأتباعه. وهذا التفريق بين حالٍ وحالٍ. وجواز التقدّم على الإمام للحاجة هو أظهر الأقوال، فإن جميع واجبات الصلاة تسقط عند العجز وتصلَّى بدونها، وكذلك ما يُشترط للجماعة يسقط بالعجز ويُصلّى بدونه، كصلاة الخوف التي (١) صلاها النبي ﷺ في جماعةٍ، والتزم لأجل الجماعة أمورًا لا تجوز لغير الحاجة، مثل تخلّف الصف الثاني عن متابعته كما في صلاة عُسْفان (٢). ومثل (٣) مفارقة الطائفة الأولى له قبل سلامه، وانتظار (٤) الطائفة الثانية القعود، كما في صلاة (٥) ذات الرِّقاع (٦). ومثل استدبار القبلة والعمل الكثير، كما في حديث ابن عمر (٧) [ق ٧٣]. إلى أمثال ذلك.

стр. 2348

ومن ذلك المسبوق يقعد لأجل متابعة الإمام مما لو فعله منفردًا بطلت صلاته، مثل كونه إذا رآه ساجدًا أو منتصبًا دخل معه، ومثل كونه يتشهد في أول صلاته دخل معه، فدل على أنه يجوز لأجل الجماعة ما لا يجوز بدون ذلك، ومع هذا فوقوف المأموم عن يسار الإمام للحاجة، ووقوفه وحده خلف الصف للحاجة أحقّ بالجواز من تقدُّمه على الإمام للحاجة. وبهذا تأتَلِف (١) النصوصُ جميعها، وعلى ذلك تدلّ أصول الشريعة، فإن جميع واجبات الصلاة من الطهارة بالماء، واستقبال الكعبة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وقراءة القرآن، وتكميل الركوع والسجود، وغير ذلك= إذا عَجَز عنه المصلي سقط، وكانت صلاته بدون هذا الواجب خيرًا من تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن تركها، فكذلك الجماعة متى لم تكن إلا بترك واجباتها سقط ذلك الواجب، وكانت الجماعة مع ترك ذلك الواجب خيرًا من تفويتها وصلاة الرجل وحده. ولهذا كان مذهب أحمد وغيره أنهم مع قولهم بالمنع من [الصلاة] (٢) خلف الفاسق والمبتدع، يأمرون بأن يُصلى خلفه ما يتعذَّر صلاته خلفَ غيره كالجمعة والعيدين وطواف الحج، ونحو ذلك من الجُمَع والجماعات، التي أنْ تُصلّى خلف ذلك الفاسق والمبتدع

стр. 2349

خيرٌ (١) من أن يصلي الرجلُ وحدَه. وهذه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فإن النبي ﷺ كان يُؤمّر الأمير ثم يتبيّن له فيما بعد أنه كان مذنبًا فيعزله، ولا يأمر المسلمين أن يعيدوا ما صلوه خلفه، كما أمَّر أميرًا فلم ينفذ أمره فقال: «ما منعكم أن تنفذوا أمري أو أن تولوا من ينفذ أمري» (٢). وإصراره على ترك تنفيذ (٣) أمر النبي ﷺ يقدح في دينه، ولم [ق ٧٤] يأمرهم بإعادة ما صلوه خلفه. وقد أمَّر الذي أمَر أصحابه بدخول النار فقال النبي ﷺ : «لو دخلوها لما خرجوا منها» (٤) ولم يأمرهم بإعادة ما صلوا. والوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط ولّاه فأنزل الله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] لما أخبره بمنع الذين أرسله إليهم بمنع الصدقة (٥). هذا إن كان معه جماعة يصلي بهم. وقد أخبر عن الأمراء الذين يكونون بعده أنهم يستأثرون ويظلمون الناس، وأنهم يمنعون الناسَ حقوقَهم ويطلبون حقَّهم، ومع هذا فنهى

стр. 2350

عن قتالهم وأمر بالصلاة خلفهم من غير إعادة (١)، حتى إن من كان منهم يؤخِّر الصلاة عن وقتها أمر المسلمين أن يصلوا الصلاة لوقتها، ويصلوا خلفهم ويجعلوها نافلة (٢). فلم يأمر بالثانية لنقض الأولى لكن لتحصيل الجماعة والنهي عن الفرقة. وقد صلى أصحابه ــ كابن عمر وغيره ــ خَلْف الحجاج بن يوسف، وخلف الخوارج، وخلف المختار ابن أبي عُبيد، وأمثال هؤلاء من أهل البدع والفجور، ولم يُعِد أحدٌ من الصحابة خلفهم، مع أنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذّاب ومُبِير». فالكذاب هو المختار، والمبير هو الحجاج، وقد صلى الصحابة خلف هذا وهذا، ولم يأمر أحدٌ من الصحابة بالإعادة. وقد سنّ النبيّ ﷺ للمسلمين الاصطفاف في الصلاة وأمر بإقامة الصف، وقد قال النبي ﷺ : «لا صلاةَ لمن خلفَ الصَّف» (٤)، ورأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة (٥)، ومع هذا

стр. 2351

فصلى بأنسٍ مرةً والصبي اليتيم والمرأة خلفهما (١)، فجعل المرأة وحدَها صفًّا لأجل الحاجة، إذ كانت السنة في حقِّها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل الإمامة؛ فمن سوَّى بين الإمام والمرأة، وبين الرجل المؤتمّ في الانفراد فقد [ق ٧٥] خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذّ لا يجوز بحال فقد خالف السنة، فعُلِم أن الاصطفاف مأمورٌ به، ونَهْيه (٢) عن وقوف الرجل وحده مأمورٌ به مع القدرة، وأما مع الحاجة فوقوف (٣) الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة، والله أعلم. فصل * في قتل الهوام في الصلاة ؟ فالجواب: أن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين في الصلاة: الحيَّة والعقرب (٤).

стр. 2352

وقد قال أحمد وغيره: يجوز له أن يذهب إلى النعل فيأخذه ويقتل به الحية والعقرب، ثم يعيده إلى مكانه. وكذلك سائر ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال، مثل ما ثبت في «الصحيحين» (١): أن النبي ﷺ صلى على منبره بالناس، فكان يقوم عليه ويركع، ثم ينزل يسجد بالأرض، ثم يصعد يقوم عليه ليراه الناس ليتعلموا صلاته. ومثل ما ثبت في «الصحيح» (٢): أنه كان يصلي وهو حاملٌ أُمامة. ومثل ما ثبت عنه أنه تَقَهْقر في صلاة الكسوف وتقهقرت الصفوف معه، وأنه مَدَّ يده يتناول شيئًا (٣). ومثل ما ثبت عنه في «الصحيح» (٤): أنه أمر بردِّ المارِّ في الصلاة، وقال: «فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين». ومثل ما ثبت عنه أنه قال: «إن الشيطان تغلب عليَّ البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأخذته فَذَعتُّه حتى سال لُعابه على يدي، وأردت أن أربطه إلى سارية المسجد، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان» (٥). ومثل ما مشى حتى فتح

стр. 2353

الباب لعائشة (١). ومثل ما قال لابن مسعود: «إذنك عليَّ أن يُرْفع الحجاب (٢) وأن تسمع لسوادي حتى أنهاك» رواية (٣) مسلم. فهذه السنن تدل على جواز ما يحتاج إليه المصلي من الأفعال التي ليست من جنس عمل الصلاة، لكن أُبيحت في الصلاة للحاجة، ولا تقطع الصلاة. وكان أبو برزة معه فرسه ــ وهو يصلي ــ كلما خطا يخطو معه خَشْية أن يتقدمه (٤). وقال أحمد: إن [ق ٧٦] فعل كما فعل أبو برزة فلا بأس. وظاهر مذهب أحمد وغيره أن هذا لا يقدَّر بثلاث خطوات ولا ثلاث فعلات، كما مضت (٥) به السُّنة. ومن قيده بثلاث ــ كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وأحمد ــ فإنما ذاك إذا كانت متصلة، فإذا كانت متفرقة فيجوز وإن كانت زائدة على ثلاث، إذا لم يتصل أكثر من ثلاث، والله أعلم.

стр. 2354

فصل * وأما السؤال عن سماع الغناء؟ فالجواب: أن سماع الغناء والدفوف والشبابات وما يُذْكر معه، كإخراج اللاذن ودخول النار ومؤاخاة النساء يُسأل عنه على وجهين: أحدهما: هل هو قُرْبة وطاعة وطريق إلى الله شَرَع سلوكَه لأولياء الله المتقين وعباده الصالحين وجنده الغالبين أم لا؟ والثاني: إذا لم يكن قُربة فهل هو حلالٌ أم حرام؟ والمسألة الأولى أهم وأنفع وأظهر من الثانية؛ فإن الذين يجتمعون على ذلك من المشايخ وأتباعهم المنتسبين إلى الدين والفقر والزهد وسلوك طريق الله، لا يعدّون ذلك من باب اللعب واللهو وتضييع الزمان فيما لا ينفع، كما يلهو بعض العامة في الأفراح والغناء وغيره، بل هو عندهم طريقٌ للقوم المشار إليهم بالدين، ومنهاجٌ لأهل الزهد والعبادة وأهل السلوك والإرادة، وذوي القلوب من الرجال أهل المقامات والأحوال، فإنما يفعلونه قاصدين به (١) صلاح القلوب، والدخول في زمرة أهل الوجد والرزق والمشروب (٢)، وتحريك وجد أهل المحبة بالمحبوب، إلى أمثال ذلك مما يطول وصفه. ويحصل لهم فيه أنواعٌ

стр. 2355

من الأحوال العجيبة والموارد الغريبة، ما يعرفه من الرجال أهل المعرفة بهذا الحال. فمنهم من يصعدُ في الهواء، ومنهم من يبقى راقصًا في الهواء، ومنهم من يصير ذاهبًا وجائيًا على الماء، ومنهم من يُؤتى بشراب يسقيه للفتى أو غيره من الجلساء، أو بزيت (١) فيوقد به المصباح بعد مقاربة الانطفاء. ومنهم من يخاطب بعض الحاضرين بلسان الأعجمي، ويكاشفه السرّ (٢) الخفي، وإذا أفاق لم يَدْر ما قال كالمصروع بالجني [ق ٧٧]. ومنهم من يشير إليه، ومنهم من يسلب بعضُ المنكرين عليه قلبه ولسانه حتى لا يستطيع قراءةً ولا دعاءً ولا ذكرًا، وقد يمسك لسانه فلا يستطيع أن يقول لا عُرفًا ولا نكرًا. ومنهم من يباشر النار بلا دهنٍ ولا حجرٍ طلق ولا غير ذلك من أمور الطبيعة، بل يبقى بالنار تتأجَّج في يديه وثيابه. ومنهم من يأتيه زعفران ولاذن من حيثُ لا يدري، وقد يأخذ بيده حصاةً فتُسْلَت من يده ويجعل مكانها سكَّرة، إلى أمثال هذه العجائب التي يطول وصفها، التي يظنها من لا يعرف حقيقةً وأنها من كرامات الأولياء الصالحين، وأنها دالة على ولاية صاحبها من الأدلة والبراهين. وقد بُسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، لكن نذكر

стр. 2356

هنا ما يليق بهذا الجواب، فنقول: يجب أن يُعرف أصلان عظيمان: أحدهما: أنه لا طريق إلى الله يوصل إلى ولايته وكرامته ومحبته ورضوانه إلا بمتابعته (١) رسولَ الله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] الآية. وفي «صحيح البخاري» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «[إن الله قال]: من عادى لي وليًّا فقد (٣) آذنته بالمحاربة، وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموتَ وأنا أكره مساءته، ولا بُدَّ له منه». فالطرق التي بعث الله بها رسولَه هي التقرّبُ إلى الله بالفرائض،

стр. 2357

وبعد الفرائض بالنوافل، لا يُتقرَّب إليه إلا بفعل واجبٍ [ق ٧٨] أو مستحب، و [يستوي] (١) في ذلك الأمور الباطنة في القلوب والظاهرة للعيان، فحقائق الإيمان الباطنة في القلوب موافقة لشرائع الإسلام الظاهرة على الأبدان. وما ليس (٢) بواجب ولا مستحبّ عند أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ ولا عند أئمة المسلمين المعروفين ولا مشايخ الدين المتقدمين، كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي وغيرهم، فليس في هؤلاء من حَضَر هذا السماع المُحْدَث ولا أمر به، بل هذا ظهر في الإسلام في أواخر المائة الثانية، فأنكره أئمة الدين، حتى قال فيه الشافعي: خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثَتْه الزنادقة يسمونه التغبير، يصدّون به الناس عن القرآن (٣). والتغبير الذي ذكره الشافعي هو إنما كان أن يضربوا بقضيبٍ على جلدة كالمخدّة ونحوها، لم يكن بعدُ قد أظهروا الشبابات (٤) الموصولة، والدفوف المصلصلة. ولما سئل الإمام أحمد عن هذا التغبير قال: إنه بدعة، ونهى عن الجلوس مع أهله فيه. وكذلك يزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة (٥).

стр. 2358

وحضره طائفة من المشايخ، لكن كان من الذين حضره من رجعوا عنه وتابوا منه، وأما الجُنيد فلم يَنقل أحدٌ قط أنه رقص في السماع ولا حضر سماع دفوف وشبابات، بل قد قيل: إنه حضر التغبير في أول عمره، ولم يكن يقوم فيه، وأنه في آخر عمره تركه. وكان يقول: من تكلّف السماع فُتِنَ به، ومن صادفه استراح به. يعني: أنه يسمع آيات تناسب حاله من محبة أو حزن أو خوف، وما سمعه الإنسان بغير اقتصاد منه فهذا لا يدخل تحت الأمر والنهي، كنظر الفجأة، وشم الرائحة بغير اشتمام، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ ابن عمر أن يسدّ أذنه لما سمع زمَّارة راع (١)، وإن كان النبي ﷺ قام بسدِّ أذنيه، فإن السدَّ لم يكن واجبًا إذ ذاك؛ لأنه سماع لا استماع، وإنما فعل ذلك النبي ﷺ بطريق الاستحباب، هذا على قول من يُثْبت الحديث، فإنَّ مِن أهل الحديث من قال: هو منكر كأبي داود وغيره. والكلام في مسألة السماع كثيرٌ منتشر، وقد كُتب فيه في غير هذا الموضع مما لا يتسع هذا الموضع لإعادته (٢)، وذُكِر فيه الكلام على من حضره منَّا ومن أهل الخير والدين والصدق، وأن لهم في ذلك من التأويلات ما لأمثالهم، فإنَّ المجتهدَ المخطئ يغفر الله له خطأه، ويثيبه

стр. 2359

على حُسْن قصده وما يفعله من الطاعة. ومن استفرغ وُسْعه في طلب رضا الله فاتقى الله ما استطاع كان من عباد الله الصالحين، وإن كان قد أخطأ في بعض ما اجتهد فيه، كالذين استحلوا الدرهم بالدرهمين من السلف، والذين استحلوا متعة النساء منهم، والذين استحلوا بعض الأنواع المسكرة، والذين استحلوا القتال في «الجمل» و «صفين» و «الحَرّة» وفتنة ابن الأشعث وغير ذلك. ولما سُئل الإمام أحمد عن التغبير فقال: إنه مُحْدَث، ونهى عن حضوره، فقيل له عن أهله: أيهجرون؟ فقال: لا يبلغ بهم هذا كله. فيجب بيان الحق الذي بعث الله به رسوله، وبيان (١) أنه لا حرام إلا ما حرّمه ولا دين إلا ما شرعه الله، وأن من اجتهد من أهل العلم والدين فحرّم أشياء بتأويله واجتهاده وهي مما حرمه الله، أو اتخذ دينًا باجتهاده ظن أنه من دين الله ولم يكن في نفس الأمر من دين الله، فله حكم أمثاله من أهل الاجتهاد، ويُعطى حقّه ويُثنى عليه بما فيه من العلم والدين، وإن (٢) لم يجز اتباعه فيما أخطأ فيه وخالف فيه سنة الرسول مع اجتهاده وتأويله. فهذا أصلٌ. والأصل الثاني: أن كرامات أولياء الله يكون سببها فعل ما أمر الله به ورسوله من الواجب والمستحب، ثم السابقون المقربون من الأولياء

стр. 2360

المتبعون يستعملونها فيما يقرب إما حجة للدين، وإما حاجة للمسلمين، والمقتصدون (١) [ق ٨٠] يستعملونها في أمور مباحة، وأما استعمالها فيما حرَّم الله ورسوله كالظلم والعدوان فمحرم (٢). وأما ما كان سببه بدعة، كالأحوال التي تحصل لأهل السماع البدعي، فهي أمور شيطانية يضلّ بها الشيطان أهلَ الجهل، ويغوي بها أهلَ الغي، وهذا وهذا يبطل بحقائق الإيمان، كقراءة آية الكرسي وغيره مما يطرد الشيطان، والله أعلم. فصل * وأما الدابة إذا ذُبحت والغَلْصَمة (٣) مما يلي البدن هل يحل أكلها ؟ فالجواب: أن العلماء قد تنازعوا هل شرط التذكية قطع الوَدْجَين والحلقوم والمريء، أو قطع ثلاثة منها، أو قطع اثنين فقط، وهل تجزئ التذكية إذا كان الحلقوم مع البدن وقطعت العنق من فوقه؟ والأظهر أنه لا يُشترط شيء من ذلك؛ فإن النبي ﷺ لم يشترط شيئًا من ذلك ولا أوجبه، بل قال في الحديث المتفق على صحته: «ما أنهرَ

стр. 2361

الدمَ وذُكِر اسم الله عليه فكُل، ليس السِّنَّ والظفر» (١). فإذا جرى الدمُ من العنق ومات الحيوان بذلك، وقد سمَّى عليه اللهَ أبيح، سواء كان القطع فوق الغلصمة أو دونها، وسواء قطع اثنين أو ثلاثة أو أربعة. وتنازعوا أيضًا فيما أصابه سبب الموت كأكيلة السبع (٢)، هل يشترط أن لا يتبين موتها بذلك السبب، أو أن تبقى معظم اليوم، أو أن تبقى فيها حياة مستقرة بقدر حياة المذبوح، أو أزْيَد من حياته، أو يمكن أن يزيد؟ والأظهر أنه لا يشترط شيء (٣) من ذلك، بل متى خرج منها الدم الذي لا يخرج إلا من الحي أبيحت، وهو الدم الأحمر، بخلاف الميت فإن دمه يجمد ويسودّ، وأما الأحمر الجاري فلا يخرج إلا من مذبوح كانت فيه حياة، لا يخرج من ميت قبل الذبح، بل الميت إذا مات وذُبح لم يخرج منه دم أحمر، فهذا فرقٌ معروف بين الحي والميت، وقد دل عليه قول النبي ﷺ : «ما أنهر الدمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليه» [ق ٨١] فاعْتَبَر الأداة (٤) التي تُنْهرُ الدم، فَعُلِم أن المناطَ (٥) إنهارُ الدم، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ولم يقل: ما فرى الأوداج، وما قطع

стр. 2362

الحلقوم أو المريء، ولا غير ذلك، بل قال: «ما أنهر الدم»، ولو كان مع إنهار الدم يكون ميتًا لم يحلّ بذلك حتى يعلم أنه حيّ بدليل آخر. والفروق التي ذكرها من تقدمت أقواله، ليس على شيءٍ منها دليل شرعي، ولا هو أيضًا وصف ثابت في نفس الأمر معلوم للناس، فإن في المذبوحات ما يتحرك بعد الموت حركةً عظيمة ويقوم ويمشي، وقد يقوم البدن بعد قطع الرأس يمسك قاتله، وقد يطير البدن بعد قطع رأسه إلى مكان آخر، فهذه حركات قوية، وهي (١) من ميت مذبوح، وقد يُذبَح النائم في منامه فتتغير حركته حتى يموت، وكذلك المغمَى عليه والسكران، فعُلِم أن الحركة لا تدل على الحياة الشرعية لا طردًا ولا عكسًا. فصل * وأما الصلاة في طريق الجامع والناس يصلون برَّا وهو طريق مسلوك خارجه هل تجوز؟ الجواب: أن الطريق المسلوك إذا اتصلت فيه الصفوف بالجامع، صحت صلاتهم باتفاق العلماء، وأما إذا لم تتصل الصفوف بل كان بينهم وبين الجامع طريق نافذ أو نهر تجري فيه السفن، فهذا فيه نزاع مشهور بين العلماء، والأظهر أن الطريق إذا لم يكن مسلوكًا وقت الصلاة أن الصلاة صحيحة؛ فإنه ليس في هذا إلا تباعد ما بين الصفين من غير اجتياز أحد بينهما وقت الصلاة.

стр. 2363

فصل (١) * وأما تارك الصلاة من غير عذرٍ هل هو مسلم في تلك الحال ؟ الجواب: أما تارك الصلاة، فهذا إذا لم يكن معتقدًا وجوبها فهو كافر بالنص والإجماع، لكن إذا أسلم ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو أوجب بعض أركانها، مثل أن يصلي بلا وضوءٍ، ولا يعلم أن الله أوجب الوضوء، أو يصلي [ق ٨٢] مع الجنابة ولا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة، فهذا ليس بكافرٍ إذا لم تقم عليه الحجة، لكن إذا علم الوجوب هل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد ومالك وغيرهما، قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد. وقيل: لا يجب عليه القضاء، وهذا هو الظاهر. [و] عن أحمد في هذا الأصل روايتان منصوصتان، فيمن صلى في معاطن الإبل، ولم يكن عَلِم النهي ثم عَلِم (٢). ومن صلى ولم يتوضأ من لحوم الإبل، ولم يكن علم النهي ثم علم، هل يعيد؟ على روايتين منصوصتين.

стр. 2364

وقيل: يجب عليه الإعادة إذا ترك الصلاة جاهلًا بوجوبها في دار الإسلام دون دار الحرب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة. والصائم إذا فعل ما يفطِّره جاهلًا بتحريم ذلك، فهل عليه الإعادة؟ على قولين هما وجهان في مذهب أحمد، وكذلك مَنْ فعل محظورَ الحجِّ جاهلًا. وأصل هذا: أن حكم الخطاب هل يثبت في حقّ المكلَّف قبل أن يبلغه؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يثبت، وقيل: لا يثبت، وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ. والأظهر أنه لا يجب قضاء شيء من ذلك، ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلاغ؛ لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ومثل هذا في القرآن متعدد، بيَّن سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى تُبَلّغه الرسل. ومن علم أن محمدًا رسول الله، فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذّبه الله على مالم يبلغه، فإنه إذا لم يعذِّبه على ترك الإيمان إلا بعد البلاغ، فأنْ (١) لا يعذبه على بعض شرائعه (٢) إلا بعد البلاغ أولى وأحرى.

стр. 2365

وهذه سنة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه في أمثال ذلك؛ فإنه قد ثبت في «الصحيح» (١) أن طائفةً [ق ٨٣] من أصحابه ظنوا أنَّ قوله تعالى: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] هو الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فكان أحدهم يربط في رجله حبلًا ثم يأكل حتى يتبين هذا من هذا، فبين النبي ﷺ أن المراد بياض النهار وسواد الليل، ولم يأمرهم بالإعادة. وكذلك عمر بن الخطاب وعمار أجنبا، فلم يُصَلِّ عمر حتى أدرك الماء، وظنّ عمار أن التراب يصل إلى حيث يصل الماء، فتمرَّغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أحدًا منهما بالقضاء (٢). وكذلك أبو ذرٍّ بقي جُنبًا مدةً لم يصلِّ، ولم يأمره بالقضاء بل أُمِر بالتيمم في المستقبل (٣). وكذلك المُسْتحاضة قالت له: إني أُسْتَحاض حيضةً شديدة منعتني الصلاةَ والصومَ. فأمرها بالصلاة من دم الاستحاضة، ولم يأمرها بقضاء ما تركت قبل ذلك (٤). والله لما أمر باستقبال الكعبة كان من غاب من المسلمين يُصلون

стр. 2366

إلى بيت المقدس حتى بلغهم الخبر، ولم يأمرهم بالقضاء (١). ولما حَرُم الكلام في الصلاة تكلّم معاوية بن الحكم السّلَمي في الصلاة بعد التحريم جاهلًا وقال له: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» (٢)، ولم يأمره بإعادة الصلاة. ولما زِيْد في صلاة الحضر حين هاجر إلى المدينة كان من كان بعيدًا عنه ــ مثل من كان بمكة وبأرض الحبشة ــ يصلون ركعتين، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة. ولما فُرض شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ولم يبلغ الخبر إلى من كان في الحبشة من المسلمين حتى فات ذلك الشهر، ولم يأمرهم بإعادة الصيام. وكان بعض الأنصار لما ذهبوا إلى النبي ﷺ من المدينة إلى مكة قبل الهجرة، قد صلى إلى الكعبة معتقدًا جواز ذلك، قبل أن يُؤمروا باستقبال الكعبة ــ وكانوا حينئذٍ يستقبلون الشام ــ فلما ذكر ذلك للنبي صلى [ق ٨٤] الله عليه وسلم، أمر باستقبال الشام، ولم يأمر بإعادة ما كان صلى. وثبت عنه في «الصحيحين» (٣): أنه سُئل ــ وهو بالجِعْرانة ــ عن

стр. 2367

رجل أحرم بالعمرة عليه جُبَّة وهو متضمِّخ بالخَلُوق، فلما نزل عليه الوحي قال له: «انزع عنك الجبّة، واغسل عنك أثر الخَلُوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك». وهذا قد فعل محظور الحج جاهلًا، وهو لُبْس الجبَّة، ولم يأمره النبي ﷺ عن (١) ذلك بدمٍ، ولو فعل ذلك مع العلم لزمه دم (٢). وثبت عنه في «الصحيحين» (٣) أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصل» مرتين أو ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحْسِن غير هذا فعلمني ما يجزيني في الصلاة. فعلمه الصلاة المجزئة، ولم يأمره [بإعادة ما صلى قبل ذلك، مع قوله: «ما أُحْسِن غير هذا». وإنما أمره] (٤) أن يعيد تلك الصلاة؛ لأن وقتها باق، [فهو مخاطَب بها، والتي صلاها لم تبرأ بها الذمة ووقت الصلاة باق]. ومعلوم أنه لو بلغ صبيٌّ أو أسلم كافرٌ أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت باق؛ لزمتهم الصلاة أداءً لا قضاءً، وإن كان بعد خروج الوقت فلا إعادة (٥) عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم وجوب

стр. 2368

الطمأنينة في أثناء الوقت، فوجبت عليه الطمأنينة حينئذٍ، ولم تجب عليه قبل ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في الصلاة ذلك الوقت دون ما قبلها. وكذلك أمره لمن صلّى خلف الصفِّ أن يعيد (١)، ولمن ترك لمعة مِن قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة (٢). وقوله له أولًا: «صل فإنك لم تصل» بيَّن أن ما فعله لم يكن صلاةً، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلًا بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداءً، ثم علَّمَه إياها لما قال: والذي بعثكَ بالحق لا أُحسن غير هذا. فهذه نصوصه ﷺ في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل، وفي ترك واجباتها مع الجهل. وأما أمْرُه لمن صلى خلف الصف أن يعيد؛ فذلك لأنه لم يأت بالواجب مع بقاء الوقت. فثبت [ق ٨٥] الوجوب في حقّه حين أمره النبي ﷺ لبقاء وقت الوجوب، لم يأمره بذلك بعد مضيّ الوقت. وأما أمْرُه لمن ترك لمعةً من رجله لم يصبها الماء بالإعادة؛ فلأنه كان ناسيًا، فلم يفعل الواجب، كمن (٣) نسيَ الصلاة وكان الوقت باقيًا، فإنها قضيّة معيّنة لشخصٍ بعينه، لا يمكن أن تكون في الوقت وبعد الوقت، بمعنى أنه رأى في رِجْل رَجُلِ لمعةً لم يصبها الماءُ، فأمره أن

стр. 2369

يعيد الوضوء والصلاة (١). وأما قوله: «ويل للأعقاب من النار» (٢) ونحوه، فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء، ليس في ذلك أمر (٣) بإعادة شيء. ومن كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو المشايخ الواصلين، أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عبادًا سقطت عنهم الصلاة، كما يوجد كثيرٌ من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، وأتباع بعض المشايخ، ودعوى (٤) المعرفة، فهؤلاء يُستتابون باتفاق الأئمة، فإن أقروا بالوجوب وإلا قتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قُتِلوا، كانوا مرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولَي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين وإما [أن] يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب.

стр. 2370

فإن قيل: (١) [إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الرِّدة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذ ا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأخرى يقضي المرتد، كقول الشافعي، والأول أظهر. فإنّ الذين ارتدوا على عهد رسول الله ﷺ كالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] الآية، والتي بعدها، وكعبد الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فهؤلاء عادوا إلى الإسلام. وعبد الله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي ﷺ (٢). ولم يأمر أحدًا منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا. وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود

стр. 2371

العنسي الذي تنبَّأ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة. وتنبَّأ مسليمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته. وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحدًا منهم بقضاء ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] يتناول كلَّ كافر. وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالًا بالوجوب، وقد تقدّم أنّ الأظهر في حقّ هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاةَ على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم. فهذا حكم من تركها غير معتقدٍ لوجوبها. وأما من اعتقد وجوبَها مع إصراره على الترك: فقد ذكر عليه المفرِّعون من الفقهاء فروعًا: أحدها: هذا يُقْتَل (١) عند جمهورهم ــ مالك والشافعي وأحمد ــ وإذا صبر حتى يُقتل فهل يُقتل كافرًا مرتدًّا، أو فاسقًا كفسَّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين، حُكيا روايتين عن أحمد. وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان مقرًّا بالصلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرَّ على تركها

стр. 2372

حتى يقتل وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يُعرف أن أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا (١) قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يُقتل، لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله ﷺ : «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» رواه مسلم (٢). وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر» (٣). وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة» (٤). فمن كان مصرًّا على تركها حتى

стр. 2373

يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داعٍ تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط، عُلِم أن الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا. فأما من كان مُصرًّا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر الناس (١) يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن»: حديث عبادة عن النبي ﷺ أنه قال: «خمسُ صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ كان له عهدٌ عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له» (٢). فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى. والذي (٣) يؤخِّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة

стр. 2374

الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمِّل بها فرائضه، كما جاء في الحديث] (١). الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (٢).

стр. 2375

القَرَمانية [ق ٥٣] جواب فُتيا في لبس النبي ﷺ -

стр. 2376

الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ ربّ أَعِن يا كريم ما يقول أئمة الدين علماء المسلمين في رجلين تكلّما في لبس رسول الله ﷺ ، وفي آلته، وفي آلة حَرْبه، مثل: الحياصة التي تُحزم في الوسط، والسيف، والتركاش ــ وهي الكنانة ــ والقوس، والنُّشّاب، والجِمال، والبغال، والخيل، والغنم. وملابسه من القِماش مثل: الجَوشن، والخفّ، والمِهماز، وغيره من آلة الحرب، هل كان يتخذ ذلك؟ وهل كان يجمع من ذلك شيئًا كثيرًا؟ وفي لبَاسِهِ (١) أصحابه أيضًا، وما يُباح ويحرُم من ذلك، من الذهب والفضة والحرير؟ الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. الحمد لله ربّ العالمين. كان النبيّ ﷺ يتّخذ السيفَ، والرّمحَ، والقوسَ، والكِنانةَ، التي هي الجُعبة (٢) للنُّشّاب، وهي من جلود. وكان يلبس على رأسه البيضة ــ التي هي الخُوذة ــ، والمِغْفَر. وعلى بدنه الدِّرْع، التي يقال لها: السّرديّة والزّرديّة.

стр. 2377

ويلبس القميصَ، والجُبّة، والفَرُّوج، الذي هو نحو القَبَاء (١)، والفَرَجيّة، ولبس القَباء أيضًا. ولبس في السفر جُبّة ضيّقة الكُمّين، ولبس الإزار والرداء، واشترى رِجْل سروايل، وكانوا يلبسون السراويلات أيضًا بإذنه. وكان يلبس الخُفّين ويمسح عليهما، ويلبس النِّعال التي تسمّى: التواسم. وكان يركب الخيل والإبل والحمير، وركب البغلة أيضًا، وكان يركب الفرس تارة عُرْيًا، وتارة مُسْرَجًا، ويطرده، وكان يُرْدِف خلفَه، [ق ٥٤] وتارة يردف خلفَه وقُدّامه، فيكونون ثلاثة على دابّة. وكان يتّخذ الغنم أيضًا. وكان له الرقيق أيضًا. ولم يكن يجتمع في ملكه في الوقت الواحد من هذه الأمور شيء كثير، بل لمَّا مات لم يكن عنده من ذلك إلا شيء يسير. خَلّف درعَه وكانت مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعيرٍ ابتاعها لأهله. وفي "صحيح البخاري" (٢) عن عَمْرو بن الحارث ــ خَتَن رسول الله ﷺ أخي جُوَيريَة بنت الحارث ــ قال: "ما ترك رسول الله ﷺ

стр. 2378

عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا ولا أمةً، ولا شيئًا إلا بغلتَه البيضاء، وسلاحَه، وأرضًا جَعَلها صدقة". وفي "صحيح مسلم" (١) عن عائشة قالت: "ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء". وعن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ مات ودِرْعه رَهْنٌ عند يهوديّ بثلاثين ــ وروي: بعشرين ــ صاعًا من شعير، أخذه لأهله. رواه أهل السنن (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي "الصحيحين" (٣) عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ اشترى من يهوديٍّ طعامًا إلى أجل، ورَهَنَه دِرْعًا له من حديد. وكذلك في "البخاري" (٤) عن أنس بن مالك قال: قد رَهَن النبيّ ﷺ درعَه بشعير. فهذه الأحاديث تبيّن أنّه حين الموت لم يكن عنده خيل، ولا إبل، ولا غَنَم، ولا رقيق، وإنما ترك البغلةَ والسِّلاحَ، وبعضُ السلاح مرهون، ولكن مَلَك هذه الأمور في أوقات متفرِّقة.

стр. 2379

والمعروف أنّه كان يكون عنده الواحد من ذلك، فيكون له فرس واحدٌ، وناقةٌ واحدةٌ. ولم يملك من البغال إلا بغلة واحدة، أهداها له بعض الملوك (١). ولم تكن البغال مشهورة بأرض العرب. بل لمَّا أُهْديت له البغلة، قيل له: ألا نُنْزِي الخيلَ على الحُمُر؟ فقال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" (٢). وكذلك آلات السّلاح، كالسّيف والرّمح والقوس، لم يُذْكَر عنه أنه كان يقتني لنفسه أكثر من واحد. وأما الغنم؛ فقد رُوِيَ أنه اقتنى مئة شاة، وقال: "إنّ لنا مئة شاة، لا نريد أن تزيد، فكلما ولَّدَ الراعي بهمةً ذبحنا مكانها أخرى" (٣). وقد ذكر الله تعالى آلات الحرب في كتابه، فقال في "السيف": ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وهذا الضرب للأعناق وبنان الأصابع هو بالسيف.

стр. 2380

وقال في القوس والنُّشّاب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وفي "صحيح مسلم" (١) عن عُقبة ابن عامر أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ثم قال: "ألا إنَّ القُوّة الرمي، ألا إنّ القوَّة الرمي، ألا إنّ القوَّة الرّمي". وفي "صحيح مسلم" عنه أيضًا أنه قال: "ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليَّ من أن تركبوا، ومن تعلَّم الرمي ثمَّ [ق ٥٥] نسيه فليس منّا". وفي رواية: "فهي نعمة جَحَدها" (٢).

стр. 2381

وكذلك الرّماح، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [العنكبوت: ٦١]. قد فُسِّرت بالرّماح المتّصلة باليد، وفُسِّرت بالنُّشّاب أيضًا. وكذلك الدّرع، قال تعالى في قصّة داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. فكان الحديد في يده بمنزلة العجين (١). والسّابغات: هي الدّروع الكاملة التي تكون لها أيدي وأفخاذ. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. وقد جاء ذِكر هذه الأمور في الأحاديث عن النبيّ ﷺ مُفرَّقًا. فأما السيف؛ ففي "الصحيحين" (٢) عن أنس قال: كان النبيّ ﷺ

стр. 2382

أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود النّاس. ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة فَزَعًا، فخرجوا نحو الصّوت، فاستقبلهم النبيّ ﷺ ، وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، وفي عنقه السّيف، وهو يقول: "لم تُراعوا، لم تُراعوا". ثم قال: "إن وجدناه لبحرًا". أو قال: "إنه لبحر". وعن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ تنفَّل سيفَه "ذا الفِقَار" يومَ بدر. رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي (١). وقال: "حديث حسن" (٢). وأما ما يذكره بعض النّاس أنّ "ذا الفِقَار" كان سيفًا مُنزَّلًا من السماء، وأنه كان لعليٍّ، وكان يطول إذا قاتل به= فكلُّ هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بهذه الأمور (٣). وكذلك ما يذكره بعضُ الناس من أنه كان للنبيّ ﷺ سبعة أسياف= لا أصل له (٤).

стр. 2383

وأما الرمح؛ فقال البخاري في "صحيحه" (١): ويُذْكَر عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "جُعِل رِزْقي تحت ظلِّ رُمْحي، وجُعِل الذّلّةُ والصَّغَار على من خالف أمري". رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْت بين يدي السّاعة بالسّيف حتى يُعْبَد الله ﵎ وحدَه لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رُمحي، وجُعِل الذِّلّة والصّغَار على من خالف أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم". روى أبو داود بعضَه. وقد روى الطبراني في "معجمه" (٣) حديثًا جامعًا في أسماء آلاته عن

стр. 2384

ابن عباس قال: "كان لرسول الله ﷺ سيفٌ قائمته فضّة، وقَبِيعته من فضّة، وكان يسمّى: ذا الفِقَار، وكان له قوس يسمّى: السَّداد، وكانت له كِنانة تسمى: الجمع، وكانت له درع موشَّحة بالنّحاس تسمّى: ذات الفضول، وكانت له حربة تسمى: النبعاء، وكان له مِجَنّ يسمى: الدقن (١)، وكان له تُرْس أبيض يسمى: الموجز، وكان له فرس أدهم يُسمى: السَّكَب، وكان له سَرْج يسمى: الراح (٢)، وكانت له بغلة شهباء [ق ٥٦] يقال لها: دُلْدُل، وكانت له ناقة تسمى: القَصْواء، وكان له حِمَار يسمّى: يعفور، وكان له بساط يسمى: الكرد (٣)، وكانت له عَنَزَة تسمى: النمر، وكانت له ركوة (٤) تسمى: الصادر، وكانت له مِرْآة تسمى: المرآة، وكان له مِقْراض يسمى: الجامع، وكان له قضيبُ شَوحَطٍ يسمى: الموت (٥) ".

стр. 2385

وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ (٢) يوم بدر وهو في قبة: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد بعد اليوم". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حَسْبُك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، وهو في الدِّرْع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٥ - ٤٦]. وروى أهل السنن: "أن النبي ﷺ ظاهَرَ يوم أُحدٍ بين دِرْعَين" (٣). وفي "الصحيحين" (٤) عن سهل بن سعد (٥): أنه سُئل عن جُرْح النبي ﷺ يوم أحد؟ فقال: جُرِحَ وجه رسول الله ﷺ ، وكُسِرت رَباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه. فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عليّ بن أبي طالب يسكُب عليها بالمِجنّ. فلما رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعةَ حصير، فأحرقته حتى صار
следующие страницы →